جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
57

منه، فان وقع في الماء من رميتك فمات فلا تأكل منه»

و نحوه موثق سماعة (1) عنه (عليه السلام) أيضا.

و خبر خالد بن الحجاج (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) «لا تأكل الصيد إذا وقع في الماء فمات».

و في مرسل الفقيه (3) قال (عليه السلام): «إن رميت الصيد و هو على جبل فسقط و مات فلا تأكله، فإن رميته فأصاب سهمك و وقع في الماء فمات فكله إذا كان رأسه خارجا من الماء، و إن كان رأسه في الماء فلا تأكله»

و في المسالك «إن الصدوقين قيدا الحل بأن يموت و رأسه خارج من الماء، و لا بأس به، لأنه أمارة على قتله بالسهم إن لم يظهر خلاف ذلك».

قلت: و عليه ينزل المرسل المزبور، و بالجملة لا إشكال في الحكم في الفرض بعد الإحاطة بما ذكرناه سابقا و في المقام من الأصل و غيره.

نعم لو صير حياته غير مستقرة برميته ثم وقع في الماء مثلا و هو في الحال المزبور حل، لأنه يجري مجرى المذبوح فلا يكون موته مستندا إلى سببين، بناء على أن هذه الحياة كعدمها، كما هو واضح، و اللّه العالم.

و لو قطعت الآلة كالسيف و نحوه منه شيئا عضوا أو غيره و بقي الباقي مقدورا عليه و حياته مستقرة كان ما قطعته ميتة فلا إشكال في تحريمه، لأنه حينئذ قطعة مبانة من حي، فيندرج فيما دل (4)

____________

(1) أشار إليه في الوسائل- الباب- 26- من أبواب الصيد- الحديث 2 و ذكره في الكافي- ج 6 ص 215.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبائح.

58

على أن مثل ذلك ميتة. و لكن يذكي ما بقي إن كان كما فرضناه من كونه مقدورا عليه و حياته مستقرة و أدرك ذكاته، خلافا لما عساه يظهر مما تسمعه من إطلاق الشيخ و القاضي و ابن حمزة من الحل و إن لم يذك، لإطلاقهم الحل مع الحركة و خروج الدم، إلا أنه كما ترى مناف لأصول المذهب و قواعده. و من هنا أمكن حمل كلامهم كالخبر الآتي (1) الدال على ذلك على إرادة القيد المزبور اتكالا على الظهور، فلا خلاف حينئذ في المسألة.

نعم إذا لم يكن حياته مستقرة بالضربة المزبورة التي قطعت منه شيئا فالظاهر حله أجمع، ضرورة صدق صيده بقتله الذي هو ذكاة نصا (2) و فتوى مع اجتماع الشرائط من التسمية و السلاح و غيرها مما عرفت، بل لا فرق في الآلة بين السلاح و الكلب في الحكم المزبور.

و كذا لو قطعته نصفين أي قطعتين و إن لم يعتدلا فلم يتحركا أصلا أو تحركا حركة مذبوح. و بالجملة إذا علم أن إزهاق نفسه كان بذلك ف ان هما معا حلال بلا خلاف، كما عن المبسوط و الخلاف و السرائر و إن لم يقيداه بأحد القيدين إلا أن الظاهر إرادتهما ذلك، بناء على الغالب من عدم استقرار الحياة بذلك، كما حكي عنهم التصريح بأن مثله من جملة أسباب عدم استقرار الحياة، كقطع المريء و شق البطن أو القلب أو قطع الحلقوم، فلا خلاف في الحقيقة.

مضافا إلى إطلاق الأدلة أو عمومها من غير فرق بين اتحادهما و عدمه و خروج الدم من أحدهما و عدمه، و بين ذي الرأس و غيره.

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 1 و 2.

59

و في خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد «سألته عن رجل لحق حمارا أو ظبيا فضربه بالسيف فقطعه نصفين، هل يحل أكله؟ قال: نعم إذا سمى»

و إطلاقه موافق لما ذكرناه، و كذا غيره مما تسمعه، بل يمكن تنزيل ما ينافيه مما يأتي عليه كما ستعرف، و إلا كان شاذا.

و حينئذ فما قيل- من أنه لو تحرك أحدهما فالحلال هو كما عن الشيخ في النهاية و القاضي- واضح الضعف إلا إذا كانت حركة استقرار حياة، فإن الحلال حينئذ بالتذكية كما ذكرناه. و حينئذ فالأصح ما قيل من أنهما يؤكلان معا إن لم يكن في المتحرك حياة مستقرة و إنما كان حركة مذبوح، إذ هو كما عرفت أشبه بأصول المذهب و قواعده و إطلاق الأدلة و عمومها، بل هو الذي استقر عليه المذهب.

و في رواية يؤكل ما فيه الرأس و هي

رواية إسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل ضرب غزالا بسيفه حتى أبانه أ يأكله؟ قال: نعم يأكل مما يلي الرأس و يدع الذنب».

و في أخرى يؤكل الأكبر دون الأصغر و هي

مرسلة النوفلي (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: ربما رميت بالمعراض فأقتل، فقال: إذا قطعه جدلين فارم بأصغرهما و كل الأكبر، و إن اعتدلا فكلهما».

و كلاهما شاذ و كذا الثالثة، و هي

مرفوعة النضر بن سويد (4) «في الظبي و حمار الوحش يعترضان بالسيف فيقدان، قال: لا بأس

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد- الحديث 3.

60

بأكلهما ما لم يتحرك أحد النصفين، فإذا تحرك أحدهما لم يؤكل الآخر لأنه ميتة»

و إن كان بكل قائل، بل قد يظهر من التعليل في الأخير كون المراد من الحياة المتبقية و المثبتة الحياة المستقرة لا مطلقا، و به يقيد الخبر الذي أطلق فيه الحل مع القد نصفين من دون اشتراط عدم استقرار الحياة مضافا إلى وروده مورد الغالب المتحقق فيه الشرط.

و على كل حال فليس في شيء منها و لا من غيرها اعتبار خروج الدم بالكلية، خلافا لمن ستعرف من الشيخ و غيره، فاعتبره في الحلية، بل صرح بعضهم بالحرمة مع عدمه، و لكن حجتهم عليه غير واضحة، و إن حكي عن التنقيح أنه نفى البأس عنه، إلا أن الأمر سهل باعتبار ندرة عدم خروج الدم مع القد نصفين، بل لعله من المحال عادة.

و كيف كان فجملة ما وصل إلينا من النصوص ما سمعته من خبر علي بن جعفر (1) و غيره، و (منها)

صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال: سئل عن صيد صيد فتوزعه القوم قبل أن يموت، قال: لا بأس به»

و هو محمول على كونه غير مستقر الحياة، فإنه حينئذ بحكم المذبوح، فلا بأس بتوزيعه. و مثله

خبر الحلبي (3) «سألته عن الرجل يرمي الصيد فيصرعه فيبتدره القوم فيقطعونه فقال: كله».

و (منها)

خبر محمد بن قيس (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا في حديث قال: «في أيل يصطاده رجل فيقطعه الناس و الرجل يتبعه أ فتراه نهبة؟ قال: ليس بنهبة، و ليس به بأس»

المحمول على عدم خروجه عن الامتناع بصيد الأول، فلا يكون ملكا له، فإذا لحقه الناس

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصيد- الحديث 2.

61

و قطعوه على وجه كان إزهاق نفسه بذلك و فرض بقاؤه على الامتناع كان حلالا و لم يكن نهبة من الغير، و نحوه ما

عن قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) من أنه قال: «في أيل اصطاده رجل فقطعه الناس و الذي اصطاده يمنعه ففيه نهي، فقال: ليس فيه نهي، و ليس به بأس».

و (منها)

خبر غياث بن إبراهيم (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يضرب الصيد فيجد له نصفين، قال: يأكلهما جميعا، و إن ضربه فأبان منه عضوا لم يأكل منه ما أبان، و أكل سائره»

أي مع فرض بقائه مستقر الحياة و أدرك ذكاته و لو بالصيد مع فرض بقائه على الامتناع، أما الأول فهو قطعة مبانة من حي.

و بذلك كله ظهر لك ما في الأقوال المزبورة التي (منها) ما سمعته من النهاية، قال: «و إن قده نصفين و لم يتحرك واحد منهما جاز له أكلهما إذا خرج منهما الدم، فان تحرك أحد النصفين و لم يتحرك الآخر أكل الذي يتحرك و رمى بما لم يتحرك».

و (منها) ما عن القاضي من أنه «يحل إن ضربه فقطعه نصفين و تحرك كل واحد منهما و خرج منه دم، فان تحرك أحدهما و خرج منه دم دون الآخر فالحلال هو المتحرك دون الذي لم يتحرك و لم يخرج منه دم».

و (منها) ما عن الخلاف: «إذا قطع الصيد نصفين حل أكل الكل بلا خلاف، فان كان الذي مع الرأس أكبر أكل الذي مع الرأس دون الباقي، و به قال أبو حنيفة، و قال الشافعي: يحل أكل الجميع، دليلنا طريقة الاحتياط، فإن أكل ما مع الرأس مجمع على إباحته،

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد- الحديث 1.

62

و ما قالوه ليس عليه دليل، و أيضا

روي عن ابن عمر (1) أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «ما أبين من حي فهو ميت»

و هذا الأقل أبين من حي فيجب كونه ميتا، و هذه رواية أصحابنا لا يختلفون فيه».

قلت: قد يشعر كلامه الأخير بإرادة ما يخرج به عن الخلاف، بل يمكن حمل كلام غيره على نحو ذلك.

و (منها) ما عن ابن حمزة من أنه «إن قتله بحده لم يخل إما قطعه نصفين أو لم يقطعه، فان قطعه نصفين و كانا سواء و خرج منهما الدم حلا، و إن لم يخرج حرم، و إن كان أحد الشقين أكبر و معه الرأس حل ذلك الشق، و إن تحرك أحدهما حل المتحرك، و إن أبان بعضه حرم ذلك البعض، فان كان الباقي ممتنعا و رماه ثانيا فقتله حل، و إن كان غير ممتنع و أدركه و فيه حياة مستقرة فذبحه أو تركه إذا لم يتسع الزمان لذبحه حتى يبرد حل، و إن كان فيه حياة غير مستقرة حل من غير ذكاة».

و في المختلف بعد حكايته ذلك عنه قال: «و هو المعتمد عندي» و الظاهر إرادة ما ذكره أخيرا، بقرينة استدلاله على ذلك بأن مع وجود الحياة المستقرة يكون المقطوع ميتة، لأنه أبين من حي، و مع فقد الحياة يكون مصيدا و قد قتل بالصيد، فلو لم يقطع كان حلالا، فمع القطع لا يزول الحكم عنه، و هو عين المختار.

كما أن ما عن ابن إدريس كذلك أيضا، قال: «إذا سال الدم منهما أكلهما جميعا ما تحرك و ما لم يتحرك، و لا اعتبار بما مع الرأس

____________

(1) سنن ابن ماجه ج 2 ص 292 و فيه

«قال: ما قطع من البهيمة و هي حية فما قطع منها فهو ميتة»

63

إذا لم تكن فيه حياة مستقرة (1) فإذا كان كذلك حل الجميع، و إن كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة فلا يؤكل ما عداه مما أبين منه، لأنه أبين من حي، فهو ميتة، فأما إذا لم يكن فيه حياة مستقرة فما هو مما أبين من حي فيؤكل الجميع» و إن قال في أول كلامه: «إذا سال الدم» إلا أنه شرط مبني على الغالب.

