جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج33

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
345 /
101

الأصل بالنصوص المزبورة المعلوم رجحانها على صحيح سيف القابل لإرادة بيان أن المذكور في الآية الأمهات، و هو كذلك، و لكن لا ينافي ثبوت التحريم من السنة و أن

قوله (عليه السلام): «و ان هذا لحرام»

جواب للسائل، فيكون حينئذ كالأخبار السابقة، فلا ريب في أن الأقوى الوقوع.

إنما الكلام في تنزيل الرضاعيات منزلة النسبيات في ذلك، فقيل به، ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»

و لعموم قوله (عليه السلام) في الصحيح (2) السابق: «كل ذي محرم»

و قيل: لا يقع، للأصل و انسياق النسبيات من المحرم و المحارم، و التنزيل المزبور إنما هو في التحريم خاصة لا ما يشمل انعقاد صيغة الظهار.

و من الغريب ما في المسالك من رد ذلك بأن «من» في الخبر إما تعليلية، مثلها في قوله تعالى (3) «مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا» أو بمعنى الباء، كما في قوله تعالى (4):

«يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» و التقدير يحرم لأجل الرضاع أو بسببه ما يحرم لأجل النسب أو بسببه، و كلاهما مفيد للمطلوب، لأن التحريم في الظهار بسبب النسب ثابت في الجملة إجماعا، فيثبت بسبب الرضاع كذلك، إذ هو كما ترى أجنبي عن انعقاد صيغة الظهار به.

و من هنا بان لك أن الأقوى عدم الوقوع بالأم الرضاعية فضلا عن غيرها، كما أنه بان لك الوقوع بالتشبيه بالمحارم كالأخت و العمة فضلا عن الجدات التي هن أمهات حقيقة في أحد القولين و إن كان الظاهر انسياق الوالدة بلا واسطة من الام، بل بان لك أيضا الحال في الصور الست المذكورة في المسالك.

و لو شبهها أي الزوجة ب أن قال: هي أو ما قام مقام ذلك عليه ك يد

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1 من كتاب النكاح.

(2) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 1.

(3) سورة نوح ع: 71- الآية 25.

(4) سورة الشورى: 42 الآية 45.

102

امه أو شعرها أو بطنها أو غير ذلك من أجزائها- من غير فرق بين ما يتوقف حياتها عليه أو لا يتوقف و لا بين ما حلته الحياة من الأجزاء و بين غيره- قيل:

لا يقع و القائل المرتضى، بل قيل و المتأخرون، بل في انتصاره أنه مما انفردت به الإمامية اقتصارا فيما خالف الأصل بل الأصول على منطوق الآية (1) و غيرها من أدلة الظهار المنساق غير المفروض منها و لو من ملاحظة المبدأ.

و لكن بالوقوع رواية فيها ضعف و هي

رواية سدير (2) عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: و الرجل يقول لامرأته: أنت علي كشعر أمي أو كقبلها أو كبطنها أو كرجلها، قال: ما عنى؟ إن أراد به الظهار فهو الظهار»

و لكن هي منجبرة بما عن الشيخ في الخلاف من الإجماع على ذلك، بل و بعمل الصدوق و القاضي و ابن حمزة، فإن ذلك مع روايتها في التهذيب الذي هو أحد الكتب المعتبرة المتبينة كاف في جواز العمل بها، خصوصا بعد اعتضادها

بمرسل يونس (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن رجل قال لامرأته: أنت على كظهر أمي أو كيدها أو كبطنها أو كفرجها أو كنفسها أو ككعبها أ يكون ذلك الظهار؟ و هل يلزم فيه ما يلزم المظاهر؟ فقال: المظاهر إذا ظاهر امرأته فقال: هي علي كظهر أمي أو كيدها أو كرجلها أو كشعرها أو كشيء منها ينوي بذلك التحريم فقال:

لزمه الكفارة في كل قليل منها أو كثير، و كذلك إذا قال هو: كبعض ذوات المحارم فقد لزمته الكفارة»

و لا معارض لذلك سوى انسياق صوغ الصيغة من الاسم، و هو غير صالح للمعارضة، خصوصا بعد ملاحظة صوغ الصيغة في سائر العقود من غير مبدأ

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 2 و 3.

(2) الوسائل الباب- 9- من كتاب الظهار الحديث 2 و فيه «ككفها» بدل «كقبلها» كما في التهذيب ج 8 ص 10.

(3) الوسائل الباب- 9- من كتاب الظهار الحديث 1 و ذكر ذيله في الباب- 4- منه الحديث 4.

103

اسمها، و سوى ما في صحيح زرارة (1) و خبر جميل (2) السابقين الذين لم يسق الحصر فيهما لما ينافي ذلك، و على تقديره فلا يصلح لمعارضة المنطوق المزبور، و هذا كله في التشبيه بغير الظهر من الأم.

أما لو شبهها بغير امه بما عدا لفظة الظهر من اليد و الرأس و غيرهما لم يقع قطعا للأصل السالم عن معارضة ما دل على (3) إلحاق المحارم بالأم بعد أن كان في خصوص التشبيه بالظهر، و لكن فيه أنه و إن كان مورده ذلك إلا أنه ظاهر- خصوصا مرسل يونس (4) منها- في كون غير الأم كالأم في تحقق الظهار بالتشبيه بها، سواء كان بالظهر أو غيره، خصوصا بعد معلومية كون الظهار معنى متحدا، فالأقوى الصحة إن لم يكن إجماعا، كما عساه يشعر به لفظ القطع في عبارة المتن، لكن عن المختلف أن بعض علمائنا قال بوقوعه، و آخرين بعدمه، و نحوه عن ابن إدريس.

و لو شبه الجملة بالجملة بأن قال: أنت على كأمي أو مثل أمي قيل و القائل الشيخ و من تبعه يقع إن قصد به الظهار و لعله الأقوى، لفحوى الخبرين (5) السابقين بل قيل: إنه أولى بالتحريم، لاشتمالها على تلك الأجزاء التي منها الظهر الذي هو محل النص (6) و الفتوى، مؤيدا ذلك بإطلاق أدلة الظهار الذي صار معناه و لو بمعونة النصوص (7) إنشاء تحريم الزوجة عليه، و انها كأمه أو باقي محارمه، خلافا للأكثر كما في المسالك، و هو مبني على اعتبار ذكر الظهر في الحرمة، و قد عرفت ما فيه.

و منه يعلم ما في قول المصنف و فيه إشكال منشأه اختصاص الظهار بمورد الشرع و التمسك في الحل بمقتضى الأصل (العقد خ ل).

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار.

(4) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 4.

(5) الوسائل الباب- 9- من كتاب الظهار الحديث 1 و 2.

(6) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار.

(7) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار.

104

و لو شبه بعض أجزاء الزوجة بجملة الام مريدا به الظهار فالظاهر الصحة أيضا بناء على ظهور الخبرين (1) في الاكتفاء بالكناية في تحقق الظهار مع القصد، و هذا منها.

و كذا لو شبه جزء الزوجة بظهر الام، بل و كذا لو شبه الجزء بالجزء، كما لو قال: «يدك علي كيد أمي» مريدا به الظهار، و أولى من ذلك ما لو شبه جملة الزوجة بجملة غير الام من المحارم.

و بالجملة فالمدار على إنشاء تحريم الزوجة عليه بتشبيهها بإحدى المحرمات النسبية من غير فرق بين الصريح و الكنائي.

نعم لو شبهها بمحرمة بالمصاهرة تحريما مؤيدا كأم الزوجة و بنت زوجته المدخول بها و زوجة الأب و الابن لم يقع الظهار للأصل بعد انصراف المحرم أو المحارم إلى النسبيات، فما عن المختلف من التحريم أيضا لا يخلو من نظر.

و كذا لو شبهها بأخت الزوجة أو عمتها أو خالتها مما يحرم في حال لا مطلقا، ضرورة كون حكمها حكم الأجنبية في جميع الأحكام، لأن تحريمها يزول بفراق الام و الأخت، كما يحرم جميع نساء العالم على المتزوج أربعا و يحل له كل واحدة ممن ليست محرمة بغير ذلك على وجه التخيير بفراق واحدة من الأربع، بل عمة الزوجة و خالتها لا تحرم عينا و لا جمعا، إنما تحرم على وجه مخصوص، كما هو واضح.

و أولى من ذلك بعدم حصول التحريم لو قال: كظهر أبي أو أخي أو عمي فإنه لم يكن شيئا بلا خلاف أجده، بل في المسالك هو محل وفاق، للأصل و لأن الرجل ليس محلا للاستمتاع، و لا في معرض الاستحلال، خلافا لبعض، فحرمه قياسا على محارم النساء و كذا لو قالت: هي أنت على كظهر أبي أو أمي لأن الظهار من أحكام الرجال كالطلاق إجماعا.

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من كتاب الظهار الحديث 1 و 2.

105

و يشترط في وقوعه حضور عدلين يسمعان نطق المظاهر على نحو الطلاق بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى، بل الإجماع بقسميه عليه، نعم في المسالك «و أما اشتراط كونهما عدلين فلا دليل عليه إلا من عموم (2) اشتراط العدالة في الشاهدين، و في إثبات الحكم هنا بمثل ذلك ما لا يخفى من الاشكال، و قد تقدم في الطلاق رواية (3) بالاجتزاء فيهما بالإسلام، كما أطلق هنا» و قد عرفت البحث معه هناك.

و لو جعله يمينا جزاء على فعل أو ترك- قصدا للزجر عنه أو البعث على فعل، سواء تعلق به أو بها، كقوله: إن كلمت فلانا أو إن تركت الصلاة فأنت على كظهر أمي- لم يقع بلا خلاف أجده فيه، فإنه لا يمين بغير الله، و لقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (4) السابق: «لا يكون الظهار في يمين»

و في حسن حمران (5) «لا يكون ظهار في يمين و لا في إضرار و لا في غضب»

و لا يقاس جوازه على جوازه معلقا بناء عليه، لحرمة القياس عندنا، و اتحاده في الصورة مع مفارقته له في المعنى و القصد- لأن المراد من الشرط مجرد التعليق و في اليمين الزجر و البعث- لا يقتضي جوازه، خصوصا بعد ما سمعت من النص و الفتوى، و الله العالم.

و لا يقع إنشاؤه إلا منجزا، فلو علقه بانقضاء الشهر أو دخول الجمعة أو نحوهما من التعليق على الوقت لم يقع على القول الأظهر بل الأشهر، بل المشهور، بل لا ينبغي الخلاف فيه، لمنافاة ذلك للإيقاع، بخلاف التعليق على

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار.

(2) الوسائل الباب- 41- من كتاب الشهادات.

(3) استدل في المسالك للاجتزاء بالإسلام في الشاهدين في الطلاق بما رواه في الوسائل الباب- 10- من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4 من كتاب الطلاق.

(4) الوسائل الباب- 4- من كتاب الظهار الحديث 1.

(5) الوسائل الباب- 7- من كتاب الظهار الحديث 2.

106

الشرط الذي هو- مع أنك ستسمع النص (1) فيه- غير مناف لنفس الإنشاء، ضرورة رجوعه إلى تأخير مقتضاه و إلى متعلق الإنشاء، نحو التعليق «في أكرم زيدا غدا» و في النذر و نحوهما مما كان التعليق فيه لمتعلق الإنشاء لا له نفسه، فإنه غير متصور التحقق فضلا عن صحته و فساده، بخلاف تعليق الآثار و متعلق الإنشاء، فإنه متصور و صحيح مع فرض الدليل عليه بالخصوص، بل ربما اكتفى بعضهم في مشروعيته بالعمومات و إن كان فيه أنه مناف لما دل على تسبيبه لمسببه بمجرد وقوعه و حصوله، و من هنا كان من المسلم عند الأصحاب عدم جواز التعليق المزبور في كل عقد أو إيقاع إلا ما خرج بالدليل، من غير فرق بين الوصف و الشرط.

و قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط يقع للعمومات المعلوم عدم شمولها للمفروض الذي ذكرناه، فان مرجعه حينئذ إلى عدم الإنشاء، قيل:

و لفحوى وقوعه معلقا على شرط، بل لعله أولى، و فيه ما لا يخفى بناء على كون المراد بالمعلق الخارج بقيد التنجيز الذي إنشاؤه معلق لا المعلق أثره أو متعلقة على أمر محقق كانقضاء الشهر و دخول الجمعة، كما توهمه غير واحد فاستدل بالدليل المزبور، و لا ريب في أنه متجه، إذ احتمال جواز المحتمل دون المتيقن كما ترى، بل الأدلة لا تساعد عليه، إذ لا تعرض فيها لكون المعلق عليه معلوم الوقوع لدى المعلق أولا.

و لعله لذا قال المصنف مشيرا إلى القول المزبور الذي مقتضاه جواز التعليق في نفس الإنشاء و هو نادر إذ لم نعرف من وافقه عليه، بل لعله لا قائل به بالمعنى المزبور، فتخرج المسألة عن الخلاف بعد حمل كلام القائل على إرادة تعليق الأثر و المتعلق.

و هل يقع في إضرار؟ قيل كما عن النهاية و الوسيلة لا يقع ل

قول الباقر (عليه السلام) في حسن حمران (2): «لا يكون ظهار في يمين و لا في إضرار»

و فيه

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الظهار الحديث 2.

