جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
351

سياق النصوص خصوصا ما تضمن منها القيام في المعبر من كون المشي في الطريق ضرورة كون المفروض فيها نذر المشي إلى بيت الله لا الحج ماشيا، و بينهما فرق و تبادر بعض الأفراد إلى الذهن غير مجد إذا لم يكن على وجه ينتفي الظن بعدم إرادة الغير.

و كيف كان ففي المتن و القواعد و غيرهما أنه يقوم في مواضع العبور المضطر إليها كالسفينة و نحوها، بل في الحدائق انه المشهور، ل

خبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فمر في المعبر قال: فليقم في المعبر قائما حتى يجوز»

و لأن المشي يتضمن القيام و الحركة، و لا يسقط الميسور منهما بالمعسور، لكن في محكي المعتبر و المنتهى و التحرير و التذكرة و أيمان الكتاب و القواعد الاستحباب، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب دونه، و انصراف نذر المشي إلى ما يمكن فيه ذلك دون ما لا يمكن، فيبقى أصل البراءة، و منع دخول القيام في المشي، لأنه السير راجلا، بل الحركة أولى منه بالوجوب، و عدمه فيها و انتفاء الفائدة مشترك بينهما، و كونه تعظيما للمشاعر و طريقها خروج عما نحن فيه، و لو اضطر إلى ركوب البحر من بلده إلى مكة سقط القيام قطعا للحرج، و الخروج عن لفظ النص و الفتوى، لكن في كشف اللثام أنه يمكن القول به إن أمكن الارساء عند الإعياء، و نحوه ركوبه أو ركوب نهر أياما، و لو تعارض العبور في سفينة و جسر تعين الثاني إذا لم يحصل مانع يسقط معه التكليف.

و على كل حال فان ركب ناذر المشي المتمكن منه جميع طريقه قضى مع فرض تعين السنة بالنذر، بل يكفر عن النذر، و إلا أعاد، لعدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

352

صدق امتثاله، بل في المدارك أنه يستفاد من ذلك فساد الحج، لعدم وقوعه عن المنذور للمخالفة و لا غيره لعدم النية، لكن في كشف اللثام أنه احتمل في المعتبر و المنتهى و التحرير و المختلف سقوط قضاء المعين، لأن المشي ليس من أجزاء الحج و لا صفاته و لا شروطه، و قد أتى به، و انما عليه لإخلاله بالمشي الكفارة، بل لعله الظاهر من أيمان القواعد و التحرير و الإرشاد، بل في الكشف هو قوي إلا ان يجعل المشي في عقد النذر شرطا، كما فصل في المختلف بل قال أيضا:

«إنه يجري ما ذكر في المطلق، لأنه لما نوى بحجة المنذور وقع عنه، و انما أخل بالمشي قبله و بين أفعاله، فلم يبق محل للمشي المنذور ليقضي إلا ان يطوف أو يسعى راكبا، فيمكن بطلانهما، فيبطل الحج حينئذ إن تناول النذر المشي فيهما» و يقرب من ذلك ما في المدارك، فإنه بعد ان حكى ما سمعته عن المعتبر قال: و هو انما يتوجه إذا كان المنذور الحج و المشي غير مقيد أحدهما بالآخر و المفهوم من نذر الحج ماشيا خلاف ذلك، و التحقيق صحة الفعل مطلقا سواء كان المنذور الحج ماشيا أو المشي فيه، و سواء كان معينا أو مطلقا، ضرورة عدم صلاحية النذر لإثبات الشرطية التي هي حكم وضعي، كعدم صلاحيته للتنويع، و قصد الوفاء بالفعل عنه لا ينافي قصد القربة به، و ليس النذر إلا كالإجارة، نعم تجب الكفارة في بعض الأفراد، كما أنه يبقى المكلف به بالنذر في الذمة في بعض آخر و قد أوضحنا جميع أطراف المسألة في نذر الموالاة في الوضوء من كتاب الطهارة فلاحظ و تأمل.

هذا كله إن ركب جميع طريقه و أما إن ركب بعضا ف قيل و القائل الشيخان و جماعة يقضي و يمشي موضع ركوبه لأن الواجب عليه قطع المسافة ماشيا، و قد حصل بالتلفيق، فيخرج عن العهدة، إذ هو انما نذر

353

حجا يكون بعد المشي في جميع طريقه، و قد حصل، و لأنه أخل بالمنذور فيما ركب فيه فيقضيه و قيل و القائل ابن إدريس بل يقضي ماشيا لإخلاله بالصفة المشترطة، و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده في الجملة، لعدم الصدق بدون ذلك، ضرورة كونه نذر المشي إلى الحج في جميع طريقه، و لم يحصل في شيء من الحجين، لكن في المدارك «هو جيد إن وقع الركوب بعد التلبس بالحج، إذ لا يصدق على من ركب في جزء من الطريق بعد التلبس بالحج انه حج ماشيا، بخلاف ما إذا وقع الركوب قبل التلبس بالحج مع تعلق النذر بالمشي من البلد لأن الواجب قطع تلك المسافة في حال المشي و إن فعل في أوقات متعددة و هو يحصل بالتلفيق، إلا أن يكون المقصود قطعها كذلك في عام الحج» و فيه ما لا يخفى، كما انه لا يخفى عليك جريان ما تقدم من الكلام في صحة الحج و فساده هنا، فان الجميع من واد واحد، و على كل حال فما في خبر إبراهيم بن عبد الحميد ابن عباد بن عبد الله البصري (1) سأل الكاظم (عليه السلام) «عن رجل جعل لله نذرا على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام فمشى نصف الطريق أو أقل أو أكثر قال:

ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فليتصدق به»

لا بد من حمله على استحباب ذلك للعاجز.

و كيف كان ف لو عجز أي الناذر للمشي سقط عنه إجماعا بقسميه و نصوصا (2) و لعدم التكليف بما لا يطاق، نعم قيل و القائل الشيخ و جماعة على ما حكي يركب و يسوق بدنة ل

صحيح الحلبي (3) «قلت لأبي عبد الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من كتاب النذر و العهد- الحديث 2 و فيه عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سأله عباد بن عبد الله البصري.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج- الحديث 0.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

354

(عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله و عجز أن يمشي قال: فليركب و ليسق بدنة، فان ذلك يجزي إذا عرف أنه من الجهد»

و صحيح ذريح المحاربي (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه قال: فليركب و ليسق الهدي»

و لما في محكي الخلاف من الاستدلال عليه بالاحتياط و إجماع الطائفة و أخبارهم، لكن في كشف اللثام «أن كلامه يحتمل الوجوب على من ركب قادرا على المشي ثم عجز عن القضاء» و قيل و القائل المفيد و ابن الجنيد و يحيى بن سعيد و الشيخ في نذور الخلاف، بل في كشف اللثام «أنه يحتمله كلام الشيخين و القاضي و نذر النهاية و المقنعة و المهذب» يركب و لا يجب عليه أن يسوق لانتفاء القدرة على المنذور، فلا يستوجب جبرا، و لذا تركه في صحيح رفاعة بن موسى (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله قال: فليمش، قلت: فإنه تعب فقال: إذا تعب ركب»

و صحيح ابن مسلم (3) سأل أحدهما (عليهما السلام) «عن رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله تعالى فلم يستطع قال: يحج راكبا»

و كذا غيرهما، بل في خبر عنبسة (4) التصريح بعدم وجوبه، قال: «نذرت في ابن لي إن عافاه الله تعالى أن أحج ماشيا فمشيت حتى بلغت العقبة فاشتكيت فركبت ثم وجدت راحة فمشيت فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة و لو شئت أن أذبح لفعلت و علي دين فقال: إني أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: شيء واجب أفعله فقال: لا، من جعل

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 8- من كتاب النذر و العهد- الحديث 5.

355

لله عليه شيئا فبلغ جهده فليس عليه شيء»

و رواه ابن إدريس في المحكي من مستطرفات سرائره نحو ذلك و قيل و القائل ابن إدريس في أحد النقلين عنه:

إن كان النذر مطلقا توقع المكنة من الصفة فان لم تحصل سقط و إن كان النذر معينا بوقت سقط فرضه من أصله لعجزه كما في غيره من النذور، لكن المحكي من عبارة ابن إدريس خلاف ذلك، قال:

«و من نذر أن يحج ماشيا ثم عجز عنه فليركب و لا كفارة عليه، و لا يلزمه شيء على الصحيح من المذهب، و هو مذهب شيخنا المفيد في المقنعة» إلى آخره، و قيل كما عن الفاضل في المختلف «إن كان النذر معينا ركب و لا شيء عليه، و إن كان مطلقا توقع المكنة» فتكون الأقوال حينئذ أربعة، بل ما سمعته من المدارك يكون خامسا.

و كيف كان فقد عرفت ان المروي في الصحيحين الأول و لكن الذي يقوى أن السياق فيهما ندب لما عرفته من خبر عنبسة و غيره، و ما في المدارك- من عدم التنافي بين ما دل على الوجوب و بين صحيح رفاعة و ابن مسلم، لأن عدم الذكر أعم من ذلك، و أما خبر عنبسة فهو ضعيف السند، لأن راويه واقفي- في غير محله، إذ عدم الذكر في مقام البيان لا ينكر ظهوره في عدم الوجوب، و خبر عنبسة من قسم الموثق الذي هو حجة عندنا، و كذا ما فيها أيضا من أن «المعتمد ما ذهب اليه ابن إدريس إن كان العجز قبل التلبس بالإحرام، و إن كان بعده اتجه القول بوجوب إكماله و سياق البدنة و سقوط الفرض بذلك عملا بظاهر النصوص المتقدمة، و التفاتا إلى إطلاق الأمر بوجوب إكمال الحج و العمرة مع التلبس بهما، و استلزام إعادتهما هنا المشقة الشديدة» ضرورة عدم هذا التفصيل في النصوص، بل يمكن القطع بعدمه فيها، و الأمر بإتمام الحج و العمرة أعم من الاجتزاء به عن النذر، و لذا لم يجزيا عن حج

356

الإسلام لو فساد و إن وجب إتمامهما أيضا كما هو واضح، فلا ريب في أن الأقوى الثاني، عملا بالنصوص المستفيضة من غير فرق بين النذر المطلق و المعين، و بين من عرف من نفسه العجز عن المشي قبل الشروع و بين من عرض له ذلك في الأثناء و بين العجز المأيوس من ارتفاعه و غيره حتى لو علم التمكن في عام آخر في وجه، و خروج جملة من ذلك عن القواعد غير قادح بعد صلاحية المعتبرة لذلك سندا و دلالة و عملا، فيكون حاصلها أن ذلك كيفية حاصلة للحج المنذور، بل قد يلحق به غيره من زيارة أحد المشاهد و نحوها، نعم قد يقال بوجوب مقدار ما يستطيعه من المشي كما يومي اليه صحيح رفاعة (1) و غيره، بل في خبر سماعة و حفص (2) المروي عن نوادر ابن عيسى «سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حاجا قال: فليمش، فإذا تعب فليركب»

و مرسل حريز (3) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «إذا حلف الرجل أن لا يركب أو نذر أن لا يركب فإذا بلغ مجهوده ركب».

[القول الثالث في النيابة في الحج]

القول الثالث في النيابة في الحج

[شرائط النائب ثلاثة الإسلام و كمال العقل و أن لا يكون عليه حج واجب]

و لا خلاف بين المسلمين في أصل مشروعيتها، بل لعله من ضروريات الدين، نعم لها شرائط منها ما يتعلق ب النائب و عن بعض النسخ «النيابة» و لعلها ألصق بتمام التفريع في العبارة، و الأمر سهل، و على كل حال فهي ثلاثة: الإسلام و كمال العقل و أن لا يكون عليه حج واجب، فلا تصح

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج الحديث 12.

357

نيابة الكافر إجماعا بقسميه، لعدم صحة عمله، و لعجز بعض أفراده عن نية القربة و اختصاص أجره في الآخرة بالخزي و العقاب دون الأجر و الثواب اللازمين لصحة العمل، بل الظاهر مساواة المخالف بل غير الإمامي للكافر في ذلك، فلا تصح نيابته أيضا، لعدم صحة عمله، و عدم وجوب إعادته عليه لو استبصر تفضل كالكافر لو أسلم، نحو التفصيل علينا بإجراء جملة من أحكام المسلمين عليه في الدنيا لا لأن عمله صحيح، و لو سلم فغاية ذلك الصحة بشرط موافاة الايمان، و البحث في عدم صحة نيابته من حيث كونه مخالفا، على أنه قد تمنع الصحة في نحو ذلك حتى لو استبصر، لظهور النصوص (1) التي خرجنا بها عن القواعد في غيره.

و كذا لا تجوز نيابة المسلم عن الكافر لما عرفت من عدم انتفاعه بذلك، و اختصاص جزائه في الآخرة بالخزي و العقاب، و النهي عن الاستغفار (2) له و الموادة (3) لمن حاد الله تعالى، و احتمال انتفاعه بالتخفيف عنه و نحوه يدفعه لزوم الثواب الذي هو دخول الجنة و نحوه لصحة العمل و لو من حيث الوعد بذلك لا التخفيف و نحوه، مع إمكان منع قابليته له أيضا في عالم الآخرة، كما يومي اليه نصوص (4) تعجيل جزاء بعض أعماله في الدنيا التي هي

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب مقدمة العبادات و الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة و الباب 23 من أبواب وجوب الحج.