و بالجملة فالمذهب ما عرفت، فإن أمكن رجوع شيء مما سمعت من نص أو فتوى اليه فمرحبا بالوفاق، و إلا كان مطرحا شاذا مخالفا لأصول المذهب و قواعده و إطلاق الأدلة و عمومها، كما ذكرناه سابقا، خصوصا ما يقتضيه إطلاق بعضهم من حل المتحرك مطلقا من دون تذكية و إن كان ذا حياة مستقرة، و من حرمة غير المتحرك و إن كانت حركة المتحرك حركة مذبوح و نحوه مما هو غير مستقر الحياة، و لا دليل لهم سوى الخبر المزبور (2) القاصر في نفسه و عن المكافئة من وجوه عديدة منها الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك كما اعترف به بعض الأفاضل فلا بد من طرحه أو حمله على ما يرجع إلى غيره مما هو موافق لأصول المذهب و قواعده.

نعم قيل: إن لما ذكروه وجها إن لم يعتبر استقرار الحياة في وجوب تذكية الصيد مطلقا، بل قلنا بوجوبها ما دام فيه حركة ما كطرف العين و ركض الرجل و نحوهما، أو اعتبرناه بأحد الأمور المزبورة كما عن

____________

(1) الموجود في السرائر المطبوعة و المخطوطة التي أوقفها الشيخ البهائي (قده) و المحتفظ بها في مكتبة الروضة الرضوية على مشرفها آلاف التحية و الثناء في «مشهد» خراسان (كتابخانه آستانه قدس رضوي) هكذا «و الاعتبار بما مع الرأس إذا لم يكن فيه حياة مستقرة.».

(2) راجع التعليقة في ص 62.

64

ابن حمزة، و ذلك لأن المتحرك حينئذ حي واجب التذكية، فيكون الآخر الذي لا حركة فيه قطعة مبانة من حي فيحرم.

و فيه (أولا) أن هذا ليس قولا لأحد من الأصحاب، ضرورة ظهور كلامهم بل صريح بعضهم في اعتبار استقرار الحياة في التذكية، من غير فرق بين الصيد و غيره. و (ثانيا) أن اعتبار استقرار الحياة و تفسيره بغير تلك الأمور المشهورة مشهور، و منهم الشيخ الذي هو الأصل في هذا القول، على أن القد نصفين من جملة ما فسروا به عدم استقرار الحياة، فلا وجه لهذا القول حينئذ إلا الخبر المزبور القاصر في نفسه و عن المكافئة من وجوه.

و كذلك لا دليل للقول بحل خصوص ما فيه الرأس إذا كان أكبر عدا ما سمعته من الشيخ في الخلاف الذي قد عرفت احتمال الموافقة منه خصوصا مع نسبته في محكي المبسوط ذلك إلى مذهبنا، و لم نعرف له موافقا، إلا ما يحكى عن ابن حمزة.

و منه يقوي ارادة ما ذكرناه، و إلا كان محجوجا بما سمعت، مع أنه لا شاهد له سوى الموثق (1) الخالي عما ذكره من التقييد بالأكبر، و تنزيله عليه جمعا بينه و بين الخبر الآخر (2) فرع الشاهد و المكافئة، و هما معا مفقودان، فالأولى حملها على ارادة كون ذلك أمارة على استقرار حياة ما فيه الرأس الذي هو الأكبر، فيكون المبان منه قطعة مبانة من حي، فيحرم و يحل هو بالخصوص مع التذكية أو ما يقوم مقامها مما ستعرف، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد- الحديث 4.

65

[الأمر الثالث في اللواحق]

الأمر الثالث في اللواحق و فيه مسائل:

[المسألة الأولى الاصطياد بالآلة المغصوبة]

الأولى:

الاصطياد بالآلة المغصوبة سلاحا أو كلبا أو غيرهما حرام بلا خلاف و لا إشكال، إذ هو كغيره من التصرف بالمغصوب الممتنع عقلا و شرعا و لكن لا يحرم الصيد لإطلاق الأدلة و عمومها، ضرورة كونه من المعاملة التي تجامع المحرم، كالذبح بالآلة المغصوبة، بل لو كان المذبوح مغصوبا لم يحرم بمعنى عدم كونه ميتة و إن ضمن الغاصب تفاوت ما بين كونه مذبوحا و حيا.

بل لا خلاف أجده بيننا في أنه يملكه الصائد دون صاحب الآلة لأن الصيد من المباحات التي تملك بالمباشرة المتحققة من الغاصب و إن حرم استعماله للآلة، خلافا لبعض العامة في خصوص الحيوان من الآلة كالكلب فجعل صيده لمالكه كصيد العبد المغصوب، و هو مع أنه قياس مع الفارق ضرورة كون العبد أهلا للقصد بخلاف الكلب.

و من الغريب احتمال الأردبيلي هنا ذلك، قال: «إن حصول الملك للغاصب في الشبكة و الكلب غير ظاهر، لأنه ليس له فعل مملك واضح مستقل و وضع يد، فيحتمل حصوله للمغصوب منه، و عدم حصول ملك

66

لأحد، فيبقى على الإباحة حتى يأخذه آخذ على وجه الملك، نعم في الجرح بالرمح و السهم قد يقال: المملك هو فعله، و الآلة ليس لها دخل إلا الآلية، و أن فعله و إتيانه بفعله بمنزلة أخذه و وضع يده، و بالجملة الفعل غير مستقل في أمثال هذه، و ليس فيها دلالة شرعية من نص و إجماع، فالاحتياط لا يترك علما و عملا».

و لكن فيه ما لا يخفى، ضرورة صدق وضع اليد و الدخول تحتها و إن كان بالآلة المغصوبة، كما هو واضح.

نعم عليه أي الصائد أجرة مثلها للمالك كباقي الأعيان المغصوبة، بل لو لم يصد بها كانت عليه الأجرة، لفوات المنفعة تحت يده، بل عن بعض العامة ذلك، حتى القول بكون الصيد للمالك، و لا يخلو من وجه، و إن كان الحق عندنا أنه ملك للصائد و إن صاده بالآلة المغصوبة سواء كانت كلبا أو سلاحا أو غيرهما من شبك و نحوه خلافا لمن عرفت من بعض العامة.

هذا و في المسالك «أن قول المصنف: سواء- إلى آخره- راجع إلى ملك الصائد دون صاحب الآلة، تنبيها على خلاف المخالف، كما بيناه لا إلى القريب، و هو ضمان الأجرة، لأنهما مستويان نفيا و إثباتا».

قلت: يمكن رجوعه إليه و لو باعتبار نفي الأجرة عند بعض العامة في خصوص الكلب، بناء على أن ما يصيده الكلب لمالكه، فتكون منفعته حينئذ لمالكه، فلا يضمن له أجرة و إن كان واضح الضعف، و الأمر سهل، و اللّه العالم.

67

[المسألة الثانية إذا عض الكلب صيدا كان موضع العضة نجسا يجب غسله على الأصح]

المسألة الثانية:

إذا عض الكلب صيدا كان موضع العضة نجسا يجب غسله على الأصح وفاقا للمعظم، لإطلاق ما دل (1) على وجوب غسل ما لاقاه الكلب برطوبة، خلافا للمحكي عن الشيخ في الخلاف و المبسوط، فحكم بطهارته، لإطلاق قوله تعالى (2) «فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» من دون أمر بالغسل، و ربما حكي عن بعض العامة و عن آخر أنه عفو، لمكان الحاجة و عسر الاحتراز.

و فيه منع العسر و الاحتياج، و إطلاق الآية إنما هو لحل الأكل من حيث إنه صيد، فلا ينافي وجوب الغسل من حيث النجاسة، إذ الإطلاق عرفا حجة فيما يساق له دون غيره مما لم يسق لبيان حكمه، نحو قوله تعالى (3) «فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً» و نحوه مما لا ينافي المنع من جهة أخرى، بل لو كان كذلك لزم فساد كثير من الأحكام المعلومة بالشرع، كما هو واضح. و اللّه العالم.

[المسألة الثالثة إذا أرسل كلبه المعلم أو سلاحه فجرحه فإن لم تكن حياته مستقرة فهو بحكم المذبوح]

المسألة الثالثة:

إذا أرسل كلبه المعلم أو سلاحه فجرحه فعليه أن يسارع إليه على الوجه المعتاد، كما صرح به جماعة، بل في الرياض «المشهور

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب النجاسات- من كتاب الطهارة.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(3) سورة الأنفال: 8- الآية 69.

68

إيجابها شرطا على الظاهر أو شرعا كما قيل- ثم قال-: و لم أجد لهم دليلا صريحا و إن احتمل توجيهه بأصالة الحرمة و عدم انصراف الإطلاقات إلى صيد لم يتحقق اليه مسارعة معتادة، لأن المتبادر منها ما تحققت فيه، و إلا لحل الصيد مع عدمها و لو بقي غير ممتنع سنة ثم مات بجرح الآلة و هو (و لعله خ ل) مخالف للإجماع بل الضرورة، هذا مع إمكان دعوى الاستقراء و التتبع للنصوص و الفتاوى على دوران حل الصيد بالاصطياد و حرمته مدار حصول موته حال الامتناع به و عدمه مع القدرة عليه، فيحل في الأول دون الثاني إلا بعد تذكيته، و في التنقيح عن الحلي الإجماع عليه، حيث قال: و لا يحل مقتول الكلب إلا مع الامتناع إجماعا، و على هذا فلو أخذته الآلة و صيرته غير ممتنع توقف حلها على التذكية، فيجب تحصيلها بالمسارعة المعتادة، و هذه الحجة و إن اقتضت الحرمة بعد المسارعة أيضا مع إدراك التذكية و تركها لقصور الزمان و نحوه إلا أن هذه الصورة خرجت بالإجماع و نحوه من الأدلة، و حينئذ فما ذكروه لا يخلو من قوة، سيما مع اعتضاده بأن المستفاد من النصوص و الفتاوى عدم حل الحيوان مطلقا إلا بالذبح و نحوه، و أن الاكتفاء بغيرهما في الحلية إنما هو حيث حصلت ضرورة كالاستعصاء و نحوه، و يمكن أن ينزل عليه إطلاق بعض العبارات و النصوص بحملها على صورة تحقق المسارعة، لوروده لبيان حكم غير المسارعة، بل هذا التنزيل يتعين نظرا إلى ما مر إليه الإشارة من تلك القواعد المستفادة من تتبع النصوص و كلماتهم و كلمات غيرهم من الجماعة».

قلت: لكن مع ذلك كله قد تأمل فيه في مجمع البرهان و الكفاية، بل ظاهر الأول الميل إلى العدم، بل لعله ظاهر كل من اقتصر على غيره

69

في اشتراط حل الصيد، كما أنه ظاهر إطلاق الأدلة أو عمومها كتابا (1) و سنة (2).

و دعوى انسياق الإطلاق إلى ما فيه المسارعة دون غيره واضحة المنع، خصوصا مع المانع عنها أو مع تعدد الصيد على وجه لا يمكن المسارعة إليه أجمع، و النصوص (3) إنما دلت على وجوب تذكيته إذا أدركه حيا و صار تحت يده كذلك، و هو لا دلالة فيه على وجوب المسارعة شرطا أو شرعا، و لا يستلزم ذلك حل الصيد الذي قد جرح بحيث صار تحت يد الصائد و قبضته ثم ترك سنة مثلا و مات بعدها بالجرح، لاندراجه فيمن أدرك ذكاته و لم يذكه.

أما إذا لم يكن كذلك و لو لعدم مسارعته اختيارا أو لمانع ثم وجد الصيد بعد ذلك و علم أنه قد مات بجرح آلته و لو بالسراية فيحل بناء على الاحتمال المزبور، لإطلاق الأدلة، و عدم صدق كونه تحت يده و عدم إدراكه حيا، بل قد مر من النصوص (4)- في الشرط الرابع و في حل الصيد بالسلاح و إن قتل- ما هو ظاهر في الإباحة و لو لترك الاستفصال، و ما ذكره من الاستقراء و التتبع- إلى آخره- لا يقتضي حرمة ما ذكرناه من الفرض، بل أقصاها حرمة غير الممتنع مع إدراك تذكيته و تركها.

