جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج33

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
345 /
51

فقد ذكر بعضهم أنه يبطل أيضا إذ كان مترددا في ذلك بخلاف ما لو كان عالما بحصولها، فإنه لا تعليق حقيقة فيه، و إنما هو صورة تعليق، و كذا الكلام في «إن كانت زوجتي فهي طالق» و «إن كان ملكي فقد بعتك».

لكن قد يناقش بأن العلم بحصول المعلق عليه لا ينافي صدق تعليق الإنشاء حقيقة، ضرورة كون الإنشاء كيفية نفسانية، و لا ريب في اختلافها بحسب التنجيز و التعليق، سواء كان المعلق عليه معلوم الحصول أو لا، فيتحقق حينئذ عدم التنجيز المفروض اعتباره في العقد و الإيقاع.

اللهم إلا أن يدعى منع الإجماع بقسميه على اعتبار التنجيز بهذا المعنى، لكنه كما ترى، إذ التنجيز معنى متحد، فمع فرض كونه معقد الإجماع الذي هو دليل المسألة يتجه البطلان، لعدم حصوله قطعا، إذ لا مدخلية لوجود المعلق عليه و عدمه في صدق التعليق المنافي للتنجيز حقيقة في نحو قوله: «بعتك هذا إن كانت السماء فوقنا و الأرض تحتنا».

و حينئذ فمقتضيات العقد المذكور استثناؤها لا تزيد على المعلق عليه المعلوم الحصول، فلو قال: «خلعتك إن كان لي الرجوع برجوعك بالبذل» كان تعليقا، خصوصا إذا كان جاهلا بالحال، و كذا لو قال: «بعتك إن كان لي الخيار في المجلس» أو «إن كان لي الخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيام» بل و كذا لو قال:

«بعتك إن كنت أملك الثمن» و هكذا.

نعم لا بأس بأن يقول بعد الخلع: «إن رجعت بالبذل رجعت بالبضع» على وجه لا يكون تعليقا للعقد، و كذا لو قالت هي بعد البذل: «و لي الرجوع بذلك في العدة» فإنه لا يقتضي التعليق في الإنشاء الذي قد عرفت أنه كيفية نفسانية، و الفرض حصولها من دون تعليق، فليس هو إلا منجزا، و الشرط المزبور إنما هو لغو، بل لا يتعقل فيه معنى الشرطية، و بذلك اتضح لك تحقيق الحال، و ربما يأتي لك زيادة تحقيق.

و من الغريب أنه في المسالك أعرض عن إشكال المسألة بما ذكرت و ذكر

52

إشكالها بتخلل كلام بين الإيجاب و القبول في الأول على تقدير تأخر القبول، و تخلله بين الاستدعاء و الإيجاب في الثاني على تقدير تقدم الاستدعاء، و قد تقدم اعتبار الفورية بينهما المعلوم اندفاعه بأن ذلك لا يقدح، لأنه بناء على الصحة من توابع العقد و متعلقاته، فلا يضر فصله، بل لا فصل فيه، كما هو واضح. هذا كله في التعليق على الأمر الحاصل المقارن أو على خصوص ما اقتضاه.

أما لو قال: «خالعتك إن شئت» لم يصح و إن شاءت مقارنا لتمام إيجابه لأنه شرط ليس من مقتضاه و رافع للتنجيز المفروض اعتباره، خصوصا بعد أن كان التعليق على كلي المشيئة الذي لا ريب في بطلانه و إن كان أحد أفرادها المقارن.

و كذا لو قال: إن ضمنت لي ألفا أو أعطيتني أو ما شاكله و كذا باقي أدوات التعليق نحو متى أو مهما أو أي وقت أو أي حين و من الواضح الفرق بين ذلك و بين قوله: «خالعتك بألف» مثلا من غير أن يتقدم سؤالها و إن كان في المعنى هو مشروطا بقبولها، لكنه تعليق شرعي لا لفظي من المنشئ الذي لو قال مثلا: «بعتك كذا بكذا إن قبلت» بطل قطعا، لكونه تعليقا من المنشئ منافيا للتنجيز المفروض اعتباره.

و من الغريب ما في المسالك حيث إنه بعد أن ذكر البطلان في هذه الأمثلة معللا لها بالتعليق و غيره قال: «و في الحقيقة هذه الأحكام كلها راجعة إلى صور الشرائط المرتبطة بالألفاظ، و إلا فالمعنى متحد، و إثبات الأحكام بمثل هذه الاعتبارات لا يخلو من تكلف».

و فيه ما لا يخفى من عدم تنقيحه لما هو المدار في المسألة، و إلا فلا ريب في عدم التنجيز في هذه الأمثلة و ما شابهها، و هي شرائط حقيقية لا صورية، و الفرق بين التعليق الشرعي و الإنشائي في كمال الوضوح، كالفرق بين الإنشاء التنجيزي و التعليقي سواء كان المعلق عليه متوقع الحصول أو معلومه أو هو حاصل فعلا و من مقتضى

53

العقد أو غيره.

و أغرب من ذلك قوله متصلا بما سمعت: «و بقي البحث في تعليق الاستدعاء على الشرط، و قد تقدم تجويزه و في التحرير لو قالت إن طلقتني واحدة فلك على ألف فطلقها فالأقرب ثبوت الفدية، و هو تعليق محض، إلا أن يقال بأن الاستدعاء يتوسع فيه، و من ثم لم يختص بلفظ بخلاف الخلع الواقع من الزوج، و في الحقيقة كل لفظ يتقدم منهما فهو معلق على الآخر، و من ثم قلنا: إنه مع تأخير القبول من جانبها يكون في الخلع شائبة الشرط، إلا أنهم اعتبروا في نفس الخلع الذي هو عبارة عن اللفظ الواقع من الزوج تجرده عن صورة الشرط بخلاف اللفظ الواقع منها، و لو جعلنا الخلع عبارة عن العقد المركب منهما أشكل الفرق، و على ما ذكره في تعريف الخلع في التحرير- من أنه عبارة عن بذل المرأة المال للزوج فدية لنفسها- يقوى الاشكال، خصوصا في حكمه الذي حكيناه عنه».

قلت: هو من غرائب الكلام، و مناف لما أسلفه سابقا جازما من جواز التعليق في استدعائها الذي هو عنده أحد ركني المعاوضة، و قد تقدم مناقشتنا له في ذلك، و التوسع في الاكتفاء عنه بكل لفظ لا مدخلية له في جواز التعليق، ضرورة ثبوت التوسع في القبول في سائر العقود الجائزة المعلوم عدم جواز التعليق فيها و أغرب من ذلك قوله: «و في الحقيقة كل لفظ» إلى آخره، إذ قد عرفت أن ذلك تعليق شرعي لا إنشائي.

نعم قد يقال: إن ذلك منهم بناء على جواز التعليق عندهم في بذلها مؤيد لما قلناه من عدم كونها معاوضة حقيقية مشتملة على الإيجاب و القبول، بل البذل منها داع على صدور الطلاق منه عليه، فحينئذ لا يقدح تعليقه، إذ ليس قبول إيجاب و إنشاء معاوضة، و إن جرى عليه بعض أحكامها من الفورية مثلا و غيره، للإجماع أو لأنه المتيقن من صحة الخلع المخالف للأصل، كما عرفت ذلك مكررا.

54

[النظر الرابع في الاحكام]

النظر الرابع في الاحكام

[و فيه مسائل]

و فيه مسائل:

[المسألة الأولى لو أكرهها على الفدية فعل حراما]

الاولى:

لو أكرهها على الفدية فعل حراما بلا خلاف و لا إشكال، ضرورة كونه ظلما محرما، و يتحقق الإكراه عليها بنحو ما سمعته من الإكراه على الطلاق و غيره من العقد و الإيقاع، إذ الإكراه حقيقة واحدة في الجميع، و ليس منه ترك ما لا يجب عليه من الأمور المتعلقة بالزوجية و إن تأذت بذلك و التجأت إلى الفداء حتى الإغارة بزوجة، بل و إن قصد بذلك بذلها الفداء، بل ليس منه ترك حقوقها الواجبة عليه مع فرض عدم قصد إرادة البذل منها بذلك، نعم متى قصد بالترك بذل الفداء بتحقق الإكراه كما تقدم الكلام في ذلك في باب الشقاق بين الزوجين.

و على كل حال ف لو طلق به أي الإكراه صح الطلاق و لم تسلم له الفدية التي فرض الإكراه عليها و كان له الرجعة إن كان المورد مما له الرجعة فيه، و إلا بطل أصل الطلاق أو كان بائنا على البحث السابق، أو هو بائن على كل حال، لكون التقصير في المقام من جانبه.

نعم لا خلاف معتد به في صيرورة الطلاق رجعيا إذا كان مورده كذلك، و لا يستلزم بطلان الفداء بطلانه، و لعله لما عرفت من عدم المعاوضة الحقيقية، بل كان الفداء باعثا، و ربما كان كلامهم في المقام مؤيدا لذلك، ضرورة كون المتجه على

55

المعاوضة حقيقة بطلان أصل الطلاق، لمعلومية بطلان المعاوضة ببطلان العوض الذي هو أحد أركانها، و لذا قال في المسالك من غير نقل خلاف: «إنه إن كان الواقع خلعا بطل، و إن قلنا: إنه طلاق فلا يكون رجعيا، لأن ماهيته لا تتحقق بدون صحة البذل عندنا» و إن كان قد يناقش بأن عدم صحته خلعا لا ينافي صحته طلاقا فالأولى تعليله بعدم وقوع الطلاق بلفظ «خلعت» بل هو كناية في غير الخلع من الطلاق، و فيه التأمل الذي ذكرناه سابقا.

[المسألة الثانية لو خالعها و الأخلاق ملتئمة لم يصح الخلع و لا يملك الفدية]

المسألة الثانية:

لو خالعها و الأخلاق ملتئمة أي لا كراهة بينهما لم يصح الخلع و لا يملك الفدية بلا خلاف و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى السنة (1) المستفيضة أو المتواترة التي قد مر كثير منها، بل و ظاهر اعتبار الخوف من عدم إقامة حدود الله تعالى (2) المنتفي في الفرض.

و لو طلقها و الحال هذه بعوض لم يملك العوض، و لكن صح الطلاق، و له الرجعة مع فرض كون مورده رجعيا، و إلا كان بائنا أو باطلا على البحث السابق بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه مضافا إلى النصوص المستفيضة على عدم حل أخذ شيء منها مع عدم الكراهة.

هذا و لكن في المسالك بعد أن ذكر الحكم الأول قال: «هذا بالنسبة إلى الخلع، و أما الطلاق بعوض فمقتضى كلام المصنف و الجماعة كونه كذلك، لاشتراكهما في المعنى، بل عده في المبسوط خلعا صريحا حيث قسمه إلى واقع بصريح الطلاق، و إلى واقع بغيره، و جعل الأول طلاقا و خلعا، و جعل الخلاف في

____________

(1) الوسائل الباب- 1 و 2- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 229.

56

الثاني هل هو طلاق أم لا، و هذا إن كان إجماعا فهو الحجة في حكمه، و إلا فلا يخلو من إشكال، لأن النصوص (1) إنما دلت على توقف الخلع على الكراهة، و ظاهر حال الطلاق بعوض أنه مغاير له و إن شاركه في بعض الأحكام» و قد تكرر منه هذا الكلام في المسالك و الروضة، و أنكر عليه سبطه معترفا بعدم الموافق له على ذلك من المتقدمين و المتأخرين.

و قد أطنب في الحدائق في بيان فساده بعد أن حكى ما وقع له من ذلك في المسالك و الروضة في مواضع، و حكى عن بعض معاصريه موافقته له في ذلك، و أنهم طلقوا بالعوض جملة من النساء مع عدم الكراهة، فضلا عن الجهل بالحال.

و لقد عثرت على رسالة كبيرة مصنفة في هذه المسألة للعالم الرباني المحقق المدقق الميرزا أبي القاسم القمي (قدس سره) و هو و إن أبدع فيها و ذكر فيها أنه منذ أربعين سنة أو أزيد كان على خلاف ما ذكره الشهيد و لكنه ظهر له بعد ذلك صحته، و صنف الرسالة المزبورة التي هي و إن أبدع فيها لكنها أوفق بفقه الأعاجم المبني على التجشم و التدقيق المعلوم كونه على خلاف طريقة المعتدلين من أهل الفن، و كان منشأ الوهم ما وقع للمصنف و غيره من ذكر حكم الخلع مستقلا، و ذكر حكم الطلاق بعوض غير مرة، و ما وقع لبعضهم كالفخر و المقداد و أبي العباس في تعريف الخلع مما يقتضي كون الطلاق بعوض مفهوما آخر غير الخلع، و من ذلك و نحوه نشأ الوهم في أنه شيء مستقل يوافق الخلع و يفارقه، بل ظاهر بعض كلمات القمي في رسالته المزبورة أنه حيث يكون موافقا للخلع يقصد به معنى الخلع لا الطلاق و لقد أشرت سابقا إلى ما يفسد هذا كله، فلاحظ و تأمل.

