جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج33

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
345 /
301

و لو قال: «لا جامعتك في دبرك» لم يكن مؤليا لأنه محسن غير مضار، و كذا لو قال: لا وطأتك في حيض أو نفاس» أو نحو ذلك.

و هل يشترط تجريد الإيلاء عن الشرط؟ للشيخ قولان، أظهرهما عند المصنف اشتراطه كما عن بني حمزة و زهرة و إدريس و يحيى بن سعيد و الفاضل في أحد قوليه، فلو علقه بشرط أو زمان متوقع أو صفة كان لاغيا بل عن الخلاف الاستدلال عليه بالإجماع و الأخبار و أصالة البراءة، لكن لعل المراد بالأخبار ما سمعته من النصوص (1) المتضمنة لتفسيره منجزا، و إلا فلم نقف على خبر يدل على الحكم المزبور بخصوصه، و بالإجماع أنه إنما وقع مطلقا، و لا دليل على وقوعه مشروطا، نعم عن ابن زهرة دعوى الإجماع على اشتراط التجريد، كما عن ظاهر السرائر.

إلا أن الأقوى مع ذلك جوازه وفاقا للمحكي عن المبسوط و المختلف، لما عرفت من عدم تسبيب للشارع في الإيلاء زائد على تسبيب اليمين المعلوم قبوله للشرط، و حينئذ فكل ما جاز في مطلق اليمين يجوز فيه، بل هو ليس إلا فردا مخصوصا من اليمين، و النصوص (2) المزبورة إنما سيقت لبيان صيغته بالنسبة إلى المحلوف به و المحلوف عليه، لا غير ذلك مما يشمل المفروض، و الإجماع المزبور بالمعنى الذي ذكرناه يرجع إلى الاحتياط الذي لا يعارض الإطلاق.

و أما إجماع ابن زهرة المعتضد بظاهر السرائر فلم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه، و كأنه نشأ من توهم كون الإيلاء كغيره من أفراد الإيقاع المعلوم عدم جواز تعليقه بالإجماع و غيره مما عرفته سابقا، كالطلاق و نحوه إلا ما خرج و نحوه.

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 1 و الباب- 9- منها.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 6 و الباب- 9- منها.

302

و لكن قد عرفت أنه ليس الإيلاء إلا اليمين الذي قد دل الدليل على جواز تعليقه، و ليس له إنشائية زائدة على إنشائيته، و لا تسبيب زائد على تسبيبه، نعم لهذا الفرد الخاص من اليمين و هو المتعلق بترك جماع الزوجة الدائمة أزيد من المدة أحكام شرعية بها استحق اسم الإيلاء، و دعوى أن من خصوصيته كونه منجزا لا دليل عليها. بل لعل الإطلاق يقتضي خلافها، و لعله إلى ذلك أشار في كشف اللثام، حيث إنه بعد أن اختار الجواز فرق بينه و بين غيره من الإيقاع- كالطلاق و العتاق- بأنهما إيقاعان، و التعليق ينافي الإيقاع، و الإيلاء يمين و التزام.

و كيف كان ف لو حلف بالعتاق لا يطأها أو بالصدقة أو التحريم بأن قال: إن جامعتك فعبدي حر أو مالي صدقة أو أنت أو فلانة محرمة علي أو نحو ذلك لم يقع عندنا يمينا فضلا عن الإيلاء و لو قصد الإيلاء لما عرفته من اعتبار الحلف بالله تعالى.

و كذا لو قال: إن أصبتك فعلي كذا لم يكن إيلاء بلا خلاف و لا إشكال، و إنما ذكره تنبيها على خلاف بعض العامة في ذلك، و ضعفه بل فساده واضح عندنا.

و لو آلى من زوجته و قال للأخرى: شركتك معها أو أنت شريكتها أو مثلها أو نحو ذلك لم يقع بالثانية و لو نواه، إذ قد عرفت أنه لا إيلاء إلا مع النطق باسمه تعالى و لا تجزئ الكناية عنه و إن قلنا بالاكتفاء بها في المحلوف عليه، بل في المسالك «فان التصريح باسمه عماد الدين (1) حتى لو قال به:

لأفعلن كذا ثم قال: أردت بالله لم ينعقد يمينه، و هذا مما اتفق عليه الكل و إن اختلفوا في مثل قوله: أنت طالق ثم قال للأخرى: شركتك معها، فقد قال جمع بوقوعه، لأن الكنايات فيه عن الطلاق، و هو مما قد قيل بوقوعه أيضا ككناية المحلوف عليه هنا» و هو حسن إلا دعوى اعتبار التصريح به بحيث

____________

(1) هكذا في النسختين المخطوطتين و في المسالك «فان التصريح باسمه عماد اليمين».

303

لا يجزئ الضمير.

و على كل حال ف لا يقع الإيلاء إلا في إضرار بلا خلاف أجده في ذلك، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، فلو حلف لصلاح اللبن أو لتدبير في مرض لم يكن له حكم الإيلاء، و كان كالأيمان قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1): المنجبر بما عرفت «أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين إن امرأتي أرضعت غلاما و إني قلت: و الله لا أقربك حتى تفطميه، قال (عليه السلام): ليس في الإصلاح إيلاء»

و قد تقدم ما في صحيح الحلبي (2)

و غيره (3) من أن «الإيلاء أن يقول: و الله لا أجامعك كذا و كذا، و الله لأغيظنك ثم يغاضبها»

و نحوه ما في خبر أبي الصباح (4) «الإيلاء أن يقول الرجل لامرأته:

و الله لأغضبنك و لأسوأنك»

و في الخبر أو الصحيح (5) «إن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤول»

فمن الغريب وسوسة بعض الناس في الحكم المزبور، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 9- من أبواب الإيلاء.

(4) الوسائل الباب- 9- من أبواب الإيلاء الحديث- 3.

(5) الوسائل الباب- 1- من أبواب الإيلاء الحديث 2.

304

[الأمر الثاني في المؤلي]

الأمر الثاني:

في المؤلي و لا خلاف كما لا إشكال بل الإجماع بقسميه عليه في أنه يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل و الاختيار و القصد مضافا إلى ما عرفته مكررا من الأدلة العامة الدالة على اشتراطها في غيره من العقود و الإيقاعات.

و يصح من المملوك حرة كانت زوجته أو أمة لمولاه أو لغيره مع اشتراط رقية الولد و عدمه، للعموم كتابا (1) و سنة (2)، بل لا أجد فيه خلافا و لا إشكالا، نعم في المسالك «أما إذا كانت حرة فظاهر، إذ لا حق للمولى في وطئه و عموم الآية (3) يتناوله، و أما إذا كانت أمة للمولى أو لغيره و شرط مولاه رقية الولد فقد ينقدح عدم وقوع الإيلاء منه، لأن الحق فيه لمولاه، فيتوقف على إذنه» و فيه منع حق للمولى على وجه يصح إجباره عليه، و وجوب الطاعة ليس حقا في خصوص الفرض، و إلا لجاء الإشكال في الحرة أيضا، فالمتجه العموم.

و كذا يصح من الذمي و غيره من الكفار المقرين بالله للعموم، و امتناع صحة الكفارة منهم ما داموا كفارا لا يقدح في صحته، لأن الشرط مقدور عليه بتقديمه الإسلام، و لا ينحل بالإسلام، خلافا لمالك، و لم يخالف الشيخ هنا في الوقوع منه و إن خالف في الظهار، مع أن المقتضي واحد.

هذا و في المسالك «و التقييد بالذمي من حيث اعترافه بالله تعالى، و ينبغي أن لا يكون على وجه الحصر فيه، بل الضابط وقوعه من الكافر المقر بالله تعالى ليتوجه حلفه به» و يقرب منه ما في كشف اللثام.

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 1 و 6 و الباب- 9- منها.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 226.

305

و قد يقال بترتب حكم الإيلاء عليه من التكفير و نحوه بالحلف بالله و إن لم يكن مقرا به، لأنه مكلف بالفروع التي منها ترتب ذلك على الحلف بالله من المقر و غيره للعموم و لأنه لولا ذلك لم يتوجه اليمين عليه لو ادعى عليه.

و كذا يصح من الخصي الذي يولج و لا ينزل بلا خلاف و لا إشكال، للعموم.

نعم في صحته من المجبوب الذي لم يبق من آلته ما يتحقق به اسم الجماع تردد من العموم و من كونه يمينا على الممتنع، بل و خلاف. لكن أشبهه الجواز وفاقا للمبسوط و التحرير و الإرشاد و التبصرة و التلخيص، لعموم الكتاب (1) الذي لا ينافيه

ما في السنة من كون «الإيلاء أن يقول: و الله لا أجامعك» (2)

لإمكانه منه بالمساحقة، خصوصا إذا بقي من آلته دون الحشفة يلجه في الفرج و ينزل منه، و أولى من ذلك بالجواز ما لو عرض الجب بعد الإيلاء.

و على كل حال ف تكون فئته بناء على ما ذكرنا العود إلى المساحقة، لا أنها تكون كفئة العاجز لمرض و نحوه التي هي القول باللسان «لو قدرت لفعلت». نعم قد يقال: إن فئته ذلك لو فرض تعذر المساحقة منه، و لا ينافي ذلك عدم صدق للجماع حتى على المساحقة، لإطلاق قوله تعالى (3):

«لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ» و ليس في شيء من النصوص السابقة اشتراط الجماع الذي يمكن دعوى انسياقه إلى غير المساحقة، بل أقصاها أن يقول الرجل لزوجته: «و الله لا أجامعك» و هو متحقق فيمن يكون مجامعته المساحقة و نحوها، بل و من لا يكون له مجامعة أصلا، بناء على ما ستعرفه من عدم اعتبار إمكان وقوع المحلوف عليه

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 266.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 1 و الباب- 9- منها الحديث 1 و 2.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 266.

306

من الحالف في الإيلاء، فيتحقق حينئذ بذلك، و تكون فئته القول باللسان و العزم على الفعل مع فرض إمكانه له، ضرورة أن ذلك فئة مثل هذا المولى الذي فرض تناول الأدلة له، نعم قد يقال: إنه و إن سلم كون فئته ذلك لكن لا ريب في عدم تحقق الإضرار الذي اعتبروه شرطا، إذ الفرض أنه لإجماع له، اللهم إلا أن يمنع شرطيته ذلك على وجه ينافي ذلك، و إنما المراد منها إخراج الحلف لصلاح الولد و نحوه، لا بحيث يشمل المقام، و من هنا كان المشهور تحقق الإيلاء، مع أنك قد عرفت الاتفاق على اعتبار الإضرار، و لا يمكن ذلك إلا بما قلناه.

