جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
401

انما كان لأنه يفي به كما يومي اليه قوله في الخبر الثاني: «و انه قد انقطع» إلى آخره، فمع فرض قصوره يصرف غيره من الأقدار فيه عملا بالوصية التي لم يعتبر في إنفاذها كون الحج بقدر مخصوص، بناء على ما عرفت، أما إذا علم ذلك ففي الحج مما يمكن، أو العود ميراثا، أو الصرف في وجوه البر إن لم يرج إمكان إنفاذ الوصية فيما يأتي من السنين و إلا انتظر وجوه قد ذكرنا تحريرها في كتاب الوصية، و حينئذ فلا وجه لما في المدارك من إمكان المناقشة بأن انتقال القدر المعين بالوصية انما يتحقق مع إمكان صرفه فيها، و لهذا وقع الخلاف في أنه إذا قصر المال الموصى به عن الحج هل يصرف في وجوه البر أو يعود ميراثا فيمكن إجراء مثل ذلك هنا، لتعذر صرف القدر الموصى به في الوصية، و المسألة محل تردد و إن كان المصير إلى ما ذكره الأصحاب لا يخلو من قرب، ضرورة أن ذلك في غير المفروض و لو فضل من الجميع إن حصر السنين في عدد كعشرة و نحوها فضلة لا تفي بالحج ففي كشف اللثام عاد ميراثا أو صرف في غيره من الميراث، قلت: قد يقال بوجوب دفعها أجرة في بعض السنين و إن زادت عن أجرة المثل مع فرض الوصية فلا فضلة حينئذ، نعم لو أمكن فرضها جرى فيها الوجهان، بل يتعين الثاني منهما مع فرض الوصية بها، و أنه ذكر ذلك مصرفا لها فاتفق تعذره، كما انها يتعين الأول إذا فرض إخراجها عن الوارث بالوصية المزبورة التي قد فرض تعذرها، فتأمل و لاحظ ما كتبناه في الوصية في مثل ذلك، هذا و في كشف اللثام أيضا الظاهر أنه إن لم يكف نصيبه حجة لها من البلد و كفى له من غيره استؤجر من حيث يمكن، و لا يصرف فيها ما لأخرى و إن نص في الوصية على الاستئجار من البلد، و لكن الخبر الأخير (1) قد يوهم الخلاف، و يمكن تنزيله على عدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 2.

402

إمكانه من الميقات، قلت: لا داعي إلى هذا الاجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الأصحاب مع أنه تبديل للوصية أيضا، و المحافظة على كونه في كل سنة و إن خالف في أنها من البلد ليس بأولى من المحافظة على الأخير و إن خالف الوصية في الأول، بل هو أولى بعد ظهور النص و الفتوى في ذلك، و على كل حال فما في المدارك- من أن القول باعتبار الحج من البلد أو الميقات كما مر- مخالف لظاهر الخبر المزبور في كون الوصية به من البلد.

[المسألة الرابعة لو كان عند إنسان وديعة و مات صاحبها و عليه حجة الإسلام]

المسألة الرابعة لو كان عند إنسان وديعة و مات صاحبها و عليه حجة الإسلام و علم أن الورثة لا يؤدونها عنه جاز و عن المهذب عليه أن يقتطع منها قدر أجرة الحج حسبة من البلد أو من الميقات إن لم يوص على الأصح، و المسمى إن أوصى و خرج الزائد من الثلث أو أجاز الوارث فيستأجر به من يؤديها عنه أو يحج هو لأنه خارج عن ملك الورثة بناء على بقاء ما قابل الدين على ملك الميت، و ل

صحيح بريد العجلي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن رجل استودعني مالا فهلك و ليس لولده علم بشيء و لم يحج حجة الإسلام قال: حج عنه، و ما فضل فأعطهم»

لكن لا دلالة فيه على عدم اعتبار استئذان الحاكم الذي هو الولي لمثل ذلك و إن تمكن منه، لاحتمال الأمر منه لبريد الاذن به فيه، فلا إطلاق فيه، حينئذ يدل على خلافه، فما عن الشهيد- من استبعاده بعد أن حكاه قولا، بل في الحدائق الجزم بمنافاته لإطلاق الصحيح- في غير محله ضرورة انه من خطاب المشافهة، و المتيقن من تعديته إلى غير المشافة ذلك، نعم لو لم يتمكن منه استقل هو بذلك حسبة إن كان من عدول المسلمين، لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، و ظاهر المصنف و الفاضل في القواعد اعتبار العلم

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

403

بعدم أداء الوارث، لكن عن النهاية و المبسوط و المهذب و السرائر اعتبار الظن الغالب، و يمكن شمول العلم له.