و لكن نزيدك هنا أنه ليس في شيء من النصوص طلاق العوض أو طلاق الفداء، نعم

فيها «أن الخلع و المبارأة طلاق (2)»

و ظاهرها كالفتاوى إرادة الفردية

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2 و فيه

«الخلع و المبارأة تطليقة بائن»

57

منه لا المشاركة في الحكم، بل ظاهر آية الفداء (1) التي هي في مقام الطلاق، فعلم من ذلك أعمية الطلاق منه على نحو ما قررناه في السلم الذي هو قسم من البيع، و لا ينافي ذلك تعريف الطلاق سابقا بما لا يشمل الخلع المبني على إرادة تعريف المقابل للخلع منه لا المعنى الأعم الشامل له و لغيره، و حينئذ فلا يحتاج إلى قصد معنى الخلع بلفظ الطلاق المستعمل في مورد الخلع، بل يقصد معناه و يكون خلعا باجتماع شرائطه، كما يكون البيع في مقام السلم سلما، و حينئذ فلا ريب في أن مفهوم الطلاق بالعوض و مفهوم الخلع متباينان، و لكن لا مصداق لهما إلا مورد الخلع، و من هنا افترق الخلع عن الطلاق بالعوض في صيرورة الثاني رجعيا ببطلان بعض شرائط الخلع بخلاف الأول، فإنه يبطل من أصله.

و من الغريب دعوى الفاضل المزبور تحقق الطلاق بالعوض في غير مورد الخلع، و ذكر له أقساما ستة: أولها الطلاق بالعوض، و الثاني الصلح عن الطلاق بكذا، و الثالث الهبة المعوضة بالطلاق، و الرابع الجعالة على الطلاق، و الخامس اشتراط الطلاق بعقد بيع مثلا، و السادس الطلاق مع شرط العوض، و ذكر أن دليل صحة ما عدا الأول و الثاني منها عمومات الصلح و الهبة و الجعالة و البيع.

ثم أطنب في اقتضاء الطلاق الواقع في المذكورات البينونة إلا مع التقايل و التفاسخ أو يكفي وقوعه و إن جاز له الرجوع به حيث يكون رجعيا، و تجشم لكونه كالخالع حينئذ بكون المراد في الصلح و الهبة و الجعالة و الشرط في البيع طلاقا لا رجعة له فيه، فهو حينئذ في قوة اشتراط عدم الرجعة به و إن كان لو لا ذلك لكان رجعيا، و جعل دليل الأول قوله تعالى (2) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» الشامل و لو للعقد الجديد و ما دل على الوفاء بالميثاق أو العهد المحتمل إرادته أيضا من الوفاء بالعقود، و دليل الأخير

«المؤمنون عند شروطهم» (3)

الشامل للإلزام بالعوض على جهة

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 1.

(3) الوسائل الباب- 20- من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

58

الشرطية و لو في ضمن الإيقاع كالشرط في العتق، إلى غير ذلك مما ذكره فيها الذي لولا الأدب معه لقلنا فيه ما قلنا.

و من هنا ذكرنا أنها أوفق بفقه الأعاجم، وليته بقي على حاله قبل الأربعين سنة، ضرورة خروج مفهوم الطلاق بعوض عن المذكورات أجمع، فإنه فيها قد وقع عوضا، لا أنه بعوض الذي يراد منه أنت طالق بكذا على وفق الخلع، على أنه يمكن المناقشة في صحة الصلح عن الطلاق، بل و جعله عوضا عن الهبة، بل و في كونه عملا بجعل و إن صرح بجوازه ثاني الشهيدين و بعض من تأخر عنه.

و أغرب من ذلك كله الاستدلال على الأول بعموم «أَوْفُوا» (1) و غيره الذي من المعلوم عدم تناوله للمفروض، و على الثاني

بعموم «المؤمنون عند» (2)

إلى آخره الذي قد ذكرنا غير مرة عدم تناوله للإيقاع.

و بالجملة هذه الكلمات و نحوها مما لا ينبغي أن تسطر في أثناء كتب الشيعة التي هي معدن أسرار النبوة، و مبرأة من أمثال هذه الكلمات اللائقة بكتب العامة لا الخاصة.

و أغرب من ذلك كله الاستدلال على صحته بعوض أو بشرط إلزامي بعمومات الطلاق الذي هو مجرد إنشاء الفسخ الذي هو غير قابل للنقل أو الإلزام بشيء.

و من ذلك كله و غيره ظهر لك الوجه فيما اتفق الأصحاب عليه من عدم صحة الطلاق بعوض إلا في مورد الخلع، و حينئذ تلحقه أحكامه من الرجوع بالبذل و غيره، كما هو واضح.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 1.

(2) الوسائل الباب- 20- من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

59

[المسألة الثالثة إذا أتت بالفاحشة جاز عضلها]

المسألة الثالثة:

إذا أتت بالفاحشة جاز عضلها عندنا لتفدي نفسها لقوله تعالى (1):

«وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» و قيل: هو منسوخ بآية الحد (2) التي هي غير منافية له و لم يثبت النسخ، بل و لا القائل به منا، كما اعترف به في المسالك و كشف اللثام، قال في الأول منهما: «و اعلم أن القول الذي حكاه المصنف من كون الآية منسوخة تبع فيه الشيخ في المبسوط، و هو قول بعض العامة، و أما أصحابنا فلا يعرف ذلك لهم و لم ينقله أحد من الأصحاب عنهم، و لكن الشيخ في المبسوط يحكي أقوالهم و يختار منها ما ترجح عنده، و قد نقل القول بكونها منسوخة بقول و قيل، و هو ضعيف المستند».

و المراد بالعضل هنا مضارة الزوجة و التضييق عليها بسوء العشرة لتضطر إلى الافتداء منه بمالها، لأن أصل العضل على ما عن الهروي و غيره: التضييق و المنع، يقال: أردت أمرا فعضلني عنه زيد إذا منعه و ضيق عليه، و أعضل في الأمر إذا ضاق.

و أما الفاحشة ففي المسالك «قيل: هو الزنا، و قيل: ما يوجب الحد مطلقا، و قيل: كل معصية- ثم قال-: و كون الحكم على خلاف الأصل ينبغي الاقتصار منه على محل الوفاق، و هو الأول، لأنه ثابت على جميع الأقوال».

و في كشف اللثام «هي كل معصية كما في التبيان و مجمع البيان و أحكام القرآن للراوندي أو ما مر من أقوالها إذا كرهت الزوج، كما في تفسير علي

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 19.

(2) سورة النور: 24- الآية 2.

60

ابن إبراهيم (1)».

و في الحدائق «و أما ما يتعلق بهذه الآية (2) من الأخبار فلم أقف إلا على ما ذكره أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان، حيث قال «إِلّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أي ظاهرة، قيل: و فيها قولان: أحدهما يعني: إلا أن يزنين، عن الحسن و أبي قلامة (3) و السدي، و قالوا: إذا اطلع منها على زنية فله أخذ الفدية منها، و الآخر أن الفاحشة النشوز، عن ابن عباس، و الأولى حمل الآية على كل معصية، و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) و اختاره الطبري».

هذا و في المسالك «هل يتقيد جواز العضل ببذل مخصوص كمقدار ما وصل إليها؟ ظاهر المصنف و الأكثر عدمه، لإطلاقهم الجواز إلى أن تفدي نفسها، لإطلاق الآية، و لعدهم هذا خلعا، و هو غير مقيد، و رجح الشهيد في بعض تحقيقاته تقييده بما وصل إليها منه من مهر و غيره حذرا من الضرر العظيم، و استنادا إلى

قوله (صلى الله عليه و آله) لزوجة ثابت بن قيس (5) و قد قالت أزيده: «لا، حديقته فقط» و في بعض ألفاظ الخبر «أما الزيادة فلا، و لكن حديقته» (6)

و حمل كلام الأصحاب على غير صورة العضل، أو على ما إذا بذلت الزيادة من قبل نفسها- ثم قال- و في الاحتجاج من الجانبين معا نظر، لأن الاستثناء في الآية وقع من إذهاب الأزواج ببعض ما آتوهن لا بجميعه، و الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ، و الجميع غير داخل فيه، فإطلاق الاستثناء لا يفيد، فلا حجة فيها للفريقين، و أما الخبر فلا دلالة فيه أيضا على

____________

(1) تفسير على بن إبراهيم ص 73 و نقله في تفسير البرهان ج 1 ص 355.

(2) سورة النساء: 4- الآية 19.

(3) في هامش النسخة الأصلية (أبى قدامة خ ل) الا أن الموجود في الحدائق و مجمع البيان «أبي قلابة».

(4) مجمع البيان ج 2 ص 24 ط صيدا- سورة النساء: 4 ذيل الآية 19.

(5) المتقدم في ص 3.

(6) سنن البيهقي ج 7 ص 314.

61

موضع النزاع، لأن المرأة المذكورة ليست من هذا الباب، و لا عضلها زوجها، و إنما كان يريدها لو رضيت عنه، و إنما هي الكارهة له على أصل قاعدة الخلع، و تقييده (صلى الله عليه و آله) بالحديقة لكون الزوج طلبها، و إلا لجازت الزيادة إجماعا، و أما حمله لكلام الأصحاب على غير صورة العضل ففيه أنهم أطلقوا فيها، على أنك قد عرفت عدم الدليل على التقييد بقدر ما أخذت منه لا من الآية و لا من الخبر، و ليس ذلك من باب الخلع و المبارأة ليبحث عن تقييده بذلك و شبهه، و أما حديث الإضرار فحسن، لكنه غير مقيد بكون البذل بمقدار ما وصل إليها، بل بما يحصل معه الإضرار و عدمه، و الأظهر الاقتصار في تقدير العضل على بعض ما وصل إليها مطلقا، عملا بظاهر الآية و وقوفا فيما خالف الأصل على محل اليقين» و نحو ذلك قد ذكر في الروضة أيضا.

قلت: صريح كلامه أن المقام ليس من الخلع و المبارأة بعد أن اعترف سابقا أنهم قد عدوه في بابه، و ظاهرهم كون المقام منه، و إلا فقد صرحت النصوص (1) المستفيضة أو المتواترة بعدم حل أخذ شيء منها بدون كراهتها الظاهرة بالأقوال المزبورة، و قد عرفت أن الطلاق بالعوض لا مصداق له غير مورد الخلع.

بل لعل التأمل في كلامهم في المقام و ذكرهم الفدية و نحوها يشرف الفقيه على القطع بكون الفرض من مقام الخلع، و إلا لذكروا له أحكاما مستقلة من كونه طلاقا بائنا حينئذ أو رجعيا، و أنه يجوز له الرجوع بما أفدته أو لا، إلى غير ذلك من الأحكام.

على أنه بناء على إرادة كل معصية من الفاحشة ينبغي القول بجواز إكراه المرأة على إفدائها بكل ما يقترحه عليها أو بمقدار ما وصل إليها منه أو بعضه بمجرد غيبة أو كذبه أو غير ذلك من المعاصي و إن كانت المرأة كارهة للفراق و محبة لزوجها، و هو حكم غريب لم يذكره فقيه، و لا بحثوا عنه، و لا ذكروا له

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

62

أحكاما.

و كذا لو قلنا بأن المراد منها الزنا أو ما يوجب الحد، بل لعل القول بجواز الإكراه لها بما لا يجوز له قبل الفاحشة من سائر أفراد الظلم حتى تفدي نفسها من المستنكرات.

فالأولى أن يقال: إن المراد جواز إكراه المرأة الكارهة لزوجها التي هي موضوع الخلع إذا جاءت بالفاحشة، و هي نشوزها و خروجها عن طاعته، لكراهتها له بالتضييق عليها من الهجر و قطع النفقة و غير ذلك مما هو جائز لها حتى تفدي نفسها منه بما يشاء منها، و هو في الحقيقة ليس إكراها بما لا يجوز له، بل هو إكراه بحق فتأمل جيدا، فان المقام غير محرر في كلماتهم، و الله العالم.

[المسألة الرابعة إذا صح الخلع فلا رجعة له]

المسألة الرابعة:

إذا صح الخلع فلا رجعة له بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، و هو الحجة بعد الأصل و النصوص المستفيضة أو المتواترة التي منها

قول الرضا (عليه السلام) في صحيح ابن بزيع (1) «تبين منه، و إن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت»

و في ذيل

صحيح ابن سنان المروي في المحكي عن تفسير علي بن إبراهيم (2) «لا رجعة للزوج على المختلعة، و لا على المبارأة إلا أن يبدو للمرأة، فيرد عليها ما أخذ منها»

بل و مفهوم

موثق أبي العباس (3) عن الصادق (عليه السلام) «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعن في بضعك»

و غيرها من النصوص (4) الصريحة و الظاهرة، و إنما ذكرنا هذه خاصة منها لجمعها بين

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(3) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(4) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

63

الدلالة على ذلك و على أن لها الرجوع في الفدية ما دامت في العدة و إن لم يرض الزوج بذلك.

نعم مع رجوعها يرجع إن شاء الذي لا أجد فيه خلافا، أيضا إلا من ابن حمزة، فاعتبر التراضي منهما مع إطلاقهما، أما إذا قيدا أو أحدهما كان للمرأة الرجوع بما بذلت، و له الرجوع بها إن شاء، و لا ريب في ضعفه و إن نفى عنه البأس في المختلف، ضرورة كونه كالاجتهاد في مقابلة النص الحاكم على قاعدة كون ذلك مقتضى المعاوضة بعد تسليم كونها كذلك حقيقة.

