جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
257

و لا يؤكل الطافي من السمك و هو ما يموت في الماء، سواء مات بسبب كضرب العلق أو حرارة الماء أو بغير سبب أو ما يلقيه البحر ميتا أو يموت لنضب الماء عنه، بلا خلاف أجده بيننا في شيء من ذلك فتوى و نصا بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص.

قال الحلبي في الصحيح (1): «سألت الصادق (عليه السلام) عما يوجد من السمك طافيا على الماء أو يلقيه البحر ميتا فقال: لا تأكله».

و قال الشحام (2): «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عما يوجد من الحيتان طافيا على الماء أو يلقيه البحر ميتا آكله؟ قال: لا».

و قال الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (3): «لا تأكل ما نبذه الماء من الحيتان، و لا ما نضب الماء عنه».

و قال (عليه السلام) أيضا في صحيحه الآخر (4): «لا يؤكل ما نبذه الماء من الحيتان و لا ما نضب الماء عنه».

و قال الصادق (عليه السلام) في الموثق (5): «لا يؤكل الطافي من السمك»

إلى غير ذلك. مضافا إلى ما دل على تحريم الميتة من الكتاب (6) و السنة (7) و الإجماع.

خلافا لأكثر العامة من الحل مطلقا، و لبعض منهم، ففوق بين الموت بسبب خارج فيحرم، و الموت من قبل نفسه فيحل، و ضعفهما واضح، و لعل

مرسل المغيرة (8) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «و ذكر

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(6) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(8) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

258

الطافي و ما يكره الناس منه، فقال: إنما الطافي من السمك المكروه ما تغير ريحه»

على مذاق العامة.

و كذا ما يموت في شبكة الصائد في الماء الذي فيه حياته أو في حظيرته كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا (1) و قد حملنا ما دل من النصوص (2) على ذلك على الموت خارج الماء في المصيدة، و لعل من ذلك ما في خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عما حسر عنه الماء من صيد البحر و هو ميت أ يحل أكله؟ قال:

لا، قال: و سألته عن صيد البحر نجسه فيموت في مصيدته، قال: إذا كان محبوسا فكل فلا بأس».

بل و تقدم الكلام أيضا (4) في أنه لو اختلط الميت بالحي بحيث لا يتميز و أنه قيل: حل الجميع و لكن قد عرفت أن اجتنابه أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها باب المقدمة، لكن

في الفقيه (5) قال الصادق (عليه السلام): «إن وجدت سمكا و لم تعلم أ ذكي هو أم غير ذكي- و ذكاته أن يخرج من الماء حيا- فخذ منه، فاطرحه في الماء، فان طفا على الماء مستلقيا على ظهره فهو غير ذكي، و إن كان على وجهه فهو ذكي، و كذلك إذا وجدت لحما و لم تعلم أ ذكي هو أم ميتة فألق منه قطعة على النار، فان انقبض فهو ذكي و إن استرخى على النار فهو ميتة»

ثم قال: «و روي في من وجد سمكا و لم يعلم

____________

(1) راجع ص 171- 174.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبائح من كتاب الصيد و الذباحة.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(4) راجع ص 171.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

259

أنه مما يؤكل أو لا فإنه يشق عن أصل ذنبه، فان ضرب إلى الخضرة فهو مما لا يؤكل، و إن ضرب إلى الحمرة فهو مما يؤكل» (1).

و في كشف اللثام «ذكر الصدوق و المفيد و السيد و سلار و بني حمزة و إدريس و سعيد و الفاضل في التحرير أنه إذا وجد سمكة و لا يدري أ ذكية هي أم لا فلتعتبر بالماء، فان طفت على الماء مستلقية على ظهرها فهي غير ذكية، و إن طفت عليه على وجهها فهي ذكية، قال السيد: و يجب على هذا الاعتبار أن يقول أصحابنا في السمك الطافي على الماء: إنه ليس بمحرم على الإطلاق، بل يعتبرونه بما ذكرناه، فان وجد طافيا على ظهره أو وجهه عملوا بحسب ذلك، و استدل عليه بالإجماع، و قال ابن زهرة:

يعتبر السمك بطرحه في الماء، فان رسب فهو ذكي، و إن طفا فهو ميت و استدل عليه بالإجماع».

قلت: كان ذلك لاستعلام موته و حياته فعلا لا الميت المعلوم موته، ضرورة عدم صلاحية ذلك لمعرفة موته الصيدي و غيره، فان السمك متى مات طفا مستلقيا على ظهره، سواء كان موته بصيد أو بغيره، و إطلاق النص (2) و الفتوى حرمة الطافي المراد به الميت في الماء لا مشتبه الحال، و حينئذ فإطلاق الأصحاب بحاله لا يرد عليه ما ذكره السيد، كما لا يرد على ما ذكره في التحرير من وجوب الاجتناب مع اشتباه الميت بغيره أنه ينبغي الاعتبار المزبور لا الاجتناب.

هذا و لكن في الدروس «و يحرم الطافي، و هو ما يطفو على الماء ميتا إذا علم أنه مات في الماء، و لو علم كونه مات خارج الماء حل، و لو اشتبه فالأقرب التحريم» و قال في المقنع: «إذا اشتبه السمك هل

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأطعمة المحرمة.

260

هو ذكي أم لا طرح على الماء، فان استلقى على ظهره فحرام، و إن كان على وجهه فذكي» و اختاره الفاضل، و ظاهره كون المراد معرفة موته السابق من ذكاته لا الفعلية، و ربما كان ذلك ظاهر غيره أيضا.

لكن لا يخفى عليك ما فيه من الإشكال، ضرورة عدم الفرق في طفوه بعد موته بين كونه عن إخراج أو خروج أو إخراج مسلم أو غير مسلم، و اللّه العالم.

و لا يؤكل الجلال الذي ستعرف المراد به إنشاء اللّه تعالى من السمك كغيره من أفراد الجلال على المشهور بين الأصحاب نصا (1) و فتوى، كما ستعرف إنشاء اللّه تعالى حتى يستبرأ بأن يجعل في الماء يوما و ليلة عند الأكثر على ما في المسالك و كشف اللثام، ل

خبر يونس (2) عن الرضا (عليه السلام) «سألته عن السمك الجلال فقال: ينتظر به يوما و ليلة».

لكن

في الفقيه «أن رواية القاسم بن محمد الجوهري (3) السمك الجلال يربط يوما إلى الليل في الماء»

و في كشف اللثام عن الصدوق و الشيخ الاكتفاء بذلك.

و لا ريب أن الأول أحوط و أشهر عملا و أولى، لاستصحاب الحرمة بل يمكن إرجاع الأخير إليه باحتمال ارادة دخول تمام الغاية و لو للجزء الأول.

نعم هما معا خاليان عما ذكره المصنف و غيره من أنه يطعم علفا و أن يكون طاهرا، بل ظاهرهم كونه طاهرا فعلا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7 راجع الفقيه ج 3 ص 214 الرقم 992 و 993.

261

فلا يكفي النجس و لو عارضا، و يمكن أخذهم الأول مما ورد (1) في استبراء غير السمك من البعير و الشاة و البقرة و البطة و الدجاجة من اعتبار الغذاء و التربية مدة كذا، خصوصا مع ذكر غير السمك في الخبرين المزبورين، ف

قال في الأول (2): الدجاجة تحبس ثلاثة أيام، و البطة سبعة أيام، و الشاة أربعة عشر يوما، و البقرة ثلاثين يوما، و الإبل أربعين يوما»

مما هو معلوم إرادة تغذيه في مدة الحبس بغير العذرة، و كذا

الثاني (3) الذي فيه أيضا «أن البقرة تربط عشرين يوما، و الشاة تربط عشرة أيام و البطة تربط ثلاثة أيام، و الدجاجة تربط ثلاثة أيام»

مما هو معلوم إرادة الغذاء و التربية في مدة الحبس و لو للنصوص الأخر (4) فيعلم كون المراد من الجميع الحبس مع الغذاء و التربية.

بل ربما يؤيده

مرسل علي بن أسباط (5) «في الجلالات، قال:

لا بأس بأكلهن إذا كن يخلطن»

الذي إن لم يرد به ما تحقق فيه وصف الجلل و أن الخلط لاستبرائه أمكن استفادة حصول الرفع بذلك، كما يحصل به الدفع، أي إذا كان الجلل لا يحصل مع الخلط ابتداء فكذلك يرتفع بالحبس مع التغذية بغير ما حصل به الجلل بعد تحققه، لحصول الخلط حينئذ و لو مع ترتب الزمان، بل لعل أصل الاستبراء بالحبس مع الغذاء ليتحقق هذا القسم من الخلط الرافع للجلل، فتأمل جيدا فإنه دقيق جدا.

