جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج33

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
345 /
201

لم تخرج مؤمنة فليس عليكم شيء»

و لكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط.

و كيف كان ف لا يجزئ الحمل و إن كان أبواه مسلمين و انفصل بعد ذلك حيا بلا خلاف أجده فيه، لأصالة الشغل السالمة عن معارضة إطلاق الأدلة المنصرف إلى غيره و إن كان هو بحكم المسلم حتى أن الجاني عليه يضمنه كالمسلم على تقدير موته بعد انفصاله حيا، لكن لا يلحقه في الشرع حكم الأحياء حملا، و لذا لا تجب فطرته، و للعامة وجه بالاجتزاء إن انفصل لما دون ستة أشهر.

و إذا بلغ المملوك أخرس و أبواه كافران فأسلم بالإشارة القائمة مقام لفظه بعد بلوغه حكم بإسلامه و أجزأ بلا خلاف أجده فيه و لا إشكال بعد ملاحظة ما دل (1) على قيامها مقام اللفظ في العبادة و غيرها، و قد

روي (2) هنا «أن رجلا جاء إلى النبي (صلى الله عليه و آله) و معه جارية أعجمية أو خرساء، فقال: يا رسول الله على عتق رقبة فهل تجزئ عني هذه؟ فقال (صلى الله عليه و آله): أين الله تعالى؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال (صلى الله عليه و آله): من أنا؟ فأشارت إلى أنه رسول الله، فقال (صلى الله عليه و آله) له: أعتقها فإنها مؤمنة».

و لا يفتقر مع وصف الإسلام في الإجزاء إلى الصلاة كما عن بعض العامة، و ربما حمل على ما إذا لم تكن الإشارة مفهمة.

و يكفي في الإسلام عندنا الإقرار بالشهادتين بل و الايمان بمعنى التصديق إلا أن يعلم خلافه و لا يشترط مع ذلك التبري مما عدا الإسلام لإطلاق الأدلة و السيرة المستمرة من زمانه (صلى الله عليه و آله) إلى يومنا هذا، نعم عن العامة قول بذلك، و آخر باشتراطه إن كان ممن يعتقد رسالته (صلى الله عليه و آله) في الجملة، كقوم من اليهود يزعمون أنه رسول العرب خاصة، و اخرى أنه سيبعث، بل عن الشيخ في المبسوط اختياره، و منهم من قال: من أتى بالشهادتين بما يخالف اعتقاده حكم بإسلامه، فالوثني و المعطل إذا شهد بالتوحيد حكم بإسلامه، و منهم من

____________

(1) الوسائل الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) سنن البيهقي ج 7 ص 388 و فيه «أتى بجارية سوداء».

202

اكتفى بالإسلام بالإقرار بصلاة توافق ملتنا أو حكم يختص بشيء، و الجميع كما ترى.

و لا يحكم بإسلام المسبي من أطفال الكفار سواء كان معه أبواه الكافران أو انفرد به السابي المسلم وفاقا للمشهور بين الأصحاب سيما المتأخرين كما في المسالك، لعدم الدليل عليها، بل هو على خلافها، ضرورة بقائه على حكم التبعية قبل السبي، خصوصا إذا كان معه أبواه، نعم قد يقال بانقطاعها بالنسبة إلى الطهارة في صورة انفراده عنهما، للأصل الذي يكفي فيه الشك في بقاء حكم التبعية السابقة، مضافا إلى السيرة، و من هنا فصل بعضهم بينها و بين العتق مثلا، فأجرى عليه حكم المسلم في الأول بخلاف الثاني، و اختاره في المسالك.

اللهم إلا أن يقال: إنها متحققة فيها في غيرها من العتق و الصلاة و دفنه في قبور المسلمين و غير ذلك، و ربما كان في إطلاق ما سمعته من النصوص (1) الآمرة بعتق الأولاد شهادة على ذلك.

مضافا إلى نصوص الفطرة (2) بناء على أن معناها الولادة على الإسلام، إلا أن الأبوين يهودانه و ينصرانه بذكر التقريبات له، و تربيته على ذلك، أو أن معناها الولادة على الإسلام إلا أن أبويه يهودانه مثلا بالتبعية له و التربية عنده، فمتى انقطعت عاد إلى حكم مقتضى الفطرة، و مقتضاها الحكم بإسلام المتولد منهم بموتهما عنه و بقاؤه منفردا لولا الإجماع، و ربما كان أيضا في

خبر السكوني (3) دلالة على المطلوب أيضا، لقوله: «و النسمة التي لا نعلم إلا ما قلته و هي صغيرة».

و لعله لذلك و غيره كان خيرة الدروس ذلك، و هو لا يخلو من قوة، و قد تقدم

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من أبواب الكفارات الحديث.

(2) الكافي ج 2 ص 12 و الوسائل الباب- 48- من أبواب جهاد العدو الحديث 3 و البحار ج 67 ص 130.

(3) الوسائل الباب- 7- من أبواب الكفارات الحديث 8.

203

بعض الكلام في المسألة سابقا، و تمامه في كتاب الجهاد (1).

و لو أسلم المراهق المميز لم يحكم بإسلامه لإطلاق ما دل على (2) سلب عبارته مؤيدا بما سمعته من النصوص (3) التي ذكرناها للإسكافي المشتملة على اعتبار البلوغ لتحقق الايمان، و لكن مع ذلك قال المصنف على تردد و لعله لاعتبار عبارته في الوصية و غيرها مما تقدم سابقا، و الإسلام أولى منها بذلك.

و فيه أنه لا يخرج عن القياس الممنوع عندنا، نحو التعليل بأن الإسلام يتعدى من فعل الأب إليه على تقدير كون أحد أبويه مؤمنا، فمباشرته للايمان مع عدم أبويه أقوى، و إطلاق ما دل (4) على حصول الإسلام بقول الشهادتين إنما هو لبيان عدم الحاجة إلى قول آخر غير قولهما، نحو إطلاق «كل عقد و إيقاع» المعلوم تقييده بصحة العبارة.

نعم هل يفرق بينه و بين أبويه؟ قيل: نعم صونا له أن يستزلاه عن عزمه و إن كان بحكم الكافر و إن كان لا يخفى عليك عدم صلاحية ذلك لإثبات الوجوب على وجه ينقطع به حكم ذمة الوالدين لو كان ذميا مثلا.

هذا و في المسالك «و ينبغي القول بتبعيته حينئذ للمسلم في الطهارة إن لم نقل بإسلامه، حذرا من الحرج و الضرر اللاحقين بمن يحفظه من المسلمين إلى أن يبلغ، إذ لو بقي محكوما بنجاسته لم يرغب في أخذه، لاقتضائه المباشرة غالبا، و ليس للقائلين بطهارة المسبي دليلا و وجها بخصوصها دون باقي أحكام الإسلام سوى ما ذكرناه و نحوه» و هو كما ترى أيضا، خصوصا عدم الفرق بينه و بين المسبي.

____________

(1) ج 21 ص 134 الى 140.

(2) الوسائل الباب- 2- من كتاب الحجر و الباب- 32- من مقدمات الطلاق من كتاب الطلاق.

(3) الوسائل الباب- 7- من أبواب الكفارات.

(4) الكافي ج 2 ص 25.

204

[الثاني السلامة من العيوب]

الوصف الثاني:

السلامة من العيوب المسببة عتقه بلا خلاف و لا إشكال فلا يجزئ الأعمى و لا الأجذم و لا المقعد و لا المنكل به، لتحقق العتق بحصول هذه الأسباب فلا يحصل التحرير المأمور به في الكفارة، و في الموثق (1) عن الباقر (عليه السلام) «لا يجزئ الأعمى في الرقبة، و يجزئ ما كان منه مثل الأقطع و الأشل و الأعرج و الأعور، و لا يجزئ المقعد»

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني (2): «في العبد الأعمى و الأجذم و المعتوه لا يجوز في الكفارات، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أعتقهم»

و في خبر أبي البختري (3) «لا يجوز في العتاق الأعمى و المقعد، و يجوز الأشل و الأعرج»

و في المحكي عن قرب الاسناد (4) «لا يجوز في العتاق الأعمى و المقعد»

و في خبر علي بن جعفر المروي عنه أيضا (5) سأل أخاه (عليه السلام) «عن رجل عليه عتق نسمة أ يجزئ عنه أن يعتق أعرج أو أشل؟ فقال: إن كان ممن تباع أجزأ عنه إلا أن يكون وقت على نفسه شيئا، فعليه ما وقت».

نعم لا خلاف معتد به و لا إشكال في إجزاء الناقص نقصانا لا يخل باكتسابه و لا ينقص ماليته، كقطع بعض أنامله و نقصان بعض أصابعه، بل الأقوى أنه يجزئ مع غير ذلك من العيوب المنقصة لماليته و المخلة باكتسابه كالأصم و الآخرس و من قطعت إحدى يديه أو إحدى رجليه لصدق الرقبة، بل عن الخلاف و المبسوط الإجماع عليه في الأعور، خلافا للمحكي عن المبسوط من أن مقطوع

____________

(1) الوسائل الباب- 27- من أبواب الكفارات الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 27- من أبواب الكفارات الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 27- من أبواب الكفارات الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 23- من كتاب العتق الحديث 5 و فيه «الاعمى و الأعور» و في البحار ج 104 ص 197

«الاعمى و الأعور و المقعد»

كما أشار الى هذا اللفظ في الوسائل نقلا عن الحميري في الباب- 27- من أبواب الكفارات الحديث 1.

(5) الوسائل الباب- 27- من أبواب الكفارات الحديث 4.

205

اليدين أو الرجلين أو اليد و الرجل من جانب واحد لا يجزئ بغير خلاف، مع أن المحكي عنه أيضا أنه قال بعد تفصيل مذاهب الناس في ذلك: «و الذي نقوله في هذا الباب الآفات التي ينعتق بها لا يجزئ معها، فأما من عدا هؤلاء فالظاهر أنه يجزؤه» و هو مخالف لما سمعته منه. و من ذلك يظهر ضعف المحكي من نفي الخلاف، بل قيل: إن المراد به بين الناس.

فما عن الإسكافي- من عدم إجزاء الناقص في الخلقة ببطلان الجارحة إذا لم يكن في البدن سواها، كالخصي و الأصم و الآخرس، دون الأشل من يد واحدة و الأقطع منها- شاذ ضعيف يمكن تحصيل الإجماع على خلافه.

و كذا يجزئ السقيم و إن بلغ به السقم إلى حد التلف للصدق المزبور، خلافا للمحكي عن المبسوط في المأيوس عن برئه، و لما عن العامة في الهرم العاجز عن الكسب.

و كذا من قدم للقتل دون من لم يقدم و إن وجب قتله، نعم في القواعد و لو أعتق من لا حياة له مستقرة فالأقرب عدم الاجزاء، و لعله لكونه بحكم الميت، كما ينبه عليه حكم الذبيحة، مع أن الأقوى خلافه في المقامين، كما هو محرر في محله.

نعم لو قطعت رجلاه لم يجز، لتحقق الإقعاد الموجب للعتق.

هذا و قد يقال: إن المراد مما في النصوص (1) عدم إجزاء ذوي هذه الأوصاف بالكفارة و لو كانوا مملوكين، كما لو فرض أنهم سبوا كذلك بناء على جواز سبيهم لإطلاق الأدلة، و يكون الوجه في اختصاص هذه الأوصاف أنها توجب العتق لو فرض عروضها على الملك، و هذا معنى

قوله (عليه السلام) (2) «لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أعتقهم»

بل يمكن حمل كلام الأصحاب على ذلك أيضا، بل و تعليلهم في غير صورة التنكيل، كل ذلك مع عدم تصور العتق للمعتوق حتى يجعل من شرائط الكفارة،

____________

(1) الوسائل الباب- 27- من أبواب الكفارات.

(2) الوسائل الباب- 27- من أبواب الكفارات الحديث 3.

206

فتأمل جيدا، و الله العالم.

و يجزئ ولد الزنا إذا بلغ و وصف الإسلام، لإطلاق الأدلة، بل عن المبسوط الإجماع عليه، و في خبر سعيد بن يسار (1) عن الصادق (عليه السلام) «لا بأس أن يعتق ولد الزنا»

و منعه قوم استسلافا لوصفه بالكفر أو لقصوره عن صفة الإيمان بل عن المرتضى و ابن إدريس الإجماع على ذلك و إن كان موهونا باعراض الأكثر عنه و الإجماع المحكي، و آية (2) «لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ» إلى آخره لا تشمله بعد وصفه الإسلام، بل و قبله بناء على ما عرفت من المراد منها سابقا، كما أن نفي الخير في ولد الزنا في النبوي (3) قال: «لا في لحمه و لا في دمه و لا في جلده- إلى أن قال- و لا في شيء منه»

مع عدم الجابر لا ينافي عتقه أيضا و لذا قال المصنف:

هو ضعيف.

نعم لا يجزئ ولد الزنا قبل البلوغ، لعدم التبعية فيه، كما جزم به في التنقيح و غيره، و إن حكمنا بطهارته للأصل الذي مقتضاه ذلك حتى لو كان بين كافرين فضلا عن أن يكون بين مسلم و كافر، كما حققنا جميع ذلك و غيره في محله.

لكن في الدروس هنا «يتحقق إسلام ولد الزنا بالمباشرة بعد البلوغ و بتبعية السابي و في تحققه بسبب الولادة من المسلم نظر، من انتفائه عنه شرعا، و من تولده عنه حقيقة، فلا يقصر عن السابي» و في شرح الصيمري «و هو المعتمد».

قلت: حكمه بجواز سبيه مستلزم للحكم بتبعيته، و لولاها أشكل استرقاقه، خصوصا بناء على بعض ما ذكر في تفسير

قوله (صلى الله عليه و آله) (4) «كل مولود يولد

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من كتاب العتق الحديث 1.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 267.

(3) الوسائل الباب- 14- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7 من كتاب النكاح و هو خبر زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام).

(4) الوسائل الباب- 48- من أبواب جهاد العدو الحديث 3 و الكافي ج 2 ص 13 و صحيح مسلم ج 8 ص 52 ط عام 1334.