107

إشكال منشأه التمسك بالعموم و الإطلاق كتابا (1) و سنة (2) بل لعل ظاهر الأكثر الوقوع، لعدم ذكر ذلك في شرائطه، فلا يقوى حينئذ الخبر المزبور على التخصيص و التقييد، و لكن لا يخفى عليك إمكان منع ذلك بعد قبول الخبر للحجية، خصوصا بعد حكاية الشهرة كما عن الكفاية على مضمونه، و إمكان تأييده

بقاعدة «لا ضرر و لا ضرار»

اللهم إلا أن يقال: إن مبنى مشروعية الظهار على الضرار.

و كيف كان ف في وقوعه موقوفا على الشرط تردد و خلاف أظهره الجواز وفاقا للمحكي عن الصدوق و الشيخ و ابن حمزة، بل و أكثر المتأخرين، فلو قال: «أنت على كظهر أمي إن دخلت الدار» أو «إن شاء زيد» فدخلت الدار و شاء وقع، ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن الحجاج (3): «الظهار ضربان: أحدهما فيه الكفارة قبل المواقعة، و الآخر بعدها، فالذي يكفر قبل المواقعة الذي يقول: أنت على كظهر أمي، و لا يقول إن فعلت بك كذا و كذا، و الذي يكفر بعد المواقعة الذي يقول: أنت على كظهر أمي إن قربتك»

و نحوه

مضمره الآخر (4): «الظهار على ضربين في أحدهما الكفارة، إذا قال: أنت علي كظهر أمي، و لا يقول أنت علي كظهر أمي إن قربتك»

و قوله (عليه السلام) أيضا في صحيح حريز (5) «الظهار ظهاران: فأحدهما أن يقول: أنت علي كظهر أمي ثم يسكت، فذلك الذي يكفر قبل أن يواقع، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا ففعل فحنث فعليه الكفارة حين يحنث»

و خبر عبد الرحمن بن أبي نجران (6) قال: «سأل صفوان بن يحيى عبد الرحمن بن الحجاج و أنا حاضر عن الظهار، قال:

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(2) الوسائل الباب- 1 و غيره- من كتاب الظهار.

(3) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 8.

(5) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 7.

(6) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 12 و ليس فيه سأل صفوان.

و ذكره بعينه في الاستبصار ج 3 ص 260.

108

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي لزمه الظهار، قال لها دخلت أو لم تدخلي خرجت أو لم تخرجي أو لم يقل شيئا فقد لزمه الظهار»

مضافا إلى العموم كتابا (1) و سنة (2) حتى

قوله (صلى الله عليه و آله) (3): «المؤمنون عند شروطهم»

بل و موافقة الحكمة، فإن المرأة قد تخالف الرجل في بعض مقاصده، فتفعل ما يكرهه و تمتنع عن ما يرغب فيه، و يكره الرجل طلاقها من حيث يرجو موافقتها، فيحتاج حينئذ إلى تعليق ما يكرهه بفعل ما تكرهه أو ترك ما تريده، فإما أن تمتنع و تفعل فيحصل غرضه، أو تخالف فيكون ذلك جزاء معصيتها، لضرر جاء من قبلها.

و خلافا للسيد و بنى زهرة و إدريس و سعيد و البراج، بل عن الغنية و السرائر الإجماع عليه، لمعلومية منافاة التعليق لإنشاء العقد و الإيقاع إلا ما خرج، و ل

خبر الزيات (4) «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنى ظاهرت من امرأتي، فقال: كيف قلت؟ قال: قلت: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا، فقال: لا شيء عليك، فلا تعد»

و مرسل ابن بكير (5) «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) إني قلت لامرأتي: أنت علي كظهر أمي إن خرجت من باب الحجرة فخرجت، فقال:

ليس عليك شيء، قلت: إني قوي على أن أكفر، فقال: ليس عليك شيء، فقلت:

إني قوي على أن أكفر رقبة و رقبتين، قال: ليس عليك شيء قويت أو لم تقو»

و مرسل ابن فضال (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يكون الظهار إلا على موضع الطلاق»

و قد عرفت عدم وقوع الطلاق معلقا، فلا يقع الظهار.

و لا يخفى عليك ما في الجميع، ضرورة وجوب الخروج عن قاعدة التنجيز

____________

(1) سورة المجادلة: 58 الآية 2.

(2) الوسائل الباب- 1 و غيره- من كتاب الظهار.

(3) الوسائل الباب- 20- من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

(4) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 4.

(5) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 3.

(6) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 3.

109

بالأدلة السابقة، كالنذر و اليمين و غيرها مما جاز فيها التعليق، و الأخبار- مع الضعف فيها المانع من أصل القبول فضلا عن المعارضة، و احتمال الأول منها نفى الشيء عليه قبل حصول الشرط، أو لعدم حضور الشاهدين و غير ذلك و اليمين، كالثاني.

و ظهور الثالث في إرادة المرأة من الموضع فيه- لا تصلح معارضة للأخبار السابقة، و الإجماعان المزبوران موهونان بما عرفت.

هذا و لكن في القواعد «في الفرق بين الفرض و بين المعلق نظر» و في شرحها للأصبهاني «من خروج التعليق عن النصوص، و من أن الوقوع مشروطا يدل على عدم اشتراط التنجيز و إرادة الإيقاع بنفس الصيغة فيه، و إذا لم يشترط ذلك لم يكن فرق بين الشرط و التعليق، بل قد يكون التعليق أولى بالوقوع».

و من الغريب ما وقع في المسالك في المقام و كان نسخته التي شرح عبارتها فيها سقط، كما لا يخفى على من لاحظ شرحه لها في المقام الذي قد جعل فيه الكلام في المسألة الثانية شرحا للمسألة الاولى، و حكى عن المصنف القول بالعدم، و أنه نسب القول بالجواز إلى الندرة، مع أن صريح كلامه الجواز بعد التردد، و كذا كلامه في النافع. و أغرب منه موافقة الرياض له على ذلك، و ما ندري أن السبب في ذلك اختلاف النسخ أو عدم التمامية في الملاحظة؟ و لعل الذي غرهما التعبير باعتبار التنجيز المراد منه في غير المقام عدم التعليق مطلقا، و لكن التدبر في العبارة يقتضي ما ذكرناه، و احتمال الفرق بين الشرط و الوصف في غاية البعد، بل يمكن القطع بفساده.

و لو قيد مدة كأن يظاهر منها شهرا أو سنة أو يوما قال الشيخ:

لا يقع للأصل، و لأنه لم يؤبد التحريم، فأشبه ما إذا شبهها بامرأة لا تحرم عليه على التأبيد، و ل

صحيح سعيد الأعرج (1) عن الكاظم (عليه السلام) «في رجل ظاهر من

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 10 و فيه «فوفى» بدل «يوما» كما في التهذيب ج 8 ص 14 الرقم 45 و الاستبصار ج 3 ص 262 الرقم 936. و الوافي ج 12 ص 139. الا أن فيه و في بعض النسخ «يوما» مكان «فوفى» كما يشير الى ذلك قريبا.

110

مرأته يوما، قال: ليس عليه شيء».

و لكن فيه إشكال مستند إلى عموم الآية (1) و الرواية (2) فإن مقتضاهما الجواز، مضافا إلى

خبر سلمة بن صخر (3) قال: «كنت امرءا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان خوفا من أن أصيب في ليلتي شيئا فاتابع في ذلك إلى أن يدركنى النهار و لا أقدر أن أترك، فبينما هي تخدمني من الليل إذا انكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، و قلت لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبروه بأمري، فقالوا: و الله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، و يقول فينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) مقالة يبقى علينا عارها، لكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك، فخرجت حتى أتيت النبي (صلى الله عليه و آله)، فأخبرته بخبري، فقال لي: أنت بذاك، فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك، فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك، فقلت: نعم ها أنا ذا فامض في حكم الله عز و جل فأنا صابر له، قال: أعتق رقبة، فضربت صفحة رقبتي بيدي، فقلت: لا و الذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، فقال: فصم شهرين متتابعين، فقال يا رسول الله (صلى الله عليه و آله):

و هل أصابني ما أصابني إلا من الصوم؟ قال: فتصدق، قلت: و الذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا و ما لنا عشاء، فقال: اذهب إلى صاحب صدقة بني رزين فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك وسقا من تمر ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك و على عيالك، قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق و سوء الرأي، و وجدت عند رسول الله (صلى الله عليه و آله) السعة و البركة، و قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلى،

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(2) الوسائل الباب- 1 و غيره- من كتاب الظهار.

(3) سنن البيهقي ج 7 ص 390 و المستدرك الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 4.

111

فدفعوها إلى»

و في رواية اخرى (1) «إن النبي (صلى الله عليه و آله) أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا، فقال: أطعمه ستين مسكينا، و ذلك لكل مسكين مد».

إلا أن هذا الخبر لم نجده في طرقنا، و إنما هو من طرق العامة، كما اعترف به غيرنا أيضا، و إطلاق الأدلة لا تناول فيه للفرض، بل المنصرف منه غيره، خصوصا بعد أن كان الظهار في الجاهلية لحرمة الأبد و لم يشرعه الشارع، بل جعله من المحرمات و أنه لا يفيد حرمة و لكنه يوجب الكفارة، فالإطلاق حينئذ ليس إلا للظهار المزبور، بل لعل قوله تعالى (2) «ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللّائِي وَلَدْنَهُمْ» مشعر بذلك، بل إن شرع الإطلاق المزبور التقييد بالوقت فليشرع أيضا التقييد بالمكان و بغيرهما من الأحوال الذي لم نعرف له أثرا في كلام الأصحاب، فلا ريب في أن المتجه بحسب الأصول العدم، مؤيدا بالصحيح (3) المزبور و إن قيل:

إنه مختلف النسخ، ففي بعضها ما سمعت، و في آخر عوض «يوما» «فوفى» و حينئذ يخرج عن الدلالة على المقام، ضرورة كون المراد أنه وفى بظهاره، أي لم يقرب، بل ظاهر الوافي أن هذه النسخة هي المعتمدة، بل قيل: لا دلالة فيه على النسخة الأخرى أيضا، إذ يمكن أن يكون نفي الشيء عليه لوفائه بما قال باعتبار قصر اليوم، لكن هذا كله لا ينافي التأييد، للأصول و لو للظهور أو الاحتمال على بعض النسخ، و الله العالم.

هذا و ربما قيل: إن قصرت المدة عن زمان التربص لم يقع لأن الظهار يلزمه التربص مدة ثلاثة أشهر من حين الترافع و عدم الطلاق، و هو يدل بالاقتضاء على أن مدته تزيد عن ذلك، و إلا لا لانتفى اللازم الدال على انتفاء الملزوم، بل عن المختلف اختياره و إن كنا لم نتحققه، بل في المسالك لا بأس به، و الرواية

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 390.

(2) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(3) المتقدم في ص 109.

112

الصحيحة (1) لا تنافيه.

و لكن هو كما ترى تخصيص للعموم بالحكم المخصوص من غير مقتض، و الحكم بالتربص تلك المدة على تقدير المرافعة لا يوجب تخصيص العام، لأن المرافعة حكم من أحكام الظهار و هي غير لازمة، فجاز أن لا ترافعه، فيحتاج إلى معرفة حكمه على هذا التقدير، و جاز أن لا يعلمها بإيقاعه و يريد معرفة حكمه مع الله تعالى شأنه، و الحكم بتربصها تلك المدة على تقدير المرافعة محمول على ما إذا كان مؤبدا أو موقتا بزيادة عنها، فإذا قصرت كان حكمه تحريم العود إلى أن يكفر من غير أن يتوقف على المرافعة.

و من هنا كان فيه أي القول المزبور ضعف واضح، ضرورة أنه لا دلالة فيما ذكره على مشروعية الموقت، بل لعل ظاهر إطلاق الحكم بتربص المدة المزبورة يقتضي كون الظهار مبنيا على الدوام، فهو إن لم يدل على العدم فلا دلالة فيه على مشروعية التوقيت قطعا، فالأصول المزبورة حينئذ بحالها، كما هو واضح.

نعم لو ثبت دليل التوقيت أمكن القول بعدم منافاة ذلك له لما عرفت، و الله العالم.

[فروع لو قال أنت طالق كظهر أمي وقع الطلاق]

فروع لو قال: أنت طالق كظهر أمي وقع الطلاق إذا قصده، لوقوع صيغة صحيحة و لغا الظهار، قصده بأن أراد أنت طالق و أنت كظهر أمي أو لم يقصده و إن جاز وقوعه بالمطلقة الرجعية، لعدم تمامية الصيغة بسبب عدم ذكر الموضوع.

و قال الشيخ: إن قصد الطلاق و الظهار صح إذا كانت المطلقة رجعية، فكأنه قال: أنت طالق أنت كظهر أمي، و فيه تردد، لأن النية لا تستقل بوقوع

____________

(1) المتقدمة في ص 109.

113

الظهار ما لم يكن اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه كما في غير الظهار من العقود و الإيقاعات، و لكن لا يخفى عليك إمكان دفعه بناء على ما تكرر منا من أن المدار في صيغ العقود و الإيقاعات على إنشاء معناها باللفظ الدال عليها حقيقة كان أو مجازا إلا ما خرج بالدليل على التعبد بلفظ خاص، و حينئذ فالمتجه الصحة مع فرض معلومية قصده الظهار بالعبارة المزبورة، و الفرض أنها صحيحة بمقتضى القواعد العربية.