إنما الكلام في اشتراط جواز رجوعها بإمكان صحة رجوعه و عدمه، صريح جماعة كما عن ظاهر الشيخ الأول، بل ربما نسب إلى الشهرة، و ظاهر غير واحد ممن أطلق جواز الرجوع بها حتى المصنف الثاني.

و لعل الأقوى الأول،

لقاعدة «لا ضرر و لا ضرار»

و غيرها، مضافا إلى ظاهر النصوص المزبورة، حتى الأول (1) منها الذي مقتضاه اشتراط الجواز المستفاد من قوله (عليه السلام) «فعلت» برد ما أخذت منه، و كونها امرأة له المنزل على إرادة بحكم امرأته، باعتبار جواز الرجوع له حينئذ، للإجماع على عدم رجوعها زوجة له بمجرد رجوعها بالبذل، فلا يجوز لها رد ما أخذت منه، و لا تكون امرأة له كما في المطلقة ثلاثا.

و أما الموثق (2) فدلالته ظاهرة و إلا لبقي الشرط بلا جزاء، بل لعل اتفاق الأصحاب على تقييد جواز رجوعها بالبذل بما إذا كان في العدة مع خلو النصوص عنه مبني على التلازم المزبور، للعلم بعدم جواز الرجوع له بعدها، لصيرورة المرأة أجنبية حينئذ كالصغيرة و اليائسة اللتين لا عدة لهما اللتين قد استفاضت النصوص (3) بكون طلاقهما حيث يقع بائنا، فتقيد جواز رجوعها بالعدة مقدمة لجواز رجوعه

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 2 و 3- من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

64

حينئذ، كما أن الإجماع و إطلاق النصوص (1) على جواز الخلع لمن لا عدة لها أو كانت عدتها عدة بائن كالمطلقة ثلاثا، فلا يتوهم اقتضاء النصوص المزبورة اختصاص مورد الخلع بالرجعية باعتبار ما فيها من أنه إن رجعت رجع، بدعوى كون ذلك كاللازم لماهيته، إذ هو كما ترى.

فتحقق حينئذ أنه لا رجوع لها حيث لا رجوع له لعدم عدة أو لانقضائها أو لغير ذلك، لا أقل من أن يكون ذلك هو المستفاد من النصوص (2) المزبورة، فيبقى عدم جواز رجوعها في غيره على أصالة عدم الجواز.

بل قد يقوى بملاحظة الأخير عدم صحة رجوعها مع فرض عدم علمه بذلك إلى انقضاء محله، لأن الثابت من الأدلة المزبورة رجوعها في حال العلم بذلك، أما الصحيح الأول (3) الذي قد اعتبر في شرطه كونها امرأة له فأقرب مجازاته حال علمه الذي يكون فيه حينئذ أحق ببضعها، و أما الموثق (4) فجواب الشرط فيه الخطاب بقول: «لأرجعن ببضعك» الذي لا ينطبق إلا على حال العلم، و أما الثالث (5) فاختصاص دلالته في حال العلم واضح، و لم نقف على غيرها، فيبقى في غير مفادها على أصالة المنع، مؤيدا

بقاعدة «لا ضرر و لا ضرار».

و دعوى ظهورها في أن الشرط ثبوت رجوعه شرعا أعم من أن يرجع أم لا- و متى كانت العدة رجعية كان رجوعه جائزا سواء علم أم لم يعلم، كما لو طلق رجعيا و لم يعلم بجواز الرجوع فيها فترك إلى انقضاء العدة، فإن ذلك لا يخرج العدة عن كونها رجعية- واضحة المنع بعد الإحاطة بما ذكرنا من انحصار الدليل في النصوص المزبورة التي لا ينكر عدم استفادة حكم غير الفرد المزبور منها، لعدم

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

(3) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(4) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

65

تعرض فيها لغيره، فيبقى على أصل المنع بعد فرض عدم إطلاق يندرج فيه.

و كذا دعوى كون المحصل من الأدلة كون رجعتها شرطا في جواز رجوعه، و الشرط لا يتوقف وجوده على وجود المشروط بالفعل و إلا دار.

بل هي أوضح من الأولى منعا، خصوصا ما ذكر من الدور فيه المعلوم عدمه في المقام الذي حاصله عدم صحة رجوعها إلا في حال علمه بذلك.

و حينئذ فما في القواعد و غيرها من الحكم بالصحة لا يخلو من نظر، و كان منشأ الاشتباه استفادة الحكم الوضعي من النصوص (1) المزبورة، و هو غير مقيد، و هو كذلك لو أن الأدلة أفادته على الوجه المفروض، و إنما إفادته على النحو الذي ذكرناه، و لا شمول فيه قطعا.

و على كل حال فبناء على عدم اعتبار العلم في جواز رجوعها لو أنشأ الرجوع جاهلا برجوعها فصادف سبق رجوعها فالظاهر الصحة، من غير فرق بين الذاهل و غيره، لإطلاق ما دل على سببيته، كما تقدم البحث في نظائر ذلك غير مرة.

ثم إنه حيث ترجع المرأة بالبذل و يكون للزوج حق الرجوع فهل تكون بذلك مطلقة رجعية يثبت لها جميع أحكامها من النفقة و التوارث و غيرهما كما هو أحد الوجهين أو القولين، لعدم كون الرجعية إلا من جاز الرجوع فيها، و إيماء الخبرين (2) المزبورين إلى ذلك أم لا، لأنها ابتدأت على البينونة و سقوط هذه الأحكام، فعودها بعد ذلك يحتاج إلى دليل، و الأصل بقاء الأحكام السابقة، و لا يلزم من جواز رجوعه على الوجه المزبور كونها رجعية مطلقا، لجواز أن يراد بالرجعية ما يجوز للزوج الرجوع فيها مطلقا، بل في المسالك هو الظاهر.

قلت: قد يقال- بعد تسليم عدم دلالة الخبرين المزبورين على صيرورتها حينئذ

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3 و 4.

66

رجعية و لو باتحاد التعبير عنهما أو ما يقاربه، و عدم ظهور الأدلة في كون الخلع طلاقا، و أن بينونته إنما هي من جهة الفداء الذي هو كالشراء أو الصلح، فمع فرض رجوع البذل عاد الطلاق إلى أصله كما لو فسد، بل قد يدعى ظهور الأدلة حتى آية «وَ بُعُولَتُهُنَّ» (1) في أن الأصل في الطلاق أن يكون رجعيا-: إن

الصحيح الأول (2) باعتبار قوله (عليه السلام) فيه: «و تكون امرأته»

دال على أن المختلعة كالزوجة، نحو ما ورد (3) في الرجعية، فان لم نقل باندراجها فيها أمكن استفادة أحكامها من ذلك، نحو ما استفيد أحكام الرجعية.

و لعله لذلك و غيره أطلق الأصحاب في كل مقام يبطل الخلع فيه صيرورة الطلاق رجعيا، و حينئذ فلا يجوز له نكاح الأخت و لا الرابعة بعد رجوعها بالبذل، أما قبله فلا إشكال في الجواز، و إن ذكر بعض وجها للعدم، باعتبار تزلزله، لإمكان رجوعها، لكنه في غير محله، إذ هو حينئذ كالاجتهاد في مقابلة إطلاق النصوص (4) أنه تطليقة بائنة، و خصوص

صحيح أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أ يحل له أن يخطب أختها من قبل أن تنقضي عدة المختلعة؟ قال: نعم قد برئت عصمتها منه، و ليس له عليها رجعة»

الظاهر- و لو بقرينة ما في ذيله الذي هو كالتعليل- في جواز التزويج بها، مضافا إلى صدق عدم الجمع بين الأختين و تزوج الخمسة في الفرض، و غير ذلك.

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 228.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(3) الوسائل الباب- 1- من أبواب أقسام الطلاق و الباب- 13- منها الحديث 6 و الباب- 20- منها الحديث 11 و الباب- 18 و 20 و 21- من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

(4) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة.

(5) الوسائل الباب- 12- من كتاب الخلع و المبارأة.

67

و هل لها الرجوع بالبذل حينئذ و إن لم يجز له الرجوع باعتبار كون المانع من قبله، مع أنه يتمكن منه أيضا و لو بتطليق الأخت مثلا بائنا- كما مال إليه بعض الناس- أو لا يجوز الرجوع، لعدم تناول النصوص (1) المزبورة المنحصر فيها دليل جواز رجوعها للفرض خصوصا الأول (2) منها بل و الثاني (3) و الثالث (4)؟ و لعله الأقوى، و لا ينافي شيئا مما ذكرنا ما في شرح الإرشاد و غيره من نفي الخلاف أو الاتفاق على كون البذل جائزا من جهتها المعلوم إرادة ذلك في الجملة منه خصوصا بعد عدم ذكرهم له في سياق المسألة، و إنما ذكر في أثناء كلام لهم في غير المقام، كما هو واضح بأدنى ملاحظة.

ثم إنه لا يخفى عليك ظهور الموثق (5) المزبور،

و قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (6): «ينبغي»

إلى آخره المعلوم منه إرادة استحباب اشتراط مقتضى الخلع فيه جواز (7) رجوعها ببعض البذل، و أنه يثبت له حق الرجوع بذلك و لا ينافي ذلك

قوله (عليه السلام) في الصحيحين (8): «ما أخذ منها»

الظاهر في جميعه بعد أن لم يكن ظاهرا في الشرطية، و أقصاه أن ذلك أحد أفراد الرد، فلا ينافي استفادة جواز الفرد الأخر له و هو رد البعض من الموثق و الصحيح، مؤيدا ذلك بأنه إذا صح لها الرجوع بالجميع صح لها الرجوع بالبعض، لأن الحق لها، فلها إسقاط بعضه، كما لها إسقاط جميعه، فان عدم الرجوع في قوة الإسقاط، إذ لا يلزم منه رجوع العوض الأخر.

و من ذلك بان لك ضعف احتمال عدم جواز رجوعها بالبعض، لأن ذلك يقتضي

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(3) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(6) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(7) هكذا في النسختين الأصليتين و الصحيح «في جواز».

(8) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3 و 4.

68

صيرورة الطلاق رجعيا، و هو مشروط بعدم الاشتمال على العوض، و الفرض بقاء البعض عوضا، إذ لا فرق بين القليل و الكثير، و من ثم لو جعل ابتداء ذلك القدر الباقي أو أقل منه كفى في البينونة، و الجمع بين كون الطلاق رجعيا و بقاء العوض في مقابلته جمع بين متنافيين، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص، على أن العوض هنا المجموع دون البعض الباقي و إن كان صالحا لأن يكون عوضا لو وقع الخلع عليه، فيصدق حينئذ بانتفاء البعض انتفاء العوض، و يثبت حكم الرجوع.

و من الغريب ميلة إلى ذلك في المسالك مستدلا له بما سمعت قال: «و في صحيح ابن بزيع (1) ما يرشد إليه، لظهوره في اعتبار رد الجميع، لأن «ما» من صيغ العموم، فلا يترتب عليها الحكم بالبعض، و هو العمدة في الباب لصحته» و فيه مالا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه.

و أضعف منه احتمال جواز رجوعها بالبعض، لأن البذل جائز من جهتها، و لكن لا يجوز له الرجوع، لأن بقاء شيء من العوض مانع من رجوعه و هو حاصل، إذ هو مع ما فيه مناف لقاعدة الإضرار، و التحقيق ما عرفت.

نعم الظاهر وجوب رد الجميع عليه إذا اختار الرجوع، لظهور ذيل صحيح ابن سنان (2) في ذلك، بل هو مقتضى المعاوضة.

بقي شيء، و هو أن ظاهر النص (3) و الفتوى في المقام عدم الفرق في صيرورتها بحكم الرجعية في جواز الرجوع بها بين فراقها بصيغة الخلع أو الطلاق كما ذكرناه سابقا، و هو مؤيد لما ذكرناه سابقا من احتمال صيرورتها مطلقة رجعية لو بان فساد البذل و إن كان بصيغة «خلعت» و لو لم يكن إجماعا منهم لأمكن القول هنا أيضا بأنه إن كانت الصيغة هنا بلفظ «خلعت» و رجعت بالبذل فسد الخلع من أصله و عادت الامرأة امرأة له بلا رجوع منه، بل ربما أمكن تنزيل صحيح ابن

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(3) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

69

بزيع (1) عليه، بخلاف ما إذا كان الخلع بلفظ الطلاق، فإنه حينئذ يبطل الخلع، و يبقى الطلاق رجعيا أو غيره على حسب مورده، كما عرفته سابقا، و بذلك حينئذ تنتظم كلماتهم التي منها قوله:

[المسألة الخامسة لو خالعها و شرط الرجوع لم يصح]

المسألة الخامسة:

لو خالعها و شرط الرجوع (الرجعة خ ل) لم يصح الشرط، لكونه مخالفا للسنة (2) المقتضية كون الخلع طلاقا بائنا، بل يبطل الخلع أيضا، كما صرح به في المسالك، لكنه شبه المعاوضة التي قد عرفت بطلانها ببطلان الشرط فيها في محله، خلافا لابن إدريس كما تقدم تحقيق الحال فيه في كتاب البيع، و لا يكون الخلع ببطلان الشرط طلاقا، لما عرفت من عدم انعقاد الطلاق به عندهم، و أن العوض عندهم جزء مفهومه و منه الشرط، فمع فرض بطلانه يبطل أصل الخلع.

