جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
107

على أحدها، و كأنه لذلك ترك ذكر المريء فيهما المفسر في كلام غير واحد بما تحت الحلقوم، و حينئذ فالانتهاء بالذبح المتعارف إلى منتهى الحلقوم يستلزم قطع الجميع، لأنها مع اتصالها به على وجه الإحاطة و نحوها لا يزيد عرضها على عرضه، و حينئذ فيمكن إرادة ما يشمل الحلقوم من الأوداج في الحسن (1) الذي هو كالصحيح، بل لعل المحافظة على حقيقة الجمعية التي أقلها ثلاثة يقتضي ذلك، و لا أقل من التعارض، و لا ريب في أن الترجيح لذلك لما عرفت من الشهرة و الإجماع و غيرهما.

و أما المناقشة بإرادة الشق من الفري فيدفعها أن المصرح به في الصحاح استعماله بمعنى القطع، بل هو المراد في فري الأوداج في التذكية، و كذا عن غيره، بل لعله المنساق منه فيها عرفا، بل قيل: إن حمله على الشق فيها مخالف للإجماع، إذ القول بعدم الاكتفاء بقطع الحلقوم و لزوم فريها بمعنى الشق لم يذهب إليه أحد من أصحابنا حتى العماني، لأنه و إن اكتفى بالشق إلا أنه اكتفى بقطع الحلقوم أيضا، مخيرا بينهما، و هو غير ما دلت عليه الرواية من لزوم فري الأوداج خاصة، و حينئذ فهذا الإجماع أقوى قرينة على إرادة القطع من الفري فيها، مضافا إلى الإجماعات المحكية.

و أيضا لا إشكال و لا خلاف في إرادة القطع منه بالنظر إلى الحلقوم بل هو مجمع عليه، فينبغي أن يكون بالنظر إلى الباقي كذلك، و إلا لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين حقيقيين أو مجازيين الذي هو غير مرضي عند المحققين.

اللهم إلا أن يقال بإرادة خصوص الودجين من الأوداج فيه و لو من باب التجوز في هيئة الجمع، لكن يدفعه رجحان المجاز الأخير عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

108

لما عرفت، بل قيل: إن الغالب استعمالها فيما يشمل الحلقوم.

كل ذلك مضافا إلى ما قيل من أن الأوداج في كلامه يشمل المريء المفسر في كلامه و كلام غيره بما تحت الحلقوم، و شقه غير ممكن إلا بقطع ما فوقه من الأوداج، فإذا ثبت وجوب قطعها من هذه الرواية و لو من باب المقدمة ثبت وجوب قطع الجميع، لعدم القائل بالفرق بين الطائفة حتى من لم يعتبر المريء، فإنه لم يعتبره مطلقا، لا قطعا و لا شقا، و أما اعتباره شقا خاصة لا قطعا فلم يقل به أحد بالضرورة، و على كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور.

و كذا ما عن العماني من التخيير المذكور بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الخبرين، إذ قد عرفت أن ما ذكرناه أولى منه من وجوه، بل مقتضاه في نفسه فضلا عن مراعاة المرجحات اعتبار قطع الجميع، لعدم التنافي الموجب للجمع بالتخيير، كما هو واضح.

بل و أولى مما عساه يستفاد من الفاضل في المختلف من عدم وجوب قطع المريء، حيث إنه بعد نقل الخبرين قال: «هذا أصح ما وصل إلينا في هذا الباب، و لا دلالة فيه على قطع ما زاد على الحلقوم و الأوداج» مريدا بذلك أن قطع المريء لا دليل عليه، إذ لو أراد بالأوداج ما يشمله لم يفتقر إلى إثبات أمر آخر، لأن ذلك غاية ما قيل، بل قال في الرياض: «لو لا الإجماع المحكي لا يخلو من قوة، لعدم ذكر المريء في الروايتين، و الأوداج في الثانية غير ظاهرة الشمول له، إذ المراد بها إما المعنى الحقيقي و الجمع جمع مجازي منطقي، فهو لا يشمل الحلقوم فضلا عن المريء، أو المعنى المجازي مراعاة لحقيقة الجمع، و هي تحصل بضم الحلقوم إلى الودجين، و لا يحتاج في صدقها إلى ضم المريء» بل قال فيه أيضا: «إن ظاهر الغنية الموافقة له، حيث لم يذكر المريء

109

و اكتفى بذكر الحلقوم و الودجين خاصة».

إذ لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه من تلازم قطع الأربعة في الذبح المتعارف، و خصوصا المريء منها الذي هو تحت الحلقوم، و حينئذ فالاكتفاء في النصوص بذكر البعض مبني على ذلك، مضافا إلى ما سمعته من الإجماعين المحكيين على قطع الأربعة المعتضدين بالشهرة العظيمة التي يمكن معها دعوى تحصيل الإجماع.

بل قد يقال: إن النصوص و الفتاوى إنما هي لبيان الواقع الذي هو حصول قطع الأربعة باعتبار تلازمها في الذبح المتعارف المسؤول عنه، لا أن المراد منها بيان وجوب ذلك في الذبح، بمعنى إمكان الاقتصار فيه على بعضها، و على تقديره فقد عرفت الحجة عليه، كما أنك عرفت النظر في كلام جملة من الناس الذين من عاداتهم الوسوسة في الأحكام المفروغ منها خصوصا كيفية الذبح المأخوذ يدا عن يد.

نعم بقي شيء كثر السؤال عنه في زماننا هذا، و هو دعوى تعلق الأعضاء الأربعة بالخرزة التي تكون في عنق الحيوان المسماة بالجوزة على وجه إذا لم يبقها الذابح في الرأس لم يقطعها أجمع أو لم يعلم بذلك و إن قطع نصف الجوزة، و لكن لم أجد لذلك أثرا في كلام الأصحاب و لا في النصوص، و المدار على صدق قطعها تماما أجمع، و ربما كان الممارسون لذلك العارفون أولى من غيرهم في معرفة ذلك، و هم الذين أشير إليهم في بعض النصوص بمن يحسن الذبح و يجيده (1) و اللّه العالم.

و يكفي في المنحور طعنه في ثغرة النحر، و هي و هدة اللبة

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 2 و 3 و الباب- 13- منها الحديث 1.

110

قائما أو باركا على الكيفية المتقدمة في كتاب الحج (1).

و كيف كان ف يشترط فيها أي الكيفية شروط أربعة:

[الشرط الأول أن يستقبل بها القبلة مع الإمكان]

الأول أن يستقبل بها القبلة مع الإمكان بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص.

ففي

حسن ابن مسلم (2) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة فقال: كل لا بأس بذلك ما لم يتعمد».

و في حسنه الآخر (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة».

و حسنه الثالث (4) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة، فقال: كل منها، فقلت له:

فإنه لم يوجهها، فقال: فلا تأكل منها و لا تأكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم اللّه عليها، و قال: إذا أردت أن تذبح ذبيحتك فاستقبل بذبيحتك القبلة».

و صحيح الحلبي (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، فقال: لا بأس إذا لم يتعمد».

و نحوه غيره (6)

و مرسل الدعائم (7) «أنهما (عليهما السلام) قالا فيمن ذبح لغير القبلة إن كان خطأ أو نسي أو جهل فلا شيء عليه، و تؤكل ذبيحته، و إن تعمد ذلك فقد أساء و لا يجب أن تؤكل ذبيحته تلك إذا تعمد خلاف السنة»

____________

(1) راجع ج 19 ص 155 و 156.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(7) المستدرك- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 2 و فيه

«و لا نحب أن تؤكل ذبيحته.»

111

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أصل الاشتراط و عدم البأس مع الجهل و النسيان.

و حينئذ فإن أخل عامدا عالما كانت ميتة، و لو كان ناسيا صح بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الإجماع عليه غير واحد.

و كذا لو لم يعلم جهة القبلة على ما صرح به غير واحد، بل نسبه بعضهم إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و لعله كذلك لعدم صدق تعمد غير القبلة الذي هو عنوان الحرمة في النصوص السابقة و لإطلاق الجهل في مرسل الدعائم المنجبر بما عرفت، بل و حسن ابن مسلم الثالث.

بل منهما يستفاد معذورية الجاهل بالحكم هنا أيضا و إن صدق عليه التعمد، بل لعله المنساق من الحسن المزبور، بناء على أن المراد منه الجهل بالتوجيه إلى القبلة و إن علمها، و حينئذ يكون المراد من قوله:

«فإنه لم يوجهها» العالم العامد و لو بمعونة فتوى الأصحاب التي لولاها لأمكن إرادة بيان حل ذبيحة الجاهل بالحكم إذا وجه و الحرمة إذا لم يوجه فيكون دالا على العدم، إلا أن فتوى الأصحاب به على وجه لا أجد خلافا بين من تعرض له ترجح الأول.

بل لعل منه أيضا من لا يعتقد وجوب الاستقبال، كما جزم به في المسالك، فتحل ذبيحته حينئذ لغيره ممن يعتقد الوجوب، لكونه من الجاهل حينئذ، و على الجاهل (1)، اللهم إلا أن يشك في اندراج مثله في الجهل في النصوص المزبورة (2).

و كيف كان فالمنساق مما سمعته من النصوص المعتضدة بالفتوى

____________

(1) هكذا في النسختين الأصليتين، و الأولى هكذا «و للجاهل».

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح.

112

الاستقبال بمقاديم الذبيحة التي منها مذبحها دون الذابح معها، و إن كان قد يتوهم من نحو العبارة المزبورة على قياس «ذهبت بزيد» و «انطلقت به» و نحوهما مما يفيد كونه معه في الذهاب و الانطلاق، إلا أن جيد النظر يقتضي خلاف ذلك، خصوصا مع ملاحظة غيره من النصوص المذكور فيها الاستقبال للذبيحة خاصة (1) و خصوصا مع ملاحظة إتيان التعدية بالباء لغير المعنى المزبور، نحو «ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ» (2) و غيره مما هو بمعنى أذهب اللّه نورهم.

نعم في مرسل الدعائم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذب البهيمة، أحد الشفرة و استقبل القبلة»

و لكنه مع إرساله لا صراحة فيه بل و لا ظهور، لاحتمال ارادة الاستقبال بالبهيمة، بل لعله الظاهر، خصوصا مع ملاحظة غيره من النصوص (4) و عدم القائل باعتبار استقباله خاصة، إلا أنه مع ذلك لا بأس بحمله على الندب الذي صرح به غير واحد، خصوصا بعد ما تسمعه من مرسل كشف اللثام في الإبل (5).

ثم إن اعتبار الإمكان في عبارة المصنف يقتضي سقوط الشرط المزبور مع عدم الإمكان، و هو كذلك، ضرورة عدم صدق تعمد غير القبلة

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 17.

(3) المستدرك- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبائح.

(5) الظاهر أنه (قده) يريد بذلك ما ينقله عن كشف اللثام في ص 118 و هو «يمكن التمسك في وجوب النحر. و لكن ورد في معناها رفع اليدين بالتكبير في الصلاة و الاستقبال» حيث انه لم يذكر في كشف اللثام في بحث نحر الإبل غير ذلك.

113

و لعل منه معاجلة المذبوح على وجه يخشى من موته لو اشتغل بتوجيهه إلى القبلة، و اللّه العالم.

[الشرط الثاني التسمية]

الشرط الثاني: التسمية من الذابح التي لا خلاف فتوى و نصا (1) في اشتراطها في حل الأكل مع التذكر، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب العزيز (2) و هي أن يذكر اللّه سبحانه و تعالى، يقول: «بسم اللّه» و «الحمد للّه» و «لا إله إلا اللّه» و نحو ذلك.

قال محمد بن مسلم (3) في الصحيح: «عن رجل ذبح فسبح أو كبر أو هلل أو حمد اللّه تعالى، قال: هذا كله من أسماء اللّه تعالى، و لا بأس به».