207

على الفطرة»

إلى آخره إن يرد الولادة الشرعية، فلا معنى للنظر في تبعيته للمسلم، إذ لا فرق فيها بالنسبة إليهما.

نعم قد يقال: إن من المقطوع به عدم تبعيته للأبوين في الإسلام و الايمان، و منه ينبغي القطع أيضا بعدم تبعيته لهما في الكفر أيضا تنزيلا لما دل عليها على الولادة الشرعية، و لو ب

قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «لكل قوم نكاح»

المراد منه أن غيره يكون سفاحا، فلا نسب شرعي بينهما يقتضي التبعية.

اللهم إلا أن يقال بالفرق بين المسلم و الكافر إن ابن الزنا من الثاني أولى، لتبعيته له في الأحكام التي هي الاسترقاق و النجاسة و نحوهما، بخلافه من الثاني، فإن تبعيته له تقتضي شرفا له بالإسلام، و هو بعيد عن ذلك، لكونه شر الثلاثة (2).

و لكن ذلك كله مجرد اعتبار لا يصلح مدركا لحكم شرعي، و قد عرفت أن العمدة في دليل التبعية السيرة، و لا سيره في المقام، لعدم تحقق ولد الزنا المعلوم أنه كذلك بلا شبهة من الواطئ.

____________

(1) الوسائل الباب- 83- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 2 من كتاب النكاح.

(2) البحار ج 5 ص 285 ط الحديث. راجع سفينة البحار ج 1 ص 560. مادة «زنى» و سنن البيهقي ج 10 ص 57 و 58.

208

[الثالث أن يكون تام الملك]

الوصف الثالث:

أن يكون تام الملك فلا يجزئ المدبر ما لم ينقض تدبيره قبل العتق، كما عن الشيخ و ابني الجنيد و البراج، ل

حسن الحلبي أو صحيحه (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يجعل لعبده العتق إن حدث به حدث و على الرجل تحرير رقبة في كفارة يمين أو ظهار أ يجزئ عنه أن يعتق عبده ذلك في تلك الرقبة الواجبة؟

قال: لا»

و مضمر عبد الرحمن (2) «سألته عن رجل قال لعبده إن حدث بي حدث فهو حر و على الرجل تحرير رقبة في كفارة يمين أو ظهار إله أن يعتق عبده الذي جعل له العتق إن حدث به حدث في كفارة تلك اليمين؟ قال: لا يجوز»

الذي جعل له ذلك.

و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: يجزئ بل في المسالك نسبته إلى ابن إدريس و المتأخرين، بل في كشف الرموز عن الشيخ الإجماع عليه و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها جواز الرجوع بالوصية بالقول و بفعل المنافي، و قد استفاضت النصوص (3) بكون التدبير منها، فيجوز التصرف فيها بنحو البيع و العتق، بل

في الصحيحين (4) «هو مملوكه إن شاء باعه و إن شاء أمسكه حتى يموت، فإذا مات السيد يخرج من ثلثه»

بل عن الانتصار الإجماع على جواز بيعه كما هو مضمون كثير من النصوص (5) و لا ريب في أولوية العتق الذي هو

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من أبواب الكفارات الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 12- من كتاب التدبير الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 2- من كتاب التدبير.

(4) الوسائل الباب- 1- من كتاب التدبير الحديث 1 و الباب- 8- منه الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 1- من كتاب التدبير.

209

إحسان محض منه.

بل قد يقال: إن المراد من الصحيح عتق المدبر بعد موت سيده، كما في خبر إبراهيم الكرخي (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن هشام بن رزين سألني أن أسألك عن رجل جعل لعبده العتق إن حدث بسيده حدث الموت، فمات السيد و عليه تحرير رقبة واجبة في كفارة أ يجزئ عن الميت عتق العبد الذي كان السيد جعل له العتق بعد موته في تحرير الرقبة التي كانت على الميت؟ قال: لا»

و حينئذ يقرأ «يعتق» بالبناء للمجهول و أن السؤال في الثاني الاكتفاء بنفس التدبير في الكفارة، أو يحملان على أنه قد كان ذلك بطريق النذر و نحوه مما لا يجوز الرجوع به، هذا كله إذا لم ينقض تدبيره قبل العتق، و إلا جاز قولا واحدا، و الله العالم.

و لا المكاتب المطلق الذي أدى من كتابته شيئا بلا خلاف و لا إشكال، لحريته حينئذ بمقدار ما أدى.

نعم لو لم يؤد أو كان مشروطا قال الشيخ في الخلاف لا يجزئ، و لعله نظر إلى نقصان الرق، لتحقق الكتابة التي هي معاملة بين السيد و المملوك، و هي لازمة من قبل السيد، و قد خرج بها عن الملك خروجا متزلزلا حتى قيل:

إنها بيع العبد من نفسه، و الأصل لزوم العقد، و العتق يستلزم الملك، و بقاؤه في المكاتب غير معلوم، و من ثم لم تجب فطرته و لا نفقته و انتفت عنه لوازم الملك من المنع من التصرف و غيره و إن نهاه السيد، و الحجر عليه في بعض التصرفات مراعاة لوفاء الدين لا يقتضي كونه باقيا في الرق، و عوده إليه على تقدير العجز أمر متجدد، و قد بينا أن خروجه غير متيقن. و لذا مال إليه في محكي المختلف.

و لكن ظاهر كلامه في النهاية أنه يجزئ بل نسبه بعض إلى الأكثر، بل عن الحلي الإجماع عليه و لعله أشبه بأصول المذهب و قواعده

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من أبواب الكفارات الحديث 1 و فيه هشام بن أدين (أديم خ ل) و كذلك في الكافي ج 6 ص 194 و في التهذيب ج 8 ص 231 هشام بن أذينة.

210

من حيث تحقق الرق فيه و لذا جاز عتقه تبرعا إجماعا حكاه غير واحد، و ليس إلا لبقاء الرق المستصحب فيه إلى أن يثبت المزيل، و لا ثبوت قبل أداء المطلق شيئا من مال الكتابة و قبل أداء تمام المال في المشروط، و ثبوت المعاملة و وجوب الوفاء بها مسلم إلا أن ذلك لا يقتضي خروجه عن الرقية، و كونها بيعا للمملوك من نفسه غير صحيح عندنا فحينئذ هو باق على مقتضى إطلاق الأدلة المؤيدة ببعض ما تسمعه في المدبر.

و كذا يجزئ في الكفارة عتق الآبق إذا لم يعلم موته وفاقا للأكثر، بل عن الحلي الإجماع عليه، لأصالة بقائه حيا مؤيدة بالإجماع المزبور، و ما عن الحلي أيضا من نسبته إلى أخبار أصحابنا المتواترة و ب

صحيح أبي هاشم الجعفري (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قد أبق منه مملوكه يجوز أن يعتقه في كفارة الظهار، قال: لا بأس به ما لم يعرف منه موتا» و المراد من المعرفة العلم كما هو مقتضى الأصل، لكن عن الكافي الذي هو أضبط روايته «لا بأس ما علم أنه حي مرزوق»

و يمكن أن يريد العلم و لو بالاستصحاب، فلا مخالفة حينئذ بين النسختين، و على تقديرها فلا ريب في رجحان الأولى بما عرفت.

فما عن الشيخ في الخلاف من تقييد الجواز بالعلم بالحياة إن أراد ما ذكرناه فمرحبا بالوفاق، و إلا فهو واضح الضعف لما عرفت.

و دعوى معارضة أصالة البقاء بأصالة الشغل واضحة الفساد بمعلومية ورود الأولى على الثانية، خصوصا مع ملاحظة جريان أحكام البقاء في نظائره من الموضوعات.

و كذا ما عن المختلف من أنه استوجه الرجوع فيه إلى الظن، فيصح عتقه مع ظن حياته، و يبطل مع ظن وفاته أو اشتباه الحال و إن تبعه في التنقيح، على أنه لا دليل على اعتبار الظن هنا، فلا وجه لتخصيص أدلة المنع و الجواز مع

____________

(1) الوسائل الباب- 48- من كتاب العتق الحديث 1.

211

عمومها للصورتين.

و أضعف من ذلك كله ما عن بعض الشافعية من أنه لا يصح عتقه في الكفارة مطلقا لدعوى نقصان الملك الممنوعة على مدعيها، على أنه ليس في شيء من النصوص اعتبار تمامية الملك كي يكون عنوانا للحكم، و إنما عبر بها بعض الأصحاب لإرادة البحث عن هذه الأفراد، و حينئذ فالمغصوب كالآبق في الإجزاء لما عرفت، و الله العالم.

و كذا تجزئ المستولدة لتحقق رقيتها سواء مات ولدها أو لا، بل الإجماع بقسميه عليه في الأول، و بلا خلاف إلا من الإسكافي في الثاني، لإطلاق الأدلة المؤيد بخصوص

الخبر (1) عن زين العابدين (عليه السلام) «أم الولد تجزئ في الظهار»

المتمم بعدم القول بالفصل، و امتناع بيعها لا ينافي بقاء الملك الكافي في صحة العتق، على أنه يصح بيعها في الجملة إجماعا، بل قيل: و عتقها تبرعا، فما عن قول للعامة- من عدم جواز عتقها لنقصان ملكها و لذا لا يجوز بيعها- واضح الفساد، خصوصا بعد ما عرفت من عدم ذكر التمامية عنوانا للحكم في شيء من الأدلة، بل مما ذكرنا يظهر لك أيضا إجزاء عتق الموصى بخدمته على التأبيد، لإطلاق الأدلة أيضا و إن حكي أن للعامة فيه قولين.

و لو أعتق نصفين من عبدين مشتركين مثلا على وجه لا سراية فيه إلى البعضين لم يجز، إذ لا يسمى ذلك عتق نسمة حقيقة و لا رقبة، فلا امتثال، خلافا لبعض العامة، فيجزئ، تنزيلا للاشقاص منزلة الأشخاص كما في الزكاة، و لاخر منهم، فيجزئ إن كان الشقص الآخر الباقي حرا و إلا فلا، لإفادة الأول (2) الإعتاق الاستقلالي و التخلص من الرق، و هو مقصود من الإعتاق، و الجميع كما ترى لا ينطبق شيء منها على أصولنا، كما هو واضح.

و لو أعتق شقصا من عبد مشترك نفذ العتق في نصيبه، فان نوى الكفارة

____________

(1) الوسائل الباب- 26- من أبواب الكفارات الحديث 1.

(2) هكذا في النسخة الأصلية و الظاهر زيادة كلمة «الأول».

212

و هو موسر أجزأ إن قلنا: إنه ينعتق بنفس إعتاق الشقص أو أوقفناه على الدفع على وجه الكشف فدفع، وفاقا للمشهور على ما في المسالك، لصدق إعتاقه الرقبة في الكفارة حينئذ و لو بسبب عتقه الشقص المقتضي للسراية في الباقي على حسب ما نوى به الأول، و الفرض نية الكفارة بذلك بل لا فرق في الإجزاء على هذا بين أن يقصد العتق لجميع العبد بطريق السراية و بين أن يقصده لنصيبه، لحصول العتق بالسراية في الحالين، بناء على أن معناها اتباع الشارع الباقي على حسب ما وقع عليه الأول.

لكن في المسالك «يحتمل قويا اشتراط نية العتق لجميعه، لأنه مأمور بإعتاق رقبة بالنية، فلا يكفي نية نصيبه و إن تبعه الباقي بحكم الشرع، فان ذلك غير كاف في صرفه إلى الكفارة» و فيه أنه مأمور بعتق الرقبة التي لكيفيتها طريقان: أحدهما قصد عتقها أجمع و الآخر قصد الشقص المسبب لعتق الجميع، سواء لاحظ السراية أو لا، بل هو في الحقيقة نية للجميع، لأن قصد السبب قصد لما يترتب عليه.

خلافا لأبي على في أصل المسألة فلم يجتز بالعتق المزبور، معللا له بأن عتق الباقي يقع قهرا، فيلزم بالقيمة، و لا يجزئ عن الكفارة و إن قصدها، و هو كما ترى، خصوصا مع قصده عتق الجميع، و القهرية المزبورة لا تنافي كونها مختارة له مع قصد سببها، بل قد عرفت أن مقتضى السراية و التبعية كون الباقي على حكم الأول شرعا و إن لم يقصده، فتأمل.

و إن قلنا: إنه لا ينعتق إلا بأداء قيمة حصة الشريك على وجه يكون ذلك تمام السبب فهل يجزئ عند أدائها؟ قيل: نعم، لتحقق عتق الرقبة و إن توقف على الأداء في البعض.

و لكن في المتن و تبعه عليه غيره فيه تردد، منشأه مما عرفت و من تحقق عتق الشقص أخيرا بسبب بذل العوض لا بالإعتاق و فيه أن بذل العوض كان متمما للسبب الذي وقع باختياره مقصودا به عن الكفارة، فهو في الحقيقة

213

قد أعتق الكل عنها و إن كان قد تم العتق في البعض، و في الآخر حين الدفع، و ربما يقارنه لو فرض كون الأداء بجعل ماله في ذمته عوضا عن ذلك.

بل لعل الأقوى عدم الاحتياج إلى تجديد النية عند الأداء كما عن المبسوط، لأنها اقترنت بالعتق الذي كان حصوله على ترتب و تدرج، و ليس هو عتقا جديدا حاصلا بالأداء، فما في المسالك- من احتمال التجديد لتقترن النية بعتق نصيب الشريك كما اقترنت بعتق نصيبه- واضح الضعف ثم قال: «و لو نوى في الحال صرف العتق في نصيبه إلى الكفارة و نوى عند أداء القيمة صرف العتق في نصيب الشريك إليها أجزأ أيضا، لاقتران النية بحالة حصول العتق» و لا يخفى عليك ما فيه من الخفاء، هذا كله إذا كان موسرا يسرى عتقه.