و كذا يبطل الشرط لو طلق بعوض لأنه شرط باطل على كل حال، من غير فرق بين كون الخلع بصيغة «خلعت» أو صيغة الطلاق بعوض، نعم في المسالك هنا أنه ينبغي أن يقع الطلاق رجعيا إن خلا من موجبات البينونة، و إلا اتجه بطلانه، و هو مبني على مذاقه الذي قد تقدم النظر فيه، ضرورة عدم الفرق في القصد بين كون مورد الطلاق رجعيا و غيره، فمع فرض عدم اقتضاء فساد العوض أو الشرط فساد أصل الطلاق لكونهما قصدين متباينين يتجه صحة الطلاق كيفما كان مورده، و إلا بطل فيهما، و ظاهر الأصحاب عدم مدخلية العوض في صحة قصد الطلاق، فيتجه في المقام المفروض فيه بطلان الشرط صحة الطلاق و إن بطل المعنى المعاوضي الذي به صار خلعا على طريقة المعاوضة التي تبطل ببطلان

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة.

70

الشرط فيها و إن كان للنظر في أصل دعوى تمايز قصدي الطلاق و العوض و عدم الارتباط بينهما على نحو المعاوضة لا في العوض و لا في الشرط مجال.

[المسألة السادسة المختلعة لا يلحقها طلاق بعد الخلع]

المسألة السادسة:

المختلعة لا يلحقها طلاق بعد الخلع عندنا بلا خلاف و لا إشكال لأن وقوع الثاني بها مشروط بالرجعة و الفرض انتفاؤها، و كذا الظهار و الإيلاء المعتبر في موردهما كونها زوجة، و هي بالخلع الذي هو تطليقة بائنة صارت كالأجنبية. نعم لو رجعت في الفدية فرجع هو بها جاز استئناف الطلاق لصيرورتها زوجة حينئذ، كما هو واضح.

[المسألة السابعة إذا قالت طلقني ثلاثا بألف فطلقها قال الشيخ لا يصح]

المسألة السابعة:

إذا قالت: «طلقني ثلاثا بألف» فطلقها قال الشيخ فيما حكاه المصنف و الفاضل في محكي التحرير عنه لا يصح عندنا لأنه طلاق بشرط و فيه ما لا يخفى من أنه لا شرط في الفرض. و لذا قال المصنف مشيرا إلى النظر فيه الوجه أنه طلاق في مقابلة بذل، فلا يعد شرطا لكن في المسالك «الذي رأيناه في كلام الشيخ خلاف ذلك، و أنه نقل البطلان معللا بالشرط في كلام آخر يخالف ما نقله المصنف في اللفظ و المعنى، و هو أنه جعل مورد الشرط ما لو قالت:

«طلقني على أن لك علي ألفا» و هذا اللفظ هو المحتمل للشرط دون ما عبر به المصنف، لأن الباء صريحة في العوض، قال في موضع من المبسوط: إذا قالت لزوجها:

«طلقني ثلاثا بألف درهم» فقال لها: «قد طلقتك ثلاثا بألف درهم» صح عند المخالف، و عندنا لا يصح، لأن الطلاق الثلاث لا يقع عندنا بلفظ واحد، و لا يجب أن نقول هنا أنها تقع واحدة، لأنها إنما بذلت العوض في الثلاث، فإذا لم يصح

71

الثلاث وجب أن يبطل من أصله، ثم قال: إذا قالت له: «طلقني ثلاثا على أن لك علي ألفا» فطلقها صح الخلع، و لزمها الألف، و انقطعت الرجعة، و عندنا لا يصح، لما قلناه، و لأنه طلاق بشرط، و قال في موضع آخر إن قالت له: «طلقني ثلاثا بألف» فطلقها ثلاثا فعليها الألف، و إن طلقها واحدة أو اثنتين فعليها بالحصة، و عندنا أنه لا يصح أصلا، و قد مضى. و إن قالت له: «طلقني ثلاثا على ألف» فالحكم فيه كما لو قالت بألف، و قال قوم في هذه: «إن طلقها ثلاثا فله ألف، و إن طلقها أقل من ثلاث وقع الطلاق، و لم يجب عليها ما سمى، و فصل بينهما بأن قال: إذا قالت بألف فهذه باء البذل، و البذل يقتضي أن يقسط على المبذل، كما لو باعه ثلاثة أعبد بألف، و إذا قال: «علي ألف» علق الطلاق الثلاث بشرط هي الألف، فإذا لم يوقع الثلاث لم يوجد الشرط، فلم يستحق شيئا».

قلت: لا ريب في أن تعليل البطلان في العبارة المزبورة بصورة التعبير بعلى لا الباء، مع أن مختاره كونها كالباء في إفادة العوضية و إن حكي عن بعضهم الشرطية، لظهور قوله تعالى (1) «أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ» في العوض، بل هو المراد من قوله تعالى (2) «أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً» الآية، و أوضح منه «فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ» (3) إلى آخرها.

مضافا إلى إمكان دعوى فهم العرف منها ذلك من سائر استعمالاتها في أمثال المقام، خصوصا بعد أن لم يذكر أحد أنها من أدوات الشرط و إن كان لا مانع من قصد معناه فيها في بعض المقامات بضرب من التجوز أو غيره.

على أن الأمر في ذلك سهل، لأنها مسألة لفظية، فلا وجه للإطناب فيها كما في المسالك، على أن المصنف لم يسند ذلك إلى الشيخ في المبسوط، و لعله في

____________

(1) سورة القصص: 28- الآية 27.

(2) سورة الكهف: 18- الآية 66.

(3) سورة الكهف: 18- الآية 94.

72

الخلاف، بل لعله في المبسوط في موضع غير ما نقله، فان من لاحظ المبسوط يعلم تشويشه و كثرة تفريعه على مذاهب العامة و الخاصة على وجه يشتبه الحال في كثير من مقاماته، بل لا تنقيح في كثير من عباراته، و لعله لذا هجر استعماله في هذه الأزمنة، و اقتصر علي المنقول عنه في الكتب المعروفة.

و كيف كان ف تحقيق الحال في مفروض المسألة على أصولنا أنها إن قصدت الثلاث ولاء من دون تخلل رجعة بزعم صحتها مفيدة للبينونة سواء كان التثليث مترتبا أو مرسلا لم يصح البذل لكونه بذلا على أمر باطل، ضرورة معلومية عدم وقوع الثلاث عندنا بذلك و إن طلقها ثلاثا مرسلا بأن قال: «أنت طالق ثلاثا» فضلا عن المترتب الذي يقع فيه الثاني و الثالث على المطلقة، لما عرفت من عدم وقوعه بذلك ثلاثا عندنا على كل حال، بل هو في المرسل إما باطل أو يقع واحدة على الخلاف السابق، فلا يملك البذل حينئذ بذلك. لأنه لم يفعل ما سألته من الطلاق الثلاث المقتضي للبينونة، اللهم إلا أن تريد التلفظ بذلك، و هو خروج عما نحن فيه.

و قيل كما عن موضع من المبسوط بناء على وقوع الواحدة بالأخير يكون له الثلث من الألف، و كذا المترتب ل أنه هو بعد أن جعل عوضا كان موزعا على الثلاث و الفرض وقوع الواحدة قطعا في المترتبة، و في قول في المرسلة، فيكون لها ثلث الألف، و فيه أن الظاهر جعل البذل في مقابلة المجموع الذي ينتفي بانتفاء بعضه، فلا يستحق شيئا، و لذا كان المحكي عن موضعين آخرين من المبسوط عدم استحقاق شيء.

أما لو قصدت الثلاث التي يتخللها رجعتان ففي القواعد و غيرها صح و ظاهرها صحة ذلك خلعا، لكونه حينئذ بذلا على شيء صحيح له فائدة فقصد، و فيه منع عموم أو إطلاق في أدلة الخلع على وجه يتناول الفرض بحيث تجري عليه أحكام الخلع التي قد عرفت مخالفتها للأصل.

73

نعم قد يقال بصحته جعالة على إشكال تقدمت الإشارة إليه، و يأتي تحقيقه في محلها، بل و كذا الإشكال في صحته صلحا كما أشرنا إليه سابقا.

بل ربما أشكل كونه خلعا أيضا بأن وقوع الثلاث على هذا الوجه يستدعي تأخر الطلقتين الآخرتين عن استدعائها بتخلل الأول بينهما و بتخلل الرجعتين، و ذلك مناف لعقد الخلع كما سلف، و بأن البذل في مقابل الطلقات الثلاث و رجوعه في كل واحدة متوقف على رجوعها قبله بالبذل، فان لم يحصل لم تصح الطلقات، لكونها بائنة يتوقف على رجوعها ثم رجوعه ليصح الطلاق المتعقب، و إن حصل لم يتحقق استحقاقه الألف، لأن رجوعها بالبذل يرفع استحقاقه له، فلا يكمل له الألف في الثالثة، و لو قيل بأن البذل في مقابلة الثالثة خاصة ليسلم من توقفه على رجوعها لم يحصل الفورية بين طلبها و جوابه أصلا.

و عن بعض الجواب عن الأخيرين باعتبار الفورية في الطلاق الأول خاصة، و جعل الباقي من تتمة المقصود، و اعتبر رجوعها في البذل بين الطلقات، لتوقف ما طلبته عليه، و التزم توقف ملكه للألف على الثالثة، لأن بها حصل ما طلبته فاستحق ما بذلته، فيكون الأولتان شرطا في استحقاق البذل على الثالثة لا جزء من المطلوب.

و عن بعض آخر الجواب بأن شرطها ذلك إذن منها له و توكيل في الرجوع عنها في البذل، لاستلزام وقوع الثلاث على هذا الوجه تخلل الرجوع، فإذا بذلت عليه العوض فقد أذنت له في فعل ما يتوقف عليه صحتها، فإذا طلق واحدة جاز له الرجوع عنها في البذل لتصير رجعية، ثم يرجع و يطلق، ثم يرجع في البذل كذلك ثم يرجع هو و يطلق.

و قد يناقش في الأول بأن رجوعها يمنع من تملكه للعوض المفروض في مقابلة الطلقة المرجوع في عوضها، فلا يمكن الجمع بين كون الألف مبذولة في مقابلة الثلاث و بين ثبوتها في مقابلة الأخيرة، لأن ثبوتها في مقابلة الأخيرة خاصة يقتضي كون الأولتين رجعيتين، فلا يفتقر إلى رجوعها في العوض، و أيضا فإن مقتضى

74

لفظها كون العوض في مقابلة المجموع لا الثالثة خاصة.

و في الثاني بأن صريح لفظها إنما هو بذل الألف في مقابلة طلاقه لها أما فعل ما يتوقف عليه من رجوعها فلا، و لا يلزم من عدم صحة طلاقه بدون رجعتها إذنها له في الرجعة، لجواز أن يوقع هو الطلاق ثم يتوقف على رجوعها بنفسها في العوض، و أيضا فالمحذور السابق من جعل البذل في مقابلة الجميع و سقوط ما قابل المرجوع فيه آت هنا.

و ربما ظهر من بعضهم أنه لا حاجة إلى دعوى التوكيل منها، بل يجوز له الرجوع بالأولتين و إن كانتا متقابلتين، لعدم تمام الخلع الذي يتوقف رجوعه على رجوعها بالبذل، و هو كما ترى أيضا، و لعل الأولى منه جعل البذل في مقابلة الثالثة التي بها يتحقق الخلع، و الأولتان مقدمة لتحقيق كونها ثالثة، و هما رجعيتان، إلا أن فيه أيضا أنه خلاف ظاهر اللفظ، و مناف لترتيب صيغة الخلع بالفصل بطلقتين و رجعتين، و الفرض عدم كونهما من متعلقات صيغة الخلع.

و من هنا جعل في المسالك «الحق في الجواب عنهما أن يقال: البذل إنما دفع في مقابلة المجموع من حيث هو مجموع، لا في مقابلة كل واحد من الثلاث على وجه التوزيع، و لا في مقابلة الثالثة خاصة، و حينئذ فلا يتحقق استحقاقه العوض إلا بتمام الطلقات الثلاث، فالأوليان تقعان رجعيتين محضا، فله الرجوع فيهما من غير أن يتخلل رجوعها في العوض، فإذا تمت الثلاث استحق العوض بتمامه، لا في مقابلة الثالثة كما قيل، بل في مقابلة المجموع من حيث هو مجموع، و كانت حينئذ بائنة بوجهين: كونها في مقابلة عوض، و كونها ثالثة، و الأوليان رجعيتان، لعدم بذل عوض في مقابلتهما من حيث إنهما مفردتان، بل من حيث إنهما جزء من المجموع، و ذلك لا يقتضي استحقاق شيء في مقابلتهما، فارتفع الإشكال الثاني. و أما الأول فيرتفع بفورية الطلاق الأول لاستدعائها و اتباعه بالباقي مع تخلل الرجعتين على الفور، لأن مجموع ذلك مطلوب واحد و عقد واحد، فيكفي ترتب

75

أوله على استدعائها و إن بعد الجزء الأخير، كما لا يقدح بعد الجزء الأخير من الطلاق الواحد عن الاستدعاء، و هما مشتركان هنا في الوحدة من حيث اتحاد المطلوب، و كون البذل في مقابله، و إن افترقا بتعدد أحدهما في نفسه فان ذلك أمر آخر».