نعم قد يشكل اعتبار الطهارة في العلف، اللهم إلا أن يدعى الانسياق و إلا كان زيادة في جلله، مضافا إلى الاستصحاب، بل هو مقتضى كونه طاهرا ذاتا و عرضا، مضافا إلى الاحتياط و إلى ظهور ارادة ذلك من إطلاق

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

262

الأصحاب، إذ الطاهر حقيقة ما ليس بنجس ذاتا و لا عرضا.

و ربما يشهد له ما تسمعه من الخبر (1) في استبراء شارب لبن الخنزيرة إذا لم يشتد الذي نص فيه على علفه الكسب و الشعير و نحوهما، و حينئذ فيكفي ذلك في تقييد الخبر المزبور (2) و عدم تحقق الجلل بأكله و لو خاصة لا يقتضي الاكتفاء به في الزوال، و إن كان هو مقتضى ما ذكرناه من استفادة حصول الرفع بما يحصل به الدفع من خبر الخلط (3) إلا أن الاستصحاب و ظهور كلمات الأصحاب و دعوى الانسياق يقتضي الاقتصار على العلف الطاهر فعلا مدة الحبس، بل في التحرير اعتبار كون الماء الذي يحبس فيه السمك طاهرا، و لا ريب في أنه أحوط و أولى، و اللّه العالم.

و بيض السمك المعبر عنه الآن بالثرب من المحلل حلال و إن كان أملس و (كذا خ) بيض المحرم حرام و إن كان خشنا بلا خلاف محقق أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع على الأول، خصوصا مع ملاحظة السيرة القطعية على استعمال الصحناة التي هي طبخ السمكة جميعها و خصوصا مع ملاحظة التبعية في بيض غيره من الحيوان كالدجاجة و الطاوس و البطة و غيرها مما ستعرفه مع أولوية ما نحن فيه بالتبعية منه.

ففي

خبر ابن أبي يعفور (4) عن الصادق (عليه السلام) «أن البيض إذا كان مما يؤكل لحمه فلا بأس به و بأكله، و هو حلال».

و في خبر داود بن فرقد (5) عنه (عليه السلام) أيضا «كل شيء

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

263

لحمه حلال فجميع ما كان منه من لبن أو بيض أو إنفحة كل ذلك حلال طيب».

بل قد يدعى كونه مع عدم انفصاله عن السمك من أجزائه على وجه يشمله دليل الحل و الحرمة له، بل قد يدعى أن ذلك هو السبب في الحكم بالتبعية و لو في البيض المنفصل كالدجاج و نحوه باعتبار كون مبدئه قبل انفصاله جزء من الحيوان المحلل و المحرم أو كالجزء، فيبقى على الحل و الحرمة بعد الانفصال.

هذا و في الرياض الاستدلال على المقام بالخبرين المزبورين بعد تنقيح دلالتهما بإرادة الحرمة من نفي البأس في مفهوم الأول و لو لدخول قوله (عليه السلام): «و هو حلال» في جواب الشرط، فيكون المفهوم نفي الحلية، و إرادة القيدية من الثاني الذي مفهومها حجة بلا خلاف لا الوصفية المحضة.

لكن قد يناقش بعدم صدق البيض عرفا على ثروب السمك، و إنما أطلقه الأصحاب عليه لضرب من المجاز، باعتبار كونه مبدأ تكون السمك كالبيض و غيره، نعم قد يستفاد منهما تبعية ذلك في الحل و الحرمة و إن لم يكن بيضا عرفا، و الأمر سهل.

و على كل حال لا ينافي ما ذكرنا إطلاق جماعة من الأصحاب ممن تقدم على المصنف حلية الخشن من بيض السمك دون الأملس و المستماع الذي قد يتوهم منه كون ذلك مدار الحرمة و الحل فيه دون التبعية المزبورة، و حينئذ فيحرم الأملس و إن كان من المحلل، و يحل الخشن و إن كان من محرم، بل ربما حكي عن ابن إدريس أنه فهم ذلك منهم و أنكره، و قال: «لا دليل عليه بل السيرة المستمرة على استعمال الصحناة تقتضي

264

خلافه» بل أيده في محكي المختلف بعموم قوله تعالى (1) «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ» لإمكان تنزيل الإطلاق المزبور على إرادة التميز عند الاشتباه، كما أومأ إليه المصنف و من تأخر عنه بقوله و مع الاشتباه يؤكل ما كان خشنا لا ما كان أملس بل لعله الظاهر منهم و إن كنا لم نقف على خبر بالتفصيل المزبور.

إلا أنه يمكن شهادة التجربة له، و إلا لاقتضى حرمة الأملس من المحلل و الخشن من المحرم، و لا دليل عليه، بل ظاهر ما سمعته من الأدلة خلافه بل المحكي عن ابن إدريس في كشف اللثام أنه فهم من الإطلاق المزبور التفصيل بذلك في المحلل من السمك و أنكر عليهم بما سمعت، و مع تسليمه فهو في محله، أما على الأول فهو مثلهم في الإنكار أو أولى، ضرورة اقتضائه الحل مطلقا، و هو مناف لما سمعته مما يقتضي التبعية المزبورة القاطعة لأصل الحل، من غير فرق بين المتصل و المنفصل، فالتحقيق حينئذ ما ذكرناه، و اللّه العالم.

[القسم الثاني في البهائم]

القسم الثاني في البهائم و لا خلاف بين المسلمين في أنه يؤكل من الإنسية منها جميع أصناف الإبل و البقر و الغنم بل هو من ضروري الدين و المشهور بيننا شهرة كادت تكون إجماعا كما اعترف به غير واحد

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 96.

265

إن لم تكن كذلك أنه يكره الخيل و البغال و الحمير الأهلية في الثلاثة، بل عن الخلاف الإجماع على ذلك، كما عن الانتصار و الغنية أنه من متفردات الإمامية في الأول و الثالث، للأصل و النصوص المستفيضة أو المتواترة أو المقطوع بمضمونها.

قال محمد بن مسلم (1): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن لحوم الخيل و البغال و الحمير، فقال: حلال و لكن الناس يعافونها».

و قال أيضا في خبره الآخر (2): «إنه سئل عن سباع الطير و الوحش حتى ذكر له القنافذ و الوطواط و الخيل و الحمير و البغال، فقال:

ليس الحرام إلا ما حرم اللّه في كتابه، و قد نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير، و إنما نهاهم من أجل ظهورها أن يفنوها، و ليست الحمير بحرام- ثم قال-: إقرأ هذه الآية:

قُلْ: لا أَجِدُ (3)- إلى آخرها-»

الذي لا يقدح في حجيته اشتماله على معلوم الحرمة، خصوصا مع احتمال كون الجواب فيه عن الثلاثة.

و في خبر عمر بن خالد عن زيد بن علي (4) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «أتيت أنا و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رجلا من الأنصار فإذا فرس له يكيد بنفسه، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): انحره يضعف لك به أجران: بنحرك إياه و احتسابك له، فقال: يا رسول اللّه أ لي منه شيء؟ قال: نعم كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(3) سورة الأنعام: 6- الآية 145.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 عن عمرو بن خالد. كما في التهذيب ج 9 ص 48.

266

و أطعمني، قال: فأهدى للنبي (صلى اللّه عليه و آله) فخذا منه، فأكل منه و أطعمني».

و في خبر زرارة (1) المروي عن تفسير العياشي عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن أبوال الخيل و البغال و الحمير، قال: و كرهها، قلت: ليس لحومها حلالا؟ قال: فقال: أو ليس قد بين اللّه لكم وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (2) قال وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً (3) فجعل للأكل الأنعام التي قص اللّه في الكتاب، و جعل للركوب الخيل و البغال و الحمير، و ليس لحومها بحرام و لكن الناس عافوها».

و في خبر زرارة و محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألاه عن أكل لحوم الحمير الأهلية، فقال: نهى رسول (صلى اللّه عليه و آله) عن أكلها يوم خيبر، و إنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت، لأنها كانت حمولة للناس، و إنما الحرام ما حرم اللّه في القرآن».

و في خبر أبي الجارود (5) عنه (عليه السلام) أيضا «سمعته يقول:

إن المسلمين كانوا جهدوا في خيبر، فأسرع المسلمون في دوابهم، فأمرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بإكفاء القدور، و لم يقل إنها حرام، و كان ذلك إبقاء على الدواب».

و في خبر محمد بن مسلم (6) المروي عن العلل عنه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

(2) سورة النحل: 16- الآية 5.

(3) سورة النحل: 16- الآية 8.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

267

أيضا، قال: «نهى رسول (صلى اللّه عليه و آله) عن أكل لحوم الحمير، و إنما نهى عنها من أجل ظهورها مخافة أن يفنوها، ليست الحمير بحرام، ثم قرأ هذه الآية (1) قُلْ: لا أَجِدُ- إلى آخرها-».

