جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
207

و الإباحة التي قد تستفاد من شاهد الحال و نحوه مما لا ينبغي الإشكال في جواز الأخذ معه، و أن ما يؤثر عن بعض الصالحين من التفاط السنابل لذلك، بل يمكن دعوى السيرة القطعية على ذلك و نحوه.

نعم فيه بحث بالنسبة إلى التصرفات الناقلة حتى التزم الأردبيلي أنه يملك الثمن و إن لم يكن مالكا للمثمن، و أن دعوى لا بيع إلا في ملك لم يثبت، و قد ذكرنا نحن سابقا الكلام في مثل هذه الإباحة التي منها ما ذكروه في المعاطاة (1) بناء على أنها إباحة، و منها ما ذكرناه في إباحتهم (عليهم السلام) الأنفال (2) و غير ذلك في مقامات متعددة.

و كأنه لذلك قال المصنف و لعل بين الحالين فرقا (أولا) بالحقارة و عدمها في الصيد المعتد به. و (ثانيا) بأن مرجع ذلك إلى الإباحة من المالك- كنثار العرس- لا الخروج عن ملكه بالاعراض.

و أما دعوى أن الأصل في الصيد انفكاك الملك عنه بالاعراض- لأنه إنما حصل باليد و الفرض زوالها، و بذلك يفرق بين الصيد و غيره، باعتبار أن ملك الصيد كان بسبب اليد و قد أزالها قصدا، بخلاف المال الحقير المملوك نوعه بسبب شرعي غير اليد، فلا يزول بالاعراض، كدعوى أنه قد أزال ملكه عنه باختياره فيزول، لأن القدرة على الشيء قدرة على ضده- لا محصل لها، ضرورة انقطاع الأصل بما ثبت شرعا من سبب التملك الذي لا يقتضي كون زواله سببا أيضا للزوال، لعدم التلازم بينهما، و سبب الملك متى تحقق مسببه و إن زال هو بعد ذلك كغيره من أسباب الملك، فلا بد من مزيل آخر.

____________

(1) راجع ج 22 ص 210- 240.

(2) راجع ج 16 ص 134- 154.

208

نعم قد يقال: إن صحيح ابن سنان (1) دال على كون الشيء بعد الاعراض عنه كالمباح الأصلي، و أظهر وجه الشبه فيه خروجه عن ملكه، و تملكه لمن يأخذه على وجه لا سبيل له عليه، بناء على أن المراد منه صيرورة البعير كالمباح باعتبار إعراض صاحبه عنه، فيكون حينئذ مثالا لكل ما كان كذلك، بل لعل

قوله (عليه السلام): «إن أصاب مالا»

منزل على ذلك، على معنى إن أصاب مالا غير البعير، و لكن هو كالبعير في الاعراض، مؤيدا ذلك بخبر السفينة (2) الذي قد استوفينا الكلام فيه في كتاب القضاء، بل قد ذكرنا هناك جملة من الكلام المتعلق في مسألة الاعراض. و دعوى ابن إدريس الإجماع عليه، فلاحظ و تأمل.

و اللّه العالم.

[المسألة الثانية إذا أمكن الصيد التحامل طائرا أو عاديا بحيث لا يقدر عليه]

المسألة الثانية:

إذا أمكن الصيد التحامل طائرا أو عاديا بحيث لا يقدر عليه لبقائه على الامتناع إلا بالاتباع المتضمن للإسراع لم يملكه الأول للأصل بعد فرض عدم حصول سبب الملك من الأخذ و الحيازة و الصيد على وجه يصدق عليه كونه تحت يده و في قبضته و لو بأن يثخنه و يبطل امتناعه و يصيره على وجه يسهل أخذه و اللحوق به عادة، بخلاف الفرض الذي هو أضعاف قوته بضربه لكن بقي مع ذلك قادرا على الامتناع بالطيران و العدو بحيث لا ينال إلا بالإسراع الموجب لغير المعتاد من المشقة.

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من كتاب اللقطة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من كتاب اللقطة.

209

و من هنا كان لمن أمسكه لصدق كونه الصائد و الآخذ و الحائز، بل ليس للأول حق اختصاص، للأصل، و اللّه العالم.

[المسألة الثالثة إذا رمى الأول صيدا فأثبته و صيره في حكم المذبوح]

المسألة الثالثة:

إذا رمى الأول صيدا فأثبته و صيره في حكم المذبوح بعدم استقرار حياة له أو عدم إدراك ذكاة له فلا ريب في دخوله في ملكه بذلك، لما عرفت من صدق الاصطياد و الحيازة به، و في المرسل (1) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) «أنه مر مع أصحابه بظبي حاقف- أي مثخن عاجز عن الامتناع- فهم أصحابه بأخذه، فقال (صلى اللّه عليه و آله): دعوه حتى يجيء صاحبه».

و حينئذ فإن كان كذلك ثم قتله الثاني فهو للأول لما سمعت و لا شيء على الثاني لأنه لم يتلف عليه شيئا، إذ الفرض أنه مقتول و إن لم يقتله إلا أن يفسد لحمه أو جلده أو شيئا منه فيضمن أرش ذلك حينئذ.

و أما لو رماه الأول فلم يثبته و لا صيره في حكم المذبوح بل بقي على امتناعه ثم قتله الثاني فهو له لأنه الذي اصطاده و حازه دون الأول و لكن ليس علي ه أي الأول ضمان شيء مما جناه و إن أفسد منه ما فسد برميته، لأنه رماه و هو مباح.

____________

(1) سنن البيهقي- ج 5 ص 188 مع اختلاف يسير. و ذكره الشيخ (قده) بعينه في المبسوط ج 6 ص 375.

210

و لو أثبته الأول و لم يصيره في حكم المذبوح بل هو ذو حياة مستقرة يعيش بها مدة فقد عرفت أنه يملكه بذلك ف لو قتله الثاني فهو متلف له بلا إشكال، و يضمنه،

لعموم «من أتلف» (1)

فإن كان أصاب محل الذكاة منه فذكاه على الوجه المعتبر في التذكية فهو للأول و له على الثاني الأرش و هو تفاوت ما بين كونه حيا مثبتا و مذبوحا، لأن ذلك هو المتلف عليه، إذ الحيوان باق على ملكه.

و إن أصابه في غير المذبح فعليه قيمته إن لم يكن لميتته قيمة

لعموم «من أتلف» (2)

و غيره، ضرورة تعين الذكاة للصيد الميت مع إدراكها الذي هو المفروض لو لا قتل الثاني له و إلا بأن كان المقصود منه ما لا تحله الحياة من أجزاء كالريش و العظم كان له الأرش و هو تفاوت ما بين قيمته ميتا و مزمنا بجرح الأول.

و إن جرحه الثاني و لم يقتله فإن أدرك هو أو المالك أو غيرهما ذكاته و ذكاه فهو حلال و ملك للأول و لكن له على الثاني الأرش كما عرفت.

و إن لم يدرك ذكاته فهو ميتة، لأنه تلف من فعلين: أحدهما مباح و هو فعل الأول و الآخر محظور و هو فعل الثاني الذي صادف حيوانا غير ممتنع، و قد عرفت التحريم في مثله، إذ هو كما لو قتله كلب مسلم قد سمى و كلب مجوسي أو كلب آخر لم يسم عليه.

و لكن ما الذي يجب على الجارح الثاني للأول؟

فالذي يظهر عند المصنف و غيره أن الأول إن لم يقدر على

____________

(1) راجع التعليقة (2) من ص 157.

(2) راجع التعليقة (2) من ص 157.

211

ذكاته و لم يدركها فعلى الثاني قيمته بتمامها معيبا بالعيب الأول لأنه صار حراما و ميتة بفعله.

قال في المسالك: «و هو بخلاف ما إذا جرح شاة نفسه مثلا و جرحها آخر فتلفت بهما، حيث لا يجب على الثاني إلا نصف القيمة، لأن كل واحد من الجرحين محرم و الإفساد حصل بهما جميعا، و هنا فعل الأول اكتساب و إصلاح و ذكاة، فلا يوزع عليه شيء، نعم ينقص عن الأول مقدار ما نقص منه بالجرح الأول، فلو كان الصيد يساوي غير مزمن عشرة و مزمنا تسعة وجب على الثاني تسعة، هذا إذا لم يكن قيمته مذبوحا أنقص من قيمته مزمنا، و إلا وزع النقص عليهما، لأن فعل الأول و إن لم يكن إفسادا إلا أنه مؤثر في الذبح و حصول الزهوق، فينبغي أن يعتبر في الإفساد- لأنه شريك في الذبح- حتى يقال: إذا كان غير مزمن يساوي عشرة و مزمن (1) تسعة و مذبوحا ثمانية يلزمه الثمانية، و الدرهم الآخر أثر في فواته الفعلان جميعا، فينبغي أن يوزع عليهما حتى يهدر نصفه، و يجب نصفه مع الثمانية، إلا أن المصنف أطلق، و لعله لان المفسد يقطع أثر فعل الأول من كل وجه، و لانه يصدق عليه أنه أتلف على المالك حيوانا مجروحا، و الأول أظهر».

قلت: لعله لاستناد الإتلاف إلى الفعلين، لأن الفرض أن جرح الثاني لو لا الأول لم يقتل، و كذلك جرح الأول، فهما معا سبب الإتلاف، لكن لا يخفى عليك أن ذلك يقتضي كون حكمه حكم الشاة، و ما ذكره من وجه الفرق اعتباري لا يرجع إلى دليل معتبر، و اللّه العالم.

و إن أدركه و قدر على ذبحه فأهمل و تركه حتى مات ف فيه وجهان: أحدهما أنه لا يجب على الثاني إلا

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية المبيضة، و الصحيح «و مزمنا» كما في المسالك.

212

أرش جراحته، لأن الأول صار مقصرا حين تمكن من الذبح و لم يذبح، و أصحهما أن الضمان على الثاني، لأن غاية الأول الامتناع من تدارك ما يعرض للفساد بجناية الجاني مع إمكان التدارك، و ذلك لا يسقط الضمان، كما لو جرح جارح شاته فلم يذبحها مع التمكن منه، فإنه لا يسقط الضمان عن الجاني.

نعم في مقدار ما يضمنه وجهان: أحدهما أنه يضمن كمال قيمته مزمنا أيضا كما لو زفف عليه ابتداء، بخلاف ما إذا جرح عبده أو شاته و جرحه غيره لما أشرنا إليه سابقا، و الثاني و هو خيرة المصنف و غيره أنه يكون على الثاني نصف قيمته معيبا إذ هو كما لو جرح عبده و جرحه غيره، لان الموت حصل بفعلهما، و كل واحد من الفعلين إفساد له، أما الثاني فظاهر، و أما الأول فلأن ترك الذبح بعد التمكن يجعل الجرح و سرايته إفسادا، و لذلك لو لم يوجد الجرح الثاني و ترك الأول الذبح كان الصيد ميتة.

قلت: لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه أن المتجه النصف مطلقا، فإن إهماله لا يرفع الاشتراك في الفعل المقتضي لذلك، فهو حينئذ كالشاة التي جرحها المالك و لو لمصلحة ثم جرحها غيره ثم سرى الجرحان على الوجه المزبور، فتأمل جيدا.