(2) سورة التوبة- الآية 81 و 85.

(3) سورة المجادلة- الآية 22.

(4) البحار- ج 67 ص 233 و 242- الباب- 12- الحديث 48 و 77 الطبع الحديث.

358

جنته كالانظار لإبليس و نحوه، و ما في بعض النصوص (1)- من انتفاع الميت بما يفعل عنه من الخير حتى أنه يكون مسخوطا فيغفر له، أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه- في غيره من المؤمنين، نعم في بعضها (2) أنه إن كان ناصبا نفعه ذلك بالتخفيف عنه إلا أنه مع اشتماله على الناصب معارض بغيره مما دل كتابا (3) و سنة (4) على عدم نفعه أي المخالف، و أنه ما له في الآخرة من نصيب، و أنه يجعل الله أعماله هباء منثورا، و أنهم أشد من الكفار نارا، و كذا احتمال كون الحج عنه مع فرض استطاعته له و تقصيره فيه من الواجبات المالية- لأنه كالدين، فيتعلق بماله بعد موته، و يؤدى عنه و إن لم ينتفع به كالزكاة و الخمس، فينوي القربة مباشر الفعل من حيث مباشرته نحو ما سمعته في الزكاة- مدفوع بمنع كون الحج كذلك و إن ورد فيه انه كالدين، و قلنا بخروجه من أصل المال، لكنه في سياق غير ذلك.

بل لا تجوز نيابته عن المسلم المخالف الذي هو كافر في الآخرة فيجري فيه نحو ما سمعته من غير فرق فيه بين الناصب منه و غيره، بل و المستضعف منهم و غيره و الأب و غيره، خلافا للمحكي عن الجامع و المعتبر و المنتهى و المختلف

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الاحتضار من كتاب الطهارة و الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 8 من كتاب الصلاة.

(3) سورة الشورى- الآية 19.

(4) الوسائل- الباب- 29- من أبواب مقدمة العبادات و المستدرك الباب 27 منها- الحديث 61 و 64.

359

و الدروس فجوزوها عن غير الناصب مطلقا لكفره و إسلام غيره و صحة عباداته، و لذا لا يعيدها لو استبصر، و للشيخ فلم يجوزها مطلقا إلا أن يكون أب النائب كالفاضلين هنا و القواعد، ل

صحيح وهب بن عبد ربه أو حسنه (1) سأل الصادق (عليه السلام) «أ يحج الرجل عن الناصب؟ فقال: لا، قال: فان كان أبي قال: إن كان أباك فنعم»

و ربما ألحق به الجد للأب و إن علا دونه للأم، و للشهيد في المحكي من حواشي القواعد فجوزها للمستضعف، لكونه كالمعذور، و في الأول ما عرفت، و الثاني مع معارضته بالإجماع المحكي عن ابني إدريس و البراج قاصر عن مقاومة ما دل على المنع، و أنه في الآخرة أعظم من الكفار الذين لا يجوز لهم الاستغفار و لو كانوا آباء، كما يومي اليه اعتذاره (2) تعالى عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه كان عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهٰا إِيّٰاهُ، و أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، بل نهى النبي (صلى الله عليه و آله) (3) عن الاستغفار للمنافقين الذين لا ريب في اندراج المخالفين فيهم حتى قال الله تعالى (4) «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَهُمْ» بل ما ورد (5) في كيفية الصلاة على المنافق كاف في إثبات حاله في ذلك العالم، مضافا إلى قطع علقة الأبوة و النبوة بين المسلم و غيره، كما يومي اليه قوله تعالى (6) «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ» هذا.

و في كشف اللثام أنه يمكن أن يكون الفرق بين الأب و غيره تعلق الحج

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

(2) سورة التوبة- الآية 115.

(3) سورة التوبة- الآية 85.

(4) سورة التوبة- الآية 81.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصلاة الجنازة- الحديث 1 و 9 و الباب 5 منها- الحديث 1 و 5 و 18 و 25 من كتاب الطهارة.

(6) سورة هود (عليه السلام)- الآية 48.

360

بالمال، فيجب على الولي الإخراج عنه أو الحج عنه بنفسه، و لفظ الخبر لا يأبى الشمول لهما، و بالجملة فليس لأثابه المنوب عنه، و يمكن أن يكون سببا لخفة عقابه و انما خص الأب به مراعاة لحقه، و عن

إسحاق بن عمار (1) أنه سأل الكاظم (عليه السلام) «عن الرجل يحج فيجعل حجته أو عمرته أو بعض طوافه لبعض أهله و هو عنه غائب ببلدة أخرى فينقص ذلك من أجره، قال: لا، هي له و لصاحبه، و له أجر سوى ذلك بما وصل، قال: و هو ميت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له، أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه، قال: فيعلم هو في مكانه إن عمل ذلك لحقه قال: نعم، قال: و إن كان ناصبا ينفعه ذلك قال:

نعم يخفف عنه»

و فيه أن الحج و إن كان له شبه بالماليات في الإخراج من الأصل و نحوه كالزكاة و الخمس لكن من المعلوم ان دينيته لله وحده لا شريك له، فلا يمكن قضاؤه عنه إلا مع صلاحية أدائه عنه، بخلاف حق الزكاة و الخمس فإن الدينية فيه لله و للناس، فإذا أدى من ماله حصل ردا لمظلمة إلى أهلها، و بقي العقاب عليه بالنسبة إلى حق الله، فلا ريب في عدم خروج الحج الواجب من أصل المال في الكافر و المخالف، لعدم انتفاعه به، و احتمال وجوبه لأن يحج به الناس عقوبة و إن لم يكن عنه لا دليل عليه، بل لعل ظاهر الأدلة خلافه، حتى ما دل على خروج الحج من المال، ضرورة ظهورها فيمن يحج عنه بعد موته، كما هو واضح، و تخفيف العقاب بفعل الخير عن الميت لم يثبت في غير المؤمن، و الخبر المزبور قاصر عن معارضة ما دل من الكتاب و السنة على خلاف ذلك، فيبقى حينئذ جميع ما شك فيه على الأصل الذي هو مقتضى قوله تعالى (2):

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 5.

(2) سورة النجم- الآية 40.

361

«وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ» فالتحقيق حينئذ اعتبار الايمان في النائب و المنوب عنه، و الله العالم.

و مما يتفرع أيضا على اعتبار كمال العقل أنه لا تصح نيابة المجنون مطبقا أو أدوارا حال دوره لانغمار عقله بالمرض المانع عن القصد المعتبر، فلا يكون فعله صحيحا و كذا الصبي غير المميز و إن حج به الولي و هل تصح نيابة المميز؟ قيل: لا تصح لاتصافه بما يوجب رفع القلم فلا وثوق بفعله و قوله، إذ ذلك لا ينافي مشروعية أصل النيابة، بل لأن عبادته تمرينية فلا تقع لنفسه فضلا عن غيره، أو للشك في تناول دليل النيابة له و إن قلنا بشرعية عبادته و قيل: نعم تصح لأنه قادر على الاستقلال بالحج ندبا بناء على شرعية عباداته، و لا شك في شمول دليل النيابة له، و حيث كان المختار عندنا صحة عمله لكن على وجه التمرين لا على كيفية أمر المكلف بالنافلة مثلا- لاختصاص ما عدا ذلك بالمكلفين، لأن الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعالهم من غير فرق بين خطاب الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة، بل لا يبعد إلحاق خطاب الإباحة بها، و ان عدم مؤاخذة الصبي لارتفاع القلم عنه كالمجنون، لا لأنه مخاطب بالخطاب الإباحي، نعم لما أمر الولي بأمره بالعبادة و كان الظاهر من هذا الأمر إرادة التمرين كان هو أيضا مأمورا بما أمر به الولي من التمرين بناء على ان الأمر بالأمر أمر لكن على جهة ذلك الأمر، فيكون عمله على جهة التمرين مشروعا- كان المتجه عدم صحة نيابته عن الغير، ضرورة اختصاص جهة التمرين به و ان استحق هو عليه الثواب من هذه الجهة، بل يجوز إهداؤه إلى الغير بإذن الولي أو مطلقا كما هو الأقوى، لاختصاص دليل الحجر في غير ذلك، لكن لا يقع منه بعنوان النيابة عن الغير المخاطب بالفعل لنفسه وجوبا أو ندبا، و أوضح من ذلك لو قيل بأن التمرين فيه نحو تمرين الحيوانات على بعض الأعمال، فإنه

362

لا مشروعية لفعله من حيث نفسه أصلا، و انما يستحب للولي تمرينه و امره بذلك بل ربما قيل بعدمها مطلقا بناء على الشرعية التي هي على نحو شرعية الندب للمكلف باعتبار الشك في تناول إطلاقات النيابة لمثله، فيبقى حينئذ على مقتضى أصل عدم الجواز الموافق لقوله تعالى «لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ» و إن كان هو كما ترى لوضوح منع الشك، فتأمل جيدا.

[في وجوب نية النيابة و تعيين المنوب عنه]

و لا بد في الأفعال المفتقرة إلى النية من نية النيابة و تعيين المنوب عنه بلا خلاف أجده فيه، لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لأحدها إلا بالنية، كما أنه لا يتشخص لأحدهم مع تعددهم إلا بتعيينه، أما مع اتحاده فيكفي قصد النيابة عنه، و المراد ب تعيينه القصد بما يشخصه في نفس الأمر من اسم أو غيره و لو بقصد من له في ذمته مع فرض اتحاده.

ثم لا يخفى عليك أن نية الإحرام و الطواف عن فلان مثلا هي نية النيابة عنه، و كذا الإحرام بحج فلان مثلا، و على كل حال فالواجب قصد ذلك، و ما في صحيح ابن مسلم (1) «ما يجب على الذي يحج عن الرجل قال: يسميه في المواطن و المواقف»

محمول عليه أو على إرادة الاستحباب من الوجوب فيه، لعدم وجوب ذلك اتفاقا، و ل

صحيح البزنطي (2) «ان رجلا سأل الكاظم (عليه السلام) عن الرجل يحج عن الرجل يسميه باسمه فقال: إن الله لا تخفى عليه خافية»

و خبر المثنى ابن عبد السلام (3) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يحج عن الإنسان يذكره في جميع المواطن كلها فقال: إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل، الله يعلم أنه قد حج عنه، و لكن يذكره عند الأضحية إذا ذبحها»

نعم الظاهر رجحان ذلك كما

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 4.

363

سيصرح به المصنف و غيره خصوصا في الأضحية، ل

حسن ابن معاوية (1) قيل للصادق (عليه السلام): «أ رأيت الذي يقضي عن أبيه أو أمه أو أخيه أو غيرهم أ يتكلم بشيء؟ قال: نعم يقول عند إحرامه: اللهم ما أصابني من نصب أو شعث أو شدة فآجر فلانا فيه و آجرني في قضائي عنه»

و سأله الحلبي أيضا (2) عن مثل ذلك فقال: «نعم يقول بعد ما يحرم: اللهم ما أصابني في سفري هذا من تعب أو بلاء أو شعث فآجر فلانا فيه و آجرني في قضائي عنه»

و قد سمعت صحيح ابن مسلم (3) السابق، و المناقشة في عبارة المتن بإغناء قصد تعيين المنوب عن النيابة باردة، إذ يكفي عدم إغناء النيابة عنه.

[في صحة نيابة المملوك باذن مولاه]

و تصح نيابة المملوك باذن مولاه بلا خلاف بل و لا إشكال، لعموم الأدلة و إطلاقها، و ما عن بعض الجمهور من المنع لعدم إسقاطه فرض الحج عن نفسه فضلا عن غيره واضح الفساد.

[في عدم صحة النيابة لمن وجب عليه الحج]

و لا تصح نيابة من وجب عليه الحج و استقر بتقصيره بعدم فعله عام الاستطاعة الذي قد عرفت وجوب فعل الحج عليه مع تمكنه و لو مشيا، و من هنا لا تصح نيابته لما عرفته سابقا مفصلا إلا مع العجز عن الحج و لو مشيا فإنه يسقط عنه حينئذ، و تصح نيابته، حتى لو اتفق حصول التمكن له في الأثناء لم تنفسخ الإجارة، كما لا تنفسخ بتجدد الاستطاعة لحج الإسلام، بل لا يجب إلا مع بقائها إلى العام القابل، كما هو واضح.

[في عدم صحة الحج تطوعا ممن يجب عليه الحج]

و كذا لا يصح حجه تطوعا لما عرفته و حينئذ ف لو تطوع يقع باطلا، و لكن قيل و القائل الشيخ في محكي مبسوطة يقع عن حجة

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 3 حسن معاوية بن عمار.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 1.

364

الإسلام قهرا و هو تحكم واضح بعد عدم دليل عليه صالح للخروج به عن مقتضى القواعد و لو حج عن غيره لم يجز عن أحدهما لما عرفت.