نعم لو لم ينو الظهار به أو نوى به التأكيد للطلاق لم يصح قطعا، بل في المسالك «و كذا إذا قصد بالجميع الظهار، فإنه يحصل الطلاق أيضا دون الظهار، أما حصول الطلاق فللفظه الصريح، و الصريح لا يقبل صرفه إلى غيره، حتى لو قال لزوجته: أنت طالق ثم قال: أردت به من وثاق غيري أو نحو ذلك لم يسمع و حكم به عليه، بخلاف ما لو أتى بالكناية حتى يصححه بها، و الأصل في ذلك و نظائره أن اللفظ الصريح إذا وجد نفاذا في موضوعه لا ينصرف إلى غيره بالنية، و أما عدم حصول الظهار فلأن الطلاق لا ينصرف إلى الظهار، و الباقي ليس بصريح في الظهار كما بيناه، و هو لم بنوبة الظهار و إنما نواه بالجميع، و يحتمل هنا لزوم الظهار أخذا بإقراره» و إن كان فيه مالا يخفى.

بل كأنه من غرائب الكلام إن لم يحمل على صورة التداعي، فيراد حينئذ من قوله: «قصد» أنه ادعى قصد الظهار بالمجموع، كما عساه يومئ إليه تعليله و قوله أخيرا: «أخذا بإقراره» و إن كان فيه ما فيه أيضا على هذا التقدير أيضا فتأمل.

و كذا قوله أيضا متصلا بذلك: «رابعها أن يقصد الطلاق و الظهار جميعا نظر، فان قصدهما بمجموع كلامه حصل الطلاق دون الظهار لما تبين، و إن قصد الطلاق بقوله: أنت طالق و الظهار بقوله: كظهر أمي ففيه الخلاف» إلى آخر ما ذكره، ضرورة أن المتجه عدم حصول كل منهما مع فرض قصد حصولهما بمجموع كلامه، لعدم كونه صيغة طلاق و لا ظهار، اللهم إلا أن يحمل على ما عرفت،

114

أو يقال: إن قصد المجموع منهما لا ينافي وفاء صيغة الطلاق به، فتأمل. و كذا إذا قصد بالمجموع الطلاق أو الظهار، كما هو واضح.

و لو عكس فقال: أنت كظهر أمي طالق و قصدهما معا بما دل على كل منهما وقعا بناء على ما ذكرناه، و في المسالك «وقع الظهار لصراحته، و في وقوع الطلاق الوجهان، لأنه من النية و أنه ليس في لفظ الطلاق مخاطبة و لا ما في معناها» و قد عرفت ما فيه، و في القواعد بعد أن ذكر ما ذكر المصنف قال: «و يقعان معا لو قال: أنت كظهر أمي طالق و قصدهما على إشكال» و كأنه فرق بين المسألتين بسبب إمكان الاجتزاء بصيغة الطلاق بتقدير موضوع المطلقة، لفحوى الاكتفاء بقول: «نعم» بخلاف الظهار، و الحق عدم الفرق بينهما بعد فرض صحة ذلك في العربية.

و أغرب من ذلك قول المصنف و كذا لو قال: أنت حرام كظهر أمي مريدا عدم صحة الظهار به أيضا كالأولى، كما عن الشيخ في المبسوط و الخلاف مدعيا فيهما الإجماع على ذلك، و لعله لأنه غير المعهود من صيغة الظهار في النصوص، فالأصل عدم ترتب حكمه عليها.

لكن فيه أنك قد سمعت ما في صحيح زرارة (1) عن الباقر (عليه السلام) جواب سؤاله عن كيفيته من قوله: «يقول لامرأته و هي طاهر في غير جماع: أنت على حرام مثل ظهر أمي أو أختي»

و هو نص في الباب، و كذا ما في خبر حمران (2) عنه (عليه السلام) أيضا في سبب نزول الآية (3) من «أن الرجل قال لها: أنت علي حرام كظهر أمي- إلى قوله-: لما قال الرجل الأول لامرأته: أنت علي حرام كظهر أمي قال: إن قالها بعد ما عفى الله و غفر للرجل فان عليه تحرير رقبة»

و لأن قوله:

«حرام» تأكيد لغرضه، فلا ينافيه، فان قوله: «أنت كظهر أمي» لا بد له من

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

115

القصد إلى معناه، و هو يستلزم القصد إلى الحرمة، فإذا نطق به كان أولى.

و العجب من تجويز الشيخ وقوعه بالكناية، و ما هو أبعد من هذه مع خلوها عن نص يقتضي صحتها، و منعه من هذه الصيغة مع ورود النص الصحيح بها بل مع قطع النظر عنه يتجه الصحة، لتحقيق معنى الظهار بها و صراحتها فيه. و من هنا جزم في المسالك بالصحة تبعا للمحكي عن الفاضل في التحرير و المختلف، بل و القواعد و إن قال: «على إشكال».

نعم لو قال: «أنت على حرام» ففي القواعد «ليس بظهار و إن نواه» و لعله للأصل بعد فرض ظهور النصوص في اعتبار التشبيه به، مضافا إلى ظهور الأخبار ك

خبر زرارة (1) «سأل الباقر (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام، فقال:

لو كان عليه سلطان لأوجعت رأسه، و قلت: الله أحلها لك فما حرمها عليك، إنه لم يزد على من أكذب فزعم أن ما أحل الله له حرام، و لا يدخل عليه طلاق و لا كفارة، فقال زرارة: قول الله عز و جل (2) «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ؟» فجعل فيه الكفارة، فقال: إنما حرم عليه جارية مارية، فحلف أن لا يقربها، فإنما جعل عليه الكفارة في الحلف، و لم يجعل عليه في التحريم»

و غيره من النصوص (3).

أما لو قال: «أنت على كظهر أمي حرام» أو «أنت علي حرام كظهر أمي» و «أنت طالق أنت كظهر أمي للرجعة» و «أنت كظهر أمي طالق» وقع من غير إشكال إذا قصده، لإتيانه بالصيغة كاملة من غير تخلل شيء، و غاية ما زاده أن يكون لغوا مع فرض أنه قصد بحرام في الأولى و «طالق» في الأخيرة كونه خبرا ثانيا.

و لو ظاهر إحدى زوجتيه إن ظاهر ضرتها ثم ظاهر الضرة وقع الظهاران المنجز و المعلق عليه، بل في المسالك «لو قال: إن ظاهرت من إحداكما أو أيكما

____________

(1) الوسائل الباب- 15- من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 من كتاب الطلاق.

(2) سورة التحريم: 66- الآية 1.

(3) الوسائل الباب- 15- من أبواب مقدمات الطلاق من كتاب الطلاق.

116

ظاهرت منها فالأخرى علي كظهر أمي ثم ظاهر من إحداهما صار مظاهرا من الأخرى أيضا و إن كان هو كما ترى، اللهم إلا أن يكون مبنيا على صحة وقوع الظهار بالمبهم، نحو ما سمعته في الطلاق، فيراد حينئذ أنه ظاهر إحداهما باللفظ المزبور، فإذا ظاهر الآخرى ثم الظهاران، لكنه أيضا هو كما ترى، فتأمل.

و لو ظاهرها إن ظاهر فلانة الأجنبية و قصد النطق بلفظ الظهار صح الظهار عند مواجهتها به، و إن قصد الظهار الشرعي لم يقع ظهار لاشتراط الصحيح منه بالوقوع على الزوجة، و إن أطلق ففيه وجهان، كما عن المبسوط و التحرير من احتمالي التعليق على الاسم و الصفة. و كذا لو قال: أجنبية على الحالية أو اقتصر عليها من دون ذكر فلانة.

و لو قال فلانة من غير وصف بالأجنبية ثم تزوجها و ظاهرها قال الشيخ: يقع الظهاران، و هو حسن و إن كان قد يحتمل العدم، لكون الشرط حين إيقاع الصيغة غير مشروع، و ربما قيل: إن الشرط هو الذي يجوز وقوعه حال التعليق و عدمه، و من المعلوم أن ظهار الأجنبية حال التعليق غير صحيح، و المفروض عدم إرادة مجرد الصورة، فكان ذلك أشبه بالصيغة المتأخرة عن التعليق و إن كان هو كما ترى، ضرورة عدم خروجه بذلك عن أصل الشرطية التي يكفي فيها التجويز بحسب الذات و إن تخلف لفقد شرط من شروطه، على أنه لا دليل لغة و لا عرفا على اعتبار إمكان حصول الشرط حال التعليق في مفهوم الشرط، كما هو واضح.

و لو نكح فلانة الأجنبية التي علق ظهار الزوجة على ظهارها و ظاهرها ففي المسالك «في وقوع الظهار بالزوجة الأولى وجهان: من خروجها بالنكاح عن كونها أجنبية فلا يقع، و من تعليق ظهارها بظهار فلانة، و الوصف بالأجنبية للتعريف لا للشرط، نحو ما لو حلف على أن لا يدخل دار زيد هذه فباعها زيد ثم دخلها، فان في حنثه الوجهين أيضا، و منشأهما ترجيح الإشارة على الوصف أو بالعكس».

117

نعم لا يقع الظهار إذا علقه عليها مريدا به الشرعي حال كونها أجنبية و إن نكحها و ظاهرها، لعدم حصول المعلق عليه الذي هو مستحيل شرعا، كما لو قال:

«أنت علي كظهر أمي إن بعت الخمر» و أراد البيع الشرعي، و الله العالم.

و لو علقه بمشيئة الله تعالى شأنه و قصد الشرط لم يقع، لعدم العلم بوقوعه إن لم يكن معلوما عدمه، نعم لو قصد التبرك وقع، لكونه منجزا حينئذ.

و لو قال: «أنت علي كظهر أمي إن لم يشأ الله تعالى» فلو كان عدليا يعتقد أنه تعالى لا يريد القبائح و المعاصي وقع إن عرف التحريم، لأنه منجز في المعنى، و إن كان أشعريا ففي القواعد إشكال، و لعله من الجهل بوقوع الشرط الموجب لاستصحاب الحل و الحكم بعدم وقوع الظهار، و من لزوم وقوعه شاء الله أو لم يشأ، فإنه إن شاء لم يجز أن لا يقع، لكون المشيئة عندهم سببا تاما لوقوع الشيء، و إن لم يشأ تحقق الشرط، فيتحقق المشروط، و لزوم عدم وقوعه على التقديرين، فإنه إن شاء فقد انتفى الشرط فانتفى المشروط، و إن لم يشأ لم يقع، إذ ما من شيء إلا بمشيئة الله تعالى، و ربما دفع بأنه يلزم منه بطلان التعليق، فلا يقع الظهار، لأنه إنما أوقعه معلقا.

و لو علق بالنقيضين كأن قال: «أنت علي كظهر أمي إنشاء الله أو لم يشأ» أو «إن دخلت الدار أو لم تدخلي» وقع لأنه في معنى نفي التعليق.

و لو علق بأمرين على الجمع لم يقع مع وقوع أحدهما، بل لا بد من وقوعهما و لو على البدل، إلا أن ينص على اجتماعهما دفعة، نعم يقع بوقوع أحدهما لو علقه بهما على البدل، كما هو واضح، إلى غير ذلك من الفروع التي ذكرها العامة في صورة تعليق الطلاق بناء على مذهبهم فيه، فان مثلها يأتي في المقام بناء على جواز التعليق في الظهار و إن لم نجوزه في الطلاق، و الله العالم.

118

[الأمر الثاني في المظاهر]

الأمر الثاني في المظاهر و لا خلاف في أنه يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل و الاختيار و القصد بل و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، فلا يصح ظهار الطفل و لا المجنون و لا المكره و لا فاقد القصد بالسكر أو الإغماء أو الغضب أو النوم و السهو و نحو ذلك، للأدلة العامة على ذلك كله، نحو

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «إنما الأعمال بالنيات»

و «رفع القلم» (2)

و نحوهما، بل لم يحك أحد الخلاف هنا في المراهق و إن عرفت البحث فيه في الطلاق، و لعله لخصوص أدلته هناك بخلاف المقام الذي ظاهر أدلته كتابا (3) و سنة (4) كون المظاهر مكلفا، و لذا وصف بالمنكر و الزور، و وجب عليه الكفارة.

و الأمر سهل بعد وضوح الأمر من الأدلة العامة فضلا عما ورد هنا في بعض الشرائط، ك

موثق عبيد بن زرارة (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا طلاق إلا ما أريد به الطلاق، و لا ظهار إلا ما أريد به الظهار»

و حسن حمران (6) السابق عن أبي

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل الباب- 36- من أبواب القصاص في النفس الحديث 2 من كتاب القصاص.

(3) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(4) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار.

(5) الوسائل الباب- 3- من كتاب الظهار الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 7- من كتاب الظهار الحديث 2.

119

جعفر (عليه السلام) «لا يكون ظهار في يمين و لا في إضرار و لا في غضب»

و قال الرضا (عليه السلام) في صحيح ابن أبي نصر (1): «الظهار لا يقع على الغضب»

و في موثق عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الظهار الواجب، قال: الذي يريد به الرجل الظهار بعينه»

و غيرها.