و لكن مع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا في الصيد الذي علم صيرورته غير ممتنع بما أصابه من الآلة، و تمكن من الوصول إليه و تعرف حاله أنه قتل بها أو بعده حيا يحتاج إلى التذكية، و اللّه العالم.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 1 و غيره- من أبواب الصيد.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(4) الوسائل- الباب- 18 و 16- من أبواب الصيد.

70

و كيف كان فان بادر إليه على الوجه المتعارف و أدركه حيا ف في المتن و غيره، بل في المسالك و غيرها أن المشهور أنه إن لم تكن حياته مستقرة فهو بحكم المذبوح أي حلال من غير حاجة إلى تذكية، لأن هذه الحياة كعدمها و إن كان ورد في بعض الأخبار أن أدنى ما يدرك ذكاته أن يجده يركض برجله أو تطرف عينه أو يتحرك ذنبه.

قال الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1): «كل من كل شيء من الحيوان غير الخنزير و النطيحة و المتردية، و ما أكل السبع، و هو قول اللّه عز و جل إِلّا ما ذَكَّيْتُمْ (2) فإن أدركت شيئا منها و عين تطرف أو قائمة تركض أو ذنب يمصع فقد أدركت ذكاته فكل».

و في خبر ليث المرادي (3) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصقورة و البزاة و عن صيدها، فقال: كل ما لم يقتلن إذا أدركت ذكاته، و آخر الذكاة إذا كانت العين تطرف و الرجل تركض و الذنب يتحرك».

و قال الصادق (عليه السلام) أيضا في خبر عبد اللّه بن سليمان (4): «في كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب و أدركته فذكه».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر البصري (5): «في كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 6.

71

فكل منه فقد أدركت ذكاته».

و سأله (عليه السلام) الحلبي أيضا في الصحيح (1) «عن الذبيحة فقال: إذا تحرك الذنب أو تطرف العين أو الاذن فهو ذكي».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر أبان بن تغلب (2): «إذا شككت في حياة شاة و رأيتها تطرف عينها أو تحرك اذنها و تمصع بذنبها فاذبحها، فإنها لك حلال».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر رفاعة (3): «في الشاة إذا طرفت عينها أو حركت ذنبها فهي ذكية»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الاكتفاء بمثل ذلك الذي هو إما استقرار حياة أو لا ينافيه.

أو هو دال على عدم اعتبار استقرارها كما ستعرف تحقيقه في الذباحة إنشاء اللّه، هذا كله في غير مستقر الحياة.

و إن أدركه و كانت حياته مستقرة و الزمان يتسع لذبحه لم يحل أكله حتى يذكى وفاقا للمشهور، للأمر بتذكيته حينئذ في جملة من النصوص (4) و لصيرورته حينئذ حيوانا غير ممتنع، و النص و الفتوى على أنه لا يذكيه غير الذبح، و ليس عدم وجود آلة الذبح عذرا.

و لكن قيل و القائل الصدوق و ابن الجنيد و الشيخ في محكي النهاية و العلامة في المختلف إن لم يكن معه ما يذبح به ترك حتى يقتله الكلب (الكلب حتى يقتله خ ل) ثم يأكله إن شاء ل

صحيح جميل (5) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن الرجل يرسل

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصيد- الحديث 1.

72

الكلب على الصيد فيأخذه و لا يكون معه سكين فيذكيه بها أ فيدعه حتى يقتله و يأكل منه؟ قال: لا بأس، قال اللّه تعالى (1) فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ»

بل منه يستفاد الاستدلال بإطلاق الأدلة كتابا و سنة.

و خبره الآخر (2) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أرسل الكلب و أسمي عليه فيصيد و ليس معي ما أذكيه به، قال: دعه حتى يقتله الكلب و كل منه».

و مرسل الفقيه (3) قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

إن أرسلت كلبك على صيد فأدركته و لم يكن معك حديدة فدع الكلب يقتله ثم كل منه».

و أجاب في الإيضاح عن الآية بأنها لا تدل على العموم و إلا لجاز مع وجود آلة الذبح، و عن الرواية بأنها لا تدل على المطلوب، لأن الضمير المستكن في قوله: «فيأخذه» راجع إلى الكلب لا إلى الصائد و البارز راجع إلى الصيد، و التقدير فيأخذ الكلب الصيد، و هذا لا يدل على ابطال امتناعه، بل جاز أن يبقى امتناعه و الكلب ممسك له، فإذا قتله قتل ما هو ممتنع، فيحل بالقتل.

و فيه أن تخصيص الآية بعدم الجواز مع وجود الآلة للإجماع و غيره لا يقتضي تخصيصها في محل النزاع، و قد تقرر في الأصول أن العام المخصوص حجة في الباقي.

و أما الرواية ففي المسالك «هي ظاهرة في صيرورة الصيد غير ممتنع من جهات: (أحدها) قوله: «و لا يكون معه سكين» فان مقتضاه أن المانع له من التذكية عدم السكين لا عدم القدرة عليه لكونه ممتنعا،

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصيد- الحديث 3.

73

و لو كان حينئذ ممتنعا لما كان لقوله: «و لا يكون معه سكين» فائدة أصلا. و (الثانية) قوله: «فيذكيه بها» ظاهر أيضا في أنه لو كان معه سكين لذكاه بها، فدل على بطلان امتناعه و (الثالثة) قوله:

«أ فيدعه» إلى آخره ظاهر أيضا في أنه قادر على أن لا يدعه حتى يقتله و أنه إنما يترك تذكيته و يدع الكلب يقتله لعدم وجود السكين».

قلت: و لعله لذا مال بعض المتأخرين إلى العمل بالصحيح المزبور المعتضد بغيره، لكن لا يخفى عليك أولا أنه بعد تسليم ظهوره مرجوح بالنسبة إلى ما قابله من الأدلة الدالة على أن الحيوان بعد صيرورته غير ممتنع لا يحله إلا التذكية، خصوصا بعد الاعتضاد بالشهرة و الأصل و غير ذلك.

نعم قد يقال بإمكان كون المراد من الصحيح المزبور السؤال عمن ترك المبادرة إلى الصيد بعد أخذ الكلب لتعرف حاله فيدعه حتى يقتله الكلب، و ذلك لعدم سكين عنده يذبحه بها لو بادر و أمكنه إدراك ذكاته بعد صيرورته غير ممتنع، فأجابه الإمام (عليه السلام) بحليته، فلا منافاة حينئذ بينه و بين غيره من النصوص (1) الدالة على وجوب التذكية لو أدركها المنزلة على من بادر فأدرك التذكية.

بل قد يستفاد من الصحيح المزبور قوة ما أشرنا إليه من عدم وجوب المبادرة، و أن له أن يترك الكلب يقتله من غير تعرف حاله و إن أمكنه ذلك، و هو غير ما لو بادر و أدرك تذكية، فإنه لا يجزؤه حينئذ قتل الكلب له، لما سمعته من النص و الفتوى، مضافا إلى الأصل و غيره مما دل على أن الحيوان لا يحله إلا الذبح، فتأمل جيدا، فإنه قوي و قريب جدا، و اللّه العالم. هذا كله في سعة الزمان لتذكيته.

أما إذا لم يتسع الزمان لذبحه من غير تقصير الصائد فهو

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

74

حلال و لو كانت حياته مستقرة وفاقا للأكثر كما في المسالك، لإطلاق و عموم حل قتيل الكلب المقتصر في الخروج عنهما (على ظ) ما أدرك ذكاته دون غيره، مضافا إلى النصوص الدالة على ذلك مفهوما و منطوقا.

(منها)

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): «إن أرسلت كلبا معلما أو فهدا بعد أن تسمي فكل مما أمسك عليك قتل أو لم يقتل، أكل أو لم يأكل، و إن أدركت صيده و كان في يدك حيا فذكه، فان عجل عليك فمات قبل أن تذكيه فكل».

و (منها)

خبر محمد بن مسلم و غير واحد (2) عنهما (عليهما السلام) «أنهما قالا في الكلب يرسله الرجل و يسمي، قال: إن أخذه فأدركت ذكاته فذكه، و إن أدركته و قد قتله فأكل منه فكل ما بقي»

إلى غير ذلك من النصوص التي فيها ما هو كالصريح في المطلوب (3) بل يندرج فيه ما لو اشتغل بأخذ الآلة و سل السكين فمات قبل أن يمكنه الذبح، بل و ما لو امتنع بما فيه من قوة و يموت قبل القدرة عليه فضلا عمن لا يجد من الزمان ما يمكنه الذبح فيه.

و بالجملة المدار ما عرفت خلافا للمحكي عن الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و الفاضل في المختلف و التحرير من الحرمة، لأنه مستقر الحياة فتوقفت إباحته بتذكيته، كمتسع الزمان، و هو كما ترى كأنه اجتهاد في مقابلة النص (4) المعمول به بين الأصحاب المتضمن لاعتبار التذكية على تقدير إدراكها لا مطلقا، و الفرض كونه مفقودا، نعم لو دخل تحت يده و تمكن من تذكيته و تركه حتى مات حرم و إن كان قتيلا للكلب أو السلاح

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

75

بسراية الجرح، إذ هو حينئذ كما لو تردى الحيوان من شاهق و لم يذبحه حتى مات.

و إطلاق حل قتيل الكلب و السلاح غير مجد بعد تقييده بما إذا لم يدرك ذكاته، فإنه حينئذ لا يحل إلا بها نصا (1) و فتوى كما عرفت، بل لا خلاف فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه إلا ما سمعته من القول بأن من العذر عدم الآلة، و قد عرفت التحقيق فيه.

و بالجملة فالمدار في الحرمة على إمكان التذكية و لم يفعل بتقصير منه، و الظاهر أن منه أن لا يكون معه مدية يذبح بها، فان ترك استصحاب الآلة للذبح تقصير منه. و كذا لو ضاعت الآلة فمات الصيد في مدة الطلب أو نشبت في الغمد، فان حقه أن يستصحب الآلة في غمد يواسيها (2) و كذا لو اشتغل بتحديد المدية، لأنه قصر بعدم تقديمه، كل ذلك لما عرفت من ظهور النصوص.

مضافا إلى أن الأصل عدم التذكية المقتصر في الخروج منه على الصورة الأولى دون غيرها السالم عن معارضة الإطلاق الذي هو إن لم يكن ظاهرا في غير الفرض فلا أقل من الشك في تناوله له على وجه يبقى الأصل سليما.

بقي شيء: و هو أن الفخر في الإيضاح قد اعترض على نحو عبارة المصنف بأنه «إن أريد بعدم اتساع الزمان لها عدم اتساعه لنفس فعل الذكاة كان منافيا لاستقرار الحياة، لأن الحياة المستقرة هي ما يمكن أن يعيش صاحبها اليوم و اليومين، فلا يدخل تحت المقسم، فلا يصح التقسيم، و إن أريد عدم اتساعه لها و لما يتوقف عليه من تحصيل الآلة و المعاون و غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(2) جاء في هامش النسخة المخطوطة المبيضة تفسيرا لذلك هكذا «أي غمد واسع».

76

ذلك لم يتم الحكم بالحل على تقدير تعذر ذلك، لجواز أن يحتاج في تحصيل الآلة أو المعاون إلى أكثر من يوم أو يومين، فلا يحل بموته على هذا الوجه».