و لعل فقه هذه المسألة ينكشف باعتبار فرض نفرضه، و هي دابة قيمتها عشرة جنى عليها جان فصارت تساوي تسعة، ثم جنى عليها آخر فصارت إلى ثمانية ثم سرت الجنايتان على وجه اشتركا في الإتلاف ففيها احتمالات خمسة بل سبعة لا يخلو أحدهما من خلل.

قال المصنف و هو إما إلزام الثاني بكمال قيمته معيبا، لأن

213

جناية الأول غير مضمونة بتقدير أن يكون مباحا، و هو ضعيف في بعض أفراده لأنه مع إهمال التذكية جرى (يجري خ ل) مجرى المشارك بجنايته كما في مسألة الصيد التي عرفت الكلام فيها.

و في الدروس بعد أن حكى ذلك كله عن المصنف قال: «و هذا الاحتمال لو صح لم يشترط فيه كون الصيد مباحا، فإن جناية المالك على ماله غير مضمونة أيضا، و قدرة المالك على التذكية قد لا تتحقق، فلا ينتظم هذا الوجه مستقلا، بل بقيد القدرة على التذكية» إلى آخره.

قلت: و على كل حال فهذا الوجه لا يتأتى في المسألة المفروضة إلا على تقدير كون الدابة صيدا، و قد عرفت أن المتجه النصف، سواء قدر على التذكية و أهمل أولا، لأن الإفساد مستند إلى فعليهما، فلا بد من الحكم بتوزيع القيمة ثم إسقاط ما يخص المالك، كما تقدم الكلام فيه.

اللهم إلا أن يقال: إن الثاني هو الذي يستند القتل إليه و إن سرى جرح الأول مع جرحه، إلا أن فعل المعية و الجمعية و نحوهما قد حصل من الثاني، و الأول قد صار بمنزلة المعد و الشرط، و حينئذ يتجه هذا الاحتمال في مفروض المسألة، كما عن الشيخ فارضا له في جناية المالك و جناية غيره، و لم أجده لغيره، نعم قد ذكروا ذلك في الصيد إذا أثبته الأول و جرحه الثاني و سرى الجرحان حتى مات بهما، فارقين بينه و بين الشاة التي جرحها المالك ثم جرحها الغير و ماتت بهما، و قد عرفت البحث في ذلك.

و على كل حال فالاحتمال في المسألة إما هذا و إما التسوية بينهما في الضمان بمعنى إنه يجب على كل واحد منهما خمسة دنانير، و توجيهه بطريقين: أحدهما أنه يجب على كل واحد منهما أرش جراحته و هو دينار، لأنه نقصان تولد من جنايته، و ما بقي و هو ثمانية تلف بسراية الجراحتين، فيشتركان فيه فهما حينئذ متساويان في الأرش و السراية.

214

و التوجيه الثاني كما في المسالك أن على كل واحد نصف قيمته يوم جنايته، لأن الجناية إذا صارت نفسا دخل أرشها في بدل النفس، و كل واحد منهما لم يضمن إلا نصف النفس، فلا يدخل فيه إلا نصف الأرش و لا يدخل النصف الآخر فيما ضمنه الآخر، و لذلك لو قطع يدي رجل فسرى دخل أرش اليد في بدل النفس، و لو قطعهما ثم قتله غيره لم يدخل أرش اليد في بدل نفس ضمنها الآخر، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف أرش جنايته، لأنه جنى على النصف الذي ضمنه الأول و قومناه عليه قبل جنايته، و من غرم شيئا بكمال قيمته له أن يرجع بما جنى عليه بما ينقصه، ألا ترى أن من غصب ثوبا و جنى عليه آخر فخرقه ثم تلف الثوب و ضمن المالك الغاصب تمام القيمة فإنه يرجع على الجاني بأرش التخريق، و إذا رجع عليه كذلك استقر على كل واحد منهما خمسة، و على هذا فالمالك مخير في نصف دينار بين أن يأخذه من الأول أو الثاني، فإن أخذه من الأول رجع على الثاني، و ان أخذه من الثاني استقر عليه، و حصل التسوية بينهما على التقديرين.

و فيه ما لا يخفى من الفرق بين الفرض و بين الثوب الذي ضمانه باليد و لو تلف بآفة سماوية، بخلاف الفرض الذي لا ضمان فيه إلا للجناية إذ الدابة في يد مالكها، فلا وجه لرجوع الأول على الثاني بشيء، ضرورة تساويهما بسبب الضمان الذي هو الجناية، لقاعدة الإتلاف و غيرها كما هو واضح.

و كيف كان فقد ضعف هذا الوجه بأنه حيف و ظلم على الثاني لأنه جنى على ما هو أقل من قيمته، و ضمن كالجاني على الأزيد قيمة، و بأنه مبني على عدم دخول الأرش في بدل النفس، و هو خلاف القول المنصور، لأن بدل النفس مشتمل عليه، فلو لم يدخل

215

فيه لزم تثنية التغريم.

و ربما أجيب عن الأخير بأنه يمكن الفرق بينه و بين أرش الحر لأن الجرح ينقص قيمة الحيوان المملوك، فإن أخذ بعدها عوض النفس أخذها بعد ذلك النقص بخلاف الحر، فان جرحه أو قطع عضوه لا ينقص ديته المقدرة، فيلزم محذور تثنية الغرامة.

و إلى ذلك كله أشار في الدروس، حيث إنه بعد أن ذكر التساوي في الضمان معللا له بالتساوي في الأرش و السراية قال: «و يشكل بعدم دخول الأرش في ضمان النفس، و يجاب بأن ذلك في الأولى، لأنه لا ينقص بدله بإتلاف بعضه».

و فيه أن المملوك أولى بعدم الدخول باعتبار صدق

«من أتلف» (1)

مع فرض السراية للجرح المزبور، و هو لا يقتضي أزيد من ضمان قيمته التي هي المدار، إذ لا مقدر لجراحاته، كما هو واضح.

و أما إشكال التسوية بينهما في الغرامة مع اختلاف قيمة مجنيهما ففي غاية المراد أنه أجاب عنه شيخنا- أي عميد الدين حيث إنه نصر هذا الوجه- بأن الثاني نقصه أكثر مما نقصه الأول، إذ الأول نقصه العشر و الثاني التسع، فهو يقابل زيادة القيمة. و أقول: في مقابلة التفاوت بين النقيصتين نظر، لأن التفاوت بين التسع و العشر جزء من تسعين جزءا من عشرة، و التفاوت بين العشرة و التسعة العشر، و هو تسعة أجزاء من تسعين، و ظاهر ما بينهما من التفاوت.

و على كل حال فضعف هذا الوجه واضح، ضرورة أنه لا معنى لضمانه أزيد من قيمته وقت جنايته، خصوصا إذا صيرها الأول بجنايته إلى قيمة ردية ثم جنى عليها الثاني.

____________

(1) راجع التعليقة (2) من ص 157.

216

و أضعف منه الوجه الثالث الذي أشار إليه المصنف بقوله أو إلزام الأول بخمسة و نصف و الثاني بخمسة معللا في المسالك بأن جناية كل واحد منهما درهما مثلا، ثم سرت الجنايتان، و الأرش يسقط إذا صارت الجناية نفسا، فيسقط نصف الأرش عن كل واحد منهما، لان الموجود منه نصف القتل و يبقى النصف، فعلى الأول خمسة من حيث هو شريك، و نصف درهم هو نصف أرش جنايته، لانه حصل منه نصف القتل، فلا يندرج تحته إلا نصف الأرش، و على الثاني خمسة:

نصف درهم هو نصف أرش جراحته، و أربعة و نصف هي نصف قيمة العبد عند جنايته.

و هو كما ترى لا حاصل له، مع أنه حيف أيضا عليهما، بل في الدروس «لم أر أحدا عده وجها بغير تراجع و لا بسط إلا المحقق، و لعله أراد به أحد الأمرين، لظهور بطلانه بدونهما» و هو كذلك، ضرورة جمعه لدخول بعض الأرش في بدل النفس دون بعض.

و مراده بالتراجع هو أن يرجع الأول الذي فرضنا غرامته خمسة و نصفا على الثاني بنصف، لأنه جنى على ما دخل في ضمانه، و حينئذ يأخذ المالك من الثاني أربعة و نصفا، و إن فرض أنه أخذ منه خمسة فليس له على الأول إلا خمسة، و حينئذ فلا زيادة في القيمة.

و بالبسط هو أن يقسم العشرة و نصف على عشرة و نصف، فيضرب ما على الأول و هو خمسة و نصف في عشرة، فتكون خمسة و خمسين، فيأخذ من كل عشرة و نصف واحدا، فعليه خمسة و سبع و ثلثا سبع، و يضرب ما على الثاني، و هو خمسة في عشرة يكون خمسين، فعليه أربعة و خمسة أسباع و ثلث سبع، و ذلك قيمة الحيوان من دون زيادة عليها.

و إليه يرجع ما في المسالك من أنه قد يقرر هذا الوجه بطريق آخر

217

يسلم من محذور الزيادة في القيمة، بأن يجعل ما ذكر في الوجه من إثبات العشرة و النصف أصلا للقسمة، حتى لا يؤدي إلى الزيادة فتبسط الاجزاء آحادا، فيكون أحد و عشرون جزءا، و يقسط العشرة عليه، ليبقى التفاوت مرعيا بينهما مع السلامة من الزيادة، فيجب على الأول أحد عشر جزءا من أحد و عشرين جزءا من عشرة، و على الثاني عشرة أجزاء من أحد و عشرين جزءا من عشرة، فإن أردت معرفة مقدار ما على كل واحد منها من العشرة تاما ضربت مجموع ما يلزم كلا منهما- و هو عشرة و نصف- في القيمة- و هو عشرة- يبلغ مائة و خمسة، و هذه الاعداد كل عشرة و نصف منهما دينار، فنصيب الأول منها خمسة و خمسون، هي خمسة دنانير و سبع و ثلثا سبع، و الثاني نصيبه منها خمسون هي مضروب خمسة في عشرة، فإذا أخذت من كل عشرة و نصف واحدا كان المجتمع أربعة دنانير و خمسة أسباع دينار و ثلث سبع دينار، فالمجموع عشرة.

و على كل حال فلا ريب في ضعفه، إذ هو مع أنه مبني على أفراد الأرش عن بدل النفس فيه حيف على الثاني أو عليهما، كما عرفت و اللّه العالم.

و كذا القول ب إلزام الأول بخمسة و الثاني بأربعة و نصف لأن الجراحتين سرتا و صارتا قتلا، فعلى كل واحد نصف القيمة، إلا أن القيمة يوم الجناية الأولى عشرة و يوم الجناية الثانية تسعة، فيغرم كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنايته.

و هو و إن كان متضمنا لدخول الأرش في بدل النفس إلا أنه تضييع نصف على المالك إذ الفرض كون القيمة عشرة، و قد مات بجنايتهما، فلا وجه لسقوط شيء من قيمته.