بل عن بعضهم الاجتزاء بلفظ «اللّه» تعالى شأنه، لدعوى صدق ذكر اسم اللّه عليه، و إن كان قد يناقش بأن العرف يقتضي كون المراد ذكر اللّه بصفة كمال أو ثناء، كإحدى التسبيحات الأربع، لا أقل من الشك، و الأصل عدم التذكية، خصوصا بعد الصحيح المزبور الذي لا يخلو من إشعار بذلك.

و كذا الكلام في اعتبار العربية و إن كان قد يحتمل العدم، لأن المراد من اللّه تعالى شأنه الذات المقدسة، فيجزئ ذكر غيره من أسمائه، و هي تتحقق بأي لغة اتفقت، و على ذلك يتخرج ما لو قال: «بسم الرحمن» و غيره من أسمائه المختصة أو الغالبة غير لفظ «اللّه» إلا أنه لا يجدي الاحتمال بعد أن لم يكن ظهور معتبر شرعا، بل قد يدعى الظهور بعكسه

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح.

(2) سورة الأنعام: 6- الآية 121.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

114

و لا أقل من الشك، و قد عرفت أن الأصل عدم التذكية، خصوصا بعد احتمال كون الإضافة فيه بيانية المقتضية لعدم الاجتزاء بغير الاسم المزبور.

بل و كذا الكلام في نحو «اللهم اغفر لي» أو «اللهم صل على محمد و آل محمد» و إن قال في المسالك: «الأقوى الاجتزاء» لكن لا يخفى عليك جريان ما ذكرناه خصوصا بعد ملاحظة الصحيح المزبور (1) المشعر بكون ذلك و نحوه من أسماء اللّه تعالى لا مطلقا.

و على كل حال فلو تركها عامدا لم يحل لما عرفت و أما لو نسي لم يحرم بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة في المقام (2) و المتقدمة في الصيد (3).

قال محمد بن مسلم (4): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يذبح و لا يسمي، قال: إن كان ناسيا فلا بأس إذا كان مسلما و كان يحسن أن يذبح، و لا ينخع و لا يقطع الرقبة بعد ما يذبح».

و في حسنه الآخر أو صحيحه (5) «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ذبح و لم يسم، فقال: إن كان ناسيا فليسم حين يذكر، و يقول بسم اللّه على أوله و على آخره».

و في صحيح الحلبي (6) في حديث «أنه سأله عن الرجل يذبح فينسى أن يسم أ تؤكل ذبيحته؟ فقال: نعم إذا كان لا يتهم و كان يحسن الذبح قبل ذلك، لا ينخع و لا يكسر الرقبة حتى تبرد الذبيحة»

إلى غير ذلك من النصوص التي لا إشارة فيها إلى استثناء غير حال النسيان، فيبقى

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصيد.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

115

حال الجهل مندرجا تحت إطلاق الأدلة، و دعوى أولويته منه أو مساواته لحال الاستقبال واضحة المنع، خصوصا بعد حرمة القياس عندنا، نعم قد يستفاد من

قوله (عليه السلام): «إذا كان لا يتهم»

تصديقه بدعوى النسيان إذا كان مسلما يرى وجوب التسمية.

كما أن الظاهر اعتبار ذكر التسمية بعنوان كونها على الذبيحة، فلا يجزئ التسمية الاتفاقية التي لم تكن بالعنوان المزبور، و لا أقل من الشك في حصول التسمية المعتبرة بدون ذلك، و الأصل عدم التذكية.

و كذلك الظاهر اعتبار المقارنة العرفية فيها على وجه يصدق التسمية عليها، فلا يجزئ ذكرها عند مقدمات الذبح، كربط المذبوح و نحوه،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): «من لم يسم إذا ذبح فلا تأكله».

ثم إنه لا يخفى عليك عدم وجوب تدارك التسمية بعد تمام الذبح مع النسيان بلا خلاف أجده فيه، كما في الدروس و المسالك، و من هنا وجب حمل الأمر بذلك في صحيح ابن مسلم (2) السابق على ذلك.

هذا و في المسالك «و لو قال: بسم اللّه و محمد بالجر لم يجز، و كذا لو قال: و محمد رسول اللّه، و لو رفع فيهما لم يضر» و لعله لأنه شرك في الأول على وجه يندرج في الإهلال به لغير اللّه، بل لا يصدق الذبح على اسم اللّه الظاهر في إرادة الاختصاص منه، خصوصا مع ملاحظة

نصوص «إنما هو الاسم، و لا يؤمن عليه غير المسلم» (3)

بخلاف صورة الرفع التي يصدق معها التسمية تامة، و عطف الشهادة للرسول (صلى اللّه عليه و آله) زيادة خير غير منافية، بخلاف ما لو قصد التشريك.

و لو قال: «بسم اللّه و اسم محمد» قاصدا أذبح باسم اللّه و اتبرك

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبائح- الحديث 2 و 4 و 24.

116

باسم محمد فلا بأس، و إن أطلق أو قصد التشريك لم يحل.

و أما الأخرس ففي القواعد «عليه أن يحرك لسانه» و زاد في كشف اللثام «و يخطر الاسم بباله كما في سائر الأذكار» و في المسالك «إن كانت له إشارة مفهمة حلت ذبيحته و إلا فهو كغير القاصد» قلت: لا فرق بين المقام و غيره مما اعتبر فيه اللفظ الذي اكتفي فيه بإشارة الأخرس على حسب ما أوضحناه في العبادات و المعاملات.

و لو سمى الجنب و الحائض بنية إحدى العزائم ففي القواعد إشكال، و لعله من الدخول في العموم، و من النهي المنافي للوجوب، و لكن لا يخفى عليك أن الأقوى الأول، و لا منافاة بين الوجوب الشرطي المعاملي و الحرمة.

و لو وكل المسلم كافرا في الذبح و سمى المسلم لم يحل و إن شاهده أو جعل يده معه فقرن التسمية بذبحه، لظهور الأدلة في اعتبار اتحاد الذابح و المسمى، و لا أقل أن يكون هو المتيقن منها، نعم لا بأس بذبح المسلمين المسميين دفعة واحدة، لإطلاق الأدلة، و في الاجتزاء بالتسمية من أحدهما أحوطه و أقواه العدم، و اللّه العالم.

[الشرط الثالث اختصاص الإبل بالنحر و ما عداها بالذبح]

الشرط الثالث: اختصاص الإبل بالنحر، و ما عداها بالذبح في الحلق تحت اللحيين، فان نحر المذبوح أو ذبح المنحور فمات لم يحل لعدم التذكية الشرعية و لو لأن الأصل عدمها. نعم لو أدركت ذكاته فذكي على الوجه الشرعي بأن ذبح المذبوح بعد نحره أو نحر المنحور بعد ذبحه قبل الموت ففي محكي النهاية حل لوجود المقتضي و هو التذكية المعتبرة شرعا، و يكون الذبح و النحر الأولان كالجرح الذي لا يمنع التذكية قبل الموت. و لكن فيه تردد عند المصنف

117

و غيره ممن اعتبر الاستقرار إذ لا استقرار للحياة بعد الذبح أو النحر و إن بقي متحركا.

و لعل التحقيق أن الحكم يرجع إلى تحقيق ما يعتبر في الحل من الحياة فإن اعتبرنا استقرارها لم يحل هنا، لفقد الشرط، و إن اكتفينا بالحركة بعد الذبح و النحر و خروج الدم أو أحدهما كما هو المختار لزم الحكم بالحل إذا وجد الشرط، لكون النحر و الذبح حينئذ كالجرحين.

إنما الكلام فيما ذكره المصنف و غيره بل لا أجد فيه خلافا من اختصاص الإبل بالنحر و غيرها بالذبح من حيث خلو النصوص عن ذلك، إذ الذي عثرنا عليه منها

صحيح صفوان (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ذبح البقر، فقال: للبقر الذبح، و ما نحر فليس بذكي».

و خبر يونس بن يعقوب (2) «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام):

إن أهل مكة لا يذبحون البقر، إنما ينحرون في لبة البقر، فما ترى في أكل لحمها؟ فقال فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ (3) لا تأكل إلا ما ذبح».

و مرسل الصدوق (4) قال الصادق (عليه السلام): «كل منحور مذبوح حرام، و كل مذبوح منحور حرام».

و مرسل الطبرسي في مجمع البيان (5) «قيل للصادق (عليه السلام):

إن أهل مكة يذبحون البقر في اللبة، فما ترى في أكل لحومها؟ فسكت هنيئة، ثم قال: قال اللّه تعالى فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ (6) لا تأكل إلا ما ذبح من مذبحه».

و ليس في شيء منها اختصاص الإبل بالنحر و غيرها بالذبح، و لعله لذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 71.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(6) سورة البقرة: 2- الآية 71.

118

توقف المقدس الأردبيلي و الخراساني في الكفاية تبعا لما يحكى عن بعض الحواشي لثاني الشهيدين من عدم قيام دليل صالح للفرق بين الإبل و غيرها في الاختصاص بالنحر و الذبح، خصوصا بعد

الخبر عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (1) «إنه أمر بنحر الفرس».

و فيه أن المرسل منها المنجبر بعمل الأصحاب دال على عدم جواز الذبح للمنحور و بالعكس، و لا ريب في وقوع النحر على الإبل، كما يقضي به النصوص الواردة في كيفية نحرها (2) فلا يشرع فيها الذبح حينئذ بل في كشف اللثام «يمكن التمسك في وجوب نحر الإبل بقوله تعالى (3):

«وَ انْحَرْ» لأن الوجوب ظاهره، و من البين أنه لا يجب نحر غيرها، و لكن ورد (4) في معناه رفع اليدين بالتكبيرة في الصلاة و الاستقبال».

قلت: لكنا في غنية عن ذلك بما عرفت، مضافا إلى ما سمعته من بعض النصوص في تذكية المستعصي الدال على النحر للإبل، ف

في الخبر منها (5) «إذا امتنع عليك بعير و أنت تريد أن تنحره فانطلق منك فان خشيت أن يسبقك فضربته بسيف أو طعنته برمح بعد أن تسمي فكل إلا أن تدركه و لم يمت بعد فذكه».

و في آخر (6) «بعير تردى في بئر

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) الوسائل- الباب- 35 و 37- من أبواب الذبح من كتاب الحج و الباب- 3- من أبواب الذبائح.

(3) سورة الكوثر: 108- الآية 2.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 4 و 13 و 15 و 16 و 17 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

119

كيف ينحر؟ فقال: تدخل الحربة فتطعنه بها و تسمي و تأكل»

إلى غير ذلك مما يدل على أن البعير ينحر.

بل عن الخلاف و الغنية النحر في الإبل و الذبح فيما عداها هو السنة الشريفة بلا خلاف، ثم قالا: «و لا يجوز في الإبل الذبح و في ما عداها النحر، فان فعل ذلك لم يحل الأكل بدليل إجماع الطائفة».

و أما عدم مشروعية النحر في غيرها فلما سمعته في البقر، و لا قائل بالفصل، و للنصوص الواردة في كيفية الذبح (1) الظاهرة في أنها قطع الأوداج الأربعة بطريق الذبح على وجه يظهر منها أنه هو الأصل في التذكية، و أن الخارج منها خصوص الإبل، بل يكفي في ذلك أنه الكيفية المتعارفة، فلا يشرع فيها النحر حينئذ، لما سمعته من أن المذبوح لا يجوز أن ينحر كالعكس.