و أما لو كان معسرا ففي المتن و غيره صح العتق في نصيبه، و لا يجزئ عن الكفارة لكونه شقصا لا رقبة و إن أيسر بعد ذلك لأنه لا يوجب السراية لاستقرار الرق في نصيب الشريك لكن قد يشكل أصل صحة العتق مع فرض كون المقصود له العتق عنها، فمع فرض عدم الصحة فيها يبطل العتق، لا أنه يصح و ليس كفارة، لقاعدة ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، كما أنه يشكل ما فيه و في غيره أيضا من أنه لو ملك النصيب فنوى إعتاقه عن الكفارة صح و إن تفرق العتق، لتحقق عتق الرقبة و لو بدفعتين، إذ لا دليل على وجوب تحصيله دفعة بالشك في حصول المأمور به الحاصل من الإطلاق فتبقى أصالة الشغل سليمة، بل مؤيدة باستبعاد بقاء النفوذ عن الكفارة موقوفا.

هذا و في المسالك «و اعلم أنه يفرق بين هذه المسألة و بين السابقة- على القول بإجزاء العتق بالسراية عن الكفارة، مع أن إعتاقه لنصفي العبدين أبلغ من عتق النصف في الواحد، و قد حكم بإجزائه- بأن من شرط الإجزاء أن ينوي عتق الجميع عن الكفارة كما بيناه، أو ينوي عتق نصيبه و يطلق ليسرى العتق إلى الباقي، و يتبع ما نواه على الوجه الآخر، و الأمران منتفيان في السابقة، فإنه بنيته عتق النصفين

214

من الاثنين عن كفارة واحدة قد صرح بعد إرادة عتق الباقي من العبد الواحد عن الكفارة على تقدير السراية، و نية العدم صرفت الشقص الخارج عن عتقه للكفارة، فلم يقع مجزئا عنها لذلك، و لو كان قد نوى عتق الشقصين عن كفارتين جاءت المسألة الثانية بأسرها و صح عتقهما عن الكفارة، و سرى إليهما على ما فصل».

و فيه أنه لا حاجة إلى فرض المسألة الأولى في عتق النصف الموجب للسراية حتى يحتاج إلى هذا التكلف الذي يمكن المناقشة فيه أيضا، بل يمكن فرضه في المبعض و غيره الذي لا سراية فيه لمانع من موانعها، كما هو واضح.

و لو أعتق بعض عبده عن الكفارة سرى في الجميع و أجزأه عنها، بل هو أولى مما تقدم سواء قصد السراية أو لا.

و لو أعتق المرهون لم يصح ما لم يجز المرتهن لما عرفته مفصلا في كتاب الرهن (1) من الحجر على الراهن و المرتهن في التصرفات، بل هو كالمفروغ منه هناك و لا دليل على استثناء العتق.

و لكن قال الشيخ: يصح مطلقا مع الإجازة و بدونها إن كان موسرا، و يكلف أداء المال إن كان حالا، أو رهنا بدله إن كان مؤجلا لغلبة العتق على حق الرهانة المجبور بما عرفت، إلا أنه كما ترى، على أنه كان عليه إيقافه على الفك أو الإبدال اللذين يمكن تعذرهما منه لا الاجتزاء بمجرد تكليفه، و لذا قال المصنف و هو بعيد.

و أضعف منه ما عن بعض العامة من الإجزاء مطلقا، و ما أبعد ما بينه و بين القول بالبطلان حتى لو أجاز المرتهن بعد العتق الذي لا يبقى موقوفا، و التزام الكشف مناف لما دل على منع حق الرهانة التي لا ريب في تحققها قبل الإجازة التي لا تصلح لرفعها فيما مضى من الزمان، و قد تقدم تحقيق ذلك كله في كتاب الرهن (2) فلاحظ و تأمل، فإنه قد ذكرنا هناك قوة احتمال قيام الفك مقام الاذن.

____________

(1) راجع ج 25 ص 195 الى 207.

(2) راجع ج 25 ص 199 الى 206.

215

و لو قتل عمدا فأعتقه في الكفارة فللشيخ فيه قولان: (أحدهما) في محكي الخلاف، فمنع من صحته في العمد، و أجازه في الخطاء، و احتج عليه بالإجماع، بل قال: «لأنه لا خلاف بينهم أنه إذا كانت جنايته عمدا أنه ينتقل ملكه إلى المجني عليه، و إن كان خطأ فدية ما جناه على مولاه، لأنه عاقلته» و (ثانيهما) في محكي المبسوط عكس ذلك، قال: «الذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا كان عامدا نفذ العتق، لأن القود لا يبطل بكونه حرا، و إن كان خطأ لا ينفذ، لأنه يتعلق برقبته و السيد بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه».

و الأشبه عند المصنف المنع في الأول لما سمعته من الإجماع المحكي، و لأن الخيار فيه إلى أولياء المقتول إن شاؤوا قتلوه و إن شاؤوا استرقوه، و صحة عتقه يستلزم بطلان ذلك.

ثم قال و إن قتل خطأ قال في المبسوط: لم يجز عتقه، لتعلق حق المجني عليه برقبته، و في النهاية: يصح و يضمن السيد دية المقتول، و هو حسن لما سمعته من الإجماع أيضا، و لأن الخيار إلى المولى إن شاء افتكه و إن شاء دفعه إلى أولياء المقتول، فإذا أعتقه قد اختار الانفكاك، لكن في المسالك «هذا يتم مع يساره، فلو كان معسرا لم ينفذ عتقه، لتضرر أولياء المقتول به و إسقاط حقهم منه» إلى آخره.

و كيف كان فحاصل ما ذكره المصنف اختيار ما سمعته من الشيخ في الخلاف، و لعله إليه يرجع ما عن ابن إدريس في الخطأ من جوازه مع ضمان المولى قال: «لأنه قد تعلق برقبة العبد الجاني حق الغير، فلا يجوز إبطاله» بل و ما في القواعد «و يجزئ الجاني خطأ إن نهض مولاه بالفداء و إلا فلا، و لا يصح عتق الجاني عمدا إلا بإذن الولي» و في التحرير «و لو قتل عمدا فأعتقه في الكفارة فللشيخ فيه قولان، أقواهما عدم الجواز، و كذا القول في الخطأ، و الأقرب الإجزاء، و يضمن المولى الدية، و لو عفى الولي صح عتقه في الموضعين، و لا بد من تجديد العتق في العمد لو سبق

216

على ما اخترناه» و في المسالك «الأقوى صحته مع الخطأ و العمد مراعى بفكه له في الخطأ و اختيار أولياء المقتول الفداء في العمد و بذله له أو عفوهم عن الجناية» و كأنه أخذه مما في الدروس قال: «الثالث سلامتها من تعلق حق آخر، ففي الجاني عمدا أو خطأ قولان أقربهما المراعاة بالخروج عن عهدة الجناية».

قلت: كان الوجه في ذلك هو معلومية تعلق حق المجني عليه في رقبة العبد، لكن لا دليل على مانعية الحق المزبور لتصرف المالك الذي هو مقتضى العمومات، فهو حينئذ كتصرف الوارث في تركة الميت التي تعلق بها حق الدين، و لا يقاس هذا الحق على حق الرهانة الموقوف على الإذن لدليله الخاص، نعم لا بد من مراعاة حكم الحق المتعلق على وجه لا يضر أداء الحق، فينتقل المال عن المتصرف متعلقا به الحق، فمع فرض أداء المتصرف الحق إلى أهله يخلص المال عن تسلط ذي الحق المتعلق به، و إلا تسلط صاحب الحق على فسخ التصرف الواقع منه مقدمة لتحصيل حقه.

إلا أنه لا يخفى عليك صحة جريان هذا الكلام في مثل البيع و نحوه القابل للأمر المزبور، أما مثل العتق فيشكل جواز فسخه بأنه مبني على التغليب و أنه متى صار حرا لم يعد إلى الرقية، إذ ليس المقام من باب الكشف الذي لا ينافي ذلك، بل هو من فسخ التصرف الذي ترتب عليه أثره بعموماته و إن بقي الحق متعلقا بالعين التي كانت موردا للتصرف المزبور، و الفسخ لذي الحق حيث يحصل يكون من حينه، لما عرفت من عدم الدليل على منع التعلق المزبور أصل صحة التصرف و قاعدة «لا ضرر و لا ضرار» إنما تقتضي عدم لزوم التصرف المزبور، لا أصل صحته، نعم لما كان أدلة العتق تنافي ذلك لم يتم الأمر إلا في المنع من أصل التصرف، و احتمال التزام الكشف فيه مما لا تساعد عليه الأدلة، و ربما أشار إليه الفاضل في التحرير في صورة العمد، فلاحظ و تأمل.

بل الظاهر أن مراد القائل بالمراعاة هو الصحة حقيقة على حسب الصحة في البيع لا الكشفية، و حينئذ يرد عليه ما سمعت من عدم عود الحر رقا إلا بدليل

217

خاص و ليس، فالمتجه حينئذ عدم الصحة مطلقا.

و كأنه هو الذي فهمه الصيمري من الفاضل بل و غيره قال: «و في القواعد أجاز العتق إن كانت خطأ بشرطين، إما دفع الدية قبل العتق أو الضمان و يرضى الولي بالضمان، لا بدونهما، و هو يدل على جواز العتق في العمد و الخطأ معا، لأن مع حصول أحد الشرطين لا كلام في صحة العتق، لزوال تعلق الجناية برقبته، أما مع أداء المال فظاهر، و أما مع الضمان فإنه مع رضا الولي ناقل للأرش من رقبة العبد إلى ذمة المولى، فلا كلام في جواز العتق بعد أحد هذين الشرطين، و هذا هو المعتمد، أما عدم جوازه في العمد لأنه يؤدي إلى إسقاط حق المجني عليه، لأنه مخير بين قتله و بيعه و استرقاقه، و العتق يمنع من البيع و الاسترقاق، و كل تصرف يمنع حق الغير فهو باطل، و أما عدم جوازه في الخطأ فلأن الجناية متعلقة برقبته، و مع عدم افتكاك المولى فهو مخير بين البيع و الاسترقاق، و العتق يمنع من ذلك، فيكون باطلا و هو مذهب الدروس، لأنه قال: ففي الجاني عمدا أو خطأ قولان، أقربهما المراعاة بالخروج من عهدة الجناية، و لا يخرج من عهدة الجناية إلا بأحد الشرطين».

قلت: هو صريح في المختار، و إن كان دعواه- أن الشهيد على ذلك- لا تخلو من نظر، لأنه كالصريح في الصحة فعلا مع المراعاة المتأخرة لا السابقة، و أما ما ذكره عن الفاضل فقد أشار إلى عبارته في العتق، قال: «و هل يصح عتق الجاني؟

الأقرب ذلك إن كانت خطأ و أدى المال أو ضمنه مع رضاه و إلا فلا» بل في الإيضاح الإجماع على الصحة حينئذ، بل هو قد اختار ذلك فيه و في العمد، و هو صريح في المختار أيضا، لكن ينبغي أن يراد بالضمان الدخول في العهدة و لو بالصلح و نحوه على وجه تخلو رقبة العبد من الحق، و في كشف اللثام هناك «الأقوى البطلان- مع انتفاء الشرطين- لتعلق حق الغير بالرقبة، و لأن الصيغة لا تؤثر حين الإيقاع، فبعده أولى، نعم إن لم تستوعب الجناية الرقبة كان المعتق أحد الشريكين».

218

و حينئذ يكثر القائل بالمختار الذي قد عرفت أنه الموافق للضوابط الشرعية في خصوص العتق الذي لا يوقف و لا يفسخ مع عدم الدليل على الكشف هنا، بل هو عند التأمل ساقط، نعم في خبر جابر (1) عن الباقر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد قتل حرا خطأ فلما قتله أعتقه مولاه، قال: فأجاز عتقه و ضمنه الدية»

فإن صحت الرواية أو انجبرت كان العمل بها و إلا أطرحت أو أولت بسبق الضمان و إن كان بعيدا.

هذا و في التحرير «و لو أعتق المرتد بعد رجوعه إلى الإسلام فإن كان عن غير فطرة أجزأ، و إن كان عن فطرة فالوجه عدم الاجزاء، و كذا لو أعتق من وجب عليه القتل حدا مع التوبة- إلى أن قال- و كذا لا يجزئ، لو جنى ما يجب العتق بالقصاص منه، كالعينين، و يجزئ لو جنى غير ذلك، و لو جنى دون النفس على عبد عمدا فالوجه الاجزاء و لو تعذر القصاص، و يضمن المولى حينئذ».

و فيه أن وجوب القتل عليه حدا لا يخرجه عن الملكية، و لا عتقه ينافي إقامة الحد عليه، كما أن القصاص المقتضي لانعتاقه لا ينافي ذلك أيضا، فمقتضى إطلاق الأدلة و عمومها الصحة حتى في الأخير، لعدم تحقق الانعتاق حينئذ قبله، نعم فيه الكلام الذي سمعته في الجاني عمدا من حيث تعلق الجناية لا من حيث الانعتاق، لكن في الدروس «و لا يجزئ المنذور عتقه أو الصدقة به و إن كان النذر معلقا بشرط لم يحصل بعد على الأقوى» و لعله كذلك.

و لو أعتق عنه معتق بمسألته صح للسائل، لأنه حينئذ يكون كالوكيل و النائب عنه، إذ من المعلوم قبول مثله للنيابة، فيندرج في إطلاق الأمر بتحرير الرقبة (2) بعد فرض دخوله في ملكه و إن اختلف في وقته، كما ستعرف بعد الاتفاق- كما في المتن- على إجزائه.

____________

(1) الوسائل الباب- 12- من أبواب ديات النفس الحديث 1 من كتاب الديات.

(2) سورة النساء: 4- الآية 92.

219

لكن قد يناقش بالمنع من دخوله في ملكه بمجرد ذلك، لأنه ليس من الأسباب الشرعية لذلك، و من هنا كان المحكي عن ابن إدريس صحته عن المعتق، لأنه ملكه، و لا عتق إلا في ملك، و فيه أنه كالاجتهاد في مقابلة النص بعد الإجماع المحقق على الصحة عن السائل.

نعم قد يقال: إنها أعم من الدخول في الملك و إن كان 28997

الخبر (1) «لا عتق إلا في ملك»

إلا أنه يجب تخصيصه بالصورة المزبورة للإجماع المزبور، فلا داعي إلى دعوى الدخول في الملك كي يقال متى دخل و بأي سبب دخل، و لكن في الإيضاح عن المبسوط في كتاب الطهارة «أنه نص على انتقاله للأمر- ثم قال-: و لا خلاف فيه، ل

قوله (عليه السلام) (2) «لا عتق إلا في ملك».