قلت: لكن فيه ما ذكرناه من الاشكال، و هو عدم صلاحية تناول أدلة الخلع لمثل المفروض، خصوصا بعد تخلل الرجعة المقتضية لعودها زوجة المنافية لكونها جزء الخلع كما هو واضح، بل قد يقال بعدم معقولية ما ذكره، ضرورة كون حاصله أن المجموع من حيث هو كذلك هو المقابل بالعوض، فينبغي أن يكون هو الخلع، و لا يتعقل كون مجموع طلقات مستقلات طلاقا واحدا خلعيا، إذ هو كدعوى كون مجموع بيوع مثلا بيعا واحدا، كما أنه لا يتعقل أيضا كون كل من الثلاث طلاقا خلعيا، و لذا يتوقف رجوعه على رجوعها في الأولتين، و أنه بالتمام يكون الطلاق طلاقا واحدا خلعيا، إذ هو كما ترى، خصوصا مع ملاحظة ما ورد من النصوص (1) بأن الخلع تطليقة بائنة، بل ظاهر جميع النصوص كون الخلع تطليقة واحدة بائنة، فلا تتناول المركب من الطلقات المتعددة بل المركب منها ليس طلاقا شرعيا، بل هو نحو المركب من البيوع المتعددة، أقصى ما هنا جعل الشارع الطلاق الثالث محرما لنكاحه لها حتى تنكح زوجا غيره، كما أنه جعل التاسع في بعض الوجوه محرما أبدا، فالمتجه حينئذ دعوى الصحة في الفرض لا على جهة الخلع، نعم يصح جعالة على البحث السابق.

و حينئذ فإن طلق ثلاثا فله الألف، و إن طلق واحدة كما عن المبسوط قيل له: ثلث الألف، لأنه جعلته في مقابلة الثلاث، فاقتضى تقسيط المقدار على الطلقات بالسوية، و فيه تردد، منشأه جعل الجملة في مقابلة الثلاث بما هي فلا يقتضي التقسيط مع الانفراد خصوصا و الطلقة ليست متقومة، و العمدة هنا الثالثة إن لم يختص بها البذل.

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة.

76

و لو كانت معه على طلقة مثلا فقالت طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة لا بنية الأقل منه كان له ثلث الألف لقاعدة التوزيع.

و قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط له الألف إن كانت عالمة بعدم بقاء غير الواحدة و أنها تبين منه بها، لأن ذلك يكون قرينة على إرادة بذلها في مقابلتها و أن غرضها الحرمة الكبرى، على معنى كمل لي الثلاث بألف و الثلث إن كانت جاهلة لقاعدة التوزيع و فيه الاشكال السابق.

و قيل: يستحق الألف على كل حال لحصول المراد بالثلاث بالواحدة، و هي الحرمة الكبرى، و قيل: لا يستحق شيئا، لعدم حصول ما استدعته، بل هو لا يملكه فلا يمكنه، و التوزيع قد عرفت ما فيه، و دعوى كون علمها بالحال قرينة على ما عرفت ممنوعة، و مع فرضها يكون خروجا عن محل النزاع، و هو الذي اختاره في المسالك.

و لو سألت الثلاث على هذا الوجه و كان يملك طلقتين فطلقها واحدة فله ثلث الألف على الأول، و كذا على الثاني مع جهلها، و مع علمها فالنصف توزيعا للألف على الطلقتين، و لا شيء له على الرابع، و الثالث منتف هنا، نعم لو طلقها تطليقتين استحق تمام الألف عليه، و ثلثيه على الأول، بل و على الثاني مع الجهل، و تمام الألف مع العلم، و لا شيء على الرابع.

77

[المسألة الثامنة لو قالت طلقني واحدة بألف فطلق ثلاثا ولاء وقعت واحدة]

المسألة الثامنة:

لو قالت: «طلقني واحدة بألف» فطلق ثلاثا ولاء بأن قال: «أنت طالق ثلاثا» وقعت واحدة بناء على حصولها بذلك و حينئذ يكون له الألف لإتيانه بما سألت إلا مع احتمال إرادتها الواحدة التي تحصل بغير التركيب المزبور لغرض من الأغراض لها، فان المتجه حينئذ صحته طلاقا لا خلعا، لعدم كونه جوابا لما سألت، كما هو واضح. و لا فرق في الأول بين العالم بالحال و الجاهل.

لكن في المسالك «لو قيل بالفرق و تخصيص الحكم المذكور بالعالم كان وجها، و يبقى الكلام في الجاهل الذي يجوز وقوع الثلاث، فان قصد الألف في مقابلة الأولى فكذلك، و إن قصدها في مقابلة غيرها أو مقابلة الجمع توجه عدم لزوم الألف، لأنه لم يقصد تملكها في مقابلة الطلاق الصحيح، بل علق تملكها على أمر لم يتم له كما لو طلقها ثلاثا ولاء و قصدها في مقابلة غير الأولى» و فيه أن المفروض كون الوقوع بالإرسال الذي لا يتصور فيه اولى و ثانية و ثالثة، اللهم إلا أن يريد التقدير.

و حينئذ يتجه فيه ما تسمعه فيما لو قالت: طلقني واحدة بألف فقال: أنت طالق فطالق فطالق فإنه لا خلاف عندنا و لا إشكال في أنها متى قالت:

ذلك طلقت بالأولى و لغا الباقي، فإن قال: الألف في مقابلة الأولى فالألف له، و كانت الطلقة بائنة لتحقق الخلع بها، و لغت الثانية و الثالثة، لوقوعهما على بائنة.

و لو قال في مقابلة الثانية كانت الأولى رجعية لأنها لم يقصد مقابلتها بعوض و إن سألته هي، فإن المدار على قصده و بطلت الثانية و الفدية فضلا عن الثالثة، لعدم صحة الطلاق عندنا على المطلقة و إن كانت رجعية، و كذا لو قصد في مقابلة الثالثة.

78

و لو قال: في مقابلة الكل قال الشيخ: وقعت الأولى و له ثلث الألف بناء على التوزيع، و تبطل الثانية و الثالثة و ما خصهما من التقسيط، لوقوعهما على مطلقة.

و فيه إشكال من حيث إيقاعه ما التمسته و هو الطلقة الصحيحة، فينبغي استحقاقه الجميع إن نوى كون الفداء في مقابل الكل، لأن الخلع ليس معاوضة محضة حتى يبطل باختلاف الإيجاب و القبول في العوض، كما لو قال: «بعتك هذه العبيد الثلاثة بألف» فقال: «قبلت واحدا معينا منها» فإنه لا يصح قولا واحدا، و قد يدفع بأنه و إن لم يكن معاوضة محضة لكنه لما قصد كون الألف في مقابلة الجميع فقد نوى فعل الأول بثلث الألف فلا يستحق الجميع، لأن هذا الاستدعاء شبه الجعالة، و مع بذل الجاعل عوضا- فقبل القابل بنية التبرع أو بنية الأقل- لا يستحق الجميع، فكذا هنا.

نعم هذا يتم لو لم ينو شيئا، فإنه حينئذ يكون قد فعل ما التمسته، فيستحق ما بذلته، و يجعل جوابه بقوله: «أنت طالق» أولا مطابقا لما التمسته أما مع جعله في مقابل الكل فلا.

و لا يشكل ذلك بأن المتجه حينئذ عدم استحقاقه شيئا، لعدم مطابقة الجواب السؤال، إذ هو حينئذ كما لو قالت: «طلقني بألف» فقال: «أنت طالق بخمسمأة» لأنا نقول: الظاهر الصحة في المشبه به أيضا، كما عن الشيخ، لأنه زاد جزاء خيرا، و لأنه قادر على إيقاعه بغير عوض، فأولى أن يقدر على إيقاعه ببعض العوض المبذول الذي قد حصل إنشاؤه في ضمن إنشاء بذل الجميع، و قد عرفت أن المقام ليس كالمعاوضات المحضة، بل هو من قبيل الداعي.

و كذا لا يشكل ما هنا بأنه مناف عدم الحكم بالتوزيع في المسألة السابقة لوضوح الفرق بين المقامين، فإنه في الأول قد أتى ببعض ما التمسته من الطلقات و هو غير موافق لغرضها، بخلاف المقام الذي قد أتى فيه بملتمسها بأنقص م

79

العوض الذي بذلته، فان مرجعه إلى التبرع بالزائد عن الثلث، و ليس كل ما فعل ما التمسته يستحق عليه ما بذلته، فإنه لو نوى التبرع بالطلاق الملتمس بغير عوض لا على وجه الجواب المطابق لم يستحق شيئا فكذا هنا بالنسبة إلى بعض العوض.

[المسألة التاسعة إذا قال أبوها طلقها و أنت بريء من صداقها فطلق صح الطلاق رجعيا]

المسألة التاسعة:

إذا قال أبوها: طلقها و أنت بريء من صداقها أو بعضه بمعنى أنه بذل له مالها في ذمته على طلاقها فطلق صح الطلاق رجعيا إن كان مورده كذلك و لم يلزمها الإبراء، و لا يضمنه الأب الذي هو أجنبي بالنسبة إلى ذلك مع بلوغ البنت و رشدها، و الفرض عدم وكالته، فلا ضمان عليه للزوج و لا للبنت بعد عدم حصول الخلع و البراءة، نعم لو أجازت هي ذلك و قلنا بصحة الفضولي في ذلك صح البذل و كان خلعا.

بل في المسالك «إن كان ولى عليها بصغر أو جنون أو سفه لم يصح أيضا، لأنه إنما يملك التصرف فيما له فيه غبطة و حظ، و لا حظ لها في هذا، كما لو كان لها دين فأسقطه- بل قال-: لا فرق في ذلك بين إبرائه من الجميع أو البعض و إن جوزنا له العفو عن بعضه، لأن العفو أمر آخر غير جعله عوضا عن الطلاق، و أيضا فإن العفو عن البعض مشروط بوقوعه بعد الطلاق، كما تشعر به الآية، و البراءة هنا تكون بنفس الطلاق فلا يقع» و إن كان فيه لا ما يخفى، ضرورة كون هذا التصرف بمالها كغيره من أموالها يتبع فيه عدم المفسدة أو المصلحة على القولين، بل أقواهما الأول في الولي الإجباري، و لا خصوصية للمقام، فينبغي بناء صحته و فساده على ذلك لا الجزم بعدمه مطلقا، و لعل كلام المصنف و غيره منزل على الكبيرة الرشيدة لا غيرها من المولى عليها التي يدور الحكم فيها على ما عرفت، من غير فرق بين الولي الإجباري و غيره.

ثم إن ذكره السفيهة هنا مع الصغيرة و المجنونة لا يخلو من شيء، لأن السفيه

80

محجر عليه في التصرف فيما له، و ليس عبارته مسلوبة ليقوم الولي مقامه في البذل، كما تقدم تحرير الكلام فيه في محله.

[المسألة العاشرة إذا وكلت في خلعها مطلقا صح]

المسألة العاشرة:

إذا وكلت في خلعها مطلقا صح، لمعلومية عدم اعتبار المباشرة في البذل، فتشمله عمومات الوكالة و اقتضى إطلاق الوكالة الذي هو بمعنى الاقتصار على التوكيل من غير ذكر المقدار لا عموما و لا خصوصا خلعها بمهر المثل فما دون نقدا بنقد البلد بناء على انصرافه من الإطلاق المزبور على نحو التوكيل في البيع و الشراء و إن كان لا يخلو من نظر.

و كذا الكلام في الزوج إذا و كل في الخلع و أطلق على الوجه المزبور اقتضى أيضا الخلع بمهر المثل فما فوق نقدا بنقد البلد فان بذل وكيلها المزبور ال زيادة على مهر المثل بطل البذل أو كان موقوفا على الإجازة، فان لم تحصل بطل و وقع الطلاق رجعيا إن كان مورده كذلك، و كان الخلع بصيغة الطلاق و لا يضمن الوكيل للأصل و غيره.

و لو خلعها وكيل الزوج بأقل من مهر المثل بطل الخلع إن لم تحصل الإجازة و لو طلق بذلك البذل لم يقع الطلاق فضلا عن الخلع مع فرض عدم الإجازة لأنه فعل غير مأذون فيه فيكون طلاق أجنبي، بخلاف ما لو طلق الزوج بعوض بذله الوكيل فبان غير وكيل مثلا، فإنه يبطل الخلع و يصح طلاقا كما هو واضح.