و لعل من ذلك

خبر حمزة بن حمران (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل قال لأمته: أنت علي كظهر أمي يريد أن يرضى بذلك امرأته، قال: يأتيها ليس عليه شيء»

باعتبار عدم النية فيه أو أنه أراد اليمين لها على ذلك، و قد عرفت عدم انعقاده بالظهار، نحو

موثق ابن بكير (4) قال: «تزوج حمزة بن حمران ابنة بكر، فلما أراد أن يدخل بها قال له النساء: لسنا ندخلها عليك حتى تحلف لنا، و لسنا نرضى أن تحلف بالعتق، لأنك لا تراه شيئا، و لكن احلف لنا بالظهار، و ظاهر من أمهات أولادك و جواريك، فظاهر منهن، ثم ذكر ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: ليس عليك شيء، ارجع إليهن»

و لعل هذا الحلف كان على عدم طلاقها، كما يفصح عنه

خبر آخر (5) في معناه، و فيه «أنهم قالوا له: أنت مطلاق، فنخاف أن تطلقها، فلا ندخلها عليك حتى تقول: إن أمهات أولادك عليك

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الظهار الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 6- من كتاب الظهار الحديث 9.

(4) الوسائل الباب- 6- من كتاب الظهار الحديث 3 عن عبد الله بن المغيرة قال.، الا أن الموجود في الاستبصار ج 3 ص 258 و التهذيب ج 8 ص 11 عن ابن المغيرة عن ابن بكير قال.، و في الجميع

«تزوج حمزة بن حمران ابنة بكير.»

. (5) الوسائل الباب- 6- من كتاب الظهار الحديث 2 و فيه «أنت لا تبالي بالطلاق و ليس هو عندك بشيء و ليس ندخلها عليك حتى تظاهر من أمهات أولادك قال: ففعل» و كذلك في الكافي ج 6 ص 154 و ما في الجواهر نقل بالمعنى أخذه من بيان المحدث الكاشاني.

120

كظهر أمك أن طلقتها».

و كيف كان فلا إشكال في شيء من الشرائط المزبورة. فما عن العامة- من عدم اعتبار النية- واضح الفساد، كالمحكي من قولهم أيضا من وقوع ظهار السكران، و ما أبعد ما بين ذلك و بين ما في الحدائق من أن إطلاق الخبرين المذكورين شامل لمطلق الغضب ارتفع معه القصد أو لم يرتفع، و تبعه في الرياض، فقال: «و كذا لا يقع في حال غضب مطلقا و إن لم يرتفع معه القصد أصلا و لا سكر بلا خلاف في الظاهر فيهما، و هو حجة فيهما كالأدلة القاطعة في الثاني و الصحيح و الموثق في الأول» و إن كان هو كما ترى مناف لإجماع الأصحاب على الظاهر و لجميع ما دل على وقوع الظهار مع حصول الشرائط المزبورة الذي لا يعارضه إطلاق الخبرين المزبورين اللذين يعارضهما ما دل على تحقق الظهار بإرادة الظهار من وجه، و لا ريب في أن الترجيح لذلك عليهما من وجوه، و من هنا كان ظاهر الأصحاب تقييد الغضب بالرافع للقصد، كما هو واضح.

و على كل حال فقد بان لك مما هنا و ما تقدم سابقا أنه لو ظاهر و نوى الطلاق لم يقع طلاق، لعدم اللفظ (التلفظ خ ل) المعتبر فيه و هو أنت طالق و لا ظهار، لعدم القصد و كذا لو طلق و قصد الظهار لم يقع ظهار، لعدم اللفظ المعتبر فيه، و لا طلاق لعدم القصد بلا خلاف في شيء من ذلك عندنا و لا إشكال، خصوصا بعد

قول الصادق (عليه السلام) (1): «لا يقع ظهار عن طلاق و لا طلاق عن ظهار»

خلافا للعامة، فجوزوا وقوع الطلاق بلفظ الظهار مع النية حتى لو قال: «أنت طالق كظهر أمي» و نوى الطلاق بالأخيرة وقع عليه طلاقان إن كان الأول رجعيا و بطلانه واضح عندنا.

و يصح ظهار الخصي و المجبوب و إن لم تبق لهما ما يتحقق به الجماع من إدخال الحشفة أو قدرها إن قلنا بتحريم ما عدا الوطء في الظهار مثل

____________

(1) الوسائل الباب- 20- من كتاب الظهار الحديث 1.

121

الملامسة و غيرها من ضروب الاستمتاع، لإطلاق أدلة الظهار الممكن تحقق فائدته بامتناع غير الوطء من الاستمتاع نعم لو قلنا باختصاصه بالوطء لم يقع منهما ظهار، لعدم فائدته، بل في المسالك «هذا كله إذا لم نشترط الدخول بالمظاهرة، و إلا لم يقع منهما مطلقا، حيث لا يتحقق منهما الدخول» قلت: قد يفرض عروض ذلك لهما بعد الدخول، و الأمر سهل.

و زاد في القواعد الخنثى، و أورد عليه بأنه يجوز أن يكون امرأة و آلة الرجل زيادة، فلا يتحقق الوطء الصادر من الرجال الذي هو مناط الظهار. و فيه أن المتجه عدم جواز تزويج الخنثى المشكل من أصله، لعدم العلم بكونه رجلا، و يمكن أن يريد العنين من الخنثى في كلامه، لغلبة التعنين في الخناثي، و الله العالم.

و كذا يصح الظهار من الكافر وفاقا للأكثر نقلا إن لم يكن تحصيلا، لإطلاق الأدلة و لكن منعه الشيخ و تبعه القاضي و سبقه الإسكافي فيما حكي عنهما، بل ظاهر مبسوط الأول الإجماع عليه التفاتا إلى تعذر الكفارة منه التي هي من لوازم الظهار إذ هي عبادة لا تصح منه، و إلى أنه حكم شرعي فكيف يصح ممن لا يقربه و لا ريب في أن المعتمد المزبور لهم في المنع ضعيف غير صالح لتخصيص العموم، و ذلك لإمكانها أي الكفارة منه بتقديم الإسلام القادر عليه، و لذلك كان مكلفا بالفروع.

و ما يقال من أن الذمي يقر على دينه فحمله على الإسلام لذلك بعيد، و أن الخطاب على العبادة البدنية لا يتوجه على الكافر الأصلي ففي المسالك «أنه أجيب عنه بأنا لا نحمل الذمي على الإسلام و لا نخاطبه بالصوم، و لكن نقول: لا نمكنك من الوطء إلا هكذا، فإما أن يتركه أو يسلك طريق الحل» قلت: هذا مع الترافع إلينا.

و إنما الكلام في صحة وقوعه من الكافر و ترتب حكمه عليه، و لا ريب في صحته و ترتب أحكامه عليه بناء على تكليفه بالفروع أقر بالشرع أو لم يقر إذ ذلك من باب الأسباب التي لا تفاوت فيها بين المقر و المنكر، هذا إن لم نقل بصحة

122

العتق و الإطعام من كافر كما عن بعض، و إلا صح بلا إشكال و إن تعذر خصوص الصوم منه، كما أنه قيل: لا إشكال فيما لو أسلم بعد الظهار لعدم جريان الكلام المزبور فيه حينئذ.

و كذا يصح من العبد عندنا، بل الإجماع بقسميه عليه، للعموم و خصوص نحو

خبر محمد بن حمران (1) «سأل الصادق (عليه السلام) عن المملوك أ عليه ظهار فقال: عليه نصف ما على الحر: صوم شهر، و ليس عليه كفارة صدقة و لا عتق»

و صحيحة جميل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «في الظهار، و قال: إن الحر و المملوك سواء، غير أن على المملوك نصف ما على الحر من الكفارة، و ليس عليه عتق رقبة و لا صدقة إنما عليه صيام شهر»

و خبر الثمالي (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن المملوك أ عليه ظهار؟ فقال: نصف ما على الحر من الصوم، و ليس عليه الكفارة صدقة و لا عتق»

فما عن بعض العامة- من المخالفة في ذلك لأن لازم الظهار إيجاب تحرير الرقبة و هو لا يملكها- واضح الفساد، خصوصا بعد قوله تعالى (4) «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا» و العبد غير واجد، فيلزمه الصوم كما هو واضح، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل الباب- 12- من كتاب الظهار الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 12- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 12- من كتاب الظهار الحديث 3.

(4) سورة المجادلة: 58- الآية 4.

123

[الأمر الثالث في المظاهرة منها]

الأمر الثالث في المظاهرة منها و لا خلاف عندنا و لا إشكال في أنه يشترط أن تكون منكوحة بالعقد بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عنوان موضوعه كتابا (1) و سنة (2) بالزوجة أو ما في حكمها ف لا إشكال في الشرط المزبور، و لكن على معنى أنه لا يقع بالأجنبية خلافا لأبي حنيفة و لو علفه على النكاح بأن قال: «أنت علي كظهر أمي إن تزوجتك» خلافا لمالك و الشافعي.

و أن تكون طاهرا طهرا لم يجامعها فيه إذا كان زوجها حاضرا أو ما في حكمه و كان مثلها تحيض، و لو كان زوجها غائبا بحيث لا يعرف حال زوجته صح، و كذا لو كان حاضرا و هي يائسة أو لم تبلغ بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل إجماعنا بقسميه عليه، مضافا إلى

صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) و قد سأله عن كيفيته، فقال: «يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في غير جماع: أنت علي حرام كظهر أمي»

و رواية حمران (4) عنه (عليه السلام) أيضا «لا يكون ظهار إلا على طهر بعد جماع بشهادة شاهدين مسلمين».

و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في المرسل (5): «لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق»

و منه مع اعتضاده بفتوى الأصحاب و إجماعهم يستفاد حكم الغائب و غيره على نحو ما سمعت في الطلاق محررا، و المدار في الشرط المزبور على وقت إيقاعه لا وقت حصول

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 2 و 3.

(2) الوسائل الباب- 1 و غيره- من كتاب الظهار.

(3) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 2.

(4) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 1.

(5) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 3.

124

الشرط لو كان معلقا عليه كما هو واضح و في اشتراط الدخول تردد و خلاف و المروي صحيحا عن الصادقين (عليهما السلام) اشتراطه ففي

صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) قال «في المرأة التي لم يدخل بها زوجها، قال:

لا يقع عليها إيلاء و لا ظهار»

و في صحيح الفضيل بن يسار (2) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن رجل مملك ظاهر من امرأته قال: لا يلزم، ثم قال: و قال لي: لا يكون ظهار و لا إيلاء حتى يدخل بها»

إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة مع ذلك بعمل الشيخ و الصدوق و أكثر المتأخرين كما في المسالك.

خلافا للمفيد و المرتضى و سلار و ابني إدريس و زهرة و هو القول الأخر الذي مستنده التمسك ب ما في الكتاب من العموم (3) القابل للتخصيص بالسنة (4) عندنا كما حرر ذلك في محله، و لا ينافي ذلك ما دل على أنه

«لا يكون ظهار إلا على مثل موضع الطلاق» من الخبر (5)

المزبور، و من المعلوم عدم اعتبار الدخول في صحة الطلاق، فليكن الظهار كذلك، ضرورة عدم اقتضاء الخبر المزبور إلا أن الظهار لا يقع إلا حيث يقع الطلاق، لا أنه حيث ما يقع الطلاق يقع الظهار، كما هو واضح.

و هل يقع الظهار بالمستمتع بها فيه خلاف، و الأظهر الأشهر بل المشهور الوقوع لإطلاق الأدلة، خلافا للمحكي عن الحلي و ظاهر الإسكافي و الصدوق، للأصل المقطوع بالإطلاق المزبور، و لانتفاء لازم الظهار الذي

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من كتاب الظهار الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 8- من كتاب الظهار الحديث 1 و ليس فيه

«قال: لا يلزم ثم قال»

الا أنه موجود في التهذيب ج 8 ص 21 الرقم 66.

(3) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(4) الوسائل الباب- 8- من كتاب الظهار.

(5) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 3.

125

هو الإلزام بأحد الأمرين: الفئة أو الطلاق المعلوم امتناعه فيها، و تنزيل هبة المدة منزلته قياس، على أن أجل المستمتع بها قد يكون قليلا لا يحتمل الأمر بالصبر إلى المدة.

و فيه منع كون ذلك لازم أصل الظهار، و إنما هو حكم ما تعلق منه بالزوجة التي يمكن ذلك في حقها، خصوصا بعد ما ستسمع من صحة وقوعه بالمملوكة التي لا يجري فيها ذلك، و المرسل (1) عن الصادق (عليه السلام) «لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق»

لا جابر له في المقام، بل يمكن دعوى انصرافه إلى إرادة اعتبار شرائط الطلاق من الخلو عن الحيض و نحوه منه لا نحو المقام، كما أنه يمكن دعوى اندراج المتمتع بها في المثل، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب النكاح.

و في الموطوءة بالملك و لو مدبرة أو أم ولد تردد و خلاف و المروي صحيحا و غيره أنه يقع كما يقع بالحرة و هو الأقوى وفاقا للمشهور بين المتأخرين لا للاية (2) التي يمكن دعوى انصراف النساء فيها إلى غيرها، بل ل

صحيح ابن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الظهار على الحرة و الأمة، فقال: نعم»

و نحوه صحيحه الآخر (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام)،

و موثق إسحاق بن عمار (5) «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من جاريته، فقال: الحرة و الأمة في ذلك سواء»

و صحيح ابن البختري أو حسنه (6) عن أبي عبد الله و أبى الحسن (عليهما السلام) «في رجل كان له عشر جوار فظاهر منهن جميعا بكلام واحد، فقال

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 3.