و في خبر أبي الحسن الليثي (2) عن الصادق (عليه السلام) قال:

«سئل عن لحوم الحمير الأهلية فقال: نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن أكلها، لأنها كانت حمولة للناس يومئذ، و إنما الحرام ما حرم اللّه في القرآن و إلا فلا».

و في خبر محمد بن سنان (3) المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) «أنه كتب إليه في جواب مسائله: كره أكل لحوم البغال و الحمير الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها و استعمالها و الخوف من فنائها و قلتها، لا لقذر خلقها و لا قذر غذائها».

إلى غير ذلك من النصوص التي منها أيضا تحليل ألبان الأتن، ك

حسن العيص (4) سأل الصادق (عليه السلام) «عن شرب ألبان الأتن، فقال: لا بأس بها».

و لم أجد خلافا في العمل بمضمونها إلا من المفيد فيما حكي عنه في

____________

(1) سورة الأنعام: 6- الآية 145.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7

عن أبي الحسن الميثمي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «سئل أبي عن لحوم.»

إلا أن الموجود في العلل ص 563 ط النجف الأشرف أبو الحسن الليثي.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3 و فيه

«عن شرب ألبان الأتن؟ فقال: اشربها»

و في

خبر أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي رواه في الوسائل بعد هذا الحديث «عن شرب ألبان الأتن فقال لي: لا بأس بها»

268

كشف اللثام من تحريم البغال و الحمير و الهجن من الخيل، بل قال: «إنه لا تقع الذكاة عليها» و من الحلبي فيما حكي عنه أيضا من تحريم البغال.

و لعله ل

مرسل أبان بن تغلب (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن لحوم الخيل، فقال: لا تؤكل إلا أن تصيبك ضرورة، و عن لحوم الحمير الأهلية، فقال: نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن أكلها يوم خيبر».

و المرسل (2) في محكي المقنع «عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير و الحمر الإنسية حرام».

و صحيح ابن مسكان (3) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أكل الخيل و البغال، فقال: نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عنها و لا تأكلها إلا أن تضطر إليها».

و صحيح سعد بن سعد (4) عن الرضا (عليه السلام) «سألته عن لحوم البرازين و الخيل و البغال، فقال: لا تأكلها».

و خبر أبي بصير (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان يكره أن يؤكل لحم الضب و الأرنب و الخيل و البغال، و ليس بحرام كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير، و قد نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن لحوم الحمير الأهلية، و ليس بالوحشية بأس».

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و في ذيله

«عن لحوم الحمر الأهلية، قال: و في كتاب علي (عليه السلام) أنه منع أكلها»

و ما ورد من لذيل في الجواهر هو خبر ابن مسكان الذي رواه في الوسائل بعد مرسل أبان.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

269

و هي- مع عدم حجية بعضها من حيث السند و لا جابر بل الموهن محقق، و التصريح في غيرها من النصوص بأن النهي عن الحمير يوم خيبر بل و غيرها من الخيل و البغال للاحتياج إلى ظهورها لا لحرمتها، بل في المسالك الاستدلال بصحيح الضرورة على الحل من حيث إطلاق الضرورة فيه و اشتمالها على ما لا يقول به الحلبي من تحريم البغل خاصة، بل و المفيد الذي قد خص الحرمة في الهجين من الخيل- غير مكافئة لما عرفت من وجوه، منها الاعتضاد بالشهرة العظيمة و محكي الإجماع إن لم يكن محصله و مخالفة الكتاب و العامة الذين جعل اللّه الرشد في خلافهم، فتعين طرحها أو حملها على الكراهة أو التقية أو غير ذلك مما لا ينافي القول المزبور.

نعم هي على تفاوت بينها (فيها خ ل) بالكراهية بل في صريح المسالك و ظاهر غيرها الاتفاق على التفاوت المزبور، و عن المشهور أن كراهة البغل أشد، لتركبه من الفرس و الحمار، و هما مكروهان، و عن القاضي و ظاهر الحلي أن كراهة الحمار أشد، لأن المتولد من قوي الكراهة و ضعيفها أخف كراهة من المتولد من قويها خاصة، و لكن التعليلين كما ترى.

و على كل حال فالخيل أخفها، خصوصا بعد أكل النبي (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) منها (1)، و لعل البغل أشد من الحمير للشهرة، و يحتمل الحمير، لكثرة نصوص النهي عنها (2) و الأمر سهل، هذا كله في الإنسية.

أما الوحشية فلا خلاف أجده في حلها، كما ستعرف إنشاء اللّه، نعم في الدروس عن ابن إدريس و الفاضل كراهة الحمار الوحشي، و عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة.

270

الحلبي كراهة الإبل و الجاموس، و الذي في مكاتبة أبي الحسن (عليه السلام) (1) في لحم حمر الوحش «تركه أفضل».

و روي (2) في لحم الجاموس «لا بأس به».

قلت: يأتي الكلام في حمار الوحش، و أما الإبل و الجاموس فقد يظهر من المصنف و غيره عدم الكراهة فيها و في غيرها من الأنعام، لكن

قال الصادق (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن أبي زياد (3): «ألبان البقر دواء و سمونها شفاء و لحومها داء»

و في خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لحوم البقر داء»

و نحوه خبر السكوني (5) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام). و في خبر عبد الحميد ابن المفضل السمان (6) «سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن سمن الجواميس فقال: لا تشتره و لا تبعه»

لكن عن الشيخ أن هذا الخبر موافق لمذهب الواقفية، لأنهم يعتقدون أن لحم الجواميس حرام، فأجروا السمن مجراه و ذلك باطل عندنا لا يلتفت إليه.

قلت: و لعله لذلك نفي البأس عن لحم الجواميس و شرب ألبانها و أكل سمونها في خبر عبد اللّه بن جندب (7) و قال أيوب بن نوح (8): «سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الجاموس و أعلمته أن أهل العراق يقولون: إنه مسخ فقال: أ و ما علمت قول اللّه:

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المباحة.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

(8) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

271

وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ (1)»

فلا دلالة حينئذ في نفي البأس على نفي الكراهة، كما عساه يظهر من الدروس، و اللّه العالم.

[و قد يعرض التحريم للمحلل من وجوه]

هذا و قد يعرض التحريم للمحلل من وجوه:

[العارض الأول الجلل]

أحدها الجلل، و هو أن يغتذي عذرة الإنسان لا غير على المشهور ل

مرسل موسى بن أكيل (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في شاة شربت بولا ثم ذبحت، فقال:

يغسل ما في جوفها، ثم لا بأس به، و كذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلالة، و الجلالة هي التي يكون ذلك غذاؤها»

بناء على أن المنساق من العذرة فضلة الإنسان أو أنها المراد بها، كما تقدم في منزوحات البئر (3)

و في المرسل الآخر (4) «في الجلالات لا بأس بأكلهن إذا كن يخلطن».

خلافا للمحكي عن أبي الصلاح، فألحق غيرها من النجاسات بها في تحقق الجلل المحرم، و لا دليل له معتد به يصلح لقطع الأصل و العمومات بعد منع صدق اسم الجلل على ذلك عرفا، و بعد ما سمعته من المرسل المعتضد بالعمل، و ما في الصحاح- من أن الجلالة البقرة التي تتبع النجاسات- تفسير بالأعم.

و للمحكي عن الشيخ في المبسوط، فلم يعتبر الاختصاص بالعذرة، إلا أنه جعل الحكم حينئذ الكراهة في التي يكون أكثر علفها ذلك لا التحريم، قال في محكي الخلاف: «الجلال عبارة عن البهيمة التي تأكل العذرة اليابسة أو الرطبة- إلى أن قال-: فان كان هذا أكثر علفها

____________

(1) سورة الأنعام: 6- الآية 144.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) راجع ج 1 ص 230.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

272

كره لحمها عندنا- ثم قال-: و روى أصحابنا تحريم ذلك إذا كان غذاؤه كله من ذلك».

و ربما يشهد له المرسل الثاني الذي يمكن الجمع بينه و بين المرسل الأول بإرادة خصوص المحرم من الجلال من التفسير فيه، لا مطلق الجلال، و لكن لا يخفى عليك سهولة الأمر بعد فرض كون الحكم الكراهة في الفرد المزبور لا التحريم.

و على كل حال ف المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة أنه يحرم أكل الجلال حتى يستبرأ، و قيل و القائل الإسكافي و الشيخ في المحكي عنهما يكره بل عن الثاني منهما نسبته إلى مذهبنا إلا أنك قد عرفت كون الجلال عنده المحكوم عليه بالكراهة هو الذي يكون أكثر علفه العذرة، لا الذي لا علف له غيرها الذي ظاهره الحرمة فيه باعتبار نسبته إلى روايات أصحابنا التي لا محيص عن العمل بها.