أو القول ب إلزام كل واحد منهما بنسبة قيمته يوم جنى

218

عليه و ضم القيمتين و بسط العشرة عليهما ف في الفرض جمع القيمتين يصير تسعة عشر، لأن قيمته يوم الجناية الأولى عشرة، و يوم الجناية الثانية تسعة، فإذا بسطت العشرة على ذلك بمعنى جعلها تسعة عشر سهما يكون على الأول عشرة أسهم من تسعة عشر من عشرة و على الثاني تسعة أسهم من تسعة عشر من عشرة. و إن شئت قسمت العشرة على نصفي القيمتين أي تسعة و نصف، فيكون خمسة منها على الأول و أربعة و نصف على الثاني.

و إن أردت إيضاح ذلك و معرفة ما على كل واحد من العشرة ضربتها في تسعة عشر تبلغ مائة و تسعين، فعلى الأول منهما مائة و على الثاني تسعون، ثم هذا العدد كل تسعة عشر منه بواحد، فيكون المائة خمسة دراهم مثلا و خمسة أجزاء من تسعة عشر جزءا من درهم، و هو ما على الأول، و التسعون أربعة دراهم و أربعة عشر جزءا من تسعة عشر جزءا من درهم فإذا أضيف إلى هذه الأربعة عشر جزءا ما على الأول من الأجزاء- و هي خمسة- صارت تسعة عشر، و هي درهم كامل، و إذا أضيف إلى ما على الأول، من الدراهم و هو خمسة و ما على الثاني و هو أربعة صار المجموع عشرة كاملة.

و هو و إن كان يدخل فيه الأرش في بدل النفس و يحصل به تمام القيمة- بل حكاه في المسالك عن الأكثر و منهم الشيخ- إلا أنه أيضا يقتضي إلزام (حيف لإلزام خ ل) الثاني بزيادة على الأربعة و نصف، و قد عرفت أنه لا وجه لها و أنها ظلم، لأنه ما جنى عليه إلا و قيمته تسعة، و دعوى أن المطلوب حفظ القيمة- فلو ألزمناهما بنصف القيمتين ضاع على المالك نصف، مع أن التلف منهما، فلا بد حينئذ من تقسيط هذا النصف درهم على نسبة المالين اللذين عليهما،

219

و هما الخمسة و الأربعة و نصف- لا محصل لها على وجه يرجع إلى القواعد الشرعية.

و الأقرب أن يقال: يلزم الأول خمسة و نصف، و الثاني أربعة و نصف، لأن الأرش يدخل في قيمة النفس، فيدخل نصف أرش جناية الأول في ضمان النصف، و يبقى عليه نصف الأرش مضافا إلى ضمان نصف القيمة يوم جنايته و هو الخمسة، فيكون عليه خمسة و نصف، و كذا الثاني يدخل نصف أرشه في ضمان النصف، و يبقى عليه نصف، مضافا إلى ضمان نصف القيمة يوم جنايته، و هو الأربعة، فيكون المجموع أربعة و نصف.

و فيه أن الأرش على تقدير دخوله يدخل مطلقا في بدل النفس الذي حصل منهما، فيدخل مجموع الأرش اللازم لهما في بدل النفس التي اشتركا في إتلافها و دفعا البدل عوضا عنها. و لعله لذا و غيره قال المصنف:

و هذا أيضا لا يخلو من ضعف.

نعم قد يقال: إن الأول لما انفرد بالجناية على وجه لو سرى جرحه لألزم بالعشرة التي هي تمام القيمة كان عليه ذلك إلا مقدار ما شاركه الثاني فيه، و هو نصف قيمة التسعة التي هي حال جناية الثاني، و يبقى الباقي عليه، و حينئذ فلا تكون الزيادة أرشا، بل لا يكون ضمان الأول النصف، بل هو ما عدا مقدار شركة الثاني، و إنما يكون عليه النصف لو اشترك معه غيره في مبدأ جنايته، و الفرض أنه مستقل بها و لم يشاركه الثاني إلا في التسعة.

أو يقال: إن الزائد أرش و لكن يعتبر في حق الأول دون الثاني، لاستقلاله أولا بالجناية على وجه لا يتصور شركة من بعده معه فيما استقر في ذمته من الأرش، فيجب عليه حينئذ ما نقص بجنايته، و هو درهم

220

مثلا، مضافا إلى نصف القيمة التي هي التسعة وقت جناية الثاني، و هو أربعة و نصف، فيجتمع عليه خمسة و نصف، و لا يعتبر الأرش في حق الثاني، و ذلك لأن جناية الأول وحدها نقصت الدرهم ثم جناية الثاني و سراية جناية الأول تعاونتا على تفويت الباقي.

أو يقال: لا شركة للثاني في أصل جناية الأول بخلافه، فإنه شريك مع الثاني في جنايته و في سرايته، أما الثاني فواضح، لأنه الفرض، و أما الأول فلأن صيرورة القيمة ثمانية باعتبار كونها ذات جرحين، لا خصوص جرح الثاني مع قطع النظر عن كونه ثانيا صيرها كذلك، فمن هنا كان على الأول زيادة على الثاني، سواء قلنا بدخول الأرش و عدمه.

أما على الأول فلأن الأول يضمن سراية جرحه على قيمة مبدئها، و ليس هو نصفا، لأنه لا شريك له في مبدئها، بل هو ما عدا مقدار الشركة، و هو نصف التسعة التي هي القيمة في مبدأ جناية الثاني الذي قد عرفت شركة الأول معه في سبب نقص القيمة إلى ثمانية.

و أما على تقدير عدم دخول الأرش فلما عرفت من أن الأرش على الثاني- و هو الدرهم- يشاركه الأول، لأن نقصان القيمة إلى الثمانية باعتبار كون الجرح ثانيا، و لا يكون كذلك إلا بملاحظة الأول، و لا يجدي إلزام الأول بالأرش بعد فرض عدم اندمال الجرح الذي هو أيضا له مدخلية في نقصانها إلى الثمانية، و من هذه الجهة كان عليهما نصف الثمانية و نصف أرش جناية الثاني.

و لعل ما في المسالك إشارة إلى بعض ما ذكرناه، خصوصا جوابه أخيرا عما أورد على هذا الوجه بأنه إنما شارك في جنايته على ما قيمته عشرة، فكيف يلزم بزيادة عن خمسة؟ قال: «فإن التسوية بينهما إنما تتجه إذا اشتركا في مبدأ الجناية، أما إذا انفرد الأول بزيادة لم يقدح

221

ذلك في تفاوتهما و وجوب أزيد من النصف عليه، لأنه شارك في تسعة و اختص بواحد، و هو واضح».

و كذا الأردبيلي فإنه قال بعد أن ذكر الاحتمال المزبور: «و هذا الاحتمال لا يخلو من قوة، و ليس مبنيا على إخراج أرش جناية الأول و إدخال الثاني، بل على أنه ما كان للأول شريك إلا بعد أن صيره تسعة مع شركته في قتله و إتلافه بالكلية، و ما كان له شريك قبل التسعة و ليس النقصان على المالك معقولا، و لا على الثاني أكثر من جنايته، و هو إتلاف نصف التسعة، فلا يكون إلا على الأول ما فعله مستقلا و ما شارك، و لأنه المبتدي و لإمكان أن يكون لفعله تأثير في القتل أكثر من الثاني، لأنه صار شريكا بعد بعض التأثير، فكأنه أتلف بعضه و ميته ثم صار هذا شريكا له، أو كأنه فعل أكثر من إتلاف نصف العشرة فإنه كان مستقلا إلى أن صارت تسعة، و فيها حصل له شريك» إلى آخره. و إن كان ما قررناه أوضح. و على كل حال فهو الأقوى في النظر وفاقا لظاهر جماعة.

هذا و لا يخفى عليك أنه لا فرق في الاحتمالات المزبورة بين جناية الأجنبي و المالك و حينئذ ف لو كانت إحدى الجنايتين من المالك سقط ما قابل جنايته، و كان له مطالبة الآخر بنصيب جنايته الذي فيه الاحتمالات المزبورة.

بل في المسالك جريانها أيضا في مسألة الصيد، قال: «إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى ما يجب على الجاني الثاني على الصيد الذي قد أثبته الأول، و نقول: أيما حكم به من هذه الأوجه على الأول يسقط و يلزم للأول ما يقابل جنايته، كما لو كانت إحدى الجنايتين من المالك على عبده و الأخرى من غيره».

222

قلت: قد عرفت أن المصنف في مسألة الصيد قد استظهر التفصيل بين إدراك المالك التذكية و عدمه، ففي الأول يغرم الثاني نصف قيمته معيبا و في الثاني كمال قيمته معيبا، و في الدابة جعل الأقرب ما سمعته من غير إشارة إلى التفصيل المزبور ثم ضعفه، و إن كان ما ذكره هنا من الأقرب ينطبق على ما ذكره في الصيد مع الإهمال، و كذا سمعت ما ذكره في المسالك هناك و ما قلناه عليه، كما أنك سمعت ما حكيناه عن الدروس، فلاحظ و تأمل.

هذا و في القواعد «و لو ترتب الجرحان أي من الصائدين و حصل الإزمان بالمجموع فهو بينهما، و قيل: للثاني، فعلى الأخير لو عاد الأول فجرحه فالأولى هدر و الثانية مضمونة، فان مات بالجراحات الثلاث وجب قيمة الصيد و به جراحة الهدر و جراحة المالك، و يحتمل ثلث القيمة و ربعها».

قلت: كأن وجه احتمال كونه للثاني ما قدمناه سابقا من كون السبب فعل الثاني الذي حصل الجمع و الضم اللذين سببا الاهلاك، و فعل الأول حينئذ من قبيل الشرط أو المعد، و حينئذ فيختص الضمان بالأول الذي هو جرحه ثالثا، لكن يقوم عليه، و به الجراحتان السابقتان، و هذا كله مؤيد لما ذكرناه من الاحتمال فيما ذكره المصنف أولا من الاحتمالات.

بل لعل ما ذكره أيضا في

[المسألة الرابعة إذا كان الصيد يمتنع بأمرين كالدراج و القبج يمتنع بجناحه و عدوه فكسر الرامي جناحه ثم كسر آخر رجله قيل هو لهما]

المسألة الرابعة كذلك أيضا، و هي إذا كان الصيد يمتنع بأمرين كالدراج و القبج يمتنع بجناحه و عدوه فكسر الرامي جناحه ثم كسر آخر رجله قيل

223

و القائل الشيخ في محكي المبسوط هو لهما لاشتراكهما في المجموع الذي هو السبب في إثباته.

و قيل: هو للأخير، لأن بفعله تحقق الإثبات، و الأخير قوي إذ لا يخفى عليك أن المسألة كالجرحين المترتبين، و لذا قال في المسالك في آخر المسائل: «و بقي من أحوال المسألة ما لو ترتب الجرحان و حصل الإزمان بمجموعهما فهو بينهما، و قيل: هو للثاني، و قد تقدم توجيه القولين فيما لو كان الصيد ممتنعا بأمرين فأبطل أحدهما أحدهما و الآخر الآخر».

و هو ظاهر في اتحاد مدرك المسألتين، لكن الإنصاف إمكان الفرق بصدق اسم بقاء الامتناع على الصيد فيستقل بأخذه الثاني و يكون الأول حينئذ له كالمعين بخلاف الجرحين الساريين، و اللّه العالم.