و أجاب عنه في المسالك بجواز اختيار كل من القسمين «أما الأول فلأن استقرار الحياة هو إمكان أن يعيش اليوم و اليومين، و مجرد الإمكان لا ينافي نقيضه، لجواز أن يموت في الحال مع تحقق الإمكان، فيصير حاصله كونه متصفا بإمكان أن يعيش عادة فاتفق خلاف ذلك و مات قبل أن يتسع الوقت لذبحه، خصوصا و مناط الإمكان مجرد الاحتمال، و هو مما يمكن خلافه ظاهرا و في نفس الأمر، و أما الثاني فلأن المراد اتساعه لما يتوقف عليه من الآلة ما يعتبر تحصيله عادة كما أشرنا إليه سابقا من سل السكين و أخذها من محل قريب و انتظار المعاون القريب الذي لا ينافي المبادرة عادة، فإن القدر المعتبر منها ما يعد في العرف طالبا للتذكية و مبادرا إليها، فإذا فرض موته قبل ذلك حل، و لم يناف استقرار الحياة عادة كما أشرنا إليه، و لا يرد عليه الإمهال اليوم و اليومين كما ذكر».

ثم قال بعد كلام لا مدخلية له فيما نحن فيه: «هذا على تقدير الحكم بكونه في مثل هذه الحالة يعد مستقر الحياة، و قد يقال: إنه على هذا التقدير كان الحكم به ظاهرا، و قد كشف تعجيل إزهاقه عن عدم الاستقرار و مع ذلك لا ينافي الحكم بكونه مستقر الحياة عملا بالظاهر الذي يجوز كذبه، و كذلك حكموا بعدم حله على تقدير أن يجده ممتنعا فجعل يعدو خلفه فوقف له و قد بقي من حياته زمن لا يسع لذبحه، و الأقوى حله هنا أيضا، لأنه قبل القدرة عليه لم تكن تذكيته معتبرة، لكونه ممتنعا و بعد إدراكه لم يسع الزمان لها فكالأول، فيدخل في عموم حل الصيد المقتول بالآلة حيث لا يمكن تذكيته».

77

قلت: لا يخفى عليك ما في الأخير من كلامه من احتمال الكشف المنافي لما هو كالصريح من جعلهم له قسما من مستقر الحياة ظاهرا و واقعا على أن استقرار الحياة عرفي لا يرتفع بسرعة موته قبل إدراك تذكيته.

كما أنه لا يخفى عليك ما في أوله أيضا من كون المراد منه الإمكان الذي لا ينافيه وقوع النقيض، ضرورة صراحة كلامهم بكونه قسما من مستقر الحياة لم يسع الزمان لذبحه و إن علم عدم إمكان أن يعيش المدة المزبورة، على أنه في آخر المدة المزبورة هو من مستقر الحياة مع عدم المدة و فرض مدة أخرى له ينافي التقدير بها.

و لعله لذا أو لغيره اعترف بعض من تأخر عنه بضعف الجواب المزبور، و أن فيه من التعسف ما لا يخفى، و اعترف بورود الاشكال على فرض تفسير استقرار الحياة بذلك.

هذا و ربما أشكل المقام أيضا بأمر آخر، و هو أن جماعة ممن اختار جعل المدار في التذكية و عدمها على مضمون النصوص (1) السابقة من طرف العين و ركض الرجل و مصع الذنب فصلوا بين مستقر الحياة و غيره في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فحكموا في الأول بلزوم التذكية في الحل و في الثاني بعدمه، و هذا التفصيل لا يتصور إلا على تقدير تفسير استقرار الحياة بما ذكره في المبسوط و تبعه الجماعة من إمكان بقاء الحياة المدة المزبورة، فإنه هو الذي يتصور فيه التفصيل بين مستقر الحياة، و هو ما أمكن أن يعيش المدة و غيره، و هو ما قابله، و أما تفسيره بإدراكه و عينه تطرف و رجله تركض فغير متصور فيه التفصيل الذي مر، إذ لا حركة دون الحركات المزبورة تعد قسما آخر تقابل مستقر الحياة أيضا.

هذا و في الرياض «أنه يمكن الذب عن هذا الاشكال بما هو حقيق

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح.

78

أن يسطر و يرجع إليه في هذا المجال: و هو أن المستفاد من تتبع جملة من العبارات في تفسير غير مستقر الحياة بأنه هو الذي قطع حلقومه أو فتق قلبه أو شق بطنه أن مستقر الحياة ما قابله، و هو الذي لم يحصل فيه أحد من الأمور المزبورة، سواء كان ممن يعيش تلك المدة المتقدمة أم لا، و استقرار الحياة بهذا المعنى يجامع ما ذكره ابن حمزة و من تبعه من أن أدناه طرف العين و ركض الرجل، و يمكن تنزيل تفسير الشيخ له بما ذكره من إمكان بقاء تلك المدة عليه بإرادته من الإمكان ما يقابل إمكان البقاء مع شق البطن و نحوه، و يعضده ما نقله عن الأصحاب من إدراك الذكاة بطرف العين مع موافقته لابن حمزة في تفسير غير مستقر الحياة بما ذكره، لكن في الخلاف ما يأبى عن هذا التنزيل، و بما ذكرنا ظهر عدم الخلاف في اعتبار استقرار الحياة، كما يستفاد من التنقيح، و أنه على تقديره انما هو في تفسيره، و لا ينافيه ما مر عن يحيى بن سعيد من أن اعتباره ليس من المذهب، لاحتمال إرادته من الاستقرار الذي نفاه الاستقرار بمعنى البقاء إلى المدة المذكورة لا مطلقه. و بهذا التحقيق يظهر الجواب عما يرد من الاشكال على فرض استقرار الحياة مع عدم سعة الزمان لإدراك الذكاة، و لعل هذا الفرض أيضا من شواهد هذا التحقيق، كما قد نبه عليه المقدس الأردبيلي، فإن ما أجيب عنه على طريقة المشهور في تفسير استقرار الحياة لا يخلو من تعسف» انتهى.

و فيه مواضع للنظر تظهر لك عند ما تسمع تحقيق الكلام في استقرار الحياة في الذباحة، و اللّه العالم.

و كيف كان فقد عرفت أن الاصطياد يتحقق بأمرين: أحدهما إزهاقه بالآلة على الوجه الذي تقدم مفصلا. و الثاني إثباته كما إذا صيره الرامي غير ممتنع بأن يجرحه جراحة مزهقة أو يرميه

79

بما يثخنه و يزمنه أو يكسر جناحه بحيث يعجز عن الطيران و العدو جميعا أو بأن يقع في شبكته المنصوبة له و لو بأن طرده طارد حتى أوقعه فيها، أو يرسل عليه كلبا أو غيره مما له يد عليه فيثبته بعقر أو غيره، أو بأن يلجؤه إلى مضيق لا يقدر على الإفلات منه، كما لو أدخله إلى بيت و نحوه و غير ذلك مما يحصل به الاستيلاء على وجه يصدق عليه أنه في حوزته و في قبضته و تحت يده، فمتى كان كذلك ملكه و إن لم يقبضه القبض الحسي.

و حينئذ فلو أخذه غيره لم يملكه أي الثاني و وجب دفعه إلى الأول الذي هو مالكه بالسبب الذي عرفت، إذ هو حينئذ كما لو صاده بيده قاصدا لتملكه أو غير قاصد لعدم تملكه إن اعتبرنا ذلك في تملك المباحات، و إلا ملكه مطلقا حتى لو أخذه لينظر إليه، نعم لو سعى خلف صيد فوقف للاعياء لم يملكه حتى يأخذه، كما جزم به في المسالك، لعدم صدق الاستيلاء و نحوه بذلك، فيبقى على مقتضى الأصل و اللّه العالم. هذا كله في الصيد.

[أما الذباحة]

و أما الذباحة التي اعترف في كشف اللثام بأنه لم يرها في كتب اللغة و إن اشتهر التعبير بها في كتب الفقه فالنظر فيها إما في الأركان و إما في اللواحق،

[الأركان الثلاثة]

أما الأركان فثلاثة: الذابح و الآلة و كيفية الذبح.

[أما الذابح]

أما الذابح ف لا خلاف في أنه يشترط فيه الإسلام أو حكمه على معنى ما أشار إليه بقوله فلا يتولاه الوثني و غيره من الكفار غير الكتابي و إن كان من كفار المسلمين كالمرتد و الغلاة و الخوارج

80

و النصاب و نحوهم، و حينئذ فلو ذبح كان المذبوح ميتة و إن جاء بالتسمية و غيرها من الشرائط، بل في المسالك و غيرها أنه مجمع عليه بين المسلمين.

و على المشهور شهرة عظيمة على معنى أنه لا يتولاه الكافر مطلقا و إن كان كتابيا و جاء بالتسمية، بل استقر الإجماع في جملة من الأعصار المتأخرة عن زمن الصدوقين على ذلك، بل و المتقدمة كما حكاه المرتضى و الشيخ بعد اعترافهما بأنه من متفردات الإمامية، بل كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا، مضافا إلى النصوص (1) المستفيضة التي إن لم تكن متواترة بالمعنى المصطلح فمضمونها مقطوع به و لو بمعونة ما عرفت.

فمن الغريب وسوسة بعض الناس فيه، و كان الذي جرأه على ذلك تعبير المصنف و غيره عن ذلك بقوله و في الكتابي روايتان (2): أشهرهما المنع، فلا تؤكل ذبيحة (ذباحة خ ل) اليهودي و لا النصراني و لا المجوسي بناء على أنه كتابي- المشعر بكون المسألة ظنية و أن النصوص فيها مختلفة، و من المعلوم أن هذه النصوص بين الإمامية كالنصوص الدالة على طهارة سؤرهم (3) و نحوهما مما هو معلوم خروجها مخرج التقية، كما أومأ إليه

خبر بشير بن أبي غيلان الشيباني (4) «سألت أبا عبد اللّه

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح.

(3) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة و الباب- 3- من أبواب الأسئار- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 28.

81

(عليه السلام) عن ذبائح اليهود و النصارى و النصاب، قال: فلوى شدقه، و قال: كلها إلى يوم ما».

بل لا يخفى على من رزقه اللّه فهم اللحن في القول أن هذا الاختلاف منهم في الجواب ليس إلا لها. (فتارة) يطلق النهي عن ذبيحتهم، ك

خبر أبي المعزى عن جماعة (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة اليهودي و النصراني، فقال: لا تقربوها»

و خبر إسماعيل بن جابر (2) قال:

«قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تأكل ذبائحهم، و لا تأكل في آنيتهم يعني أهل الكتاب»

و خبر محمد بن عذافر (3) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل يجلب الغنم من الجبل يكون فيها الأجير المجوسي و النصراني فتقع العارضة فيأتيه بها مملحة، فقال: لا تأكلها»

و خبر الحسين الأحمسي (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال له رجل:

أصلحك اللّه إن لنا جارا قصابا فيجيء بيهودي فيذبح له حتى يشتري منه اليهود، فقال: لا تأكل من ذبيحته، و لا تشتر منه»

و خبر محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن نصارى العرب أ تؤكل ذبائحهم؟

فقال: كان علي (عليه السلام) ينهى عن ذبائحهم و عن صيدهم و مناكحتهم»

و خبر زيد الشحام (6) قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبيحة الذمي، فقال: لا تأكل، سمى و إن لم يسم»

و موثق سماعة (7) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة اليهودي و النصراني، فقال: لا تقربنها»

إلى غير ذلك من النصوص التي هي بنحو ذلك.

و (تارة أخرى) ينفي البأس عن ذلك، ك

صحيح الحلبي (8) سأل

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 9 عن أبي المعزى عن سماعة كما في الاستبصار ج 4 ص 81 و الكافي ج 6 ص 239.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 9.