اللهم إلا أن يمنع ذلك عليه، و يقال: إن مراد الشيخ بانتقاله للأمر صيرورة العتق له، لا انتقال ملكية العبد له، أو يقال: إن الوجه في دخوله في ملكه هو أنه لما أمره بما لا يصح منه إلا بعد ملكه له كان كالوكيل عنه في ذلك، ضرورة كون الإذن في الشيء إذنا في لوازمه، فيكفي حينئذ في إدخاله في ملكه عتقه العبد بعنوان أنه له، إذ هو موجب قابل للتمليك موقع للعتق، نحو قول القائل مثلا: «اشتر لي عبدا بكذا منك» و من المعلوم أن المثمن لا يكون إلا لمن له الثمن، فإذا اشتراه بعين ماله بعنوان أنه للأمر دخل الثمن في ملكه بالشراء بعنوان أنه له، فيكون موجبا قابلا بالنسبة إلى ذلك، و هذا باب واسع في الفقه كثير النظائر، و منه ما نحن فيه، فإنه إذا قال له: «أعتق عبدك- مثلا- عنى» و المفروض أنه لا عتق إلا في ملك كان أمرا له بإدخاله في ملكه، فمع إعتاقه بعنوان أنه له كان ذلك إيجابا و قبولا بالنسبة إلى التمليك، و إيقاعا بالنسبة إلى الحرية، و لا تنافي بينهما، و كان هذا هو السبب في إجماعهم في المقام على الصحة.

نعم يبقى الإشكال في قول المصنف و غيره لم يكن له أى المعتق

____________

(1) الوسائل الباب- 12- من أبواب مقدمات الطلاق و الباب- 5- من كتاب العتق مع الاختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل الباب- 12- من أبواب مقدمات الطلاق و الباب- 5- من كتاب العتق مع الاختلاف في اللفظ.

220

عوض عن عبده الذي أعتقه بأمره، لعدم الشرط و إن كان هو مقتضى أصل البراءة و غيره، لأنه قد أتلف ماله بأمره في مصلحته، بل هو أولى من الحكم بالضمان الذي قد عرفت الحال فيه فيما لو قال: «أد ديني» فأداه عنه، ضرورة عدم اعتبار ملكية المدفوع عنه في وفاء الدين بخلاف العتق، فالمتجه الضمان خصوصا مع نية المأمور ذلك، إذ لا يكون ذلك إلا على جهة القرض، لأن المفروض كونه وكيلا عنه بأمره.

بل ذكرنا هناك أن قاعدة احترام مال المسلم تقتضي ذلك أيضا، فإن مباشرة المأمور لعتقه بعد فرض كونه وكيلا عنه تكون كمباشرته نفسه، فيكون قد أتلف مال الغير، فهو له ضامن، و إن كان بإذنه إن لم يكن على وجه المجانية، فلاحظ ما تقدم سابقا و تأمل. هذا كله مع عدم الشرط.

فان شرط عوضا كأن يقول له أعتق عبدك عني و علي عشرة مثلا صح و لزمه العوض بلا خلاف و لا إشكال، و يكون من قبيل قرض العبد بقيمة معينة، و ليس من قسم البيع مع فرض عدم قصده لهما.

و لو تبرع بالعتق عنه متبرع من غير مسألة قال الشيخ في محكي الخلاف نفذ العتق عن المعتق تغليبا للحرية، و لوقوع صيغة صحيحة من صحيح العبارة دون من أعتق عنه لاشتراط العتق بالملك، و لا يدخل في ملكه من دون اختياره، فلا يقع العتق عنه سواء كان المعتق عنه حيا أو ميتا.

و لو أعتق الوارث عن الميت من ماله لا من مال الميت قال أي الشيخ:

يصح، لأنه كما في الإيضاح «قائم مقام المورث في كثير من الأحكام، فان الوارث يملك لما كان ملكا للمورث، و يقبل قوله فيما كان يقبل قوله فيه، كالإقرار المجهول، و تعيين المطلقة، و المعتق تعيينا إنشائيا. و القول قوله في الكاشف مع اليمين و عدمه، و عليه قضاء ما عليه من صلاة أو صوم، على أن الوارث إذا أدى من التركة فهو منه في

221

الحقيقة، لأنه يملكها بالموت، و إذا صح من أحد ماليه صح من الآخر- ثم قال-: و قال شيخنا ابن سعيد في شرائعه و الوجه التسوية بين الأجنبي و الوارث في المنع و الجواز و ضعفه ظاهر بما ذكرناه».

قلت: كأن الذي دعاه إلى ذلك حسن ظنه بأبيه، حيث قال في القواعد بعد أن ذكر عن الشيخ الفرق بين الوارث و غيره: «و لعل بينهما فرقا» و إلا فالإنصاف أن جميع ما ذكره لا دخل له في إثبات المطلوب، إذ هو بعد الإغضاء عن صحة بعض ما ذكره للوارث لا دخل له فيما نحن فيه من عدم الفرق بينه و بين الأجنبي في مفروض المسألة، و إن كان فرق بينه و بينه في أمور أخر قد جاءت بدليل خاص، كأصل إرثه منه دون الأجنبي كما هو واضح و من هنا أنكر عليه ذلك بعض من تأخر عنه، و استوجه التساوي بينهما.

لكن في المسالك «الوجه الإجزاء عن الميت مطلقا، و في وقوعه عن الحي نظر و إن كان الوقوع لا يخلو من قوة» و في حاشية الكركي اختيار الإجزاء عن الميت مطلقا دون الحي قال: «فان الفرض أن الأجنبي نوى العتق عن ذي الكفارة، فيقع منه،

لعموم «لكل امرئ ما نوى» (1)

و لا نجد مانعا سواء كونه أجنبيا، و لا دخل له في المانعية، إذ عدم القرابة لا ينافي قضاء الدين عن الميت تبرعا عبادة كان أو غيرها، و يكفي في التمسك بانتفاء المانعية عدم تحققها، تمسكا بالأصل، أما الحي فلا يجزئ عنه مطلقا إلا بإذنه، إذ لا يؤدى عنه دين إلا بفعله و لو نيابة فيما تدخل فيه النيابة، هذا هو الذي ساق إليه الدليل».

و في الجميع ما لا يخفى، إذ المانع في المقام اعتبار الملك فيمن يكون العتق له، و لا طريق إلى إدخاله في ملك الميت أو الحي قهرا، و ما في غاية المراد و المسالك- من أن توقف العتق على الملك يندفع بالملك الضمني، كما قيل به مع السؤال- يدفعه وضوح الفرق بين السؤال و عدمه بالنسبة إلى قابلية الدخول في الملك باختياره و عدمه، و من الغريب ما سمعته من الكركي من عدم إجزاء التبرع في

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10.

222

وفاء دين الحي.

فالأقوى عدم الفرق بينهما في البطلان هنا لو لا

حسن بريد (1) سأل الباقر (عليه السلام) «عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات من قبل أن يعتق، فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه، فأعتقه عن أبيه، و أن المعتق أصاب مالا ثم مات و تركه، لمن يكون ميراثه؟ فقال: إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في ظهار أو شكر أو واجبة عليه فان المعتق سائبة لا ولاء لأحد عليه، قال: و إن كانت الرقبة على أبيه تبرعا و قد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فإن ولاء العتق ميراث لجميع ولد الميت من الرجال، قال: و يكون الذي اشتراه فأعتقه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه، و إن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوعا من غير أن يكون أمره بذلك فإن ولاؤه و ميراثه للذي اشتراه من ماله فأعتقه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته».

و لعله لهذا الحسن المزبور فصل الشيخ بين الوارث و غيره، و لو كان لكان المتجه التسوية في عدم الإجزاء عن الميت الذي لا يدخل في ملكه، بل لعل المتجه بطلان العتق من أصله، لقاعدة ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، كما عرفته سابقا.

و كيف كان ف إذا قال: «أعتق عبدك عني» فقال: «أعتقت عنك» فقد وقع الاتفاق كما حكاه غير واحد على الإجزاء و إن كان قد سمعت الخلاف فيه من ابن إدريس، كما أنك قد سمعت نفي الخلاف من الشيخ عن الدخول في الملك و إن كان فيه ما فيه أيضا لكن وقع الخلاف في أنه متى ينتقل إلى الأمر؟ قال الشيخ: ينتقل بعد قول المعتق: «أعتقت عنك» ثم ينعتق بعده إذ اقتضاء العلة الواحدة الشيئين بالترتيب بينهما ممكن ثابت، و أشكله الكركي فيما إذا كان أحدهما شرطا لتأثير السبب في العقود و الإيقاعات، فإن عدم

____________

(1) الوسائل الباب- 40- من كتاب العتق الحديث 2.

223

ترتب أثر السبب عليه دليل فساده، و يمتنع الحكم بصحته بعد فساده آنا ما.

و لعله لذا قال المصنف و هو تحكم إذ لا دليل على تعيين ذلك من بين المحتملات، بل فيه أنه يستلزم تأخر العتق عن الإعتاق بقدر ما يتوسطهما الملك و إن اعتذر عنه بأن تأخير العتق عن الإعتاق بسبب أنه إعتاق عن الغير، و مثله واقع في قوله: «أعتقت عبدي عنك بكذا» فان عتقه يتوقف على قبول المعتق عنه، و يلزم منه تأخر العتق عن الإعتاق، و لكن لا يخفى عليك وضوح الفرق بين المثالين.

و من هنا قيل كما عن المفيد و العلامة و الفخر أنه يحصل الملك بشروعه في لفظ الإعتاق، و يعتق إذا تم اللفظ لمجموع الصيغة، فالجزء علة للملك، و هو ملك الأمر و الكل سبب لزوال ملكه عنه بالإعتاق، و فيه أنه يستلزم صيرورته ملكا للأمر قبل تمام الصيغة، فلو فرض ترك إكمالها خرج عن ملكه و لم يقع العتق.

و قيل: إنه يحصل الملك للمستدعي بالاستدعاء و يعتق عليه إذا تلفظ المالك بالإعتاق، و فيه ما عرفت و زيادة.

و قيل: إنه يحصل الملك و العتق معا عند تمام الإعتاق، و أورد عليه في المسالك بأنه و إن كان فيه سلامة من المحذور السابق، إلا أن اشتراط وقوع العتق في ملك يقتضي تقديم الملك على العتق فلا يتم وقوعهما في وقت واحد عند تمام لفظ العتق.

و فيه أنه يمكن الاكتفاء بالتقدم الذاتي الحاصل فيما بين العلة و المعلول، نحو ما قلناه في شراء من ينعتق عليه، و نحو ما يقال فيما لو قال: «أنت وكيلي على بيع داري» مثلا، فيقبل الوكالة بأن باع مثلا، فان البيع حينئذ كاشف عن قبول الوكالة، و هو إيجاب للبيع، و قد حصلا في زمان واحد، لكنهما مترتبان طبعا، و نظائره في ذلك كثيرة.

بل قد يقال: إنه يكفى في الصحة اتحاد زمانهما لصدق كون العتق في ملك، إذ ليس معناه اعتبار سبق الملك على العتق زمانا.

224

و بالجملة فالظاهر أن اتفاق الأصحاب على المسألة في المقام ليس إلا لما ذكرناه الذي قد عرفت جريانه في نظائر المسألة، و إلا لم نقف لهم على دليل خاص، و حينئذ فإن رجع ذلك إلى أحد الأقوال الخمسة فمرحبا بالوفاق، و إلا كان قولا سادسا، و هو أقواها، و التمليك المزبور إن شئت جعلته من القرض بعوض، أو من التمليك به، نحو الهبة المعوضة، أو من التمليك المجاني حيث لا يكون عوضا أو نحو ذلك، فإنه بعد أن صار وكيلا عنه بأمره له و سؤاله إياه صار موجبا قابلا إذا كان الموكل فيه متوقفا على إدخال في ملك مثلا، إذ التوكيل في شيء توكيل في لوازمه، و نحوه ما لو قال له: «اشتر لي كذا بثمن منك» أو «زوجني فلانة بمهر منك» فان المهر و الثمن يدخلان في ملك الموكل بفعل ما وكل فيه على الوجه الذي و كله عليه، و هذا الأمر جار في كثير من الأبواب، مفروغ من صحته، بل هو نحو ما لو قال المالك: «أعتق عبدي عن كفارتك بكذا» مثلا فأعتقه، فإنه يدخل في ملكه بذلك بعد تقدم الكلام المزبور من المالك الذي صار كالإيجاب لو فرض وقوع العتق مقارنا له، و إلا كان توكيلا له في تملك العبد متى شاء بالثمن المزبور.

و من ذلك يعرف النظر في كثير من الكلمات في المقام، بل يظهر النظر فيما ذكره الفخر من تخصيص صحة المسألة فيما لو وقعت على جهة الفورية دون التراخي بناء منه على أن مفروض المسألة من الإيجاب و القبول المعتبر فيهما ذلك، و لم يتفطن إلى التوكيل الذي لا يعتبر فيه ذلك، و من هنا كان ظاهر المصنف و غيره الإطلاق في فرضها، فلاحظ و تأمل.

و قيل: إنه يحصل بالأمر المقترن بصيغة العتق، فيكون تمام الصيغة كاشفا عن سبق الملك عليها، و عدم إيقاعها بعد الاستدعاء أو قطعها أو وقوع خلل فيها دال على عدم حصول الملك بالأمر، لعدم حصول ما يعتبر في صحته، و هو اقترانه بالأمر بالعتق، و أورد عليه في المسالك بأن الاقتران المذكور يكون شرطا في سبق الملك،

225

و لا يتحقق الاقتران إلا بتمام صيغة العتق، فيلزم تأخر الملك عن الإعتاق و إلا لتأخر الشرط عن المشروط.

قال: «و لأجل هذه الإشكالات و نحوها قال المصنف و نعم ما قال: إن الوجه الاقتصار على الثمرة، و هي صحة العتق عن الأمر و براءة ذمته من الكفارة، و لا يجب البحث عن وقت انتقال الملك إليه، فإن ما عدا ما ذكر ه تخمين لا يرجع إلى دليل صالح».