و لمن حج واجبا فضلا عن غيره أن يعتمر عن غيره إذا لم تجب عليه العمرة، و كذا لمن اعتمر واجبا أن يحج عن غيره إذا لم يجب عليه الحج للعمومات السالمة عن المعارض، و تلبسه بأحد النسكين لا يمنع نيابته في النسك الآخر المفروض عدم خطابه به، إذ قد عرفت أنه لا تجوز نيابة من كان مكلفا به فورا متمكنا منه، للاتفاق عليه ظاهرا، و للنص الذي سمعت الكلام فيه، كما هو واضح، و الله العالم.

[في كراهة نيابة الصرورة]

و كيف كان فقد ظهر لك من ذلك كله انه لا إشكال في انه يصح نيابة من لم يستكمل الشرائط أي شرائط وجوب الحج و إن كان صرورة لإطلاق الأدلة، و خصوص جملة من النصوص (1) من غير فرق في ذلك بين الرجل و المرأة على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة فيجوز أن تحج المرأة عن الرجل و عن المرأة و بالعكس لإطلاق دليل النيابة و خصوص الامرأة،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح رفاعة (2): «المرأة تحج عن أخيها و أختها، و قال:

تحج عن أبيها»

و سأله معاوية بن عمار (3) أيضا «عن الرجل يحج عن المرأة و المرأة تحج عن الرجل فقال: لا بأس»

إلى غير ذلك، خلافا لما عن النهاية و التهذيب و المبسوط و المهذب من عدم جواز حج المرأة الصرورة عن غيرها، و الاستبصار من عدم جوازه عن الرجال، و لعل الأول ل

خبر سلمان بن جعفر (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب النيابة في الحج.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3 عن سليمان بن جعفر كما في الاستبصار ج 2 ص 323 الرقم 1144.

365

«سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة قال: لا ينبغي»

بناء على إرادة الحرمة منه كما في الحدائق، و الثاني ل

خبر شحام (1) عن الصادق (عليه السلام) «سمعته يقول: يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، و لا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة»

و خبر مصادف (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ تحج المرأة عن الرجل؟ قال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة و كانت قد حجت، رب امرأة خير من رجل»

و موثق عبيد بن زرارة (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه هل تجزي عنه امرأة؟ قال: لا، كيف تجزي امرأة و شهادته شهادتان، قال: إنما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة، و الرجل عن الرجل، و قال: لا بأس أن يحج الرجل عن المرأة»

و فيه منع إرادة الحرمة من «لا ينبغي» خصوصا في المقام الذي قد عرفت قوة دليله من النصوص المنجبرة بالعمل على وجه يقصر غيرها عن معارضتها سندا و دلالة، فالمتجه حينئذ حمله على الكراهة لمكان كونها صرورة.

بل لعل نيابة الرجل الصرورة لا تخلو منها و إن كانت الامرأة أشد، ل

مكاتبة بكر بن صالح (4) إلى أبي جعفر (عليه السلام) «ان ابني معي و قد أمرته أن يحج عن أمي أ يجزي عنها حجة الإسلام؟ فقال: لا، و كان ابنه صرورة و كانت امه صرورة»

و مكاتبة إبراهيم بن عقبة (5) اليه (عليه السلام) يسأله «عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط يجزي كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام أولا؟ بين لي ذلك يا سيدي إن شاء الله، فكتب لا يجزي ذلك»

بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

366

خبر بشير النبال (1) أوضح من ذلك دلالة على إرادة رجحان نيابة الرجل عليها قال: «سألته ان والدتي توفت و لم تحج فقال: يحج عنها رجل أو امرأة، قال:

أيهما أحب إليك؟ قال: رجل أحب إلى»

بل قد يستفاد من التأمل في جميع النصوص صريحها و ظاهرها و إشعارها كموثق عبيد بن زرارة و غيره أن للراجحية و المرجوحية جهتين: التساوي في الذكورة و الأنوثة و الصرورة و غير الصرورة، و النهاية في المرجوحية نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة، لاجتماع الجهتين فيها، و كذا نيابة الرجل الصرورة عن المرأة الصرورة إلا انها أقل باعتبار خفة صرورة الرجل بالنسبة إلى صرورة المرأة، و أما نيابة الرجل الصرورة عن الرجل ففيه جهة الصرورية فقط كالامرأة الصرورة عن الامرأة الصرورة، و كذا غير الصرورة مع المخالفة ليس فيه إلا جهة المخالفة، و الجامع للجهتين كالرجل غير الصرورة عن الرجل و الامرأة غير الصرورة عن الامرأة فيه الفضل، و خال عن جهة المرجوحية، نعم هذا كله من حيث نفس الذكورة و الأنوثة، و إلا فقد تحصل بعض المرجحات في خصوص بعض أفراد أحدهما على بعض افراد الآخر كما أشار إليه ب

قوله (عليه السلام): «رب امرأة خير من رجل»

بل ربما ظهر من

قوله (عليه السلام) في خبر بشير: «رجل أحب إلى»

ان الرجل غالبا خير من المرأة (عليه السلام) حتى مع فرض تساويهما في الأداء أو كون المرأة خيرا منه، و إلا لنافى ما سمعته في موثق عبيد، فتأمل جيدا.

[في النائب الذي مات بعد الإحرام و دخول الحرم]

و كيف كان ف من استؤجر مثلا و مات في الطريق فإن أحرم و دخل الحرم فقد أجزأت عمن حج عنه بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 8.

367

بقسميه عليه، لما سمعته سابقا من الخبرين (1) الذين و إن (2) كان موردهما الحج عن نفسه إلا ان الظاهر و لو بمعونة فهم الأصحاب كون ذلك كيفية خاصة في الحج نفسه سواء كان عن نفسه أو عن الغير، و سواء كان واجبا بالنذر أو غيره، فالمناقشة في ذلك من بعض متأخري المتأخرين في غير محلها لما عرفت، خصوصا بعد ان كان فعل النائب فعل المنوب عنه، و الفرض أجزاؤه في الثاني فيجزي في الأول، مضافا إلى

موثق إسحاق بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج قال: إن مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الأول»

المحمول و لو بقرينة ما عرفت على إرادة ما بعد الإحرام و دخول الحرم، و عدم العمل بما دل عليه مما هو أزيد من ذلك للمعارض الذي هو أقوى منه لا يقدح في العمل به فيما نحن فيه.

و منه يعلم وجه الاستدلال بغيره من النصوص (4) مما هو نحوه في الدلالة حتى

مرسل المفيد (5) في المقنعة «من خرج حاجا فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، فان مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج و ليقض عنه وليه»

فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة.

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1 و 2.

(2) العبارة غير مستقيمة فلا بد من إسقاط «الذين» أو إسقاط «و ان» حتى تكون صحيحة.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1 رواه مضمرا كما في الكافي ج 4 ص 306 و التهذيب ج 5 ص 417 الرقم 1450.

(4) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج.

(5) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

368

كما انه لا إشكال في عدم استحقاق المستأجر رد ما قابل المتخلف من الأجرة بعد الإجماع المحكي من جماعة على ذلك و نفي الخلاف من آخر، بل نسبه بعضهم إلى دلالة النصوص أيضا، مع إمكان القول بأن عقد الإجارة انما يقتضي تأدية الحج من الأجير على حسب تكليفه من نسيان و سهو و إجزاء و غير ذلك، فيكون ما وقع منه في الفرض من أفراد العمل المستأجر عليه حقيقة، نحو المستأجر على صلاة مثلا فنسي فيها ما لا يبطلها، فإنه لا إشكال في استحقاق الأجير تمام الأجرة ضرورة كون محل البحث حال الإطلاق المجرد عن التصريح بالتوزيع مع اتفاق النقصان و عن عدمه لو اتفق عدمه، و الظاهر ما ذكرناه في هذا الحال و إن كان الحاضر في ذهن الأجير و المستأجر الإتيان بكمال الأفعال، لكن لا على وجه تقسيط الأجرة، بل كان لأنه أول الأفراد في الاجزاء، فالمناقشة حينئذ من بعض متأخري المتأخرين في عدم استحقاق المستأجر رد ما قابل المتخلف بأنه و إن حصل المبرئ للذمة لكنه ليس تمام ما استؤجر عليه- فيستحق حينئذ رد المقابل للمتخلف و إن حصل المبرئ للذمة الذي ليس هو تمام المستأجر عليه- في غير محلها، خصوصا مع ملاحظة ما حكي من الإجماعات المعتضدة بعدم الخلاف و غيره.

[في حكم النائب الذي مات قبل الإحرام]

نعم لو مات قبل ذلك لم يجز ما وقع منه قبل الإحرام قطعا بل إجماعا بقسميه و إن ورد جملة من النصوص (1) بأنه يعطى المنوب حجة النائب إن كان قد حج سابقا، و إلا كتبه الله له حجة مع فرض عدم مال للنائب يستأجر به عما في ذمته، لكن المراد منها- بعد حملها على تقصير النائب في الأداء و إتلاف الأجرة في غير الحج أو نحو ذلك- بيان وصول عوض للمنوب بدل دراهمه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب النيابة في الحج.

369

و ان الله تعالى شأنه لا يضيع ماله إذا فرض وقوع ذلك و لم يعلم الولي بل استأجره و اعتمد على أصالة عدم تقصير المسلم فيما يجب عليه، لا ان المراد منها الإجزاء حقيقة بحيث لو علم الولي بذلك و أمكنه الاستيجار عنه ثانيا و ثالثا لم يجب عليه فإنه من المقطوع ببطلانه، ضرورة عدم فراغ المنوب عنه بمجرد الاستيجار، بل لا بد من الفعل معه كما هو واضح، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من العمل بهذه النصوص غير مستأهل للالتفات، كغيره من مخالفاته الناشئة عن اختلال الطريقة، نعوذ بالله منه.

و من هنا قال المصنف: في الفرض عليه أن يعيد من الأجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا و عائدا مع فرض اشتراط المباشرة في الحج كي يتجه انفساخ الإجارة حينئذ بموته، فيحتاج إلى التقسيط المزبور وفاقا لجماعة من الأصحاب، بل ينبغي القطع به مع فرض دخول قطع المسافة كذلك في العمل المستأجر عليه، ضرورة اقتضاء قاعدة الإجارة ذلك على ما أوضحناه فيها، لكن ينبغي حينئذ تعيين المسافة، و إلا بطلت الإجارة للجهالة، ضرورة شدة اختلافها فمع فرض ذكرها في عقد الإجارة كي يتجه التقسيط الذي لا وجه له مع فرض عدم ذكرها في العمل المستأجر عليه لا بد من تعينها، و إلا كان فيه من الغرر ما لا يخفى، و من ذلك يعلم ما في إطلاقهم، و هل يجزي غير المعين عنه مع رضاء المستأجر على وجه يلحقه التقسيط أيضا؟ وجهان.

و على كل حال فلا إشكال بل ينبغي القطع بعدم التوزيع مع التصريح بإرادة نفس العمل على وجه لا يستحق الأجير على مقدمات العمل شيئا إذا فرض صحة نحو ذلك، و انما الإشكال فيما لو أطلق الإجارة على الحج فهل يدخل فيها قطع المسافة ذهابا و إيابا على وجه يقتضي التوزيع و التقسيط أو لا يدخل و انما يراد نفس العمل، فلا تستحق المقدمات حينئذ شيئا، نعم يختص التوزيع على فعل

370

بعض العمل كما لو أحرم مثلا و مات قبل دخول الحرم؟ خيرة جماعة منهم الأول، و آخرين الثاني، و التحقيق أن المقدمات ملحوظة لكن في زيادة قيمة العمل نحو ملاحظة الأوصاف في المبيع، لا على جهة التوزيع في الأجرة و الثمن، فإذا فرض وقوع بعض العمل لوحظت قيمة ذلك البعض على وجه يحتاج إلى تلك المقدمة، فالتوزيع حينئذ بهذا المعنى في محله، و أما لو فرض وقوع المقدمات خاصة فقد يتجه استحقاق أجرة المثل فيها، لأصالة احترام عمل المسلم، الذي لم يقصد التبرع به بل وقع مقدمة للوفاء بالعمل المستأجر عليه فلم يتيسر له ذلك بمانع قهري، و عدم فائدة المستأجرة به- مع إمكان منعه بأن فائدته الاستيجار ثانيا من محل موته لا من البلد الذي تختلف الأجرة باختلافه- غير قادح في استحقاق الأجرة عليه نحو بعض العمل المستأجر عليه الذي لا استقلال له في نفسه كبعض الصلاة و نحوه نعم قد يحتمل في الفرض أن المستحق أكثر الأمرين من أجرة المثل و ما يقتضيه التقسيط أو أقلهما، و لكن الأقوى أجرة المثل، لعدم صحة التقسيط من أصله بعد فرض عدم اندراجها في عقد الإجارة على وجه تقابل بالأجرة كما هو واضح، و من ذلك يعلم ما في كلام كل من الطرفين، اللهم إلا ان يريدوا ما ذكرناه، و الله العالم.