(2) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(3) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 2.

(4) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 5.

(5) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 3 عن أبى عبد الله أو أبي الحسن (عليهما السلام)، الا أن في الاستبصار ج 3 ص 263 و التهذيب ج 8 ص 21 عن أبى عبد الله و أبى الحسن (عليهما السلام).

126

(عليه السلام): عليه عشر كفارات»

و خبر ابن أبي يعفور (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ظاهر من جاريته، قال: هي مثل ظهار الحرة»

و صحيح ابن أبى نضر المروي عن قرب الاسناد (2) عن الرضا (عليه السلام) «سألته عن الرجل يظاهر من أمته، فقال: كان جعفر (عليه السلام) يقول: يقع على الحرة و الأمة الظهار»

و عن المبسوط روى أصحابنا (3) أن الظهار يقع بالأمة و المدبرة و أم الولد.

خلافا للمحكي عن بني أبي عقيل و حمزة و البراج و إدريس و المفيد و أبى الصلاح و سلار، للأصل المقطوع بما عرفت و المرسل (4) الذي قد عرفت الحال فيه آنفا، و خبر حمزة بن حمران (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جعل جاريته عليه كظهر امه، قال: يأتيها و ليس عليه شيء»

القاصر عن معارضة ما تقدم بضعف السند، و الموافقة للعامة، و باحتماله الإخلال بالشرائط، كما عن الشيخ قال:

«لأن حمزة بن حمران روى هذه الرواية في كتاب البزوفري أنه يقول ذلك لجاريته يريد إرضاء زوجته، لا لإرادة الظهار الحقيقي». قلت: قد يؤيده ما سمعته سابقا من خبري حمزة بن حمران (6) و إن كان يمكن أن يكون ذلك خبرا آخر له، و لأن الظهار كان في الجاهلية طلاقا، و من المعلوم أن الطلاق لا يقع بها الذي هو كما ترى، خصوصا بعد ما نقل أنهم كانوا يظاهرون من الأمة أيضا، و يعزل سيدها فراشها، بل نقل وقوع الطلاق عليها في الجاهلية.

هذا و في المسالك «و اعلم أنه على القول بوقوعه بها يأتي فيها الخلاف السابق في اشتراط الدخول و عدمه، لتناول الروايات الدالة عليه لها، كما تناولت الحرة،

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 7.

(3) المستدرك الباب- 7- من كتاب الظهار الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 2- من كتاب الظهار الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 11- من كتاب الظهار الحديث 6.

(6) الوسائل الباب- 6- من كتاب الظهار الحديث 2 و 3.

127

توهم اختصاص ذلك الخلاف بالحرة ضعيف جدا بل باطل» قلت: لا ريب في اختصاص تلك الأدلة في الزوجة دون الأمة المملوكة، نعم قد يقال بظهور هذه الأدلة في مساواتها للحرة، و أنها ملحقة بها في ذلك، و قد عرفت اعتبار الدخول في الحرة فيعتبر فيها.

و الظاهر إلحاق الأمة المحللة بالمملوكة في وقوع الظهار عليها مع الدخول بها، لإطلاق الأدلة المزبورة الذي لا يقدح فيه اختصاص مورد سؤاله بغيرها، كما هو واضح، و الله العالم.

و كيف كان ف مع الدخول يقع و لو كان الوطء دبرا لما عرفته غير مرة من أنه لا خلاف في تحقق الدخول بالوطء دبرا في كل ما جعل عنوانا له من الأحكام، و لم نعرف مخالفا في ذلك إلا من المحدث البحراني، فادعى انسياق الدخول في القبل من الأدلة المزبورة، و قد تقدم البحث معه في ذلك.

و على كل حال فيقع الظهار مع تحقق شرطه صغيرة كانت المظاهرة أو كبيرة مجنونة أو عاقلة لأن الصغر و الجنون لا مدخلية لهما في أحكام الوضع إن لم يكونا لهما أهلية للترافع، كما أن حرمة الدخول بالصغيرة لا تنافي تحقق شرطية الظهار، و حينئذ لا إشكال في وقوع الظهار في الفرض.

و كذا يقع في الرتقاء المدخول بها في دبرها و المريضة التي لا توطأ في فرجها، و لكن دخل بها في دبرها، هذا و في المسالك «أنه يمكن بناء ذلك عليهما على القول بعدم اشتراط الدخول، بقرينة ذكر المريضة التي لا توطأ الشامل إطلاقه للقبل و الدبر في سائر الأوقات، و إن لم يدخل الرتقاء في هذا العموم غالبا النظر إلى الدبر، و مثله إطلاق المصنف الحكم بصحة ظهار الخصي و المجبوب للذين لا يمكنهما الوطء، فإنه لا يتم على القول باشتراط الدخول، فلا بد في إطلاق هذه الأحكام من تكلف».

قلت: قد عرفت إمكان إصلاحه في الخصي و المجبوب بإمكان عروض ذلك لهما

128

بعد الدخول، إنما الكلام فيما ذكره هنا، و قد تبعه عليه الفاضل في القواعد، فقال:

«و على الاشتراط يقع مع الوطء دبرا في حال صغرها و جنونها، و يقع بالرتقاء و المريضة التي لا توطأ» و الظاهر إرادته ما ذكرناه في تفسير المتن.

و الأصل في التشويش عبارة المبسوط، فإنها على ما قيل «و أما بعد الدخول بها فإنه يصح ظهارها صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، بكرا أو ثيبا، مدخولا بها أو غير مدخول، يقدر على جماعها أو لم يقدر، لعموم الآية».

و لعل مراده بعد الدخول بها دبرا، فيكون مراده حينئذ نحو ما سمعته في عبارة المتن، و الثيبوبة و البكارة إنما هي بالنسبة إلى الفرج، و كذا الكلام في القدرة على جماعها و عدمها، هذا و لكن في كشف اللثام «و لا يظهر لهذا الكلام معنى إلا أن يكون المراد: سواء كانت الثيبوبة للدخول بها، أو لغيره، أو يكون المراد بالدخول الخلوة» انتهى.

129

[الأمر الرابع في الاحكام]

الأمر الرابع في الاحكام و هي مسائل:

[المسألة الاولى الظهار محرم لاتصافه بالمنكر و القول الزور]

الاولى: لا خلاف في أن الظهار محرم، لاتصافه بالمنكر و الزور في قوله تعالى (1):

«وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً» و هما معا محرمان مع تصريح الرواية (2) الواردة في سبب نزولها بكونه معصية. و لكن قيل و إن لم نتحققه لأحد من أصحابنا لا عقاب فيه، لتعقيبه بالعفو فقال عز و جل بعد ذكره (3):

«وَ إِنَّ اللّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» و هو يستلزم نفي العقاب.

و فيه أنه لا يلزم من وصفه تعالى بالعفو و الغفران فعليتهما بهذا النوع من المعصية، و ذكره بعده لا يدل عليه، فإنه تعالى موصوف بذلك عفى عن هذا الذنب الخاص أو لم يعف، نعم تعقبه له لا يخلو من باعث على الرجاء و الطمع في عفو الله تعالى، و نظائره في القرآن كثيرة، كقوله تعالى (4) «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً» و غيره. هذا كله بالنسبة إلى نفس الآية الشريفة، و إلا فقد عرفت التصريح في الرواية (5) الواردة في

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) سورة المجادلة: 58- الآية 2.

(4) سورة الأحزاب: 33- الآية 5.

(5) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 2.

130

سبب نزولها بكونه معصية موجبة للكفارة، و إنما العفو كان لأول الفاعلين باعتبار جهله، و الله العالم، بحقيقة الحال.

[المسألة الثانية لا تجب الكفارة بالتلفظ عندنا]

المسألة الثانية:

لا تجب الكفارة بالتلفظ عندنا بل و عند غيرنا، بل الإجماع بقسميه عليه، لظاهر اعتبار العود في الآية (1) و غيرها، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (2) في ذلك، خصوصا ما دل (3) منها على عدم الكفارة مع عدم المس و حينئذ فما عساه يظهر من بعضها (4) من ترتب الكفارة على حصوله يجب تنزيله على ما في غيره من أنه إنما تجب بالعود الذي هو العنوان في الآية.

و المشهور أنه هو إرادة استباحة الوطء بل قيل: إنه يظهر من التبيان و مجمع البيان و غيرهما الاتفاق عليه، ل

صحيح جميل (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سأله عن الظهار متى يقع على صاحبه فيه الكفارة؟ فقال: إذا أراد أن يواقع امرأته، قلت: فان طلقها قبل أن يواقعها أ عليها كفارة؟ قال:

سقطت الكفارة عنه»

و صحيح الحلبي (6) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة، قلت: فإن أراد أن يمسها، قال: لا يمسها حتى يكفر، قلت: فان فعل فعليه شيء، فقال: اي و الله إنه لآثم ظالم، قلت: عليه كفارة غير الاولى؟ قال: نعم»

و خبر أبي بصير (7)

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

(2) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(3) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(4) الوسائل الباب- 13- من كتاب الظهار و الباب 1 منه الحديث 2.

(5) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار الحديث 4.

(6) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 4.

(7) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 6.

131

«قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): متى تجب الكفارة على المظاهر؟ قال: إذا أراد أن يواقع، قال: قلت: فان واقع قبل أن يكفر، قال: فقال: عليه كفارة أخرى».

بل و خبر علي بن مهزيار (1) قال: «كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام):

جعلت فداك إن بعض مواليك يزعم أن الرجل إذا تكلم بالظهار وجبت عليه الكفارة حنث أو لم يحنث، و يقول: حنثه كلامه بالظهار، و إنما جعلت عليه الكفارة عقوبة لكلامه، و بعضهم يزعم أن الكفارة لا تلزم حتى يحنث في الشيء الذي حلف عليه، فان حنث وجبت عليه الكفارة، و إلا فلا كفارة عليه، فوقع (عليه السلام) بخطه: لا تجب الكفارة حتى يحنث»

بناء على أن المراد بالحنث فيه العود إلى ما حرمه على نفسه مما كان مباحا له، إلى غير ذلك من النصوص التي منها

المرسل (2) أيضا «في رجل ظاهر- إلى أن قال-: سقطت عنه الكفارة إذا طلق قبل أن يعاود المجامعة»

و غيره.

فما عن بعض العامة- من أن المراد به الوطء نفسه- واضح الفساد، ضرورة مخالفته ما عرفت من الكتاب (3) و السنة (4) و الإجماع و ما في بعض نصوصنا- من موافقته ك

خبر زرارة (5) «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني ظاهرت من أم ولدي ثم وقعت عليها ثم كفرت، فقال: هكذا يصنع الرجل الفقيه إذا وقع كفر»

و خبره الآخر (6) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل ظاهر ثم واقع قبل أن يكفر، فقال لي:

أو ليس هكذا يفعل الفقيه؟»

- محمول على التقية، أو على الظهار المعلق على الوطء أو على الاستفهام الإنكاري في الأول و زيادة «أو» من النساخ في الثاني، أو «و ليس» فيوافق الأول حينئذ في الإنكار، أو على إرادة هكذا يصنع الفقيه منهم، أو غير ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من كتاب الظهار الحديث 5.

(2) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار الحديث 6.

(3) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

(4) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(5) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 2.

(6) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 5.

132

و على كل حال فلا ريب في فساد القول المزبور كباقي أقوالهم في المقام عدا ما وافق ما ذكرناه.

و كذا ما سمعته سابقا في خبر (1) سبب النزول- من أن المراد عود غير الفاعل الأول إلى الظهار بعد أن نزلت آيته- لم أجد به قائلا منا، نعم عن أبى علي و المرتضى منا المراد بالعود إمساكها على النكاح زمانا و إن قل، كما عن بعض العامة، لأن صيغة الظهار تقتضي التحريم الذي لا يكون إلا بالبينونة، فإذا لم يبنها فقد عاد عن التحريم، كما يقال: قال فلان: قولا ثم عاد فيه و عاد له أي خالفه و نقضه يقرب من قولهم عاد فلان في هبته، و هو أيضا واضح الضعف، لا لاقتضاء «ثم» التراخي الذي هو وارد على المختار لو فرض أنه أراد استباحة الوطء عقيب الظهار بلا فصل، و إن أمكن الجواب عنه بجريانه على الغالب الذي هو عدم إرادة المظاهر خلاف ظهاره متصلا به، بل إنما يكون بعد ذلك بمدة، بل هو للنصوص (2) التي يمكن دعوى تواترها بخلافه، خصوصا ما دل (3) منها على عدم الكفارة بعدم المس المعتضدة مع ذلك بالأصل و غيره مما عرفت، هذا.

و لكن الأقرب أنه لا استقرار لها فلو فارقها بعد إرادة الوطء لم يكن عليه كفارة بل معنى الوجوب تحريم الوطء حتى يكفر كما عن المشهور، لا أنه يخاطب بالكفارة بمجرد الإرادة المزبورة و إن عدل عنها و طلق مثلا الذي هو مناف لظاهر النصوص (4) التي منها ما دل (5) على أنه لا يمسها حتى يكفر و على سقوط الكفارة إذا فارقها قبل المس، بل و ظاهر الآية (6) الموجب للتحرير قبل المس، و القبلية تستدعي وجود المتضائفين.