[المسألة الخامسة لو رمى الصيد اثنان فعقراه ثم وجد ميتا]

المسألة الخامسة:

لو رمى الصيد اثنان مثلا دفعة فعقراه ثم وجد ميتا حل بلا خلاف و لا إشكال، لأن كلا منهما أصابه حال امتناعه، فيكفي ذلك في تذكيته، سواء استند موته إليهما أو إلى أحدهما معينا أو مشتبها، و كذا لو كانا متعاقبين و الثاني هو الذي أثبته و قتله، لأن موته حصل بالجرح الواقع حال امتناعه ف يكون تذكيته له.

بل هو كذلك أيضا إن لم يعلم و قد صادف الرمي مذبحه فذبحه على وجه جامع لشرائط الذباحة فهو حلال أيضا و كذا إن أدركا ذكات ه أو أحدهما فذكاه.

فان لم يصب مذبحه و لم تدرك ذكاته و وجد ميتا لم يحل،

224

لاحتمال أن يكون الأول أثبته و لم يصيره في حكم المذبوح فقتله الآخر و هو غير ممتنع فيكون ميتة، لأنه في هذه الحال لا يحله إلا الذبح، و أولى من ذلك ما لو علم أن الأول أثبته و الثاني خاصة قتله أو هو مع الأول، لما عرفت من صيرورته غير ممتنع بإثبات الأول، فلا يحله إلا الذبح، كما هو واضح. هذا كله من حيث الحل و الحرمة، و أما حكمه من حيث الملك فقد عرفته سابقا و تعرفه أيضا، و اللّه العالم.

[المسألة السادسة ما يقتله الكلب بالعقر يؤكل]

المسألة السادسة:

ما يقتله الكلب بالعقر يؤكل بلا خلاف و لا اشكال، كما أنه لا خلاف في أنه لا يؤكل ما يقتله بصدمه أو غمه أو إتعابه اقتصارا في الخروج عن أصل عدم التذكية على المنساق و المتيقن، و هو الازهاق بالعقر الذي هو المراد بالإمساك في الآية (1) و غيرها الذي لا ريب في عدم صدقه على الأخير، بل في كشف اللثام أن الأول داخل في الموقوذة، و الثاني في المنخنقة، و في النبوي (2) «ما أهريق الدم و ذكر اسم اللّه عليه فكلوا»

بل يمكن إرادة الإدماء من إمساك الجوارح إن كان الاشتقاق من الجرح بمعناه لا بمعنى الكسب.

و كذا لو اشتبه سبب موته، لاحتمال كونه سبب غير محلل، و من ثم حكم بتحريمه على تقدير أن يغيب عن عين المرسل ما لم يعلم استناد موته إلى العقر المحلل استصحابا لحكم التحريم إلى أن يثبت الناقل عن الأصل، و اللّه العالم.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) سنن البيهقي- ج 9 ص 247 و فيه «ما أنهر الدم.».

225

[المسألة السابعة لو رمى صيدا فظنه كلبا أو خنزيرا أو غيره مما لا يؤكل فقتله فبان صيدا لم يحل]

المسألة السابعة لو رمى صيدا فظنه كلبا أو خنزيرا أو غيره مما لا يؤكل فقتله فبان صيدا لم يحل بلا خلاف أجده فيه، بل ادعى بعض الناس الإجماع عليه، لانسياق قصد الصيد المحلل من إطلاق الأدلة الذي خرج به عن أصل عدم الحل و عدم التذكية.

و كذا لو رمى سهما إلى فوق عبثا أو لقصد غير الصيد فأصاب صيدا لم يحل و كذا لو مر بحجر ثم عاد فرماه ظانا بقاؤه فبان صيدا، و كذا لو أرسل كلبا ليلا مثلا لغرض غير الاصطياد فقتل لم يحل أيضا لأنه لم يقصد الإرسال للصيد فجرى مجرى الاسترسال إلى غير ذلك من الأمثلة المجردة عن قصد الصيد، إنما الكلام في تحققه مع عدم العلم بالصيد أو عدم مشاهدته و لو مع ظنه، و قد تقدم البحث في ذلك مفصلا.

نعم قد يظهر من المصنف و غيره اعتبار قصد صيد الحيوان المأكول.

و فيه أنه مع الاكتفاء بقصد أصل الصيد و قلنا بإباحة اصطياد غير المأكول من السباع و نحوها و إن لم يجد ذلك إلا في الطهارة يتجه حال ما صاده بقصد كونه غير المأكول فبان مأكولا و طهارة ما صاده بظن أنه مأكول فبان غير مأكول مما يصح تذكيته بالصيد، لحصول الشرط الذي هو قصد الصيد، و لا يعتبر فيه التعيين، و لذا يحل لو قصد معينا فصاد غيره.

و يمكن حمل كلام المصنف و غيره على إرادة ما لا يذكيه الاصطياد من غير المأكول، إذ لا قصد فيه للصيد المحلل، بل هو كقصد صيد

226

الكلب و الخنزير و الآدمي و نحوها، أو يقال: إن أدلة التذكية الصيدية ظاهرة في المأكول، و غير المأكول إنما صح تذكيته بالصيد للخبر الوارد في السباع (1) الظاهر في تعيينها و قصدها، فيبقى غيره على أصالة عدم التذكية في الصورتين، و لكنه كما ترى، ضرورة ظهور الخبر المزبور في كون تذكيتها على حسب غيرها من الصيد.

هذا و قد تقدم تحقيق الحال في اعتبار المشاهدة أو العلم أو الظن في حل الصيد، أو في تحقق قصد الصيد، أو في صدق ذكر اسم اللّه عليه و عدمه، و قد قلنا: إن ظاهر الأدلة عدم الاعتبار أصلا، و حينئذ يتحقق صدق الصيد و ذكر الاسم مع الاحتمال فضلا عن الظن أو العلم غير المشاهدة، و لكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا مع أصالة عدم التذكية، و اللّه العالم.

[المسألة الثامنة الطير إذا صيد مقصوصا لم يملكه الصائد]

المسألة الثامنة:

الطير إذا صيد مقصوصا لم يملكه الصائد بلا خلاف أجده فيه، لظهور النصوص في اعتبار حل صيده ملك جناحيه،

قال الصادق (عليه السلام) في الموثق (2): «إذا ملك الطائر جناحه فهو لمن أخذه».

و في

خبر إسماعيل بن جابر (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له: الطائر يقع على الدار فيؤخذ إحلال هو أم حرام لمن أخذه؟ قال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد- الحديث 2.

227

يا إسماعيل عاف هو أو غير عاف؟ قلت: و ما العافي: قال: المستوي جناحاه المالك جناحيه يذهب حيث شاء، قال: هو لمن أخذه حلال».

و في خبر السكوني (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الطائر إذا ملك جناحيه فهو صيد، و هو حلال لمن أخذه».

و نحوه

موثق إسحاق بن عمار (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا بأس بصيد الطير إذا ملك جناحيه».

نعم هي ظاهرة في حله مع ملك جناحيه و إن لم يعلم إباحته، بل و إن كان فيه أثر يدل على اليد المقتضية ملكيته، بل و إن علم أنه مملوك لم يعرف صاحبه، بل لعله صريح

صحيح زرارة (3) المروي عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب جميل بن دراج عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل صاد حماما أهليا، قال: إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه».

بل هو أيضا ظاهر ما استطرفه من

جامع البزنطي عن إسحاق بن عمار (4) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الطير يقع في الدار فنصيده و حولنا حمام لبعضهم، فقال: إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه، قال: قلت:

يقع علينا فنأخذه و قد نعلم لمن هو، قال: إذا عرفته فرده على صاحبه».

و صحيح أحمد بن محمد بن أبي نصر (5) «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يصيد الطير يساوي دراهم كثيرة و هو مستوي

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الصيد- الحديث 1.

228

الجناحين فيعرف صاحبه أو يجيئه فيطلبه من لا يتهمه، فقال: لا يحل له إمساكه، يرده عليه، فقلت له: فان صاد ما هو مالك لجناحيه لا يعرف له طالبا، قال: هو له».

و موثق محمد بن الفضيل (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن صيد الحمامة يسوى نصف درهم أو درهما، قال: إذا عرفت صاحبه فرده عليه، و إن لم تعرف صاحبه و كان مستوي الجناحين يطير بهما فهو لك».

و مرسل الصدوق (2) قال: «قال: الطير إذا ملك جناحيه فهو لمن أخذه إلا أن يعرف صاحبه، فيرده عليه».

قال: «و نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن صيد الحمام بالأمصار» (3).

و في خبر النوفلي عن السكوني (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رجل أبصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

للعين ما رأت و لليد ما أخذت».

و جميعها ظاهر فيما قلناه و إن اختلفت جهة الظهور فيها.

و لا ينافي ذلك ما تقدم سابقا من عدم خروج الصيد المملوك بامتناعه، لإمكان القول بصحة تملك خصوص الطير المستوي الجناحين و إن كان مملوكا، كلقطة ما دون الدرهم و في المفازة، بل يمكن القول بجريان حكم الصيد عليه في التذكية أيضا.

بل لعل في النصوص المزبورة إيماء إلى ذلك، خصوصا مع تأييدها

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الصيد- الحديث 1.

229

بما تقدم من إجراء التذكية الصيدية في الحيوان الأهلي إذا توحش أو امتنع، لكن ظاهر الأصحاب خلاف ذلك، و أن الطير كغيره من الأموال المملوكة التي يجري عليها حكم الالتقاط و نحوه.

بل ظاهر قول المصنف و الفاضل في القواعد و غيرهما و كذا مع كل أثر يدل على الملك أن عدم حل صيد المقصوص باعتبار كون القص أثر يقتضي الحكم بأنه مملوك، و ليس من المباح الذي يجري عليه حكم الصيد، لا من حيث كونه غير مستوي الجناحين، و لذا ألحقوا به كل أثر يدل على اليد المزبورة من شد خيط و نحوه في رجله أو في عنقه أو في جناحه، قال في الدروس: «و كل صيد عليه أثر الملك كقص الجناح لا يملكه الصائد و كذا غيره».

بل ظاهرهم ذلك و إن كان القص لا يمنعه من الطيران، نعم تأمل المقدس الأردبيلي في دلالة ذلك و نحوه على التملك، لأن أقصاه الدلالة على أنه كان في يد انسان، و هو أعم من الملكية، إلا أن يثبت أن ذلك مملك على كل حال، و هو غير ظاهر بناء على اشتراط القصد في تملك المباح و عدم الغفلة أو عدم قصد عدم التملك أو الأخذ و التصرف بقصد التملك، و ليس في الأثر المزبور دلالة على ذلك، بل يمكن كون القص بآلة من دون مباشرة أحد إلى غير ذلك مما ذكره مما هو مناف لظاهر الأصحاب.

بل في المسالك التصريح بعدم اعتبار هذه الاحتمالات، قال: «في حكم المقصوص أن يكون مقرطا أو مخضوبا أو موسوما، لدلالة هذه الآثار على أنه كان مملوكا و ربما أفلت، فيستصحب حكم الملك و لا ينظر إلى احتمال فعل ذلك به عبثا من غير قصد التملك، لأن الأثر يدل على اليد، و اليد يحكم لها بالملك و لو لم يعلم سببه، بل و إن احتمل عدم صحة

230

السبب، و كذا لا ينظر إلى احتمال أنه اصطاده محرم و فعل ذلك به ثم أرسله فإنه تقدير بعيد».