بل ظاهر المرسل المزبور (2) أنه ليس في الحيوان ما يجوز فيه الكيفيتان، فمع فرض كون الكيفية المتعارفة في غير الإبل الذبح بل هو المنساق من تذكيته يتعين فيه حينئذ، و لا يجزئ النحر حتى لو سلم اشتماله على قطع الأوداج الأربعة، خصوصا مع أصالة عدم التذكية، و خصوصا مع اتفاق الأصحاب ظاهرا على ذلك، بل في كشف اللثام في شرح قول الفاضل في القواعد: «الخامس: اختصاص الإبل بالنحر و باقي الحيوانات بالذبح في الحلق تحت اللحيين» قال: «إجماعا كما في الخلاف و الغنية و السرائر» بل عن الشهيد الثاني و أتباعه الإجماع أيضا على ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2 و 3 و 4- من أبواب الذبائح.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

120

و خبر الفرس (1) مع خروجه عن الحجية موافق للعامة، بل ربما يشهد له كون بعض رواته من العامة، و بالجملة لا وجه للوسوسة في الحكم المزبور بقسميه.

و أما كون محل الذبح في الحلق تحت اللحيين فقد سمعت ما في الصحيح (2) من أن «النحر في اللبة و الذبح في الحلقوم»

كما أنك سمعت ما حكاه في كشف اللثام من معقد الإجماعات الثلاثة الذي منه ذلك أيضا، و في الرياض «و اعلم أن محل الذبح الحلق تحت اللحيين بلا خلاف يظهر، لأصالة التحريم في غيره مع عدم انصراف الإطلاقات إلا إلى الحلقوم تحت اللحيين، لأنه المعروف المتعارف، فيجب حملها عليه، و في الصحيح (3) «لا تأكل من ذبيحة ما لم تذبح من مذبحها».

قلت: لا إشكال في شيء من ذلك، إنما الكلام فيما يحصل فيه قطع الأوداج الأربعة و كان في غير المحل المعتاد، بل كان في وسط الرقبة أو أصلها، و لعله يندرج في قولهم: «تحت اللحيين» أيضا اللهم إلا أن يقال: إنه لا يقضي بقطعها أجمع في غير الذبح بالمحل المعتاد الذي هو تحت اللحيين، خصوصا مع أصالة عدم التذكية.

و أما ما هو متعارف في زماننا هذا من اعتبار جعل العقدة التي في العنق المسماة في لسان أهل هذا الزمان بالجوزة في الرأس على وجه يكون القطع من تحتها فلم أجد له أثرا في شيء من النصوص و الفتاوى، اللهم إلا أن لا يحصل قطع الأوداج الأربعة بدون ذلك، و لا أقل من الشك و الأصل عدم التذكية، و اللّه العالم.

و كيف كان ف في إبانة الرأس عامدا خلاف فعن الإسكافي و ابن حمزة و القاضي و النهاية و الفاضل في المختلف و الشهيدين و ظاهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبائح- الحديث 2 إلا أنه لم يتقدم.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

121

المقنعة و المقنع و المراسم الحرمة، للنهي في صحيحي الحلبي (1) و ابن مسلم (2) المتقدمين في التسمية الدال على الحرمة، و صحيح الحلبي الآخر (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل ذبح طيرا فقطع رأسه أ يؤكل منه؟ قال: نعم، و لكن لا يتعمد قطع رأسه»

و مفهوم

الموثق (4) «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الرجل يذبح فتسرع السكين فتبين الرأس، فقال: الذكاة الوحية لا بأس بأكله ما لم يتعمد ذلك»

المحمول على الحرمة و لو بقرينة النهي السابق، و كذا

خبر الحسين ابن علوان (5) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «أنه كان يقول: إذا أسرعت السكين في الذبيحة فقطعت الرأس فلا بأس بأكلها».

و عن الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و الفاضل في جملة من كتبه و كثير الكراهة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه بين المحصلين، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى إجماع الصحابة عليه، و لعله لذا قال المصنف:

أظهره الكراهية حملا للنهي المزبور عليه و لو بشهادة ما عرفت فضلا عن البأس في المفهوم السابق الذي هو في الأكل الذي ستسمع القول بحله من بعض من قال بحرمة الإبانة، على أن الصحيحين الأولين لم يعلم النهي فيهما، إذ من المحتمل كون «لا» فيهما للنفي على أن يكون مدخولها معطوفا على قوله: «يحسن» و حينئذ فغايتهما ثبوت البأس الذي هو أعم من الحرمة في خصوص صورة ترك التسمية و إن كان لا قائل بالفرق بينها و بين غيرها.

و دعوى إرادة الحرمة منه هنا- بشهادة السياق الذي مقتضاه السؤال

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 6.

122

عنها و باقترانه بالانخاع الذي هو للحرمة- يدفعها منع الحرمة في الثاني أيضا، كما تسمعه إنشاء اللّه، و أن مقتضى السياق المزبور حينئذ حرمة الأكل التي لا يقول بها كثير منهم، بل عن بعضهم نفي الخلاف في الحل، فانحصر النهي حينئذ في صحيح الحلبي الآخر خاصة، و هو مع غلبة استعماله فيها يمكن إرادتها منه هنا و لو بمعونة ما عرفت، فيقصر عن معارضة الأصل، خصوصا بعد إمكان دعوى أن الكراهة تلوح منه و لو من جهة الاستدراك فيه، و احتمل كونه كالموثق المزبور الذي قد عرفت إرادة الكراهة من البأس فيه، و ك

خبر علي بن جعفر المروي عن كتابه (1) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الرجل ذبح فقطع الرأس قبل أن تبرد الذبيحة كان ذلك منه خطأ أو سبقه السكين أ يؤكل ذلك؟ قال:

نعم و لكن لا يعود»

بل لعل جمعه مع السلخ في النبوي الآتي (2) المحمول على الكراهة مشعر بذلك.

و على كل حال فالظاهر عدم حرمة الذبيحة بذلك، كما صرح به كثير، و منهم جملة من القائلين بالحرمة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه، لإطلاق الأدلة كتابا (3) و سنة (4) بل ظاهر النصوص المزبورة (5) أنها ذكاة و حية أي سريعة، بل لو جعل «السكين» مفعولا في خبر الحسين ابن علوان المتقدم كان كالصريح في حل الأكل حينئذ، و كذا صحيح الطير (6).

خلافا للمحكي عن صريح النهاية و ابن زهرة و ظاهر ابن حمزة

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 7.

(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبائح.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

123

و الإسكافي و القاضي، تمسكا بدعوى أن الذبح المشروع هو المشتمل على قطع الأربعة خاصة، فالزائد عليها يخرج عن كونه ذبحا شرعيا، فلا يكون مبيحا، و جرى مجرى ما لو قطع عضوا من أعضائه فمات، و هي كما ترى مجرد دعوى لا دليل عليها، بل مقتضاها حرمة الزيادة و إن لم تكن إبانة، و لا أظن أحدا يقول بذلك، فلا يقطع بمثلها إطلاق الأدلة كتابا و سنة فضلا عن خصوصها من صحيح الطير و غيره.

و من الغريب دعوى ابن زهرة الإجماع على ذلك، مع أنه لم يحك عن أحد التصريح بذلك إلا عن النهاية، و لم أتحققه أيضا، و من هنا يقوى إرادة حاكيه شيئا آخر كما احتمله في الرياض، نعم لا بأس بالقول بالكراهة حملا للبأس في الأكل مع العمد المفهوم من بعض النصوص السابقة عليها.

كل ذلك مع التعمد، أما مع الغفلة أو سبق السكين و نحوهما فلا حرمة و لا كراهة، لا في الإبانة و لا في الأكل بلا خلاف و لا إشكال، لإطلاق الأدلة و خصوصها،

قال محمد بن مسلم (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مسلم ذبح و سمى فسبقته حديدته فأبان الرأس.

فقال: إن خرج الدم فكل»

و قال سماعة (2): «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) سئل عن الرجل يذبح فتسرع السكين فتبين الرأس، فقال: لا بأس به إذا سال الدم»

و اللّه العالم.

و كذا يكره سلخ الذبيحة قبل بردها أو قطع شيء منها وفاقا للأكثر بل المشهور، ل

مرفوع محمد بن يحيى (3) «الشاة إذا ذبحت و سلخت أو سلخ شيء منها قبل أن تموت فليس يحل أكلها»

المحمول عليها بعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

124

قصوره عن إثبات الحرمة،

كالمرسل عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (1) «إنه نهى أن تسلخ الذبيحة أو تقطع رأسها حتى تموت».

خلافا للمحكي عن الشيخ في النهاية و بني زهرة و حمزة و البراج من حرمة الأكل به، بل عن ابن زهرة منهم دعوى الإجماع عليه، لظاهر الخبر المزبور الذي قد عرفت قصوره عن ذلك.

و من الغريب ما عن الشهيد من أن المفهوم في صناعة اصطلاح أرباب الحديث أن قوله: «رفعه» بمعنى «أسنده» فلا يكون مرسلا، إذ هو كما ترى مع تسليمه لا يلزم من إسناده على هذا الوجه خروجه عن الإرسال بجهل الواسطة، و الإجماع المزبور متبين عدمه.

و من ذلك كله يظهر لك ضعف القول المحكي عنه من حرمة ذلك، للخبر المزبور، و لانه نوع تعذيب للحيوان المنهي عنه و إن حل الأكل، لإطلاق الأدلة، بل قد يقال: لا دلالة في الخبر المزبور على النهي عن أصل الفعل، بل أقصاه عدم حل الأكل، و هو أعم من حرمة الفعل، بل و كراهته، و لا دليل على كون ذلك من التعذيب المنهي عنه، بل هو من إراقة الدماء المأذون فيها (2) و من هنا كان دليل كراهة السلخ المزبور النبوي (3) المذكور كما أن دليل كراهة الأكل الخبر (4) المسطور.

لكن يبقى دليل كراهة قطع شيء منها، و لعله لأنه إيلام للحيوان و للنبوي (5) «إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، و ليحد أحدكم شفرته، و ليرح ذبيحته»

____________

(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(5) سنن البيهقي- ج 9 ص 280.

125

و للخروج عن شبهة الخلاف، فإن المحكي عن المبسوط أنه قال: «لا يجوز تقطيع لحمها قبل أن تموت، فان خولف و قطع قبل أن تخرج الروح لا يحل عندنا» و عن الكافي «أن ما قطع منها قبل البرد ميتة» و كأنه جعله قطعة مبانة من حي، و إن كان فيه منع واضح، ضرورة كونه بعد التذكية، فلا تشمله تلك النصوص الظاهرة في غيره، و من الغريب ما في كشف اللثام من أنه يتجه التحريم للتعذيب و إن حل الأكل، إذ قد عرفت صعوبة دليل الكراهة فضلا عن التحريم، و اللّه العالم.

و لو انفلت الطير منه جاز أن يرميه بنشاب أو سيف أو رمح أو نحو ذلك مما سمعته من آلة الصيد، لصيرورته ممتنعا، فيجري عليه حكم الحيوان الممتنع، مضافا إلى ما تسمعه من خبر حمران (1) فيه بالخصوص، و حينئذ فإن سقط و أدرك ذكاته ذبحه و إلا كان حلالا كالحيوان الممتنع بالأصالة، بل و كذا الكلام في غير الطير من الحيوان إذا توحش، كما تقدم الكلام فيه مفصلا، و اللّه العالم.

[الشرط الرابع الحركة الدالة على الحياة بعد الذبح أو النحر]

الشرط الرابع الحركة الدالة على الحياة أو استقرارها بعد الذبح أو النحر كافية في صحة الذكاة بل عن الصدوق اعتبارها خاصة دون الدم المعتدل، و اختاره الفاضل في المختلف.

و قال بعض (الأصحاب خ) و هو المفيد و الإسكافي و القاضي و الديلمي و الحلبي و سلار و ابن زهرة لا بد مع ذلك من خروج الدم المعتدل، بل عن الأخير دعوى الإجماع عليه.