و على كل حال فما في المسالك- من أن الأصح عدم الإيلاء منه، لفقد شرط الصحة منه، و هو مخصص لعموم الآية، و الفرق بينه و بين المريض توقع زوال عذره دونه، و مرافعته و صرب المدة له ليقول باللسان ذلك في حكم العبث الذي لا يليق بمحاسن الشرع، حتى التزم لذلك بطلان الإيلاء لو عرض الجب في أثنائه، لاستحالة بقاء اليمين مع استحالة الحنث، و مجرد المطالبة باللسان و ضرب المدة لذلك قبيح، كالمجبوب ابتدءا- لا يخلو من نظر بعد الإحاطة بما ذكرناه، مضافا إلى إمكان منع عدم انعقاد اليمين على الممتنع، للإطلاق، و استحالة الحنث لا ينافي انعقادها.

لكن الانصاف عدم تحقق الإضرار بالزوجة الذي قد عرفت اعتباره مع الحال المزبور إلا على المساحقة التي ذكرناها، فتأمل جيدا. هذا كله المجبوب الذي لم يبق من آلته ما يتحقق به اسم الجماع، و إلا جاز الإيلاء منه بلا خلاف و لا إشكال، بل في شرح الصيمري الإجماع عليه.

307

[الأمر الثالث في المؤلي منها]

الأمر الثالث:

في المؤلي منها، و لا خلاف في أنه يشترط فيها أن تكون منكوحة بالعقد لا بالملك بل لعله إجماع، لعدم اندراج المملوكة في «نِسائِهِمْ» (1) و في الزوجة.

و أن تكون مدخولا بها بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في كشف اللثام، حتى ممن قال بعدم اعتباره في الظهار، كالمفيد و سلار و ابني زهرة و إدريس، فإن المحكي عنهم التصريح هنا باعتباره، نعم في المسالك «و ربما قيل به هنا أيضا، و لكنه نادر» و إن لم نتحققه، و لعله نظر في النصوص الدالة على ذلك هنا، ك

صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «في غير المدخول بها لا يقع عليها إيلاء و لا ظهار»

و خبر أبي الصباح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يقع الإيلاء إلا على امرأة قد دخل بها زوجها»

و في خبر آخر (4) عنه (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن رجل آلى من امرأته و لم يدخل بها، قال: لا إيلاء حتى يدخل بها، قال: أ رأيت لو أن رجلا حلف ألا يبني بأهله سنتين أو أكثر من ذلك أ يكون إيلاء؟».

لكن قد يقال إن ذلك مناف لما سمعته من المشهور من وقوعه من المجبوب الذي لا يتصور دخول فيه، مع فرض جبه على وجه لم يبق من الذكر شيء يتحقق به الدخول، اللهم إلا أن يحمل الدخول في كلامهم هنا على ما يشمل دخول

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(2) الوسائل الباب- 8- من كتاب الظهار الحديث 2 عن أبى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) الا أن الموجود في التهذيب ج 8 ص 21 الرقم 65 عن أبى جعفر أو أبى عبد الله (عليهما السلام).

(3) الوسائل الباب- 6- من أبواب الإيلاء الحديث 2.

(4) الوسائل الباب- 6- من أبواب الإيلاء الحديث 3.

308

المجبوب من المساحقة و نحوها.

و كيف كان ف في وقوعه بالمستمتع بها تردد، أظهره المنع وفاقا للمشهور إما لتبادر الدائمة من النساء و الزوجة أو لظهور قوله تعالى (1) «وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ» بعد قوله «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ» في قبول المولى منها له، و هو منتف في المستمتع بها، نحو ما جاء في النص (2) من الاستدلال على اعتبار النكاح الدائم في المحلل بقوله تعالى (3) «فَإِنْ طَلَّقَها» كما نبهنا عليه في محله، فلاحظ و تأمل.

و لما قيل: أن لازم صحته جواز مطالبتها بالوطء و هو غير مستحق للمستمتع بها، و لأصالة بقاء الحل في موضع النزاع، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن أبي يعفور (4): «لا إيلاء على الرجل من المرأة التي تمتع بها».

خلافا للمحكي عن المرتضى من الوقوع بها، للعموم الذي لا يخصصه عود الضمير إلى بعض المذكورات سابقا، و مطالبتها مشروطة بالدوام نظرا إلى الغاية، و هو لا يستلزم عدم وقوعه بدون المطالبة، و الأصل مقطوع بالإيلاء الثابت بالاية (5) و هو كما ترى، و قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب النكاح، فلاحظ.

و يقع بالحرة و المملوكة كما يقع من الحر و المملوك، للعموم، بلا خلاف أجده فيه. و لا في أن المرافعة إلى المرأة لضرب المدة و كذا إليها بعد انقضائها المطالبة بالفئة و لو كانت أمة، و لا اعتراض للمولى لأن حق الاستمتاع لها لا لمولاها.

و كذا يقع بالذمية كما يقع بالمسلمة للعموم، و الله العالم

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 227.

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 من كتاب الطلاق.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 230.

(4) التهذيب ج 8 ص 8 الرقم 22.

(5) سورة البقرة: 2 الآية 226.

309

[الأمر الرابع في أحكامه]

الأمر الرابع:

في أحكامه، و فيه مسائل.

[المسألة الأولى لا ينعقد الإيلاء حتى يكون التحريم بالحلف]

الأولى:

لا ينعقد الإيلاء حتى يكون التحريم بالحلف مطلقا فيحمل على التأبيد، ضرورة توقف الصدق على الانتفاء في جميع الأوقات أو مقيدا بالدوام الذي هو تأكيد لما اقتضاه الإطلاق أو مقرونا بمدة تزيد على الأربعة أشهر و لو لحظة و إن انحلت بعدها اليمين،

قال زرارة (1): «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

رجل آلى أن لا يقرب امرأته ثلاثة أشهر، قال: فقال: لا يكون إيلاء حتى يحلف أكثر من أربعة أشهر»

أو مضافا إلى فعل لا يحصل إلا بعد انقضاء مدة التربص يقينا أو غالبا، كقوله و هو بالعراق: حتى أمضي إلى بلاد الترك و أعود، أو يقول:

ما بقيت الذي هو بمعنى أبدا، فان أبد كل إنسان عمرة، بل لو قال: ما بقي زيد فكذلك في أحد الوجهين أو أقواهما مع غلبة الظن ببقائه، لأن الموت المعجل كالمستبعد في العادات، فيكون كالتعليق على خروج الدجال.

و لا يقع لأربعة أشهر فما دون لما عرفت و لا معلقا بفعل ينقضي قبل هذه المدة يقينا أو غالبا أو محتملا على السواء لعدم صدق الحلف على أكثر من أربعة أشهر، و لعدم تحقق قصد المضارة، فلا يحكم بكونه مؤليا و إن اتفق مضي أربعة أشهر و لم يوجد المعلق به، بل يكون يمينا، لما عرفت من عدم تحقق قصد المضارة في الابتداء، و أحكام الإيلاء منوطة به، لا بمجرد اتفاق الضرر بالامتناع من

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب الإيلاء الحديث 2.

310

الوطء كما لو امتنع من غير يمين، و حينئذ فيرتفع اليمين لو وجد المعلق به قبل الوطء و تجب الكفارة لو وطأ قبل وجوده حيث ينعقد اليمين.

قلت: قد يقال: إن لم يكن إجماعا- على ما سمعت المدار على واقعية الزيادة- على أربعة أشهر- لا ظن حصولها أو عدمه، فان الصدق يدور مداره- فمع فرض التعليق لغاية يضم في العادة بلوغها الأزيد من أربعة فاتفق عدمه خلاف العادة و بالعكس لا معنى لجريان حكم الإيلاء على الأول دون الثاني المتحقق فيه الصدق دون الأول، و كذا محتمل الوقوع فاتفق تأخره عن الأربعة، و لا دليل على اعتبار إحراز ذلك على الوجه المزبور، نعم هو كذلك لتعجيل حكم الإيلاء، لا لأصل كونه إيلاء حتى بعد الانكشاف، فتأمل جيدا، فاني لم أجد ذلك محررا في كلماتهم.

و لو قال: و الله لا وطأتك حتى أدخل هذه الدار و لم يكن له مانع منها لا يرتفع إلا بما زاد على أربعة أشهر لم يكن إيلاء، لأنه يمكنه التخلص من التكفير مع الوطء بالدخول الذي هو غاية الحرمة و هو مناف للإيلاء المعتبر فيه حرمة الوطء عليه أزيد من الأربعة إلا مع الكفارة، إذ هو الذي تتحقق به المضارة، بل لا يصدق على مثله أنه آلى إلى أزيد من أربعة أشهر بعد أن كان غاية اليمين راجعة إلى اختياره، كما هو واضح.

311

[المسألة الثانية مدة التربص في الحرة و الأمة]

المسألة الثانية:

مدة التربص في الحرة و الأمة و المسلمة و الذمية أربعة أشهر من حين الإيلاء على الأصح، كما ستعرفه سواء كان الزوج حرا أو مملوكا مسلما أو ذميا بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (1) فيه مضافا إلى الكتاب (2) و ما عن مالك في الزوج المملوك و أبي حنيفة في الزوجة المملوكة- من كون المدة فيهما على النصف في الحر و الحرة لقاعدته- كالاجتهاد في مقابلة النص.

و على كل حال ف المدة حق للزوج و ليس للزوجة مطالبته فيها بالفئة لكن إن وطأ فيها كفر و انحل الإيلاء و إلا تربص إليها،

قال الباقر و الصادق (عليهما السلام) في الصحيح (3): «إذا آلي الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قول و لا حق في الأربعة الأشهر، و لا إثم عليه في كفه عنها في الأربعة أشهر، فإن مضت الأربعة أشهر قبل أن يمسها فما سكتت و رضيت فهو في حل و سعة، و إن رفعت أمرها قيل له: إما أن تفيء فتمسها، و إما أن تطلق، و عزم الطلاق أن يخلي عنها، فإذا حاضت و طهرت طلقها فهو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء، فهذا الإيلاء الذي أنزل الله تبارك و تعالى في كتابه و سنة رسوله (صلى الله عليه و آله)»

و نحوه غيره (4).

و لا ينافي ذلك

خبر أبي مريم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «عن رجل آلى من

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(5) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 3 و هو مضمر الا أن في الاستبصار ج 3 ص 255 عن أبي عبد الله (عليه السلام).