و في الرياض «أن حاصل ذلك يرجع إلى ترجيح الظاهر في هذه المسألة على أصالة الإباحة، و عدم الحكم بمالك له بالكلية، و هو و إن كان خلاف التحقيق إلا في موارد مخصوصة إلا أنه يمكن استفادته من الصحيح السابق (1) حيث اكتفي فيه بالملك لمن يدعيه بمجرد دعواه الغير معلوم أنها صادقة أم كاذبة بعد أن ذكر أنه ليس المدعي محل التهمة، و لا ريب أن تلك الدعوى بمجردها و لو قرنت بعدم اتهام مدعيها لا تفيد سوى الظهور و المظنة، و لعل المظنة الحاصلة من ترتب اليد بكونه مع النية أقوى من المظنة الحاصلة بمجرد الدعوى المقرونة بعدم تهمته، هذا مع أن أصالة الملك على تقدير تسليم جواز الاستناد إليها مطلقا معارضة بأصالة بقاء عدم ملك الصائد لما صاده، و بعد التعارض و التساقط يبقى إثبات ملكيته محتاجا إلى حجة أخرى عن المعارض سليمة، و لا وجود لها هنا بالكلية سوى إطلاق النصوص (2) بأنه لمن أخذه، و قد مر إلى جوابه الإشارة».

و قد ذكر سابقا «أن عدم تملك المقصوص و نحوه باعتبار الأثر الدال على ترتب اليد الموجب للملكية له بمجرده، كما عليه جماعة و دل عليه بعض النصوص المتقدمة و نحوه مضاهية في السنة «للعين ما رأت و لليد ما أخذت» (3)

- قال-: و أما على القول بعدم إفادته ذلك بمجرده- بل لا بد معه من النية كما عليه آخرون، لاستصحاب بقاء عدم الملكية، و اختصاص ما مر من النصوص بحكم التبادر بصورة مقارنة النية لترتب اليد- فكذلك، لما

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الصيد.

(3) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الصيد- الحديث 1.

231

عرفت من الظهور المستفاد من وجه اختصاص النصوص بتلك الصورة، فلا يلتفت إلى احتمالات منافية للملكية، كأن فعل ذلك به عبثا من غير قصد التملك».

و هو كما ترى لا يصلح جوابا عما تقتضيه إطلاق النصوص المزبورة الذي لو لا الإجماع لكان شاملا لمعلوم الملكية.

و أضعف من ذلك دعوى معارضة أصالة الإباحة بأصالة عدم تملك الصائد المقطوعة بما دل على تملكه لما يصيده كتابا (1) و سنة (2) المقتصر في الخروج منه على المملوك خاصة لا غيره، فلا يقدح احتمال كون الطير مملوكا و لو لكونه متكونا من بيض مملوك أو غير ذلك مما لا ينافي إطلاق الأدلة المزبورة الذي مقتضاه عموم الحل إلا للمملوك لا خصوص المباح منه، و مع التسليم فلا ريب في صلاحية الأصل لتنقيح ذلك، و إلا لم يحل الصيد أصلا، لاستحالة العلم بكونه مباح الأصل أو تعسره، كما هو واضح.

و أضعف من ذلك ما ذكره من الاستفادة من الصحيح المزبور التي لا ترجع إلى حاصل يصلح لأن يكون دليلا شرعيا بعد تسليم العمل بما في الصحيح المزبور من وجوب الدفع بمجرد الدعوى التي لا تهمة فيها إذا لم يحصل العلم منها، و ربما أمكن إرادة ذلك من الصحيح، خصوصا مع فرض كون المراد من العلم الذي عليه المدار الطمأنينة.

و بذلك كله يتجه الأخذ بإطلاق الأدلة، خصوصا مع احتمال عدم اليد أو احتمال كونها غير صالحة للملك بإحرام أو ارتداد فطري أو نحوهما إلا إن ظاهر من تعرض للحكم هنا ممن وقفنا على كلامه عدم الفرق بين الطير و غيره، و بين القص و غيره من الآثار التي تدل على حصول اليد المقتضية

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 1 و 2 و 4 و غيرها- من أبواب الصيد.

232

للملك، و بين ملك الجناح و عدمه مع فرض عدم الأثر، و لذا قال في كشف اللثام في شرح عبارة الفاضل: «لو كان مالكا جناحه أو ساقطة و لا أثر عليه لملك فهو لصائده».

و كذا قول المصنف في مقابل ذي الأثر و إن كان مالكا جناحه فهو لصائده إلا أن يكون له مالك و لو مجهولا، فيكون لقطة و على هذا لو انتقلت الطيور من برج إلى آخر لم يملكها الثاني مع فرض أنها كانت مملوكة لذي البرج الأول.

و بالجملة لا فرق عندهم بين الطير و غيره من الصيد، إن كان فيه أثر يدل على اليد جرى عليه حكم اللقطة، و إلا كان لآخذه، و هو إن تم إجماعا كان هو الحجة التي يمكن تنزيل النصوص المزبورة عليه، و إلا كان المتجه ما سمعت.

و بيض الطير تبع للأنثى، فمع فرض وجود المالك لها يكون ملكا له كغيره من الحيوانات غير الآدمي.

و لو كان الحمام المتحول من برج إلى آخر مباحا ففي دخوله في ملك صاحب البرج ما تقدم من الكلام فيما إذا عشش في داره طائر، نعم في المسالك أن البرج أولى بالملك من ذلك، لأنه يقصد لذلك، و قد عرفت أن المدار على صدق الحيازة و الدخول تحت اليد و القبضة.

و لو شك صاحب البرج في أن الحمام الداخل من المباح أو ملك الغير و لا أثر لليد عليه فهو أولى به، لإطلاق الأدلة، نعم في المرسل (1) النهي عن حمام الأمصار، و يمكن حمله على الكراهة أو على المعلوم أن له مالكا.

و لو علم اختلاط ملك الغير بملكه فان كان محصورا اجتنب الجميع حتى يصالح، و كذا في الاجتناب لو اختلط المملوك للغير بالمباح و كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الصيد- الحديث 4.

233

محصورا. نعم إن لم يكن محصورا جاز، و في المسالك «و من هذا الباب ما لو انثالت حنطة انسان على غيره أو انصب مائع في مائع و جهل المقدار فالحكم كما ذكر في اختلاط الحمام، و الطريق التخلص بالصلح، و لو ملك انسان ماءا بالاستقاء و نحوه ثم صبه في نهر لم يزل ملكه عنه، و لكن لا يمنع الناس من الاستقاء، لأنه غير محصور» قلت: لا يخفى عليك ما تقتضيه القواعد العامة في ذلك و غيره، و اللّه العالم.

[المسألة التاسعة ما يقطع من السمك بعد إخراجه من الماء ذكي]

المسألة التاسعة قد عرفت في ما تقدم أن ما يقطع من السمك حال حياته بعد تذكيته ب إخراجه من الماء مثلا ذكي، سواء ماتت أو وقعت في الماء مستقرة الحياة، لأنه مقطوع بعد تذكيتها و ليس هو من الأجزاء المبانة من حي المحكوم بأنها ميتة المراد بها المقطوعة قبل تذكيته، كما هو واضح، و اللّه العالم.

[المسألة العاشرة إذا أصابا صيدا دفعة فان أثبتاه فهو لهما]

المسألة العاشرة:

إذا أصابا صيدا دفعة فان تساويا في سبب الملك بأن أثبتاه فهو لهما و في المسالك «و ذلك بأن يكون كل واحد منهما مذففا أو مزمنا لو انفرد، و كذا لو كان أحدهما مزمنا لو انفرد بأن كسر الجناح و الآخر مذففا لو انفرد، لأن كل واحد من المعنيين يثبت الملك، و لا

234

فرق بين أن يتفاوت الجراحتان صغرا و كبرا أو يتساويان، و لا بين أن يكون في غير المذبح أو فيه أو أحدهما فيه و الآخر خارجه».

قلت: لا فرق بين أن يكون جرح كل منهما كذلك و عدمه بعد استناد الإثبات إلى مجموعهما الذي هو سبب الملك، إذ الفرض كونهما دفعة.

نعم لو كان أحدهما جارحا و الآخر مثبتا فهو للمثبت منهما و لا ضمان على الجارح، لأن جنايته لم تصادف ملكا لغيره.

و لو اشتبه الحال بأن جهل المثبت منهما بعد العلم بأنه أحدهما ف عن بعض الصيد بينهما ظاهرا، لاتحاد نسبتهما إليه و استحالة الترجيح من غير مرجح، و إن كان الأحوط أن يستحل أحدهما من الآخر.

و لكن لو قيل يستخرج المثبت منهما الذي هو المالك بالقرعة كان حسنا لأن الفرض العلم بكونه أحدهما، و لا قاعدة شرعية تقتضي الاشتراك أو التعيين، فيكون من المشكل الذي له القرعة.

هذا و علل في المسالك احتمال القرعة في الفرض بأنا لا نعلم أن أحدهما أثبته دون الآخر، و الاشتراك يوجب تمليك من ليس بمقطوع الملك، و القرعة لكل أمر مشكل، و هذا أولى، و لو علمنا أن أحدهما المذفف و شككنا في الآخر هل له أثر في الازمان و التذفيف أم لا؟

فالوجهان، و أولى بالقرعة هنا، لان ملك المذفف معلوم دون غيره.

قلت: لا يخفى عليك ما فيه من عدم موافقة مفروض المتن للتعليل المزبور، نعم هو موضوع آخر كما ذكره في القواعد، قال: «و لو أصاباه دفعة و كان أحدهما مزمنا أو مذففا دون الآخر فهو له، و لا ضمان على الآخر، و إن احتمل أن يكون الازمان لهما أو لأحدهما فهو لهما، و لو

235

علمنا أن أحدهما مذفف و شككنا في الثاني للمعلوم النصف و النصف الآخر موقوف على التصالح، و لو أثبته أحدهما و جرحه الآخر فهو للمثبت، و لا شيء على الجارح، و لو جهل المثبت منهما اشتركا، و يحتمل القرعة».

و في كشف اللثام في شرح قوله: «على التصالح» قال: «أو يتبين الحال، للإشكال، و قد يقال: يكون بينهما نصفين، فيكون للأول ثلاثة أرباعه و للثاني ربعه، كمتداعيين في نصف عين بيد ثالث مع الاتفاق على تفرد أحدهما بالنصف الآخر و تعارض البينتين».

قلت: لا يخفى عليك ما فيه، كما لا يخفى عليك ما تقتضيه القواعد العامة في ذلك، و اللّه العالم.

236

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين.

[كتاب الأطعمة و الأشربة]

كتاب معرفة أحكام الأطعمة و الأشربة التي هي من المهمات للإنسان باعتبار كونه جسدا لا يمكن استغناؤه عنهما، قال اللّه تعالى (1) «وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ» مع التوعد الشديد كتابا و سنة على تناول المحرم منهما، حتى

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (2): «أي لحم نبت على الحرام فالنار أولى به»

و من المعلوم المقرر في الأصول أن العقل و الشرع تطابقا على أصالة الإباحة و الحل في تناول كل ما لم يعلم حرمته من الشرع و لو لاشتماله على ضرر في البدن من المأكول و المشروب.