و قيل و القائل الشيخ في محكي النهاية و أكثر المتأخرين:

يجزئ أحدهما و ربما حكي قول رابع، و هو اعتبار خروج الدم المعتدل خاصة، و نسب إلى الشهيد في الدروس، و هو و هم قطعا، قال

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

126

فيها: «و لو اشتبه اعتبر بالحركة و خروج الدم، و ظاهر الأخبار و القدماء أن خروج الدم و الحركة أو أحدهما كاف و لو لم يكن فيه حياة مستقرة» إلى آخر كلامه الذي هو كأوله صريح في خلاف النسبة المزبورة. نعم ظاهره أولا اعتبارهما معا، و ربما يشعر آخر كلامه بالاكتفاء بالحركة.

و على كل حال فالأصل في هذا الاختلاف اختلاف النصوص، ففي

صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن الذبيحة، قال: إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الاذن فهو ذكي».

و خبر رفاعة (2) عنه (عليه السلام) أيضا أنه قال: «في الشاة إذا طرفت عينها أو حركت ذنبها فهي ذكية».

و صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «كل كل شيء من الحيوان غير الخنزير و النطيحة و ما أكل السبع، و هو قول اللّه عز و جل:

إِلّا ما ذَكَّيْتُمْ (4) فإن أدركت شيئا منها و عين تطرف أو قائمة تركض أو ذنب يمصع فقد أدركت ذكاته فكله».

و في مرسل العياشي (5) عنه (عليه السلام) أيضا في قول اللّه: «وَ الْمُنْخَنِقَةُ» (6) قال: «التي يخنق في رباطها، و الموقوذة التي لا تجد ألم الذبح، و لا تضطرب و لا يخرج لها دم»

إلى آخره.

و خبر أبان بن تغلب (7) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا شككت في حياة شاة فرأيتها تطرف عينها أو تحرك أذنيها أو تمصع بذنبها فاذبحها فإنها لك حلال».

و خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (8) عنه (عليه السلام) «في

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(6) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(7) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(8) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 6.

127

كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فكل منه، فقد أدركت ذكاته»

و نحوه

خبر عبد اللّه بن سليمان (1) عنه (عليه السلام) أيضا، إلا أنه قال: «و أدركته فذكه».

و صحيح أبي بصير المرادي (2) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الشاة تذبح فلا تتحرك، و يهرق منها دم كثير عبيط، فقال: لا تأكل، إن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا ركضت الرجل أو طرفت العين فكل».

و خبر الحسين بن مسلم (3) قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ جاء محمد بن عبد السلام، فقال له: جعلت فداك يقول لك جدي: إن رجلا ضرب بقرة بفأس فسقطت ثم ذبحها، فلم يرسل معه بالجواب، و دعا سعيدة مولاة أم فروة، فقال لها: إن محمدا جاءني برسالة منك، فكرهت أن أرسل إليك بالجواب معه، فان كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلا فكلوا و أطعموا، و إن كان خرج خروجا متثاقلا فلا تقربوه»

و نحوه

خبر بكر بن محمد (4) عنه (عليه السلام) أيضا إلا أنه قال: «بفأس من مذبحها، فوقذها ثم ذبحها».

و صحيح الشحام (5) المتقدم سابقا عنه (عليه السلام) أيضا «في التذكية بغير الحديد- إلى أن قال- إذا قطع الحلقوم و خرج الدم فلا بأس».

و خبر ليث المرادي (6) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

128

الصقورة و البزاة و عن صيدهما، فقال: كل ما لم يقتلن إذا أدركت ذكاته، و آخر الذكاة إذا كانت العين تطرف و الرجل تركض و الذنب يتحرك».

و خبري محمد بن مسلم (1) و سماعة (2) المتقدمين سابقا في مسألة إبانة الرأس،

ففي الأول منهما «إن خرج الدم فكل»

و في الثاني «لا بأس به إذا سال الدم».

إلا أنهما في مساق بيان عدم ضرر الإبانة، لا في تعرف حياة الحيوان، كما أن صحيح الشحام في بيان حل التذكية بغير الحديد إذا كان صالحا لإخراج الدم بقطع أعضاء الذبيحة، لا في تعرف حياة الحيوان و عدمها.

و على كل حال فصحيح أبي بصير السابق صريح أو كالصريح في الدلالة على كون الحركة بعد الذبح، كما عليه الأصحاب كافة على ما في المسالك و الرياض، بل فيه عن الغنية إجماع الإمامية عليه، و منه يعلم المراد من غيره من النصوص التي فيها نوع إجمال بالنسبة إلى ذلك.

نعم في بعض الأخبار السابقة كخبر أبان بن تغلب بل و خبري عبد الرحمن و عبد اللّه بن سليمان بل و خبر ليث ظهور باعتبار الحركة قبل التذكية، لكن في الرياض أنها مشتركة في قصور السند، محتملة للتأويل بما يرجع إلى الأول بنوع من التوجيه و إن بعد في خبر أبان دون غيره خصوصا الخبرين المتضمنين قول علي (عليه السلام) الذي هو مختص بالحركة بعد الذبح، كما نصت عليه الصحيحة السابقة المتضمنة للنقل عنه (عليه السلام) الكاشف عن كون المراد منه حيث يذكى.

و في كشف اللثام «إن خبر أبان لا يدل على الاجتزاء بما كان من الحركة قبل الذبح، و هو ظاهر، و لعله لأنه ليس فيه إلا الاذن بذبحها

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

129

في تلك الحال، و هي لا تنافي اعتبار الحركة بعد الذبح في حل أكلها.

و على كل حال فالظاهر اعتبارهما بعد الذبح، ليعلم منهما كون المذبوح قد تم ذبحه و هو حي، بخلاف المتحرك قبل التذكية، فإنه لا دلالة فيها على وقوع تمام التذكية حال حياته، و الاستصحاب مع أنه قاصر عن إثبات ذلك ظاهر الأدلة عدم اعتباره هنا و إلا لاكتفى به و إن لم تحصل حركة قبل و لا بعد.

بل قد يستفاد منها عدم الاكتفاء بالحركة المقارنة للذبح على وجه يكون منتهاها بمنتهى الذبح، فإن أقصاها مقارنة إزهاق روحه لتمام الذبح و قد يتوقف في الحل بذلك، بل ستسمع التصريح من ثاني الشهيدين باعتبار تأخر الحياة عن الذبح و لو قليلا، بل لعله ظاهر غيره أيضا و إن كان إطلاق الأدلة يقتضي خلافه، و لكن لا ريب في أنه الأحوط، خصوصا مع احتمال التعبد في النصوص كما ستعرف.

نعم لو فرض العلم بكونه حيا إلى ما بعد تمام الذبح و لم تحصل منه حركة و لا خرج منه دم اتجه الحل و إن كان تحقق هذا الفرض غير معلوم، و الأمر في ذلك كله سهل.

إنما الكلام في الترجيح بين الأقوال المزبورة، و لا ريب في رجحان قول الصدوق من حيث النظر إلى النصوص، ضرورة استفاضة نصوص الحركة (1) و صراحتها، بخلاف نصوص الدم (2) التي ليس شيء منها فيما نحن فيه من الحيوان المشتبه إلا خبر البقرة (3) الذي هو مع قصور سنده

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 3 و الباب- 9- منها- الحديث 2 و 4.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

130

غير صريح، بل قيل و لا ظاهر، لاحتماله الحمل على حصول الحركة بعد التذكية، سيما مع كونه من الأفراد الغالبة للذبيحة المشتبه حالها الخارج دمها معتدلا بعد التذكية، بخلاف الذبيحة المشتبهة المتحركة بعدها حركة ما جزئية، فإنه غير معلوم خروج الدم منها معتدلا. على أنه معارض بالصحيح (1) الصريح في عدم كفاية خروج الدم، و حمله على كون الدم متثاقلا خلاف ظاهره، لكنه مرجوح من حيث الفتوى، إذ لم نعرفه إلا للصدوق، و وافقه عليه بعد مضي جملة من الأزمنة الفاضل في المختلف.

و منه يعلم أن الصحيح المزبور معرض عنه، ضرورة ظهوره في أن المعتبر الحركة لا الدم و لا هما معا، و قد عرفت أن من عدا الصدوق و الفاضل في المختلف على اعتبار الدم في الجملة، و بذلك يرجح خبر البقرة (2) عليه، بل ربما كان فيه إشعار بمخالفة العامة، و أن ذلك علامة خفية غير الحركة التي هي علامة مشهورة، و حيث ظهر من النصوص أن كلا منهما علامة لم يحتج إلى الجمع بينهما، بل كان كل منهما علامة على ذلك، خصوصا بعد خلو النصوص أجمع عن الإشارة إلى كون مجموعهما علامة، بل ظاهرها خلافه، بل لو كان كذلك كان من تأخير البيان عن وقت الحاجة، بل ربما كان في النصوص ما يشير إلى عدمه بالخصوص، كمرسل العياشي (3) المتقدم في تفسير الموقوذة التي اعتبر فيها عدم الحركة و عدم خروج الدم، إذ لو كان مجموعهما العلامة لم يكن عدمهما معا العلامة، بل كفى عدم واحد منهما.

و من الغريب ما في الرياض من دعوى الجمع بين النصوص بإجماع

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

131

الغنية على اعتبارهما معا الموهون بمصير بعض القدماء و أكثر المتأخرين إلى خلافه.

و أغرب منه تأييد ذلك بأصل الحرمة الذي يكفي في قطعه بعض ما عرفت، فضلا عن النصوص المستفيضة (1) في الحركة التي هي لا إشكال في دلالتها على كون الحيوان حيا، إذ الفرض أنها حركة حي، فيشمله حينئذ كل ما دل على حلية الحيوان الحي المذكى، فعدم الاكتفاء بها مما لا وجه له، كما أنه لا وجه لعدم اعتبار الدم المعتدل، خصوصا بناء على الاكتفاء بمقارنة الازهاق للذبح من غير اعتبار لتأخر الحياة، فإنه يمكن حينئذ تعرفه بالدم خاصة الذي لا يخرج عادة من الميت قبل الذبح.

و بذلك كله ظهر أن ما عليه المتأخرون أقوى، و إليه أشار المصنف بقوله و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها الجمع بين النصوص في مثل المقام الذي هو في بيان تعرف كون الحيوان حيا بالاكتفاء بأحدهما لا بمجموعهما الذي لا إشارة في شيء من النصوص اليه، بل فيها ما يدل على خلافه و لكن مع ذلك كله فلا ريب في أنه أحوط.

نعم لا يجزئ خروج الدم متثاقلا إذا انفرد عن الحركة الدالة على الحياة قطعا، لعدم ما يدل على كونه علامة، بل الصحيح المزبور دال على عدمه، كالمفهوم في خبر البقرة (2) و اللّه العالم.

و كيف كان فقد ذكر المصنف و جماعة أنه يستحب في ذبح الغنم أن يربط يداه و رجل واحدة و يطلق الأخرى و يمسك صوفه أو

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

132

شعره حتى يبرد لكن لم يحضرنا الآن كما اعترف به في كشف اللثام و غيره سوى

خبر حمران بن أعين (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن الذبح، فقال: إذا ذبحت فأرسل و لا تكتف، و لا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم و تقطعه إلى فوق، و الإرسال للطير خاصة، فإن تردى في جب أو وهدة من الأرض فلا تأكله و لا تطعمه، فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح، و إن كان شيء من الغنم فأمسك صوفه أو شعره، و لا تمسكن يدا و لا رجلا، فأما البقر فأعقلهما و أطلق الذنب، و أما البعير فشد أخفافه إلى آباطه و أطلق رجليه، و أن أفلتك شيء من الطير و أنت تريد ذبحه أو ند عليك فارمه بسهمك، فإذا هو سقط فذكه بمنزلة الصيد».