(8) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 34.

82

الصادق (عليه السلام) «عن ذبيحة أهل الكتاب و نسائهم، فقال: لا بأس به»

و (ثالثة) يجعل المدار على سماع التسمية و عدمه، ك

خبر حمران (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في ذبيحة الناصب و اليهودي و النصراني: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم اللّه، فقلت: المجوسي فقال: نعم إذا سمعته يذكر اسم اللّه، أما سمعت قول اللّه تعالى (2) وَ لا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ؟»

و خبر عامر بن علي (3) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنا نأكل ذبائح أهل الكتاب و لا ندري يسمون عليها أم لا؟ فقال: إذا سمعتم قد سموا فكلوا»

و خبر حمران (4) قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في ذبيحة الناصب و اليهود:

لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم اللّه، أما سمعت اللّه يقول: و لا تأكلوا؟

إلى آخرها».

و (رابعة) يجعل المدار على سماعها أو إخبار رجل مسلم بها، ك

خبر (5) حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنهما قالا في ذبائح أهل الكتاب: فإذا شهدتموهم و قد سموا اسم اللّه فكلوا ذبائحهم، و إن لم تشهدوهم فلا تأكلوا، و إن أتاك رجل مسلم فأخبرك أنهم سموا فكل»

و خبر حريز الآخر (6) «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبائح اليهود و النصارى و المجوس، فقال: إذا سمعتهم يسمون أو شهد لك من يراهم يسمون فكل، و إن لم تسمعهم و لم يشهد عندك من رآهم يسمون فلا تأكل ذبيحتهم».

و (خامسة) على جواز الأكل إلا مع حضورهم و لم يسموا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 31.

(2) سورة الأنعام: 6- الآية 121.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 45.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 18.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 38.

(6) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح الحديث 39.

83

ك

خبر جميل و محمد بن حمران (1) «سألا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبائح اليهود و النصارى و المجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمون، فقال: فان حضرتموهم فلم يسموا فلا تأكلوا، و قال:

إذا غاب فكل».

و (سادسة) جواز أكل ذبائحهم و إن ذكروا اسم المسيح، لأنهم يريدون به اللّه، ك

خبر عبد الملك (2) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

ما تقول في ذبائح النصارى؟ فقال: لا بأس بها، قلت: فإنهم يذكرون عليها اسم المسيح، فقال: انما أرادوا بالمسيح: اللّه»

و خبر أبي بصير (3) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبيحة اليهودي، فقال: حلال فقلت: و إن سم المسيح، قال: و إن سم المسيح، فإنه انما يريد اللّه»

و الصواب كون السؤال عن ذبيحة النصراني، لأنه هو الذي يسمى المسيح، لا اليهودي المنكر له، و لعل السهو من النساخ.

و على كل حال فهو مناف ل

خبر حنان بن سدير (4) قال: «دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنا و أبي فقلنا له: جعلنا فداك إن لنا خلطاء من النصارى، و إنا نأتيهم فيذبحون لنا الدجاج و الفراخ و الجداء أ فنأكلها؟ قال: لا تأكلوها و لا تقربوها، فإنهم يقولون على ذبائحهم ما لا أحب لكم أكلها- إلى أن قال-: فقالوا: صدق إنا لنقول باسم المسيح».

و (سابعة) إطلاق النهي عن أكلها مع التعليل بأن الاسم لا يؤمن عليه إلا المسلم، ك

مرسل ابن أبي عمير (5) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب؟ فقال: و اللّه ما يأكلون ذبائحهم فكيف تستحلون

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 33.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 35.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 36.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

84

أن تأكلوا ذبائحهم؟ إنما هو الاسم، و لا يؤمن عليه إلا مسلم».

و خبر قتيبة الأعشى (1) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبائح اليهود و النصارى، فقال: الذبيحة اسم، و لا يؤمن على الاسم إلا مسلم».

و خبر الحسين بن المنذر (2) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إنا قوم نختلف إلى الجبل- إلى أن قال-: فنسأل الرعاة- أي الذين يأتون بالذبائح من الغنم- فيقولون: إنا نصارى، فأي شيء قولك في ذبائح اليهود و النصارى؟ فقال: يا حسين الذبيحة بالاسم، و لا يؤمن عليها إلا أهل التوحيد»

إلى غير ذلك من النصوص (3).

و (ثامنة) يجعل المدار على ذكر اسم اللّه و عدمه، ك

خبر الورد ابن زيد (4) «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): حدثني حديثا و أملاه علي حتى أكتبه، فقال: أين حفظكم يا أهل الكوفة؟! قال: قلت:

حتى لا يرده علي أحد: ما تقول في مجوسي قال: بسم اللّه ثم ذبح؟ فقال:

كل، قلت: فمسلم ذبح و لم يسم، فقال: لا تأكله، إن اللّه يقول: فَكُلُوا (5)- إلى آخرها-»

و خبر علي بن جعفر (6) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة اليهود و النصارى هل تحل؟ فقال:

كل ما ذكر اسم اللّه عليه».

و (تاسعة) التفصيل بين اليهود و النصارى و بين المجوس، لأنهم ليسوا أهل كتاب، ك

خبر عمر بن حنظلة (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 37.

(5) سورة الأنعام: 6- الآية 118.

(6) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 14.

(7) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 17.

85

في قول اللّه: فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ قال: أما المجوسي فلا، فليسوا من أهل الكتاب، و أما اليهود و النصارى فلا بأس إذا سموا».

و (عاشرة) النهي عن المجوس و نصارى تغلب، ك

خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تأكل من ذبيحة المجوسي، و قال: لا تأكل ذبيحة نصارى تغلب، فإنهم مشركو العرب».

و (حادي عشرة) نصارى العرب، ك

خبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

لا تأكلوا ذبيحة نصارى العرب، فإنهم ليسوا أهل الكتاب»

و خبر علي ابن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن ذبائح نصارى العرب، قال: ليس هم بأهل الكتاب، و لا تحل ذبائحهم».

و (ثانية عشرة) النهي عن ذبح اليهودي و النصراني و المجوسي أضحيته، ك

خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «لا يذبح أضحيتك يهودي و لا نصراني و لا مجوسي»

و خبر الحسين بن علوان (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) كان يأمر مناديه بالكوفة أيام الأضحى أنه لا يذبح نساككم يعني نسككم اليهود و لا النصارى، و لا يذبحها إلا المسلمون».

إلى غير ذلك من الاختلاف الذي يورث الفقيه القطع بخروج هذه النصوص مخرج التقية التي قد خفي الأمر من جهتها في ذلك الزمان على مثل أبي بصير و المعلى، و هما من البطانة.

قال شعيب العقرقوفي (6): «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 22.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 23.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 15.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 30.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 13.

(6) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 25 إلا أنه ترك ذيله و ذكر تمامه في التهذيب ج 9 ص 66.

86

و معنا أبو بصير و أناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل الكتاب، فقال لهم أبو عبد اللّه (عليه السلام): قد سمعتم ما قال اللّه عز و جل في كتابه، فقالوا له: نحب أن تخبرنا، فقال: لا تأكلوها، فلما خرجنا قال أبو بصير: كلها في عنقي ما فيها، فقد سمعته و سمعت أباه (عليهما السلام) جميعا يأمران بأكلها، فرجعنا إليه، فقال لي أبو بصير: سله فقلت: جعلت فداك ما تقول في ذبائح أهل الكتاب؟ فقال: أ ليس قد شهدتنا بالغداة و سمعت؟ قلت: بلى، فقال: لا تأكلها، ثم قال:

سله الثانية، فقال لي مثل مقالته الأولى، و أعاد أبو بصير، فقال لي قوله الأول: في عنقي كلها، ثم قال لي: سله، فقلت: لا أسأله بعد مرتين».

و قال سعيد بن جناح و عدة من أصحابنا- بل عن العبيدي أنه حدث به أيضا- عن ابن أبي عمير (1) «إن ابن أبي يعفور و معلى بن خنيس كانا بالنيل على عهد أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاختلفا في ذبائح اليهود، فأكل المعلى و لم يأكل ابن أبي يعفور، فلما صارا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبراه، فرضي بفعل ابن أبي يعفور و خطأ المعلى في أكله إياه».

و من الغريب بعد ذلك إطناب ثاني الشهيدين في المسالك و بعض أتباعه في تأييد القول بالجواز و اختياره، و ذكر الجمع بالكراهة و نحوه، و ذكره فيها ما لو وقع من غيره لعد من الخرافات.

و أغرب من هذا أن الفاضل في الرياض مع اعتداله و شدة أطنابه في الإنكار على ثاني الشهيدين في ميلة إلى القول بالجواز مال بعض الميل إلى العمل إلى ما سمعته في رواية ثالثة (2) مقابلة لروايتي (3) الجواز

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 16.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 39.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح.

87

مطلقا و عدمه، و هي تؤكل ذباحة الذمي إذا سمعت تسميته، و هي مع أنها مطرحة لم يحك القول بها إلا عن الصدوق، بل قد سمعت اختلاف مؤداها أيضا، بل قيل: إنها موافقة للعامة و إن أنكره بعضهم.

قال: «لو صح هذا الإنكار و لم تكن أدلة الحرمة بالشهرة معتضدة لكان المصير إلى هذه الرواية في غاية القوة، لوضوح الجمع بها بين مطلق الروايتين الأولتين الدالتين على التحريم و الحلية، بحمل الأولى على عدم سماع التسمية و الثانية على سماعها، و تجعل هذه قرينة على أن المراد بالتعليل المتقدم إليه الإشارة في أخبار الحرمة بأنها اسم و لا يؤمن عليه إلا مسلم المعنى المستفاد منه في بادئ النظر، و هو كون عدم الأمن من حيث خوف الترك لا خوف عدم القصد إلى ما دل، نعم لا يمكن الجمع بها بين صريحهما، لكنه غير محتاج إليه أصلا، لضعف سندها، بل و موافقة الثانية منهما للتقية جدا، فالتعارض الموجب للتردد حقيقة انما هو ما وقع بين المعتبرة من أخبارهما، و هو مرتفع بهذه الرواية المفصلة جدا، فلا إشكال في المصير إليها لو لا رجحان رواية الحرمة مطلقا و صريحها بالشهرة، لكن بعده- سيما مع ندرة القائل بهذه الرواية- لا مسرح عن العمل بتلك الرواية و لا مندوحة، مع أن من روايات الحلية ما لا يقبل الحمل على هذه المفصلة جدا، مع أنها صحيحة «عن ذبائح اليهود»- إلى آخر ما سمعته في الرابعة (1)- و لكن يمكن الذب عنها بالحمل على التقية مع ندرة القائل بها منا من حيث التسوية فيها بين الفرق الثلاثة، مع أن العماني الذي هو أحد القائلين بالحلية يفرق بينها، فيحكم في ذبيحة المجوسي

____________

(1) ما ذكره في الرياض في المقام هو خبر جميل و محمد بن حمران المتقدم في الخامسة لا الرابعة، و هو ما تقدم في ص 83.

88

بالحرمة مطلقا، فانحصر القائل بها في الإسكافي خاصة».

و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه من أن النصوص مع قطع النظر عن الشهرة ظاهرة في اشتراط الذبح بالإسلام، لأنه اسم و لا يؤمن عليه غير المسلم، و دعوى كون المراد منه ما ذكره ينافيها التعليل به في عدم جواز ذبح عبدة النيران و أشباههم ممن لم يقل أحد بجواز ذلك منهم مع الذكر.