قلت: لكن قد عرفت تحقيق الحال على وجه لا يأتي فيه شيء من وجوه الاشكال، بل قد عرفت عدم اختصاص المقام، بل هو جار فيه و في نظائره و إن كان ما ذكره المصنف فيه استراحة عن تحليل المسألة.

قال و مثله ما إذا قال له: «كل هذا الطعام» فقد اختلفوا أيضا في الوقت الذي يملكه الأكل هل هو بتناوله في يده أو بوضعه في فيه أو بازدراد اللقمة بعد الاتفاق على عدم ملكه بوضعه بين يديه؟ و فرعوا على ذلك جواز إطعامه لغيره على الأول دون غيره من الأقوال، لكن لا يخفى عليك أنه لا داعي هنا إلى اعتبار الملك، إذ الإباحة تكفي في الجواز إلى آخر أمره.

و من هنا قال المصنف و الوجه عندي أنه يكون إباحه للتناول، و لا ينتقل إلى ملك الأكل و تبعه غيره عليه، لأنه ليس كالعتق يعتبر فيه الملك لمن يكون العتق له، قالوا: و حينئذ فلو نبت من غائطه شجرة مثلا كان ملكا للمقدم دون الأكل و إن كان قد يناقش بخروجه عن المملوكية إذا صار غائطا.

هذا و في كشف اللثام «أنه يمكن القول بمثله في مسألة الإعتاق أيضا، فإن النص (1) و الإجماع إنما هما على أن الإعتاق إنما يكون في ملك، و يكفي في صدقه هنا ملك المعتق، و لا محذور في إجزاء الإعتاق عن غير المالك».

قلت: هو كذلك، إلا أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على إرادة اعتبار الملك ممن يكون العتق له إلا ما خرج بالدليل، كعتق الوارث عن الميت

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من كتاب العتق.

226

للخبر (1) الذي سمعته.

[شروط الإعتاق]

و كيف كان ف يشترط في الإعتاق شروط:

[الشرط الأول النية]

الأول:

النية بمعنى القصد إلى فعله بعنوان أنه للكفارة، و ذلك لأنه أي الإعتاق عبادة تحتمل وجوها، فلا يختص بأحدها إلا بالنية، و لا بد مع ذلك من نية القربة المعتبرة في كل عبادة كفارة و غيرها بالأدلة المذكورة في محلها على ذلك، كباقي مباحث النية من اعتبار نية الوجه و عدمه فيه أيضا و غيره من المباحث، بل و قد ذكرنا هناك الفرق بين العبادة و غيرها.

لكن في غاية المرام للصيمري هنا «يشترط في التكفير النية المشتملة على الوجه و القربة و التكفير، فلو نوى الوجه و القربة و لم ينو عن الكفارة لم يجز، و هذه الشروط مجمع عليها» و إن كان فيه ما فيه، ضرورة عدم الفرق بين المقام و غيره في اعتبار الوجه و عدمه الذي قد عرفت البحث و الخلاف فيه في محله.

إنما الكلام هنا في قول المصنف فلا يصح العتق من الكافر ذميا كان أو حربيا أو مرتدا لتعذر نية القربة في حقه فإنه قد أطنب في المسالك في إشكاله بالمنع من تعذر نية إيقاع الكافر الفعل طلبا للتقرب إلى الله سبحانه و تعالى سواء حصل ما نواه أو لا إذا كان كفره بإنكار النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و نحوه مما لا ينافي الاعتراف بالله تعالى، و إن كان المراد تعذر الإيقاع منه على وجه يستحق الثواب طالبناه بالدليل على اشتراط مثل ذلك، و عارضناه بعبادة المخالف من المسلمين و عتقه، فإنه لا يستتبع الثواب عنده مع صحة عتقه عنده، قال: «و في صحة عباداته غيره (2) بحث قرر في

____________

(1) الوسائل الباب- 40- من كتاب العتق الحديث 2.

(2) هكذا في النسختين المخطوطتين و في المسالك «و في صحة عبادات غيره».

227

محله، و بالجملة فكلامهم في هذا الباب مختلف غير منقح، لأنهم نارة يحكمون ببطلان عبادة الكافر مطلقا استنادا إلى تعذر نية القربة منه، و مقتضى ذلك إرادة المعنى الثاني، لأن ذلك هو المتعذر منه لا الأول، و تارة يجوزون منه بعض العبادات كالعتق و سيأتي تجويز جماعة من الأصحاب له منه مع اشتراط القربة فيه، نظرا إلى ما ذكرناه من الوجوه في الأول، و قد وقع الخلاف بينهم في وقفه و صدقته و عتقه المتبرع به و نحو ذلك من التصرفات المالية المعتبر فيها القربة، و اتفقوا على عدم صحة العبادات البدنية منه نظرا إلى أن المال يراعى فيه جانب المدفوع إليه و لو بفك الرقبة عن الرق، فيرجح فيه جانب الغرامات، بخلاف العبادات البدنية، و من ثم ذهب بعض العامة إلى عدم اشتراط النية في العتق و الإطعام و اعتبرها في الصيام إلا أن هذا الاعتبار غير منضبط عند الأصحاب كما أشرنا إليه و سيأتي له في العتق زيادة بحث إنشاء الله».

و أورد عليه في الرياض بأن فيه- مضافا إلى ما دل على شرطية الايمان و عدم صحة عبادة المخالف الذي هو أولى من الكافر من الإجماع و النصوص (1)- أنه لا تتأتى منه نية القربة التي هي قصد الامتثال و موافقة الأمر، لعدم اعتقاده بموجب الكفارة، إذ هو إما منكر للبارئ تعالى كالدهرية و نحوهم أو جاحد للنبي (صلى الله عليه و آله) المبين لذلك الأمر به عنه سبحانه، فإذا صام بعد الظهار مثلا لا يمكنه قصد الامتثال بذلك و العزم على أن الصيام كفارة لما وقع منه، فإنه لا يعتقد تحقق الحرمة بالموجب فضلا عن كون الصيام مكفرا لها، بل يجعلهما حراما و بدعة بقصد التشريع في شرعه، و لعل هذا هو السر في حكم الأصحاب بفساد عبادة الكفار، لعدم تحقق قصد القربة بهذا المعنى منهم.

و العجب من شيخنا في المسالك حيث اعترضهم في ذلك و جوز صدور نية القربة بهذا المعنى عنهم، فيا لله كيف يقصد الكافر بما يأتي به من هيئة صلاتنا أنه عبادة

____________

(1) الوسائل الباب- 29- من أبواب مقدمة العبادات.

228

مقربة له إلى جنابه سبحانه مع اعتقاده كون مثل ذلك بدعة و ضلالة؟! فإتيانه بذلك على تقديره يكون على طريق الاستهزاء و السخرية، و ما أرى مثل هذه الدعوى من نحو هذا الفاضل إلا غفلة واضحة، نعم قد تحصل له نية القربة في بعض الخصال إذا كانت عنده و في شرعه مقربة، و لكن مثل هذه القربة غير كافية، بل لا بد من نية القربة التي هي القصد إلى امتثال أمر الكفارة، و لذا إن أحدنا لو صام ندبا من دون نية التكفير لم يجز عنه إجماعا.

قلت: و كأنه لذلك فصل الشهيد في غاية المراد بين العتق للكفارة من الكافر غير الجاحد لله تعالى و العتق لغيرها، فأبطل الأول و صحح الثاني، قال بعد أن حكى الخلاف في صحة مباشرة الكافر العتق و عدمها عن الشيخ فصححه، و عن ابن إدريس و المصنف فأفسده: «و مبناه على مقدمات: (الاولى): هل نية القربة معتبرة في العتق أم لا؟ الحق نعم، ل

قولهم (عليهم السلام) (1): «لا عتق إلا ما أريد به وجه الله»

- إلى أن قال (الثانية):- هل المعتبر في نية القربة ما يترتب عليه الثواب أو مطلق التقرب إلى الله تعالى؟ يحتمل الأول، لأنه عبادة، و كل عبادة يترتب عليها استحقاق الثواب بفعلها صحيحة، و يحتمل الثاني لأن الدليل على صحة العتق إذا أريد به وجه الله تعالى، و هو أعم من ترتب الثواب و عدمه. (الثالثة): هل يعتبر في التقرب معرفة الله أم يكفي التقليد؟ يحتمل الأول، لأن هذه المعرفة ليست حقيقة، فليس ثم مقصود، و يحتمل الثاني، لصدق أنه قصد وجه الله- ثم قال-: إذا عرفت ذلك فنقول: الأصحاب جوزوا وقف الكافر و صدقته، مع أنهما مشروطان بنية القربة، و هو يشعر باختيارهم الثاني من الاحتمالين، فحينئذ يصح عتق الكافر، و إن قلنا بأول الاحتمالين لا يصح، ثم اعلم أن الكفر بسبب إنكار واجب الوجود تعالى و إقامة الشبهة على إنكاره لا يصح معه شيء من العبادات، لزوال جميع المقدمات، و أما لو لم يكن شبهة بل مجرد إنكار قلد فيه فيصح على الثاني

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من كتاب العتق و الباب- 13- من كتاب الوقوف و الصدقات.

229

من الاحتمالين، و أما الكافر المقر بالله تعالى العارف به و كفره بسبب جحده النبوة أو بعض فرائض الإسلام فإنه لا ينبئ إلا على ثاني الثانية، فهو أولى بالجواز إذن، ثم اعلم أن العتق لما بني على التغليب و الوقف و الصدقة لما اشتمل على نفع الغير و اشتمل الجميع على المالية فجانب المالية أغلب من جانب العبادة، فمن ثم وقع الخلاف في صحة العتق، و لم يقع في عدم صحة الصلاة و الصوم، و الأقوى صحته عندنا ما لم يجحد الله تعالى إذا اعتقد أن العتق قربة إلى الله تعالى شأنه لما عتقه عن الكفارة». و هو الأصل لكل من تأخر عنه في هذه المسألة.

و تبعه الكركي في حاشية الكتاب في النتيجة، فقال: «إن كان كفره بجحد الربوبية أو لم يعتقد كون العتق قربة أو أعتق عن الكفارة لم يصح و إلا صح» إلى غير ذلك من كلماتهم التي يشبه بعضها بعضا.

لكنها لا تخلو من نظر، لا لعدم مشروعية عباداتنا في دينهم، لإمكان فرض ذلك، خصوصا في مثل العامة بل يمكن فرض وقوع ذلك من بعضهم بعنوان أنه مذهبه و لو جهلا، بل لإمكان دعوى التواتر في نصوصنا (1) أو الضرورة من مذهبنا على أنه لا عبادة لغير المؤمن مطلقا، لأنه يعتبر فيها موافقة الأمر من حيث دلالة ولي الله تعالى شأنه عليه، و لذا قرن طاعته بطاعتهم و محبته بمحبتهم (2) فمن جاء بعبادة موافقة لأمره لكن لا من حيث دلالة وليه عليه لم تكن صحيحة، و الأمر في الشريعة السابقة بعد نسخها غير كاف في الصحة و إن وافق الأمر في شريعتنا.

و من هنا تعذر على الكافر بجميع أقسامه نية التقرب المأخوذ فيه ملاحظة الأمر بواسطة ولاة الأمر، و كذا المخالف، و لا صحة في وقفهم و صدقاتهم، و إنما لها حكم الصحة في بعض ما جرت السيرة و الطريقة على استعماله كذلك من مساجدهم و بيعهم و كنائسهم و نحو ذلك، لا الصحة الحقيقية التي يستحق فاعلها الثواب على

____________

(1) الوسائل الباب- 29- من أبواب مقدمة العبادات.

(2) سورة النساء: 4- الآية 59 و سورة المائدة: 5- الآية 60.

230

فعلها من حيث صدق امتثال الأمر على وجهه المستلزم عقلا بقاعدة اللطف استحقاق الثواب، و لا الموافقة للأمر الذي قد عرفت أنه يعتبر في امتثاله ملاحظة من كان الواسطة به.

قال الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (1): «أما لو أن رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي الله تعالى شأنه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله حق في ثوابه، و لا كان من أهل الايمان»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر آخر (2): «من دان الله بغير سماع من صادق ألزمه الله البتة يوم القيامة».

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (3): «قد جعل الله للعلم أهلا، و فرض على العباد طاعتهم بقوله «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (4) و بقوله:

«وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ» (5) و بقوله:

«وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (6) و بقوله «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (7) و بقوله «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» (8) و البيوت هي بيوت العلم الذي استودعه الله عند الأنبياء، و أبوابها أوصياؤهم، فكل عمل من أعمال الخير يجري على يد غير الأصفياء و عهودهم و حدودهم و شرائعهم و سننهم مردود غير مقبول، و أهله

____________

(1) الوسائل الباب- 29- من أبواب مقدمة العبادات الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب صفات القاضي الحديث 12 و 14 و فيهما «ألزمه الله البتة إلى الغناء (العناء خ ل)».

(3) الوسائل الباب- 13- من أبواب صفات القاضي الحديث 44 من كتاب القضاء.

(4) سورة النساء: 4- الآية 59.

(5) سورة النساء: 4- الآية 83.

(6) سورة التوبة: 9- الآية 119.

(7) سورة آل عمران: 3- الآية 7.

(8) سورة البقرة: 2- الآية 189.

231

في محل كفر و إن شملهم وصف الايمان»

إلى آخره.

و عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) أنه قال لعلي (عليه السلام): «أنا مدينة العلم و أنت بابها، فمن أتى من الباب وصل، يا علي أنت بابي الذي أوتى منه، و أنا باب الله تعالى، فمن أتاني من سواك لم يصل إلى الله تعالى»

إلى غير ذلك من النصوص التي هي فوق عدد التواتر، بل لعله من ضروري مذهب الشيعة.