و على كل حال فمع عدمه يستأذنهم، و استجوده في المدارك، قال: «لأن مقدار أجرة الحج و إن كان خارجا عن ملك الورثة إلا أن الوارث مخير في جهات القضاء، و له الحج بنفسه و الاستقلال بالتركة، و الاستئجار بدون أجرة المثل، فيقتصر في منعه من التركة على موضع الوفاق» و فيه أن الصحيح (1) أعم من ذلك، و قد يكون الوارث طفلا أو لا يطمئن بتأديته لو دفع له الوديعة أو أقر بها له، و ربما أنكر وجوب الحج على مورثه، بل قد يشكل الدفع مع العلم بالأداء من دون استئذان الحاكم، لتعلق دين الحج به، كما في تركة المديون المتوقف دفعها للوارث على الاذن، و التخيير في جهات القضاء لا يسقط الحق المزبور، و إن كان قد يدفع بأن حق الدين و إن تعلق بالعين لكن المخاطب به الوارث، فمع فرض العلم بتأديته لم يجز منعه عنه، بل لعله كذلك مع عدم العلم بحاله فضلا عن حال العلم، و لعله لذا قيدوا الصحيح بما سمعت، بل عن التذكرة اعتبار الأمن من الضرر على نفسه أو ماله مع ذلك، و هو حسن، بل عن بعضهم أنه إذا تمكن من إثبات وجوب الحج عليه ببينة مثلا لم يكن له الاستقلال، و له وجه، و بالجملة ليس للأصحاب كلام منقح في جميع أطراف المسألة، و قد ذكرنا في الوصايا طرفا منه.

ثم إن مورد الرواية الوديعة، و لكن ألحق بها غيرها من الحقوق المالية حتى الغصب و الدين؛ و لعله لأن مبنى ما ورد في الوديعة الحسبة التي لا فرق فيها بين الجميع؛ إلا أن اعتبار إذن الحاكم هنا أقوى من الأول، خصوصا في الدين

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

404

الذي لا يتعين إلا بقبض من هو له أو من يقوم مقامه، و من هنا يتجه ما عن بعضهم أيضا من إلحاق غير حجة الإسلام بها، بل إلحاق غير الحج من الحقوق المالية كالخمس و الزكاة و الديون و نحوها به في الحكم المزبور، خلافا لبعضهم، بل قد يتجه ما صرح به بعضهم من الضمان بالدفع إلى الوارث المتمكن من منعه مع عدم الأداء منه.

و لو تعدد الودعي و علموا بالحق و علم بعضهم ببعض توازعوا الأجرة، و يمكن وجوب القضاء عليهم كفاية، و لو قضوا جميعا قدم السابق و غرم الباقون على تردد للشهيد فيه مع الاجتهاد، لعدم التفريط، و لو اتفقوا سقط عن كل منهم ما يخصه خاصة، قال الشهيد: «و لو علموا بعد الإحرام أقرع بينهم و تحلل من لم تخرج القرعة له».

[المسألة الخامسة إذا عقد الإحرام عن المستأجر عنه]

المسألة الخامسة إذا عقد الإحرام عن المستأجر عنه مثلا ثم نقل النية إلى نفسه لم يصح بلا خلاف و لا إشكال فلا يترتب له ثواب و لا غيره، نعم عن الخلاف و المبسوط و الجواهر و المعتبر و الجامع و المنتهى و التحرير انه إذا أكمل الحج وقعت عن المستأجر عنه و يستحق الأجرة و لعله لاستحقاق المنوب عنه أفعالها بالإحرام عنه، فلا يؤثر العدول بعد أن صار كالأجير الخاص الذي استحقت منفعته الخاصة، بل ربما ظهر من

خبر أبي حمزة (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أعطى رجلا مالا ليحج عنه فحج عن نفسه قال: هي عن صاحب المال»

أن ذلك كذلك حتى لو أحرم لنفسه، و في الدروس بعد أن حكى ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1 عن ابن أبي حمزة و الحسين عن أبي عبد الله (عليه السلام) كما في التهذيب ج 5 ص 461 الرقم 1605.