قال اللّه تعالى شأنه (3) في مقام الامتنان على عباده «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»

____________

(1) سورة الأنبياء: 21- الآية 8.

(2) مجمع الزوائد ج 10 ص 291 و فيه

«أيما عبد نبت لحمه من سحت.»

. (3) سورة البقرة: 2- الآية 29.

237

و قال «يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً» (1) «قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» (2). و قال الصادق (عليه السلام) (3): «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي».

و قال (عليه السلام) أيضا (4): «كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»

إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الأصول في مقابل القول بأن الأشياء على الحظر أو الوقف.

نعم قال اللّه تعالى (5) «يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» و الطيب و إن أطلق على الحلال كقوله تعالى (6) «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ»- و يقابله إطلاق الخبيث على الحرام في قوله تعالى (7) «وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ»- و على الطاهر في قوله تعالى (8) «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» و على ما لا أذى فيه في النفس و البدن، كما يقال: زمان طيب، أي لا أذى فيه من حر أو برد إلا

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 168.

(2) سورة الأنعام: 6- الآية 145.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب صفات القاضي- الحديث 60 من كتاب القضاء.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(6) سورة البقرة: 2- الآية 172.

(7) سورة البقرة: 2- الآية 267.

(8) سورة النساء: 4- الآية 43.

238

أن الأولين غير مرادين هنا، ضرورة عدم الفائدة في الجواب على الأول منهما، بل و على الثاني الذي هو توقيفي من الشارع، بل في المسالك و لا الثالث، لأن المأكول لا يوصف به و إن كان فيه منع واضح.

ثم قال: «فتعين أن يكون المراد ردهم إلى ما يستطيبونه و لا يستخبثونه، فردهم إلى عادتهم و ما هو مغرز في طبائعهم، و لأن ذلك هو المتبادر من معنى الطيب عرفا، و سيأتي في الأخبار ما ينبه عليه، و المراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي و ذوي الاضطرار من جفاة العرب، فإنهم يستطيبون ما دب و درج، كما سئل بعضهم عما يأكلون فقال: كل ما دب و درج إلا أم جنين، فقال بعضهم: لتهن أم جنين العافية لكونها أمنت أن تؤكل». و فيه أن أكلهم ذلك لا يقتضي استطابتهم له.

و منه يعلم ما في مجمع البرهان قال: «معنى الخبيث غير ظاهر، إذ الشرع ما بينه، و اللغة غير مرادة، و العرف غير منضبط، فيمكن أن يقال: المراد عرف أوساط الناس و أكثرهم حال الاختيار من أهل المدن و الدور لا أهل البادية، لأنه لا خبيث عندهم، بل يستطيبون جميع ما يمكن أكله، فلا اعتداد بهم» بل ربما نوقش أيضا بأنه إن أراد إحالة التنفر و الاشمئزاز إلى عرفهم فهو إنما يتم لو علم أنه معنى الخباثة و هو بعد غير معلوم، و إن أراد إحالة الخباثة إلى غيرهم فلا عرف لها عند غير العرب، لأنها ليست من لغتهم و لم يتعين مرادفها في لغتهم.

هذا مع أن طباع أكثر أهل المدن العظيمة أيضا مختلفة في التنفر و عدمه جدا، كما لا يخفى على من اطلع على أحوال سكان بلاد الهند و الترك و الإفرنج و العجم و العرب في مطاعمهم و مشاربهم، و لذا خص بعض بعرف

239

بلاد العرب، و هو أيضا غير مفيد، لأن عرفهم في هذا الزمان غير معلوم مع أنه لو كان مخالفا للغة لم يصلح مرجعا، و كذا عرفهم في زمان الشرع.

و بالجملة لا يتحصل لنا اليوم من الخبائث معنى منضبطا يرجع اليه، فيجب الاقتصار فيها على ما علم صدقها عليه قطعا، كفضلة الإنسان، بل فضلة كل ما لا يؤكل لحمه من الفضلات التحتية المنتنة، و كالميتات المتعفنة و نحوها، و الرجوع في البواقي إلى الأصل الأول، و لا يضر عدم حجية بعض العمومات المبيحة للأشياء لتخصيصها بالمجمل، إذ الأصل العقلي و الشرعي في حلية ما لم يعلم حرمته كاف في المطلوب.

و ربما يؤيد ذلك بأن عقاقير الأدوية المركبة تنفر عنها غالب الطباع و تشمئز منها أكثر النفوس مع أنها ليست خبيثة عرفا و لا محرمة شرعا، بل ربما كان عدم الاعتياد سببا في تنفر الطبع، كما في الجراد الذي تنفر عنه طباع العجم دون العرب، و كالحية و الفأرة و الضب و نحوها التي تنفر عنها طباع أهل المدن دون أهل البادية، و ربما كانت الحرمة الشرعية سببا في ذلك كالخنزير الذي يستطيبه النصارى دون المسلمين.

إلا أنه لا يخفى عليك ما في الجميع، ضرورة كون المراد من الخبيث الذي هو عنوان التحريم هو ما يستخبثه الإنسان بطبعه السليم من آفة من حيث ذاته و ينفر منه و يشمئز منه، من غير فرق بين العرب و العجم و أهل المدن و البادية و زمان اليسار و غيره، إذ هو معنى قائم في المستخبث لا يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الناس، و يقابله الطيب الذي هو كذلك، فلا عبرة بنفرة بعض الطباع، لعدم تعود أو لعدم ملائمة لخصوص ذلك الطبع أو لغير ذلك مما يكون سببا للنفرة لا من حيث الطبع الإنساني المشترك بين غالب أفراده.

أو يقال: إن المراد بيان سهولة هذه الملة و سماحتها و عدم الحرج

240

فيها و عدم التكليف الابتلائي فيها، كما اتفق لبني إسرائيل الذين حرم عليهم بعض الطيبات بسبب أفعالهم، و إن المحرم فيها الخبائث، و المحلل فيها الطيب لتشتد الرغبة في الدخول فيها،

قال المفضل (1): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): لم حرم اللّه الخمر و الميتة و الدم و الدم و لحم الخنزير؟ قال:

إن اللّه تبارك و تعالى لم يحرم ذلك على عباده و أحل لهم ما سواه من رغبته منه فيما حرم عليهم و لا زهد فيما أحل لهم، و لكنه خلق الخلق، فعلم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم، فأحله لهم و أباحه تفضلا منه عليهم به لمصلحتهم، و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر و أحل له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأمره أن يتناول منه بقدر البلغة لا غير ذلك- ثم قال-: أما الميتة فإنه لا يدمنها أحد إلا ضعف بدنه و نحل جسمه و وهنت قوته و انقطع نسله، و لا يموت آكل الميتة إلا فجأة، و أما الدم فإنه يورث أكله الماء الأصفر، و يبخر الفم و يورث الكلب و القسوة في القلب و قلة الرأفة و الرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده و و الدية، و لا يؤمن على حميمه، و لا يؤمن على من يصحبه و أما لحم الخنزير فان اللّه تبارك و تعالى مسخ قوما من صور شتى مثل الخنزير و القرد و الدب و ما كان من المسوخ، ثم نهى عن أكل المثلة (عن أكل الثلاثة خ ل عن أكله مثله خ ل) لكيلا ينتفع الناس به، و لا يستخفوا بعقوبته، و أما الخمر فان اللّه حرمها لفعلها و فسادها، و قال: مدمن الخمر كعابد وثن يورثه الارتعاش، و يذهب بنوره، و يهدم مروته، و يحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء و ركوب الزنا، و لا يؤمن إذا سكر أن يثب على محرمه و هو لا يعقل ذلك، و الخمر لا يزداد شاربها

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

241

إلا شرا»

إلى غير ذلك من النصوص (1) الواردة في بيان علل تحريم ما حرمه عليهم.

و لذا

ورد (2) أنه «سألوا النبي (صلى اللّه عليه و آله) عند ذلك عما أحل لهم، فقال: أحل لكم الطيبات كما حكاه اللّه تعالى شأنه بقوله (3):

يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ ما عَلَّمْتُمْ»

إلى آخرها.

و حينئذ يكون الحاصل أن المراد بيان أن الذي حرمه عليهم من الخبائث بخلاف ما أحله لهم، فإنه من الطيبات، لا أن المراد جعل ذلك عنوانا للحل و الحرمة حتى يشكل باختلافه باختلاف الناس و يرمى لذلك بالإجمال.

و على كل حال ف النظر فيه أي الكتاب المزبور يستدعي بيان أقسام ستة:

[القسم الأول في حيوان البحر]

الأول:

في حيوان البحر و لا يؤكل منه إلا ما كان سمكا أو طيرا بلا خلاف أجده فيه بيننا، كما اعترف به في المسالك، بل عن الخلاف و الغنية و السرائر و المعتبر و الذكرى و فوائد الشرائع الإجماع عليه، و هو الحجة بعد تبينه على

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الدر المنثور- ج 2 ص 259.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 4.

242

وجه يمكن دعوى تحصيله، و إن وسوس فيه بعض متأخري المتأخرين لاختلاف الطريقة.

مضافا إلى عموم ما دل على حرمة الميتة (1) بناء على إرادة مطلق ما فارقته الروح منها، أو على أن الأصل عدم حصول التذكية الشرعية المسوغة للأكل في كل ما شك فيه من الحيوان.

و إلى ما عساه يظهر من

موثق الساباطي (2) المسؤول فيه عن الربيثا فقال: «لا تأكله فإنا لا نعرفه في السمك يا عمار»

و لا يقدح في حجية العلة فيه عدم العمل في مورده باعتبار معارضته بما هو أقوى منه مما يدل على كونه من السمك (3).

و بذلك كله ينقطع أصل البراءة و الإباحة، بل و يخص عموم حل الصيد الشامل لما عدا السمك و ما دل على حل الأزواج الثمانية و غيرها من الكتاب و السنة.

بل قد يقال بتبادر السمك خاصة من الأول و لو لكونه المعهود صيده من البحر و المذكور في مقام الامتنان على العباد بقوله (4) «لَحْماً طَرِيًّا» خصوصا بعد ملاحظة اقتضاء إرادة العموم منه حل كثير من حيواناته المحرمة إجماعا و كتابا و سنة (5) للضرر أو الخباثة أو غيرهما على وجه يكون الخارج أكثر من الداخل.

بل لعل الثاني أيضا منصرف، للتبادر و غيره إلى حيوان البر خاصة،

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(4) سورة النحل: 16- الآية 14.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة.

243

و المرسل (1) «كل ما كان في البحر مما يؤكل في البر مثله فجائز أكله، و كل ما كان في البحر مما لا يجوز أكله في البر لم يجز أكله»

- مع خروجه عن الحجية فضلا عن قصوره عن المعارضة- موافق للعامة،

كالصحيح (2) «كل شيء في البحر ليس له قشر مثل الورق ليس بحرام، و إنما هو مكروه»

و الخبر (3) «عن أكل لحم الخز، قال: كلب الماء، إن كان له ناب فلا تقربه و إلا فأقربه».

و حينئذ فوسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور أو ميلة إلى الحل في الجملة- بل ربما حكي عن الصدوق أيضا و إن كنا لم نتحققه- في غير محله، نعم لا خلاف بين المسلمين بل و غيرهم في حل السمك منه بل لعله من ضروري الدين.