312

امرأته، قال: يوقف قبل الأربعة أشهر و بعدها»

المنزل على إرادة الإيقاف قبلها لإلزام الحكم عليه بعد تلك المدة، لا لإلزام الطلاق أو الإيفاء، فإنه إنما يكون بعد، ليوافق غيره من النصوص (1) المجمع عليها، ك

خبر أبي الجارود (2) «أنه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الإيلاء يوقف بعد سنة، فقلت: بعد سنة، فقال: نعم يوقف بعد سنة»

المنزل على إرادة أنه يوقف و لو مضت سنة لم يرفع أمره فيها، و لا تكون مطلقة بمضي المدة ليوافق غيره من النصوص أيضا التي منها

خبر عثمان (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن رجل آلى من امرأته متى يفرق بينهما؟ قال: إذا مضت أربعة أشهر و وقف، قلت له: من يوقفه؟ قال: الامام، قلت: و إن لم يوقفه عشر سنين، قال: هي امرأته».

بل ظاهر النص (4) و الفتوى أن المدة المزبورة حق للزوج ليس لها مرافعته و إن كان قد ترك وطء ما قبل الإيلاء بأربعة أشهر أو أقل مثلا، و في المسالك «و لو فرض كونه تاركا وطءها مدة قبل الإيلاء يفعل حراما بالنسبة إلى ما زاد من أربعة أشهر من حين الوطء، لأنه لا يجوز ترك وطء الزوجة أكثر من ذلك، و لا ينحل بذلك اليمين، لأن الإيلاء لا ينحل بذلك».

و فيه أن ظاهر الآية (5) و النصوص (6) بل هو صريح الصحيح (7) المزبور عدم الإثم عليه في ترك الوطء مدة التربص مطلقا، بل لعل الغالب عدم وطئها قبل الإيلاء بآن ما، بل لو كان المراد تربص الأربعة في خصوص الموطوءة في زمان متصل بإيقاع الإيلاء و إلا اتجه لها المطالبة قبل المدة المزبورة لصار زمان الإيلاء

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث- 2.

(3) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث- 4.

(4) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(5) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(6) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء.

(7) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

313

شهرا و شهرين و أقل و أكثر إذا فرض ترك وطئها قبل الإيلاء بثلاثة أشهر أو شهرين و نحو ذلك، و هو مناف للنص و الفتوى، و إن قال الفاضل في القواعد: «و لو كان الوطء يجب بعد شهر مثلا فحلف أن لا يطأها إلى شهرين ففي انعقاده نظر» و لعله من القصور عن المدة المقدرة للإيلاء، و من أن الإيلاء إنما انعقد لامتناعه من الوطء مدة يجب عليه في أثنائها، و لكن لا ريب في أن الأول أقوى، كما اعترف به في كشف اللثام.

و كيف كان فلا ريب في ظهور النص (1) و الفتوى في أن المدة المزبورة حق للزوج ليس لها المطالبة فيها إذا آلى و إن ترك وطيها سابقا، و لعل هذا أيضا من أحكام الإيلاء، فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة.

و على كل حال فإذا انقضت الأربعة أشهر لم تطلق بانقضاء المدة عندنا، للأصل و ظاهر الكتاب (2) و السنة (3) أو صريحهما، خلافا لأبي حنيفة، فقد جعل المدة وقت الفئة، و قال: «إذا لم يفيء فيها طلقت طلقة بائنة» و لعل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (4): «إذا آلى الرجل من امرأته فمكث أربعة أشهر فلم يفيء، فهي تطليقة، ثم يوقف فان فاء فهي عنده على تطليقتين، و إن عزم فهي بائنة منه»

مطرح أو محمول على ما عن الاستبصار من أنه إذا طلق بعد الأربعة أشهر فهي تطليقة رجعية، فإن فاء أي راجعها كانت عنده على تطليقتين، و إن عزم حتى خرجت من العدة فقد صارت بائنة لا يملك رجعتها إلا بعقد جديد و مهر مسمى، و إن بعد إلا أنه خير من الطرح الذي لا بد منه مع فرض عدم تأويله، لاتفاق الكتاب و السنة القطعية و الإجماع على خلافه.

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(3) الوسائل الباب- 8 و 9- من أبواب الإيلاء.

(4) الوسائل الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 4.

314

بل لو فرض عدم طلاق الزوج لها بعد المدة لم يكن للحاكم طلاقها بلا خلاف أجده فيه، لأن

«الطلاق بيد من أخذ بالساق» (1)

و لفحوى النصوص (2) الدالة على حبسه و التضييق عليه ليفيء أو يطلق، مضافا إلى ظاهر الكتاب (3) و السنة (4) أو صريحهما، و ما في مضمر عثمان (5) من أنه «إن لم يفيء بعد أربعة أشهر حتى يصالح أهله أو يطلق جبر على ذلك، و لا يقع طلاق فيما بينهما حتى يوقف و إن كان بعد الأربعة الأشهر، فان أبي فرق بينهما الإمام»

كالذي في خبره السابق الآخر (6) محمول على إرادة جبر الامام له على ذلك إن لم يفيء، فما عن مالك و الشافعي في أحد قوليه- من أن له ذلك- واضح الفساد.

و على كل حال ف إذا رافعته فهو مخير بين الطلاق و الفئة، فإن طلق فقد خرج من حقها، و يقع الطلاق رجعة (الطلقة رجعية خ ل) إن لم يكن ما يقتضي البينونة على الأشهر بل المشهور، بل لم يعرف المخالف بعينه و إن أرسله بعض، لأنه الأصل في الطلاق، و لذا احتاج البائن إلى سبب يقتضيه، و للنصوص (7) التي منها

قول الصادق (عليه السلام) في حسن يزيد بن معاوية (8): «فإذا

____________

(1) كنز العمال ج 5 ص 155 الرقم 3151.

(2) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 226 و 227.

(4) الوسائل الباب- 8 و 9- من أبواب الإيلاء.

(5) الوسائل الباب- 9- من أبواب الإيلاء الحديث 4 عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: «سألته.».

(6) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 4.

(7) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإيلاء الحديث 1 و الباب- 10- منها الحديث 2.

(8) الوسائل الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 1 عن بريد بن معاوية.

315

مضت الأربعة أشهر أوقف، فاما أن يفيء فيمسها، و إما أن يعزم على الطلاق فيخلى عنها حتى إذا حاضت و طهرت من محيضها طلقها تطليقة قبل أن يجامعها بشهادة عدلين، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض الثلاثة الأقراء».

فما في صحيح منصور بن حازم (1) عن الصادق (عليه السلام) «المؤلي إذا وقف فلم يفيء طلق تطليقة بائنة»

محمول على من يرى الإمام إجباره على البائنة بفدية، أو على من كانت عند الرجل على تطليقة واحدة، و كذا

مضمره الآخر (2) «إن المؤلي يجبر على أن يطلق تطليقة بائنة»

و في الكافي عن غير منصور (3) «أنه يجبر على أن يطلق تطليقة يملك فيها الرجعة، فقال له بعض أصحابه: إن هذا ينتقض، فقال: لا، التي تشكو فتقول يجبرني و يضربني و يمنعني من الزوج يجبر على أن يطلقها تطليقة بائنة، و التي تسكت و لا تشكو شيئا يطلقها تطليقة يملك فيها الرجعة».

ثم على تقدير طلاقه رجعيا إن استمر عليه فذاك و إن رجع عاد الإيلاء، كما ستسمع تمام الكلام فيه إنشاء الله.

و على كل حال فبطلاقها يخرج عن حقها و كذا إن فاء و رجع إلى وطئها يخرج عن حقها أيضا.

و إن امتنع عن الأمرين بعد مرافعة الحاكم حبس و ضيق عليه حتى يفيء أو يطلق بلا خلاف أجده فيه،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر غياث بن إبراهيم (4): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أبى المؤلي أن يطلق جعل له حظيرة من قصب و أعطاه ربع قوته حتى يطلق»

و قال في خبر حماد بن عثمان (5) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل له حظيرة من قصب يحبسه فيها و يمنعه من الطعام و الشراب حتى يطلق»

و في المرسل (6) «إن فاء و هو أن يرجع إلى الجماع و إلا حبس

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 5.

(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 3.

(4) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 4.

316

في حظيرة من قصب و شدد عليه في المأكل و المشرب حتى يطلق»

بل

عن الفقيه «روي (1) «أنه متى أمره إمام المسلمين بالطلاق فامتنع ضرب عنقه، لامتناعه على امام المسلمين»

و في مرسل خلف بن حماد (2) عن الصادق (عليه السلام) «في المؤلي إما أن يفيء أو يطلق، فان فعل و إلا ضربت عنقه»

بل

روي أيضا (3) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) بنى حظيرة من قصب و جعل فيها رجلا آلى من امرأة بعد الأربعة أشهر، فقال له: إما أن ترجع إلى المناكحة و إما أن تطلق و إلا أحرقت عليك الحظيرة».

و كيف كان ف لا يجبره الحاكم على أحدهما تعيينا قطعا لأن الشارع خيره بين الأمرين، فلا يجبر إلا على ما وجب عليه شرعا.

و لو آلى مدة معينة و دافع بعد المرافعة حتى انقضت المدة سقط حكم الإيلاء و لم يلزمه الكفارة مع الوطء لأنها تجب مع الحنث في اليمين، و لا يتحقق إلا مع الوطء فيها، و أما إذا انقضت سقط حكم اليمين، سواء رافعته و ألزمه الحاكم بأحد الأمرين أم لا، لاشتراكهما في المقتضي و إن أثم بالمدافعة على تقدير المرافعة، كما هو واضح.

و لو أسقطت حقها من المطالبة مدة و لو بالسكوت عنه لم يسقط أصل المطالبة، لأنه حق يتجدد فيسقط بالعفو ما كان لا ما يتجدد و إن وجد سببه، و لما كان حقها في المطالبة يثبت في كل وقت ما دام الإيلاء باقيا فهو مما يتجدد بتجدد الوقت، فإذا أسقطت حقها فيها لم يسقط إلا ما كان فيها ثابتا وقت الاسقاط، و ذلك في قوة عدم إسقاط شيء كما اعترف به في المسالك، لأن الان الواقع بعد ذلك بلا فصل يتجدد فيه حق المطالبة و لم يسقط بالإسقاط، فلها المطالبة متى شاءت، قال: «و كذلك القول في نظائره من الحقوق المتجددة بحسب الوقت، كحق القسمة للزوجة، و حق الإسكان في موضع معين حيث نقول بصحته

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 5.

(2) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 6.