و من ذلك يظهر لك المناقشة في النسبة المزبورة في مفروض البحث بل القول بالكراهة في الفرد الذي ذكره ليس مختصا به، بل هو مذهب أكثر علمائنا، كما اعترف به غير واحد، و حينئذ فينحصر الخلاف في محل البحث في الإسكافي الذي يمكن دعوى لحوقه بالإجماع إن لم يكن مسبوقا به، بل عن بعض الأجلة حمل كلامه على ما يرجع إلى المشهور، فلا خلاف حينئذ، و على تقديره فلا ريب في شذوذه و ضعفه، إذ لا دليل سوى الأصل المخصص بالمعتبرة المستفيضة المروية من طرق العامة و الخاصة.

ففي

صحيح هشام بن سالم (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «لا تأكلوا من لحوم الجلالات، و إن أصابك من عرقها فأغسله».

و في خبر حفص بن البختري (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

273

«لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة، و إن أصابك شيء من عرقها فاغسله».

و في خبر زكريا بن آدم (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «أنه سأله عن دجاج الماء، فقال: إذا كان يخلطن فلا بأس»

و في آخر (2) «إذا كان يلتقط غير العذرة فلا بأس»

قال (3): «و نهى عن ركوب الجلالة و شرب ألبانها، و قال: إن أصابك شيء من عرقها فاغسله».

و منه و من غيره يعلم إرادة الحرمة من البأس في مفهومه كالمرسل السابق.

كل ذلك مضافا إلى ما تسمعه من نصوص (4) الاستبراء الظاهرة في حرمة الأكل قبله و من هنا كان التحريم أظهر و حينئذ فما في الكفاية- من أن مستند التحريم أخبار لا يستفاد منها أكثر من الرجحان، مع ما عرفت من العمومات الدالة على الحل، فالقول بالكراهة مطلقا أقرب- واضح الضعف، خصوصا بعد ما قيل من أن مبناه عدم كون النهي حقيقة في التحريم الذي قد عرفت بطلانه في محله، على أنه هو قد اعترف بحمله عليه مع الشهرة، و لو لكونها حينئذ قرينة، و لا ريب في تحققها في المقام، كما صرح به في أول الكلام.

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5 و الموجود فيه

«أنه سأله عن دجاج الماء فقال: إذا كان يلتقط غير العذرة فلا بأس»

و ليس لزكريا في المقام غير هذه الرواية، و ما ذكره من اللفظ في الجواهر هو ذيل مرسل علي بن أسباط المروي في نفس الباب الحديث 3 و فيه

«في الجلالات، قال: لا بأس بأكلهن إذا كن يخلطن»

. (2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6 و هو مرسل الصدوق (قده).

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة.

274

و كيف كان فقد ذكر غير واحد أن النصوص (1) و الفتاوى المعتبرة خالية عن تعيين المدة التي يحصل فيها الجلل، و غاية ما يستفاد من المرسل الأول (2) اعتبار كون العذرة غذاؤه، و من الثاني (3) عدم البأس بأكله مع الخلط، و كل منهما بالإضافة إليها مجملة، و احتمال استفادتها من مدة الاستبراء- باعتبار دعوى اقتضاء ارتفاعه بها بحبسه عنها تحققه (4) بتغذيه فيها- لم نجد له أثرا في كلام الأصحاب، و لعله لوضوح منع الاقتضاء المزبور.

و عن بعضهم تقديرها بأن ينمو ذلك في بدنه و يصير جزءا منه، و آخر بيوم و ليلة، و استقربه الكركي، قال: «و يرجع في كونه جلالا إلى العرف، و قدره بعض المحققين بيوم و ليلة، و هو قريب كما في الرضاع المحرم، لأنه اقصر زمان الاستبراء» و ثالث بأن يظهر النتن في لحمه و جلده، يعني رائحة النجاسة التي اغتذت بها.

و الجميع كما ترى- و إن مال في المسالك إلى الأخير- لا دليل عليه سوى اعتبارات لا تصلح دليلا، و من هنا جعل بعضهم المدار على ما يسمى جلالا عرفا، و في الرياض «هذا أقوى، لأنه المحكم فيما لم يرد به من الشرع تعيين أصلا» و فيه ما عرفته سابقا من أنه لا عرف منقح الآن يرجع إليه، لعدم استعماله فيه، و لعله لذا قال في الكفاية بعد أن جعل الظاهر الرجوع إليه: «و في معرفته إشكال» بل لعل مبنى الأقوال المزبورة ذلك أيضا، و لذا رجع بعضهم فيه إلى الرضاع المحرم في الجملة.

نعم قد يقال: إن المتجه الرجوع إلى العرف في صدق ما سمعته في تفسيره بالمرسل السابق (5) و هو يصدق بكون ذلك غذاؤها، بل لعله

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) و في النسخة الأصلية «و تحققه» و الصحيح ما أثبتناه.

(5) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

275

لا يقدح فيه بعض الخلط الذي لا ينافي الصدق المزبور.

و على كل حال فلا بأس بالتغذي بغير العذرة من النجاسات و إن نبت لحمه عليها إلا ما تسمعه في لبن الخنزيرة، للأصل و إطلاق أدلة الحل التي لا يعارضها القياس على تغذي العذرة بعد بطلانه عندنا، و لا نمو الجزء من النجاسة بعد الاستحالة، و لعله لذا لا يقدح التسميد في العذرة للمزارع و إن صارت سببا في النمو، قال في خبر وهب بن وهب المروي عن قرب الاسناد (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «انه كان لا يرى بأسا بأن يطرح في المزارع العذرة»

مضافا إلى السيرة المستمرة و غيرها.

ثم لا يخفى عليك أن الجلل إنما يفيد تحريم الأكل للحيوان دون النجاسة للأصل و غيره، و الأمر بالغسل للعرق أعم من نجاسة الحيوان، بل و من العرق نفسه، خصوصا بعد الشهرة على الطهارة، إذ يمكن كون المراد به للصلاة، باعتبار صيرورته فضلة ما لا يؤكل لحمه المانعة من الصلاة و إن كانت طاهرة، فما في طهارة كشف اللثام- من أن الظاهر النجاسة و حكاه عن الفاضل في المنتهى- واضح الضعف، و قد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة (2).

بل لا يبعد بقاء قابلية الحيوان المزبور للتذكية المفيدة بقاء طهارته و إن حرم أكل لحمه، للأصل أيضا و غيره الذي مقتضاهما أيضا بقاؤه على جواز استعماله في الركوب و غيره، و النهي عن ذلك إنما هو لضرب من الكراهة، لعدم العامل به على الحقيقة فيما أجد.

و كيف كان فالظاهر الاتفاق نصا (3) و فتوى على قابلية عود الجلال

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) راجع ج 5 ص 284 و ج 6 ص 77- 80.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة.

276

إلى حل الأكل، بل لعل ذلك هو مقتضى كون عنوان الحكم الجلل الذي قد عرفت تفسيره بما سمعت، ضرورة انتفاء الحرمة بانتفاء مصداق تفسيره المزبور الذي مقتضاه عدم كونه جلالا حينئذ، و احتمال حرمة أكله حينئذ للاستصحاب و إن زال الاسم مناف لظهور كون العنوان في الحكم ما عرفت كما حررناه في حكم العصير، و حينئذ فالمتجه جعل المدار في عوده إلى الحل على ذلك.

و من هنا قال في المسالك: «إن ما لا تقدير لمدته شرعا يعتبر في حله زوال اسم الجلل عنه عرفا، و ذلك بأن يطيب لحمه و يزول نتنه على ذلك الوجه، و ما ورد على تقديره حكم معتبر من نص أو إجماع اعتمد عليه» و تبعه عليه غيره.

نعم في الرياض «أنه ينبغي تقييده بعدم إمكان استنباط مدته من مدة الجلالات المنصوصة بنحو من فحوى الخطاب و الأولوية» و ذلك كله إنما ينطبق على ما ذكرناه، و إلا لكان المتجه فيما لا تقدير فيه البقاء على الحرمة، للأصل كما اختاره النراقى، لكنه كما ترى.

بقي شيء: و هو أنه قد يظهر من غير واحد أن ما له تقدير معتبر شرعا يعود إلى الحل و إن بقي على وصف اسم الجلل، لإطلاق الدليل، لكن قد يناقش بانصرافه إلى ما هو المعتاد من زوال الاسم بذلك، و لا أقل من أن يكون به محل شك، لا ما علم بقاء وصف الجلل فيه حتى يكون مستثنى حينئذ من حكم الجلال لا موضوعه و إن كان هو محتملا، إلا أن الأظهر خلافه، و اللّه العالم.

و على كل حال ف في مدة الاستبراء في بعض الجلال خلاف نصا و فتوى و لكن المشهور فيهما بل لا أجد خلافا فيهما أن استبراء الناقة و البصير بل مطلق

277

الإبل و إن كانت صغارا بأربعين يوما بل عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه، بل اعترف غير واحد أن ذلك من المتفق عليه نصا (1) و فتوى.