قال الحسين بن المنذر (1): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إنا نتكارى هؤلاء الأكراد في قطاع الغنم، و إنما هم عبدة النيران و أشباه ذلك، فتسقط العارضة فيذبحونها و يبيعونها، فقال: ما أحب أن تجعل في مالك، إنما الذبيحة اسم، و لا يؤمن على الاسم إلا مسلم».

بل قد يستفاد من ذلك أن هذا حكمة لا تعليل يدور الحكم مداره و إلا ثبت حتى في المشرك إذا سمى، و لم يقل به أحد، كما أنه لم يقل أحد أيضا بجوازه في الناصب إذا ذكر و إن اقتضاه خبر الخصم.

و كأن الذي أوقعه في ذلك حتى أظهر بعض الميل إلى الحل في الجملة هو ما أطنب به في المسالك و أتباعه على وجه يتخيل منه كون المسألة نظرية، و قد عرفت أنها من ضروريات المذهب، فلا وجه للتأمل فيها مطلقا، بل نسأل اللّه تعالى شأنه أن لا يجعل ما وقع لنا من الكلام فيها من اللغو الذي لا نؤجر عليه، هذا كله في اشتراطه بالمعنيين اللذين ذكرناهما.

أما اشتراطه بمعنى عدم الصحة من غيره و إن لم يكن كافرا كولد الزنا قبل البلوغ مثلا فظاهر المصنف و غيره ممن جعل الإسلام شرطا ذلك أيضا، و لعله لأنه مقتضى ما سمعته من التعليل بأنه

لا يؤمن عليه إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح- الحديث 7.

89

مسلم (1)

مضافا إلى ما تسمعه من التصريح باشتراط الإسلام في المستفيضة الواردة في المرأة (2) و لا قائل بالفصل.

لكن فيه أن ظاهر ذلك من وصف الإسلام فعلا، خصوصا بعد ذكر الائتمان فيه الذي ستعرف عدمه في الصبي، فلا يدخل فيه ولد المسلم، و تبعيته في صحة التذكية لا دليل عليها بالخصوص، و لا بالعموم الشامل لمثل ذلك، بل مقتضى سلب قول الصبي و فعله في المعاملة الشاملة لمثل المقام العكس، نعم ما سمعته من النصوص (3) في خصوص المقام دليل صحة تذكيته، و هي لا اختصاص فيها بولد المسلم الشرعي، فيندرج فيها ابن الزنا، بل و ابن الكافر إن لم يثبت اندراجه في اسم اليهودي مثلا أو تبعيته له في عدم صحة التذكية.

اللهم إلا أن يقال: إن المراد من الصبي في النصوص (4) الصبي التابع للمسلم في الإسلام و لو بمعونة قول الأصحاب هنا: «الإسلام أو حكمه» بل ظاهرهم أن صحة تذكية الصبي باعتبار كونه بحكم المسلم، فيبقى غيره ممن هو محكوم بكفره تبعا أو لم يحكم بكفره و لا بإسلامه تحت ما دل على عدم جواز تذكيته من الأصل و شرطية الإسلام المقتضية عدم الحل في فاقدها، من غير فرق بين الصبي الذي لم يكن بحكم المسلم و لا بحكم الكافر و الذي هو بحكم الكافر، كما أن مقتضاها عدمه أيضا في البالغ إذا كان في فسحة النظر و إن لم يحكم بكفره حتى يصف الكفر، لكونه غير مسلم قطعا، لعدم وصفه الإسلام، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح- الحديث 1 و 4 و 7 و 10.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 6 و 7 و 11.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الذبائح.

90

و كيف كان فلا خلاف في أنه يجوز أن تذبح المسلمة و الخصي فضلا عن الخنثى و المجبوب و الجنب و الحائض و ولد المسلم و إن كان طفلا إذا أحسن و الأعمى و ولد الزنا و الأغلف، و لا إشكال بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، لإطلاق الأدلة، حتى قوله تعالى (1):

«ذَكَّيْتُمْ» بناء على دخول الولد و البنت و الزوجة في صدق نسبة التذكية إلينا، مضافا إلى النصوص.

ك

خبر أبي بصير المرادي (2) «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) لا يذبح أضحيتك يهودي و لا نصراني، و إن كانت امرأة فلتذبح لنفسها».

و خبر عبد اللّه بن سنان (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كانت له جارية تذبح له إذا أراد».

و خبر علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة الجارية هل تصلح؟ قال: إذا كانت لا تنخع و لا تكسر الرقبة فلا بأس، و قد كانت لأهل علي بن الحسين (عليهما السلام) جارية تذبح لهم».

و خبر مسعدة بن صدقة (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «أنه سئل عن ذبيحة المرأة، فقال: إذا كانت مسلمة فذكرت اسم اللّه عليها فكل».

و خبر سليمان بن خالد (6) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبيحة الغلام و المرأة هل تؤكل؟ فقال: إذا كانت المرأة مسلمة فذكرت اسم اللّه على ذبيحتها حلت ذبيحتها، و كذلك الغلام إذا نوى (قوى خ ل)

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 7.

91

على الذبيحة فذكر اسم اللّه، و ذلك إذا خيف فوت الذبيحة و لم يوجد من يذبح غيرهما».

و مرسل ابن أذينة (1) عن غير واحد رواه عنهما (عليهما السلام) «إن ذبيحة المرأة إذا أجادت الذبح و سمت فلا بأس بأكله، و كذلك الصبي و كذلك الأعمى إذا سدد».

و مرسل أحمد بن محمد (2) قال: «سأل المرزبان الرضا (عليه السلام) عن ذبيحة الصبي قبل أن يبلغ و ذبيحة المرأة، قال: لا بأس بذبيحة الصبي و الخصي و المرأة إذا اضطروا إليه».

و خبر عبد اللّه بن سنان (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي «سألته عن ذبيحة المرأة و الغلام هل تؤكل؟ قال:

نعم إذا كانت المرأة مسلمة و ذكرت اسم اللّه حلت ذبيحتها، و إن كان الغلام قويا على الذبح و ذكر اسم اللّه حلت ذبيحته».

و خبر ابن أبي البلاد (4) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبيحة الخصي، فقال: لا بأس».

و خبر محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة الصبي، قال: إذا تحرك و كان له خمسة أشبار و أطاق الشفرة، و عن ذبيحة المرأة فقال: إن كن نساء ليس معهن رجل فلتذبح أعقلهن (أعلمهن خ ل) و لتذكر اسم اللّه عليه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(5) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 22- من أبواب الذبائح- الحديث 1 و ذيله في الباب- 23- منها- الحديث 5.

92

و مرسل ابن أبي عمير (1) عن الصادق (عليه السلام) «لا بأس بأن يذبح الرجل و هو جنب».

و المرسل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) «أنه سئل عن الذبح على غير طهارة فرخص فيه».

و خبر صفوان بن يحيى (3) قال: «سأل المرزبان أبا الحسن (عليه السلام) عن ذبيحة ولد الزنا و قد عرفناه بذلك، قال: لا بأس به، و المرأة و الصبي إذا اضطروا إليه».

و خبر مسعدة بن صدقة (4) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) «أنه سئل عن ذبيحة الأغلف، قال: كان علي (عليه السلام) لا يرى به بأسا».

إلى غير ذلك.

و ما في بعض النصوص من اعتبار الضرورة بعدم الرجل الجاري مجرى الغالب أو خوف موت الذبيحة أو غير ذلك في ذبيحة المرأة و الغلام لم أجد أحدا أفتى به. كما اعترف به بعضهم، فلا بأس بحمله على ضرب من الندب أو الكراهة، خصوصا مع أعمية البأس المستفاد من المفهوم من الحرمة، كما أن الظاهر إرادة الإشارة إلى التمييز مما ذكر في بعض النصوص من بلوغ خمسة أشبار و قوى و أطاق الشفرة و نحو ذلك، لا أن ذلك شرط، خصوصا بعد عدم القائل به، نعم قد يقال بعدم حل ذبيحته مع عدم العلم بإحراز الشرائط التي لا يكفي فيها قوله فضلا عن عدم قوله، لعدم الدليل القاطع لأصالة عدم التذكية بعد فرض عدم جريان أصل

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

93

الصحة في فعله، و ثبوت صحة التذكية شرعا أعم من ذلك، كتطهيره المتنجس، و اللّه العالم.

و كيف كان ف لا يشترط الايمان بالمعنى الأخص وفاقا للمشهور، للأصل و ظاهر التعليل السابق المستفاد منه أن المسلم هو الذي يؤمن على الاسم، و السيرة القطعية المستمرة، و نفي الحرج، و قول الباقر عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (1): «ذبيحة من دان بكلمة الإسلام و صام و صلى حلال لكم إذا ذكر اسم اللّه»

و نصوص (2) شراء الفراء و اللحم من سوق المسلمين، و خبر السفرة (3) و غير ذلك.

و لكن مع ذلك فيه قول بعيد باشتراطه و عدم الجواز محكي عن الحلي و أبي الصلاح و ابني حمزة و البراج، فعن الأول «إنا لا نحل إلا ذبيحة المؤمن و المستضعف الذي لا منا و لا منهم، بمعنى أنه لا يعرف الحق و لا يعاند عليه». و عن الثاني «أنه لا تحل ذباحة الكافر و جاحد النص». و عن الثالث «أنه يجب في الذابح أن يكون مؤمنا أو في حكمه» و عن الرابع «لا يجوز أن يتولى الذبح إلا من كان مسلما من أهل الحق، فإن تولاه غير من ذكرناه من الكفار المخالفين لدين الإسلام أو من كفار أهل الملة على اختلافهم في جهات كفرهم لم تصح ذكاته و لم تؤكل ذبيحته» لكن لا صراحة في الأخير، بل و لا ظهور.

و على كل حال فمنشأ هذا القول من القائل به استفاضة النصوص

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- من كتاب الطهارة و الباب- 55- من أبواب لباس المصلي من كتاب الصلاة و الباب- 29- من أبواب الذبائح.

(3) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

94

و تواترها بكفر المخالفين (1) و أنهم مجوس هذه الأمة (2)

و شر من اليهود و النصارى (3)

التي قد عرفت كون المراد منها بيان حالهم في الآخرة لا الدنيا، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الطهارة (4).

نعم الظاهر كراهة ذلك خصوصا مع وجود المؤمن، ل

خبر زكريا بن آدم (5) قال أبو الحسن (عليه السلام): «إني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الذي أنت عليه و أصحابك إلا في وقت الضرورة إليه»

المحمول على ذلك ك

خبر أبي بصير (6) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري اللحم من السوق و عنده من يذبح و يبيع من إخوانه فيتعمد الشراء من النصاب، فقال: أي شيء تسألني أن أقول؟

ما يأكل إلا الميتة و الدم و لحم الخنزير، قلت: سبحان اللّه مثل الدم و الميتة و لحم الخنزير؟! فقال: نعم، و أعظم عند اللّه من ذلك، ثم (قال خ ل) إن هذا في قلبه على المؤمن مرض»

بناء على إرادة المخالفين من النصاب و لو بقرينة قوله:

«يشتري من السوق منهم»

فان مطلق المخالف هو المتعارف معاملته في الأسواق لا خصوص النصاب منهم.

بل لعله المراد من

خبر إبراهيم بن أبي محمود (7) عن أبي الحسن

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المرتد- الحديث 2 و 11 و 13 و 14 و 18 و 19 و 21 و 23 و 25 و 27 و 28 و 29 و 38 و 43 و 48 و 49.

(2) المستدرك- الباب- 8- من أبواب حد المرتد- الحديث 38 و فيه

«القدرية مجوس هذه الأمة»

و في الحديث 41

«لكل أمة مجوس، و مجوس هذه الأمة الذين يقولون بالقدر»

. (3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الماء المضاف- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

(4) راجع ج 6 ص 60- 66.

(5) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 9.