كما لا خلاف معتد به بين المؤمنين في اشتراط ذلك بأن يكون له فلس أي قشر كالورق سواء بقي عليه كالشبوط و البياح أو لم يبق كالكنعت الذي هو حوت سيئة الخلق تحتك بكل شيء فيذهب فلسها، و لذا لو نظرت إلى أصل أذنها وجدته فيه.

أما ما ليس له فلس في الأصل كالجري ففيه روايتان (4): أشهرهما رواية التحريم بل هي إن لم تكن متواترة فمقطوعة المضمون باعتبار تعاضدها و روايتها في الكتب الأربعة و غيرها و تعدد كيفية دلالتها.

(فمنها) في خصوص الجري نهيا و تصريحا بالحرمة أو بالكراهة (5)

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 19.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6 و 7 و 15 و 16 و 17.

244

المراد منها ذلك، و النهي عن بيعه (1) و ضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالدرة من يفعل ذلك و نداؤه في الأسواق بذلك (2) و أن التجنب عن ذلك من شرائط محض الإسلام و من الايمان (3) و غير ذلك من وجوه الدلالة.

(و منها) النهي عن بيع ما لا قشر له من السمك (4) الذي يظهر من النصوص (5) أنه هو علامة الحل و الحرمة.

(و منها) التصريح بكونه و الزمير و المارماهي من المسوخ (6) التي قد عرفت النهي عن أكلها في خبر المفضل (7) السابق و غيره (8).

بل و عملا، بل عن الخلاف و الغنية و السرائر الإجماع عليه، بل لعله كذلك، إذ لم نجد مخالفا إلا ما يحكى عن القاضي و الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، مع أنه في كتاب المكاسب منها جعل التكسب بالجري و غيره من السمك الذي لا يحل أكله من المحظور، بل قال في باب الحدود منها: «و يعزر إن أكل الجري و المارماهي أو غير ذلك من المحرمات، فان عاد أدب ثانية، فان استحل شيئا من ذلك وجب عليه القتل» و مقتضاه كونه من ضروري المذهب أو الدين، فليس حينئذ إلا القاضي الذي هو من أثباعه، و يمكن إرادته الحرمة من الكراهة.

فمن الغريب بعد ذلك ميل بعض الناس إلى القول بالكراهة جاعلا لها وجه جمع بين الأخبار التي لا يخفى على من لاحظها إباء جملة منها

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 9 و 10.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(8) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة.

245

لذلك، على أن الجمع بذلك فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه: منها موافقة رواية الحل للعامة التي جعل اللّه الرشد في خلافها، بل لا يخفى على من لاحظها الإيماء فيها لذلك.

قال زرارة في الصحيح (1): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجريث، فقال: و ما الجريث؟ فنعته له، فقال لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ (2)- إلى آخرها ثم قال-: لم يحرم اللّه شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، و يكره كل شيء ليس له قشر مثل الورق، و ليس بحرام، و إنما هو مكروه».

و محمد بن مسلم في الصحيح (3) أيضا: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجري و المارماهي و الزمير و ما ليس له قشر حرام هو؟

فقال: يا محمد اقرأ هذه الآية التي في الأنعام: قل: لا أجد فيما أوحي قال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: إنما الحرام ما حرم اللّه و رسوله في كتابه، و لكن قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها».

و لهذين الصحيحين مال أو قال بعض متأخري المتأخرين إلى الحل جامعا بينهما و بين غيرهما من النصوص بالكراهة، ل

صحيح الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) «لا يكره شيء من الحيتان إلا الجري»

و خبر حكم (5) عنه (عليه السلام) أيضا «لا يكره شيء من الحيتان إلا الجريث».

لكن عن الشيخ في كتابي الأخبار إباحة ما عدا الجري من السمك و قال: «الوجه في الخبرين المزبورين أنه لا يكره كراهة التحريم إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 19.

(2) سورة الأنعام: 6- الآية 145.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 20.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 17.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 18.

246

الجري و إن كان يكره كراهة الندب و الاستحباب» و ظاهره التفصيل بين الجري و غيره.

و لا ريب في ضعف الجميع، للنصوص التي إن لم تكن متواترة فهي مقطوعة المضمون باعتبار كثرتها و تعاضدها و روايتها في الكتب الأربعة و غيرها في الجري و غيره مما لا قشر له.

قال محمد بن مسلم في الصحيح (1): «أقرأني أبو جعفر (عليه السلام) شيئا من كتاب علي (عليه السلام) فإذا فيه أنهاكم عن الجري و الزمير و المارماهي و الطافي و الطحال».

و قال سماعة (2): «قال الصادق (عليه السلام): لا تأكل الجريث و لا المارماهي و لا طافيا و لا طحالا، لأنه بيت الدم و مضغة الشيطان».

و في خبر حبابة الوالبية (3) «رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس و معه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري و المارماهي و الزمار، و يقول لهم: يا بياعي مسوخ بني إسرائيل و صيد بني مروان، فقام إليه فرات بن آصف (أحنف ظ) فقال: ما صيد بني مروان؟

قال: أقوام حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا».

و في خبر حنان بن سدير (4) قال: «سأل العلاء بن كامل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر عنده عن الجري، فقال: وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) أشياء من السمك محرمة، فلا تقربه، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما لم يكن له قشر من السمك فلا تقربه».

و قال الكلبي النسابة (5): «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجري فقال: إن اللّه مسخ طائفة من بني إسرائيل، فما أخذ منهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

247

بحرا فهو الجري و الزمير و المارماهي و ما سوى ذلك، و ما أخذ منهم برا فالقردة و الخنازير و الوبر و الورك و ما سوى ذلك».

و في الفقيه

قال الصادق (عليه السلام) (1): «لا تأكل الجري و لا المارماهي و لا الزمير و لا الطافي، و هو الذي يموت في الماء، فيطفو على رأس الماء».

و بإسناده عن محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام):

«لا تأكل الجري و لا الطحال».

و بإسناده أيضا إلى حبابة الوالبية (3) «سمعت مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنا أهل بيت لا نشرب المسكر و لا نأكل الجري و لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا و ليستن بسنتنا».

و عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون المروي في العيون (4) «محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه- إلى أن قال-: و تحريم الجري من السمك و السمك الطافي و المارماهي و الزمير و كل سمك لا يكون له فلس».

و في خبر عبيد اللّه المروي عن كتاب صفات الشيعة (5) عن الصادق (عليه السلام) «من أقر بسبعة أشياء فهو مؤمن: البراءة من الجبت و الطاغوت، و الإقرار بالولاية، و الايمان بالرجعة، و الاستحلال للمتعة، و تحريم الجري، و المسح على الخفين».

و خبر الأصبغ بن نباتة (6) عن علي (عليه السلام) «لا تبيعوا الجري و لا المارماهي و لا الطافي».

و خبر محمد بن مسلم (7) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 9.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 10.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 11.

(7) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 12.

248

الجريث، فقال: و اللّه ما رأيته قط و لكن وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) حراما».

و خبر أبي بصير (1) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما يكره من السمك، فقال: أما في كتاب علي (عليه السلام) فإنه نهى عن الجريث».

و خبر أبي سعيد (2) «خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) على بغلة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فخرجنا معه نمشي حتى انتهى إلى موضع أصحاب السمك فجمعهم، ثم قال: أ تدرون لأي شيء جمعتكم؟

قالوا: لا، قال: لا تشتروا الجريث و لا المارماهي و لا الطافي على الماء، و لا تبيعوه».

و في مرسل ابن فضال عن غير واحد من أصحابنا (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «الجري و المارماهي و الطافي حرام في كتاب علي (عليه السلام)».

و في صحيح الحلبي (4) عنه (عليه السلام) أيضا: «لا تأكل الجري و لا الطحال، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كرهه، و قال: إن في كتاب علي (عليه السلام) النهي عن الجري و عن جماع من السمك».

و في خبر الأصبغ بن نباتة (5) عن علي (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي «أمتان مسختا من بني إسرائيل، فأما التي أخذت البحر فهي الجريث، و أما التي أخذت البر فهي الضباب».

و في مرفوع هارون بن عبد اللّه إلى علي (عليه السلام) (6) «إن الجري كلمه من الماء، فقال: عرض اللّه علينا ولايتك فقعدنا عنها،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 13.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 14.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 15.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 16.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 22.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 23.

249

فمسخنا اللّه، فبعضنا في البر و بعضنا في البحر، فأما الذين في البحر فنحن الجراري، و أما الذين في البر فالضب و اليربوع».

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الحرمة في الجميع من وجوه كما ذكرناه، منها اعتبار القشر في الحل و عدمه في الحرمة.

قال حماد بن عثمان (1): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الحيتان ما يؤكل منها؟ فقال: ما كان له قشر، قلت: ما تقول في الكنعت؟ قال: لا بأس بأكله، قال: قلت: فإنه ليس له قشر، فقال: بلى و لكنها حوت سيئة الخلق تحتك بكل شيء، فإذا نظرت في أصل أذنها وجدت لها قشرا».

و في خبر السندي عن يونس (2) قال: «كتبت إلى الرضا (عليه السلام) السمك لا يكون له قشور أ يؤكل؟ قال: إن في السمك ما يكون له زعارة فيحتك بكل شيء فتذهب قشوره، و لكن إذا اختلف طرفاه يعني ذنبه و رأسه فكل»

و إن كنا لم نجد من اعتبر العلامة المزبورة لفاقد القشور، و لا بأس مع شهادة التجربة لها، و مرجعها إلى القشور أيضا.

و في خبر إسحاق صاحب الحيتان (3) قال: «خرجنا بسمك نتلقى به أبا الحسن (عليه السلام) و قد خرجنا من المدينة، و قد قدم هو من سفر له، فقال: ويحك يا فلان لعل معك سمكا، فقلت: نعم يا سيدي جعلت فداك، فقال: انزلوا، فقال: ويحك لعله زهو، قال: قلت:

نعم فأريته، فقال: اركبوا لا حاجة لنا فيه»

و الزهو: سمك ليس له قشور.

و في خبر عمر بن حنظلة (4) «حملت الربيثا في صرة فدخلت على

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

250

أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألته عنها، فقال: كلها، و قال:

لها قشر».

و في خبر حنان بن سدير (1) «أهدى فيض بن المختار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ربيثا فأدخلها عليه و أنا عنده، فنظر إليها، فقال: هذه لها قشر، فأكل منها و نحن نراه»

إلى غير ذلك من النصوص، مضافا إلى ما دل منها على حرمة أكل المسوخ (2) التي هي المثلة.

و مع ذلك كله- مضافا إلى الشهرة العظيمة، بل هي إجماع، و إلى ما سمعته من محكي الإجماع- لا ينبغي الوسوسة في الحكم المزبور، خصوصا في مثل هذا الزمان الذي كاد يكون من ضروري المذهب.

فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين فيه التي نشأت من اختلال الطريقة، و كان المنشأ لها و لأمثالها ثاني الشهيدين، بل و المصنف في بعضها، حتى في مثل المقام، حيث قال و كذا الزمار و المارماهي و الزهو، لكن أشهر الروايتين (3) هنا الكراهية و ظاهره الميل إلى التفصيل بين الجري و بين الثلاثة، بل كاد يكون صريحه في النافع، و قد سمعت ما حكيناه عن الشيخ في كتابي الأخبار.