و أما البقرة أي جنسها من غير فرق بين الذكر و الأنثى و الصغير و الكبير، فالمشهور أنها بعشرين يوما بل عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه، ل

خبر السكوني (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تغذى ثلاثة أيام، و البطة الجلالة بخمسة أيام، و الشاة الجلالة عشرة أيام، و البقرة الجلالة عشرين يوما، و الناقة الجلالة أربعين يوما»

المنجبر بما عرفت و المعتضد بخبر مسمع (3) على ما عن بعض النسخ.

و قيل و القائل القاضي و الشيخ في المبسوط على ما حكي عنها:

تستوي البقرة و الناقة في الأربعين للأصل المقطوع بما عرفت، و خبر مسمع (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) على ما في التهذيب و الاستبصار عن الكافي المنافي لما هو الموجود الآن في نسخ الكافي،- كما اعترف به غير واحد- من الثلاثين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغذى أربعين يوما، و البقرة الجلالة لا يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغذى ثلاثين يوما، و الشاة الجلالة لا يؤكل لحمها و لا يشرب لبنها حتى تغذى عشرة أيام، و البطة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تربى (تربط خ ل) خمسة أيام، و الدجاجة ثلاثة أيام»

المؤيد بخبرين آخرين ضعيفين:

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

278

أحدهما

مرفوع يعقوب بن يزيد (1) عن الصادق (عليه السلام) «الإبل الجلالة إذا أردت نحرها تحبس البعير أربعين يوما، و البقرة ثلاثين يوما، و الشاة عشرة».

و الثاني

خبر يونس (2) عن الرضا (عليه السلام) «الدجاج يحبس ثلاثة أيام، و البطة سبعة أيام، و الشاة أربعة عشر يوما، و البقرة ثلاثين يوما، و البعير أربعين يوما، ثم تذبح».

و من هنا قال بعض الأفاضل: الظاهر السهو في نسخة الكتابين المزبورين، بل قال: لا يمكن أن يكون لهما حجة، لمصيرهما في الشاة إلى السبعة مع تضمن الخبر المزبور العشرة على النسخة الموجودة من الكافي أو الخمسة على نسخة الكتابين، و إن كان قد يناقش بما ستعرف من معلومية جواز العمل ببعض الخبر دون بعضه.

نعم عن الصدوق و الإسكافي التقدير بالثلاثين، للنصوص (3) المزبورة إلا أنها- لضعفها و إن تعددت و تأيدت بأصالة الحرمة مع عدم الجابر- قاصرة عن مقاومة الخبر الأول (4) المنجبر و المعتضد بما سمعت.

بل في الرياض «أن أكثر هذه الروايات شاذة، بمعنى أنها لا يمكن أن تكون مستندا لهما بمصير الأول منهما إلى العشرين في الشاة و الثاني إلى أربعة عشر فيها، و هي متفقة في رد الأول، و ما عدا الأخيرة منها على رد الثاني» و إن كان يناقش بعدم اقتضاء ذلك شذوذ الخبر على وجه لا يستدل به على المطلوب في البعض الموافق، كما هو محرر في محله، نعم

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 و 4 و 5.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

279

هي غير حجة لما عرفت، و مرجوحة بذلك و من هنا كان الأول أظهر.

و أما الشاة فالمشهور استبراؤها بعشرة بل عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه، لخبري السكوني (1) و مسمع (2) و مرفوع يعقوب (3) المنجبرة بما عرفت.

و قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط بسبعة و لم نجد له دليلا على ذلك إلا ما في كشف اللثام من أنه مروي في بعض الكتب (4) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و في خبر مسمع (5) على ما عن بعض نسخ التهذيب «خمسة» و لم نجد به عاملا، و كذا المحكي عن الصدوق من العشرين، نعم عن الإسكافي أنها أربعة عشر، للخبر الضعيف السابق الذي لا جابر له، فهو ساقط عن قابلية الاستدلال به فضلا عن أن يعارض غيره. و حينئذ فلا ريب في أن الأول أظهر.

و أما البطة فالمشهور أنها بخمسة، بل عن الغنية الإجماع، لخبري السكوني (6) و مسمع (7) المنجبرين بما سمعت، و عن الشيخ في الخلاف سبعة للخبر (8) الضعيف المتقدم سابقا الذي قد عرفت حاله، خصوصا بعد اشتماله على الأربعة عشر في الشاة و الثلاثين في البقرة، و لا يقول بشيء

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(4) المستدرك- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و 3.

(5) التهذيب ج 9 ص 45 الرقم 189.

(6) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(8) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

280

منهما في كتبه، و ما في مرسل القاسم بن محمد الجوهري (1) من أنها تربط ثلاثة أيام لم أجد عاملا به إلا ما يحكى عن الصدوق، كالمرسل (2) أنه ستة، و عن الشيخ إلحاق شبهها بها، بل في كشف اللثام تبعه عليه غيره.

و أما الدجاجة فالمشهور أنه ثلاثة أيام، بل عن الخلاف الإجماع عليه، لخبري السكوني (3) و مسمع (4) و غيرهما، لكن عن المقنع أنه روي (5) يوما إلى الليل، و لم أجد عاملا به، و عن الشيخ و غيره إلحاق شبهها بها أيضا.

و بذلك كله ظهر لك أن ما عدا الخبر الأول لا يخلو من شذوذ في الجملة، و لا جابر له بخلافه، فإنه مع اعتباره في نفسه منجبر بالشهرة المحققة و المحكية في كلام جماعة، و معتضد فيما عدا البطة بالإجماع المحكي عن الخلاف، و فيما عدا الدجاجة بالإجماع المحكي عن الغنية، و من هنا قال في الرياض: «فلا مسرح عن العمل به و لا مندوحة».

فما يظهر من شيخنا الشهيد الثاني و جملة ممن تبعه من الإضراب عنه و عن كل من الأقوال المتقدمة و المصير إلى القاعدة، و هي اعتبار أكثر الأمرين من هذه المقدرات و ما يزول به الجلل ليخرج عن حق الأدلة لا وجه له و إن كان أحوط بلا شبهة، مع إنه إحداث قول مستأنف لم يوجد به قائل من الطائفة.

قلت: أشار بذلك إلى كلامه في الروضة، قال: «و مستند هذه التقديرات كلها ضعيف، و ينبغي القول بوجوب الأكثر، للإجماع على عدم اعتبار أزيد منه، فلا تجب الزيادة، و الشك فيما دونه، فلا يتيقن زوال التحريم

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

281

مع أصالة بقائه من حيث ضعف المستند، فيكون ما ذكرناه طريقا للحكم» و فيه أن المتجه حينئذ الرجوع إلى ما يزول به صدق اسم الجلل، ضرورة كونه بعد ضعف المستند كالذي لا تقدير له، و الرجوع إلى أكثر الأمرين إنما يتجه إذا لم يكن هناك قاعدة يرجع إليها، و هي ما عرفت.

و قال في المسالك: «و حيث كانت الطرق ضعيفة فينبغي الوقوف من ذلك على محل الوفاق، و هو مراعاة أكثر التقديرات، حيث لا قائل بما زاد عليها». و هو و إن لم يذكر أكثر الأمرين كما سمعته في الروضة لكن فيه أيضا أن المتجه الرجوع إلى القاعدة لا أكثر ما في النصوص المفروض عدم صحتها، فهي وجودها كعدمها، نعم لو علم منها أن المقدر أحد ما فيها و اشتبه كان المتجه ما ذكر، لا مع عدم العلم مع فرض عدم اعتبار شيء منها، إذ هو حينئذ كفاقد التقدير الذي قد اعترف هو و غيره بالرجوع فيه إلى القاعدة التي هي زوال وصف الجلل إن لم يستفد حكمه من فحوى و نحوها، كما هو واضح.

نعم قد يقال إن لم يكن إجماع: إن بناء اختلاف هذه التقادير على اختلاف أفراد الجلل قوة و ضعفا بالنسبة إلى زواله في المدة المزبورة و عدمه أو يقال باستحباب الزائد على الأقل الذي تضمنه الدليل المعتبر، و اللّه العالم.

و كيف كان ف كيفيته أي الاستبراء أن يربط و يمنع عن الغذاء بالعذرة و يعلف علفا طاهرا هذه المدة على الوجه الذي قد تقدم الكلام فيه في السمك، فلاحظ و تأمل مراعيا للاحتياط في التخلص من احتمال الجلل، بل قيل: إنه يستحب ربط الدجاجة التي يراد أكلها أياما ثم يذبحها و إن لم يعلم جللها،

للنبوي (1) المروي عن كتاب حياة الحيوان «إن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان إذا أراد أن يأكل

____________

(1) حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 331 ط مصر 1378.

282

دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها»

و إن لم يذكره أساطين الأصحاب بل هو مخالف للسيرة، و لكن الأمر سهل، و اللّه العالم.