317

و نحو ذلك، و من هذا الباب ما لو علمت بإعسار الزوج فرضيت ثم أرادت الفسخ على قول من يجوزه به، فلها ذلك لتجدد الضرب بفوات النفقة يوما فيوما، و يخالف ما إذا رضيت بعنة الزوج ثم أرادت الفسخ، حيث لا يبطل خيارها لفوات الفورية، بأن جهلت الفورية أو نحو ذلك مما سبق، فإنها لا تمكن منه، و فرق بأن العنة عجز حاضر و خصلة ناجزة لا تبسط على الأيام، و حق الاستمتاع و النفقة يبسطان عليها، و بأن العنة عيب و الرضا بالعيب يسقط حق الفسخ».

قلت: لا يخفى عليك ما في الفرق المزبور، و المتجه في كل سبب يسلطها على الخيار في العقد متى أسقطت حقها منه لزم العقد، و ليس لها بعد المطالبة، ضرورة اتحاد صيغة العقد بالنسبة إلى ذلك، فلا يكون في حال جائزا و في آخر لازما، كما هو واضح.

إنما الكلام في إسقاط حق القسم و حق المطالبة، و لا ريب في سقوطه لو وقع بعقد صلح و نحوه، كما ورد ذلك في حق القسم، أما سقوطه بالإسقاط فلا يخلو من إشكال، لما عرفت، مع احتمال صحته اكتفاء بحصول سببه، و لفحوى ما دل (1) على سقوطه بالصلح، ضرورة أنه مع فرض عدم قابلية سقوطه لعدم حصوله لا يصلح الصلح و الفرض صحته، فيدل على صحة سقوطه بالإسقاط.

و من ذلك حق الدعوى الذي لا خلاف في مشروعية الصلح لإسقاطه، و هو أقرب شيء إلى حق المطالبة لها في المقام، نعم لا يسقط بالسكوت عنه مدة قطعا، كما هو صريح النص و الفتوى، إنما الكلام في سقوطه بالإسقاط الحاصل بقولها:

«أسقطته من أصله» و نحوه، فتأمل جيدا، فان المقام محتاج إلى التأمل، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب القسم و النشوز من كتاب النكاح.

318

[فروع]

فروع:

[الأول لو اختلفا في انقضاء المدة فالقول قول من يدعى بقاءها]

الأول:

لو اختلفا في انقضاء المدة بأن ادعت المرأة انقضاءها لتلزمه بالفئة أو الطلاق و ادعى هو بقاءها فالقول قول من يدعى بقاءها للأصل، لأن مرجع دعوى انقضائها إلى تقدم زمان الإيلاء أو زمان المرافعة، و الأصل عدم تقدم كل منهما.

و كذا لو اختلفا في تقدم زمان إيقاع الإيلاء أو المرافعة و تأخره فالقول قول من يدعي تأخره للأصل المزبور، كما هو واضح.

[الثاني لو انقضت مدة التربص و هناك مانع من الوطء كالحيض و المرض]

الثاني:

لو انقضت مدة التربص و هناك مانع من الوطء كالحيض و المرض و نحوهما لم يكن لها المطالبة بالفئة فعلا بلا خلاف أجده، بل في المسالك الإجماع عليه لظهور عذره في التخلف و لعدم المضارة لها، نعم لو قيل لها المطالبة بفئة العاجز عن الوطء كان حسنا بل اختاره غير واحد، بل حكي عن كثير، لإطلاق الأدلة، و لقاعدة الميسور، و لتخييره بين الفئة و الطلاق و ربما طلقها إذا طالبته، و لعدم كون المانع منها، بل هي ممكنة و لكن المانع من الله تعالى، خلافا للمحكي عن الشيخ من المنع، لأن الامتناع من جهتها، و فيه أن عدم قبول المحل كعدم القدرة من الفاعل، و كما يلزم بفئة العاجز عند عجزه عن الوطء كذلك يلزم عند عجزها، فلا فرق بين الحيض و غيره.

319

و لو تجددت أعذارها في أثناء المدة قال في المبسوط: تنقطع الاستدامة عدا الحيض أي لا تحتسب من المدة، فإذا زال العذر بنت على ما مضى من المدة قبل العذر كما في حاشية الكركي و المسالك، لأن الحق لها و العذر من قبلها، و مدة التربص حق له فلا يجب عليه منها ما لا قدرة له على الفئة فيه، بل في كشف اللثام «تستأنف مدة التربص لمنعها من ابتداء الضرب- إلى أن قال-: و إنما يستأنف و لا يبني على ما مضى لوجوب المتابعة في هذه المدة، كصوم كفارة الظهار و نحوه» و فيه منع واضح. و على كل حال تنقطع المدة بتجدد أعذارها الشرعية و الحسية عند الشيخ، نعم يستثنى من ذلك خصوص الحيض، فإنه لا يقطعها إجماعا، لأنه لو قطع لم تسلم مدة التربص أربعة أشهر، لتكرره في كل شهر غالبا.

و لكن فيه تردد من ذلك و من إطلاق الأدلة مع قيام فئة العاجز مقام الوطء من القادر، و هو بحكمه.

و من هنا لا ينقطع المدة بأعذار الرجل ابتداء و لا اعتراضا إجماعا، لأن حق المهلة له و العذر منه، و المرأة لكن المضارة حاصلة (1) سواء كانت شرعية كالصوم و الإحرام أو حسية كالجنون و المرض. و كذا لا تمنع من المواقعة (2) انتهاء لو اتفقت على رأس المدة، بل يؤمر بفئة العاجز أو الطلاق، كما سيأتي، لإطلاق الأدلة.

____________

(1) هكذا في النسخة المخطوطة المسودة، و الموجود في المبيضة «و المرأة لكن المضارة حاصلة» و هو خطأ، و الصحيح ما أثبتناه.

(2) هكذا في النسخة الأصلية، و في الشرائع المطبوع «المرافعة».

320

[الثالث إذا جن بعد ضرب المدة احتسب المدة عليه و إن كان مجنونا]

الثالث:

إذا جن بعد ضرب المدة احتسب المدة عليه و إن كان مجنونا للإطلاق، فإن انقضت المدة و الجنون باق تربص به حتى يفيق لرفع القلم عنه، و لا يقوم وليه مقامه في ذلك، نعم لو كان العذر مما لا يرتفع معه التكليف أمر بفئة العاجز.

[الرابع إذا انقضت المدة و هو محرم ألزم بفئة المعذور]

الرابع:

إذا انقضت المدة و هو محرم ألزم بفئة المعذور لما عرفت. و كذا لو اتفق صائما على وجه لا يجوز له الإفطار، و لا يلزم بالوطء المحرم و لكن لو واقع أتى بالفئة و إن أثم لحصول الغرض، سواء وافقته على ذلك أم أكرهها، و سواء قلنا بجواز موافقتها له لأنه ليس محرما من طرفها أو لا، لأنه إعانة على الإثم و كذا الكلام في كل وطء محرم كالوطء في الحيض و الصوم الواجب و نحوهما.

[الخامس إذا ظاهر ثم آلى أو عكس صح الأمران]

الخامس:

إذا ظاهر ثم آلى أو عكس صح الأمران لبقاء الزوجية الصالحة لإيقاع كل منهما و إن كانت قد حرمت بالسبب الآخر، فتحرم حينئذ من الجهتين و لا تستباح بدون الكفارتين، لكن قد عرفت اختلاف المدة في إمهاله فيهما، ففي الظهار ثلاثة و في الإيلاء أربعة، و حينئذ ففي الفرض إذا انقضت مدة الظهار

321

الزم بحكمه خاصة، فترافعه و يوقف بعد انقضاء مدت ه أي الظهار، فان طلق فقد و في الحق و خرج من حكمي الإيلاء و الظهار و إن أبى ألزم ب التكفير و ال عود لل وطء لأنه أسقط حقه من التربص إلى الأربعة بالظهار و كان عليه كفارة الإيلاء إذا وطأ و إن توقفت كفارة الظهار على مدة تزيد عن مدة الإيلاء أو كان الظهار متأخرا عنه بحيث انقضت مدته قبل التخلص منه طولب بالأمرين معا و لزمه حكمها، و لكن قد يختلف حكمها فيما لو انقضت مدة الإيلاء و لما يكمل الكفارة للظهار، فان حكم الإيلاء إذا لم يختر الطلاق إلزامه بالفئة و تعجيل الوطء، و حكم الظهار تحريمه إلى أن يكفر، و طريق الجمع حينئذ إلزامه للإيلاء بفئة العاجز، لأن الظهار مانع شرعي من الوطء قبل التكفير، فتجتمع الكفارتان بالعزم على الوطء إحداهما للفئة و الآخرى للعزم عليه، و لو أراد الوطء في هذه الحالة قبل التكفير للظهار حرم عليه ذلك، بل يحرم عليها أيضا تمكينه منه، كما سبق و إن أبيح له و لها من حيث الإيلاء، و لو فعل حراما و وطأ حصلت الفئة و لزمه كفارتا الظهار و الإيلاء.

322

[السادس إذا آلى ثم ارتد لا تحتسب عليه مدة الردة]

السادس:

إذا آلى ثم ارتد عن غير فطرة مثلا قال الشيخ: لا تحتسب عليه مدة الردة، لأن المنع بسبب الارتداد الذي هو فاسخ للنكاح كالطلاق لا بسبب الإيلاء فلا تحتسب مدته من مدة الإيلاء المقتضية لاستحقاق المطالبة بعدها بالوطء، لتضاد المؤثرين المقتضي لتضاد الأثرين كما لا يحتسب زمان العدة.

و الوجه عند المصنف بل في المسالك نسبته إلى الأكثر الاحتساب، لتمكنه من الوطء بإزالة المانع فلا يكون عذرا، و يفارق العدة بأن المرتد إذا عاد إلى الإسلام تبين أن النكاح لم ينفسخ و الطلاق الماضي مع لحوق الرجعة لا ينفسخ، و لهذا ظهر أثره بتحريمها بالثلاث و إن رجع في الأولين، و لكن ذلك كما ترى. و لعله لذا قال الكركي في الحاشية: «و في الفرق بحث».

323

[المسألة الثالثة إذا وطأ في مدة التربص لزمته الكفارة إجماعا]

المسألة الثالثة:

إذا وطأ في مدة التربص لزمته الكفارة إجماعا بقسميه، و لا طلاق ما دل على كفارة اليمين من الكتاب (1) و السنة (2) ضرورة كون المفروض منه، و لا إثم عليه في الكف عنها في المدة المزبورة التي لا حق لها فيها.