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الظهار الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(3) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(4) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(5) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار الحديث 8.

(6) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

133

فما عن العلامة في التحرير- من القول بالاستقرار بإرادة الوطء التي هي العود المعلق عليه وجوب الكفارة و إن رجع عنها، و لأنها وجبت عند الإرادة فيستصحب، و لأنها إن لم تستقر بذلك لم تكن واجبة حقيقة، بل إنما كانت شرطا لإباحة الوطء- واضح الفساد، لأنه كالاجتهاد في مقابلة النص.

لكن في كشف اللثام «و الجواب أن الوجوب خلاف الأصل، و إنما علم من النصوص الوجوب بمعنى توقف المس عليه و إن لم يكن ذلك وجوبا حقيقة».

و قد تبع بذلك ما في المسالك حيث قال: «فان قيل: يلزم من هذا عدم وجوبها، لأن الواجب هو الذي لا يجوز تركه لا إلى بدل، و هذه الكفارة قبل المسيس يجوز تركها مطلقا حيث يعزم على عدم المسيس إما مطلقا أو مع فعل ما يرفع الزوجية، و يترتب على ذلك أنه لو أخرجها قبل المسيس لا يجزي، لأنها لم تجب، و لأن نية الوجوب لها غير مطابقة، و هذا المعنى الذي أطلقتموه عليه غير الوجوب المتعارف، بل هو بالشرط أشبه، قلنا: الأمر كما ذكرت، و إطلاق الوجوب عليها بهذا المعنى مجازي، و قد نبهوا عليه بقولهم بمعنى تحريم الوطء حتى يكفر، فهي حينئذ شرط في جواز الوطء، و إطلاق الواجب على الشرط من حيث إنه لا بد منه في صحة المشروط مستعمل كثيرا، و منه وجوب الوضوء للصلاة المندوبة، و وجوب الترتيب في الأولين، بمعنى الشرطية فيهما، و أما نية الوجوب بالكفارة فجاز إطلاقها بهذا المعنى، لأن نية كل شيء بحسبه، و لو لم نعتبر نية الوجه كما حققناه في أبواب العبادات لعدم الدليل الناهض عليه تخلصنا عن الاشكال» و قد تبعه غير واحد ممن تأخر عنه على ذلك.

لكنه كما ترى، ضرورة أن الوجوب الشرطي لا يكفي في ملاحظة الامتثال المتوقف عليه صحة العبادة التي لا تقع من دون أمر شرعي، و ما أدرى ما الذي دعاهم إلى ذلك؟ إذ لا منافاة بين الوجوب الشرعي و الشرطي، و الفرض ظهور الكتاب (1)

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

134

و السنة (1) فيهما معا، نعم إنما ذلك مع الإرادة المتعقبة لاستباحة الوطء و يحصل ذلك باستمرارها إلى تمام التكفير و إن لم يطأ، أما مع فرض الطلاق أو الرجوع عن الإرادة المزبورة أو غير ذلك فلا وجوب و لو في أثناء الكفارة، و هذا هو المراد من عدم استقرار الوجوب في مقابل القائل باستقراره و إن رجع عن تلك الإرادة، بل قد يقال: إن الظهار هو السبب الموجب لها، و لكن بشرط العود الذي هو الإرادة المزبورة، فمع فرض انتفاء استمرارها يرتفع الشرط، فيرتفع المشروط، بل هذا هو معنى قوله تعالى (2) «وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا».

و كيف كان ف لو وطأ قبل الكفارة لزمه كفارتان بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الخلاف و الانتصار و السرائر و الغنية و ظاهر التبيان و المبسوط الإجماع عليه، و لعل وجهه حصول سبب الكفارة أولا بالظهار و العود الذي قد عرفته، و الوطء سبب ثان لها باعتبار حصول الحنث به بالظهار الذي هو كاليمين و النذر بالنسبة إلى ذلك.

مضافا إلى صحيح الحلبي (3) و خبر أبي بصير (4) المتقدمين سابقا، و حسن الصيقل (5) عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: رجل ظاهر من امرأته فلم يكفر، قال: عليه الكفارة من قبل أن يتماسا، قلت: فإنه أتاها قبل أن يكفر، قال:

بئسما صنع، قلت: عليه شيء؟ قال: أساء و ظلم، قلت: فيلزمه شيء؟ قال: رقبة أيضا».

بل لم نجد في ذلك خلافا إلا من أبي علي في خصوص من كان تكفيره بالإطعام،

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(2) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

(3) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 6.

(5) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 5 «فلم يف» بدل «فلم يكفر» كما في الاستبصار ج 3 ص 262 و 265 و التهذيب ج 8 ص 14 و 18.

135

فلم يوجب تقدمه على المس و لا تكريره به، كما هو ظاهر عبارته المحكية عنه و إن كانت لا تخلو من سماجة، و من هنا حكى بعضهم عنه عدم وجوب التعدد بالوطء الأول مطلقا، و لكن ما ذكرناه هو مقتضى التدبر فيها محتجا بإطلاق الآية فيه، بخلاف العتق و الصيام.

و استدل له في المسالك بخبري (1) زرارة السابقين المشتملين على التكفير بعد المواقعة، و قد عرفت الحال فيهما، و ب

حسن الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات، قال: يكفر ثلاث مرات، قلت: فان واقع قبل أن يكفر قال: يستغفر الله و يمسك حتى يكفر»

و خبر زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن الرجل إذا ظاهر من امرأته ثم يمسها قبل أن يكفر فإنما عليه كفارة واحدة، و يكف عنها حتى يكفر»

و ما تقدم من خبر سلمة بن صخر (4) و أمر النبي (صلى الله عليه و آله) له بكفارة واحدة، مع أنه واقع بعد الظهار قبل التكفير،

و المرسل (5) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، قال: كفارة واحدة».

و من هنا قال فيها: «و يمكن على هذا حمل الأخبار (6) الواردة بتعدد الكفارة على الاستحباب جمعا بين الأخبار، و مع أن في تينك الروايتين رائحة الاستحباب، لأنه (عليه السلام) لم يصرح بأن عليه كفارة أخرى إلا بعد مراجعات و عدول عن الجواب، كما لا يخفى- إلى أن قال-: قول ابن الجنيد لا يخلو من

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 2 و 5.

(2) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 13- من كتاب الظهار الحديث 2 و ذيله في الباب- 15- منه الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 9.

(4) سنن البيهقي ج 7 ص 386.

(5) سنن البيهقي ج 7 ص 386.

(6) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار.

136

قوة، و فيه جمع بين الأخبار» و تبعه على ذلك في الجملة في كشف اللثام، فإنه بعد أن حكى قول ابن الجنيد قال: «و يؤيده أن أكثر الأخبار إنما أوجب عليه رقبة ثانية» ثم ذكر بعض النصوص التي سمعتها.

لكن لا يخفى عليك أن هذا من الاعوجاج في الفقه، نسأل الله تعالى العافية منه، ضرورة أن هذا القول الشاذ- الذي يمكن القطع بفساده و لو بملاحظة استقرار الكلمة على خلافه في الأعصار المتعاقبة- فيه أن من المعلوم كون ترك التقييد في الإطعام لكونه بدلا عنهما، فما القيد فيهما إلا قيد فيه، و كذا من المعلوم مرجوحية النصوص المزبورة بالنسبة إلى تلك النصوص من وجوه يكفي أحدها في عدم المكافئة التي تحتاج إلى الجمع المزبور الذي هو مع ذلك بلا شاهد.

بل قد عرفت الاحتمالات في خبري زرارة (1) كما أن غيرهما من النصوص لا صراحة فيه، بل و لا ظهور بخصوص المحكي عن ابن الجنيد الذي هو موافق للأصحاب في خصوص العتق و الصيام، بل ما فيه من الأمر بالاستغفار و الكف (2) و نحوهما مما ينافي قول ابن الجنيد الذي مبناه عدم وجوب تقديم الإطعام على المس و عدم تكرره بتكرره، فهي حينئذ من قسم المأول الخارج عن الحجية.

مع أنه ليس بأولى من حملها على صورة الجهل و النسيان المصرح بها في المسالك و كشف اللثام و غيرهما و المحكي عن الشيخ اللذين أولهما مبنى أمر النبي (صلى الله عليه و آله) سلمة بن صخر (3) بالكفارة الواحدة و كذا الرجل من بنى النجار (4) بل لعل ذلك أولى، لشهادة

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (5) له بخلاف الأول، قال: «الظهار لا يكون إلا على الحنث، فإذا حنث فليس له أن يواقعها حتى يكفر، فان جهل و فعل فإنما عليه كفارة واحدة»

المؤيد

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار الحديث 2 و 5.

(2) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 2 و 3.

(3) سنن البيهقي ج 7 ص 386.

(4) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 7.

(5) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 8.

137

بخبر (1) رفع الخطأ و النسيان و غيره، مضافا إلى ظهور النصوص (2) الموجبة في العامد و من ذلك يتجه إلحاق الناسي بالجاهل المصرح به في الصحيح المزبور (3).

و كيف كان ف لو كرر الوطء تكررت الكفارة وفاقا للمشهور، بل لا خلاف معتد به أجده فيه، لصدق الوطء قبل التكفير على كل منها، و قد عرفت ظهور الأدلة في كونه سببا للتكفير، و الأصل عدم التداخل، مضافا إلى

خبر أبى بصير (4) عن الصادق (عليه السلام) «إذا وقع المرة الثانية قبل أن يكفر فعليه كفارة أخرى»

و ليس في هذا اختلاف.

فما عن ابن حمزة- من أنه إن كفر عن الوطء الأول لزمه التكفير عن الثاني و إلا فلا، لأن الأخبار الموجبة لكفارة اخرى للوطء تشمل الوطء الواحد و المتعدد، و الأصل البراءة من التكرير، فإذا وطأ مرات قبل التكفير لم يكن عليه سوى كفارة أخرى، و أما إذا كفر عن الأول فإذا وطأ ثانيا صدق عليه أنه وطأ قبل التكفير، فلزمه كفارة أخرى، و حسن أبى بصير ليس نصا في إيجاب التكرار مطلقا، و في كشف اللثام «و هو قوي»- لا ريب في ضعفه، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص أو في حكم النص.

نعم الظاهر أنه لا كفارة عليه فيما لو فرض حصول وطئه ثانيا بعد تكفيره عن السبب الأول، لعدم صدق الوطء قبل التكفير حينئذ، بناء على أن المراد به التكفير عن الظهار الذي هو قبل المس.

و لعله لذا جزم به في القواعد و شرحها للاصبهاني، نعم قالا: «لو وطأ ثانيا بعد أن أدى كفارة واحدة ناويا بها عن الوطء الأول بعينه أو عن أحدهما، أي الوطء الأول و الظهار لا على التعيين على إشكال في الثاني وجبت بالوطء الثاني

____________

(1) الوسائل الباب- 56- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 1 و 4 و 6.

(3) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 8.

(4) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار الحديث 1.

138

كفارة ثالثة» لصدق الوطء قبل التكفير عن الظهار الذي قد عرفت ظهور الأدلة في كونه سببا للكفارة حتى في الصورة الثانية، بناء على صحتها و انصرافها إلى التوزيع بينهما، لعدم حصول تمام كفارة الظهار حينئذ، فيكون كما لو وطأ في أثناء كفارته في أنه يصدق عليه أنه وطأ قبل أن يكفر.

اللهم إلا أن يقال: إن المتيقن منه قبل الشروع في الكفارة، لكنه كما ترى، ضرورة كون الكفارة اسما للمجموع، نعم لو قيل في الفرض إنه تقع الكفارة لواحد منهما لا بعينه أمكن القول حينئذ بعدم الحكم بصدق الوطء قبل التكفير، و الأصل براءة الذمة، فتأمل جيدا.

[المسألة الثالثة إذا طلقها رجعيا ثم راجعها لم تحل له حتى يكفر]

المسألة الثالثة:

إذا طلقها رجعيا ثم راجعها لم تحل له حتى يكفر بلا خلاف أجده فيه، لأنها حينئذ بحكم الزوجة، نعم ليس مجرد رجوعه بها موجبا للكفارة بل هي على حالها السابق الذي قد عرفت اعتبار العود بالظهار في وجوب الكفارة فيه، و الرجوع بها أعم من العود الذي قد عرفته، و مرسل النميري (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «رجل ظاهر ثم طلق، قال: سقطت عنه الكفارة إذا طلق قبل أن يعاود المجامعة، قيل: فإنه راجعها، قال: إن كان إنما طلقها لإسقاط الكفارة عنه ثم راجعها فالكفارة لازمة له أبدا إذا عاود المجامعة، و إن كان طلقها و هو لا ينوي شيئا من ذلك فلا بأس أن يراجع، و لا كفارة عليه»

مع سقوطه عن الحجية قاصر عن المعارضة من وجوه، و لذا لم أجد عاملا به.

و لو خرجت من العدة ثم تزوجها و وطأها فلا كفارة فضلا عما قبل الوطء وفاقا للمشهور، للأصل السالم عن معارضة الأدلة السابقة بعد ظهورها في أن الموجب لها العود و الوطء بالسبب الأول الذي وقع الظهار عليه لا مطلقا حتى

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار الحديث 6.