[العارض الثاني أن يشرب الحيوانلبن خنزيرة]

العارض الثاني: أن يشرب الحيوان لبن خنزيرة ف في المتن و غيره إن لم يشتد كره لحمه، بل في صريح اللمعة و عن غيرها و لحم نسله أيضا و إن كان لم يحضرني الآن ما يدل عليه بالخصوص.

نعم

خبر السكوني (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن جدي غذي بلبن خنزيرة، فقال:

قيدوه و أعلفوه الكسب و الندى و الشعير و الخبز إن كان استغنى عن اللبن، و إن لم يكن استغنى عن اللبن فيلقى على ضرع شاة سبعة أيام ثم يؤكل لحمه»

يدل على أنه يستحب استبراؤه بسبعة أيام كما ذكره المصنف و غيره بناء على حمل الأمر فيه بذلك عليه، و على أن المراد بالغذاء فيه عدم الاشتداد اللهم إلا أن يستفاد منه مرجوحية عدم الأكل قبل هذا، و ليست إلا الكراهة.

و على كل حال ف ان اشتد حرم لحمه و لحم نسله أبدا و لا استبراء بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل عن الغنية الإجماع على التحريم، و في المسالك «أن فيه نصوصا كثيرة لا تخلو من ضعف، لكن لا راد لها» و إن كنا لم نعثر منها إلا على

موثق حنان بن سدير (2) الذي رواه المشايخ الثلاثة و غيرهم، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر عنده عن جدي وضع من لبن خنزيرة حتى شب و كبر و اشتد عظمه ثم إن رجلا استفحله في غنمه فخرج

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4

«سئل عن حمل غذي.»

. (2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

283

له نسل، فقال: أما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، و أما ما لم تعرفه فكله فهو بمنزلة الجبن، و لا تسأل عنه».

و موثق بشير بن مسلمة (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في جدي يرضع من خنزيرة ثم ضرب في الغنم فقال: هو بمنزلة الجبن، فما عرفت أنه ضربه فلا تأكله، و ما لم تعرفه فكل».

و مرفوع ابن سنان (2) «لا تأكل من لحم جدي رضع من لبن خنزيرة»

و نحوه مرسل الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) و خبر السكوني السابق (4) و مرسل للصدوق عن المقنع (5) بمضمون خبر حنان.

و إطلاق ما عدا الموثق المزبور و إن شمل صورتي الاشتداد و عدمه كإطلاق خبر السكوني المعارض لها الآمر بالاستبراء الظاهر في تحقق الحل بعده مطلقا، إلا أنه بعدم الخلاف السابق و الإجماع المحكي و ظهور «يرضع» في الموثق الأخير في التجدد و الاستمرار المقتضي للاشتداد حمل على التفصيل المزبور الذي قد يكون هو مقتضى أصالة عدم الحرمة في غير المشتد التي

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 عن بشر ابن مسلمة و هو الصحيح كما في التهذيب ج 9 ص 44 و الاستبصار ج 4 ص 76 و الكافي ج 6 ص 250.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 عن ابن سنان عن أبي حمزة رفعه قال:

«لا تأكل من لحم حمل.»

كما في الكافي ج 6 ص 250 و التهذيب ج 9 ص 44 و الاستبصار ج 4 ص 76.

(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و ذكره في الفقيه ج 3 ص 212- الرقم 985.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(5) المستدرك- الباب- 17- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

284

لا يعارضها إطلاق الأخبار المزبورة بعد أن لم تكن حجة لضعفها و عدم الجابر، بل الموهن موجود، فليس حينئذ إلا الحمل على التفصيل المزبور الذي مرجعه في غير المشتد إلى الندب و الكراهة المتسامح فيهما.

ثم لا تلحق بالخنزيرة الكلبة و لا الكافرة لحرمة القياس، و لا يختص الحكم بالجدي المحمول في النصوص على المثال، لما سمعته من فتوى الأصحاب و لا خصوص الارتضاع لذلك أيضا، نعم في خبر أحمد بن محمد (1) «كتبت إليه جعلني اللّه فداك من كل سوء، امرأة أرضعت عناقا حتى أفطمت و كبرت و ضربها الفحل ثم وضعت أ فيجوز أن يؤكل لحمها و لبنها؟

فكتب فعل مكروه، و لا بأس به».

و هو دال على الكراهة بناء على ارادة كون الأكل فعلا مكروها و لو بقرينة السؤال، و إن كان يحتمل إرادة الأرصاع، و اللّه العالم.

[العارض الثالث إذا وطأ الإنسان]

الثالث: إذا وطأ الإنسان صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا حرا أو عبدا عالما أو جاهلا مكرها أو مختارا حيوانا مأكول (2) اللحم قبلا أو دبرا حرم لحمه و لحم نسله و لبنهما بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن بعض نسبته إلى الأصحاب الظاهرة في الإجماع، بل ادعاه آخر، ل

خبر مسمع (3) المنجبر بما عرفت عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن البهيمة التي تنكح، فقال: حرام لحمها و كذلك لبنها».

و خبر محمد بن عيسى (4) أو صحيحه، لأن الظاهر كونه العبيدي

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) و في الشرائع «مأكولا» و الظاهر أنه (قده) أبرز علامة التنوين لهذه الكلمة في قوله: «دبرا».

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

285

و أنه

ثقة عن الرجل- و الظاهر أنه الهادي أو العسكري (عليهما السلام)- «إنه سئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة، قال: إن عرفها ذبحها و أحرقها و إن لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتى يقع السهم بها فتذبح و تحرق و قد نجت سائرها».

و موثق سماعة (1) «عن الرجل يأتي بهيمة شاة أو بقرة أو ناقة، فقال: عليه أن يجلد حدا غير الحد ثم ينفى من بلاده إلى غيره، و ذكروا أن لحم تلك البهيمة محرم و لبنها».

و روايات ابن سنان و الحسين بن خالد و إسحاق بن عمار و فيها الصحيح و غيره

عن الصادقين (عليهم السلام) (2) «في الرجل يأتي البهيمة، فقالوا جميعا: إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فإذا ماتت أحرقت بالنار و لم ينتفع بها، و إن لم تكن البهيمة له قومت و أخذ ثمنها منه، و دفع إلى صاحبها و ذبحت و أحرقت بالنار، و لم ينتفع بها- إلى أن قال-: فقلت:

و ما ذنب البهيمة؟ قال: لا ذنب لها، و لكن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فعل هذا و أمر به لكي لا يجتزئ الناس بالبهائم و ينقطع النسل».

و حسن سدير (3) عن الباقر (عليه السلام) «في الرجل يأتي البهيمة قال: يجلد دون الحد، و يغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنه أفسدها عليه، و تذبح و تحرق و تدفن إن كانت مما يؤكل لحمه، و إن كانت مما يركب ظهره أغرم قيمتها و جلد دون الحد، و أخرجت من المدينة التي فعل بها إلى بلاد أخر حيث لا يعرف فيبيعها فيها كي لا يصير بها».

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 من كتاب الحدود و التعزيرات.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4 من كتاب الحدود و التعزيرات.

286

و الخبر المروي عن تحف العقول (1) «سأل يحيى بن أكثم موسى البرقعي عن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأى الراعي ينزو على شاة منها، فلما بصر صاحبها خلى سبيلها فدخلت في الغنم، كيف تذبح؟ و هل يجوز أكلها أم لا؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن الثالث (عليه السلام) فقال:

إنه إن عرفها ذبحها و أحرقها، و إن لم يعرفها قسم الغنم نصفين و ساهم بينهما، فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف، فلا يزال كذلك حتى يبقى شاتان، فيقرع بينهما، فأيهما وقع السهم بها ذبحت و أحرقت و نجا سائر الغنم».

و هذه النصوص و إن خلت عن التصريح بالنسل المتفق ظاهرا على حرمته أيضا إلا أنه قد يستفاد و لو بمعونة الاتفاق المزبور من الذبح و الإحراق و عدم الانتفاع.

بل الظاهر عدم الفرق بين نسل الذكر و الأنثى، للنهي عن الانتفاع (2) و للإفساد و الأمر بالإحراق (3) و لفحوى ما ورد في المتغذي بلبن الخنزيرة (4) و إن توقف فيه بعض الناس، و احتمال اختصاص أصل الحكم في الأنثى لدعوى انصراف وطء البهيمة و عود ضمير «لبنها» في غاية السقوط، بل يمكن اتفاق النص و الفتوى على خلافه، ضرورة كون البهيمة كالدابة الشاملة للذكر و الأنثى، كضرورة اسم النكاح بمعنى الوطء و الإتيان و نحوهما

____________

(1) ذكر نقلا بالمعنى في الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 راجع تحف العقول ص 355 طبعة بيروت. و ذكره في البحار ج 65 ص 254 كالجواهر.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 من كتاب الحدود و التعزيرات.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 من كتاب الحدود و التعزيرات.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المحرمة.