405

عن الشيخ قال: «بناء على أن نية الإحرام كافية عن نية باقي الأفعال و ان الإحرام يستتبع باقي الأفعال، و أن النقل فاسد لمكان النهي» إلى أن حكى مضمون خبر أبي حمزة، ثم قال: «و هذا أبلغ من الأول».

و كيف كان ففي المتن يظهر لي انها لا تجزي عن أحدهما و حينئذ لا أجرة، و وافقه الفاضل في القواعد و بعض متأخري المتأخرين، لأن الأعمال بالنيات، فلا تقع عن النائب بعد كون الإحرام لغيره، لعدم صحة النقل اتفاقا كما في المدارك، و أما عن المنوب عنه فلانتفاء النية في باقي الأفعال، و الرواية ضعيفة متروكة الظاهر محتملة لإرادة الثواب له، و فيه ان عدم النية بعد الاستحقاق عليه شرعا و صيرورته كالأجير الخاص غير قادح بناء على ملك المستأجر له ما يقع منه من العمل، خصوصا إذا كان الواقع العمل المستأجر عليه، و نية القربة بعد فرض حصولها لا تنافي المعنى المعاملي، و حينئذ فالرواية المزبورة مع تنزيلها على المعنى المزبور ليست متروكة الظاهر، على أنها منجبرة في خصوص الفرض بفتوى من عرفت، و الله العالم.

[المسألة السادسة إذا أوصى أن يحج عنه و عين الأجير و المبلغ]

المسألة السادسة إذا أوصى أن يحج عنه و عين الأجير و المبلغ و قلنا بظهور إرادة البلد من ذلك فان كان بقدر ثلث التركة أو أقل صح و تعينا واجبا كان أو مندوبا لعموم الوصية و إن كان لا يجب على الأجير القبول و إن كان أزيد و كان الحج واجبا و لم تجز الورثة كانت أجرة المثل من الميقات في قول، و من البلد في قول آخر من أصل المال و الزائد من الثلث، و إن كان ندبا حج عنه من بلده بناء على ظهوره من إطلاقه ان احتمل الثلث، و إن قصر حج عنه من بعض الطريق، و إن قصر عن الحج حتى لا يرغب فيه أجير صرف في وجوه البر، و قيل يعود ميراثا هذا، و لكن في المدارك قد جعل صور المسألة ثمانية فقال: الأولى أن يعين الأجير و الأجرة معا