نعم في المسالك بعد أن ذكر أن مستند الحكم روايات: منها حسنة حمران إلى آخرها قال: «و المراد بقوله (عليه السلام): «و لا تمسك» إلى آخره أنه يربط يديه و إحدى رجليه من غير أن يمسكهما بيده» و هو حسن لو كان هناك دليل على الربط المزبور.

و على كل حال يستفاد منه ما ذكره هو و غيره من أنه يستحب في ذبح البقر أن يعقل يداه و رجلاه و يطلق ذنبه بل و ما ذكره في الإبل من أنه يستحب أن يربط أخفافه إلى آباطه و تطلق رجلاه على معنى جمع خفي يديه و ربطهما مما بين الخفين إلى الإبطين، و في صحيح ابن سنان (2) «يربط يديها ما بين الخف إلى الركبة».

بل في المسالك «ليس المراد في الأول- أي حسن حمران- أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبائح- الحديث 1 من كتاب الحج.

133

يعقل خفي يديه معا إلى آباطه، لأنه لا يستطيع القيام حينئذ، و المستحب في الإبل أن تكون قائمة» و إن كان فيه أنه خلاف ظاهر الأخفاف فيه و اليدين في الصحيح، نعم

روي (1) «أنه رئي الصادق (عليه السلام) أنه ينحر بدنه معقولة يدها اليسرى»

و في كشف اللثام «عن بعض الكتب (2) «أنه سئل كيف ينحر؟ فقال: يقام قائما حيال القبلة، و تعقل يده الواحدة، و يقوم الذي ينحره حيال القبلة، فيضرب في لبته بالشفرة حتى يقطع و يفري،»

و كذلك

روت العامة (3) «أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و أصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها»

و الأمر سهل بعد كون الحكم مستحبا، لقصور ما سمعت عن إثبات الوجوب، فحينئذ لا بأس بالحكم باستحباب كل من الكيفيات المزبورة.

و كذا يستفاد من خبر حمران أيضا ما ذكره هو و غيره من أنه يستحب في الطير أن يرسل بعد الذباحة بل سمعت

قوله (عليه السلام) فيه: «الإرسال للطير خاصة»

إلى غير ذلك من الوظائف التي ذكر في المسالك جملة منها ناسبا لها إلى النص، و هي تحديد الشفرة و سرعة القطع، و أن لا يري الشفرة للحيوان، و أن يستقبل الذابح القبلة، و لا يحركه من مكان إلى آخر، بل يتركه إلى أن تفارقه الروح، و أن يساق إلى الذبح برفق، و يضجع برفق، و يعرض عليه الماء قبل الذبح، و يمر السكين بقوة و تحامل ذهابا و عودا، و يجد في الإسراع، فيكون أرخى و أسهل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبائح- الحديث 3 من كتاب الحج.

(2) المستدرك- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(3) سنن البيهقي- ج 5 ص 237.

134

و في النبوي (1) «أن اللّه تعالى شأنه كتب عليكم الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، و ليحد أحدكم شفرته، و ليرح ذبيحته».

و في آخر (2) «أنه (صلى اللّه عليه و آله) أمر أن تحد الشفار و أن توارى عن البهائم، و قال: إذا ذبح أحدكم فليجهز».

و قد تقدم في كتاب الحج (3) من النصوص ما يستفاد منه وظائف أخر، خصوصا نصوص الأضحية (4) التي وقتها لمن كان بمنى أربعة أيام أولها يوم النحر، و في الأمصار ثلاثة أيام.

و على كل حال فأول وقت ذبح ها أي الأضحية ما بين طلوع الشمس إلى غروبها من كل يوم، فلا تدخل الليالي حينئذ، أو إلى غروبها من آخر أيام التشريق، فتدخل حينئذ، و عن التحرير التردد في ذلك، كما تردد غيره أيضا في ابتداء الوقت أنه من طلوع الشمس أو بعد مضي مقدار صلاة العيد و الخطبتين، و إن جزم هنا في المسالك بدخول الليالي، و كون الوقت بعد مضي مقدار الصلاة و الخطبتين، و تحقيق الحال في كتاب الحج (5).

و تكره الذباحة ليلا إلا مع الضرورة

لنهي النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك، و لقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبان (6) «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع

____________

(1) سنن البيهقي- ج 9 ص 280.

(2) سنن البيهقي- ج 9 ص 280.

(3) راجع ج 19 ص 155 إلى 157 و 223 إلى 225.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح من كتاب الحج.

(5) راجع ج 19 ص 225.

(6) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

135

الفجر»

و «يقول إن اللّه جعل الليل سكنا، قلت: جعلت فداك فان خفنا، قال: إن كنت تخاف الموت فاذبح» (1)

و منه بل و خبر الحلبي (2) الآتي يستفاد استثناء الضرورة بعد أن جعل خوف الموت مثالا لها.

و كذا يكره بالنهار يوم الجمعة إلى الزوال ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي (3) «كان يكره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الذبح و إراقة الدماء يوم الجمعة قبل الصلاة إلا لضرورة».

و كذا يكره أن تنخع الذبيحة بمعنى إصابة نخاعها حين الذبح، و هو الخيط الأبيض وسط الفقار ممتدا من الرقبة إلى عجز الذنب، و في كشف اللثام «أنه اختلف فيه- أى الانخاع- كلام اللغويين، و هو يشمل إبانة الرأس، و في النهاية و الوسيلة و السرائر أنه هي» و على كل حال فقد عرفت سابقا قوة القول بكراهة الإبانة التي إن لم تكن انخاعا فلا ريب في استلزامها الانخاع بمعنييه.

و منه يعلم الوجه في النهي عنه في صحيحي

محمد بن مسلم (4) عن الباقر (عليه السلام) «استقبل بذبيحتك القبلة، و لا تنخعها حتى تموت»

و الحلبي (5) عن الصادق (عليه السلام) «لا تنخع الذبيحة حتى تموت، و ان ماتت فانخعها»

مضافا إلى ما عن المبسوط من نفي الخلاف عن كراهة النخع بمعنى البلوغ إلى النخاع، بل و إلى ما عساه يظهر من سوق بعض النصوص السابقة (6)، و لعله لذا صرح المصنف في النافع بالكراهة فيها

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

136

مع ميلة إلى الحرمة في الإبانة.

و كذا يكره أن تقلب السكين فيذبح إلى فوق ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر حمران (1) المحمول عليها، لقصوره عن إفادة الحرمة: «و لا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم و تقطعه إلى فوق».

و قيل و القائل بعض القدماء فيهما يحرم بل في الرياض خيرته في الأول منهما و لا ريب أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها أصل البراءة، و إطلاق الإذن بالذبح (2) و غير ذلك مما تقدم سابقا في الإبانة التي هي انخاع و زيادة، و نفي الخلاف السابق، و ظهور السوق بعض النصوص (3) و لا معارض لذلك سوى ظاهر النهي (4) المتعارف إرادة الكراهة منه، فيكفي فيه أدنى قرينة.

و من الغريب ما في الرياض من استدلاله على الحرمة بظاهر النهي في الصحيحين (5) قال: «مضافا إلى النهي المتقدم في الصحيح (6) عن الإبانة، و هو يستلزم النخع» و فيه أن استلزامه للنخع لا يقتضي حرمته لو اقتصر عليه، نعم كراهة الإبانة كما عرفت تستلزم كراهة الانخاع، كما هو واضح.

و أغرب من ذلك دعوى الحرمة في الثاني الذي قد عرفت ضعف

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1 و 2 و 3- و غيرها من أبواب الذبائح.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبائح- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

137

الخبر (1) المتضمن للنهي عنه، و لذا حمله المتأخرون كافة على الكراهة، بل لعله مراد من عبر بالنهي من القدماء.

و أغرب من ذلك ما عن الغنية من حرمة الذبيحة به أيضا مدعيا عليه إجماع الطائفة، مع أنا لم نعثر على موافق له على ذلك، و ليس في الخبر المزبور إلا النهي عنه، و هو أعم من ذلك.

و منه يعلم القول بها في الأول على القول بحرمته، اللهم إلا أن يدعى أن ذلك من كيفية الذبح، فتخرج بمخالفتها عن الذبح الشرعي، لكنها كما ترى، و كذا غيرها من التعسفات التي لا يخرج بها عن إطلاق ما دل (2) على حصول التذكية بقطع الأوداج الأربعة فضلا عما عرفت، و اللّه العالم.

و كذا يكره أن يذبح حيوان و آخر ينظر إليه ل

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر غياث بن إبراهيم (3) القاصر عن إثبات الحرمة: «لا تذبح الشاة عند الشاة و لا الجزور عند الجزور و هو ينظر إليه»

و لعله المحكي

عنه (عليه السلام) من أنه «كان لا يذبح الشاة عند الشاة، و لا الجزور عند الجزور و هو ينظر إليه»

و من هنا حملهما المتأخرون على الكراهة، بل لا دلالة فيهما على غير المجانس، إلا أن أمر الكراهة مما يتسامح فيه، فما عن ظاهر النهاية من الحرمة واضح الضعف، و لعله لا يريدها، نعم في كشف اللثام «إلا أن يدخل ذلك في تعذيب الناظر، فيتجه التحريم، و ليس ببعيد» و فيه أنه في كمال البعد.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

138

و كذا يكره أن يذبح بيده ما رباه من النعم للنهي عنه في الخبر (1) المحمول على الكراهة، لقصور السند، و لأنه ربما يورث قساوة القلب، إلى غير ذلك من الوظائف المستفادة من بعض النصوص السابقة و غيرها، كما أرسله في المسالك على ما سمعته سابقا، و اللّه العالم.

[أما اللواحق]

و أما اللواحق فمسائل:

[المسألة الأولى ما يباع في أسواق المسلمين من الذبائح و اللحوم يجوز شراؤه]

الأولى:

ما يباع في أسواق المسلمين من الذبائح و اللحوم و الجلود يجوز شراؤه، و لا يلزم الفحص عن حاله أنه جامع لشرائط الحل أو لا، بل لا يستحب، بل لعله مكروه، للنهي عنه في حسن الفضلاء (2) «سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الأسواق و لا يدرون ما صنع القصابون، قال: كل إذا كان ذلك في أسواق المسلمين، و لا تسأل عنه»

و إن كان هو في مقام رفع توهم الوجوب، نحو

صحيح أحمد ابن أبي نصر (3) عن الرضا (عليه السلام) سأله «عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أ ذكي هو أم لا ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلى فيه؟ قال: نعم، إنا نشتري الخف من السوق و يصنع لي و أصلي فيه، و ليس عليكم المسألة»

و صحيحه الآخر (4) أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 6 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

139

«سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فرو لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكية أ يصلي فيها؟ قال: نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم فضيق اللّه عليهم».

قلت: و ظاهرها عدم الفرق بين (في ظ ل) ما يأخذ من السوق بين معلوم الإسلام و مجهوله و بين مستحل ذبائح أهل الكتاب من المسلمين و غيره، فما عن التحرير من اعتبار كون المسلم ممن لا يستحل ذبائح أهل الكتاب واضح الضعف، خصوصا بعد اشتهار الجواز بين المخالفين الذي كان في ذلك الزمان لا يعرف سوق إلا لهم، و مورد النصوص الأخذ منهم، هذا و قد تقدم في لباس المصلي (1) تفصيل الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه.

بل مما ذكرناه هناك من خبر السفرة (2) و غيرها يستفاد الحكم في الجلد المطروح و اللحم كذلك في أرض المسلمين و إن لم يكن سوقهم.

و في المسالك هنا «و اعلم أنه ليس في كلام الأصحاب ما يعرف به سوق الإسلام من غيره، فكان الرجوع فيه إلى العرف، و في موثق إسحاق (3) عن الصادق (عليه السلام) إنه قال: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت له: و إن كان فيها غير أهل الإسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس»

- ثم قال-: و على هذا ينبغي أن يكون العمل، و هو غير مناف للعرف

____________

(1) راجع ج 8 ص 53- 62.