287

للجميع، و قوله (عليه السلام): «و كذلك لبنها» (1)

لا يقتضي التخصيص و لو بمعونة الاتفاق ظاهرا على ذلك.

نعم قد يقال باختصاص الحكم بذات الأربع كما عن جماعة منهم الفاضل، لأنه المنساق عرفا، بل و من النص، بل قيل: إنها لغة كذلك فيقتصر عليه، خصوصا بعد مخالفة الحكم للأصول، و احتماله العموم- بل قيل:

إنه المشهور، فيشمل الطير، لأنها لغة اسم لكل ذي روح لا يميز كما عن الزجاج، و لذلك سميت بذلك- واضح الضعف، لما عرفت.

ثم إن الواطئ إما أن يكون مالك البهيمة أو غيره، و على التقديرين إما أن تكون البهيمة مما يقصد لحمها و لبنها كالشاة و البقرة، أو ظهرها كالخيل و البغال و الحمير و إن جاز أكلها، فإن كان الأول و كان الموطوء يراد لحمه فلا خلاف نصا (2) و فتوى في ذبحها و حرقها، و النفي في موثق سماعة (3) إنما هو للواطي، و لا أجد قائلا به، كما أنه كذلك لو كان المراد منه الموطوء.

و إن كان المراد ظهره نفي الموطوء إلى غير بلد الواطئ مما لا يعرف فيه، فيباع و يدفع ثمنه إلى مالكه، كما عن الشيخ و ابن إدريس، للأصل.

و عن المفيد و ابن حمزة من الصدقة به على الفقراء و المساكين عقوبة، و لا دليل على استحقاق العقوبة بذلك، بل ظاهر الأدلة عقوبته بغيرها من التعزير و نحوه.

بل ربما نوقش في أصل النفي المزبور بأنه لا دليل عليه سوى حسن سدير (4) الظاهر في تغاير المالك و الواطئ، و إن كان يدفعه- و لو بمعونة

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4 من كتاب الحدود و التعزيرات.

288

عدم الخلاف المحكي على ذلك- ظهور الحسن المذكور في عموم الحكم المزبور كالإحراق و إن كان مورده المتغايران إلا أن المراد منه بيان الحكم على التقديرين، خصوصا بعد التعليل بعدم التعيير الشامل للأمرين.

و إن كان غير المالك و الموطوء يراد لحمه فلا خلاف نصا (1) و فتوى في الذبح و الإحراق و إغرام الثمن لمالكها.

و إن كان المراد ظهره أغرم الثمن لمالكه و نفي في غير بلاد و بيع، كما سمعته في الحسن (2) لكن في دفع الثمن للمالك باعتبار بقائه على ملكه و إن أغرم له القيمة، و الجمع بين العوض و المعوض عنه إنما يمنع في عقود المعاوضة، أو للواطي لأنه الذي أغرم القيمة، بل لعل التعبير بالثمن في الحسن مشعر بصيرورة المثمن له، أو يتصدق به لعدم استحقاقهما معا له أما المالك فلأخذ العوض، و الواطئ فلعدم ملكه لها، فليس إلا الصدقة و لعله لا يخلو من قوة.

بل منه يظهر قوة ما سمعته من المفيد في الأول و إن كان القول برجوعه إلى الواطئ مطلقا أقوى بالنظر إلى قواعد الفقه.

ثم إن ظاهر المصنف و غيره اختصاص الحكم المزبور بأقسامه في مأكول اللحم دون محرمه كالهر و الكلب و الفيل، و نحوها، مع احتماله على معنى وجوب إحراقه و عدم جواز الانتفاع به، لإطلاق جملة من النصوص (3) التي لا ينافيها ما في آخر (4) من التعرض لحرمة اللحم، إذ المعنى حينئذ أنه يحرم لحمها إن كانت مأكولة، فهو حكم من الأحكام. بل قد يقال: إن اقتصار المصنف و غيره هنا في عنوان المسألة على المأكول لكونه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 من كتاب الحدود و التعزيرات.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4 من كتاب الحدود و التعزيرات.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم من كتاب الحدود و التعزيرات.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 و 3.

289

في معرض بيان ما يحرم لحمه بالمعارض.

و على كل حال ف لو اشتبه الموطوء بغيره قسم فريقين أو نصفين متساويين مع إمكانه و أقرع عليه مرة بعد أخرى حتى تبقى واحدة فتحرق أو تنفي على حسب ما عرفت بلا خلاف أجده فيه، للخبرين (1) المنجبرين بذلك و إن قلنا باقتضاء القاعدة خلاف ذلك من اجتناب أو غيره، نعم ظاهر الخبرين الاشتباه في محصور، بل صرح به بعض متأخري المتأخرين، بل يمكن تنزيل إطلاق غيره عليه، فيبقى حينئذ غير المحصور على حكمه و إن أمكن القول بالاقراع مطلقا في غير المحصور، لإمكانه بناء على عدم مراعاة التنصيف، لتعذره حتى في المحصور، حيث يكون العدد فردا، فيراد من النصف في النص (2) الفريق حينئذ، و إن كان الأولى مراعاة التنصيف حقيقة مع إمكانه، و إلا جعل الفرد مع أحد النصفين اقتصارا على المتيقن، و محافظة على الحقيقة أو القريب إليها.

نعم لا تختص القرعة في الواحدة المشتبهة، بل تجري مع التعدد و إن كان مورد الخبرين ذلك.

بل الظاهر جريان القرعة مع تلف بعض القطيع بموت أو سرقة و نحوهما، فيجعل التالف في فريق و يقرع، فإذا خرجت القرعة نجا الباقي.

و المدار في الوطء على مسماه، كما في غير المقام، نعم لا يحصل بإيلاج الخنثى المشكل، لعدم العلم بكونه ذكرا، و اللّه العالم.

و لو شرب شيء من هذه الحيوانات خمرا لم يحرم لحمه مع عدم النفوذ فيه بل و إن نفذ، و لكن قيل كما عن المشهور يغسل و يؤكل بل في كشف اللثام نسبته إلى الأصحاب، و لعله للاستظهار،

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

290

لسرعة نفوذ الخمر فيه، و المرسل عن السرائر (1) لأنه نسبه إلى الرواية قال فيها: «و قد روي أنه إذا شرب شيء من هذه الأجناس خمرا ثم ذبح جاز أكله بعد أن يغسل بالماء، و لا يجوز أكل شيء مما في بطنه و لا استعماله»

بعد الانجبار بما عرفت.

و على كل حال فالمشهور أيضا أنه لا يؤكل ما في جوفه من الأمعاء و القلب و الكبد و إن غسل، بل عن ابن زهرة الإجماع عليه، و هو الحجة بعد اعتضاده بالشهرة المزبورة، مضافا إلى خبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المروي في التهذيب و الكافي المنجبر و المعتضد بما عرفت، بل لعله في الثاني منهما من الموثق، كما وصفه في محكي الخلاف و الدروس، لأن الراوي له ابن فضال عن أبي جميلة، و عن الكشي عن بعض دعوى أنه من أصحاب الإجماع، و على كل حال فقد

قال (عليه السلام) «في شاة شربت خمرا حتى سكرت فذبحت على تلك الحال:

لا يؤكل ما في بطنها»

و إن كان هو أخص من المدعى من وجوه، إلا أنه يمكن إتمامه بالشهرة و عدم القائل بالفرق بين الشاة و غيرها.

خلافا للمحكي عن ابن إدريس من الكراهة، و عن الفاضل في المختلف أنه استقربه، و مال إليه ثاني الشهيدين و الأردبيلي و بعض متأخري المتأخرين استضعافا للخبر المزبور عن إفادة الحرمة سندا و دلالة، و الأصل الحل.

و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرنا، بل قد يقال: إن دعوى أخصيتها بالإضافة إلى دلالتها على حرمة ما في البطن مع الذبح حين السكر خاصة ممنوعة، إلا إذا ثبت فتاوى الفقهاء بالعموم للمذبوح و غيره، و هو غير واضح بعد استناد الأكثر إلى الرواية و تعليل الحكم في جملة منها بما

____________

(1) السرائر ص 366 ص 3.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

291

يختص بموردها مع وقوع التصريح في بعضها باختصاص الحكم به، و لعله المراد من إطلاق بعضها كالعبارة و نحوها مما لم يوجد فيه شيء من ذلك و على تقدير عدم اتفاق الفتاوى على ذلك فاتفاقها على العموم غير معلوم، بل العدم معلوم، و لا إجماع يوجب العموم، فالقول بالتخصيص متعين، و عليه فتكون الرواية وافية بتمام المدعى.

نعم إنما تكون أخص منه على القول بعمومه، و ليس فيه حجة على من يخصصها. فلا شبهة في المسألة أصلا، سيما مع دعوى الإجماع السابق على أنه مع فرض إطلاق الأصحاب ذلك يكون هو القرينة على إرادة العموم في الجواب و إن كان السؤال خاصا، و اللّه العالم.