[مسائل النزاع]

و يلحق ب فصل الأحكام مسائل النزاع و هي كثيرة لا يخفى حكمها المبني على قواعد التداعي، و من هنا اقتصر المصنف منها على ثلاث:

81

[المسألة الأولى إذا اتفقا في القدر و اختلفا في الجنس فالقول قول المرأة]

الأولى:

إذا اتفقا في القدر كالمائة و نحوها و اختلفا في الجنس كالدرهم و الدينار و الإبل و الغنم مثلا فالقول قول المرأة بيمينها، كما عن المبسوط و الجواهر، بل في المسالك نسبته إلى الأكثر، لأنها هي المدعي عليها، و الموافق قولها لأصل البراءة، فتحلف يمينا على نفي دعواه، و في المسالك «تحلف يمينا جامعة بين نفي ما يدعيه و إثبات ما تدعيه» و فيه أن ما تدعيه لا حاجة لليمين عليه، لثبوته بإقرارها.

و على كل حال ليس للزوج أخذه لاعترافه بعدم استحقاقه له، و في المسالك «نعم لو أخذه على وجه المقاصة اتجه جوازه» و فيه أنه مناف لقاعدة ذهاب اليمين بما فيها.

و كيف كان فقد أشكل في المسالك القول المزبور بأن «كلا منهما مدع و مدعى عليه، و الآخر ينكر ما يدعيه، و القاعدة في نظائره كالبيع و الإجارة التحالف- إلى أن قال-: فلو قيل: إنهما يتحالفان و يسقط ما يدعيانه بالفسخ أو الانفساخ و يثبت مهر المثل إلا أن يزيد عما يدعيه الزوج كان حسنا، و لا يتجه هنا بطلان الخلع، لاتفاقهما على صحته، و إنما يرجع اختلافهما إلى ما يثبت من العوض، و يحتمل أن يثبت مع تحالفهما مهر المثل مطلقا لتسلط الدعويين بالتحالف، خصوصا إذا كان الواجب منه مغايرا لما يدعيه الزوج حتى لا يدخل في ضمن دعواه».

و في كشف اللثام بعد أن حكى عن الجامع قولا بالتحالف، و عن المبسوط أنه حكاه عن العامة قال: «و هو أولى، فإذا تحالفا ثبت مهر المثل».

قلت: لا يكاد يخفى وجه التحالف على مثل المصنف و الفاضل و غيرهما، خصوصا بعد أن ذكروا ذلك في نظائره، إلا أن ذلك منهم هنا مؤيد لما ذكرناه سابقا من

82

عدم كون الخلع عندهم من المعاوضات الصرفة، بل هو قسم من الفداء، و حينئذ يتجه ما ذكروه، لعدم تعلق الدعوى بالمعاوضة، خصوصا بعد ما عرفته غير مرة من عدم بطلان الخلع بفساد العوض، و ليس هو إلا لكونه أمرا مستقلا لا تلحقه أحكام المعاوضة، فليس الزوج إلا مدعيا به، و ليست الامرأة إلا منكرة لما يدعيه، و لا ينافي ذلك إقرارها له بغير ما ادعاه، و في الحقيقة ليست هي مدعية على الزوج شيئا.

ثم لو سلم كونه كالمعاوضات كان المتجه فسخ الخلع أو انفساخه لا الرجوع إلى مهر المثل، و اتفاقهما على الصحة غير مجد كما لا يجدى في البيع، للحكم شرعا بنفي ما ادعاه كل منهما باليمين و لو اتفقا على عدم غيره.

ثم إن ما احتمله في المسالك أخيرا لا يتصور له وجه في صورة زيادة مهر المثل على ما ادعاه الزوج، فان الحكم به له مع اعترافه بعدم استحقاقه له غير معقول، كما هو واضح، هذا كله في الاختلاف في الجنس بعد الاتفاق على القدر.

أما لو انعكس بأن اتفقا على الجنس و اختلفا في القدر فلا ريب في أن القول قول المرأة في دعوى الأقل، للأصل كما في المعاوضات، و إن ذكرنا احتمال التحالف فيها هناك إذا كان النزاع في تشخيص ما وقع عليه العقد، و مثله يجرى هنا بناء على أنه كالمعاوضة، فلاحظ و تأمل، و الله العالم.

83

[المسألة الثانية لو اتفقا على ذكر القدر دون الجنس و اختلفا في الإرادة قيل يبطل]

المسألة الثانية:

لو اتفقا على ذكر القدر و هو المأة مثلا دون الجنس و اختلفا في الإرادة قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط يبطل و هو كذلك بناء على كون المراد بالاختلاف في الإرادة أن كلا منهما أراد غير ما أراده الأخر، ضرورة سماع كل منهما في الاخبار عن إرادته، فيتحقق حينئذ اختلاف المرادين.

نعم لو كان المراد الاختلاف فيما اتفقا عليه من الإرادة وقت العقد بأن يقول أحدهما: أردنا كذا و الآخر يقول: أردنا كذا يتجه حينئذ ما قيل من أن على الرجل البينة ضرورة كونه كالمسألة السابقة إذ لا مدخلية للذكر بعد فرض العلم بالإرادة.

و لعله لذا قال المصنف و هو أشبه لما عرفت من كون مختاره في السابقة ذلك، و عن العامة قول بالتحالف كالسابقة.

و لو كان اختلافهما في أصل الإرادة مع اتفاقهما على عدم ذكر الجنس فقال أحدهما: أردنا جنسا معينا و قال الآخر: إنا لم نرد بل أطلقنا ففي المسالك «يرجع النزاع إلى دعوى الصحة و الفساد، و من المعلوم تقديم مدعي الصحة بيمينه» قلت:

لكن عن التحرير إطلاق تقديم قول المرأة هنا كما في القواعد، قال: «لو اتفقا على ذكر القدر و اختلفا في ذكر الجنس بأن ادعى ألف درهم، فقالت: بل ألف مطلقا فان صدقته في قصد الدراهم فلا بحث، و إلا قدم قولها و بطل الخلع» و لعل ذلك لأن دعوى الفساد ترجع إلى إنكار كون العوض المزبور المدعى به في ذمتها للزوج، و لذا كان القول قولها فيه، و إلا فحق البينونة هو للزوج، و قد ثبت عليه بإقراره الذي لا يعارضه دعواها الفساد، لأن القول قوله فيها، و هذا بخلاف دعوى الصحة

84

و الفساد في عقود المعاوضة التي مقتضى دعوى الفساد فيها ترتب المطالبة بالعوض أو المعوض، و على ذلك مبنى كلامهم في:

[المسألة الثالثة لو قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت بل في ذمة زيد فالبينة عليه و اليمين عليها]

المسألة الثالثة: التي هي لو قال: خالعتك على ألف في ذمتك فقالت: بل في ذمة زيد فالبينة عليه و اليمين عليها كما عن الشيخ و المتأخرين. و حينئذ يسقط العوض عنها مع يمينها، و لا يلزم زيد للأصل و اعتراف الزوج بكون البذل في ذمتها، و لكن تكون بائنة عنه لاعترافه بخلعها على الوجه الصحيح رعا.

و كذا لو قالت في جواب دعواه بل خالعك فلان و العوض عليه من غير فرق بين ذكرها على وجه يقتضي صحة الخلع أو فساده، لأن مبنى المسألة ما ذكرناه، لا مدعى الصحة و الفساد الذي يقدم فيه مدعي الصحة على مدعي الفساد أما لو قالت في جواب دعواه خالعتك بكذا و ضمنه عنى فلان أو يزنه عني فلان لزمها الألف لإقرارها ما لم تكن بينة على دعواها، لأنها دعوى محضة، و لا يثبت على فلان شيء بمجرد دعواها.

و كان الفاضل في القواعد شرح عبارة الشرائع بقوله «و لو ادعى عليها الاختلاع فأنكرت و قالت: اختلعني أجنبي قدم قولها في نفي العوض عنها، و بانت بقوله، و لا شيء له على الأجنبي، لاعترافه، و كذا لو قال: خالعتك على ألف في ذمتك فقالت: بل في ذمة زيد، أما لو قالت: خالعتك بكذا و ضمنه عني فلان أو يزنه عني لزمها الألف ما لم يكن لها بينة» و لعل الصحيح «يؤديه عني فلان» ضرورة أن دعواها الوزن لا تنافي دعواه و إن أقامت البينة، و إنما الذي ينافيها دعوى ضمان الغير عنها أو الالتزام بتأديته عنها بوجه شرعي.

و على كل حال فما عن ابن البراج- من أن القول قوله و عليها البينة لأن

85

الأصل في مال الخلع أن يكون في ذمة الزوجة- واضح الضعف، و الأصل المزبور غير أصيل، خصوصا بعد ما عرفت غير مرة أن العوض في الخلع ليس من أركانه، لا بمعنى صحته بدونه، بل المراد عدم اشتراط صحته بصحته، فالدعوى فيه حينئذ لا مدخلية لها في الخلع.

و من هنا حكم الأصحاب بأن القول قولها في نفيه و إن أجابت الدعوى بما يقتضي فساد البذل، لعدم كون المقام من مدعي الصحة و الفساد، خصوصا بعد أن اقتضى إقرار الزوج بالخلع الصحيح تلف المعقود عليه، لعدم تمكنه من رد البضع على كل حال، فدعواها الفساد حينئذ ترجع إلى دعوى نفي حق له عليها، لا إلى إثبات حق لها عليه، نعم لو كانت دعوى الفساد منه و دعوى الصحة منها اتجه حينئذ تقديم قولها بيمينها، لأنها تريد إثبات حق البينونة لها عليه، و هو بدعوى الفساد يريد أن يثبت حق الرجوع له عليها، فتأمل جيدا، فإن المسألة في غاية الدقة.

و لذا خفي مدركها على ثاني الشهيدين و بعض من تبعه، فإنه- بعد أن حكى عن الشيخ القول الأول و نسبه إلى عمل المتأخرين، و عن ابن البراج القول الثاني قال-: «و القولان مطلقا غير منقحين، و التحقيق أن نقول: دعواها وقوع المخالعة منها على الألف في ذمة زيد، إما أن يكون بمعنى أن لها في ذمة زيد ألفا فخالعته بها، أو بمعنى أنها خالعته بألف يثبت له في ذمة زيد ابتداء من غير أن يكون لها عند زيد ألف، فإن أرادت المعنى الأول فلا يخلو إما أن يوافقها الزوج على أن لها في ذمة زيد ألفا أولا، و على تقدير عدم موافقتها إما أن يكون زيد مقرا لها بالألف أو لا، فان كان الزوج موافقا لها على ثبوت الألف في ذمة زيد و زيد مقر لها بنى قبول قولها على أن العقد على دين في ذمة الغير هل يجوز أم لا، و كلامهم هنا قد يؤذن بجوازه، لكن لم ينبهوا عليه في الفدية و شرائطها، و جوازه في البيع محل نظر، و أما هنا فلا يبعد الجواز للتوسع في هذا العقد بما لا يتوسع به في المعاوضة المحضة،

86

فإن جوزنا ذلك فالقول قولها، لاتفاقهما على خلع صحيح على التقديرين، و هو مع ذلك يدعي شغل ذمتها بالعوض، و مجرد الخلع أعم منه، و الأصل براءة ذمتها منه، و إن لم نجوز ذلك أو لم يكن زيد مقرا بالحق و لم يعترف الزوج بثبوتها في ذمته فالنزاع يرجع إلى صحة الخلع و فساده، لأن دعواها تقتضي فساده، حيث لم يسلم فيه العوض، و هو يدعى صحته، و مقتضى القاعدة المستمرة تقديم قوله، و إن أرادت بكونها في ذمة زيد المعنى الثاني- و هو أنها خالعته بعوض لا يثبت في ذمتها، بل في ذمة زيد ابتداء، بأن كان ذلك مع دعواها الوكالة عنه في الخلع و وافق- بنى على جواز خلع الأجنبي المتبرع، و إن لم تدع ذلك أو لم يوافق لدعواها يرجع إلى فساد الخلع، و هو يدعى صحته فيكون قوله مقدما. و قد ظهر بذلك أن تقديم قولها في هذه الصورة مطلقا غير جيد. و الظاهر أن موضوع المسألة ما إذا وقع الخلع بدين لها في ذمة زيد ليتصور بناء الصحة على التقديرين، و ربما تعارض على هذا التقدير الأصل و الظاهر، لأن الأصل براءة ذمتها و عدم التزامها بالمال، و الظاهر من المخالعة التزام العوض. و على كل حال فهذه الصورة مفروضة في اتفاقهما على وقوع العقد بينهما لا بينه و بين الأجنبي، لأن ذلك يأتي في الصورة الثانية».

و هو من غرائب الكلام، و ما كنا نرجو وقوع مثله من مثله، فإنه قد اشتمل على عجائب نسأل الله تعالى العصمة منها، خصوصا توقفه في البيع بشيء مثلا في ذمة زيد، و خصوصا حمل كلامهم مع إطلاقه بل ظهوره في غير ما ذكره على خصوص ما إذا كان لها في ذمة زيد مأة مع إقراره بها و علم الزوج بذلك، على أن المتجه فيه بناء على مذاقه في المسألة التداعي و التحالف و الرجوع إلى مهر المثل، ضرورة أنه كالاختلاف بالجنس. بل هو منه كما هو واضح. و كذا كلامه في الصورة الثانية التي حكمها حكم الأولى كما عرفت و إن كان هو دون ذلك.