هذا كله على المختار من عدم الاجزاء إذا مات قبل الإحرام أو بعده قبل دخول الحرام و من الفقهاء كالشيخ (رحمه الله) من اجتزأ بالإحرام و إن لم يدخل الحرم، بل ادعى انه منصوص عليه بين الأصحاب لا يختلفون فيه بل ربما استدل له بإطلاق خبر إسحاق (1) المتقدم المنزل على ذلك، و إلا فهو شامل لمن مات قبل الإحرام و لم يقل به أحد، فيجب حمله على ما ذكرنا لقاعدة

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

371

و الاقتصار و بذلك كله بان لك أن الأول أظهر كما عرفت الكلام فيه مفصلا، إذ المسألة من واد واحد على ما سمعت، و أما إذا مات قبل الإحرام فقد عرفت أنه لا خلاف في عدم إجزائه، بل الظاهر الإجماع عليه، مضافا إلى الأصل، خصوصا بعد أن كان كذلك في المنوب عنه الذي فعل النائب قائم مقامه و إلى عموم قول الصادق (عليه السلام) في مرسل المفيد (1) نعم في المرسل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أعطى رجلا ما يحجه فحدث بالرجل حدث فقال:

إن كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الأول، و إلا فلا»

و الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل أعطى رجلا مالا يحج به فمات قال: إن مات في منزله قبل أن يخرج فلا يجزي عنه، و إن مات في الطريق فقد أجزأ»

إلا أنهما مع إرسالهما لم أجد قائلا بهما، بل يمكن تحصيل الإجماع على خلافهما، فيجب طرحهما أو حملهما على ما عرفت، و اما احتمال اختصاص النائب بذلك فهو مقطوع بعدمه، و الله العالم.

[في وجوب الإتيان بما شرط على النائب]

و يجب أن يأتي بما شرط عليه من تمتع أو قران أو إفراد لقاعدة

«المؤمنون» (4)

و للأمر بالوفاء بالعقد (5) فلا يجزي حينئذ غير المعين عنه و إن كان أفضل، و في الحسن المضمر (6) «في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها حجة

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 4.

(4) المستدرك- الباب- 5- من أبواب الخيار- الحديث 7 من كتاب التجارة.

(5) سورة المائدة- الآية 1.

(6) الوسائل- الباب- 12- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2 و فيه عن الحسن بن محبوب عن علي (عليه السلام) إلا ان الشيخ (قده) قال بعد ذكره الخبر في التهذيب ج 5 ص 416 الرقم 1447 انه حديث موقوف غير مسند إلى احد من الأئمة (عليهم السلام).

372

مفردة قال: ليس له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج، لا يخالف صاحب الدراهم»

و لكن روي عن أبي بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) أنه إذا أمر أن يحج مفردا أو قارنا فحج متمتعا جاز لعدوله إلى الأفضل

قال: «في رجل أعطى رجلا دراهم يحج عنه حجة مفردة أ يجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم، انما خالف إلى الفضل»

و عن الشيخ و جماعة الفتوى بمضمونها، نعم مقتضى التعليل الواقع فيها اختصاص الحكم بما إذا كان المستأجر مخيرا بين الأنواع كالمتطوع و ذي المنزلين المتساويين في الإقامة بمكة و ناء و ناذر الحج مطلقا، لأن التمتع لا يجزي مع تعين الافراد فضلا عن ان يكون أفضل منه.

و لكن قال المصنف هذا يصح إذا كان الحج مندوبا أو قصد المستأجر الإتيان بالأفضل لا مع تعلق الغرض بالقران أو الافراد و في محكي المعتبر و المنتهى الاقتصار على المندوب، و في محكي المنتهى و التحرير ذلك أيضا مع العلم بقصد المستنيب الأفضل، و لذا قال في المدارك لم يستجود ما ذكره المصنف، قال: لأن مقتضاه ان كلا من نذر الحج أو قصد المستأجر الإتيان بالأفضل مصحح للحكم المذكور، و لا بد من اعتبارهما معا، و مع ذلك فتخصيص الحج بكونه مندوبا لا يظهر له وجه، فان ما ذكرناه من افراد الواجب مساو للندب في هذا المعنى و في القواعد و شرحها للاصبهاني و لو عدل النائب إلى التمتع عن قسميه و علم انه تعلق الغرض أي غرض المستنيب بالأفضل بأن يكون مندوبا أو منذورا مطلقا أو كان المنوب ذا منزلين متساويين فيتخير أي علم ان الأفضل مطلوب له أيضا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

373

و بالجملة التخيير أجزأ وفاقا للمعظم، إذ ما على المحسنين من سبيل، و لخبر أبي بصير (1) السابق، خلافا لظاهر الجامع و النافع و التلخيص و علي بن رئاب قصرا على النوع المأذون، و الجواب ان غيره في حكم المأذون، لفرض العلم بقصد التخيير و ان ذكر ما ذكر انما هو للرخصة في الأدنى، و إلا يعلم تعلق غرض بالأفضل فلا يجزي وفاقا للمعتبر و التحرير، لأنه غير ما استنيب فيه حقيقة و حكما، خلافا لظاهر أبي علي و الشيخ و القاضي فأطلقوا جواز العدول إلى الأفضل و يمكن إرادتهم التفصيل، و يؤيده ان غيره انما يكون أفضل إذا جاز فعله للمنوب و النائب، إلى غير ذلك من كلماتهم المتفقة على جواز العدول مع فرض التخيير و قصد المنوب الأفضل، لكن قد يناقش بما ظاهرهم الاتفاق عليه من كون المتمتع و القران و الافراد أنواعا للحج مختلفة، و انه يجب في الإجارة تعيين أحدهما، لاختلافها في الكيفية و الأحكام، و إلا لزم الغرر كما اعترف به في المدارك في صدر البحث، و حينئذ فالتخيير للمنوب عنه لكونه مندوبا أو لغير ذلك مع العلم بإرادة المستأجر الأفضل لا يجدي بعد تعيين الفرد بالإجارة، و دعوى أنه ذكر للرخصة في الأدنى لا يقتضي صحة الإجارة مع إرادة التخيير فيها، للغرر و الإبهام نعم لو قلنا بعد تعيين الفرد بالعقد باجزاء غيره عنه مع رضاء المستأجر نحو الوفاء بغير الجنس أمكن الاجزاء حينئذ لذلك، لا لأنه مقتضى عقد الإجارة، بل نحوه يجري في العدول إلى غير الأفضل عنه أيضا، و بذلك يظهر لك النظر في جميع تلك الكلمات التي مبناها العلم بإرادة التخيير في العمل المستأجر عليه كما لا يخفى على من لاحظها، و حملها على ذلك يأباه ظاهر بعضها و صريح آخر، و على تقديره فمرحبا بالوفاق، نعم يمكن حمل خبر أبي بصير عليه حتى ما فيه من التعليل بناء على

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

374

إرادة استفادة العلم برضا المستأجر بذلك باعتبار كون المعدول إليه أفضل، بل يمكن فرضه لا على طريق الفحوى بل بالقرائن حال الإجارة على رضاه بوقوع الأفضل عوضا عن المستأجر عليه، و كيف كان فمع عدم الاذن بذلك و لو فحوى بناء على الاجتزاء بها لو عدل لم يستحق عوضا، لكونه متبرعا حينئذ و إن وقع عن الميت باعتبار نية النائب، و ما عن التحرير و المنتهى من الإشكال في ذلك في غير محله، و إن وجه بأنه أتى بالعمرة و الحج و قد استنيب فيهما، و انما زادهما كمالا و فضلا، إلا أنه كما ترى، و الله العالم.

[لو شرط الحج على طريق معين لم يجز العدول إن تعلق بذلك غرض]

و لو شرط الحج على طريق معين لم يجز العدول إن تعلق بذلك غرض وفاقا للمشهور، لعموم «أَوْفُوا»

و «المؤمنون»

و قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط يجوز العدول مطلقا ل

صحيح حريز (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس، إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه»

و لعله لذا أطلق في محكي التهذيب الاجزاء إذا استؤجر للحج من بلد فحج من آخر، و في محكي النهاية و المهذب و السرائر جواز العدول من طريق استؤجر ليحج منه، و عن الجامع نفي البأس عنه، إلا أن الجميع كما ترى، و لا ظهور في الصحيح المزبور في جواز المخالفة حتى مع الغرض، و انما دل على صحة الحج و ان هذه المخالفة لا تفسده، و هو المراد بنفي البأس، و ذلك غير محل البحث، بل في كشف اللثام ظاهره عدم تعلق الغرض بالطريق، و في محكي التذكرة الأقرب أن الرواية إنما تضمنت مساواة الطريقين إذا كان الإحرام من ميقات واحد، أما مع اختلاف الميقاتين فالأقرب المنع، لاختلافهما قربا و بعدا و اختلاف الأغراض، و تفاوت الأجر بسبب تفاوتهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

375

بل في المدارك و كشف اللثام احتمال أن الكوفة صفة لرجل لا صلة ليحج، بل لعل المتجه للعموم المذكور عدم جواز العدول إلا مع العلم بانتفاء الغرض، بل في المدارك الأولى وجوب الوفاء بالشرط مطلقا، و إن كان قد يناقش بأن المراد بعدم الغرض الكناية عن عدم إرادة الإلزام بما ذكر من الشرط، و انما المراد هو أو غيره، فهو كالإجارة المطلقة التي لم يذكر فيها اشتراط طريق، و لا ريب في تخيير الأجير حينئذ.

كما أنه لا إشكال بل و لا خلاف في صحة الحج من حيث أنه حج لو خالف و حج على غير الطريق المشترط و إن استلزم الإحرام من غير ميقاته، بل حتى لو كان ابتداء الطريق المشترط من ميقات مخصوص، انما الكلام في صحته من حيث الإجارة، و قد قطع المصنف و غيره على ما اعترف به في المدارك بصحته كذلك، لأنه بعض العمل المستأجر عليه و قد امتثل بفعله، و لكن أشكله فيها بأن المستأجر عليه الحج المخصوص، و هو الواقع عقيب قطع المسافة المعينة و لم يحصل الإتيان به نعم لو تعلق الاستئجار بمجموع الأمرين من غير ارتباط لأحدهما بالآخر اتجه ما ذكروه، و في محكي التذكرة الأقرب فساد المسمى و الرجوع إلى أجرة المثل، و لم نجده لغيره بل ظاهر الجميع و صريح البعض تقسيط الأجرة ورد ما قابل الطريق أو بعضه منها، و ربما احتمل رد التفاوت بين الطريقين إن كان ما سلكه أسهل، و إلا لم يرد شيئا، لكنه واضح الضعف، و إن جزم به أيضا في محكي التذكرة إذا لم يتعلق غرض بالطريق، إلا أنك قد عرفت استحقاق الأجرة كاملة مع عدم تعلق الغرض على الوجه الذي ذكرناه.

و التحقيق أنه إن أريد بالشرطية في كلامهم الجزئية على معنى أنه ذكر الطريق على وجه الجزئية لما وقع عليه عقد الإجارة اتجه التقسيط، ضرورة كونه كتبعض الصفقة في المبيع حينئذ، بل لا يبعد تسلط المستأجر على الخيار، فله

376

الفسخ حينئذ و دفع أجرة المثل عما وقع منه، و إن كان المراد الجزئية من العمل المستأجر عليه على وجه التشخيص به فقد يتخيل في بادئ النظر عدم استحقاق شيء كما سمعته من سيد المدارك، لعدم الإتيان بالعمل المستأجر عليه، فهو متبرع به حينئذ، لكن الأصح خلافه، ضرورة صدق كونه بعض العمل المستأجر عليه و ليس هو صنفا آخر، و ليس الاستئجار على خياطة تمام الثوب فخاط بعضه مثلا بأولى منه بذلك، بناء على عدم الفرق بين التخلف لعذر و غيره في ذلك و ان اختلفا في الإثم و عدمه، لأصالة احترام عمل المسلم، بل لو شرط عليه عدم استحقاق أجرة مع عدم الإتيان به على الوجه المخصوص أشكل صحة الإجارة، لأن تشخيص العمل على وجه لا يصدق عليه أنه بعض العمل المستأجر عليه لا يتبع شرط المستأجر، و انما هي تابعة لمشخصاته الخارجية، و الفرض صدق الإتيان ببعض العمل المستأجر عليه و إن خالف التشخيص الذي صدر من المستأجر، فيرجع الشرط المزبور حينئذ إلى استئجار على عمل بلا أجرة، اللهم إلا أن يفرض الشرط على وجه يقتضي إسقاطه لما استحقه بعقد الإجارة من التقسيط، و هو غير ما نحن فيه، و إن أريد بشرطية الطريق في كلامهم معنى الشرطية التي هي في العقود التزام بأمر خارجي عما قوبل بالعوض في العقد فلا محيص عن القول باقتضاء التخلف الخيار في الفسخ و دفع أجرة المثل، و عدمه و دفع الأجرة تماما نحو الشرط في البيع و غيره من عقود المعاوضة، إذ ليس للشرط قسط من الثمن على وجه التوزيع، و دعوى أن نحو هذا الشرط في خصوص الإجارة كذلك لا دليل عليها، و انما أوجبنا أجرة المثل في الفرض مع الفسخ لوصول العمل إلى المستأجر مع عدم صدق التبرع به، فيبقى على مقتضى أصالة احترام عمل المسلم الذي كان مقابلا بمقتضى عقد الإجارة بشيء من الأجرة، فمع الفسخ يرجع إلى قيمته.