و من الغريب دعوى هؤلاء الفضلاء الصحة في الكافر غير الجاحد، مع أن مقتضاها اندراجه في المطيع، بل لا بد من ترتب الثواب عليه بقاعدة اللطف، لكونه وافق الأمر و جاء بالمأمور به على وجهه الذي أراده الله تعالى منه، لأن ذلك مقتضى الصحة، و عدم ترتب الثواب على هذا الفرض مناف لقاعدة اللطف، كما أن التزامه مناف لضرورة المذهب بل الدين، و كأن الذي دعاهم إلى ذلك جريان السيرة على إجراء حكم الصحة على مثل مساجدهم و كنائسهم و بيعهم و نحو ذلك، و قد عرفت عدم الصحة فيها بالمعنى المزبور، بل هو إجراء لحكمها لمصلحة من المصالح، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن، و أما ما عدا ذلك فلا.

و بذلك يظهر لك النظر في جميع تلك الكلمات حتى ما في الرياض و إن أكثر العجب من القائل بالصحة، لكن كان ينبغي أن يكون ذلك بالطريق الذي ذكرناه، لا ما ذكره الذي قد عرفت إمكان فرضه على وجه يسلم مما ذكره، على أنه في آخر كلامه قد اختار الصحة أيضا في العتق إذا لم يكن عن كفارة.

نعم قد أجاد سيد المدارك بقوله: «و أما اشتراط الايمان فيدل عليه أن التكفير عبادة و العبادة من شرطها الايمان، و المقدمتان إجماعيتان، و يدل على الثانية الأخبار الكثيرة المتضمنة لبطلان عبادة المخالف (2)» و إن كان هو لم يذكر ما ذكرناه أيضا من توجيه تعليلهم البطلان بتعذر نية القربة من غير المؤمن.

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من أبواب صفات القاضي الحديث 40 من كتاب القضاء.

(2) الوسائل الباب- 29- من أبواب مقدمة العبادات.

232

و من الغريب أنه في الرياض وافق أولا على اشتراط الايمان مستدلا عليه بنصوصه و لكن قال بعد ذلك بصحة عتق الكافر إذا لم يكن عن كفارة. و أغرب منه ما في التنقيح من صحة عتق الكافر غير الجاحد حاكيا له عن العلامة و استحسنه، و أنه يستحق عليه عوضا يشبه الثواب، فيسقط بها جزء من عقابه، و لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه، و الله المؤيد و المسدد.

و كيف كان ف يعتبر نية التعيين إن اجتمعت أجناس مختلفة على المكلف متماثلة، كما لو كان عليه كفارة ظهار و قتل خطأ، أو مختلفة كأحدهما مع كفارة اليمين مثلا على الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها توقف صدق الامتثال عليه عقلا و عرفا، كما عرفت في كل عبادة تعدد جنسها على المكلف به، إذ لا مميز للفعل إلا النية، و الفرض عدم أمر مطلق يقصد امتثاله، كما أن تعدد السبب لا يقتضي تعدد المأمور به دون الأمر، فليس خطابه حينئذ بعتق رقبتين، بل هو مأمور بعتقين أحدهما للظهار و الآخر للقتل مثلا، فلا بد من امتثال كل منهما، و لا يحصل إلا بملاحظة خصوص كل واحد منهما، و إلا لم يقع لأحدهما، فلا يصدق عليه امتثال أحدهما، مؤيدا ذلك كله بقاعدة الشغل و غيرها.

خلافا للمحكي عن المبسوط، فاكتفى بالإطلاق مطلقا و وافقه عليه سيد المدارك، لأصالة البراءة من اشتراطه المقطوعة بما عرفت، و دعوى حصول الامتثال للأمر بالتكفير و انصرافه إلى واحدة لا بعينها فيبقى في ذمته اخرى الممنوعة على مدعيها بما سمعت، ضرورة أنه لا أمر بالتكفير على جهة الإطلاق، و إنما الموجود الأمر بالتكفير المقيد، و ليس امتثاله عرفا بالمطلق الذي لم يتعلق به أمر، و لو سلم نظير ذلك في الدفع وفاء عن الدين المتعدد بسبب الرهانة في بعضه دون آخر أو بسبب اختلاف من له الدين فيتحقق الوفاء مع إطلاق الدفع و إن كان الاحتمالات في توزيعه أو تعيينه بعد الدفع أو القرعة متعددة، ففرق واضح بين العبادة المتوقف صحتها على ملاحظة امتثال الأمر المتعلق بها بخلاف وفاء الدين المتحقق عرفا صدقه و إن فقد التعيين المزبور، فقياس ما نحن فيه على ذلك- كما يومئ إليه ما تسمعه عن الشيخ

233

من الاكتفاء بالتعيين بعد الفعل- واضح الفساد.

و أوضح منه فسادا تخيل اتحاد الأمر هنا باعتبار اندراج الجميع تحت اسم التكفير الذي قد عرفت عدم مشروعية مطلقه، و إنما هو اسم انتزاعي لأنواع متعددة كل منها متعلق أمر خاص لا يصدق امتثاله إلا بملاحظته و إلا فالأمر بالعبادة أيضا متحد، مع أنه لا ريب في أن تحته أنواعا مختلفة، و المراد باتحاد الأمر و تعدده التنويع الشرعي بالأوامر المستقلة و عدمه، و هذا هو المدار في وجوب التعيين و عدمه مع الاجتماع على المكلف، كما ستسمع زيادة توضيحه.

كل ذلك مضافا إلى إشكال قول الشيخ في صورة الاختلاف حكما ككفارة الظهار و اليمين، فإنه إن تخير بعد العتق بين عتق آخر و الإطعام كان العتق منصرفا إلى المرتبة، و هو خلاف الفرض، و إن تعين العتق ثانيا كان منصرفا إلى المخيرة، و هو خلاف التقدير أيضا، و من هنا فصل في محكي المختلف، فأوجب التعيين مع اختلاف الكفارة حكما بالتخيير و عدمه، لا مع اتفاقهما و لو في أصل وجوب العتق، ككفارة الظهار و القتل خطأ أو أحدهما مع كفارة الجمع.

و ربما دفع الاشكال السابق بانصراف العتق أولا إلى المرتبة لترجيحها على المخيرة بتعيينه فيها دونها، و هو كما ترى. و بأن الشيخ صرح في المبسوط بجواز التعيين بعد الإبهام، فينصرف العتق إلى من أراد صرفه إليها، كما لو عين في الابتداء، و يبقى حكم الآخر بحاله، فلا محذور حينئذ، و اختاره الفاضل في التحرير و ولده.

و فيه- مع منع ذلك عليه في العبادة و إن قلنا به في مثل الديون- أنه قد يتعذر عليه ذلك بموت و نحوه، على أن الاشكال قبل التعيين.

و في المسالك «يمكن دفعه هنا بالتزام تعيين العتق ثانيا على تقدير كون إحداهما مرتبة و الآخرى مخيرة، و لا يلزم انصراف العتق أولا إلى المخيرة، بل إلى كفارة مطلقة مما في ذمته، و تبقى اخرى مطلقة كذلك مترددة بين المرتبة

234

و المخيرة، و إن اختار غير العتق لم تحصل براءة الذمة مما هو متعلق بها، لأنه ليس مخيرا، و إذا اختار العتق برئت ذمته على التقديرين، فتعين العتق لذلك لا لانصرافه إلى المخيرة و إن شاركه في المعنى، و هذا كمن عليه كفارة مشتبهة بين المخيرة و المرتبة، فإنه يتعين عليه العتق لتيقن براءة الذمة منهما و إن لم يكن العتق متعينا عليه في نفس الأمر، بل من باب مقدمة الواجب، لتوقف براءة الذمة عليه».

قلت: قد تبع بذلك الفاضل في القواعد و ولده في الإيضاح، بل أطنب في تحرير المعنى المزبور، و قال: «إنه من غوامض هذا الباب».

و لكن قد يقال: إن المتجه على ما يقوله الشيخ مع فرض عدم التعيين ابتداء و بعد العتق الاجتزاء بإحدى خصال الكفارة المخيرة، و لا يتعين عليه العتق، و ذلك لأن مقتضى دليله رجوع أوامر الكفارات المتعددة و إن اختلفت إلى أمر واحد و هو التكفير، فيجتمع حينئذ على المكلف حكم الترتيب و التخيير، و يكون كما لو قال له «أعتق» مثلا و «أعتق أو صم أو أطعم» مثلا الذي لا ريب في تحقق الامتثال فيه بما ذكرنا، ضرورة كونه حينئذ عنده كسب واحد اقتضى ذلك، لأنه أرجع الأوامر المتعددة إلى أمر واحد بمقتضى كل واحد منها، و لذا لم يوجب التعيين، معللا له بصدق امتثال الأمر بالتكفير بدونه، و إن كان قد أوضحنا فساده، و قلنا:

إنه لا أمر بالتكفير مطلقا، و إنما الموجود الأوامر الخاصة، و التكفير الشامل لها قدر انتزاعي منا، و إنما الكلام في التفريع على قوله صحيحا كان أو فاسدا، و التحقيق فيه ما ذكرناه، و ليس عنده الباقي بعد العتق كفارة مجملة دائرة بين المرتبة و المخيرة كي يجب مراعاة الترتيب تحصيلا للبراءة اليقينية، بل صريح كلامه أن العتق الأول يقع مطلقا لا مجملا، و لكن قد اكتفى في الامتثال بإطلاقه، كوفاء درهم من الدرهمين في الذمة، تعدد سبب شغلها أو اتحد، و حينئذ فالمتجه الاكتفاء في الامتثال بخصلة المرتبة، و واحدة من خصلة التخيير، و لعل هذا أغمض مما ذكره فخر المحققين، و خصوصا إذا لاحظ وقوع ما ذكرناه دفعة بالعتق مثلا و الإطعام من

235

و كيله لو كيل الستين، و الله العالم و الموفق و المؤيد و المسدد.

و كيف كان ف لو كانت الكفارات من جنس واحد بأن تكرر الظهار منه أو القتل خطأ أو الإفطار في شهر رمضان قال الشيخ في محكي الخلاف يجزئ نية التكفير مع القربة، و لا يفتقر في الامتثال إلى التعيين بملاحظة سبب كل واحد منها بخصوصه، لصدق الامتثال بدونه، بل في محكي الخلاف نفي الخلاف عنه.

و في غاية المراد «لم أعرف القول باشتراط التعيين مع تجانس السبب لأحد من العلماء، و لكن المحقق جعل فيه إشكالا» و إن أنكر عليه الصيمري ذلك، و قال:

«إن مذهبه في الدروس وجوب التعيين، اتحدت الكفارة أو تعددت، اختلف الجنس أو اتحد، و هو ظاهر المصنف في المختصر، لأنه أطلق وجوب التعيين، و هو المعتمد».

قلت: هو كذلك فيما حكاه عنهما.

و لعله لذا قال الكركي في حاشية الكتاب: «المعتمد أنه لا بد من التعيين مطلقا، اختلف الأجناس أو تجانست، لأن الاجزاء إنما يتحقق بالإتيان بالمأمور به على الوجه المأمور به، و إنما يؤثر في وجوه الأفعال النية، فلا تتعين الكفارة لسبب معين إلا بالتعيين، و لا يضر قول شيخنا في شرح الإرشاد بأن اشتراط التعيين مع تجانس السبب لا نعرفه قولا لأحد من العلماء سوى ما ذكره المصنف فيه من الإشكال، إذ لا يضر عدم القائل مع قيام الدليل حيث لم يثبت الإجماع، و نقل الشيخ عدم الخلاف في ذلك مع تحققه غير قادح».

قلت: و مما عرفت يظهر الوجه في قول المصنف و فيه إشكال مضافا إلى ما ذكره غير واحد في وجهه من أن كل واحد من الكفارات عمل، و كل عمل مفتقر إلى النية، فكل كفارة تحتاج إلى نية، و إن كان فيه أن البحث في نية التعيين لا أصل النية التي لا كلام في وجوبها في كل واحد منها، ضرورة عدم صحة العبادة بدونها، و لا ريب في أن كل كفارة عبادة.

236

و من ذلك يعلم أن كثيرا من الكلمات في المقام مغشوشة حتى هؤلاء القائلين بوجوب التعيين في المفروض، فإن الصيمري منهم قال: «و المراد بالتعيين تعيين السبب لا تعيين شخص الكفارة فلا يجب أن يقول: «قتل زيد أو عمرو» و لا النذر الفلاني، و قد أخذه من الشهيد في غاية المراد قال: «و اعلم أن هاهنا تنبيها، و هو أن النزاع إما أن يكون في اشتراط تعيين خصوصية المحلوف عليه أو في اشتراط تعيين مطلق السبب؟ فان كان الأول فاحتمال عدم الاشتراط أظهر، و إن كان الثاني فالحق الاشتراط، لتردد الكفارة بين ما في الذمة و بين غيره، و ليس صرفها إلى ما في الذمة أولى من صرفها إلى غيره، فلا يتمحض لما في الذمة إلا بالنية، و الظاهر أنه لا نزاع في هذا عند هؤلاء، و أن محل النزاع هو الأول».

قلت: و من الغش الذي ذكرناه ما ذكروه من وجوب التعيين مع الاتحاد الذي هو صريح الدروس و التنقيح، و نسبوه إلى ظاهر النافع، مع أنه لا وجه لاعتبار التعيين مع الاتحاد، ضرورة كون المراد بالتعيين مع اشتراك ما في ذمة المكلف، و إلا فالمتعين في نفسه لا يحتاج إلى التعيين، و احتمال وجوب ملاحظة خصوص السبب تعبدا لا للتمييز- مع أنه من غير مسألة التعيين- واضح الفساد، ضرورة إطلاق أوامر التكفير بأسبابها، فالسبب غير داخل في وجه المأمور به قطعا، و إنما تجب نية السبب للتشخيص مع الاشتراك، بل هو كغيره من المشخصات و لا خصوصية له، و من هنا صح نية القربة و التكفير لمن كان في ذمته كفارة مرددة بين الظهار و القتل و إن تمكن من العلم بالرجوع إلى كتاب له مثلا أو بالتذكر و نحوهما.

نعم لا يجزئ مع الاتحاد نية العتق المطلق من غير ملاحظة التكفير لاشتراكه حينئذ بين التطوع و بينه، و هذا غير ما نحن فيه، كما أن ما سمعته من الصيمري لا مدخلية له في مسألة التعيين التي هي على القول بها في المتجانس لا بد من ملاحظة خصوص كل واحد منها بمشخص من مشخصاته.