و لو وطأ بعد المدة قال في المبسوط: لا كفارة للأصل بعد الشك أو الظن بخروج الفرض عن إطلاق ما دل على وجوبها بالحنث بسبب وجوب الوطء عليه شرعا، لأنها مطالبة بعد مضي الأربعة، فلا حنث حينئذ، و بذلك يظهر لك الفرق بين ما بعد المدة و أثنائها، على أن خروج الثاني في صورة جواز الوطء أو رجحانه بالإجماع لا يقتضي خروج الأول عن مقتضى أصالة البراءة عن التكفير.

و لكن مع ذلك قال في الخلاف و محكي النهاية و التبيان:

تلزمه الكفارة كما عن مجمع البيان و روض الجنان و أحكام القرآن، بل هو ظاهر الأكثر، بل عن الخلاف الإجماع عليه، مضافا إلى

خبر منصور بن حازم (3) المنجبر بما عرفت عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل آلى من امرأته فمرت به أربعة أشهر، قال: يوقف فان عزم الطلاق بانت منه، و عليها عدة المطلقة، و إلا كفر عن يمينه، و أمسكها»

معتضدا ب

ما عن العياشي من إرساله عنه (عليه السلام) (4) «أنه سئل إذا بانت المرأة من الرجل هل يخطبها مع الخطاب؟

قال: يخطبها على تطليقتين، و لا يقربها حتى يكفر عن يمينه»

و كذا

ما أرسله

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 92.

(2) الوسائل الباب- 12- من أبواب الكفارات.

(3) الوسائل الباب- 12- من أبواب الإيلاء الحديث 3.

(4) الوسائل الباب- 12- من أبواب الإيلاء الحديث 4.

324

عنه (عليه السلام) أيضا في المحكي عن بعض الكتب (1) أنه قال: «إذا فاء المؤلي فعليه الكفارة».

و لعله لذا قال المصنف و هو أشبه و تبعه الفاضل و غيره، مؤيدا ذلك بأن يمين الإيلاء يخالف مطلق اليمين في أمور هذا منها، و منها انعقاده و إن كان تركه أرجح، بل ربما وجب، كما لو آلى في وقت يجب فيه الوطء، فما في المسالك- من الوسوسة في الحكم المذكور لأمور لا توافق أصولنا- في غير محله، على أنه هو في آخر كلامه أعاذه الله تعالى و إيانا من الوسواس قال: «و مع ذلك فاعتمادنا على المذهب المشهور من وجوب الكفارة على المؤلي مطلقا».

[المسألة الرابعة إذا وطأ المؤلي ساهيا بطل حكم الإيلاء]

المسألة الرابعة:

إذا وطأ المؤلي ساهيا أو مجنونا، أو اشتبهت بغيرها من حلائله أو في نحو ذلك من الأحوال التي لا يكون بها عامدا قال الشيخ: بطل حكم الإيلاء الذي هو ترك وطئها في المدة المزبورة بحيث يكون لها المطالبة، ل أن المفروض تحقق الإصابة و لو في الأحوال المزبورة نعم لم تجب الكفارة بلا خلاف و لا إشكال و إن انحل حكم الإيلاء لعدم الحنث إذ الفرض عدم عمده، فيندرج فيمن رفع عنه الخطأ أو النسيان من الأمة، بل من المعلوم أن المراد من اليمين الالتزام بمقتضاها، و لا يكون ذلك إلا حال التذكر، فليس الفرض حينئذ متعلقا لليمين، لكن قد ينقدح من ذلك حينئذ عدم الانحلال، لأنه ليس من أفراد المحلوف عليه، و كذا مطلق اليمين.

اللهم إلا أن يقال: إن متعلق اليمين عدم وجود الحقيقة من الحالف أصلا، إلا أن الكفارة على اليمين يتبع التكليف المتوقف على حصول التذكر، فالانحلال

____________

(1) المستدرك الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 2.

325

يحصل بكونه منافيا للمحلوف عليه من عدم وجود الحقيقة أصلا و لا تجب الكفارة، لأن عنوانها حال التكليف، فتأمل جيدا.

ثم إن الحكم على تقدير انحلال الإيلاء واضح، أما إذا لم نقل بالانحلال ففي المسالك «وجهان أحدهما أنه لا تحصل الفئة و تبقى المطالبة، لأن اليمين باقية، و الثاني تحصل بوصولها إلى حقها و اندفاع الضرر، و لا فرق في إبقاء الحق بين وصوله إلى صاحبه حال الجنون و العقل كما لو رد المجنون وديعة إلى صاحبها، و لأن وطء المجنون كوطء العاقل في التحليل و تقرير المهر و تحريم الربيبة و سائر الأحكام فكذلك هنا، و لا يلزم من عدم وجوب الكفارة عدم ثبوت الفئة، لأنها حق لله تعالى، و الفئة حق للمرأة، و يعتبر في حق الله تعالى من القصد الصحيح ما لا يعتبر في حق الآدمي، و الأصح الأول».

قلت: لا يخفى عليك ما في دعوى الوجهين، ضرورة أنه يتعين مع عدم انحلاله عدم كون ذلك فئة، و إن حصل بسببه سقوط المطالبة من المرأة في تلك الأربعة و لكن يبقى لها حكم المطالبة في أربعة أخرى، لبقاء حكم الإيلاء فيها، و قد عرفت أن الأقوى عندنا الانحلال، فيسقط هذا التفريع من أصله.

326

[المسألة الخامسة إذا ادعى الإصابة فأنكرت فالقول قوله مع يمينه]

المسألة الخامسة:

إذا ادعى الإصابة فأنكرت فالقول قوله مع يمينه بلا خلاف أجده فيه لتعذر إقامة البينة أو تعسرها، فلو لم يقبل قوله فيه مع إمكان صدقه لزم الحرج، و لأنه من فعله الذي لا يعلم إلا من قبله، و أصالة بقاء النكاح، و عدم التسلط على الإجبار على الطلاق، و قول الباقر (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار (1): «إن عليا (عليه السلام) سئل عن المرأة تزعم أن زوجها لا يمسها و يزعم أنه يمسها، قال:

يحلف و يترك»

و قول الصادق (عليه السلام) فيما أرسل عنه في بعض الكتب (2) «في فئة المؤلي إذا قال: قد فعلت و أنكرت المرأة فالقول قول الرجل و لا إيلاء»

و مثله في تقديم قوله في الإصابة المخالف للأصل ما لو ادعى العنين اصابتها في المدة أو بعدها.

ثم إذا حلف على الإصابة و طلق و أراد الرجعة بدعوى الوطء الذي حلف عليه قال في التحرير: «الأقرب أنه لا يمكن، و كان القول قولها في نفي العدة و الوطء على قياس الخصومات من أن البينة على المدعى و اليمين على من أنكر، و إنما خالفناه على دعوى الإصابة لما ذكر من العلة، و هي منتفية هنا، كما لو اختلفا في الرجعة ابتداء».

و في المسالك «هذا التفريع لابن الحداد من الشافعية، و وافقه الأكثر، و استقر به العلامة في التحرير، و هو مع اشتماله على الجمع بين المتناقضين لا يتم على أصولنا من اشتراط الدخول في صحة الإيلاء، قال الشهيد ره: ما سمعنا فيه خلافا، و إنما فرعوه على أصولهم من عدم اشتراطه، و مع ذلك فلهم وجه آخر

____________

(1) الوسائل الباب- 13- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(2) المستدرك الباب- 11- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

327

بأنه يمكن من الرجعة، و يصدق في الإصابة من الرجعة كما يصدق فيها لدفع التفريق، لأن في الرجعة استيفاء ذلك النكاح أيضا، و هذا أوجه».

قلت: لا يخفى عليك ما فيه من دعوى التناقض، و إنما هو اختلاف الأحكام الظاهرية، و اشتراط الدخول في الإيلاء لا ينافي ثبوته بطريق شرعي، كتصديق المرأة في دعوى الحيض و نحوها.

[المسألة السادسة المدة المضروبة بعد الترافع لا من حين الإيلاء]

المسألة السادسة قال في المبسوط و محكي الغنية و السرائر و الجامع و ظاهر غيرها:

المدة المضروبة بعد الترافع لا من حين الإيلاء، بل في المسالك هو المشهور، بل عن الأول دعوى الإجماع على ذلك، لأن ضرب المدة إلى الحاكم، و لما

عن تفسير العياشي عن العباس بن هلال (1) عن الرضا (عليه السلام) «ذكر لنا أن أجل الإيلاء أربعة أشهر بعد ما يأتيان السلطان»

و حسن أبي بصير (2) المروي عن تفسير علي ابن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) «و إن رفعته إلى الامام أنظره أربعة أشهر، ثم يقول له بعد ذلك: إما أن ترجع إلى المناكحة و إما أن تطلق، فان أبى حبسه أبدا»

و للمروي عن قرب الاسناد عن البزنطي (3) عن الرضا (عليه السلام) «أنه سأله صفوان و أنا حاضر عن الإيلاء، فقال: إنما يوقف إذا قدمته إلى السلطان، فيوقفه السلطان أربعة أشهر ثم يقول له: إما أن تطلق و إما أن تمسك»

و خبر أبي مريم (4) المتقدم سابقا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «عن رجل آلي من امرأته، قال: يوقف قبل الأربعة أشهر و بعدها».

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 7.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 6.

(3) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 5.

(4) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 3 راجع التعليقة (5) من ص 311.

328

و لكن مع ذلك فيه تردد مما سمعت و من عموم الآية (1) و الأخبار (2) و الأصل و الحكمة، لأن الأربعة غاية صبرها، و انسياق ابتدائه من الإيلاء و غير ذلك، بل عن القديمين التصريح بأنه من الإيلاء، بل هو خيرة الفاضل في المختلف و ولده في الشرح، بل جزم به في المسالك، لترتيب التربص في الآية (3) على الإيلاء، فلا يشترط بغيره، و ل

قول الصادق (عليه السلام) فيما تقدم من حسن يزيد بن معاوية (4): «لا يكون إيلاء إلا إذا آلى الرجل ألا يقرب امرأته و لا يمسها و لا يجمع رأسه و رأسها، فهو في سعة ما لم تمض الأربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر وقف، فاما أن يفيء و إما أن يعزم على الطلاق»

و نحوه حسن الحلبي (5) و أبي بصير (6) عنه (عليه السلام).

مضافا إلى منع احتياج المدة إلى الضرب، بل هو مقتضى الحكم الشرعي الثابت بالاية (7) و الرواية (8) المرتب على مضي المدة المذكورة من حين الإيلاء، و إثبات توقفها على المرافعة يحتاج إلى دليل، و هو منتف و هذا الدليل أخرجه عن حكم العدم الأصلي، كما أن أصالة عدم التسلط قد انقطعت بالإيلاء المقتضى له بالاية (9) و الرواية (10) و الإجماع.