377

و بذلك كله ظهر لك المراد مما في جملة من عبارات الأصحاب و النظر في جملة أخرى، و خصوصا ما أطنب به الأصبهاني في شرحه من كثرة التشقيقات و الاحتمالات الظاهرة في صدورها منه قبل أن يعض على العلم بضرس قاطع، و من ذلك ما ذكره في صورة إرادة الشرطية المقابلة للجزئية- و كون المراد بالطريق ما قبل الميقات لا منه- من أنه «إن نوى الشرطية بمعنى عدم استحقاق الأجرة على تقدير المخالفة لم يستحق الأجير حينئذ شيئا اتحد الميقات أو لا، تعلق غرض بالطريق أم لا، و إلا فإن تعلق غرض بالطريق فاما أن يتحقق الغرض أو أفضل منه مع المخالفة- كأن يكون الغرض التأدي إلى ميقات مخصوص فخالف الطريق و سار إلى ذلك الميقات أو أفضل منه أو مساوية- فيجزيه ما فعله و يستحق به الأجرة كاملة، و إما أن يفوت الغرض ففيه الأوجه التي عرفتها: فساد المسمى و استحقاق أجرة المثل- و عدم الفساد مع رد التفاوت أو لا معه، و وجه رابع هو عدم استحقاق شيء لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و خامس و هو التفصيل بأنه إن كان الغرض شيئا متعلقا بما استؤجر له كالميقات و الاحتياط للوجوب من باب المقدمة لم يستحق شيئا، أو استحق أجرة المثل، أو المسمى مع الرد، و إلا كالمرور على أخ أو ضيعة استحق المسمى كاملا، و إن لم يتعلق به غرض استحق المسمى كاملا أو مع الرد» إذ هو جميعه كما ترى، و قس على هذا ما تركناه من كلامه، فإنه أيضا كذلك، و من الغريب عدم فرقه بين الشروط في عقود المعاملة و الشروط الشرعية لمشروط التي يجري فيها قاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و التحقيق ما عرفت، و لا ينافيه ما في كلام الأصحاب هنا من رد التفاوت بعد أن حملنا كلامهم على إرادة الجزئية من الشرطية لا معناها الذي ذكرناه، و هو متجه على قواعد الإجارة.

[في حكم من استؤجر لمباشرة حجة في سنة معينة]

و إذا استؤجر ل مباشرة حجة في سنة معينة لم يجز أن يؤجر

378

نفسه لمباشرة أخرى في تلك السنة قطعا، لعدم القدرة على التسليم، فتبطل الثانية حينئذ، و لو فرض اقترانهما بطلتا معا، بل قد يقال يكون الحكم كذلك مع عدم اعتبار المباشرة، فإنه و إن تمكن من الإتيان بهما بالاستنابة لكن يعتبر في الإجارة تمكن الأجير من العمل بنفسه، فلا يجوز إجارة الأعمى على قراءة القرآن على إرادة الاستنابة، ففي الفرض لا يجوز الإجارة الثانية للحج في تلك السنة و إن كان المراد بها أو بالأولى أو بهما ما يعم الاستنابة، و لكن قد ذكرنا في كتاب الإجارة احتمال الصحة، و لو كانت الإجارة الأولى مطلقة فعن الشيخ إطلاق عدم جواز الإجارة لأخرى حتى يأتي بالأولى، و قال المصنف و الفاضل في محكي المنتهى يمكن أن يقال بالجواز إن كان لسنة غير الأولى بل عن المعتبر الجزم به، و هو كذلك، لإطلاق الأدلة السالمة عن المعارض، بل في المدارك يحتمل قويا جواز الاستئجار للسنة الأولى إذا كانت الإجارة الأولى موسعة، إما مع تنصيص الموجر على ذلك أو القول بعدم اقتضاء الإطلاق التعجيل قال: و نقل عن شيخنا الشهيد في بعض تحقيقاته أنه حكم باقتضاء الإطلاق في كل الإجارات التعجيل، فيجب المبادرة بالعمل بحسب الإمكان، و مستنده غير واضح، و هو كذلك أيضا بناء على الأصح من عدم اقتضاء الأمر الفور، و الفرض عدم ظهور في الإجارة بكون قصد المستأجر ذلك، بل إن لم يكن إجماع فهو في الحج كذلك و إن صرح باقتضاء الإطلاق التعجيل فيه جماعة، اللهم إلا أن يفرض اقتضاء التعارف فيه ذلك، ثم على تقدير التعجيل المزبور فالظاهر صحة الإجارة الثانية المطلقة مع فرض علم المستأجر الثاني بالإجارة الأولى، ضرورة كون المراد به التعجيل بحسب الإمكان، أما مع عدم علمه فالظاهر أن له الخيار مع احتمال البطلان و عن المنتهى القطع بالجواز مع إطلاق الاجارتين، و في كشف اللثام و كأنه لدلالة سبق الأولى على تأخير الثانية.

379

و على كل حال فالتعجيل على القول به ليس توقيتا، و حينئذ فإن أهمل لم تنفسخ الإجارة و إن أثم بالتأخير، و يستحق الأجرة التامة، لكن في الدروس «و لو أطلق اقتضى التعجيل، فلو خالف الأجير فلا أجرة له» و ضعفه واضح، بل هو مناف لقوله فيها متصلا بذلك: «و لو أهمل لعذر فلكل منهما الفسخ في المطلقة في وجه قوي، و لو كان لا لعذر تخير المستأجر خاصة» و إن كان هو أيضا لا دليل عليه بحيث يعارض أصالة لزوم العقد، اللهم إلا أن يكون بنى ذلك على فهم اشتراط التعجيل، فيثبت الخيار حينئذ لفوات الشرط و إن كان مضمرا و إن كان هو كما ترى.

نعم تنفسخ الإجارة بفوات الزمان الذي عين للحج فيها سواء كان بتفريط أو لا، خلافا لأحد وجهي الشافعية بناء على كونه كتأخير الدين عن محله، و له وجه مع فرض كون التعيين المزبور بعنوان الشرطية، و لكن يثبت الخيار حينئذ، و لو قدمه عن السنة المعينة فعن التذكرة الأقرب الجواز، لأنه زاد خيرا، و هو المحكي عن الشافعي، و في المدارك في الصحة وجهان، أقربهما ذلك مع العلم بانتفاء الغرض في التعيين، و فيه أنه يرجع إلى عدم إرادة التعيين من الذكر في العقد، و حينئذ لا إشكال في الاجزاء، انما الكلام فيما اعتبر فيه التعيين، و لا ريب في عدم الاجتزاء به عن الإجارة إلا إذا كان بعنوان الشرطية لا التشخيص للعمل، و الله العالم.

[في حكم إحصار الأجير و صده]

و لو أحصر أو صد الأجير على الذهاب إلى الحج و فعله في سنة معينة قبل الإحرام و دخول الحرم استعيد من الأجرة بنسبة المتخلف بلا إشكال بل و لا خلاف إذا لم يضمن الحج من قابل، لانفساخ العقد، و احترام ما وقع من العمل و ما بقي، فيستحق كل منهما ما يخصه من المسمى كما في غير المقام مما استؤجر عليه من الأعمال، بل لو ضمن أي الأجير الحج في

380

المستقبل لم يلزم المستأجر إجابته للأصل و غيره، خلافا لما قيل من أنه يلزم إجابته، لوضوح ضعفه و إن نسب إلى ظاهر المقنعة و النهاية و المهذب، بل ربما قيل انه ظاهر المبسوط و السرائر و غيرها، و لذا حمله غير واحد على إرادة ما إذا رضي المستأجر بضمان الأجير بمعنى استئجاره ثانيا بالمتخلف من الأجرة و لو معاطاة، فإنه حينئذ لا إشكال فيه، كما لا إشكال في استحقاق الحج عليه سنة أخرى لو فرض إطلاق الإجارة، ضرورة عدم انفساخها بتعذر أحد أفرادها، بل الظاهر عدم الخيار لأحدهما في ذلك، للأصل و غيره، خلافا لما عن الشهيد من أنه يملكانه في وجه قوي، إلا أنه كما ترى.

أما لو صد بعد الإحرام و دخول الحرم أو بعد الإحرام فإنه و إن كان الحكم فيه كالأول أيضا من انفساخ الإجارة و الرجوع بما قابل المتخلف في المختار إلا أن فيه خلافا، فإن المحكي عن الخلاف ان الإحصار بعد الإحرام كالموت بعده في خروج الأجير عن العهدة، و عدم وجوب رد شيء عليه، و إن كان لا يخفى ضعفه، لعدم الدليل، و الاتفاق على عدم الاجزاء إذا حج عن نفسه فكيف أجزأ عن غيره، و اختصاص نص الاجزاء (1) بالموت، فحمله عليه قياس، لكنه (ره) نظمه مع الموت في سلك، و استدل عليه بإجماع الفرقة مع أن الحكم فيما نحن فيه منصوص لهم لا يختلفون فيه، و من هنا قال في كشف اللثام: «ظني أن ذكر الإحصار من سهو قلمه الشريف أو قلم غيره، و على كل حال فيمكن أن يكون تقييد المصنف بذلك إشارة إلى هذا الخلاف لا لاختياره الاجزاء كما ظن، و لعل هذا أولى مما عن المسالك من أنه يمكن أن يكون فائدة التقييد بقبلية الإحرام و دخول الحرم الاحتراز عما لو كان بعدهما، فإنه لا يتحقق استعادة الأجرة مطلقا، بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج.

381

يبقى على الاحكام إلى أن يأتي بقية المناسك مع الإمكان- إلى أن قال- إلا أن قيد دخول الحرم لا مدخل له في ذلك، بل مجرد الإحرام كاف فيه، لإمكان مناقشته بما في المدارك من أنه إن أراد بقوله: «مع الإمكان» إمكان الإتيان ببقية المناسك في ذلك العام فهو آت مع الصد قبل الإحرام، و إن أريد به ما هو أعم من ذلك لم يكن مستقيما؛ إذ المصدود يتحلل بالهدي، و لو صابر ففاته الحج تحلل بالعمرة كما سيجيء بيانه إن شاء الله، و لا أجرة له عليها، لأنه فعلها متحللة» و إن كان قد تدفع بأن مراده ما أشار إليه الكركي في فوائده على الكتاب من أن المحرم في بعض الأحوال يبقى على إحرامه حتى يأتي بالمناسك، لعدم تمكنه من الهدي أو العمرة التي يتحلل بها، و مثله قد يقال بعدم استعادة الأجرة فيه و إن استمر على ذلك إلى السنة القابلة و كان أجيرا على الحج في السنة الماضية، و ذلك لأنه بتلبسه بالحج في هذه السنة كان كمن حج فيها، و إن انتقل تكليفه اضطرارا إلى السنة القابلة ببقية المناسك، إذ هو حينئذ كمن أدرك اضطراري الحج و من فاته بعض الأجزاء التي تقضى بعد فوات الوقت، و كيف كان فمتى انفسخت الإجارة و كان الاستئجار واجبا استأجر من موضع الصد مع الإمكان، إلا أن يكون بين الميقات و مكة فمن الميقات، لوجوب إنشاء الإحرام منه.

[في حكم من استؤجر فقصرت الأجرة أو زادت]

و إذا استؤجر فقصرت الأجرة عن نفقة الحج لم يلزم المستأجر الإتمام للأصل السالم عن المعارض و كذا لو فضل عن النفقة لم يرجع عليه بالفاضل لذلك أيضا، و لأن من كان عليه الخسران كان له الجبران، من غير فرق في ذلك بين أن يكون قد قبض الأجرة أو لا، فيطالب بها جميعا أو بعضها مع عدم القبض، و يجب على المستأجر الدفع اليه، و كان تعرض المصنف و غيره لذلك مع وضوحه و عدم الخلاف فيه بيننا نصا و فتوى لتعرض النصوص له

382

و للتنبيه على خلاف أبي حنيفة المبني على ما زعمه من بطلان الإجارة، فلا يجب حينئذ على المستأجر الدفع للأجير، نعم عن النهاية و المبسوط و المنتهى استحباب الإتمام في الأول، لكونه من المعاونة على البر و التقوى، و التذكرة و المنتهى و التحرير و غيرها استحباب الرد في الثاني تحقيقا للإخلاص في العبادة، بل

عن المقنعة أنه قد جاءت رواية أنه «إن فضل مما أخذه فإنه يرده إن كانت نفقته واسعة، و إن كان قتر على نفسه لم يرده»

ثم قال: و على الأول العمل، و هو أفقه، و لعله أشار بذلك إلى

خبر مسمع (1) قال للصادق (عليه السلام): «أعطيت الرجل دراهم يحج بها عني ففضل منها شيء فلم يرده علي فقال: هو له، لعله ضيق على نفسه في النفقة لحاجته إلى النفقة»

إلا أنه كما ترى ضعيف الدلالة على ذلك، خصوصا مع ملاحظة

خبر محمد بن عبد الله القمي (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعطي الحجة يحج بها فوسع على نفسه فيفضل منها أ يردها عليه؟ قال: لا، هو له»

هذا، و في كشف اللثام أنه «إن شرطا في العقد الإكمال أو الرد لزم» و فيه أنه يمكن منع صحة مثل هذا الشرط في عقد الإجارة للجهالة، كما هو واضح، و الأمر سهل.