406

و يكون الحج واجبا، و يجب إيقاع ما عينه الموصى، ثم إن كانت الأجرة المعينة مقدار أجرة المثل أو أقل نفذت من الأصل، و إن زادت كانت أجرة المثل من الأصل و الزيادة من الثلث إن لم تجز الورثة، و لو امتنع الموصى له من الحج بطلت الوصية و استؤجر غيره بأقل ما يوجد من يحج به عنه، و فيه بعد تنزيل إطلاقه الخروج من الأصل على الميقات أو على القول الآخر أنه لا وجه لبطلان الوصية إذا لم يظهر منها تقييد المبلغ المعين بخصوصية الأجير المخصوص، بل ينفذ وصيته بالمبلغ المعين لغيره المساوي له، و من ذلك يعلم النظر فيما ذكره في الثانية، و هي الصورة بحالها و الحج مندوب، قال: و يجب إخراج الوصية من الثلث إلا مع الإجازة، فينفذ من الأصل، و لو امتنع الموصى له من الحج فالظاهر بطلان الوصية، لأنها انما تعلقت بذلك المعين، فلا يتناول غيره، نعم لو تعلق غرض الموصى بالحج مطلقا وجب إخراجه، لأن الوصية على هذا التقدير تكون في قوة شيئين، فلا يبطل أحدهما بفوات الآخر، ضرورة ان ذلك مقتضى الوصية إلا أن يعلم إرادة التقييد، لا أن التعيين مقتضاها حتى يعلم الإطلاق مع فرض كون الوصية على وجه لا يظهر منها أحد الأمرين، فتأمل، و لو عين الأجير خاصة و الحج واجب استأجر بأجرة المثل من الأصل، بل لا يبعد وجوب إعطائه أجرة مثله ان امتنع و ان خرج ما زاد منها على اجرة المثل من الثلث، بل احتمل وجوب إجابته إلى ما طلب مطلقا مع اتساع الثلث تنفيذا للوصية، إلا انه خلاف المنساق من إطلاقها، و في القواعد «و لو عين النائب و أطلق القدر استؤجر بأقل ما يوجد ان يحج عنه به مثله إن لم يزد على الثلث» و عن المبسوط و التحرير و المنتهى ترك مثله، و التحقيق ما عرفت، و لو امتنع الموصى له استأجر غيره، و لو كان الحج مندوبا كانت الأجرة أجمع من الثلث، و لو امتنع الموصى له ففي المدارك سقطت الوصية إلا إذا علم تعلق غرض الموصى بالحج مطلقا، فتأمل، و لو عين الأجرة

407

خاصة و الحج واجب و كانت مساوية لأجرة المثل ففي المدارك صرفها الوارث الى من شاء ممن يقوم بالحج، و كذا ان نقصت، و ان كانت أزيد كان ما يساوي أجرة المثل من الأصل و الزائد من الثلث، و هو حسن، لكن ولاية ذلك الى الحاكم ان لم يكن له وصي على ذلك لا الى الوارث، و لو كان الحج مندوبا فالأجرة كلها من الثلث إلا مع اجازة الوارث، و لو لم يعين أجرة و لا أجيرا و كان الحج واجبا حج عنه من أصل المال بأقل ما يوجد من يحج به عنه من الميقات على الأصح، و لو كان الحج مندوبا خرجت الأجرة من الثلث إلا مع اجازة الوارث، و قد تقدم سابقا ما يعلم منه التفصيل في كثير من هذه الأحكام، كما أنه قد ذكرنا في الوصية ما يعلم منه صرف مثل ذلك في وجوه البر أو عوده ميراثا و ان ناقش الأول هنا في المدارك بعد أن نسبه الى المشهور، بل مال الى عوده ميراثا، ثم حكى عن المحقق الثاني التفصيل بين قصوره ابتداء فيعود ميراثا، و بين طرو القصور فيصرف في وجوه البر، و ان الشارح استحسنه، ثم قال: و لعل القول بعوده ميراثا مطلقا أقرب، و فيه ما لا يخفى في الوصية التي صحت و اتفق تعذر مصرفها كما أوضحنا تفصيل ذلك في كتاب الوصية،

[المسألة السابعة و هي إذا أوصى في حج و غيره]

بل ذكرنا فيه أيضا ما يعلم منه الكلام في المسألة السابعة و هي إذا أوصى في حج و غيره قدم الواجب على غيره فان كان الكل واجبا كحج و زكاة و خمس و كفارة و نحو ذلك و قصرت التركة قسمت على الجميع بالحصص و عن بعض أصحابنا تقديم الحج لأولويته، و لا ريب في ضعفه، بل ربما كان احتمال تقديم غيره من الحق المالي الصرف للناس أولى.

[المسألة الثامنة من كان عليه حجة الإسلام و نذر أخرى ثم مات]

المسألة الثامنة من كان عليه حجة الإسلام و نذر أخرى ثم مات بعد حصول الاستقرار لهما بحصول التمكن منهما فلم يفعل فعن أبي علي و الشيخ و يحيى بن سعيد بل المصنف في المعتبر أخرجت حجة الإسلام من

408

الأصل و المنذورة من الثلث لأنه كالمتبرع به، و صحيح ضريس بن أعين (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجة الإسلام و نذر في شكر ليحجن رجلا فمات الرجل الذي نذر قبل أن يحج حجة الإسلام و قبل أن يفي لله بنذره فقال:

إن كان ترك مالا حج عنه حجة الإسلام من جميع ماله، و يخرج من ثلثه ما يحج به عنه للنذر، و إن لم يكن ترك مالا إلا بقدر حجة الإسلام حج عنه حجة الإسلام مما ترك و حج عنه وليه النذر، فإنما هو مثل دين عليه»

و صحيح ابن أبي يعفور (2) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام، فعافى الله الابن و مات الأب، فقال: الحجة على الأب يؤديها عنه بعض ولده، قال: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه، فقال:

هي واجبة على الأب من ثلثه أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه»

فإن إحجاج الغير ليس إلا بذل المال لحجة، فهو دين مالي محض بلا شبهة، فإذا لم يجب إلا من الثلث فحج نفسه أولى و بذلك يظهر لك ما في مناقشة سيد المدارك في الاستدلال بهما، كما أن منه أيضا يظهر انه لو ضاق المال إلا عن حجة الإسلام اقتصر عليها، و يستحب ان يحج عنه للنذر نعم لما كان ذلك مخالفا للأصول و لم يعلم العمل به من الأصحاب و لا استقرار ذلك عليه حمله في محكي المختلف على النذر في مرض الموت، فيسقط الاستدلال به حينئذ.

و لعله لذا منهم أي الأصحاب كابن إدريس بل قيل انه مقتضى إطلاق المقنعة و الخلاف من ساوى بين المنذورة و حجة الإسلام في الإخراج من الأصل، و القسمة مع قصور التركة، و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

409

ضرورة كون كل منهما دينا، و احتمال سقوط المنذورة بالموت لأنه واجب بدني كما في المدارك مناف لما يظهر من الأدلة من كونه واجبا ماليا، سواء تعلق به خطاب الأصل أو خطاب النذر كما أوضحنا ذلك سابقا، نعم قد يشكل القسمة بينهما في حال القصور مع فرض عدم حصول كل منهما بما يخصه بعدم الفائدة في التقسيم المزبور، و بإمكان ترجيح حج الإسلام بوجوبها بأصل الشرع، و التفريط في تأخيرها لوجوب المبادرة بها، و ما سمعته من صحيح ضريس، و لكن يستحب قضاء المنذورة عنه للخبرين (1) و عن ظاهر أبي علي الوجوب، و لعله لذا جزم في القواعد بخروج المنذورة من الأصل كحج الإسلام، و بقسمة التركة بينهما أي مع سعتها لهما، ثم قال: و لو اتسعت لأحدهما خاصة قدمت حجة الإسلام، بل حكاه شارحه عن النهاية و المبسوط و السرائر و الجامع و الإصباح، بل و عن المصنف في الكتاب، بل قال: «لا فرق بين تقدم النذر على استقرار حجة الإسلام و تأخره عنها، و كذا إن وجبتا من البلد و اتسعت التركة لأحدهما منه و للأخرى من الميقات أخرجت حجة الإسلام من البلد و المنذورة من الميقات، إلا أن يدخل السير من البلد في النذر، فيقوى العكس، لأصالة وجوبه حينئذ فيها، و في حجة الإسلام من باب المقدمة» قلت: لكن ظاهر المصنف عدم ترجيح إحداهما على الأخرى، فتوزع التركة عليهما و لو لبعض الأفعال فيهما، كما أن ظاهره عدم العمل بالصحيح المزبور فيما تضمنه حيث انه- بعد ان أشار إليه بقوله و في الرواية إذا نذر أن يحج رجلا و مات و عليه حجة الإسلام أخرجت حجة الإسلام من الأصل و ما نذره من الثلث قال و الوجه التسوية، لأنهما دين كما صرح به في ذيل الخبر المزبور، و منه يظهر نوع اضطراب فيه، هذا، و قد تقدم سابقا ما له نفع في المقام، فلاحظ و تأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1 و 3.

410

إلى هنا تم الجزء السابع عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله و منه و قد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه و مقابلته للنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف نور الله ضريحه و قد خرج بعون الله و لطفه خاليا عن الأغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر و يتلوه الجزء الثامن عشر في أقسام الحج إن شاء الله تعالى عباس القوچاني