قال: «الثانية أن يدعي أنه خالعها بألف في ذمتها أيضا فأنكرت وقوع العقد معها مطلقا، و قالت: بل اختلعني فلان الأجنبي و المال عليه، و قد أطلق

87

المصنف تبعا للشيخ تقديم قولها أيضا في نفي العوض، لأصالة براءة ذمتها منه، و لا شيء للزوج على الأجنبي لاعترافه بأن الخلع لم يجر معه و تحصل البينونة بقول الزوج، و لا يقال: إنه أقر بعقد أنكرته المرأة و صدقناها بيمينها فيلغو و يستمر النكاح، كما لو قال: «بعتك هذه العين بكذا» فأنكر صاحبه و قبلنا قوله بيمينه، فان العين تبقى للمقر، و ذلك لأن الخلع يتضمن إتلاف المعقود عليه، و هو البضع، و البيع لا يتضمن إتلاف المعقود عليه، ألا ترى أن البيع يفسخ بتعذر العوض، و البينونة لا تسترد، فإذا كان كذلك فإقراره بالخلع المتضمن للإتلاف إقرار بالإتلاف فلا يرد، و نظيره من البيع أن يقول: بعتك عبدي هذا بكذا فأعتقته و أنكر فإنما يصدق بيمينه (1) و يحكم بعتق العبد بإقراره، فهذا تحرير الحكم المذكور، و هذا البحث إنما يتم إذا قلنا بأن خلع الأجنبي المتبرع صحيح ليكونا متفقين على وقوع العقد صحيحا، أما على ما يذهب إليه المصنف و الشيخ بل الأكثر أشكل تقديم قولها، لأنها حينئذ تدعي فساد الخلع، و هو يدعي صحته، فينبغي تقديم قوله، إلا أن يقال: إن مرجع اختلافهما إلى وقوع عقد المعاوضة معها و هي تنكر ذلك، فيقدم قولها، لأصالة عدم التزامها بذلك، كما لو ادعى أنه باعه شيئا فأنكر و أضاف إلى ذلك دعوى بيعه من فلان، فإنه لا يسمع في حق الغير، و يقدم قوله في نفيه، و لا يخلو ذلك من نظر، و لا ما بين المسألتين من الفرق، و على التقديرين يحكم عليه بالبينونة بمجرد دعواه، لاعترافه بها، و إنما الكلام في ثبوت العوض».

قلت: كأنه (رحمه الله) لم يحم حول المسألة أصلا، و ليته تنبه مما ذكره أخيرا من أن البينونة ثابتة على كل حال و الكلام في ثبوت العوض، ضرورة أنه إذا كان الأمر كذلك فليس هو إلا مدع و هي منكرة، فضلا عن إساءة الظن بمثل

____________

(1) هكذا في النسختين المخطوطتين: المبيضة و المسودة و في المسالك «فانا نصدقه».

88

هؤلاء الأساطين أنه خفي عليهم ما لا يخفى على أصاغر الطلبة: من قاعدة تقديم مدعي الصحة على مدعي الفساد، خصوصا بعد أن ملؤوا كتبهم منها، فما احتمل في نفسه أن ذلك منهم لأمر آخر يحتاج إلى التأمل، و هو ما ذكرناه، و لعله قد ظهر له حقيقة الحال في الروضة، و لذا لم يذكر شيئا من ذلك فيها، بل ذكر كما ذكر الأصحاب، فلاحظ و تأمل، و الله العالم. هذا تمام الكلام في الخلع.

[كتاب المبارأة]

و أما المبارأة التي بمعنى المفارقة ف هي قسم من الخلع، كما اعترف به في كشف اللثام، بل هو مقتضى إثباتهم لها أحكام الخلع من دون دليل دل على تنزيلها منزلته، بل هو مقتضى استدلالهم بآية الفدية (1) على الخلع و بعض أحكامه، مع أنها في المبارأة باعتبار ظهورها في كون المورد خوف عدم إقامتهما حدود الله تعالى الذي هو كناية عن حصول الكراهة منهما، إلى غير ذلك من الأمارات الدالة على أنها ضرب من الخلع، إلا أنها اختصت باسم خاص لمكان انفرادها عن مطلق الخلع ببعض الأحكام، كما يومئ إليه قولهم: إنها تزيد على الخلع بأمور ثلاثة و غيره، فهي حينئذ كالمرابحة و المواضعة و المساومة و المحاقلة و المزابنة في البيع، و بذلك عطفت على الخلع في النصوص (2) و استحقت ذكر الكلام فيها بالخصوص.

بل ربما كان ذلك هو السبب في تعريف الخلع بما لا يشملها، كما أنهم عرفوا الطلاق بما لا يشمل الخلع، مع أنك قد عرفت كونه قسما من أقسامه، بل لعله

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2 و 4 و الباب- 6- منه الحديث 1.

89

لذا توهم بعض الناس و جعل المبارأة إيقاعا مستقلا مقابلا للخلع، و لم يعلم أن مقابلتها باعتبار المعنى الخاص للخلع لا مطلقه، على نحو مقابلة السلم للبيع، و إلا فهي قسم من المعنى العام للخلع الذي هو عبارة عن فدية الزوجة نفسها الكارهة لإرادة الفك من قيد الزوجية، سواء كان ذلك مع كراهة الزوج أو لا، و إن كان للقسم الأول بعض الأحكام الخاصة التي استحق بها اسم المبارأة التي توهم من ذلك لها أنها إيقاع خاص ينبغي اشتقاق صيغة له من اسمه كغيره من أسماء العقود و الإيقاعات. بل تعارف في لسان الفقهاء أن المبارأة هو أن يقول: بارأتك على كذا فأنت طالق.

و كيف كان ف هي تترتب على كراهة كل واحد من الزوجين صاحبه بلا خلاف أجده فيه بينهم، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى

موثق سماعة (1) عن أبى عبد الله و أبي الحسن (عليهما السلام) «سألته عن المبارأة كيف هي؟ فقال:

يكون للمرأة شيء على زوجها من صداق أو من غيره و يكون قد أعطاها بعضه، فيكره كل منهما صاحبه، فتقول المرأة لزوجها: ما أخذته منك فهو لي و ما بقي عليك فهو لك و أبارؤك، فيقول لها الرجل: فإن أنت رجعت في شيء مما تركت فأنا أحق ببضعك».

إنما الكلام في كون الكراهة هنا من المرأة هي الكراهة التي مر الكلام فيها في الخلع أو أنه يكفى هنا مطلقها و إن قلنا بعدم الاكتفاء به في الخلع، بل لا بد من زيادة تلك الألفاظ أو ما في معناها؟ قد يظهر من ذكرهم اعتبار كراهة الزوج هنا زيادة على الخلع أن الكراهة منها متحدة فيهما، و إنما زادت باعتبار كراهة الزوج، و لهذا لم يتعرضوا للبحث فيها بالنسبة إليها- كغيرها مما مر في الخلع من المباحث- اتكالا على المساواة بينهما فيما لم يثبت زيادته، لأنها كما عرفت خلع بالمعنى الأعم.

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

90

و قد يقال: إن إطلاقهم اعتبار الكراهة هنا مع شدة البحث فيها هناك يقتضي كون المعتبر هنا ماهيتها بخلافها في الخلع، بل لعل ذلك هو ظاهر

صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «المبارأة يؤخذ منها دون الصداق، و المختلعة يؤخذ منها ما شئت، أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، و إنما صارت المبارأة يؤخذ منها دون الصداق و المختلعة يؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تتعدى في الكلام، و تتكلم بما لا يحل لها».

و لكن لا ريب في أن الأقوى الأول، و المراد من الصحيح المزبور أن المختلعة بالمعنى الأخص التي تختص الكراهة بها تعتدي بالكلام، و تتكلم ما لا يحل لها بلا كراهة من الزوج تقتضي ذلك بخلاف المبارأة، فإنها و إن كانت كذلك أيضا إلا أنها في مقابلة كراهة الزوج لها، خصوصا بعد ملاحظة اقتصار الأصحاب هنا على غيره من الفوارق بينها و بين الخلع.

على أن ذلك كله ساقط عندنا، لما عرفت من حمل تلك النصوص (2) على إرادة بيان أصل الكراهة لا خصوص فرد منها، بل قلنا: إن مراد المشهور ذلك أيضا، و حينئذ لا فرق بينهما في اعتبار أصل الكراهة، بل قد عرفت هناك قوة الاكتفاء بها مع العلم بها و إن لم يصدر منها ما يدل على ذلك.

و على كل حال فلا خلاف في أنه يشترط اتباعه أي القول المزبور في المبارأة بلفظ الطلاق بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر، و حينئذ فلو اقتصر المبارئ على لفظ المبارأة لم يقع به فرقة، و لو قال بدلا من «بارأتك»: «فاسختك» أو «أبنتك» أو غيره من الألفاظ صح إذا اتبعه بالطلاق، إذ المقتضي للفرقة التلفظ بالطلاق لا غير ه من الألفاظ المزبورة التي هي كنايات في الطلاق و الخلع، و قد عرفت عدم عقد الخلع فضلا عن الطلاق بشيء منها، كما أنك قد عرفت كون المبارأة قسما من الخلع الذي لا ينعقد بشيء

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

91

من ذلك.

نعم لو بارأها بلفظ الخلع اتجه حينئذ عدم الاتباع بالطلاق، بناء على عدم اعتبار اتباعه به، و أنه بنفسه فاسخ للنصوص (1) السابقة التي مثلها في المقام صريحا أو ظاهرا، ك

خبر حمران (2) «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث يقول:

المبارأة تبين من ساعتها من غير طلاق، و لا ميراث بينهما، لأن العصمة بينهما قد بانت ساعة كان ذلك منها و من الزوج»

و موثق جميل بن دراج (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «المبارأة تكون من غير أن يتبعها الطلاق»

و غيرهما من النصوص (4) الظاهرة في ذلك أيضا التي هي كنصوص الخلع بالنسبة إلى ذلك المبنية على أن المبارأة خلع، و الخلع لا يحتاج إلى الأتباع بالطلاق إذا وقع بصيغته لا إذا وقع بالكنايات.و بذلك انكشفت الغمة التي وقعت على جملة من المصنفين في المقام، حيث أنكروا على الأصحاب اشتراط اتباع المبارأة بالطلاق مع اتفاق النصوص (5) صريحا و ظاهرا على خلافه، فمنهم من قدم إجماعهم عليها، و منهم من قدمها عليه، و لم يعلموا أن كلام الأصحاب مبني على ما ذكروه من صيغ المبارأة التي هي كنايات في الطلاق و الخلع، كما صرحوا به في صيغة الخلع، كما أنهم لم يعلموا أن ما في النصوص مبني على المبارأة التي هي الخلع المؤداة بصيغته، لأنها قسم منه، و ليست إيقاعا جديدا اشتق لها صيغة من لفظها، بل هي كالمرابحة و المحاقلة و المزابنة التي لا يشتق لها صيغة تقوم مقام البيع من لفظها، لأنها أقسام من البيع، و صيغتها صيغته، و لكن اختصت بأسماء لمكان بعض أحكام، و كذلك المبارأة التي هي خلع، و لذا استفاضت النصوص بعدم احتياجها إلى الأتباع بالطلاق كالخلع.

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 9- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 9- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 9- من كتاب الخلع و المبارأة.

(5) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة.

92

و بذلك يظهر لك أنه لا حاجة إلى الاستدلال للأصحاب ب

خبر (1) «ليس ذاك إذا خلع»

بناء على قراءته فعلا حتى يستدل بمفهومه على احتياج المبارأة للطلاق، مع أن صدره مناف لذلك، و التحقيق ما عرفت، و الحمد لله رب العالمين.

و بما ذكرناه مكررا في باب الخلع و في المقام يظهر لك الوجه فيما اتفقوا عليه من أنه لو اقتصر في مورد المبارأة على قوله: أنت طالق بكذا صح، و كان مباراة إذ هي عبارة عن الطلاق بعوض مع منافاة بين الزوجين، بل قد عرفت أن الطلاق بالعوض لا مورد له إلا الخلع و المبارأة، كما أنك قد عرفت عدم اعتبار قصد الخلع و المبارأة في صحة ذلك مع فرض وقوعه في موردهما، لأنهما من الطلاق، فيكفي في تحققهما قصد الطلاقية، و كون المورد صالحا لهما.

و بذلك يظهر لك فساد ما في المسالك هنا المبنى على مشروعية الطلاق بعوض من دون خلع و لا مباراة، فاعتبر قصد الخلعية و المبارأة مع فرض الوقوع بصيغة «أنت طالق بكذا» و مع عدم القصد و لو لعدم الشرائط يكون طلاقا بعوض مشروعا في نفسه، و قد عرفت مخالفته للكتاب (2) و السنة (3) و الإجماع على عدم جواز حل الفدية للزوج بدون ذلك، كما تقدم الكلام فيه مفصلا.