إلا أن ذلك كله كما ترى مناف لأصول المذهب و قواعده التي منها العمل

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(2) الوسائل الباب- 8 و 9- من أبواب الإيلاء.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(4) الوسائل الباب- 10- من أبواب الإيلاء الحديث 1 عن بريد بن معاوية.

(5) الوسائل الباب- 8- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 9- من أبواب الإيلاء الحديث 1.

(7) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(8) الوسائل الباب- 8 و 9- من أبواب الإيلاء.

(9) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(10) الوسائل الباب- 8 و 9- من أبواب الإيلاء.

329

بالنصوص (1) المزبورة المعتضدة و المنجبرة بما سمعت، بل قد يدعى انسياق كون ذلك من أعمال السلطان، و الآية و الرواية تعليم لذلك، نحو

قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (2): «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر»

و نحوها مما هو ميزان للحكم و كيفية لعمل الحاكم.

[المسألة السابعة الذميان إذا ترافعا كان الحاكم بالخيار]

المسألة السابعة:

الذميان إذا ترافعا إلينا كان الحاكم بالخيار بين أن يحكم بينهما بمقتضى شرعنا، لعموم الأدلة، و لأنهم مكلفون بالفروع، و لقوله تعالى (3) «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ» و بين ردهما إلى أهل نحلتهما لإقرارهم عليها المقتضي لجواز الإعراض عنهم في ذلك، لقوله تعالى (4) «فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» و دعوى أنها منسوخة بقوله تعالى (5):

«وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ» كما عن بعض العامة لم نقف على شاهد لها، مع أن النسخ خلاف الأصل و الاعراض عنهم من الحكم بينهم بما أنزل الله، نعم قد يقال: إن الاعراض عنهم غير الأمر لهما بالرجوع إلى أهل نحلتهما الذي هو من الباطل، فلا يؤمر به، و إقرارهم عليه غير الأمر بالرجوع إليه.

____________

(1) الوسائل الباب- 8 و 9- من أبواب الإيلاء.

(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب كيفية الحكم الحديث 1 من كتاب القضاء و فيه «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعى عليه».

(3) سورة النساء: 4- الآية 105.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 42.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 49.

330

[المسألة الثامنة فئة القادر غيبوبة الحشفة في القبل]

المسألة الثامنة:

فئة القادر على الجماع عقلا و شرعا غيبوبة الحشفة في القبل الذي هو المحلوف عليه بلا خلاف أجده فيه، بل في السرائر و الغنية و متشابه القرآن لابن شهراشوب أن المراد بالفيء في الكتاب العزيز (1) العود إلى الجماع بالإجماع، مضافا إلى ظاهر النصوص (2).

و أما فئة العاجز عقلا و شرعا كما عرفت ف إظهار العزم على الوطء مع القدرة بأن يقول أو يكتب أو يشير إشارة مفهمة، و يمهل إلى زوال عذره. و لو طلب الإمهال مع القدرة أمهل ما جرت العادة به، كتوقع خفة المأكول منه إن كان شبعانا أو الأكل إن كان جائعا أو الراحة إن كان متعبا و السهر و الانتباه إن كان نائما و ما قضى الشرع بإمهاله، كالفراغ من الصوم و الصلاة و الإحرام، و لا يتقدر ذلك و نحوه بيوم أو ثلاثة عندنا، خلافا لبعض العامة، فقدر بثلاثة، و لا دليل عليه، فالمتجه فيه الرجوع إلى العرف و العادة في أمثاله.

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 226.

(2) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإيلاء و الباب- 8- منها الحديث 7 و الباب- 10- منها الحديث 1.

331

[المسألة التاسعة إذا آلى الحر من الأمة ثم اشتراها و أعتقها و تزوجها لم يعد الإيلاء]

المسألة التاسعة إذا آلى الحر من الأمة ثم اشتراها و أعتقها و تزوجها لم يعد الإيلاء، و كذا لو آلى العبد من الحرة ثم اشترته و أعتقته و تزوج بها بلا خلاف و لا إشكال، ضرورة كون العنوان تحريم ما حل بالزوجية، فمع فرض انتفائها ينتفي موضوع الحكم و إن عاد بعد ذلك بسبب جديد، و عوده بالرجعة بالطلاق إنما هو لبقاء الحل حينئذ بالتزويج السابق.

و من ذلك يعلم الحل في المثال الأول بمجرد الشراء، لأن الوطء بالملك حينئذ، و هو بسبب جديد غير التزويج، فلا يتوقف على العتق و التزويج، نعم هو كذلك في المثال الأخير، لأنها لا تباح له بالعقد و هو مملوك لها و إن كان التحريم قد زال بالشراء، لزوال العقد كما زال بالطلاق و إن لم يفرض تزويجه لها، و تظهر الفائدة لو وطأها قبل العقد بشبهة أو حراما، فإنه لا كفارة، لزوال حكم الإيلاء لزوال الزوجية، كما هو واضح.

332

[المسألة العاشرة إذا قال لأربع: و الله لا وطأتكن لم يكن مؤليا في الحال]

المسألة العاشرة التي قال في المسالك: «إنها مسألة شريفة كثر اعتناء الفضلاء ببحثها و الخلاف فيها و في أقسامها» و هي إذا قال لأربع: و الله لا وطأتكن مريدا بذلك مجموعهن لا كل واحدة منكن و لو بالقرينة لم يكن مؤليا في الحال عندنا، بمعنى عدم ظهور ترتب اليمين في الحال، لعدم الحنث بوطء الثلاث الذي هو ليس مصداقا لوطئهن أجمع، نعم يظهر بوطء الرابعة باعتبار تحقق الصدق حينئذ و لكن ليس عليه إلا كفارة واحدة، لأنها يمين واحدة متعلقها المجموع الذي كل واحدة جزء مفهومه، لأن المراد من المفروض سلب العموم لا عموم السلب، و تقريب الوطء بالواحدة و الثنتين إلى الحنث لا يوجب حصول الإيلاء الذي هو الحلف على ترك وطء الزوجة.

فما عن بعض العامة- من أنه يكون مؤليا منهن كلهن من حيث إن وطء كل واحدة مقرب للحنث، و قد منع نفسه من وطئهن باليمين بالله تعالى، فكان مؤليا، كما لو قال: لا أطأ واحدة منكن- واضح الضعف، لا لما قيل من أن تمكنه من وطء كل واحدة منهن بغير حنث يدل على عدم تأثير يمينه قبل وطء الثلاث، و هو معنى قولنا: غير مؤل في الحال، لا أن المراد به تأخر انعقاد الإيلاء حتى يكون منافيا لقاعدة اقتران الأثر للمؤثر و السبب للمسبب، بل هو قد انعقد من حين وقوعه إلا أنه كان كيفية انعقاده على الوجه المزبور، إذ قد يناقش بأن وطء الرابعة من حيث إنها رابعة ليست مصداقا لوطء جماعتهن قطعا فليس تحقق الحنث بها إلا باعتبار ضم وطء من سبق منهن إلى وطئها حتى يصدق وطؤهن أجمع، فيكون متعلق الإيلاء وطء الجميع، و عدم الحكم عليه قبل وطء الرابعة باعتبار عدم العلم بانضمام ما يتحقق به متعلقا للإيلاء لا ينافي الحكم بتعلقه به بعد حصول ما ينكشف به

333

أنه متعلق الإيلاء، بل أقصاه أنه مراعى بوطء الرابعة و عدمه، و دعوى أن وطء الثلاث شرط لتحقق متعلق اليمين بوطء الرابعة لا أنه من متعلقة ممنوعة، ضرورة عدم كونها مصداقا، بل لا فرق بين وطئها و وطء الأولى في ذلك، و إنما تحقق بها المصداق الذي هو وطؤها و وطء غيرها، فتأمل فإنه دقيق.

بل لأن ذلك و إن انكشف به الإثم في وطء الأولى إلا أنه لا يترتب عليه حكم الإيلاء، ضرورة أن الإثم المزبور قد كان من جهة أن وطء الأولى جزء من مفهوم وطء المجموع الذي هو متعلق الإيلاء، لا أنه من حيث كونه نفسه متعلقا للإيلاء، و المتيقن من الأدلة أن الإيلاء الثاني لا الأول، ضرورة مخالفته الأصل، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن، بل إن لم يكن إجماعا أمكن منع ترتب حكم الإيلاء إذا كان متعلقة المجموع بالمعنى المزبور، فان المجموع من حيث كونه كذلك ليس زوجة و ليس من النساء اللذين هما و نحوهما عنوان حكم الإيلاء، كما تقدم نظير ذلك في الطلاق و الظهار، حيث يكون متعلقهما المجموع بالمعنى المزبور، فلاحظ و تأمل، فإني لم أجده محررا في كلام أحد من الأصحاب.

بل منه ينقدح النظر في كلامهم حتى قول المصنف و غيره جاز له وطء ثلاث منهن، و يتعلق التحريم في الرابعة، و يثبت الإيلاء، و لها المرافعة، و يضرب لها المدة، ثم تقفه بعد المدة إذ قد عرفت أن الرابعة و غيرها سواء في مصداق المجموعية، و جواز وطء الثلاث إنما هو مع عدم وطء الرابعة، و إلا انكشف تعلق التحريم بالجميع، و إلا فالرابعة من حيث نفسها لم يتعلق بوطئها يمين فكيف يثبت لها الإيلاء و المرافعة و الضرب و الإيقاف، إذ هي جزء من مصداق المجموع الذي هو متعلق اليمين، و كون انكشاف تحقق المصداق يحصل بوطئها لا يقتضي ترتب الأحكام المزبورة لها.

و كيف كان ف لو ماتت واحدة منهن قبل الوطء انحلت اليمين بناء على توقف انعقادها على إمكان حصول الحنث بها و الفرض تعذره هنا،

334

لأن الحنث لا يتحقق إلا مع وطء الجميع و قد تعذر في حق الميتة، إذ لا حكم لوطئها حتى في المصاهرة و نحوها إلحاقا لها بالجمادات أو لانسياق وطء الحية في المقام.