139

لو استباحها بسبب جديد، كما صرح بذلك كله في خبر يزيد بن معاوية (1) على ما عن الفقيه و يزيد الكناسي على ما عن غيره المنجبر بما عرفت إن كان في سنده شيء، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها تطليقة، فقال: إذا طلقها هو تطليقة فقد بطل الظهار، و هدم الطلاق الظهار، فقلت له:

فله أن يراجعها؟ قال: نعم هي امرأته، فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسا، قلت: فان تركها حتى يحل أجلها و تملك نفسها ثم تزوجها بعد ذلك هل يلزمه الظهار من قبل أن يمسها؟ قال: لا، قد بانت منه و ملكت نفسها»

مؤيدا بالنصوص (2) المستفيضة الدالة على سقوط الكفارة عنه بالطلاق.

و من ذلك يعلم الوجه فيما ذكره المصنف و غيره بقوله و كذا لو طلقها بائنا و تزوجها في العدة و وطأها ضرورة أنها بالطلاق البائن قد ملكت نفسها و انقطع حكم السبب الأول الذي وقع عليه الظهار، و إنما استحل نكاحها بعقد جديد، خلافا لسلار و أبي الصلاح فأوجبا حكم الظهار، و لو بالتزويج بعد عدة البائنة لإطلاق الآية (3) الذي هو مع الإغضاء عن تقييده بما سمعت منساق إلى العود بذلك السبب لا مطلقا، و ل

حسن علي بن جعفر (4) عن أخيه (عليه السلام) سأله «عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها بعد ذلك بشهر أو شهرين فتزوجت، ثم طلقها الذي تزوجها فراجعها الأول، هل عليه فيها الكفارة للظهار الأول؟ قال: نعم عتق رقبة أو صوم أو صدقة»

القاصر عن معارضة ما سمعت بمخالفة الشهرة و موافقة العامة و غير ذلك، فلا بأس بحمله على الندب.

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار الحديث 2 عن بريد بن معاوية كما في الفقيه ج 3 ص 342.

(2) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار.

(3) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

(4) الوسائل الباب- 10- من كتاب الظهار الحديث 9.

140

و أما المناقشة في متنه- باحتمال فساده، لأنه عقب تزويجها بعد طلاقها بشهر أو شهرين، فيكون قد وقع في العدة، بل عقب التزويج فيه بالفاء المقتضية للفورية المستلزمة لعدم الخروج من العدة، بل قوله أخيرا «فراجعها الأول» و لم يقل «تزوجها» مشعر بذلك أيضا- فلا يخفى عليك ما فيها، بل أطنب في المسالك في ردها، و لكن لا حاجة إليه بعد ما عرفت.

و كذا لا كفارة قطعا لو ماتا أو مات أحدهما قبل العود بلا خلاف و لا إشكال أو ارتدا أو أحدهما عن فطرة أو عن ملة قبل الدخول أو بعده إذا كان المرتد الرجل عن فطرة، حتى لو قلنا بقبول توبته على وجه يصح له تزويجه بامرأته، لكن هو حينئذ كالمطلق بائنا بل أعظم، و لو كان عن ملة أو كانت المرتدة الامرأة فهو بحكم الطلاق الرجعي، ضرورة الرجوع إلى الزوجة بالإسلام في العدة كما هو واضح، و يمكن كون إطلاق المصنف اتكالا على وضوحه، و للفرق بين الطلاق الرجعي و بينه بجعله سببا جديدا دون الطلاق، و الله العالم.

141

[المسألة الرابعة لو ظاهر من زوجته الأمة ثم ابتاعها فقد بطل العقد]

المسألة الرابعة:

لو ظاهر من زوجته الأمة ثم ابتاعها فقد بطل العقد كما عرفته في محله، و يتبعه بطلان حكم الظهار لما سمعته. و حينئذ لو وطأها بالملك الجديد لم يجب عليه الكفارة، للأصل و غيره مما عرفت، بل هو أقوى من تزويجها بعد طلاقها بائنا، لاختلاف جنس السبب فيه دونه. و لو ابتاعها من مولاها غير الزوج ففسخ نكاحه سقط حكم الظهار الذي كان قد تعلق به.

و حينئذ ف لو تزوجها الزوج بعقد مستأنف لم تجب الكفارة و كذا لو اشتراها منه.

و لو ظاهر السيد أمته المملوكة- بناء عليه- فباعها من غيره بطل حكم الظهار و إن اشتراها منه بعد ذلك، و أولى منه ما لو أعتقها ثم تزوجها.

و لو ظاهر غير زوجته الأمة المظاهرة أيضا و عاد ثم قال لمالكها: «أعتقها عن ظهاري» ففعل وقع عتقها عن كفارته و انفسخ النكاح بينهما، لأن إعتاقها عنه يتضمن تمليكه، و إذا ملك زوجته انفسخ نكاحه، و يتبعه بطلان ظهاره لها، فإذا أراد تزويجها لم يتعلق به حكم الظهار، لما عرفت، و كذا لو أعتقها باستدعائه عن كفارة أخرى. و لو ظاهر عن أمته المملوكة و عاد فأعتقها عن ظهاره جاز.

و كذا لو آلى عن زوجته الأمة و وطأها لزمته الكفارة، فقال لسيدها (1):

«أعتقها عن كفارتي» ففعل جاز و انفسخ النكاح كالظهار، و لو ظاهر من زوجته الذمية و عاد ثم نقضت المرأة العهد فاسترقت فملكها الزوج فأسلمت و أعتقها عن كفارة ظهاره أو غيرها جاز، و ذلك و غيره كله واضح بحمد الله تعالى.

____________

(1) في النسخة الأصلية المبيضة و المسودة «فقال سيدها» و الصحيح ما أثبتناه.

142

[المسألة الخامسة إذا قال أنت كظهر أمي إن شاء زيد فقال شئت وقع على القول بدخول الشرط في الظهار]

المسألة الخامسة:

إذا قال: «أنت كظهر أمي إن شاء زيد» فقال: «شئت» وقع على القول بدخول الشرط في الظهار و الإشكال بعدم العلم بمشيئته فإن قوله أعم من ذلك هين بعد معلومية إرادة المشيئة التي طريقها قوله، و لو لأنها شيء لا يعلم إلا من قبله، و كذا لو علقها على مشيئتها أو مشيئته غيرها أو المركب أو غير ذلك من وجوه التعليق، نعم لو قال المعلق على مشيئته: «شئت إن شاء زيد» مثلا لم يقع، لعدم قبول المشيئة التعليق.

و لو علقه على مشيئة صبي غير مميز لم يعقل مشيئته للظهار المتوقف على تعقله، أما المميز ففي المسالك «وجهان: من سلب عبارته شرعا، و إمكان مشيئته عقلا، و قبول خبره في نظائر ذلك» و فيه أنه لا إشكال فيه بعد فرض تحقق مشيئته، لعدم مدخلية عبارته هنا في صحة الظهار حتى يقال: إنها مسلوبة، بل لو علقها على مشيئة المجنون و كان يمكن تحقق ذلك منه صح و إن جزم هو بعدمه كغير المميز.

و لو علقه على مشيئتها فشائت باللفظ كارهة بالقلب وقع ظاهرا و في وقوعه باطنا بالنسبة إليها وجهان: من أنه تعليق بلفظ المشيئة، و لو كان بالباطن لكان إذا علق بمشيئة زيد لم يصدق زيد في حقها، من ظهور عدم الشرط و هو المشيئة عندها، و لا يخلو من نظر.

و لو قال: «إن شئت أو أبيت» فقضية اللفظ وقوعه بأحد الأمرين، نحو «إن قمت أو قعدت» اللهم إلا أن يظهر منه إرادة التنجيز.

و لو قال: إنشاء الله وقع إن قصد التبرك، و إلا لم يقع ظهار عندنا، لأنه لم يشأ المحرم، بل و عند الأشاعرة، للجهل بالشرط و إن جوزوا مشيئته له، و لو عكس فقال: «إن لم يشأ الله تعالى» وقع إن كان عدليا، للعلم بعدم مشيئته له،

143

و إن كان أشعريا ففي المسالك وجهان، أجودهما الوقوع مطلقا.

قلت: قد تقدم جملة من الكلام في ذلك سابقا، و لكن نقول هنا: إن كلامهم مبني على إرادة الاختيار من المشيئة، و لذا كان محالا تعلقها عندنا و عند المعتزلة بإيجاد القبيح بخلاف الأشاعرة، و على أنه لا يمكن أن يقع خلاف مشيئة الله، كما عن الأشاعرة على ما حكاه عنهم في الإيضاح قال: «و جوزه المعتزلة و الإمامية» قلت: و مقتضاه حينئذ أن المشيئة أمر آخر، و بالجملة هذه المسألة كلامية و إن ذكرها الفقهاء على المتعارف منها.

[المسألة السادسة لو ظاهر من أربع بلفظ واحد كان عليه عن كل واحدة كفارة]

المسألة السادسة:

لو ظاهر من أربع بلفظ واحد لا بأربع ألفاظ فإنه لا خلاف حينئذ في تعدد الكفارة، و لكن قال: «أنتن علي كظهر أمي» كان مظاهرا منهن بلا خلاف أجده، بل في المسالك و كشف اللثام الإجماع عليه، فان فارقهن بما يرفع الكفارة من طلاق و نحوه فلا إشكال، و إن عاد إليهن أجمع فالمشهور أن عليه عن كل واحدة كفارة بل عن الخلاف الإجماع عليه، لصدق الظهار عن كل واحدة مع العود إليها و إن اتحدت الصيغة، و ل

حسن حفص بن البختري (1) عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) «في رجل كان له عشر جوار فظاهر منهن كلهن جميعا بكلام واحد، فقال: عليه عشر كفارات»

و خبر صفوان (2) قال: «سأل الحسين بن مهران أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل ظاهر من أربع نسوة، فقال: يكفر لكل واحدة كفارة، و سألته عن رجل ظاهر من امرأته و جاريته ما عليه؟ قال: عليه لكل واحدة كفارة».

خلافا لأبي علي، فكفارة واحدة، لاتحاد الصيغة كاليمين، و ل

خبر غياث بن إبراهيم (3) عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «في رجل ظاهر من أربع نسوة،

____________

(1) الوسائل الباب- 14- من كتاب الظهار الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 14- من كتاب الظهار الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 14- من كتاب الظهار الحديث 3.

144

قال: عليه كفارة واحدة».

و فيه منع التلازم بين اتحاد الصيغة و تعدد الظهار الذي هو الأثر الحاصل منها لا نفسها، كما حققناه في محله، و بذلك ظهر الفرق بينه و بين اليمين الذي لا إشكال في أنه اسم للعبارة المخصوصة اتحد متعلقها أو تعدد، و لا ينافي ذلك حكمهم باتحاد البيع الواقع على أعيان متعددة، و لذا لو ظهر عيب في بعضها كان له فسخ العقد من أصله أو أرش المعيب، و ليس له رد المعيب نفسه خاصة، لإمكان الفرق بينهما بصحة بيع المجموع من حيث هو كذلك على وجه يكون كل واحد من الأعيان جزء المبيع، بخلاف المقام الذي لا يصح فيه ظهار المجموع كطلاقه، و من هنا اتضح لك كون الظهار بالطلاق أشبه منه باليمين، و أما الخبر المزبور فهو فاقد شرائط الحجية، فلا يصلح معارضا للحسن الأول المعتضد بها، و لو عاد إلى بعضهن دون بعض فعلى المختار تجب الكفارة بعدد من حصل فيها العود، و على القول الآخر تجب الواحدة و لو بالعود إلى الواحدة مع احتمال العدم أصلا، كما لو حلف أن لا يكلم جماعة بناء على أنه لا يلزمه الكفارة بتكليم بعضهم.

و لو ظاهر من واحدة مرارا و عاد لما قال بعد كل ظهار أو لم يعد بعد كل ظهار بل عاد بعد الأخير وجبت عليه بكل مرة كفارة وفاقا للأكثر، لظهور الأدلة في سببية كل منها، و الأصل تعدد المسبب بتعدد السبب، سواء فرق الظهار عن الآخر بأن حصل التراخي بينهما أو وقع في مجلس غير مجلس الأول أو تابعه و إن حكى عن المبسوط نفي الخلاف عن التعدد في صورة التفريق، و سواء اتحد المشبه به أو تعدد، و سواء تخلل التكفير أو الوطء أو لا، بل سواء قصد التأكيد بالثاني و الثالث مثلا أو لا و إن حكى عن الشيخ في المبسوط أنه نفى الخلاف عن الوحدة إذا نوى التأكيد، بل ظاهر الفخر في الإيضاح أن محل الخلاف في غير صورة التأكيد، و يقرب منه ما في كشف اللثام، و لكن لم نتحققه، بل لعل مقتضى إطلاق المتن و القواعد و النافع و محكي الجامع و ابن أبي عقيل و ابن زهرة و ابن إدريس

145

عدم الفرق، و لعله لذا صرح في محكي المختلف بعدم الفرق.

و دعوى صدق اتحاد الظهار مع نية التأكيد لا تعدده ممنوعة، ضرورة أن المؤكد غير المؤكد، و إطلاق أدلة الظهار تقتضي ترتب الكفارة على مسماه مع العود، و هو متحقق في المقصود به التأكيد، مضافا إلى إطلاق

صحيح ابن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) «سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر ما عليه؟ قال:

عليه مكان كل مرة كفارة»

و صحيحه الآخر (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر، فقال: قال علي (عليه السلام): مكان كل مرة كفارة»

الحديث.