و كيف كان فلا خلاف في أنه يشترط في المبارئ و المبارأة ما يشترط في المخالع و المخالعة بل و لا إشكال، بناء على ما ذكرناه من كونها قسما من الخلع الذي قد عرفت وفاء الأدلة بما سمعت من أحكامه المتعلقة بهما و بالفدية و غير ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(3) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

93

و من ذلك يعلم أنه تقع الطلقة مع العوض بائنة ليس للزوج فيها رجوع إلا أن ترجع الزوجة في الفدية، فيرجع ما دامت في العدة، و للمرأة الرجوع في الفدية ما لم تنقض عدتها كما سمعت دليل ذلك كله في الخلع، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة و محمد بن مسلم (1): «المبارأة تطليقة بائنة، و ليس في شيء من ذلك رجعة»

و قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر إسماعيل الجعفي (2): «المبارأة تطليقة بائنة، و ليس فيها رجعة»

و إلى غير ذلك مما تقدم من النصوص التي اشتمل بعضها على اشتراط الزوج عليها أنها إن رجعت بشيء من البذل فهو أملك ببضعها الظاهر في الحكمين معا، نحو

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (3): «المبارأة تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك و اتركني، أو تجعل له من قبلها شيئا، فيتركها إلا أنه يقول: فان ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك و لا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلا المهر فما دونه»

و في موثق ابن سنان (4): «المبارأة: تقول لزوجها: لك ما عليك و بارئني فيتركها، قال: قلت: فيقول لها: إن ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك، قال: نعم»

و في صحيح الحلبي (5): «المبارأة أن تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك و اتركني فيتركها، إلا أنه يقول لها: إن ارتجعت في شيء منه فأنا أملك ببضعك».

إلا أن ما فيها من اعتبار اشتراط ذلك في المبارأة لم أجد به قائلا، بل ظاهر اقتصارهم على غيره من الفرق بينها و بين الخلع عدمه، و من هنا وجب حمله على ضرب من الندب، و ذلك لأن ذلك له إذا رجعت، كما أن لها أن ترجع و إن لم يذكر هذا الشرط بينهم كما سمعته في الخلع، و كذا بقية أحكامه التي

____________

(1) الإستبصار ج 3 ص 319.

(2) الوسائل الباب- 9- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 8- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 8- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 5.

(5) الوسائل الباب- 8- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

94

لا خلاف في جريانها في المقام بل و لا إشكال، لما عرفت من أنها قسم من الخلع، بل من هذه النصوص يستفاد حكم الرجوع ببعض الفدية الذي قد عرفت البحث فيه سابقا.

و كيف كان ف المبارأة كالخلع في جمع ما تقدم لكن المبارأة تفترق عنه بأمور ثلاثة:

أحدها: أنها تترتب على كراهة كل من الزوجين ل صاحبه، و يترتب الخلع المقابل لها على كراهة الزوجة خاصة.

و ثانيها: أنه يأخذ في المبارأة بقدر ما وصل إليها منه من المهر و لا يحل له الزيادة و في الخلع جائز لما عرفت، بلا خلاف أجده في عدم جواز الزيادة، بل الإجماع بقسميه عليه، بل عن جماعة من الأصحاب عدم جواز أخذ المساوي، بل لا بد أن يقتصر على الأقل، لما سمعته من صحيح زرارة (1) السابق الصريح في أن المبارأة يؤخذ منها دون الصداق، و المرسل في الفقيه (2) «أنه روى أنه لا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر من مهرها، بل يأخذ منها دون مهرها»

إلا أن ذلك لما كان منافيا لعموم تسلط الناس على أموالهم (3) و قوله تعالى (4):

«فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ» و «فِيمَا افْتَدَتْ» (5) و غير ذلك و معارضا بصحيح أبى بصير (6) السابق وجب إرادة المهر فما دون من العبارة المزبورة التي عبر

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

(3) البحار ج 2 ص 272 ط الحديث.

(4) سورة النساء: 4- الآية 4.

(5) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(6) الوسائل الباب- 8- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

95

بمثلها عن ذلك في غير مقام، و من هنا كان الأقوى ذلك وفاقا للمشهور.

و ثالثها: أنها تقف الفرقة في المبارأة التي فسرها المصنف بأن يقول: بارأتك على التلفظ بالطلاق اتفاقا منا بقسميه. و في الخلع على الخلاف السابق الذي عرفت الحال فيه، كما أنك عرفت التحقيق في المبارأة، و الله العالم.

96

[كتاب الظهار]

كتاب الظهار الذي هو مصدر «ظاهر» مثل «قاتل» مأخوذ من الظهر، لأن صورته الأصلية أن يقول الرجل لزوجته: «أنت علي كظهر أمي» و خص الظهر لأنه موضع الركوب، و المرأة مركوبة وقت الغشيان، فركوب الأم مستعار من ركوب الدابة، ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الأم الذي هو ممتنع، و هو استعارة لطيفة، و كان طلاقا في الجاهلية محرما أبدا، و حرم في الإسلام، فقال «وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ» (1) إلى آخرها.

و السبب في نزولها على ما في خبر حمران (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم قال: «إن امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى الله عليه و آله)، فقالت:

يا رسول الله إن فلانا زوجي، و قد نشرت له بطني و أعنته على دنياه و آخرته، لم ير مني مكروها أشكوه إليك، قال: فبم تشكينه؟ قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر أمي و قد أخرجني من منزلي، فانظر في أمري، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله). ما أنزل الله تبارك و تعالى كتابا أقضى فيه بينك و بين زوجك، و أنا أكره أن أكون من المتكلفين، فجعلت تبكي و تشكى ما بها إلى الله تعالى عز

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 2 و ذكر ذيله في الباب- 2- منه الحديث 1، و البحار ج 104 ص 166 ط الحديث.

97

و جل و إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله). و انصرفت، قال: فسمع الله تبارك و تعالى مجادلتها لرسول الله (صلى الله عليه و آله) في زوجها و ما شكت إليه، فأنزل الله عز و جل في ذلك قرآنا:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَ تَشْتَكِي إِلَى اللّهِ، وَ اللّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ، إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللّائِي وَلَدْنَهُمْ، وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً، وَ إِنَّ اللّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (1) قال: فبعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى المرأة فأتته، فقال: جئني بزوجك فأتت به، فقال له: قلت لامرأتك هذه: أنت علي حرام كظهر أمي؟ فقال: قد قلت لها ذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): قد أنزل الله تعالى فيك و في امرأتك قرآنا، فقرأ عليهما الايات، ثم قال: فضم إليك امرأتك، فإنك قد قلت منكرا من القول و زورا، و قد عفى الله عنك و غفر لك و لا تعد، قال: فانصرف الرجل و هو نادم على ما قال لامرأته، و كره الله عز و جل ذلك للمؤمنين بعد، و أنزل الله تعالى شأنه (2) «وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا» يعنى ما قال الرجل الأول لامرأته: أنت علي حرام كظهر أمي، قال: فمن قالها بعد ما عفى الله و غفر للرجل الأول فإن عليه تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، يعني مجامعتها، ذلكم توعظون به، و الله بما تعملون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، يعنى من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، قال: فجعل عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا، ثم قال: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ، قال: هذا حد الظهار، قال حمران: و قال أبو جعفر (عليه السلام): و لا يكون ظهار في يمين و لا في غضب، و لا يكون ظهار إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».

و هذا الرجل المزبور الذي هو مورد نزول آية الظهار أوس بن الصامت،

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 1 و 2.

(2) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

98

و زوجته خولة بنت المنذر، ل

خبر ابن أبي عمير عن أبان (1) و غيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي في الفقيه، قال: «كان رجل على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقال له:

أوس بن الصامت كان تحته امرأة يقال لها: خولة بنت المنذر، فقال لها ذات يوم:

أنت علي كظهر أمي ثم ندم، فقال لها: أيتها المرأة ما أظنك إلا و قد حرمت علي، فجائت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقالت يا رسول الله: إن زوجي قال لي: أنت علي كظهر أمي، و كان هذا القول فيما مضى يحرم المرأة على زوجها، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما أظنك إلا و قد حرمت عليه، فرفعت المرأة يدها إلى السماء، و قالت:

أشكو إلى الله تعالى فراق زوجي، فأنزل الله تعالى يا محمد «قَدْ سَمِعَ»- إلى آخرها- ثم أنزل الله عز و جل الكفارة في ذلك، فقال «وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ» إلى آخرها.»

و إن لم يكن بالتفصيل المزبور الذي فيه أن الكفارة على غير الرجل المزبور ممن يفعل فعله بعد نزول الآية.

لكن عن

المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه نقلا من تفسير النعماني (2) بإسناده إلى علي (عليه السلام) «و أما المظاهرة في كتاب الله تعالى فان العرب كانت إذا ظاهر رجل منهم من امرأته حرمت عليه إلى آخر الأبد، فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان بالمدينة رجل من الأنصار يقال له: أوس بن الصامت، و كان أول رجل ظاهر في الإسلام، فجرى بينه و بين امرأته كلام، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم إنه ندم على ما كان منه، فقال: ويحك إنا كنا في الجاهلية تحرم علينا الأزواج في مثل هذا قبل الإسلام، فلو أتيت رسول الله فسألته عن ذلك، فجاءت المرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبرته، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليه إلى آخر الأبد، فجزعت و بكت، و قالت: أشكو إلى الله فراق زوجي، فأنزل الله عز و جل قَدْ سَمِعَ- إلى قوله- وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): قولي لأوس زوجك: يعتق نسمة، قالت: و أني له نسمة، و الله ما له خادم غيري، قال: فيصوم شهرين متتابعين، فقالت: إنه شيخ كبير لا يقدر على الصيام، فقال: مرية فليتصدق على ستين مسكينا،

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 4.

99

فقالت: و أني له الصدقة، فو الله ما بين لابيتها أحوج منا، قال: فقولي له فليمض إلى أم المنذر فليأخذ منها شطر وسق تمر، فليتصدق على ستين مسكينا»

و هو ظاهر في أن الكفارة كانت على الرجل المزبور، و الأمر في ذلك سهل.

[الأمور الأربعة في الظهار]

و كيف كان ف النظر فيه أي في كتاب الظهار يستدعي بيان أمور أربعة.

[الأمر الأول في الصيغة]

الأول في قول الصيغة و هو يتحقق ب أن يقول: أنت على كظهر أمي بلا خلاف نصا (1) و فتوى، بل الإجماع بقسميه عليه من المسلمين فضلا عن المؤمنين و كذا يتحقق لو قال بدل «أنت» هذه أو «زينب» أو ما شاكل ذلك من الألفاظ الدالة على تمييزها بلا خلاف أجده فيه أيضا، لظهور المثالية فيما ورد من النصوص (2) بلفظ «أنت» نعم قد يقال باعتبار التلفظ بما يدل عليها، فلو قال: «كظهر أمي» مضمرا لا سمها لم يقع، للأصل و غيره.

و كذا لا عبرة باختلاف ألفاظ الصلات كقوله: أنت مني أو عندي أو لدى أو علي أو نحو ذلك، لظهور اختلاف ما ورد من النصوص (3) فيها

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار و الباب- 2- منه الحديث 2 و الباب- 4- منه الحديث 2 و 3.

(3) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار و الباب- 2- منه الحديث 2 و الباب- 4- منه الحديث 2 و 3 و الباب- 9- و الباب- 13- الحديث 5 و الباب- 16- منه.

100

بعدم اعتبار لفظ مخصوص منها، بل الظاهر عدم اعتبارها أصلا، فلو قال: «أنت كظهر أمي» صح كما لو قال: «أنت طالق» و احتمال الفرق بينهما- باحتمال صيغة الظهار مجردة عن الصلة كونها محرمة على غيره حرمة ظهر أمه عليه، بخلاف الطلاق، فإنه لا طلاق و هي في حبسه دون حبس غيره- لا وجه له بعد ظهور إرادة الظهار له، فما عن التحرير من التوقف مع حذف الصلة لا يخلو من نظر، و كذا لا يعتبر في التشبيه لفظ الكاف قطعا، بل يكفي «مثل» و نحوها و في الاكتفاء بدون أداة التشبيه وجه، لكن الأحوط إن لم يكن الأقوى خلافه.

و كيف كان ف لو شبهها بظهر إحدى المحرمات نسبا أو رضاعا كالأم و الأخت فيه روايتان:

صحيح زرارة (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الظهار فقال: هو من كل ذي محرم: أم أو أخت أو عمة أو خالة، و لا يكون الظهار في يمين، قال: قلت: كيف يكون؟ قال: يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في غير جماع: أنت علي حرام مثل ظهر أمي أو أختي و هو يريد بذلك الظهار»

و صحيح جميل بن دراج (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يقول لامرأته: أنت على كظهر عمته أو خالته، قال: هو الظهار»

و مرسل يونس (3) الآتي عن أبى عبد الله (عليه السلام) «و كذلك إذا هو قال: كبعض المحارم»

دالة على تحقق الظهار مؤيدة بإطلاق أدلته.

و صحيح سيف التمار (4) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يقول لامرأته:

أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي، قال: إنما ذكر الله الأمهات، و إن هذا لحرام»

مؤيدا بالأصل.

و لكن لا يخفى عليك أن أشهرهما رواية و فتوى الوقوع لانقطاع

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 1 و ذيله في الباب- 2- منه الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 3.