إلا أنه قد ظهر مما ذكرناه من النصوص و الإجماعات و غيرها عدم الفرق بين الجميع في الحرمة التي يجب حمل ما خالفها على التقية التي هي مرجح آخر لما ذكرنا من النصوص المعتضدة بالشهرة و محكي الإجماع و غيرهما.

نعم لا خلاف في أنه يؤكل الربيثا و الإربيان و الطمر و الطبراني

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 و غيره.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة.

251

و الإبلامي و غيرها من أصناف السمك ذي القشور،

قال محمد بن الطبري (1): «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن سمك يقال له: الإبلامي و سمك يقال له: الطبراني و سمك يقال له: الطمر و أصحابي ينهون عن أكله، فكتب: كله لا بأس به، و كتبت بخطي»

و ليس إلا لأن لها قشورا و فلوسا التي هي علامة الحل، لما سمعته من النصوص (2).

مضافا إلى

صحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له: يرحمك اللّه إنا نؤتى بالسمك ليس له قشر، فقال: كل ماله قشر من السمك و ما ليس له قشر فلا تأكله».

و قال حماد بن عثمان (4): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

جعلت فداك الحيتان ما يؤكل منها؟ قال: ما كان له قشر».

و في مرسل حريز (5) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يكره الجريث و يقول: لا تأكل من السمك إلا شيئا عليه فلوس، و كره المارماهي».

و في خبري عبد اللّه بن سنان (6) و مسعدة (7) «كان علي (عليه السلام) بالكوفة يركب بغلة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثم يمر بسوق الحيتان فيقول: لا تأكلوا و لا تبيعوا ما لم يكن له قشر من السمك».

و في مرسل الصدوق (8) قال الصادق (عليه السلام): «كل من السمك ما كان له فلوس، و لا تأكل ما ليس له فلس»

إلى غير ذلك من النصوص التي ينبغي أن يقضي العجب بعد ملاحظتها من الوسوسة

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 9 عن سهل بن محمد الطبري، و في التهذيب ج 9 ص 13- الرقم 47 عن سهل عن محمد الطبري.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(8) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

252

في الحكم المزبور و الحمل على الكراهة التي يأباها حرص علي (عليه السلام) و نداوة في الأسواق و ضربه من يبيعها، مع أن كثيرا من لفظ الكراهة في المقام يراد منه الحرمة بقرائن عديدة في الخبر (1) المتضمن له و غيره، و منها

أنه (عليه السلام) «كان لا يكره الحلال».

و أما الربيثا فقد سمعت ما دل على حل أكلها في النصوص (2) مضافا إلى

خبر محمد بن إسماعيل (3) «كتبت إلى الرضا (عليه السلام) اختلف الناس في الربيثا فما تأمرني به فيها؟ فكتب (عليه السلام) لا بأس بها».

و خبر علي بن حنظلة (4) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الربيثا، فقال: قد سألني عنها غير واحد، و اختلفوا علي في صفتها، قال: فرجعت فأمرت بها فجعلت ثم حملتها إليه، فسألته عنها، فرد علي مثل الذي رد، فقلت: قد جئتك بها فضحك، فأريته إياها، فقال: ليس به بأس»

إلى غير ذلك من النصوص التي لا يقاومها

موثق عمار (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن الربيثا، فقال:

لا تأكلها، فإنا لا نعرفها في السمك»

بعد عدم وجود عامل به، و يمكن حمله على حيوان خارج عن اسم السمك.

و أما الإربيان فلا خلاف نصا و فتوى في حله،

قال يونس (6): «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في أكل الإربيان؟ فقال لي: لا بأس بذلك، و الإربيان ضرب من السمك».

و في مرسل محمد بن جمهور (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 10.

253

«أنه سئل عن الإربيان، و قال: هذا يتخذ منه شيء يقال له: الربيثا فقال: كل، فإنه جنس من السمك، ثم قال: أما تراها تقلقل في قشرها».

هذا كله في السمك و أما غيره من حيوان البحر ف لا يؤكل السلحفاة أي الرق و لا الضفادع و لا السرطان بل و لا شيء من حيوان البحر ككلبه و خنزيره و غيرهما مما عرفت، لما عرفت.

و في خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) «لا يحل أكل الجري و لا السلحفاة و لا السرطان، قال: و سألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر و الفرات أ يؤكل؟ قال: ذلك لحم الضفادع لا يحل أكله».

و ما في خبر أحمد بن إسحاق (2) المروي عن مكارم الأخلاق «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله عن الإسقنقور يدخل في دواء الباه و له مخاليب و ذنب أ يجوز أن يشرب؟ فقال: إذا كان له قشور فلا بأس»

محمول على ارادة نفي البأس عنه إذا كان من السمك، و إلا كان مطرحا نحو ما سمعته في كلب الماء.

إنما الكلام في قبول التذكية لما لا يؤكل من الحيوان البحري على وجه يخرج عن حكم الميتة، سواء كان له نفس سائلة أو لا، بناء على لحوق حكم الميتة لغير ذي النفس أيضا، قال الفاضل في القواعد: «و لو ذبح حيوان البحر مثل كلبه و فرسه و غيرهما لم يحل» و ليس فيه إلا نفي الحل الذي قد عرفت المفروغية منه بالنسبة إلى جميع حيوان البحر إلا السمك و الطير.

لكن قال في كشف اللثام في شرح العبارة المزبورة: «و لو ذبح حيوان البحر ما يشبه منه ما لا يقبل التذكية من حيوان البر مثل كلبه

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

254

و ما يشبه ما يقبلها منه مثل فرسه و ما لا يشبه شيئا منهما غيرهما لم يحل أكله اتفاقا، لما مر من حرمة ما سوى السمك، و لكن جميع ذلك يقبل التذكية إن كانت له نفس سائلة حتى كلبه و خنزيره فيطهر، و يجوز استعماله في غير الأكل للعموم».

قلت: قد عرفت البحث سابقا في العموم المزبور على وجه يقطع أصالة عدم التذكية حتى في حيوان البحر و حتى ما لا يقبل التذكية شبهه في البر كالخنزير، فالوجه التوقف في ذلك. نعم قد يقال بثبوتها في كلاب الماء خاصة، للسيرة و لخصوص بعض الأخبار المتقدمة في لباس المصلي في الخز (1) أما غيره فجريان التذكية فيه لا يخلو من بحث.

و لو سلم ففي خصوص ما تجري التذكية في شبهه في البر لا مطلقا اللهم إلا أن يثبت عموم يقتضي قابلية كل حيوان ذي نفس للذبح المزبور:

و أنه يخرج به عن اسم الميتة، أو يقال: إن التذكية المخرجة عن اسم الميتة عرفية لا شرعية، فتقع حينئذ على كل حيوان ذي نفس، و هما معا محل للبحث، هذا كله في ذي النفس.

أما غير ذي النفس فإجراء حكم التذكية عليه أشد إشكالا بناء على اجراء حكم الميتة بالنسبة إلى استعماله عليه و إن كان طاهرا، لأن إلحاق تذكيته بتذكية السمك بإخراجه من الماء حيا قياس، بل قد يشكل جريان حكم هذه التذكية للجري و نحوه من السمك المحرم فضلا عنه بناء على أن ثبوتها شرعا للمأكول من السمك لا مطلقة، و أشكل من ذلك إجراء التذكية الذبحية التي هي ظاهرة في ذي النفس لا مطلقا، و قد تقدم بعض الكلام

____________

(1) راجع ج 8 ص 86- 90.

255

في ذلك في لباس المصلي (1) و في كتاب الصيد و الذباحة (2) فلاحظ و تأمل و احتط، فإن المسألة غير منقحة على وجه تستريح النفس في الحكم بها، و اللّه العالم.

و لو وجد في جوف سمكة ذكاها بأخذها حية سمكة أخرى فعن الشيخين و غيرهما حلت إن كانت من جنس ما يحل، و إلا فهي حرام و مقتضاه الحل و إن لم يعلم بحياتها حين الأخذ و بهذا روايتان طريق أحدهما السكوني (3)

عن الصادق (عليه السلام) «إن عليا (عليه السلام) سئل عن سمكة شق بطنها فوجد في جوفها سمكة، قال: كلهما جميعا»

و الأخرى مرسلة إلا أن

المرسل لها أبان الذي هو من أصحاب الإجماع عن بعض أصحابه (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت: رجل أصاب سمكة في جوفها سمكة، قال: يؤكلان جميعا».

و لكن من المتأخرين كابن إدريس و الفاضل في محكي التحرير و ولده و المقداد من منع استنادا إلى عدم اليقين بخروجها من الماء حية الذي هو تذكية السمك، فتبقى على أصالة عدم التذكية التي لا يقطعها الخبران بعد الضعف و الإرسال و عدم الجابر و إن كان المرسل من أصحاب الإجماع كما بين في محله.

و لكن ربما كانت الرواية أرجح استصحابا لحال الحياة المقطوع بها في الجملة و لو قبل ابتلاع السمكة لها إلى حين الأخذ، فيكون

____________

(1) راجع ج 8 ص 67.

(2) راجع ص 192- 195.

(3) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الذبائح- الحديث 2 من كتاب الصيد و الذباحة.

(4) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الذبائح- الحديث 1 من كتاب الصيد و الذباحة.

256

الخبران مؤكدين للقاعدة لا مثبتين حكما مخالفا لها، فلا يقدح عدم حجيتهما، و لعله لذا مال إليه المصنف هنا، بل هو خيرته في النافع و الفاضل في القواعد.

لكن لا يخفى عليك ما فيه من كون الأصل المزبور من الأصول المثبتة المعارضة باستصحاب الحرمة و بأصالة عدم حصول التذكية المتوقفة على شرط لا ينقحه الأصل، و الفرض عدم حجية الخبرين، و اللّه العالم.

و لو وجدت السمكة في جوف حية فعن النهاية أكلت إن لم تكن تسلخت، و لو تسلخت لم تحل ل

خبر أيوب بن أعين (1) عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: جعلت فداك ما تقول في حية ابتلعت سمكة ثم طرحتها و هي حية تضطرب آكلها؟ قال: إن كان فلوسها قد تسلخت فلا تأكلها و إن لم تكن تسلخت فكلها»

و لكنه مع قصوره و معارضته لما دل (2) على كيفية ذكاة السمك ظاهر في الحية المضطربة.

و من هنا قال المصنف الوجه أنها لا تحل إلا أن تقذفها و السمكة تضطرب بل قال و لو اعتبر مع ذلك أخذها حية لتحقق الذكاة لمثلها كان حسنا ضرورة كونها كغيرها من السمك المعتبر فيه ما عرفت، و ابتلاع الحية لها لا يوجب حكما آخر لها، و الخبر المزبور بعد عدم حجيته مطرح أو محمول على صورة أخذها حية، و النهي عن أكلها مع تسلخ فلوسها مخافة الضرر، فما عن المختلف- من العمل بالخبر المزبور مع اعتباره في ذكاة السمك أخذه- واضح الضعف، أو منزل على ما ذكرناه، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبائح من كتاب الصيد و الذباحة.