(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 11 من كتاب الطهارة،.

(3) الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 5 من كتاب الطهارة، عن العبد الصالح (عليه السلام) كما في التهذيب ج 2 ص 368 و في المسالك عن الكاظم (عليه السلام).

140

أيضا، فيتميز سوق الإسلام بأغلبية المسلمين فيه، سواء كان حاكمهم مسلما أو لا، و حكمهم نافذا أم لا، عملا بالعموم».

و فيه أنه قد لا يساعد العرف على بعض الأفراد، و لكن دعوى عدم اعتبار السوق أولى، فلاحظ ما تقدم منا في لباس المصلي (1) و تأمل، و اللّه العالم.

[المسألة الثانية كل ما يتعذر ذبحه أو نحره جاز أن يعقر بالسيوف أو غيرها مما يجرح]

المسألة الثانية:

كل ما يتعذر ذبحه أو نحره من الحيوان إما لاستعصائه أو لحصوله في موضع لا يتمكن المذكي من الوصول إلى موضع الذكاة منه و خيف فوته جاز أن يعقر بالسيوف أو غيرها مما يجرح، و يحل و إن لم يصادف العقر موضع التذكية و لم يحصل الاستقبال، كما قدمنا الكلام في ذلك مفصلا (2).

و ربما ظهر من بعض هنا المفروغية من جواز عقره بالكلب، لصيرورته حينئذ بذلك كالصيد، و قد تقدم الاشكال منا في ذلك بالنسبة إلى خصوص المتردي، نعم ظاهر النص (3) بل و الفتوى عدم الفرق بين خوف الفوت و عدمه، و لو تمكن من بعض أعضاء الذبح فالأولى مراعاته، و اللّه العالم.

____________

(1) راجع ج 8 ص 52- 54.

(2) في ص 48- 54.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح.

141

[المسألة الثالثة إذا قطعت رقبة الذبيحة من القفا و بقيت أعضاء الذباحة فإن كانت حياتها مستقرة ذبحت و حلت بالذبح]

المسألة الثالثة:

إذا قطعت رقبة الذبيحة من القفا مثلا و بقيت أعضاء الذباحة فإن كانت حياتها مستقرة ذبحت و حلت بالذبح و إلا كانت ميتة، و معنى المستقرة كما في التحرير و القواعد و الإرشاد التي يمكن أن يعيش مثلها اليوم و الأيام، و كذا لو عقرها السبع مثلا و لو كانت الحياة غير مستقرة- و هي التي يقضى بموتها عاجلا- لم تحل بالذباحة، لأن حركتها كحركة المذبوح.

و بالجملة فمدار موضوع المسألة و ما شاكلها على اعتبار استقرار الحياة في الحل بالذبح أو النحر، كما عن الشيخ في الخلاف و المبسوط و ابني حمزة و إدريس و الفاضل و ولده و الشهيد في اللمعة و غاية المراد و السيوري في كنز العرفان و الصيمري في تلخيص الخلاف و المقدس الأردبيلي و الفاضل الأسترابادي و الجواد الكاظمي في آيات الأحكام، بل عن الصيمري نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل في الروضة نسبته إليهم.

بل لعله ظاهر المرتضى و الطبرسي، إذ الأول في المسائل الناصرية بعد أن حكى فيها عن الناصر تحريم ما ذبح و هو يكيد بنفسه قال: «هذا صحيح، و الحجة فيه أن الذي يكيد بنفسه من الحيوان يدخل في عموم ما حرم اللّه من الموقوذة، لأن الموقوذة هي التي قد اشتد جهدها و تعاظم ألمها، و لا فرق فيه بين أن يكون ذلك من ضرب لها أو من آلام يفعلها اللّه تعالى بها يفضي إلى موتها، و إذا دخلت في عموم هذه اللفظة كانت محرمة بحكم الظاهر». و الثاني منهما قال في مجمع البيان: «و التذكية فرى الأوداج و الحلقوم لما فيه حياة، و لا يكون بحكم الميت».

142

نعم ظاهر أكثر القدماء كالاسكافي و الصدوق و الشيخ في النهاية و بني حمزة و البراج و زهرة و أبي الصلاح و سلار و الطبرسي في جامع الجوامع بل و جملة من المتأخرين كالمحقق في النافع و العلامة في التبصرة و الشهيد في الدروس و الصيمري في غاية المرام و ثاني الشهيدين في المسالك بل هو صريح بعضهم كيحيى بن سعيد في الجامع و ثاني الشهيدين في الروضة الاكتفاء في حل الذبيحة بالحركة وحدها أو مع خروج الدم المعتدل، جمعا أو تخييرا من غير اعتبار استقرار الحياة بالمعنى المزبور، كما صرح به الأردبيلي في المجمع و الخراساني و الكاشاني و المجلسي و العلامة الطباطبائي و الفاضل النراقى و غيرهم من متأخري المتأخرين.

بل عن المبسوط الذي قد عرفت اشتراطه لاستقرار الحياة «قال أصحابنا: إن أقل ما يلحق معه الذكاة أن تجده تطرف عينه أو تركض رجله أو يحرك ذنبه، فإنه إذا وجده كذلك و لم يذكه لم يحل أكله» بل عنه

«روى أصحابنا «أن أقل ما يلحق معه الذكاة أن تجد ذنبه يتحرك أو رجله تركض»

محتجا بذلك على تحريم الصيد إذا أدركه و هو مستقر الحياة و لم يتسع الزمان لذبحه، قال: «و هذا أكثر من ذلك».

ثم إن القائلين باعتبار الاستقرار قد اختلفت عباراتهم، ففي المتن و غيره ما سمعته، و إليه يرجع ما عن المبسوط من أنه الذي يمكن أن يعيش يوما أو نصف يوم، كما عن الفاضل في التلخيص و ولده في الإيضاح و الصيمري في تلخيص الخلاف، بل عزاه فيه إلى المشهور، و احتاط به المقداد في التنقيح، و في محكي الخلاف «أن يتحرك حركة قوية، فان لم يكن فيه حركة قوية لم يحل أكلها، لأنها ميتة» و عن ابن إدريس «و علامتها أن تتحرك حركة قوية، و مثلها يعيش اليوم و اليومين» و كأنه أشار بذلك إلى اتحاد ما سمعته من المبسوط و الخلاف.

143

و حكى العلامة و الشهيد و المقداد عن ابن حمزة «أن أدنى الاستقرار أن تطرف عينه أو تركض رجله أو يحرك ذنبه» و الذي عثرنا عليه من كلامه في الوسيلة في الصيد «أن ما صاده الكلب و أدركه صاحبه لم يخل إما أن يدركه و فيه حياة مستقرة أو غير مستقرة أو يدركه ممتنعا، فالأول إن اتسع الزمان لذبحه لم يحل إلا بعد الذكاة، و يعرف ذلك بأن يحرك ذنبه أو تركض رجله أو عينه تطرف» و المشار اليه بقوله: «و يعرف ذلك» كما يحتمل الاستقرار يحتمل الاتساع، فلا يتعين أن يكون تفسيرا للأول، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي الظاهر الثاني، لوقوع الكلام في حيزه و كونه المستفاد من النص (1) الوارد فيه، و لأن المفهوم من كلامه في موضع آخر أن غير المستقر ما كان بحكم المذبوح، و معلوم أن الحركة يوجد في المذبوح، فلا يصح تفسير الاستقرار بها، و لو فسر بها فالمراد الحركة القوية، كما قاله الشيخ، فلا يكون تفسيرا آخر للاستقرار.

و أما التفسيرات الباقية فهي تقريبية متقاربة، بل متوافقة في الحقيقة فإن ذات الحركة القوية من شأنها إمكان البقاء يوما أو نصف يوم، بل و يومين، كما يفهم من كلام ابن إدريس السابق، و حينئذ فيرتفع الخلاف في معنى الاستقرار، و يبقى الكلام في اشتراطه و عدمه.

نعم ربما فسره بعض الناس بالذي لم يأخذ في النزع، مدعيا أنه هو الذي يمكن أن يعيش المدة المزبورة بخلاف من أخذ فيه، و إليه يرجع ما ذكره بعض آخر من أن غير المستقر هو الذي حركته حركة المذبوح، كمأخوذ الحشوة و نحوه مما يكون قاتلا كالذبح، و المستقر بخلافه.

و على كل حال فموضع النزاع ما علم كونه غير مستقر الحياة، فإنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

144

قابل للتذكية على النفي مع فرض حصول الحركة منه و الدم أو أحدهما غير قابل لها على الإثبات و إن حصلت الحركة و الدم.

أما المشتبه فمقتضى اشتراط استقرار الحياة حرمته، لأن الشك في الشرط شك في المشروط، لكن ظاهرهم الاتفاق على الرجوع إلى العلامة الواردة لحل الذبيحة من الحركة و خروج الدم المعتدل، كما اعترف به العلامة الطباطبائي.

قال العلامة في التحرير: «و إذا تيقن بقاء الحياة بعد الذبح فهو حلال، و إن تيقن الموت قبله فهو حرام، و إن اشتبه اعتبر بالحركة القوية و خروج الدم المسفوح المعتدل لا المتثاقل، فان لم يعلم ذلك حرم».

و في القواعد «و إذا علم بقاء الحياة بعد الذبح فهو حلال، و إن علم الموت قبله فهو حرام، و إن اشتبه الحال كالمشرف على الموت اعتبر بخروج الدم المعتدل أو حركة تدل على استقرار الحياة، فإن حصل أحدهما حل و إلا كان حراما».

و في الإرشاد «و المشرف على الموت إن عرف أن حركته حركة المذبوح حرم، و إن ظن أنها حركة مستقر الحياة حل، و إن اشتبه و لم يخرج الدم المعتدل حرم».

و قال الشهيد في اللمعة بعد اشتراط أحد الأمرين من الحركة و خروج الدم المعتدل في الحل: «و لو علم عدم استقرار الحياة حرم».

و في الدروس «و لو ذبح المشرف على الموت كالنطيحة و الموقوذة و المتردية و أكيل السبع و ما ذبح من قفاه اعتبر في حله استقرار الحياة، فلو علم موته قطعا في الحال حرم عند جماعة، و لو علم بقاء الحياة فهو حلال، و لو اشتبه اعتبر بالحركة و خروج الدم».

و قال الصيمري في غاية المرام: «إذا ذبح المشرف على الموت

145

كالنطيحة و المتردية و الموقوذة و أكيل السبع و ما ذبح من قفاه اعتبر في حله استقرار الحياة، فلو علم موته قطعا في الحال حرم عند أكثر المتأخرين، و إن علم بقاؤه فهو حلال، و إن اشتبه اعتبر بالحركة المعتبرة عند الذبح و خروج الدم المعتدل أو هما على الخلاف».

و قال الشهيد الثاني في المسالك: «و اعلم أنه على القول باعتبار استقرار الحياة و عدمه فالمرجع فيه إلى قرائن الأحوال المفيدة للظن الغالب بأحدهما، فإن ظهر به أحدهما عمل عليه، و إن اشتبه الحال رجع إلى الحركة بعد الذبح أو خروج الدم المعتدل على ما تقدم تقريره» إلى غير ذلك من كلماتهم المقتضية حل المشتبه مع تحقق العلامة، لكونها دالة على الاستقرار.

فيتجه أن يقال: إنها إذا كانت دليلا على الاستقرار جاز الاكتفاء بها، إذ يمتنع فرض وجودها مع العلم بانتفائه، و اللازم من ذلك سقوط اعتبار هذا الشرط، فإن فائدته إنما تظهر فيما علم عدم استقراره مع وجود العلامة المقررة، إذ مع انتفائها يثبت التحريم على القولين، أما على القول باشتراط الاستقرار فلانتفاء الشرط، و أما على القول بعدمه فلاناطة الحل عندهم بوجود العلامة، و المفروض انتفاؤها.