95

الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: من زعم أن اللّه يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، و لا تقبلوا شهادته، و لا تصلوا وراءه، و لا تعطوه من الزكاة شيئا»

فإن ذلك مقالة الأشاعرة من المخالفين.

بل و خبر يونس (1) عن الصادق (عليه السلام) «يا يونس من زعم أن للّه وجها كالوجوه فقد أشرك، و من زعم أن له جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله، فلا تقبلوا شهادته، و لا تأكلوا ذبيحته»

لأن هذا قول المجسمة منهم الذي لا تصح ذباحته.

و هو الذي أشار إليه المصنف بقوله لا تصح ذباحة المعلن بالعداوة لأهل البيت (عليهم السلام) كالخارجي و إن أظهر الإسلام و كذا غيره، بل لا خلاف أجده فيه، بل عن المذهب و غيره الإجماع عليه، لاستفاضة النصوص (2) المعتضدة بالفتوى بكفره الذي قد عرفت عدم صحة الذبح معه، مضافا إلى

موثق أبي بصير (3) «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ذبيحة الناصب لا تحل»

و موثقه الآخر (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا تحل ذبائح الحرورية»

الذين هم كما في المسالك و غيرها من جملة النصاب، لنصبهم العداوة لعلي (عليه السلام) كغيرهم من فرق الخوارج. و قد عرفت تحقيق الناصب في كتاب الطهارة (5).

لكن في التنقيح هنا عن بعض المحققين تفسيره بأنه من ينسب إليهم ما يثلم العدالة، و استحسنه، ثم قال: «و كذا حكم من صرح برد ما ورد

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 10.

(2) راجع التعليقة (1) من ص 94.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(5) راجع ج 6 ص 63- 66.

96

عنهم (عليهم السلام) مع اشتهاره أو تواتره، أو نقص من منزلتهم بحيث يساويهم بآحاد المسلمين» و لا بأس به إذا كان المراد من ذلك تحقق حصول العداوة منه لهم (عليهم السلام) لا مطلقا، لأن التحقيق كون الناصب من دان بعداوتهم أو أعلن بها، كما تقدم الكلام فيه مفصلا، و على كل حال فلا إشكال و لا خلاف في عدم حل ذبيحة الناصب.

لكن في المسالك بعد أن ناقش في سند ما ورد من النصوص على الحرمة ذكر

صحيح الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة المرجئ و الحروري، فقال: كل وقر و استقر حتى يكون ما يكون»

و حسن حمران (2) عن الباقر (عليه السلام) «لا تأكل ذبيحة الناصب حتى تسمعه يسمي»

قال: «و هاتان الروايتان أوضح سندا و هما مناسبتان لروايات الكتاب و أدل بالحل، إلا أن الأشهر استثناء الناصبي مطلقا و الحروري من جملته لنصبه العداوة لعلي (عليه السلام) كغيره من فرق الخوارج». و ظاهره الميل إلى حل ذبيحته في الجملة، و لم أره لغيره، كما أني لم أر نسبته إلى الأشهر القاضية بكون الحل مشهورا أيضا لغيره أيضا.

و في الرياض احتمل حمل الحسن المزبور على التقية، قال: «كما يشعر به الصحيح المذكور» و هو جيد و أحسن مما في كشف اللثام من إمكان الجمع بين النصوص بسماع التسمية، لما عرفت من إجماع المسلمين على عدم حل ذبيحة الكافر غير الكتابي و إن جاء بجميع الشرائط، و لا إشكال في كفر الناصب عندنا و إن وقع النزاع في معناه، فلا وجه لشيء من هذه الاحتمالات، بل المتجه طرح ما لا يقبل التأويل منها بالحمل على التقية، أو إرادة مطلق المخالف من الناصب أو غير ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبائح- الحديث 7.

97

و قد ظهر لك من ذلك كله من تحل ذبيحته و من لا تحل ذبيحته، و منه الصبي غير المميز و المجنون حين الذبح و إن اجتمعت صورة الشرائط فيهما، لعدم العبرة بفعلهما شرعا.

لكن في المسالك: «ربما اختلف صنف الجنون، إذ ربما كان لبعضهم تميز، فلا مانع من حل ذبيحته» و فيه أن الشارع ألغى فعله و قوله بعد صدق اسم المجنون كالصبي غير المميز، و إنما خرج المميز بالدليل، و من هنا لم أجد أحدا غيره استثنى منه فردا، و قياسه على حيازة المباح و نحوه لا وجه له، فهو حينئذ كالنائم و إن اتفق حصول القصد و التسمية من بعض النائمين، إلا أن الشارع لم يعتبر هذا القصد و كذا السكران و المغمى عليه.

و أما المكره ففي المسالك «إذا أكره على الذبح فذبح فان بلغ الإكراه حدا يرفع القصد فلا إشكال في عدم حل ذبحه، و إلا فوجهان مثل ما لو أكرهه على رمي السهم، و ينبغي أن يكون الملك للمكره إذا لم يبق للمكره قصد» و فيه أنه مناف لأصالة عدم الملك و ظهور اعتبار القصد في الصيد كالذبح، و دعوى صيرورته كالآلة له واضحة المنع، نعم لو حازه بعد أن رماه المكره المزبور ملكه، أي المكره بالكسر بحيازته له إذا أدركه حيا، و إلا فمع فرض قتله له بالرمي يكون ميتة كالذبح.

بقي شيء: و هو أن الفاضل قد جعل ممن لا يجوز ذبحه من لا يعتقد بوجوب التسمية و إن سمى، و لعله لدعوى ظهور ما دل (1) عليها من الآية و غيرها في فعلها بعنوان اعتقاد تأثيرها في حل الذبيحة، خصوصا بعد ذكر الائتمان الذي لا مورد له مع اعتقاد عدم الوجوب و إن كان فيه

____________

(1) سورة الأنعام: 6- الآية 121 و الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح.

98

منع واضح، ضرورة عدم دلالة الإطلاق كتابا (1) و سنة (2) على أزيد من مدخلية ذكرها في حل الذبيحة من غير مدخلية لاشتراط الاعتقاد المزبور كما في غيره من الشرائط، و الائتمان قد عرفت أنه حكمة، على أن أقصاه الدلالة على اشتراط الذكر لا الاعتقاد، فتأمل جيدا.

لكن مع ذلك قال في الرياض: «لا وجه إن خص المنع بما إذا لم يعلم منه التسمية، و هو أن يقال: إن مقتضى النصوص المتقدمة المعللة بعدم ائتمان غير المسلم اعتبار حصول الأمن منه بتحقق التسمية في حل الذبيحة، و هو لا يحصل في ذبيحة من لا يعتقد وجوبها، حيث لا يحصل العلم بتسميته عليها، لاحتمال تركه لها بمقتضى مذهبه، و هذا لا ينافي مقتضاها بحصول الأمن بتحققها في المسلم، لأن المراد من المسلم فيها من يعتقد الوجوب لا مطلقا، للتبادر و الغلبة جدا، فإن أكثر أهل الإسلام يعتقدونه قطعا، و بهذا يجاب عن التمسك لضعف هذا القول بالمعاضد المزبور الدال على أصالة الحل في اللحوم المشتراة من أسواق المسلمين، بناء على استلزام صحته لزوم الاجتناب عنها من باب المقدمة، لاحتمال كونها ذبائح من لا يعتقد الوجوب و تركها، و هو مناف للمعاضد المزبور جدا، و ذلك لاحتمال كون أكثرية المعتقدين منهم موجبة للأصالة المزبورة، و نحن نقول بموجبها حيث لا تؤخذ الذبيحة من يد من يعلم أنه لا يعتقد وجوب التسمية، و أما إذا أخذت من يده فلا نقول به، و إطلاق الحكم بحل ما يؤخذ من السوق منصرف بحكم التبادر و الغلبة إلى غير هذه الصورة و هو ما إذا أخذ من يد من لا يعلم حاله في اعتقاد وجوب التسمية و عدمه

____________

(1) سورة الأنعام: 6- الآية 121.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح.

99

و هذا الوجه في غاية المتانة و القوة، و لم أقف على من تفطن له و ذكره، فالاحتياط عنه لازم البتة».

قلت: قد يناقش فيه (أولا) بأن مبنى كلام الفاضل شرطية الاعتقاد بحيث لو سمى غير المعتقد لم يجد في الحل، فلا مدخلية لهذا الكلام في مذهبه.

و (ثانيا) أن نصوص الائتمان أحد أدلة الشرطية، كالأمر بالذكر الظاهر في الوجوب.

و (ثالثا) قد عرفت أنه حكمة لا علة، و لذا لا ينفع ذكر التسمية من غير المسلم مع سماعها منه.

و (رابعا) أنه يمكن الائتمان في المسلم باعتبار أمرنا فيه بحمل فعله على الأحسن (1) و لا ريب في أنه هنا هو الذكر و إن لم يعتقد الوجوب، لأنه لا إشكال في أنه الأحوط عند المسلمين كافة.

و (خامسا) أن السيرة على أخذ اللحم ممن نعلم بعدم وجوب التسمية عنده من فرق المسلمين كأخذنا له ممن يعتقد وجوبها.

و (سادسا) أن المراد من أصل الصحة المحمول عليه فعل المسلم في أمثال ذلك الصحة في الواقع لا عنده، كما نبه عليه أخذ الجلد ممن يستحل الميتة بالدبغ، بل السيرة في أخذ المجتهد و مقلديه من مجتهد آخر و مقلديه ما هو محل الخلاف بينهم في الطهارة و النجاسة و الحل و الحرمة و غيره مع عدم العلم بكون المأخوذ حصل فيه الاختلاف، بل يمكن دعوى القطع بذلك في جميع أفعال المسلمين، فالتحقيق عدم الفرق في الحل بين الجميع مع عدم العلم بترك التسمية، و اللّه العالم.

[أما الآلة]

و أما الآلة فلا تصح التذكية ذبحا أو نحرا إلا بالحديد

____________

(1) الوسائل- الباب- 161- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 من كتاب الحج.

100

مع القدرة عليه و إن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس و الصفر و الرصاص و الذهب و غيرها بلا خلاف فيه بيننا كما في الرياض، بل في المسالك «عندنا» مشعرا بدعوى الإجماع عليه كما عن غيره، بل في كشف اللثام اتفاقا كما يظهر، لأنه المتعارف في التذكية على وجه يشك في تناول الإطلاق لغيره مع القدرة عليه فيبقى على أصالة العدم.

مضافا إلى

حسن ابن مسلم أو صحيحه (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذبيحة بالليطة و المروة، فقال: لا ذكاة إلا بحديد»

و حسن الحلبي أو صحيحه (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن ذبيحة العود و الحجر و القصبة، فقال: قال علي (عليه السلام): «لا يصلح إلا بحديدة»

و حسن أبي بكر الحضرمي (3) عنه (عليه السلام) «لا يؤكل ما لم يذبح بحديدة» و خبر سماعة بن مهران (4) «سألته عن الذكاة فقال: لا تذك إلا بحديدة، نهى عن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)»

إلى غير ذلك.

نعم لو لم يوجد الحديد و خيف فوت الذبيحة جاز بما يفري أعضاء الذبيح و لو كان ليطة أو خشبة أو مروة حادة أو زجاجة أو غير ذلك عدا السن و الظفر بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل في المسالك «يجوز مع تعذرها و الاضطرار إلى التذكية ما فرى الأعضاء من المحددات و لو من خشب أو ليطة بفتح اللام، و هي القشر الظاهر من القصبة، أو مروة، و هي الحجر الحاد الذي يقدح النار، أو غير ذلك عدا السن و الظفر إجماعا» و كذا عن ظاهر غيرها، و في كشف اللثام مازجا لعبارة القواعد «فان تعذر و خيف فوت الذبيحة أو اضطر إلى الذبح لغير ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

101

جاز بكل ما يفري الأعضاء اتفاقا كما يظهر» إلى آخره.