[في عدم جواز النيابة في الطواف الواجب للحاضر إلا مع العذر]

و على كل حال ف لا يجوز النيابة في الطواف الواجب للحاضر للأصل و مرسل ابن أبي نجران (3) عن الصادق (عليه السلام) «سئل: الرجل يطوف عن الرجل و هما مقيمان بمكة قال: لا، و لكن يطوف عن الرجل و هو غائب»

و لأن المريض المستمسك طهارته إذا لم يستقل بالمسير حمل و طيف به كما

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (4): «الكسير يحمل و يطاف به، و المبطون يرمي

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الطواف- الحديث 6.

383

و يطاف عنه و يصلى عنه»

و سأل صفوان (1) أبا الحسن (عليه السلام) «عن المريض يقدم مكة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت و لا أن يأتي بين الصفا و المروة قال: يطاف به محمولا يخط الأرض برجليه حتى يمس الأرض قدميه في الطواف، ثم يوقف به في أصل الصفا و المروة إذا كان معتلا».

فظهر من ذلك أنه لا يستنيب إلا مع العذر المانع من الطواف به أيضا للاجهاز عليه مثلا، أو لكونه كالإغماء و البطن و ما شابههما مما لا يمكن معه الطواف و لو بالحمل لعدم الطهارة فيجوز حينئذ، للمعتبرة المستفيضة ك

صحيح حبيب الخثعمي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يطاف عن المبطون و الكسير»

و صحيح حريز (3) عنه (عليه السلام) أيضا «المريض المغلوب و المغمى عليه يطاف عنه و يرمى عنه»

بل الظاهر جواز الاستنابة عن المغمى عليه فيهما من غير إذن منه و لا استنابة كما في سائر الإحياء لعدم قابليته، إلا أن يراد أنه يستنيب قبل الإغماء لظهور أماراته، و الإطلاق ينفيه، نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يرج البرء أو ضاق الوقت و إلا انتظر ل

خبر يونس (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) «سأله أو كتب اليه عن سعيد بن يسار انه سقط من جمله فلا يستمسك بطنه أطوف عنه و أسعى فقال: لا، و لكن دعه فإن برأ قضى هو و إلا فاقض أنت عنه»

هذا.

و لكن في كشف اللثام «ان المغمى عليه لم أر من تعرض له بخصوصه ممن قبل المصنف و ابني سعيد، نعم أطلقوا النيابة عمن لا يستمسك الطهارة- ثم

____________

(1) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الطواف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الطواف- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الطواف- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الطواف- الحديث 4.

384

قال-: و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (1): «المريض المغلوب و المغمى عليه يرمى عنه و يطاف به»

و الفرق بينهما أن الطواف فريضة و الرمي سنة» قلت: لعل ذلك اتكالا على ذكر المبطون الذي لا يستمسك طهارته، فان المغمى عليه أولى بعدم طهارة له و لو اضطرارية، و أما ما ذكره من الصحيح المزبور فالموجود فيما حضرني من نسخة التهذيب المعتبرة «و يطاف عنه» كما ذكرناه سابقا، نعم كتب عليها نسخة «و يطاف به» و الظاهر ان المعتبرة الأولى فإنه لا وجه للطواف به مع عدم طهارة له، بل لعل ذلك هو المدار في نحوه من غير فرق بين من لا يستمسك طهارته لبطن مثلا و غيره، و هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: «و ما شابههما» بل قد يقال باندراج الحائض في ذلك، ضرورة عدم تمكنها من الطهارة كالمبطون بل في كشف اللثام التصريح به، قال: و من أصحاب الأعذار أو الغيبة الحائض إذا ضاق الوقت أو لم يمكنها المقام حتى تطهر، و لا يكون لها العدول إلى ما يتأخر طوافه، كما يحمل عليه

صحيح أبي أيوب الخزاز (2) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل فقال: أصلحك الله ان معنا امرأة حائضا و لم تطف طواف النساء و يأبى الجمال ان يقيم عليها قال: فأطرق و هو يقول: لا تستطيع ان تتخلف عن أصحابها و لا يقيم عليها جمالها ثم رفع رأسه إليه فقال: تمضي فقد تم حجها»

و هي داخلة فيمن لا يستمسك الطهارة إذا ضاق الوقت، و إلا لم تستنب للطواف إلا إذا غابت، فلا يطاف عنها ما دامت حاضرة و إن علمت مسيرها قبل الطهر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الطواف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 13 و الفقيه ج 2 ص 245 الرقم 1176.

385

و في الدروس و في استنابة الحائض عندي تردد، قلت: لعله من ذلك و من عدم قابليتها لوقوع الطواف الذي هو كالصلاة منها، فكذا نائبها، و من بطلان متعتها و عدولها إلى حج الافراد لو قدمت إلى مكة حائضا و قد تضيق وقت الوقوف، إذ لو كانت النيابة في الطواف مشروعة في حقها لصحت متعتها، و من هنا قال في المدارك: إن الحيض ليس من الأعذار المسوغة للاستنابة في الطواف، نعم حكى فيها عن جده جواز استنابة الحائض في طواف الحج و طواف النساء مع الضرورة الشديدة اللازمة بانقطاعها عن أهلها في البلاد البعيدة، ثم قال: و هو غير بعيد، بل قوى الجواز في طواف النساء، بل قال: إن مقتضى صحيح أبي أيوب السابق جواز تركه و الحال هذه، قلت: هو و إن كان كذلك إلا أنه بقرينة عدم القائل به يجب حمله على الاستنابة، و لعله لا بأس به إذا فعلت ذلك بعد غيبتها و طهارتها لا أنه يطاف عنها مع حضورها حال حيضها، بل جعل المدار على ذلك في صحة الاستنابة عنها في الطواف متجه.

و كيف كان فظاهر المتن جواز الاستنابة للغائب مطلقا، بل هو صريح الدروس و القواعد و محكي الجامع و غيره، بل في كشف اللثام كأنه لا خلاف فيه حيا كان أو ميتا، و الأخبار به (1) متظافرة، و يؤيده جواز الحج و العمرة عنه بل لعل ظاهر الإطلاق ذلك و إن تمكن من الحضور، و إن كان لا يخلو من إشكال في بعض الأفراد، كما أن ما عن ابن سعيد من تحديد الغيبة بعشرة أميال لا يخلو منه أيضا و إن شهد له

مرسل ابن أبي نجران (2) عن الصادق (عليه السلام) «سئل كم

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب النيابة في الحج و الباب 51 من أبواب الطواف.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

386

قدر الغيبة فقال: عشرة أميال»

ضرورة ظهور الاستنابة فيه في المندوب بدون ذلك.

و كيف كان فلا إشكال في أنه أي الحاضر يجب أن يتولى ذلك بنفسه مع جامعيته لشرائط التكليف بمعنى نيته له و إن طيف به على دابة و نحوها و حينئذ فلا ينافي ما في المتن و غيره من أنه لو حمله حامل فطاف به أمكن أن يحتسب لكل منهما طوافه عن نفسه فينوي الحامل بحركته الذاتية الطواف لنفسه، و المحمول بحركته العرضية كذلك:

قال الهيثم بن عروة التميمي (1) للصادق (عليه السلام): «إني حملت امرأتي ثم طفت بها و كانت مريضة في البيت في طواف الفريضة و بالصفا و المروة و احتسبت بذلك لنفسي فهل تجزيني؟ فقال:

نعم»

فما عن الشافعي من عدم جواز ذلك لاستلزامه النية بفعل واحد طواف شخصين واضح الفساد، لمنع الملازمة أولا، و منع بطلان اللازم ثانيا، لجواز حمل اثنين فصاعدا له، بل من ذلك يظهر أن المحمول إذا كان مغمى عليه أو صبيا جاز للحامل نية طوافه مع طواف نفسه كما نطق به

صحيح حفص بن البختري (2) عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة تطوف بالصبي و تسعى به هل يجزي ذلك عنها و عن الصبي؟ فقال: نعم»

و ما عن الإيضاح- من أنه انما يجوز على القول بجواز ضم نية التبرد إلى نية الوضوء- في غير محله، ضرورة صدق الطواف على كل منهما، بل الظاهر جواز احتساب الحامل و المحمول ذلك لهما و إن كان الحمل بأجرة، و استحقاق الحمل عليه في حال طوافه لا ينافي احتسابه له، إذ هو كما لو استؤجر لحمل متاع فطاف و هو يحمله، فان الطواف به لا معنى له إلا الحمل، لكن عن أبي علي منعه، لاقتضاء الاستئجار استحقاق هذه الحركة عليه لغيره، فلا يجوز

____________

(1) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الطواف- الحديث 2- 3.

(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الطواف- الحديث 2- 3.

387

له صرفها إلى نفسه كالاستئجار للحج، بل عن الفاضل في المختلف استحسانه، إلا انه قال: «و التحقيق أنه إن استؤجر للحمل في الطواف أجزأ عنهما، و ان استؤجر للطواف لم يجز عن الحامل» و لعله لأنه على الثاني كالاستئجار للحج، و لكن الظاهر انحصاره في الطواف بالصبي و المغمى عليه، فان الطواف بغيرهما انما هو بمعنى الحمل، نعم ان استأجره غيرهما للحمل في غير طوافه لم يجز الاحتساب، بل قد يناقش في الأولين أيضا بأنه إذا جاز تبرعا الطواف بهما مع احتساب طوافه لنفسه كما أومأ إليه صحيح حفص جاز الإجارة عليه، و ليس هو كالاستئجار للحج بل أقصاه اشتراك الطوافين بمقدمة واحدة، و هو حركته المخصوصة التي تكون سببا لحصول الطواف من كل منهما، فتأمل جيدا فإنه دقيق.

[في براءة ذمة الميت بالحج تبرعا]

و لو تبرع إنسان بالحج عن غيره بعد موته برئت ذمته إن كانت مشغولة، و أعطي ثواب الحج إن لم تكن بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص (1) مستفيضة أو متواترة فيه، من غير فرق في الميت بين أن يكون عنده ما يحج به عنه أم لا، و بين إيصائه به و عدمه، و بين قرب المتبرع للميت و عدمه، و بين وجود المأذون من الميت أو وليه و عدمه كل ذلك لإطلاق النصوص و معاقد الإجماعات، و ثبوت مشروعية النيابة عنه مع تعذر الاذن عنه، و ان الحج مع شغل الذمة به كالدين الذي لا إشكال في جواز التبرع به مع النهي فضلا عن عدم الاذن، و أصل عدم اشتراط حصولها منه حال حياته، و عدم تعلق الغرض بما يقابلها من ماله، خلافا لمالك و أبي حنيفة فأسقطا فرضه إن مات بلا وصية، و أخرجاه من الثلث إن اوصى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب وجوب الحج و الباب 25 من أبواب النيابة في الحج.

388

أما الحي فلا تجوز النيابة عنه باذنه فضلا عن التبرع في الواجب مع تمكنه منه عندنا للأصل و غيره، نعم تجوز عنه في المندوب مع التبرع فضلا عن الاذن عندنا خلافا للشافعي و لأحمد في رواية سواء كان قادرا أو عاجزا بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص به (1) مستفيضة أو متواترة، بل لا فرق عندنا بين من كان عليه حج واجب مستقرا كان أو لا و غيره، تمكن من أدائه ففرط أو لم يفرط، بل يحج الآن بنفسه واجبا و يستنيب غيره في التطوع، خلافا لأحمد فلم يجز الاستنابة فيه ما اشتغلت ذمته بالواجب، إذ لا يجوز له فعله بنفسه، فالاستنابة أولى، و فيه ان عدم جواز فعله له لا خلاله بالواجب، و لذا لو أخلت الاستنابة به لقصور النفقة و نحوه لم يجز عندنا أيضا لا أن عدم جوازه لعدم مشروعيته في حقه كي تمنع النيابة فيه، بل لا بأس بتشريك الكثيرين بحجة واحدة كما دل عليه صحيحا هشام (2) و محمد بن إسماعيل (3) و غيرهما، بل الظاهر عدم الفرق في ذلك بين الحي و الميت، و ما في خبر علي بن جعفر (4) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) «عن رجل جعل ثلث حجته لميت و ثلثيها لحي فقال: للميت، فأما للحي فلا»

محمول على غير ذلك، أو معارض بما هو أقوى منه، و كذا لا بأس بتعدد النواب في المندوب في سنة واحدة، فقد أحصي عن علي بن يقطين في عام واحد ثلاثمائة ملبيا و مائتان و خمسون و خمسمائة و خمسون، هذا، و لكن عن المنتهى التصريح بعدم جواز الحج ندبا عن الحي إلا باذنه، و لعله حمل النصوص على إهداء الثواب لا على وجه النيابة، إلا أنه واضح الضعف كما لا يخفى على من لاحظها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب النيابة في الحج.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 9.

389

انما الكلام في جواز التبرع عن الحي في الواجب في حال جواز النيابة عنه لعضب و نحوه للأصل السالم عن معارضة ما دل على مشروعيتها عنه بإذنه، ضرورة أعمية ذلك من جواز التبرع، فيبقى حينئذ أصل بقاء شغل ذمته و أصل وجوب الاستنابة عليه سالما عن المعارض بعد حرمة القياس على الميت، و عدم ثبوت كونه في هذا الحال كالدين الذي يقضى عن صاحبه مع نهيه، و قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «دين الله أحق ان يقضى»

انما هو في الميت، فالأحوط حينئذ إن لم يكن الأقوى الاقتصار في النيابة عنه حينئذ على الاذن.