و بذلك كله ظهر لك عدم تنقيح المسألة عندهم، و التحقيق فيها ما أشرنا إليه بعد عدم دليل بالخصوص قطعا من أنه متى تعددت الأوامر على وجه يقتضي التنويع

237

لم يحصل الامتثال إلا بملاحظة كل واحد منها، إذ المطلق لا أمر به كي يصح امتثاله، و الفعل لا مشخص له مع اشتراكه إلا بالنية، و متى كان الأمر متحدا و إن تعددت أفراده لا يجب التشخيص، لصدق الامتثال بدونه قطعا، و ذلك كقضاء أيام شهر رمضان الذي هو في الحقيقة كوفاء الدين، و الأمر الضمني لا يقتضي التنويع، ففي الكفارات مع اجتماع أسبابها كالظهار و القتل خطأ أو أحدهما مع الإفطار في شهر رمضان لا بد من التعيين، لأنها أوامر متعددة متنوعة، و لا مدخلية لاتفاق حكم الكفارة بالترتيب و التخيير و عدمه، ضرورة عدم اقتضاء الأول اتحاد الأمر الذي قد عرفت أنه المناط في عدم وجوب التعيين.

فما سمعته في المختلف- من التفصيل بين المتفقة حكما فلا يجب التعيين بخلاف المختلفة في الترتيب و التخيير فيجب- واضح الفساد، كما أن القول بوجوب نية التعيين في أفراد متحدة السبب ككفارات الظهار مثلا على وجه لا يجزئ إلا نية خصوص كل منها بأحد مشخصاتها كذلك أيضا، ضرورة أنها أفراد أمر واحد، و تعددها بتعدد السبب لا يقتضي تعدد أوامرها على وجه التنويع، ضرورة كون السبب في جميعها الأمر بالكفارة للظهار، و في الحقيقة مع تعدد السبب- مرتين مثلا- كان كالأمر بعتق رقبتين، بل كالأمر بوفاء الدرهمين و إن استقرضهما بعقدي القرض مثلا بخلاف اختلاف الجنس كالقتل و الظهار، فان لكل منهما أمرا مستقلا بكفارته بتوقف امتثاله على تشخيصه، و كان الشيخ في المبسوط ظن أن هذه الأسباب كأسباب الدين المختلفة بالقرض و الجناية و الشراء مثلا، فإنه مع اجتماع القدر المخصوص منها في الذمة يكفي في صدق الوفائية الدفع المطلق عنها من دون تشخيص، و لكنه كما ترى، ضرورة الفرق بين أوامر العبادة الملاحظ فيها قصد الامتثال و غيرها، فلا بد من ملاحظة كل واحد منها بإحدى مشخصاته في صدق امتثاله.

و بذلك كله بان لك الوجه في اختلاف كلماتهم، و أن التحقيق فيها ما ذكرنا،

238

و أنه لا معنى لإشكال المصنف في عدم وجوب التعيين في أفراد متحدة الجنس لما عرفت من أنها أفراد أمر واحد، نعم يجب قصد التكفير عن ذلك السبب أو عما في ذمته في كل واحد منها لا خصوص كل واحد منها بمشخصه. كما إذا اختلف السبب.

بل بان لك مما ذكرناه أنه لا وجه لقول المصنف أما الصوم فالأشبه بالمذهب أنه لا بد فيه من نية التعيين ضرورة عدم الفرق بين الصوم و غيره من خصال متحدة الجنس، و قول الأصحاب يجب التعيين في الصوم في غير شهر رمضان و النذر المعين يراد منه بنية التكفير، لا خصوص كل شخص من أشخاص سببها المتحد، كما هو واضح و بذلك يظهر لك أن هذا الكلام من جملة الكلام المغشوش.

و أما ما ذكره هنا من أنه يجوز تجديدها إلى الزوال فهو أمر خارج عما نحن فيه، و قد استوفينا الكلام فيه في كتاب الصوم، و أنه هل يختص بالناسي و من بدا له أو مطلقا حتى من تعمد العدم في الليل حتى طلع الفجر، فلاحظ و تأمل.

239

[فروع على القول بعدم وجوب التعيين]

فروع:

على القول بعدم وجوب التعيين

[الأول لو أعتق عبدا عن إحدى كفارتيه صح]

الأول:

لو أعتق عبدا عن إحدى كفارتيه المتفقتين في الترتيب، أو التخيير أو المختلفتين صح، لتحقق نية التكفير التي اجتزأ بها القائل بذلك إذ لا عبرة بالسبب عنده و لا غيره من المميزات مع اتحاد الحكم الذي هو وجوب العتق مرتبا أو مخيرا، نعم على ما سمعته من العلامة لا بد من إرادة الترتيب في الكفارتين أو التخيير فيهما من اتحاد الحكم فهو حينئذ أخص من الأول، و حينئذ فإن كانتا مع اختلاف سببهما متفقتين في الجمع أو الترتيب أو التخيير بريء من العتق عن أحدهما، و لزمه في الأول عتق رقبة اخرى مطلقة كذلك فتبرأ ذمته منهما بالنسبة إلى العتق، و كذا في الثاني أو المركب منهما، و أما الثالث فإنه بالعتق تبرأ من إحداهما و يتخير ثانيا بين فعل إحدى الخصال الثلاث مطلقة فيبرأ منهما.

و لو كانت إحداهما مرتبة و الآخرى مخيرة برئت ذمته من إحداهما أيضا لا على التعيين، و تعين عليه العتق ثانيا عن إحداهما كذلك، لتوقف البراءة مما في ذمته المتردد بين الأمرين عليه إن لم يصرف ذلك المطلق الأول بعد العتق إلى واحدة معينة و إلا لزمه حكم الآخرى خاصة، و لو عجز ثانيا عن العتق تعين عليه الصوم، لما عرفت من العلة في العتق.

240

[الثاني لو كان عليه كفارات ثلاث متساوية]

الثاني:

لو كان عليه كفارات ثلاث متساوية في الترتيب بين العتق و الصوم و الصدقة نحو كفارة الظهار و القتل و الجز بناء على أنه كفارة ظهار، أو متساوية في الخصال و إن اختلفت في الترتيب و التخيير، كما لو كان مع الأولتين كفارة إفطار شهر رمضان فأعتق و نوى القربة و التكفير أجزأ عن واحدة غير معينة إذا لم يعينها بعد العتق.

ثم لو عجز عن العتق فصام شهرين متتابعين بنية القربة و التكفير بريء من اخرى كذلك أيضا ثم لو عجز عن الصوم فأطعم ستين مسكينا كذلك بريء من الثلاث و لو لم يعين و كذا لو كان إحدى الثلاث مثلا مخيرة، أما لو كانت الثلاث مخيرة فلا حاجة إلى اعتبار العجز بخلافه على الأولين، و لو اجتمع عليه ثلاث كفارات جمع فأعتق و نوى الكفارة مطلقا فإنه يبرأ من عتق واحدة غير معينة، فاذا صام كذلك بريء من صوم واحدة كذلك، فإذا أطعم فكذلك ثم إن لم يصرفه إلى واحدة معينة و إلا افتقر في تعيين الخصال إلى الإطلاق، و الله العالم.

241

[الثالث لو كان عليه كفارة و لم يدر سببه فأعتق و نوى القربة و التكفير أجزأ]

الثالث:

لو كان عليه كفارة و لم يدر أ هي عن قتل مثلا أو عن ظهار فأعتق و نوى القربة و التكفير أجزأ بلا إشكال. لما عرفت من إجزاء هذه النية مع العلم بنوع الكفارة و تعددها، فمع الجهل و اتحادها أولى، بل في المسالك «و لو اشترطنا التعيين مع العلم احتمل سقوطه مع الجهل- كما في هذه الصورة- و وجوب التردد بين الأمرين كالصلاة المشتبه حيث و جب تعيينها ابتداء فكذا مع الجهل، فتردد النية بين الأقسام المشكوك فيها، و هو أولى».

و فيه أن المتجه سقوطه حتى مع العلم، لأنه متعين في نفسه، و التعيين إنما يجب مع التعدد، لتوقف صدق الامتثال عليه بخلاف المتعين، فإنه يكفي في صدق امتثاله ملاحظة الأمر المتعلق به واقعا، و ليس في الأدلة وجوب التعرض لخصوص السبب في النية، ضرورة صدق امتثال كفارة النذر مثلا بقصد الأمر الذي في ذمته، و كان في الواقع نذر مثلا، كما هو واضح.

و قد يفرق بين الظهرية و العصرية و بين المقام بإمكان القول بوجوب ملاحظة القيود المزبورة في نفسها، لا للتعيين لدخولها في نفس المأمور به، فيتوقف صدق الامتثال عليها، بخلاف المقام المعلوم خروج ملاحظة السبب عن المكلف به الذي هو الكفارة له فتأمل جيدا، فإنه لا يخلو من دقة.

هذا و في حاشية الكركي على الكتاب «و لو قلنا باشتراط التعيين وجب الترديد بينهما» و لا يخفى ما فيه، ضرورة عدم كونه تعيينا حينئذ، بل إما أن يقال بسقوطه أو لا بد من التكرار بناء على حصول الاحتياط به، و الله العالم.

242

[الرابع لو شك بين النذر و الكفارة فنوى التكفير لم يجز و كذا العكس]

الرابع:

لو شك فيما في ذمته بين نذر و كفارة ظهار مثلا فنوى التكفير أو النذر لم يجز، لأن النذر لا يجزئ فيه نية التكفير و هو لا يجزي فيه نية النذر، نعم لو نوى إبراء ذمته من أيهما كان مع الترديد بينهما و بدونه كما سمعته سابقا جاز لكونه قدرا جامعا بينهما مختصا بهما مع فرض عدم احتمال غيرهما في ذمته، بل يقوى الاكتفاء بذلك مع تمكنه من العلم، لما سمعته سابقا من اتحاد المكلف به و تعينه في نفسه، بل و إن لم يتشخص عنده بما عينه به واقعا، و ما سمعته من الكركي سابقا قد عرفت ما فيه و إن ذكره هنا أيضا.

و لو نوى العتق مطلقا أي مجردا عن الصفة التي تقتضي تشخيصه في الواقع لم يجز، لأن احتمال إرادة التطوع أظهر عند الإطلاق، و مع فرض عدم نيتها أقصاه الإطلاق المجرد عن التشخيص، و كذا لو نوى الوجوب، لأنه قد يكون لا عن كفارة و لا عن نذر، فهو غير قابل في حد ذاته للتشخيص، لأنه من صفات الأمر، نعم لو نوى العتق الواجب مريدا به التشخيص أجزأ، بل لو قصد التميز بالوجوب كان كذلك و إن كان الأول أظهر في إرادة التشخيص.

و لعله لذا فرق في القواعد بين نية الوجوب و العتق الواجب، فلا يجزئ الأول و يجزئ الثاني، فما في المسالك- من أن الفرق بينهما غير واضح- لا يخلو من نظر، و الأمر سهل بعد معلومية كون المدار على نية ما يحصل به التشخيص واقعا و إن لم يعلم به بعينه، لصدق الامتثال، و الله العالم.

243

[الخامس لو كان عليه كفارتان و له عبدان فأعتقهما و نوى نصف كل واحد منهما عن كفارة صح]

الخامس:

لو كان عليه كفارتان مثلا و له عبدان فأعتقهما عنهما و لكن كان كيفية ذلك بأن نوى عتق نصف كل واحد منهما عن كفارة قاصدا للسراية في النصف الآخر أو لم يتعرض لذلك على حسب ما سمعته سابقا صح، لأن كل نصف تحرر عن الكفارة المرادة به بقصده تحرره لها و يحرر الباقي عنها بالسراية التي قد عرفت الحال فيها.

و كذا لو أعتق نصف عبده عن كفارة معينة صح لأنه ينعتق كله دفعة كما تقدم الكلام في ذلك كله و في المحكي عن ابن الجنيد، و ليس المراد من العبارة عتق كل من نصفي كل من العبدين عن كفارة بمعنى نية نصف عن واحدة و النصف الأخر عن الآخرى، و هكذا الحال في العبد الآخر، كما ادعى في المسالك أنه المتبادر من العبارة أو هي شاملة له، ضرورة فساده على هذا التقدير، بل لا موضوع للسراية و الرغبة فيه ملفقة، و من المعلوم عدم إجزائها حينئذ، فليس المراد من العبارة إلا ما ذكرناه، و يكون هو حينئذ عين المسألة السابقة.

و لكن المصنف أعاده لبيان حكم ما ذكره بقوله أما لو اشترى أباه أو غيره ممن ينعتق عليه و نوى به التكفير قال في المبسوط يجزئ للصدق، إذ العتق و إن كان قهريا إلا أنه اختياري السبب، مثل عتق النصف المقتضي للسراية، و مع فرض استمرار النية تصادف ملكه الذي هو شرط أو سبب في الانعتاق، و في الخلاف لا يجزئ، و هو أشبه عند المصنف بأصول المذهب و قواعده، لأن نية العتق قبل الشراء لا أثر لها، إذ هي تؤثر في ملك المعتق و إن تبعه غيره، كما سمعته في العبد المشترك لا في ملك غيره و بعده تصادف حريته ف ان السراية سابقه على النية، و حينه ملكا (1) غير مستقر ف على كل حال

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية المسودة و المبيضة و الاولى «كان ملكا».

244

لا يصادف حصولها ملكا يصلح للعتق عن الكفارة.

و قد استشكل في ذلك الفاضل في القواعد، و جعل منشأ الاشكال ما سمعته من التعليلين، لكن في إيضاح ولده «الأصح عدم الإجزاء، لأن الملك هنا سبب معد للعتق لا من الأسباب الفاعلة، لأن السبب الفاعل هنا النسب، و الملك جاعل المحل قابلا لتأثير النسب في العتق، و فاعل قبول المحل لأثر صادر عن غيره ليس بفاعل لذلك الأثر، فلا يصدق عليه أنه أعتق، و لأن المكلف به مباشرة العتق، و مباشرة العتق إنما تكون بفعل سببه المؤثر، و القابل لا يصلح هنا للتأثير- قال-: و لقد عرضت هذا على المصنف و استحسنه- و قال-: الذي افتى به أنه لا يجزئ».