لإطلاق الأدلة في الحال المزبور، و صحيح الشحام (1) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل لم يكن بحضرته سكين أ يذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر و بالعظم و بالقصبة و بالعود إذا لم تصب الحديدة، إذا قطع الحلقوم و خرج الدم فلا بأس به».

و حسن عبد الرحمن بن الحجاج (2) «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المروة و القصبة و العود يذبح بهن الإنسان إذا لم يجد سكينا، فقال:

إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك».

و خبر عبد اللّه بن سنان (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «لا بأس أن تأكل ما ذبح بحجر إذا لم تجد حديدة».

و خبر محمد بن مسلم (4) «قال أبو جعفر (عليه السلام) في الذبيحة بغير حديدة إذا اضطررت إليها، فان لم تجد حديدة فاذبحها بحجر».

و خبر علوان (5) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «إنه كان يقول: لا بأس بذبيحة المروة و العود و أشباههما ما خلا السن و العظم».

و خبر عدي بن حاتم (6) و إن لم أجده في طرقنا «قلت: يا رسول اللّه إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الطرار و شقة العصا، فقال رسول اللّه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 5 عن الحسين بن علوان كما سيشير (قده) إليه في 103.

(6) سنن البيهقي- ج 9 ص 281 مع اختلاف يسير.

102

(صلى اللّه عليه و آله): أفر الدم بما شئت و اذكر اسم اللّه»

إلى غير ذلك.

لكن ليس في شيء منها- عدا خبر محمد بن مسلم- اشتراط خوف فوت الذبيحة، و مقتضاها الجواز و إن لم يخف الفوت. نعم في خبر محمد بن مسلم اشتراط الاضطرار إليها، و هو أعم من خوف الفوت، بل يمكن إرادة مطلق الحاجة إلى الذبح، فلا ينافي حينئذ غيره، و لعله الأقوى، بل يمكن القول بجواز ذلك مع وجود الحديدة إذا أعجلته الذبيحة عن الإتيان بها و إخراجها من غمدها، لظهور التوسعة في الأخبار المزبورة مؤيدا بأن الضرورات تبيح المحذورات، و بعدم الضرر و الحرج بفوات المال و تلفه و بغير ذلك، و لعله إليه يرجع ما في القواعد «و لا يجزئ بغير الحديد مع إمكانه، و لا مع تعذره إذا لم يخف فوت الذبيحة إلا مع الحاجة» و اللّه العالم.

و هل تقع الذكاة بالظفر أو السن مع الضرورة لعدم الحديد و خوف موت الذبيحة مثلا؟ قيل و القائل المتأخرون نعم، لأن المقصود الذي هو قطع الأوداج يحصل بذلك، و قد عرفت ظهور الأدلة في التوسعة المزبورة الموافقة لأدلة نفي الضرر و الحرج و غيرهما، بل ظاهر النصوص المزبورة سيما النبوي أن المدار مع الضرورة على فري الأوداج بأي شيء يكون، على أن في صحيح الشحام التصريح بالعظم الذي منه السن، و بمعناه الظفر.

و قيل و القائل الإسكافي و الشيخ في محكي الخلاف و المبسوط و ابن زهرة في محكي الغنية و الكيدري في محكي الإصباح و الشهيد في غاية المراد لا يجوز، بل عن الشيخ و ابن زهرة دعوى الإجماع عليه بل عن الأول منهما نسبته إلى أخبار الفرقة مع ذلك بعد أن نفي الخلاف

103

فيه، كما أن المحكي عن الإسكافي منهم منع ذلك بكل ما يكون من حيوان كالسن و الظفر و القرن و غيرها.

و كيف كان فالمنع منهما لعله لمكان إطلاق النهي عن ذلك الذي مقتضاه العدم و لو كان كل منهما منفصلا كما عن المبسوط و الخلاف و الإصباح التصريح به،

قال رافع بن خديج (1): «قلت: يا رسول اللّه إنا نلقى العدو غداء و ليس معنا مدا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما انهار (ما أنهر خ ل) الدم و ذكر اسم اللّه عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا، و سأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم الإنسان، و أما الظفر فمدى الحبشة».

و قد سمعت خبر الحسين ابن علوان (2).

إلا أن الأول عامي، بل قد يستفاد من غرابة التعليل فيه إرادة الكراهة من النهي فيه، و الثاني مع خلوه عن الظفر لا جابر له، و معارض بالصحيح (3) المقدم عليه في العظم، بل و على خبر رافع، و إن كان هو مقيدا و الصحيح مطلقا إلا أنه قاصر عن تقييده من وجوه، و الإجماع المحكي لا وثوق به بعد تبين عدمه، إذ لم يحك القول المزبور إلا ممن عرفت.

بل قيل: إن كون مورده المنع منهما حال الاضطرار غير معلوم، لاحتماله المنع حال الاختيار، بل نزله الفاضل في المختلف و الشهيد على ذلك قال في المختلف بعد أن حكى عن ابن إدريس أنه قال: «و الذي ينبغي تحصيله الجواز حال الاضطرار دون الاختيار، لأنه لا خلاف بيننا أنه يجوز الذباحة مع الاضطرار و عند تعذر الحديد بكل شيء يفري الأوداج،

____________

(1) سنن البيهقي- ج 9 ص 246.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

104

سواء كان ذلك عظما أو حجرا أو عودا أو غير ذلك، و إنما بعض المخالفين يذهب إلى أنه لا يجوز الذبح بالسن و الظفر حال الاضطرار و الاختيار، و استدل المخالف بخبر رواه المخالف من طرقهم، و ما رواه أحد من أصحابنا» قال: «و هذا الذي ذكره ابن إدريس هو الذي اختاره شيخنا، و إنما أطلق في الكتابين المنع بناء على الغالب» ثم حكى عنه التصريح في التهذيب بالتفصيل بين الاختيار و الاضطرار.

و في الدروس «منع الشيخ منهما في المبسوط و الخلاف و إن كانا منفصلين، مستدلا بالإجماع، و الظاهر إرادته مع الاختيار، لأنه جوز مثل ذلك في التهذيب عند الضرورة».

و في غاية المراد بعد أن حكى عن التهذيب الجواز مع الضرورة قال:

«فعلى الظاهر أن مراده في الكتابين مع الاختيار بناء على الغالب» و لم يستبعده في كشف اللثام، و على كل حال فالأصح ما عرفت.

هذا و ظاهر القولين عدم الفرق بين المتصلين و المنفصلين، بل عن المهذب و نهاية المرام نسبة ذلك إلى الأصحاب، نعم حكيا عن أبي حنيفة الفرق بينهما، فمنع في الأول و أجاز في الثاني، و لعله إليه أشار في المسالك بقوله: «و ربما فرق بين المتصلين و المنفصلين من حيث إن المنفصلين كغيرهما من الآلات، بخلاف المتصلين، فان القطع بهما يخرج عن مسمى الذبح، بل هو أشبه بالأكل و التقطيع، و المقتضي للذكاة هو الذبح، و يحمل النهي في الخبر على المتصلين جمعا» و احتمله أيضا في غاية المراد، و احتاط فيه في الرياض قال: «و أحوط منه القول بالمنع المطلق».

ثم إن الظاهر بناء على المختار مساواتهما للغير من الآلات، لكن في الدروس استقرب الجواز مطلقا مع عدم غيرهما، بل هو ظاهره أيضا

105

في اللمعة، بل ظاهر القواعد و كشف اللثام أن محل الخلاف ذلك، قال فيها: «و هل يصح بالظفر و السن مع تعذر غيرهما؟ قيل: نعم، و قيل بالمنع للنهي عنه» بل يمكن دعوى إرادته من الضرورة في المتن و إن كان الظاهر خلافه.

كما أن الظاهر كون النزاع في أنهما كغيرهما من الآلات مع الضرورة أو لا تشرع التذكية بهما، و على كل حال فلا ريب في أنه أحوط، و إن كان الأقوى الأول، لما عرفته من أنه مقتضى إطلاق الأدلة الأولى التي لا يكافؤها غيرها حتى يجمع بذلك، مع أنه لا شاهد، و اللّه العالم.

[أما الكيفية]

و أما الكيفية فالواجب قطع تمام الأعضاء الأربعة:

المريء بتشديد الياء أو همز الأخيرة منهما و هو مجرى الطعام، و الحلقوم أي الحلق و هو مجرى النفس و محله فوق المريء و الودجان، و هما عرقان محيطان بالحلقوم كما عن المشهور، و بالمريء كما عن بعض، و ربما أطلق على الأربعة اسم الأوداج، و حينئذ ف لا يجزئ قطع بعضها أو بعض أحدها مع الإمكان لا مع عدمه، في مثل المتردية في مكان لا يتمكن من ذبحها مثلا تمام التمكن هذا في قول مشهور بل في نهاية المرام و محكي المهذب الإجماع عليه، بل و الغنية إلا أنه لم يذكر المريء.

و لكن في الرواية الصحيحة (1) السابقة و غيرها إذا قطع الحلقوم و خرج الدم فلا بأس به، و لعله لذا مع صدق اسم الذبح به اقتصر عليه الإسكافي، بل في الدروس أنه يظهر من الخلاف و مال إليه الفاضل بعض الميل، و ربما مال إليه في المسالك.

و لكن فيه أن في حسن عبد الرحمن (2) السابق أيضا «إذا قرى

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

106

الأوداج فلا بأس بذلك»

و كونها في مقام الضرورة التي هي عدم الحديد لا ينافي الدلالة على ذلك كالأولى.

و ما في المسالك- من أنه «لا شبهة في أنه مع فري الأوداج تحل الذبيحة. و ذلك لا ينافي الاكتفاء بما دونها، فإذا ثبت في الرواية الصحيحة الاكتفاء بقطع الحلقوم لم يكن منافيا له إلا من حيث المفهوم، و ليس بحجة، و أيضا فإن فري الأوداج لا يقتضي قطعها رأسا الذي هو المعتبر على القول المشهور، لأن الفري الشق و إن لم ينقطع

، قال الهروي: في حديث ابن عباس (1) «كل ما فرى الأوداج»

أي شقها و أخرج ما فيها من الدم، فقد ظهر أن اعتبار قطع الأربعة لا دليل عليه إلا الشهرة، و لو عمل بالروايتين و اعتبر الحسن لاكتفي بقطع الحلقوم وحده أو فري الأوداج بحيث يخرج منها الدم و إن لم يستوعبها» و تبعه الأردبيلي و غيره في نحو ذلك- يدفعه أولا ما تقرر في الأصول من حجية المفهوم المزبور، و صلاحية معارضته للمنطوق، خصوصا في المقام باعتبار اعتضاده بالشهرة العظيمة و الإجماعين المحكيين، بل يمكن دعوى تحصيله، خصوصا بملاحظة السيرة القطعية و أصالة عدم التذكية التي هي من قبيل الحكم الشرعي المحتاج إلى التوقيف، بل هي منه، فلا يكفي فيها مطلق اسم الذبح بعد تسليم صدقه في الفرض.

على أنه يمكن أن يكون الاقتصار في الصحيحة (2) على ذلك الحلقوم باعتبار ما ذكره المقداد من أن الأوداج الأربعة متصلة بعضها مع بعض فإذا قطع الحلقوم أو الودجان فلا بد أن ينقطع الباقي معه، و لعله كذلك في الذبح المتعارف المسؤول عنه في النصوص، لا ما إذا قصد الاقتصار

____________

(1) سنن البيهقي- ج 9 ص 282.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 3.