[كلما يلزم النائب من كفارة ففي ماله]

و كلما يلزم النائب من كفارة في الجنابة في الإحرام و الهدي في التمتع و القران ففي ماله دون المنوب عنه بلا خلاف أجده بيننا كما اعترف به بعضهم بل عن الغنية الإجماع عليه في الكفارة، مضافا إلى ان ذلك عقوبة على فعل صدر منه، فهو كما لو قتل نفسا أو أتلف مالا لأحد، و إلى دخول الهدي في العمل المستأجر عليه، و هو واضح.

[في حكم النائب الذي أفسد الحج]

و لو أفسده أي الحج الذي ناب فيه حج من قابل بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه و انما الكلام في انه هل يعاد بالأجرة عليه أو لا؟ قال في المتن يبنى ذلك على القولين أي القول بأن الفرض الأول و الإعادة عقوبة، أو الثاني و إتمام الأول عقوبة، و لم يقيد ذلك بكون الإجارة معينة، و التحقيق ان الفرض الثاني لا الأول الذي أطلق عليه اسم الفاسد في النص و الفتوى، و احتمال أن هذا الإطلاق مجاز لا داعي إليه بل هو مناف لجميع ما ورد في بيان المبطلات في النصوص من أنه قد فاته الحج، و لا حج له و نحو ذلك مما يصعب ارتكاب المجاز فيه، بل مقتضاه أن الحج لا يبطله

____________

(1) كنز العمال ج 3 ص 56 الرقم 1037 و ص 57 الرقم 1045.

390

شيء أصلا، و انما يوجب فعل هذه المبطلات الإثم، و الإعادة عقوبة، و هو كما ترى، و خبر المقام اللذان (1) ستسمعهما و إن كانا ظاهرين في أن الفرض الأول إلا انه يجب حملهما على إرادة إعطاء الله تعالى للمنوب حجة تامة تفضلا منه و إن قصر النائب في إفسادها و خوطب بالإعادة، فلا محيص حينئذ عن القول بأن الفرض الثاني، كما لا محيص حينئذ بناء على ذلك عن القول بانفساخ الإجارة إذا فرض كونها معينة، و عود الأجرة لصاحبها، و انه يجب على النائب الإعادة للحج من قابل بنية النيابة من غير عوض، لأنه هو الحج الذي أفسده و خوطب بإعادته، فيجزي حينئذ عن المنوب مع فرض وقوعه منه، و إلا استأجر الولي من يحج عنه بخلاف الإجارة المطلقة، فإن الظاهر عدم انفساخها، كما ان الظاهر الاجتزاء بالحج من قابل عن الحج ثانيا و يستحق به الأجرة، أما الأول فلأنه الأصل في كل إجارة معينة لم يأت بها المستأجر فيما عين له من الزمان، و دعوى ان ذلك من الاضطرار الشرعي كقضاء بعض الأشواط و نحوه مما لا يقدح في التعيين واضحة الفساد، فتعاد الأجرة حينئذ لانفساخ ما أوجبها من العقد، و لا ينافي ذلك وجوب الحج عليه من قابل عن المنوب بخطاب شرعي من غير عوض، و أما الثاني فلأن الفرض كون الإجارة مطلقة، ففساد الفرد لا يقتضي انفساخها و إن قلنا بوجوب التعجيل فيها، لكنه لا على وجه يتعين به المستأجر عليه بحيث إذا فات تنفسخ الإجارة لفوات المحل، نعم عن الشهيد احتمال تسلط المستأجر على الفسخ لفوات التعجيل، مع أنه مناف لأصالة اللزوم و غيرها، و لذا صرح بعدمه الفاضل في القواعد، و حينئذ فالمتجه بقاء لزوم العقد هنا، و يعيد الحج من قابل، بل الظاهر أنه يكتفي به عن خطاب الإجارة و خطاب الإفساد كالمستطيع إذا أفسد حجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1 و 2.

391

فإنه يحج من قابل و يكتفى به عن خطاب الاستطاعة و الإفساد، و ليس من التداخل المحتاج إلى الدليل المخصوص بل هو من التداخل المفهوم من دليل السببين و دعوى أن الحج بإفساده له انقلب لنفسه، لأنه غير المستأجر عليه مثلا، فهو كما إذا اشترى الوكيل في شراء شيء بصفة ما هو على خلاف الصفة فيكون القضاء عن نفسه، يدفعها منع انقلابه اليه نفسه، كمنع ذلك في المشبه به، و كذا دعوى أن سبب وجوب الإعادة الإفساد لا الاستئجار، و الأصل عدم التداخل فإنه يدفعها أيضا ان الإفساد انما أوجب ما أوجبته الإجارة، كتعقب بعض أسباب الحدث بعضا آخر، و حينئذ فما في القواعد و محكي المبسوط و الخلاف و السرائر من إيجاب حجة ثالثة في المطلقة في غير محله.

و بذلك كله يظهر لك ما في أقوال المسألة و وجوهها، فان محصلها مع المختار ثمانية: أحدها انفساخ الإجارة مطلقا إن كان الثاني فرضه، و هو ظاهر المتن، الثاني انفساخها مع التعيين دون الإطلاق، و وجوب حجة ثالثة نيابة كما هو خيرة الفاضل في القواعد و المحكي عن الشيخ و ابن إدريس، الثالث عدم الانفساخ مطلقا و لا يجب حجة ثالثة و هو خيرة الشهيد، الرابع إن كان الثاني عقوبة لم ينفسخ مطلقا و لا عليه حجة ثالثة، و إن كان فرضه انفسخ في المعينة دون المطلقة، و عليه حجة ثالثة، و هو على ما قيل خيرة التذكرة و أحد وجهي المعتبر و المنتهى و التحرير، الخامس كذلك و ليس عليه حجة ثالثة مطلقا، و هو محتمل المعتبر و المنتهى، السادس انفساخها مطلقا مطلقة كانت أو معينة، كان الثاني عقوبة أو لا، لانصراف الإطلاق إلى العام الأول و فساد الحج الأول و إن كان فرضه، السابع عدم انفساخها مطلقا كذلك، قيل: و يحتمله الجامع و المعتبر و المنتهى و التحرير ل

مضمر إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت: فان ابتلى بشيء

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

392

يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أ يجزي عن الأول؟ قال: نعم، قلت: فإن الأجير ضامن للحج قال: نعم»

و في خبره (1) الآخر سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل حج عن رجل فاجترح في حجه شيئا يلزم فيه الحج من قابل و كفارة قال: هي للأول تامة، و على هذا ما اجترح»

الثامن المختار، و هو محتمل محكي المختلف، و هو الأصح لما سمعت، و ليس في الخبرين منافاة له بعد ما عرفت.

[إذا أطلق الإجارة اقتضى التعجيل ما لم يشترط الأجل]

و إذا أطلق الإجارة اقتضى التعجيل ما لم يشترط الأجل كما عن المبسوط و السرائر و الجامع و القواعد، بل عن الشهيد تعميم ذلك لكل إجارة مطلقة و إن قيل إن دليله غير واضح، إلا على القول باقتضاء إطلاق الأمر المبادرة الذي قد علم فساده في محله، بل في كشف اللثام منع جريان ذلك هنا و إن سلم هناك، و لعله لذا كان مقتضى محكي المعتبر العدم حيث جوز أن يؤجر الأجير نفسه لآخر إن استأجره الأول مطلقا، و عن المنتهى احتمال، بل عنه أنه قطع بالجواز إذا أطلقت الإجارتان، و كأنه لدلالة سبق الأولى على تأخير الثانية، و على كل حال فليس التعجيل بناء عليه توقيتا، و لذا صرح في القواعد بعد الفتوى به بأنه إن أهمل لم تنفسخ الإجارة، بل في كشف اللثام أنه ليس للمستأجر الفسخ أيضا إلا على ما احتمله الشهيد، و كان ذلك كله بناء على أن وجوب التعجيل تعبدي مستفاد من دليل مستقل، لا أنه مستفاد من إطلاق العقد على وجه يقتضي الانفساخ أو التسلط على الفسخ، إلا أن ذلك كما ترى، إذ لم نعثر على دليل صالح لذلك، و من هنا يمكن تنزيل عبارة المصنف و غيره على إرادة بيان اقتضاء الإطلاق

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2.

393

الحلول، بمعنى كون الأعمال كالأموال، فكما أن إطلاق العقد المقتضي لإثبات:

مال في الذمة ينزل على ذلك فكذلك عقد الإجارة المقتضي لإثبات عمل في الذمة، فالمراد حينئذ أنه يتسلط المستأجر على مطالبته في الحال، و ليس للأجير التأخير تمسكا بإطلاق العقد المنزل على الحلول على حسب عقد البيع و شبهه، و حينئذ فالعبارة هنا نحو عباراتهم هناك، لا أن المراد بيان خصوصية للحج، نعم يجب التعجيل مع طلب ذي الحق صريحا أو قيام شاهد حال على إرادته ذلك، فتأمل جيدا، و على كل حال فلا إشكال في عدم استحقاق التعجيل مع اشتراط الأجل، فإنه يصح عندنا العامين و الأزيد خلافا للشافعي إلا في الواجب المضيق مع إمكان استئجار من يبادر إليه، فإنه لا يجوز التأجيل حينئذ كما هو واضح.

[في عدم صحة نيابة شخص واحد عن اثنين]

و لا يصح أن ينوب نائب واحد عن اثنين في حج واجب ل عام واحد بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، لعدم ثبوت مشروعية ذلك، بل الثابت خلافه، فلو وقع الحج كذلك بطل، لامتناعه لهما، لعدم قابليته للتوزيع، و لا لواحد بخصوصه، لعدم الترجيح، و لا له لعدم نيته له فليس حينئذ إلا البطلان، نعم الظاهر صحة التشريك في الحج المندوب بمعنى نيابته عنهما مثلا فضلا عن إهداء الثواب لهما، بل لو نذر جماعة الاشتراك في حج استنابوا فيه، كما أنه يجوز للشخصين فصاعدا استئجار رجل واحد للحج عنهما ندبا، ضرورة كونه كاستئجار الواحد له على الحج عن أبيه و أخيه مثلا، نعم لو كان قد استأجره شخص للحج عنه ندبا مثلا لم يجز له أن يؤجر نفسه لآخر على ذلك، لاستحقاق الأول له، و أما لو كان استئجاره لإدخاله في نية الحج لم يكن بأس في استئجاره ثانيا لإدخاله معهم في النية، كما هو واضح.

و على كل حال ف لو استأجراه في الواجب لعام صح الأسبق و بطل المتأخر، لاشتغال الذمة بالأول، بل الظاهر كونه كذلك و إن أجاز الأول

394

إذ ليس هو من الأجير الخاص الذي إذا آجر نفسه و أجاز المستأجر له وقع العقد له، لأنه من الفضولي، ضرورة كون المستحق عليه النيابة عن شخص بعينه و هي لا يتصور فيها الفضولية على الوجه المزبور بعد فرض كون الواقع ثانيا النيابة عن شخص آخر.

و لو اقترن العقدان و زمان الإيقاع للمستأجر عليه بطلا لخروج فعلهما عن القدرة، و عدم المرجح، نعم لو استأجراه للحج عامين مختلفين صحا معا إن لم تجب المبادرة إلى الأخير لندبه، أو تقييد وجوبه بالعام المتأخر، أو اتساعه أو فقد أجير غيره، و إلا فالأقرب بطلان المتأخر كما عن الدروس.

[إذا أحصر النائب تحلل بالهدي و لا قضاء عليه]

و إذا أحصر النائب تحلل بالهدي و لا قضاء عليه مع تعيين الإجارة، لانفساخها حينئذ، و الأصل البراءة، و لا حرج في الدين، بل في القواعد لا قضاء عليه و إن كانت الإجارة مطلقة على إشكال، بل في كشف اللثام انه قضية كلام الأكثر، لكنه كما ترى، إذ الحج واجب عليه مطلقا بعد فرض إطلاق الإجارة كحجة الإسلام و إن لم يجب على المستأجر، فلا يبرأ إلا بفعله كما عن التذكرة و المنتهى التصريح به، و هو متجه.