و دعوى إمكان الجواب عن ذلك- بأن العلامة المذكورة لا توجب القطع باستقرار الحياة، بل هي أمارة ظنية يحصل منها الظن به فلا يلتفت إليها مع العلم بعدم الاستقرار، لأن الظن لا يعارض القطع، أما مع الاشتباه فلا مانع من اعتبار ما يفيد الظن- يدفعها ظهور الأدلة في التلازم بين وجودها و بين الحياة الكافية في الحل، فيمتنع حينئذ فرض وجودها مع العلم بانتفائها كما ذكرناه أولا، و اعترف به المجيب المزبور.

و منه يعلم ما في كلامه متصلا بما ذكره من الجواب المزبور- قال:

146

«و لقائل أن يقول: إن مقتضى ما ذكره العلامة في الإرشاد و الشهيد الثاني الاكتفاء بالظن في هذا الشرط، فيجب الاكتفاء بهذه العلامة، لإفادتها الظن بالاستقرار» ثم أجاب عنه بأنه بعد تسليم الاكتفاء بالظن أن الظن إنما يكتفى به مع انتفاء المعارض، و هو هنا متحقق، فان المفروض عدم الاستقرار، و يمتنع فرضه بدون العلم أو الظن بالانتفاء، فلم يسلم الظن الحاصل من الأمارة في هذا الفرض، بخلاف صورة الاشتباه- إذ قد عرفت أنه لا وقع لهذا الكلام من أصله بعد ظهور الأدلة في التلازم المزبور بينهما على وجه لا يمكن فرض وجود العلامة مع العلم بانتفاء الحياة الكافية في الحل، و ليس في كلامهما أن العلامتين المزبورتين من أمارتي الظن، بل ظاهرهما أن ذلك أمر شرعي، و لعله كذلك، ضرورة أنه لا دليل في الحركة و خروج الدم على استقرار الحياة بالمعنى الذي ذكروه بوجه من الوجوه، فليس حينئذ إلا التعبد الشرعي الذي لم يلحظ فيه الظن و لا غيره، و لم يلحظ فيه قرار الحياة بالمعنى الذي ذكروه و لا غير ذلك كما هو واضح.

فحينئذ متى حصل العلامتان حكم بالحل على وجه يمتنع فرض وجودهما مع الحرمة لعدم استقرار الحياة، كما أنه لا يمكن العلم بالبقاء مع فرض انتفائهما، كما اعترف به المجيب المزبور، قال: «إن المستفاد مما قالوه عدم اعتبار العلامة مع العلم بالاستقرار، و وجهه أن العلامة إنما اعتبرت للدلالة على الاستقرار، فمع فرض العلم يسقط اعتبارها، لا يقال: أقصى ما يلزم من العلم بالاستقرار كون الحياة ممكن البقاء مدة طويلة، و ليس كل ممكن بواقع، فيجوز أن يكون ممكن البقاء ثم يعرض له بعد لحظة ما يزيل حياته، فلا بد من رعاية العلامة الدالة على البقاء، لأنا نقول: المراد العلم ببقاء الحياة المستقرة حال الذبح بحيث يعلم استناد الموت إلى التذكية، و مع ذلك فلا حاجة إلى العلامة، نعم

147

لو كان المراد العلم بالاستقرار قبل الذبح اتجه اعتبار العلامة للعلم بالبقاء، لكن فرض العلم بهذا الوجه لا ينفك عن وجود العلامة، فلا بأس بطردها فيه، نظرا إلى التلازم بينها و بين فرض الاستقرار حال التذكية، و إن لم يكن محتاجا إليها في الحكم بالحل، و الأمر في ذلك بين» إلى آخره.

و كيف كان فقد ظهر لك أن الفائدة في اشتراط الاستقرار لا تظهر إلا مع فرض العلم بعدمه مع وجود العلامة المزبورة، و قد عرفت امتناعه، فلا فائدة، و مع تسليمه فلا ريب أن ظاهر الكتاب (1) و السنة الحل، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (2) أو القطع بذلك منها، خصوصا بعد ملاحظة غير نصوص الحركة التي ذكرناها آنفا.

كبعض الأخبار (3) الواردة فيما أخذته الحبالة، و أنها إذا قطعت منه شيئا لا يؤكل و ما يدرك من سائر جسده حيا يذكى و يؤكل، فإنه إن لم يكن الغالب في المأخوذ بالحبالة المنقطع بعض أجزائه الحياة الغير المستقرة فلا شك في تناوله لها.

و كالأخبار (4) الواردة في وجوب ذبح ما يدرك حياته من الصيود الشاملة لغير المستقر إن لم تكن ظاهرة فيه، خصوصا

خبر أبي بصير (5) منها المتضمن لقوله (عليه السلام): «فان عجل عليك فمات قبل أن تذكيه فكل»

فان التعجيل مشعر بعدم كونه مستقر الحياة، نحو خبره الآخر (6) الوارد في البعير الممتنع المضروب بالسيف أو الرمح بعد

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(2) الوسائل- الباب- 1 و 2 و 3 و 4- و غيرها من أبواب الذبائح.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الصيد.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

148

التسمية، ل

قوله (عليه السلام) فيه: «فكل إلا أن تدركه و لم يمت بعد فذكه».

و كالأخبار (1) الواردة فيما قطع بالسيف و نحوه قطعتين المجوزة لأكل الأكثر أو ما يلي الرأس أو المتحرك من القطعتين بعد الذبح، إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في عدم اعتبار الاستقرار زيادة على ما سمعته من النصوص الظاهرة في الاكتفاء بوجود أصل الحياة الذي يدل عليه مع الاشتباه الحركة المزبورة و خروج الدم المعتدل.

بل في البحار «الظاهر أن هذا- أي اعتبار الاستقرار- مأخوذ من المخالفين، و ليس في أخبارنا منه عين و لا أثر».

قلت: بل الموجود فيها خلافه، بل قد يستفاد منها حل من (ما ظ) كانت حركته كحركة المذبوح بعد فرض صدق اسم الحياة عليه و بقاء أعضاء الذباحة، و من ذلك ما لو ذبح الإبل ثم نحرها أو نحر الغنم ثم ذبحها الذي صرح الشيخ و غيره بالحل، لإطلاق الأدلة، و من حرم بناه على اعتبار استقرار الحياة الذي قد عرفت عدم الدليل عليه.

و من ذلك يظهر لك ما في كلام الأردبيلي و غيره، قال بعد إيراد ما سمعته من عبارة الدروس في المشرف: «لا يخفى الاجمال و الاغلاق في هذه المسألة، و الذي هو معلوم أنه إذا صار الحيوان الذي يجري فيه الذبح بحيث علم أو ظن على الظاهر موته- أي أنه ميت بالفعل و أن حركته حركة المذبوح، مثل حركة الشاة بعد إخراج حشوها و ذبحها و قطع أعضائها و الطير كذلك- فهو ميتة لا ينفعه الذبح، و إن علم عدمه فهو حي يقبل التذكية، و يصير بها طاهرا، و يجري فيه أحكام المذبوح، و الظاهر أنه كذلك و إن علم أنه يموت في الحال و الساعة، لعموم الأدلة التي تقتضي

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد.

149

ذبح ذي الحياة، فإنه حي مقتول بالذبح و مذبوح بالذبح الشرعي، و لا يؤثر في ذلك أنه لو لم يذبح لمات سريعا أو بعد ساعة. فما في الدروس «فلو علم موته» إلى آخره محل التأمل، فإنه يفهم منه أن المدار على قلة الزمان و كثرته، فتأمل. و بالجملة ينبغي أن يكون المدار على الحياة و عدمها لا طول زمانها و عدمه لما مر، فافهم. و أما إذا اشتبه حاله و لم يعلم موته بالفعل و لا حياته، و أن حركته حركة المذبوح أو حركته حركة ذي الحياة فيمكن الحكم بالحل للاستصحاب، و التحريم للقاعدة السالفة» ثم أجرى فيه اعتبار الحركة و الدم كما ذكرناه.

إذ لا يخفى عليك ما فيه من أنه إن أراد بالحركة المزبورة حركة التقلص التي قد تكون في اللحم المسلوخ و نحوه فلا شبهة في أنه لا عبرة بها، لأنه قد زالت عنه الحياة.

و إن أراد بها الحركة التي تكون بعد فري الأوداج و شبهه و هي التي تسمى في العرف بحركة المذبوح كما هو الظاهر من كلامه- خصوصا و قد قال بعد ما نقل وجه الحل: «فتأمل، لأن الحكم بالحل بعد قطع الأعضاء المهلك مشكل، فإنه بعد ذلك في حكم الميت، و الاعتبار بتلك الحركة و الدم مشكل، فان مثلهما لا يدل على الحياة الموجبة للحل، فلا ينبغي جعلهما دليلا، و التحقيق ما أشرنا إليه» إلى آخره- ففيه أن عدم قبول التذكية أول الكلام، إذ لا شك في عدم مفارقة الروح بعد، كمن كان في النزع و بلغت روحه حلقومه، فإنه لا يحكم عليه بالموت و إن علم أنه لا يعيش ساعة بل عشرها.

بل مقتضى العمومات و النصوص (1) المزبورة حل مثله، بل يمكن دعوى ظهور جملة من النصوص المزبورة خصوصا الوارد منها في

____________

(1) الوسائل- الباب- 11 و 12- من أبواب الذبائح.

150

الصيد الذي يعجل موته (1) مؤيدا ذلك بالسيرة المستمرة، خصوصا في مثل الصيد بالآلة المسماة بالتفقة، فان الغالب فيما يصاد بها من الطير تكون حركته حركة المذبوح عند ما يدركه الصائد لأن يذكيه.

كل ذلك مع عدم دليل معتد به للقول باستقرار الحياة بالمعنى الذي ذكروه عدا ما قيل من أن غير مستقر الحياة بمنزلة الميت، و من أن استناد موته إلى الذبح ليس بأولى من استناده إلى السبب الموجب لعدم استقرارها، بل السابق أولى، فيكون هلاكه به، و يكون ميتة، على أن الأصل الحرمة بعد انسياق غير المفروض من إطلاق الكتاب (2) و السنة (3).

و الجميع كما ترى، إذ الأول مجرد دعوى لا شاهد لها، بل الشاهد على خلافها متحقق، بل الثاني كذلك، ضرورة اقتضاء الأدلة كون ذبح الحي سببا في الحل و إن حصل سبب آخر بعد الذبح،

قال أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (4): «و إن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء أو من فوق بيتك إذا كنت قد أجدت الذبح فكل».

و لا ينافي ذلك

خبر حمران (5) عنه (عليه السلام) أيضا، قال:

«سألته عن الذبح، فقال: إن تردى في جب أو وهدة من الأرض فلا تأكل و لا تطعم، فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح»

بعد أن لم نجد العامل به ممن يعتد بقوله.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(3) الوسائل- الباب- 1 و 2 و 3 و 4- و غيرها من أبواب الذبائح.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبائح- الحديث 2.

151

كما لا ينافي ذلك ما تقدم في الصيد من اعتبار العلم باستناد الموت إلى السبب الحاصل من الصيد، فمتى شك في اشتراك غيره معه لم يحل، فضلا عن الظن و العلم، لإمكان الفرق بينهما بعدم العلم بحصول السبب المقتضي لعدم استقرار الحياة في الصيد بخلافه في الذبح، و إلا فلو علم أن آلة الصيد قد جعلت حياته غير مستقرة و صار كالذبح في المذبوح لم يضر اشتراك سبب آخر معه.