و ليس كذلك إذا طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا و لو بائنا لأن حكم اليمين هنا باق فيمن بقي، لإمكان الوطء في المطلقات زنا أو حلالا و لو بالشبهة لأن الاسم يشمل الحلال و الحرام، فتثبت الكفارة حينئذ في هذه الحالة على تقدير وطء الباقية في النكاح مع وطئهن، لتحقق الحنث و هو الحلف على وطء الزوجة، فوطء المطلقات شرط في حصول الحنث في وطء الزوجة لا لأن الإيلاء متعلق بهن، لما تقدم من أن الطلاق البائن يبطل اليمين، كذا قرره في المسالك في شرح عبارة المتن، و تبعه غيره في شرح عبارة الفاضل، و سبقهما إلى ذلك و إلى كثير مما ذكر هنا الفخر في شرح القواعد.

و لكن قد يناقش بأن الحلف قد وقع على ترك وطء جماعة الزوجات لا خصوص الباقية، و لا ريب في انتفاء الموضوع، بل تعذره في طلاق الواحدة فضلا عن الزيادة، ضرورة تعذر الحنث حينئذ كما في الميتة، خصوصا بعد ما عرفت سابقا من اعتبار تعلق الإيلاء بالزوجة من حيث كونها كذلك، و لذا لو طلقها بائنا انحل الإيلاء، و لا يعود بعقدها جديدا، إذ هو سبب آخر غير الذي حرم عليه مقتضاه بالحلف.

و من الغريب قوله: «لتحقق الحنث» إلى آخره، إذ المحلوف عليه ليس ترك وطء الزوجة الباقية، بل مجموع الزوجات الذي قد تعذر بانتفاء الموضوع و لو في إحداهن، و لو كان المراد ما يشمل المطلقة لتحقق بوطئهن زنا أو شبهة مع طلاقهن أجمع، كما هو واضح. هذا كله في الصورة الأولى.

و أما الثانية و هي لو قال: لا وطأت واحدة منكن مريدا فيها العموم البدلي تعلق الإيلاء بالجميع، و ضرب لهن المدة عاجلا، لأن كل

335

واحدة مصداق لمفهوم متعلق الإيلاء الذي هو مطلق الواحدة، نعم لو وطأ واحدة منهن حنث و انحلت اليمين في البواقي لتحقق مفهوم الواحدة التي تعلق بها الإيلاء.

و لو طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا كان الإيلاء ثابتا فيمن بقي لأنه مصداق للمفهوم الذي تعلق به الإيلاء.

و لو قال في هذه أردت واحدة معينة قبل قوله، لأنه أبصر بنيته مع قبول اللفظ لما ذكره و إن كان ظاهره خلافه، فاحتمال عدم القبول لاتهامه في إخراج بعضهن عن موجب ظاهر اللفظ واضح الضعف، نعم تؤمر بالبيان، فان صدقته الباقيات فذاك، و إن ادعت غيرها أنه عناها و أنكر فهو المصدق بيمينه، فان نكل حلفت المدعية، و حكم بكونه مؤليا عنها أيضا، و إن أقر في جواب الثانية أنه عناها أخذ بموجب إقراره، و طولب بالفئة أو الطلاق، و لا يقبل رجوعه عن الأولى.

بل في المسالك «و إذا وطأهما في صورة إقراره تعددت الكفارة و إن وطأهما في صورة نكوله و يمين المدعية لم يتعدد، لأن يمينها لا يصلح لإلزام الكفارة عليه» و إن كان قد يناقش بالمنع مع تعدد الكفارة بعد العلم ببطلان أحد إقراريه، لأن المفروض إرادة واحدة فقط و إن اختلف كلامه في تعيينها، و ملاحظة الحكم في الظاهر يقتضي عدم الفرق بين الإقرارين و أحدهما مع اليمين المردودة، و إن كان هو لا معنى له باعتبار أنه تكليف شرعي يخصه و هو أعلم بتكليفه، و لا مدخلية لإلزام الحاكم له بذلك.

و دعوى تسلطه عليه باعتبار تعلق حق الفقراء يدفعها- مع أن من خصالها ما لا تعلق للفقراء فيه، كالصوم و التحرير- أنه لا وجه لتسلطه عليه بعد العلم بأن عليه كفارة واحدة، كما هو واضح، مع إمكان القول بأن الإنكار بعد الإقرار يقوم مقام الفئة، فلا يبقى للإيلاء فيها حينئذ حكم.

و لو ادعت واحدة أولا أنك عينتني فقال: «ما عينتك» أو «ما آليت عليك»

336

و بمثله أجاب ثانية و ثالثة تعينت الرابعة للإيلاء.

و لو قال: «أردت واحدة غير معينة» لا على جهة العموم البدلي ففي المسالك «في كونه مؤليا وجهان مثلهما في طلاق المبهمة، فإن قلنا به أمر بالتعيين، و يكون مؤليا قبله عن إحداهن لا على التعيين، و إذا عين واحدة لم يكن لغيرها المنازعة، و في كون المدة من وقت التعيين أو من وقت اليمين إذا جعلنا مدة الإيلاء من حينه وجهان مبنيان على أن الطلاق المبهم إذا عينه يقع عند التعيين أو يستند إلى اللفظ، فان لم يعين و مضت أربعة أشهر فإن أوقعنا الإيلاء من حينه و طالبته أمر بالتعيين ثم الفئة أو الطلاق، و لوفاء إلى واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو طلق لم يخرج عن موجب الإيلاء، لاحتمال أن المؤلي عنها الرابعة، و إن قال:

طلقت التي أوليت عنها خرج عن موجب الإيلاء، لكن المطلقة مبهمة، فعليه التعيين».

قلت: قد يقال بصحة الإيلاء عن المبهمة هنا و إن منعناه في الطلاق لما سمعته من أن الإيلاء من اليمين الباقي على كيفية الخطابات التي لا مانع من تعلقها بالواحد المطلق، لكن استظهر الكركي في حاشيته عدم كونه مؤليا أصلا، لعدم المضارة لزوجة خاصة، إذ كل واحدة تحتمل غيرها، و فيه أن المضارة تنكشف حينئذ بتعينها و لو بالقرعة، و على القول بصحته و عدم التعيين يحنث بوطء الجميع و تترتب عليه الكفارة.

و لو طلق واحدة بائنة أو ماتت انحل الإيلاء، و لو ترك وطء هن أجمع حتى مضت المدة كان الحق لواحدة منها، فتستخرج حينئذ بالقرعة أو يرجع فيها إلى تعيينه.

و لو وطأ بعضهن و ترك الآخر حتى مضت المدة أمكن القول بجعل الحق لمن ترك وطءهن، فان كانت واحدة تعينت للإيلاء و إلا استخرجت بالقرعة أو بتعيينه، و أمكن القول ببقاء الحق شائعا بين الجميع، فيقرع حينئذ، فإن خرجت القرعة

337

لمن وطأها في أثناء المدة انحل الإيلاء، و لم يكن للأخرى إيقافه من حيث الإيلاء، بل و كذا لو قلنا بأن مرجع التعيين إليه، فيعين من وطئها في أثناء المدة، فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة، و ربما كان فيما تقدم في طلاق المبهمة إشارة لبعض أحكامها، فلاحظ و تأمل.

و إن أراد الاستغراق اللغوي من المفروض لا العموم البدلي- بدعوى أنه معنى عرفي للفظ المزبور، بمعنى إرادة التعميم فيه بغير طريق البدل- كان الحكم فيه ما تسمعه في الصورة الثالثة.

و لو أطلق اللفظ المزبور و لم يعلم إرادته منه ففي حمله على الواحدة المبهمة أو العموم البدلي أو الشمولي أوجه، و لعل أوسطها أوسطها.

و أما الصورة الثالثة التي هي لو قال: و الله لا وطأت كل واحدة منكن مريدا منها العموم الشمولي الملحوظ فيه كل واحدة واحدة بطريق العموم ففي المتن و غيره كان مؤليا من كل واحدة كما لو آلى من كل واحدة منفردة لتعلق المحذور بوطء كل واحدة منهن، و هو الحنث و لزوم الكفارة و تضرب المدة في الحال، فإذا مضت كان لكل واحدة منهن مطالبته بالفئة أو الطلاق و كل من طلقها منهن فقد وفاها حقها و لم ينحل اليمين في البواقي، و كذا لو وطأها قبل الطلاق لزمته الكفارة و كان الإيلاء في البواقي باقيا لأنك قد عرفت انحلال الفرض إلى اليمين على كل واحدة بخصوصها على وجه لا تعلق له باليمين على اخرى. و كذا الكلام في كل يمين تعلق على الوجه المزبور.

و قد يقال بالفرق بين ملاحظة الأفراد بجهة العموم و بين ملاحظة كل واحد واحد منها بالخصوص، فإن الأول يعد في العرف يمين واحدة على وجه متى حنث في بعضها انحل في الباقي بخلاف الحلف على كل واحد بالخصوص، و لعلك تسمع لهذا تتمة إنشاء الله في الأيمان و النذور إذا كان متعلقها مثل ذلك.

هذا و في المسالك هنا أنه «يمكن أن يقال هنا كما قيل في السابقة من أنه

338

إن قصد بقوله: لا أجامع كل واحدة المعنى الذي قرروه اتجه بقاء الإيلاء في حق الباقيات، و إلا كان الحكم فيها كالحكم فيما لو قال: و الله لا اجامعكن، فلا يحصل الحنث و لا يلزم الكفارة إلا بوطء الجميع، و لا يكون مؤليا في الحال على ما قرر هناك، لوجهين: أحدهما أنه إذا وطأ بعضهن كالواحدة مثلا صدق أنه لم يطأ كل واحدة منهن، و إنما وطأ واحدة منهن، كما يصدق أنه لم يطأهن و إنما وطأ إحداهن، و ذلك يدل على أن مفهوم اللفظ واحد، و الثاني أن قول القائل: طلقت نسائي و قوله: طلقت كل واحدة من نسائي يؤديان معنى واحدا و إذا اتحد معناهما في طرف الإثبات فكذلك في طرف النفي، فيكون معنى قوله: «لا أجامع كل واحدة منكن» معنى قوله:

«لا اجامعكن» خصوصا على ما ذكره الشيخ عبد القاهر و من تبعه من أن كلمة «كل» في النفي إذا دخلت في حيزه بأن قدم عليها لفظا كقوله: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» و قوله: «ما جاء القوم كلهم»، أو «ما جاء كل القوم» أو تقديرا بأن قدمت على الفعل المنفي و أعمل فيها، لأن العامل رتبته التقديم على المعمول، كقولك: «كل الدراهم لم آخذ» توجه النفي إلى الشمول خاصة لا (دون خ ل) إلى أصل الفعل، و أفاد الكلام ثبوته لبعض أو تعلقه ببعض، و في هذا المقام بحث، و له جواب لا يليق بهذا المحل».