و من وجب عليه حجان مختلفان كحجة الإسلام و النذر أو غيرهما و منعه عارض جاز ان يستأجر أجيرين لهما في عام واحد بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن الخلاف الإجماع عليه، خلافا لبعض الشافعية، لأنهما فعلان متباينان غير مترتبين، بل المندوبان و المختلفان كذلك أيضا، بل الظاهر صحة الحجين و إن تقدم إحرام حجة غير حجة الإسلام و لو المندوبة، لوقوعهما في عام واحد و انما يبطل المندوب أو المنذور أو ينصرف إلى الفرض إذا أخل بالواجب، خلافا للمحكي عن أحمد فصرف السابق إلى حجة الإسلام و إن نوى الندب أو النذر، بل ربما نسب ذلك إلى قضية كلام الشيخ إلا انه في غير محله، لنصه على العدم هنا

395

كما قيل، نعم عن الشهيد احتمال وجوب تقديم حجة الإسلام بناء على وجوب ذلك على الحاج عن نفسه، مع انه لا يخفى ما فيه أيضا، ثم إنه على الانصراف فهل له المسمى كما عن الشهيد انه الأقرب لإتيانه بما استؤجر له و القلب من فعل الشارع، بل قال: و حينئذ تنفسخ إجارة الآخر، أو لا يستحق شيئا، لأنه غير المستأجر عليه و إن أبرئ ذمة المستأجر عن حجة الإسلام، لكن ذلك بقلب من الشارع لا منه كي يستحق عوضه، خصوصا إذا تعمد التقدم على إحرام نائب حجة الإسلام، و الأمر سهل بعد البناء على عدم الانصراف كما عرفت، بل الظاهر ذلك حتى لو بطل حج نائب الإسلام أو لم يحج.

[في استحباب ذكر النائب المنوب عنه في المواطن]

و يستحب ان يذكر النائب من ينوب عنه باسمه في المواطن و عند كل فعل من أفعال الحج و العمرة خصوصا عند ذبح الأضحية، ل

صحيح ابن مسلم (1) سأل أبا جعفر (عليه السلام) في الصحيح «ما يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال:

يسميه في المواطن و المواقف»

و المراد منه تأكد الندب، لعدم الوجوب اتفاقا محكيا في كشف اللثام إن لم يكن محصلا، و ل

صحيح البزنطي (2) «ان رجلا سأل الكاظم (عليه السلام) عن الرجل يحج عن الرجل يسميه باسمه فقال: ان الله تعالى لا تخفى عليه خافية» و خبر المثنى بن عبد السلام (3) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يحج عن الإنسان يذكره في جميع المواطن كلها فقال: ان شاء فعل و ان شاء لم يفعل، الله يعلم انه قد حج عنه، و لكن يذكره عند الأضحية إذا ذبحها»

بل لا يبعد عدم وجوب نية أصل النيابة في الحج و العمرة إلا عند الإحرام لهما، فلا يجب تحديدها عند الطواف و الوقوف و السعي و غيرها من الأفعال و ان أوجبنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النيابة في الحج الحديث 4.

396

نية القربة فيها، إلا انها مع ذلك إجزاء للحج أو العمرة التي فرض نية النيابة في ابتدائهما، فتكفي حينئذ في كل مركب، بل لا يبعد الاجتزاء بها في حج التمتع عند إحرام العمرة خاصة، فلا تجدد عند إحرام الحج حينئذ فضلا عن أفعاله و أفعال العمرة التي أدخلها الله في حج التمتع و جعلها من أجزائه، هذا، و لكن الاحتياط في جميع ذلك لا ينبغي تركه.

[في استحباب أن يعيد ما يفضل معه من الأجرة بعد حجه]

و كذا يستحب أن يعيد ما يفضل معه من الأجرة بعد حجه سيما إذا لم يكن ذلك الفاضل بتقتير على نفسه في النفقة كما عرفته فيما تقدم و ان يعيد المخالف حجه إذا استبصر للنص (1) و الفتوى و ان كانت الأولى مجزية كما تقدم الكلام فيه و في انه يكره ان تنوب المرأة إذا كانت صرورة فلاحظ و تأمل.

[مسائل ثمان]

مسائل ثمان:

[المسألة الأولى إذا اوصى ان يحج عنه و لم يعين الأجرة]

الأولى إذا اوصى ان يحج عنه و لم يعين الأجرة انصرف ذلك إلى أجرة المثل فنازلا، لكونه كالتوكيل في ذلك و تخرج من الأصل إذا كانت واجبة إسلامية، لما عرفته سابقا من كونها كالدين، و انما الخلاف في كونها من البلد أو الميقات، و قد عرفت الحال فيه، كما انك قد عرفت الحال في الواجبة غير الإسلامية بالنسبة إلى الخروج من الأصل أو الثلث و البلد و الميقات، نعم لا اشكال بل و لا خلاف في خروجها من الثلث إذا كانت ندبا كغيرها من الوصايا، و لو فرض توقف وجودها على بذل الثلث كملا و كان زائدا على أجرة المثل ففي بذله لذلك إشكال، من إمكان تنفيذ الوصية، و من مراعاة الاحتياط في جانب الوارث الذي دل الكتاب (2) و السنة (3) على انتقال

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب وجوب الحج.

(2) سورة النساء- الآية من 8 إلى 16.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب موجبات الإرث من كتاب الإرث.

397

المال اليه بموت مورثه عدا ما أوصى به، و قد فرض انصرافه في المقام إلى أجرة المثل، فلا يضايق بالزائد، بل ينتظر إلى وقت الإمكان، اللهم إلا ان يقال إن أجرة المثل مع فرض الانحصار هي مقدار الثلث، بل لعل ذلك كذلك و إن كان من جهة فورية امتثال أمر الوصية مع إمكانه، و منه ينقدح وجوب بذل المال كله في حج الإسلام مثلا مع فرض توقف أدائه عليه و لو من جهة فورية التأدية.

و كيف كان فلا خلاف في أنه يستحقها أي الأجرة الأجير بالعقد بمعنى ملكه لها لأنه مقتضى العقد، فلو فرض كونها عينا و نمت كان النماء له، نعم إذا لم يكن ثم تعارف و لا قرينة لم يجب تسليمها إلا بعد العمل كما أوضحنا الكلام فيه في محله، بل لو فرض كون المستأجر وصيا أو وكيلا و دفع مع فرض عدم القرينة على الاذن له في ذلك كان ضامنا، لكونه تفريطا، هذا، و لكن في الدروس «إذا توقف حج الأجير على دفع الأجرة و لم يدفعها المستأجر فالأقرب أن له الفسخ» و هو كما ترى إذا كان مراده المفروض الذي لا ريب في كونه المتجه فيه انتظار وقت الإمكان، نعم لو علم عدم التمكن مطلقا اتجه القول بجواز الفسخ لهما للضرر.

و على كل حال انما يستحق الأجرة المسماة إذا جاء بالعمل المستأجر عليه فان خالف ما شرط عليه مما هو معين للعمل المراد لم يستحقها قطعا، لكن قيل و القائل الشيخ في المحكي من مبسوطة كان له أجرة المثل و هو كما ترى، و لذا قال المصنف و الوجه أنه لا أجرة له ضرورة كونه من المتبرع بل يمكن عدم خلاف الشيخ، لأنه إنما قال في المبسوط: فان تعدى الواجب رد إلى أجرة المثل، و يجوز أن يريد من استؤجر على الحج و اشترط عليه طريق مخصوص و نحوه على وجه لا يقتضي تشخيص العمل فخالف رد إلى أجرة المثل في المشروط، و أما الشرط الذي خالف فيه، فلا أجرة له، نعم يبقى عليه ما قيل من

398

أن المتجه على هذا التقدير مراعاة التوزيع لا الرجوع إلى أجرة المثل و إن كان فيه ما عرفت سابقا، فتأمل جيدا.

[المسألة الثانية من اوصى أن يحج عنه و لم يعين المرات]

المسألة الثانية من اوصى أن يحج عنه و لم يعين المرات فان لم يعلم منه إرادة التكرار اقتصر على المرة التي تحصل بها الطبيعة الموصى بها كما في قواعد الفاضل و غيرها، نحو ما لو أمر السيد عبده على ما حقق في محله، لأصالة البراءة و غيرها، بل يمكن دعوى دلالة اللفظ على إرادة ذلك، فلا وصية حينئذ بالزائد كمالا أمر به، بل لو سلم دعوى صدق تحقق الوصية بالحج بتعدد الحج عنه في سنة واحدة، إلا أن فيه مزاحمة لحق الوارث المقتضي لوجوب الاقتصار على أقل ما يتحقق به الوصية إلا مع رضاه لو فرض انحصار الوصية في اللفظ المزبور كما في نظائره.

و إن علم إرادته التكرار المستوعب لماله حج عنه حتى يستوفى الثلث من تركته بلا خلاف و لا إشكال مع عدم إجازة الوارث، لعدم تسلطه على غيره كما حرر في محله، و على ذلك يحمل

خبر محمد بن الحسن الأشعري (1) «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إني سألت أصحابنا عما أريد أن أسألك فلم أجد عندهم جوابا و قد اضطررت إلى مسألتك و ان سعد بن سعد اوصى إلى فأوصى في وصيته حجوا عني مبهما و لم يفسر فكيف أصنع؟ قال: يأتيك جوابي في كتابك، فكتب إلى يحج عنه ما دام له مال يحمله»

و خبر محمد بن الحسين (2) قال لأبي جعفر (عليه السلام): «جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك فقال: هات، فقلت: سعد بن سعد اوصى حجوا عني مبهما و لم يسم شيئا و لا ندري كيف

____________

(1) الاستبصار ج 4 ص 137- الرقم 513.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

399

ذلك؟ فقال: يحج عنه ما دام له مال»

و خبر محمد بن الحسين بن أبي خالد (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اوصى أن يحج عنه مبهما فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء»

لكن عن الشيخ و جماعة العمل بما في هذه النصوص و إن لم يعلم إرادة التكرار و اختاره في الحدائق تحصيلا ليقين البراءة، و فيه أنه لا يقين بالشغل بأزيد من المرة، و ما أبعد ما بينه و بين الأصبهاني حيث اقتصر على الخبرين الأخيرين، ثم قال: و يمكن أن يكونا بمعنى أنه يحج عنه إن بقي من ثلثه شيء بعد وصيته مقدمة عليه، بمعنى أنه يخرج من الثلث، فلا يفهم التكرار أصلا، و لكنه كما ترى، و اقتصر في المدارك في الاستدلال على التكرار المزبور على الخبر الأخير، ثم قال: و لا يخفى أن ذلك انما يتم إذا علم منه إرادة التكرار على هذا الوجه، و إلا اكتفي بالمرتين لتحقق التكرار بذلك كما يكفي المرة مع الإطلاق، و فيه أن من المعلوم عدم كون لفظ التكرار عنوانا للوصية كي يكون المدار على تحقق مفهومه، و انما الكلام فيما إذا كان عنوانها اللفظ المزبور في النصوص، و قد يقال إن محل فرضه بعد العلم بالوصية بثلثه كما عساه يومي اليه

قوله في الخبر الأول:

«أوصى إلى»

و لكن اقتصر على ذكر المصرف المزبور فهل يحج عنه مرة و يصرف الباقي في غيره من وجوه البر أو يحمل على صرفه أجمع فيه، لأن تكراره بر أيضا، و يحتمل إرادته؛ بل لعل ظاهر الوصية بالثلث مع الاقتصار على المصرف المخصوص يقتضي إرادة صرف الجميع فيه، بل قد يدعى ظهور الاقتصار في الوصية بالحج عنه في إرادة الوصية بالثلث، و أنه يصرف في ذلك و إن لم يوص بالثلث بغير اللفظ المزبور، نحو ما لو قال: اخرجوا رد المظالم أو تصدقوا عني و نحو ذلك، و لعل مراد الشيخ و من تبعه ذلك لا الحمل على التكرار تعبدا و إن

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2.

400

كان ظاهر اللفظ خلافه، ضرورة استبعاد مثل ذلك في مثله، هذا كله إذا لم يكن في الحج الموصى به حج إسلام، و إلا احتسب من الأصل ثم تكرر الحج بقدر الثلث، كما هو واضح، و الله أعلم.

[المسألة الثالثة إذا أوصى أن يحج عنه كل سنة بقدر معين]

المسألة الثالثة إذا أوصى أن يحج عنه كل سنة بقدر معين من غلة بستان و نحوها ف اتفق أنه قصر ذلك القدر عن قيمة الحج جمع نصيب سنتين و استؤجر به لسنة، و كذا لو قصر ذلك أضيف إليه من نصيب الثالثة بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و في كشف اللثام نسبته إلى عملهم، ل

خبر علي بن محمد الحضيني (1) «كتب إلى أبي محمد (عليه السلام) أن ابن عمي أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر دينار في كل سنة و ليس يكفي، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام) تجعل حجتين في حجة، فان الله تعالى عالم بذلك»

و خبر إبراهيم بن مهزيار (2) «كتب اليه (عليه السلام) أعلمك يا مولاي أن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك في كل سنة حجة بعشرين دينارا و أنه قد انقطع طريق البصرة فتضاعفت المؤن على الناس فليس يكتفون بعشرين دينارا، و كذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم فكتب (عليه السلام) تجعل ثلاث حجج في حجتين إن شاء الله»

و ضعفهما منجبر بما عرفت بل قيل: إنهما صحيحان في طريق الفقيه، و قد يقال إنهما مبنيان على معلومية إرادة الموصى صرف ذلك في الحج، أو ظهور الوصية فيه، و أن القدر المخصوص

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1 لكن رواه مضمرا إلا أن الصدوق (قده) رواه في الفقيه ج 2 ص 272 من غير إضمار كالجواهر و كذلك في الكافي ج 4 ص 310.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2 لكن رواه مضمرا إلا أن الصدوق (قده) رواه في الفقيه ج 2 ص 272 من غير إضمار كالجواهر و كذلك في الكافي ج 4 ص 310.