و من ذلك يظهر لك ما في جواب بعضهم عن ذلك بأن ثبوته في الاصطياد لا يستلزم ثبوته في الذبح أيضا، لإمكان كون التذكية الصيدية هي ما تخرج روحه بالاصطياد، و ليس غيره اصطيادا، و لا كذلك التذكية الذبيحة المعتبر فيها قطع الأوداج مع الحياة و إن مات بعد ذلك بسبب آخر معها، إذ قد عرفت عدم الفرق بينهما في ذلك، إلا أن التذكية الذبيحة توجب العلم بعدم استقرار حياة المذبوح بعد الذبح بخلاف التذكية الصيدية، و مع فرض كونها كذلك لا فرق بينهما في الحكم، كما هو واضح.

هذا و قد ذكر بعض الناس أن الذي خلط الأمر في هذا المقام هو ما تقدم في مسألة تذكية الصيد المدرك ذكاته من أن المراد بعدم استقرار الحياة صيرورتها في شرف الزوال و شروعها في الخروج، و لا يبعد أن يكون ذلك مرادهم من قولهم: «لا يمكن أن يعيش اليوم و الأيام» فإنه ما لم يشرع بالخروج لا يمكن الحكم بعدم الإمكان، و الصيد الذي صار كذلك بالاصطياد يصدق عليه أنه مقتول الآلة، سيما إذا ترك حتى خرج تمام روحه، و من يحكم بلزوم الذبح حينئذ فليس نظره إلا إلى بعض الأخبار كما مر، و من لم يعتبر هذه الأخبار حكم بعدم لزوم الذبح حينئذ، و اشترط في لزومه استقرار حياة الصيد، لما عرفت. فاختلط الأمر، و آل إلى التعدي إلى الذبيحة من غير استبصار.

152

و لا يخفى عليك أنه لا حاصل له، ضرورة عدم الفرق بين الذبيحة و الصيد في ذلك، بل النصوص (1) في الأولى ظاهرة في وقوع الذبح على المشرف، و على المتشاغل في النزع أظهر منها (2) في الصيد بالنسبة إلى ذلك، كما هو واضح.

و بذلك كله ظهر لك صحة تذكية الحيوان و إن كان مشرفا على الموت بسبب آخر غير الذبح على وجه أثر فيه كالذبح، بحيث جعل حياته غير مستقرة، لإطلاق الأدلة و عمومها و خصوص النصوص (3) المزبورة، نعم يشترط فيه الحركة بعد الذبح و خروج الدم حتى يعلم أنه قد ذبح حيا و أنه قد زهقت روحه بعد الذبح.

فإن أرادوا باستقرار الحياة هذا المعنى فمرحبا بالوفاق، كما عساه يومئ إليه ما ذكره الكركي في حاشية الكتاب من أنه «يعلم- أي استقرار الحياة الذي ذكره المصنف- بالحركة المعتدلة أو الدم المعتدل عند الاشتباه» انتهى. و يكون المراد حينئذ باستقرار الحياة أصل قرارها، أي ثبوتها لا أمر زائد، كما

أومأ (عليه السلام) إليه بقوله (4): «إذا شككت في حياة الشاة»

التي هي العنوان في جملة من نصوص الصيد (5) حيث

قال (عليه السلام) فيها: «فإن أدركته حيا فذكه»

و إلا فلا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه.

و من ذلك كله ظهر لك وجه النظر فيما حكيناه عن الرياض سابقا من تفسير استقرار الحياة بما عرفت.

____________

(1) الوسائل- الباب- 10 و 11 و 19- من أبواب الذبائح.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد و الباب- 10 و 11 و 19- من أبواب الذبائح.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبائح- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

153

بقي شيء: و هو ما يكثر السؤال عنه في زماننا هذا، و هو أن الذابح لو فرض خطاؤه بذبحه بسبب عدم قطع الأوداج من محل الذبح ثم أراد تدارك ذلك بأن يقطعها بعد القطع و الفرض بقاء الحيوان حيا لكنه حياة مذبوح مقتضى ما ذكرناه الحل من حيث حصول الحياة و إن لم تكن مستقرة بالمعنى الذي ذكروه، نعم قد يشك فيه من حيث عدم حصول قطع الأوداج معلقة بمحلها، و لا أقل من الشك باعتبار انسياق التذكية لغيره و الأصل عدمها، و لا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى، و اللّه العالم.

[المسألة الرابعة إذا نذر أضحية معينة زال ملكه عنها]

المسألة الرابعة:

إذا نذر أضحية معينة زال ملكه عنها و كانت أمانة في يده للمساكين بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في كشف اللثام إجماعا كما في الخلاف إلا عن بعض العامة، و لعله الحجة، مضافا إلى

المرسل (1) و إن لم أجده في طرقنا «إن رجلا قال للنبي (صلى اللّه عليه و آله):

يا رسول اللّه إني أوجبت على نفسي بدنة و هي تطلب مني بنوق، فقال:

انحرها و لا تبعها و لو طلبت بمأة بعير»

بناء على إرادة الكناية عن عدم الملك بالنهي عن البيع.

____________

(1) لم نعثر على هذه الرواية بنصها و قد ذكرها الشهيد (قده) في المسالك، نعم روى البيهقي قريبا منها في سننه ج 9 ص 288.

154

و كذا

المرسل عن علي (عليه السلام) (1) «من عين أضحية فلا يستبدل بها».

و مرسل أبي سعيد الخدري (2) الآتي، و لاستلزام النذر- بعد انعقاده لوجود المقتضي له باعتبار كون الأضحية طاعة- صيرورتها أضحية متعينة للذبح و التفرقة على الوجه المطلوب منها شرعا المنافي لبقاء الملكية على ما في المسالك، و إن كان فيه ما فيه.

و حينئذ فلا ينفذ تصرفه فيها ببيع و لا هبة و لا إبدالها بمثلها و لا بخير منها، بل لعل نفس إنشاء تعيينها أضحية يقتضي ذلك، بل عن الشيخ تتعين بالنية حال الشراء و إن لم يتلفظ و لم يشعر و لم يقلد.

و في الدروس «و لو كانت في ملكه تعينت بقوله: جعلتها أضحية، فيزول ملكه عنها، و ليس له إبدالها، و إن أتلفها أو فرط فيها فتلفت فعليه قيمتها يوم التلف، و إن أتلفها غيره فعليه أرفع القيم عند الشيخ، فيشتري به غيرها، و لو أمكن شراء أكثر من واحدة بقيمتها فعل و لو كان جزءا من أخرى، و لو قصر عن واحدة كفاه شقص، و لو عجز عن شقص تصدق به، و لو وجد بها عيبا بعد التعيين لا يردها، و يصنع بالأرش ما ذكرناه، و لو عابت بعد القبض نحرها على ما بها، و لو تلفت أو ضلت بغير تفريط لم يضمن، فان عادت ذبحها أداء، و إن كان بعد الأيام ذبحها قضاء، و لو ذبحها غيره عنه أجزأه، و في وجوب الأرش

____________

(1) لم نعثر على هذا المرسل في كتب الأخبار مع التتبع التام في مظانه، و قد قال العلامة (قده) في المنتهى في كتاب الحج- بحث الضحايا- (المجلد الثاني ص 760):

«مسألة: إذا عين الأضحية. احتج الشافعي بما

روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: من عين أضحية فلا يستبدل بها.»

و تعرض له الشهيد الأول (قده) في غاية المراد في كتاب الحج كما سيذكر عبارته قريبا في الجواهر.

(2) سنن البيهقي- ج 9 ص 289.

155

هنا بعد، فان قلنا به تصدق به إن لم يمكن الشراء به».

و في الإرشاد «إذا نذر أضحية زال ملكه عنها، و إن تلفت بتفريط ضمن و إلا فلا، و لو عابت من غير تفريط نحرها على ما بها، و لو ذبحها غيره و لم ينو عن المالك لم يجز عنه، و إن نوى عنه أجزأ، و لا يسقط استحباب الأكل من المنذورة، و يتعين بقوله: جعلت هذه الشاة أضحية، و لو قال: لله علي التضحية بهذه تعينت، و لو أطلق ثم قال: هذه عن نذري ففي التعيين إشكال».

و في غاية المراد «يفهم من التعيين أمران: أحدهما وجوب ذبح المعينة ما دامت سليمة، الثاني البراءة من النذر لو تلفت، و الشيخ في المبسوط أراد الأول و أفتى بالتعيين، لما

روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: «من عين أضحية فلا يستبدل بها»

و لأنه لا يقصر عن سياق الهدي المقتضي لتعينه للذبح و لو لم يتقدم نذر، و يحتمل عدم التعيين، لما روي (1) أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) شرك عليا (عليه السلام) في هداياه، و التشريك إنما يكون بالنقل، و لأصالة البقاء على الإطلاق، و في الوجهين نظر، أما الأول فلجواز أن يراد به المنذور المعين، و الحمل على السياق قياس، و أما الثاني فيمكن سبق قصد علي (عليه السلام) إن ثبت كونه من صورة النزاع، و يمكن أن يقال: إنه إن قرنها بنسك عاقدا بها تعينت بالمعنى الأول لا الثاني، و كذا إن عقد بالتلبية و ساقها في حج القران، و يستثنى هاتان الصورتان من الاشكال، و يتجه فيما عداهما، و أما المعنى الثاني فيحتمل كتعيين الزكاة، و هو ضعيف، لاشتغال الذمة بالأضحية، فلا يبرأ إلا بها».

قلت: هو قوي بناء على تعين الأضحية بالتعيين بدون نذر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 4 و 14 و 25 و 32.

156

ضرورة أولويته من ذلك، فهو حينئذ كالدين الذي يكون وليا عليه، و مع فرض التعيين لا إشكال في البراءة، و كان اتفاقهم هنا على التعين بالتعيين بنذر مثلا أو بإنشائه لكونها قسما من الهدي الذي حكمه كذلك، و لعله لأن الأمر بها مالي مطلق، فأشبه الدين و الفرض كون الخطاب له، فيكون حينئذ له ولاية التعيين، فإذا عينها في فرد تعين من دون نذر أو يمين أو عهد فضلا عن النذر.

و من الغريب ما حكاه في المسالك عن بعض من عدم زوال ملكه عنها في مفروض المسألة حتى يذبح و يتصدق باللحم، و له بيعها و إبدالها، كما لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد، فإنه لا يزول ملكه عنه إلا بإعتاقه و لعله أراد بعض العامة، و قد رده بأنه قد أشرنا إلى الفرق بين الأمرين في هذا و نظائره فيما سلف، فان نذر الأضحية يقتضي صيرورتها حقا لمن يستحق لحمها، كما لو نذر أن يكون ذلك الحيوان صدقة، بخلاف ما لو نذر أن يعتق أو يتصدق، فان المستحق عليه هو إيقاع العتق على ماله أو الصدقة به، فالمنذور ليس هو المال، بل الصيغة الواقعة عليه، فلا يخرج عن ملكه بدونها.

و فيه- بعد الإغضاء عن وجه الفرق بين نذر الحيوان صدقة و بين نذر أن يتصدق به المبني على صحة نذر نتيجة السبب، و قد عرفت ما فيه في كتاب العتق- أن ظاهره الموافقة على جواز بيع العبد المخصوص المنذور عتقه، و هو واضح المنع، و قد تقدم الكلام فيه سابقا.

كما أنه قد يظهر من كلامه أن المقام من نذر النتيجة الذي قد تقدم منا في كتاب العتق أن الأقوى عدمه، لظهور أدلة النذر في كونه من الملزمات، لا أنه سبب يقوم مقام العتق و الطلاق و النكاح و البيع و الإجارة و غيرها مما كان ظاهر أدلته توقفه على إنشاء مخصوص و صيغة مخصوصة.

و على كل حال فليس المقام منه قطعا، و لذا كان مجمعا عليه هنا