و صحيح الحلبي (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات، قال: يكفر ثلاث مرات»

و خبر جميل (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «فيمن ظاهر من امرأته خمس عشرة مرة، قال: عليه خمس عشر كفارة».

فما عن المبسوط-: من أنه «إن والى و نوى التأكيد أو أطلق لم يلزمه أكثر من كفارة، و إن نوى الاستئناف أو فرق تعددت، تخلل التكفير أو لا» و نحوه عن الوسيلة صريحا و الخلاف مفهوما فإنه حكم بالتعدد إذا نوى الاستئناف لكن لم يفرق فيه بين التوالي و التفريق، و لعله إليه أشار المصنف بقوله و من فقهائنا من فصل واضح الضعف لما عرفت خصوصا في صورة الإطلاق، و إن استدل له- مضافا إلى ما سمعت- بالأصل المقطوع بما عرفت، و خبر عبد الرحمن ابن الحجاج (5) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل ظاهر من امرأته أربع مرات، في مجلس واحد، قال: عليه كفارة واحدة»

القاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، فلا بأس بطرحه أو حمله كما عن الشيخ على الاتحاد في الجنس و إن بعد أو على إرادة الظهار أربعا بلفظ واحد أو غير ذلك.

هذا و في المسالك «أنه يظهر من قول المصنف: «و من فقهائنا» إلى آخره

____________

(1) الوسائل الباب- 13- من كتاب الظهار الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 13- من كتاب الظهار الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 13- من كتاب الظهار الحديث 2.

(4) الوسائل الباب- 13- من كتاب الظهار الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 13- من كتاب الظهار الحديث 6.

146

أن منهم من فرق بين ما لو تابع و فرق، فحكم بالتعدد في الثاني دون الأول، و في رواية ابن الحجاج ما يرشد إليه، لأنه حكم بالاتحاد مع اتحاد المجلس، و تلك الأخبار الدالة على التعدد مطلقة، فتحمل على اختلاف المجلس جمعا بين الأخبار، و هذا قول موجه بالنسبة إلى دلالة الأخبار، و طريق الجمع بينها، إلا أنا لم نقف على القائل به من أصحابنا، نعم نقله الشيخ في المبسوط عن بعضهم، و مقتضى طريقته أنه من العامة لا من أصحابنا».

و فيه أنه مع قطع النظر عن ذلك قاصر عن تقييد تلك المطلقات المعتضدة بالعمل و بقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، و (دعوى) عدم تعدد السبب الذي هو الظهار و العود الذي قد تقدم كون المراد منه الإرادة المتعقبة للوطء، و هو غير متكرر و إن تكرر الظهار، سواء تخلل العود بين الظهارات أو وقع آخرا، لأن المتخلل بعد فرض الرجوع عنه بالظهار المتعقب له لم يكن تتمة السبب، بناء على المختار من كون العود إرادة الوطء مستمرة إلى تمام التكفير حتى تحصل استباحة الوطء، و أما الأخير فليس هو إلا عود واحد (يدفعها) أن إرادة الوطء المتأخرة مع انضمامها إلى كل واحد من الظهارات المتكررة تصير سببا تاما في الوجوب، فيتعدد كما اعترف به في التنقيح.

و أضعف منه ما عن أبي علي من أنه إن اختلف المشبه به تعددت الكفارة، كأن قال: «أنت على كظهر أمي أنت علي كظهر أختي» لأنهما حرمتان انتهكهما، و إن اتحد اتحدت ما لم يتخلل التكفير، إذ هو مع منافاته لظاهر الأدلة لا شاهد له.

و كيف كان ف لو وطأها قبل التكفير عن الجميع كفر عن البعض أولا وجب عليه عن كل وطء كفارة واحدة لا أزيد، للأصل و غيره، و عن كل مرة بقيت اخرى كما هو واضح.

147

[المسألة السابعة إذا أطلق الظهار حرم عليه الوطء حتى يكفر]

المسألة السابعة:

إذا أطلق الظهار حرم عليه الوطء حتى يكفر بلا خلاف معتد به و لا إشكال، لما سمعته من الكتاب (1) و السنة (2) و الإجماع و لو علقه بشرط كما لو قال مثلا: «أنت علي كظهر أمي إن دخلت الدار أو كلمت زيدا» جاز الوطء ما لم يحصل الشرط لعدم تحقق الظهار المشروط به، فان دخلت أو كلمت زيدا وقع بعد الدخول و التكلم، سواء طال الزمان أو قصر. و حينئذ ف لو وطأ قبله لم يكفر للأصل و غيره و لو كان الوطء هو الشرط بأن قال: «أنت علي كظهر أمي إن وطأتك» ثبت الظهار بعد فعله كغيره من الشرائط و لا تستقر الكفارة حتى يعود إلى إرادة وطئها ثانيا على الوجه الذي قدمناه سابقا.

و قيل كما عن الصدوق و الشيخ في الفقيه و المقنع و الهداية و النهاية:

تجب الكفارة بنفس الوطء و إن كان ابتداؤه جائزا، لأن الاستمرار وطء ثان، و إنما المباح مسماه، فيجب حينئذ بما زاد على مسماه بالنزع أو غيره، و هو بعيد ضرورة أن الوطء أمر واحد عرفا من ابتدائه إلى النزع، و الإطلاق محمول على العرف، و المشروط إنما يقع بعد وقوع الشرط لا قبله، و استدامة الإفعال ليس أفعالا مستقلة كاستمرار القيام و الجلوس مثلا، نعم لو نزع كاملا ثم عاد وجبت الكفارة و إن كان في حالة واحدة، لصدق تعدد الوطء حينئذ، كما هو واضح.

بل في كشف اللثام «و عندي أن شيئا من عبارات تلك الكتب ليس نصا في ذلك، ففي الفقيه: و الظهار على وجهين: أحدهما أن يقول الرجل لامرأته: هي

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 3.

(2) الوسائل الباب- 15- من كتاب الظهار.

148

كظهر امه و يسكت، فعليه الكفارة من قبل أن يجامع، فان جامع من قبل أن يكفر لزمته كفارة أخرى، و إن قال: هي عليه كظهر امه إن فعل كذا و كذا فليس عليه شيء حتى يفعل ذلك الشيء و يجامع، فتلزمه الكفارة إذا فعل ما حلف عليه، و نحوه ما في المقنع و الهداية و في النهاية: ثم إنه ينقسم قسمين: قسم منه يجب فيه الكفارة قبل المواقعة، و الثاني لا تجب فيه الكفارة إلا بعد المواقعة، فالقسم الأول هو أنه إذا تلفظ بالظهار على ما قدمناه، و لا يعلقه على شرط، فإنه تجب عليه الكفارة قبل مواقعتها، فان واقعها قبل أن يكفر كان عليه كفارة أخرى، و الضرب الثاني لا تجب فيه الكفارة إلا بعد أن يفعل ما شرط أنه لا يفعله أو يواقعها، فمتى واقعها كانت عليه كفارة واحدة، فان كفر قبل أن يواقع ثم واقع لم يجزه ذلك عن الكفارة الواجبة بعد المواقعة، و كان عليه إعادتها، و متى فعل ما ذكر أنه لا يفعله وجبت عليه الكفارة أيضا قبل المواقعة، فإن واقعها بعد ذلك كان عليه كفارة أخرى- قال-: و الظاهر أن معنى هذه العبارات أن عليه الكفارة بعد المواقعة إذا عاد لما قاله، فارتفع الخلاف من البين». قلت: و على تقديره فلا ريب في ضعفه.

و لو علقه بنفي فعل كقوله: «إن لم تدخلي الدار» لم يقع إلا عند اليأس من الدخول بموت أحدهما قبله، فيحكم بوقوعه قبل الموت، و نحوه لو قال: «أنت على كظهر أمي إن لم أتزوج عليك» فإنه يصير مظاهرا عند اليأس بالموت، و لكن لا كفارة عليه، لعدم العود بعده، لأن الموت عقيب صيرورته مظاهرا.

نعم لو علق النفي بإذا بأن قال: «إذا لم تدخلي» ففي المسالك «وقع عند مضى زمان يمكن فيه إيقاع ذلك الفعل من وقت التعليق فلم يفعل و الفرق بين الأداتين أن «إن» حرف شرط لا إشعار له بالزمان، و «إذا» ظرف زمان كمتى في التناول للأوقات، فإذا قيل له: «متى ألقاك» صح أن يقول له: «متى شئت» أو «إذا شئت» و لا يصح «إن شئت» فقوله: «إن لم تدخلي الدار» معناه «أي

149

وقت فاتك دخولها» (1) و فواته بالموت، و قوله: «إذا لم تدخلي الدار» معناه «أي وقت فاتك الدخول» فيقع الظهار بمضي زمان يمكن فيه الدخول به، و يحتمل وقوعه في الموضعين بمضي زمان يمكن فيه الفعل، لدلالة العرف عليه، و يقوى الاحتمال مع انضباطه، و في معنى «إذا» «متى» و «أي وقت».».

قلت: قد يقال: إن المحتمل مساواة «إذا» لأن في العرف الان في هذا التركيب، فإنه لم يرد منها إلا معنى الشرطية الحاصلة بأن لا العكس، و فرق واضح فيه بينها و بين «متى» و «أى وقت» كما لا يخفى بأدنى التفات، و الأمر سهل بعد أن كان المدار على المفهوم عرفا منه.

و لو علقه بالحمل فقال: «أنت علي كظهر أمي إن كنت حاملا» فإن كان بها حمل ظاهر وقع في الحال، و إلا ففي المسالك «إن ولدت لأقل من ستة أشهر من التعليق بان وقوعه حين التعليق، لوجود الحمل حينئذ، و إن ولدت لأكثر من أقصى مدة الحمل أو بينهما و وطئت بعد التعليق و أمكن حدوثه به بأن كان بين الوضع و الوطء ستة أشهر فأكثر لم يقع، لتبين انتفاء الحمل في الأول، و احتمال حدوثه بعد التعليق في الثاني، و إن لم يطأها بعد التعليق بحيث يمكن حدوثه به ففي وقوعه وجهان: من احتمال حدوثه بغير الوطء كاستدخال المني، و الأصل عدم تقدمه، و من أن ذلك نادر، و الظاهر وجوده عند التعليق، و هذا هو الأقوى».

قلت: قد يقال: إن المدار على الحمل عرفا، و لا يتحقق صدقه بالولادة لدون الستة أشهر التي بها ينكشف استعداد النطفة للانعقاد الذي هو منشأ الحمل، كما قدمنا ذلك سابقا.

كما أنه قد يقال بعدم تحقق الحمل عرفا عند التعليق بالولادة بين الأدنى و الأقصى و إن لم يحصل وطء من الزوج، إذ الوطء حال النوم و غيره محتمل،

____________

(1) هكذا في النسختين المخطوطتين المبيضة و المسودة، و في المسالك «ان فاتك دخولها» و هو الصحيح.

150

و الأصول متعارضة، فلا يقين بإحراز صدق الحمل حال التعليق، و نفيها شرعا بالنسبة إلى إلحاق الولد و نحوه لا يقتضي نفيها بالنظر إلى صدق النسب العرفية، و الظهور الذي ذكره أقصاه الظن، و هو لا يجدى في تحقيق النسب إذا كانت عنوانا لحكم شرعي كما هو واضح.

و لو قال: «إن ولدت أنثى» فولدتها وقع حين تحقق الولادة، و لو قال:

«إن كنت حاملا بها» تبين بولادتها وقوعه حين التعلق و إن توقف ظهوره على الولادة، و تظهر الفائدة، في احتساب المدة من حينه لو كان قد وقته بمدة و في غير ذلك.

و لو علقه بالحيض فقال: «إن حضت حيضة» لم يقع حتى تنقضي أيام حيضها، و لو قال: «إن حضت» و اقتصر ففي المسالك «وقع إذا رأت دما محكوما بكونه حيضا إن كانت معتادة، فلو رأته في عادتها وقع برؤية الدم، و إلا فبمضي ثلاثة أيام، و على القول بحيضها برؤية الدم مطلقا أو مع ظنه يقع كذلك، و يحتمل توقفه على ثلاثة مطلقا، إذ به يتحقق أنه ليس بدم فساد، و الفرق بينه و بين العبادة و التحريم أن الظهار لا يقع إلا بيقين، و أحكام الحيض يثبت بالظاهر».

قلت: إذا كان المدار في الظهار على ذلك لم تجد الثلاثة و لا الرؤية في زمن العادة، ضرورة عدم حصول اليقين بذلك، و إن جرى عليه حكم الحيض بالنسبة إلى الأحكام الشرعية التي مرجعها إلى الموضوع الشرعي بخلاف التعليق العرفي المراد به الموضوع الواقعي، كما اعترف به. نعم قد يقال: إن المنصرف من نحو ذلك إرادة التعليق على الموضوع الشرعي، و حينئذ يتجه الاجتزاء به مطلقا.

و لو قال لها ذلك و هي حائض لم يقع إلا بحيضة مستأنفة، و في المسالك «و متى قالت: حضت فالقول قولها، بخلاف ما لو علقه على دخول الدار فقالت: دخلتها، فإنها تحتاج إلى البينة، و الفرق عسر إقامة البينة على الحيض، و غاية عسرها مشاهدة الدم، و ذلك لا يعرف إذا لم يعرف عادتها و أدوارها، فلعله دم فساد، فاكتفى