و فيه إمكان منع كون الفاعل النسب، إذ قد يقال: إنه الملك بشرط النسب أو هما معا العلة التامة، بل مع قطع النظر عن ذلك يصدق نسبة التحرير إليه على نحو غيرها من النسب الصادرة من الأسباب كما أومى إليه فيما تسمعه من المسالك.

و كأن الشهيد في غاية المراد قد عرض به، حيث استدل على الإجزاء بأن «الملك سابق على السراية قطعا، لسبق العلة على المعلول، و السبب سابق على الملك، ضرورة سبق السبب على المسبب، و النية مقارنة للسبب إلى حين الشراء، فالسراية لم تصادف إلا عبدا معتقا عن كفارة فلا سراية- ثم قال-: و حينئذ نمنع وجود العتق هنا إلا عن الكفارة لأنه إنما ينعتق لو لم يوجد سبب أسبق، و قد وجد نية الكفارة» و لا يخلو من قوة و إن ناقشه في كشف اللثام بأنه لو لم يكن العتق للقرابة لافتقر إلى صيغة، و التزامه بعيد جدا، على أن نية العتق ليست سببا فيه، و الأسباب الشرعية لا تتمانع.

و لكن في المسالك بعد أن ذكر ما سمعته في غاية المراد قال: «و هذا متجه بشرط استصحاب النية فعلا إلى عقد البيع، لتصادف الملك و تصدق مقارنتها للسبب إلى حين الملك، و ما ذكروه من الفرق بين هذه و عتق المشترك بأن النية إنما أثرت

245

في المملوك أما ما سرى إليه العتق من ملك الغير فلم يكن مملوكا حال النية، و إنما ترتب السراية على عتق البعض و حكم بملك المعتق له ضمنا قبل السراية فالأمر هنا كذلك، بل الملك هنا حقيقي لا ضمني، لأن الانعتاق مسبب عن ملك القريب له، فإذا قارنته النية فقد قارنت العتق و اشتركا في مقارنتها السبب، و ربما فرق بين الأمرين بأن العتق بالنسبة إلى السراية إلى حصة الشريك سبب فاعلي له، و الشراء بالنسبة إلى عتق القريب سبب معد لا فاعل، لأنه يجعل المحل قابلا لتأثير النسب في العتق، و السبب الفاعلي فيه هو النسب، و فاعليته قبول المحل لأثر بفعل غيره غير فاعل لذلك الأثر، و المعتبر في العتق المطلوب في الكفارة كون المعتق فاعلا له كما مر، و فيه نظر، لاشتراك الأمرين في أصل السببية التي لها مدخل في التأثير في العتق، و الفاعل له حقيقة هو الله، و إنما هذه اعتبارات نسبها الله تعالى علامة لحكمة لا فاعلة في الحكم، فإما أن يصح العتق في الكفارة فيهما نظرا إلى السببية أو لا فيهما، لعدم مباشرته للصيغة التي جعلها الشارع موجبة للعتق بذاتها».

قلت: و هو ما أشرنا إليه سابقا من الاتحاد في صدق النسبة عرفا في الجميع، إذ التحرير الجعل حرا، و هو يعم ما كان بالصيغة و غيره، و هنا قد حرره بالشراء، و لما كان عقد البيع هنا كافيا في العتق جري مجرى صيغة الإعتاق، فكما تكفي النية عندها تكفي عنده، و إن ضويق في الاكتفاء بها فلينوه مستمرا إلى ما بعده، ليصادف الملك، كما أشرنا إليه سابقا، فالمتجه حينئذ الاجزاء إلا أن يكون إجماعا، كما عساه يظهر من عبارة المبسوط، حيث قال: «لا يجزئ عندنا» و من الغريب أن الموجود من عبارته ذلك، و قد حكى المصنف عنه في المتن القول بالإجزاء اللهم إلا أن يكون له مقام آخر.

246

[الشرط الثاني تجريده عن العوض]

الشرط الثاني:

تجريده عن العوض ف لا تجزئ المكاتبة بنوعيها بل لو قال لعبده:

«أنت حر و عليك كذا» لم يجز عن الكفارة اتفاقا كما في كشف اللثام، و ل علة لما ذكره غير واحد، بل ظاهرهم أنه كالمفروغ منه من أن قصد العوض ينافي الإخلاص المعلوم اعتباره في العبادة التي قد عرفت كون الكفارة منها.

و كذا لو قال له قائل: «أعتق مملوكك عن كفارتك و لك علي كذا» فأعتقه لم يجز عن الكفارة أيضا إجماعا كما في المسالك فيه و في سابقه، لما عرفته، و ما عن بعض الشافعية- من الصحة عن الكفارة و سقوط العوض، لحصول العتق، فهو حينئذ نحو قول القائل: «صل الظهر عن نفسك و لك علي كذا» فصلى أنه تجزؤه صلاته و لا يستحق العوض- واضح الفساد بعد ما عرفت، بل لعل الحكم في المقيس عليه كذلك إذا فرض أنه صلى بقصد العوض المنافي للإخلاص.

نعم قد يشكل أصل التعليل في الصورتين بأن ذلك إن نافى الإخلاص المعتبر في نية الكفارة نافاه أيضا في نية العتق المجرد عنها بناء على أنه عبادة، ضرورة عدم الفرق حينئذ بين النية فيهما، و ظاهرهم المفروغية من الصحة مع التجرد عن الكفارة، بل الجعل في الصورة الثانية إن كان منافيا للإخلاص في النية لم يصح جعله في الحج و الصلاة و غيرهما من العبادات، و كذا الإجارة المعلوم فساد التزامه، لاستفاضة النصوص (1) في الإجارة على الحج.

و دعوى الفرق بين المقام و بينه- بأن الجعل هنا على فعل راجع إلى نفس المجعول له بخلاف الأول- يدفعها أن ذلك يقتضي فساد الجعالة لا فساد النية، مع

____________

(1) الوسائل الباب- 2 و 3 و 4 و 10 و 11- و غيرها من أبواب النيابة في الحج- من كتاب الحج.

247

أن ظاهرهم عدم الإشكال في الصحة من هذه الجهة و لعله لإطلاق أدلة الجعالة (1) و إمكان ترتب نفع له على ذلك، فالتحقيق الاستناد في أصل الحكم إلى الإجماع الذي سمعته، أو إلى دعوى ظهور أدلة الكفارة في التحرير المجرد عن العوض.

نعم في وقوع العتق لا عنها تردد من تغليب الحرية و صدور الصيغة من أهلها في محلها كما عن المبسوط، بل في غاية المراد «هذا هو الأصح» و في كشف اللثام «هو الأجود» و من أنه إنما نوى المقيد الذي يرتفع المطلق- الذي لم ينو- بارتفاعه، إذ لا عمل إلا بنية، و لعله الأقوى وفاقا للدروس و حاشية الكركي.

و لكن لو قيل بوقوعه هل يلزم العوض؟ قال الشيخ: نعم، و هو حسن في الصورة الأولى، لعموم ما دل (2) على صحة الشرط فيها، و البطلان عن الكفارة لا يقتضي بفساد الشرط الذي صحته تبع لصحة العتق لا لصحة كونه عن الكفارة.

أما الثانية فلا يخلو من وجه بناء على ما عن المبسوط من أنه يقع عن الباذل، و يكون ولاؤه له، و إن كان فيه ما فيه أيضا، أما على القول بكونه عن المالك فقد يشكل بأنه لم يقع المعوض عنه، و هو العتق عن الكفارة، و لا وقع العتق له، فلا يستحق العوض الذي هو الجعل على ذلك، و من هنا قيل: إن الحكم بلزوم العوض و عدم الإجزاء عن الكفارة مما لا يجتمعان، و الثاني ثابت إجماعا فينتفي الأول.

و ما يقال-: من أن الجعل قد وقع عن العتق عن الكفارة، و قد فعل و إن كان لا يجزئ شرعا، إذ الإجزاء حكم شرعي، و ليس فعلا للمكلف حتى يصح

____________

(1) الوسائل الباب- 1- و غيره من كتاب الجعالة.

(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب المكاتبة من كتاب التدبير و المكاتبة.

248

الجعل عليه- يدفعه أن الجاعل إنما يجعل على الفعل الصحيح شرعا، نحو غيره من الجعل على نحو الصلاة و الحج و غيرهما، و تعذر ذلك هنا لا يقتضي إرادة الصورة، خصوصا إذا كان الجاعل جاهلا بالحكم الشرعي، فالحق عدم استحقاق الجعالة حينئذ، نعم لو علم بالقرائن أن الغرض من ذلك تخليص العبد من الرق كيف كان و ذكر الكفارة من باب المثال اتجه حينئذ لزومه حتى لو قلنا بوقوع العتق عن المالك.

و على كل حال لو رد المالك العوض بعد قبضه أو أبرأه قبل قبضه لم يجز عن الكفارة أيضا لأنه إذا لم يجز حال الإعتاق فلم يجز فيما بعد، نعم لو قال ابتداء عقيب الالتماس: «أعتقه عن كفارتي لا على الألف» كان ردا لكلامه و أجزأه عن الكفارة، كما هو واضح.

و لو اشترى بشرط العتق فأعتقه عن الكفارة ففي محكي المبسوط لم يجزه عنها، و لعله لأنه إن جبر على الإعتاق فهو عتق واجب لغير الكفارة، و إلا فهو إعتاق لغير تام الملكية، لكنه كما ترى، ضرورة تناول الإطلاقات له، إذ هو عتق بلا عوض، و الوجوب بالشرط مؤكد للوجوب عن الكفارة لا إعتاق، و لعله لذا كان المحكي عن التحرير و المختلف الحكم بالإجزاء، و في كشف اللثام «لا يبعد التفصيل بالإجزاء إن تقدم وجوب الكفارة على الشراء، و العدم إن تأخر» و لا يخلو من نظر بناء على أن المراد من الشرط حصول ماهية العتق كيف كان بحيث يندرج فيه العتق عن الكفارة، و الله العالم.

249

[الشرط الثالث أن لا يكون السبب محرما]

الشرط الثالث:

أن لا يكون السبب المؤثر للعتق محرما، فلو نكل بعبده بأن قلع عينيه أو قطع رجليه و نوى التكفير انعتق، و لم يجز عن الكفارة بلا خلاف و لا إشكال للنهي (1) المنافي لقصد الطاعة به المتوقف على الأمر به.

هذا كله في العتق.

[القول في الصيام]

و أما القول في الصيام و هو أحد خصال الكفارة بلا خلاف في أنه يتعين أي الصوم في المرتبة مع العجز عن العتق المراد من عدم الوجدان الذي هو عنوان الحكم في الكتاب العزيز (2) أو المندرج فيه، و لا إشكال بعد توافق الكتاب و السنة (3) و الإجماع عليه.

و لا ريب في أنه يتحقق عدم الوجدان الذي عبر عنه المصنف ب العجز إما بعدم وجود الرقبة عنده و عدم ثمنها و إما بعدم التمكن من شرائها و إن وجد الثمن، لعدم الباذل و قيل: حد العجز عن الإطعام أن لا يكون معه ما يفضل عن قوته و قوت عياله ليوم و ليلة و نحوه في التحرير إلا أنه لا يخفى عليك ما في ذكر ذلك في المقام الذي هو في العجز عن الرقبة لا الإطعام.

و من هنا قال في المسالك بعد أن ذكر استثناء النفقة: «و لم يقدر الأكثر هنا للنفقة و الكسوة مدة، فيمكن أن يكون المعتبر كفاية العمر، و يتحقق ذلك بملك ما يحصل من نمائه إدرار النفقة في كل سنة بما يقوم بكفايته و نحو ذلك،

____________

(1) يمكن استفادة النهي مما ورد في تعزير من نكل بعبده المروي في المستدرك في الباب- 19- من كتاب العتق.

(2) سورة النساء: 4- الآية 92.

(3) الوسائل الباب- 10- من أبواب الكفارات.

250

و يمكن أن يريدوا به مئونة السنة، لأن المئونات تتكرر فيها و يتجدد الإعداد لها، و أن يريدوا به قوت يوم و ليلة زيادة على المحتاج إليه في الوقت الحاضر من الكسوة و الأمتعة، و لعدم ورود التقدير هنا في النصوص عدل المصنف إلى قوله: «و قيل: حد العجز» إلى آخره، و لم يذكر العجز عن الرقبة لما ذكرناه».

و فيه أن المصنف لم يتقدم له ذكر النفقة أصلا، و إنما ذكرها بعد ذلك، و يمكن أن يكون مراد المصنف بذلك أنه يأتي على هذا القول كون حد العجز عن الرقبة أن لا يكون عنده ما يفضل عن قوت يوم و ليلة، ضرورة عدم الفرق بينهما في ذلك، و وجهه حينئذ أن الكفارة من قبيل الديون التي يقتصر فيها على ذلك مع المستثنيات، و إن كان قد يناقش بإمكان كون المراد من الوجدان الغنى نحو

قوله (عليه السلام) (1): «لي الواجد يحل عقوبته و عرضه»

الذي هو مثل

قوله (2): «مطل الغني يحل عقوبته و عرضه».

قال في الصحاح: «وجد في المال وجدا و وجدا و وجدا و جدة أي استغنى- إلى أن قال-: و أوجده أو أغناه يقال: الحمد لله الذي أوجدني بعد فقر» و في مختصر النهاية «الواجد الغني الذي لا يفتقر، و لي الواجد أي القادر على قضاء دينه، و وجد يجد جدة استغنى».

و ربما يؤيده

موثق إسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «سألته عن كفارة اليمين في قوله تعالى (4) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ما حد من لم يجد؟

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب الدين و القرض الحديث 4 من كتاب التجارة.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الدين و القرض الحديث 3 و المستدرك الباب- 8- منها الحديث 2 و 6 و سنن البيهقي ج 6 ص 70 و في الجميع «مطل الغنى ظلم».

(3) الوسائل الباب- 13- من أبواب الكفارات.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 89.