قلت: هو على طوله لا حاصل له، ضرورة رجوعه إلى بحث لفظي، و المراد هنا بيان الحكم على فرض كون المراد العموم الشمولي على أن إرجاع قوله:

«لا اجامعكن» إلى إرادة العموم الشمولي أولى من العكس عرفا، و بالجملة ذلك بحث آخر خارج عما نحن فيه، و هو حكم الإيلاء على تقدير إرادة المعنى المفروض، و الله العالم بحقائق أحكامه، و نسأله التأييد و التسديد.

339

[المسألة الحادية عشرة إذا آلى من المطلقة الرجعية صح]

المسألة الحادية عشرة:

إذا آلى من المطلقة الرجعية صح بلا خلاف و لا إشكال، لما تكرر من أنها بحكم الزوجة و يحتسب زمان العدة من المدة بناء على أن مبدأها من حين الإيلاء، أما على القول بأنها من حين المرافعة فلا، ضرورة أنه ليس لها المرافعة، لأنها لا تستحق عليه الاستمتاع، فلا يحتسب منها شيء من العدة، بل إن راجعها فرافعته ضربت لها المدة حينئذ.

و كذا لو طلقها طلاقا رجعيا بعد الإيلاء و راجع في احتساب العدة من المدة، و حينئذ يطالب مع فرض رجوعه و انقضائها بأحد الأمرين: الفئة أو الطلاق، لأن الزوجية و إن اختلت بالطلاق إلا أنه متمكن من الوطء بالرجعة، فلا يكون الطلاق عذرا كالردة و إن افترقا بأن النكاح معها لا ينخرم، و الطلاق بالرجعة لا ينهدم، إلا أن هذا الفرق لا يوجب اختلاف الحكم هنا، لاشتراكهما في التمكن من الوطء بإزالة المانع من قبل الزوج.

خلافا للمحكي عن الشيخ، فمنع من احتساب المدة فيهما، محتجا بأن الطلاق رفع النكاح و أجراها إلى البينونة، بمعنى أنها في العدة في زمان يقتضي مضيه البينونة، فلا يجوز احتساب هذه المدة من مدة يقتضي مضيها المطالبة بالوطء، و هو زمان التربص، لتضاد الأثرين المقتضي لتضاد المؤثرين، و كذا الردة.

و عن التحرير موافقته على انهدامها، و أنه إن راجع ضربت له مدة أخرى وقف عند انقضائها، فإن فاء أو طلق و في، فإن راجع ضربت له مدة أخرى و وقف

340

بعد انقضائها و هكذا.

و فيه أنه مناف لإطلاق الكتاب (1) و السنة (2) بعد فرض اندراج المطلقة الرجعية في النساء، سواء كانت مطلقة قبل الإيلاء أو بعده، و من هنا كان ما في المتن لا يخلو من قوة، و أما الردة فقد عرفت البحث فيها سابقا، و أنها كالمطلقة.

____________

(1) سورة البقرة: 2 الآية 226.

(2) الوسائل الباب- 1 و غيره- من أبواب الإيلاء.

341

[المسألة الثانية عشرة لا تكرر الكفارة بتكرر اليمين]

المسألة الثانية عشرة:

لا تكرر الكفارة بتكرر اليمين سواء قصد التأكيد أو لم يقصد أو قصد بالثانية غير ما قصد بالأولى إذا كان المحلوف عليه واحدا و الزمان واحدا كأن يقول: «و الله لا وطأتك و الله لا وطأتك» أو يقول: «أبدا» فيهما أو «خمسة أشهر» فيهما، لأن اليمين مبالغة في المحلوف عليه و إنما تغايرها بتغاير المحلوف عليه، فإذا كررها على محلوف عليه واحد فإنما زاد في التأكيد و المبالغة، و لا يجدي قصد المغايرة، و الأصل البراءة من التكرير، و لأنه يصدق الإيلاء بالواحد و المتعدد على السواء، و العمدة الإجماع إن تم، كما عساه يظهر من نسبته إلى ظاهر الأصحاب في المسالك، و إلا فلا يخلو من نظر مع الإطلاق أو قصد التأسيس، لأصالة عدم التداخل بعد ظهور تعدد السبب بتعدد اليمين، و منه يظهر الحال في اليمين غير الإيلاء، اللهم إلا أن يقال: إن التأكيد لازم لتكراره، قصده أو لم يقصده، لأنه كتكرار الاخبار بالجملة الواحدة، فإن اليمين لم يخرج عن الخطابات.

نعم لو قال: و الله لا وطأتك خمسة أشهر فإذا انقضت فو الله لا وطأتك ستة أشهر أو دائما فهما إيلاءان و كذا لو قال: «و الله لا وطأتك خمسة أشهر و الله لا وطأتك سنة» و إن تداخلا في الخمسة و انفرد الثاني بباقي السنة كما في كشف اللثام، قال: «فيتربص به أربعة أشهر فإن فاء أو دافع حتى انقضت السنة انحلا، و ليس عليه بالفئة إلا كفارة واحدة، و إن دافع حتى انقضت مدة الأول بقي حكم مدة الثاني، و إن طلق ثم راجع أو جدد العقد عليها و أبطلنا مدة التربص

342

بالطلاق فان لم يبق من مدة الثاني بعد الرجعة إلا أربعة أشهر أو أقل انحل الثاني أيضا، و إلا طالبته بعد التربص».

و نحوه ما في المسالك، قال في مفروض المسألة: «فإذا مضت أربعة أشهر فلها المطالبة، فإن فاء انحلت اليمينان، فإذا أوجبنا الكفارة فالواجب كفارة واحدة أو كفارتان على ما سبق- أي من احتمال التعدد في مطلق الإيلاء و إن اتحد مورده- و إن طلقها ثم راجعها أو جدد نكاحها فإن بقي من السنة أربعة أشهر أو أقل لم يعد الإيلاء و تبقى اليمين، و إن بقي أكثر من أربعة أشهر و لم نقل ببطلان المدة عاد الإيلاء بالرجعة، و في تجديده ما سبق».

و ظاهره كالأول حصول الإيلاء الثاني مع فرض اجتماع شرائطه مع تجديد العقد أيضا. بل هو صريح كلامه في المسألة الاتية، معللا له بأن الطلاق البائن إنما يحل الإيلاء الحاصل لا المتوقع.

و لكن قد يشكل ذلك في الفرض بأنه مناف لانحلالهما بالفئة المبني على كون المدة من أول الإيلاء الأول لهما، ضرورة عدم الانحلال مع فرض اختصاص المدة المشتركة بالأول، و حينئذ فالمتجه انحلالهما أيضا بالطلاق البائن المقتضي لخروج الزوجة عن الزوجية موضوعا و حكما، بل لعله كذلك أيضا المسألة الآتية، و فرض خروجها عن الزوجية قبل حصول وقتها لا ينافي بطلان استعداد تعلقه الحاصل باليمين الأول، و حينئذ فالأول و الثاني سواء في الحكم المزبور، نعم لا تداخل في الأول، بل هما إيلاءان متباينان لكل منهما حكمه.

و حينئذ ف لها المرافعة لضرب مدة التربص عقيب اليمين، فإذا انقضت أربعة أشهر فإن فاء في الخامس أو طلق وفاها حقها من الأول و بقي من الثاني.

و لو رافعته فما طل حتى انقضت خمسة أشهر فقد انحلت اليمين الأولى،

343

قال الشيخ: و يدخل وقت الإيلاء الثاني فله التربص أربعة أشهر إن لم يكن طلقها أو راجعها و احتسبنا العدة من المدة أو بقي أزيد من أربعة أشهر. و أيضا فيه وجه ببطلان (و الوجه بطلان خ ل) الإيلاء الثاني لتعليقه على الصفة على ما قرره الشيخ كما عرفت الكلام فيه سابقا، و بالجملة فكلامهم في المقام لا يخلو من غبار.

344

[المسألة الثالثة عشرة إذا قال و الله لا أصبتك سنة إلا مرة لم يكن مؤليا]

المسألة الثالثة عشرة:

إذا قال: و الله لا أصبتك سنة إلا مرة أو أزيد أو يوما لم يكن مؤليا في الحال عندنا بمعنى عدم جريان حكم الإيلاء عليه في الحال لأن له الوطء من غير تكفير و لكن لو وطأ العدد الذي استثناء وقع الإيلاء حينئذ بالمعنى الأعم ثم ينظر فان تخلف من المدة قدر التربص فصاعدا صح إيلاء بالمعنى الأخص لحصول الحنث و الكفارة و كان لها المواقفة، و إن كان دون ذلك بطل حكم الإيلاء بالمعنى المزبور و بقي بالمعنى الأعم، خلافا للمحكي عن بعض العامة فجعله مؤليا في الحال، لأن الوطء الأول و إن لم يحصل به الحنث لكنه مقرب منه كما سبق، و قد عرفت ضعفه.

و لو لم يطأها في السنة أصلا كان عليه كفارة، لأن الاستثناء من النفي إثبات، إلا أن يريد باليمين الالتزام بعدم الزيادة على الواحدة.

و لو وطأها في هذه الصورة و نزع ثم أولج لزمته الكفارة بالإيلاج الثاني، لأنه وطء مجدد، و في المسالك احتمال العدم، لعد الايلاجات المتتابعة في العرف وطأة واحدة مثل الأكلة، و هو كذلك مع عدم النزع.

و لو قال: «إن أصبتك في هذه السنة فو الله لا أصبتك فيها» أو أطلق لم يكن مؤليا في الحال أيضا و بني وقوعه بعد الإصابة على جواز المعلق، بخلاف الأولى التي

345

عقد اليمين فيها في الحال و استثنى وطأه واحدة مثلا، و هنا علق الإيلاء على إصابتها، فلا يمين قبل إصابتها، و الله العالم و الموفق و المسدد.

إلى هنا تمت بحمد الله تعاليقنا على الجزء 33 من كتاب جواهر الكلام، و هي الموسوعة الكبيرة الفقهية التي امتازت عن سائر الكتب الفقهية بسعتها و احاطتها، و لا أنس جهود العلامة الأخ الشيخ محمد القوچاني سلمه الله حيث شاركني في إنجاز العمل، و أرجو من الله تعالى وحده أن يوفقني لإتمام العمل و تحقيق بقية الاجزاء انه سميع مجيب.

محمد القوچاني النجف الأشرف 20- ع 2- 1396 و تم تصحيحه و تهذيبه و ترتيبه في اليوم الخامس عشر من شهر صفر الخير سنة- 1398- و الحمد لله أولا و آخرا، و ذلك بيد العبد:

السيد إبراهيم الميانجى عفى عنه و عن والديه