و لو شرب شيء منها بولا لم يحرم اللحم أيضا بلا خلاف و لا إشكال، بل و لا يغسل للأصل، مع ما قيل من إمكان الفرق بينه و بين الخمر بسرعة نفوذ الثاني فيه دونه، و إن كان قد يناقش بأن غسل اللحم إن كان لنفوذ الخمر فيه كما هو الظاهر لم يتم الفرق بينه و بين ما في الجوف، و إن لم يصل إليه لم يجب تطهيره، مع أن ظاهر الحكم غسل ظاهر اللحم الملاصق للجلد، و باطنه المجاور للأمعاء، و الرواية خالية عن غسل اللحم.

و قد تدفع بأن المراد إمكان التخلص من البول بالغسل بخلاف الخمر فان الغسل لا يخرج أجزاءه النافذة في الأجزاء، بخلاف البول الذي لا تقبله الطبيعة و لا تتغذى به، و الأمر سهل، فان المراد توجيه النص الذي هو العمدة في الفرق.

و كيف كان فلا خلاف في أنه يغسل ما في بطنه و يؤكل ل

مرسل موسى بن أكيل النميري (1) المتقدم عن أبي جعفر (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

292

«في شاة شربت بولا ثم ذبحت، فقال: يغسل ما في جوفها ثم لا بأس و كذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلالة»

المنجبرة بالشهرة العظيمة بل لم أجد فيه خلافا، كما اعترف به بعض و إن كان هو قاصرا عن تمام المدعى.

بل في المسالك بعد التردد في الحكمين المزبورين قال: «هذا كله إذا كان ذبحها عقيب الشرب بغير فصل أو قريبا منه، أما لو تراخى بحيث يستحيل المشروب لم يحرم، و نجاسة البواطن حيث لا يتميز فيها عين النجاسة منتفية» و ظاهره اختصاص موضوع المسألة بغير ذلك، و تبعه عليه غيره، إلا أنه مناف لظاهر الأكثر أو الجميع، و يمكن كون الغسل تعبديا لا للنجاسة، بل مقتضى المرسل المزبور أن اعتلاف العذرة كذلك ما لم يكن جلالا، اللهم إلا أن يراد مثلها في الحل خاصة، كما أنه يمكن دعوى إرادة الذبح حال الشرب، بحيث تكون عين النجاسة باقية، و اللّه العالم.

و كيف كان فلا خلاف بيننا بل و بين أكثر المسلمين في أنه يحرم الكلب بل الإجماع بقسميه عليه، لأنه نجس و سبع و ممسوخ فيشمله ما دل على حرمة ذلك من نص (1) و إجماع، خلافا للمحكي عن مالك.

و كذا يحرم السنور بلا خلاف فيه بيننا أيضا أهليا كان أو وحشيا للنص (2) عليه بخصوصه، و لأنه سبع كما في بعض النصوص عن كتاب علي (عليه السلام) (3) مضافا إلى كون

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 و 3.

(2) سنن البيهقي- ج 6 ص 11.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأسئار- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

293

السبع هو الحيوان المفترس بطبعه أو للأكل كما عن القاموس، أو الذي له ناب أو أظفار يعدو بها على الحيوان و يفترسه، أو الذي يأكل اللحم.

و على كل حال هو منه، فيشمله ما دل على حرمتها من إجماع محكي معتضد بنفي الخلاف أو محصل و نص (1) خلافا لمالك أيضا و بعض الشافعية، و عن آخر منهم الفرق بين الوحشية و الإنسية، فأحل الأول دون الثاني قياسا على حمار الوحشي، و اللّه العالم.

و يكره أن يذبح بيده ما رباه من النعم كما تقدم في الذباحة (2) التي هي محل هذه المسألة لا المقام، ضرورة كون الكراهة الفعل لا الأكل بل في

خبر محمد بن الفضل (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) «لا تربين شيئا ثم تذبحه»

و هو شامل للنعم و غيره. اللهم إلا أن يقال: المراد بذلك الكناية عن الأكل أيضا، و اللّه العالم.

و على كل حال فلا خلاف بيننا بل و بين المسلمين في أنه يؤكل من الوحشية البقر و الكباش الجبلية التي هي على ما قيل الضأن و المعز الجبليان و الحمر و الغزلان و اليحامير بل الإجماع بقسميه عليه هنا، مضافا إلى النص (4) في الظبي و حمار الوحش و اليحمور و الإبل الذي هو على ما قيل بقر الجبل أو ذكر الأوعال، و السيرة المستمرة بل الضرورة، نعم ظاهر المتن و القواعد و التحرير و غيرها حصر المحلل من الوحش فيها، بل هو صريح محكي الغنية إلا أنه زاد الأوعال سادسا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) راجع ص 138.

(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبائح- الحديث 1 من كتاب الصيد و الذباحة.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المباحة و الباب- 17- من أبواب الصيد- الحديث 2 و 4 من كتاب الصيد و الذباحة.

294

لكن قد يشكل ذلك بالخيل و الإبل و البغال لو كانت وحشية، لإطلاق ما دل على حلها إنسية كانت أو وحشية، و دعوى الانصراف إلى الأول خاصة ممنوعة كما في بقر الوحش و حماره. بل قد يشكل بالنعامة بناء على أنها من غير الطير و أنها حلال، و لكن يمكن عدم إرادة الفاضلين الحصر بل ربما كان منهما ما ينفي الظهور، حيث عقبا تحليل الخمسة من الوحوش النص على تحريم السباع، و المفهومان متعارضان في الخارج عن السباع و الأنواع الخمسة، فلا يستفاد حكمه منهما.

و على كل حال فلا خلاف بيننا في أنه يحرم منها ما كان سبعا، و هو ما كان له ظفر أو ناب يفترس به، قويا كان كالأسد و النمر و الفهد و الذئب أو ضعيفا كالثعلب و الضبع و ابن آوى بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى السيرة المستمرة، و في مرسل الكافي (1) «لا تأكل من السباع شيئا»

و في صحيح الحلبي (2) «لا يصلح أكل شيء من السباع، و إني لأكرهه و أقذره»

و في موثق سماعة (3) «عن لحوم السباع و جلودها، فقال: أما لحوم السباع و السباع من الطير فانا نكرهه، و أما الجلود فاركبوا و لا تلبسوا شيئا تصلون فيه»

و في النهي عن الصلاة فيه دلالة على إرادة الحرمة من الكراهة. و في مرسل الفقيه (4) «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير حرام»

و نحوها رواية داود بن فرقد (5)

و موثق سماعة (6) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المأكول من الطير و الوحش، فقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(4) أشار إليه في الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و ذكره في الفقيه ج 3 ص 205- الرقم 938.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

295

حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كل ذي مخلب من الطير، و كل ذي ناب من الوحش، فقلت: إن الناس يقولون من السبع، فقال لي: يا سماعة السبع كله حرام و إن كان سبعا لا ناب له، و إنما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) هذا تفصيلا».

إلى غير ذلك من النصوص المنجبر ما يحتاج إلى الجبر منها بما عرفت و المعتضدة بما سمعت.

فوسوسة بعض الناس في الحكم المزبور لبعض النصوص- كصحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدم في نصوص حلية الحمير (2) و صحيح زرارة (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «ما حرم اللّه في القرآن من دابة إلا الخنزير و لكنا نكره»

و صحيحه الآخر (4) الذي سأل فيه أبا جعفر (عليه السلام) «عن الجريث، فقال قُلْ لا أَجِدُ- إلى آخر الآية (5)- ثم قال: لم يحرم اللّه شيئا في القرآن إلا الخنزير بعينه، و يكره كل شيء من البحر ليس له قشر مثل الورق، و ليس بحرام إنما هو مكروه».

و في صحيح ابن مسلم (6) أيضا بعد الأمر بقراءة الآية قال: «إنما الحرام ما حرم اللّه و رسوله

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(2) المتقدمة في ص 265- 267.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2. و فيه

«و لكنه النكرة»

و في التهذيب ج 9 ص 43- الرقم 179 «و لكنه النكرة».

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 19. و فيه

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)

إلا أن الموجود في التهذيب ج 9 ص 5- الرقم 15 و الاستبصار ج 4 ص 60- الرقم 207 «سألت أبا جعفر (عليه السلام).».

(5) سورة الانعام: 6- الآية 145.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 20.

296

في كتابه، و لكنهم قد كانوا يعافون أشياء، فنحن نعافها»

و في حسن زرارة و محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) لما سألاه عن لحم الحمير الأهلية، قال: «إنما الحرام ما حرم اللّه عز و جل في القرآن»

و في صحيح زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «أكل الغراب ليس بحرام، إنما الحرام ما حرمه اللّه في كتابه، و لكن الأنفس تتنزه عن كثير من ذلك تقززا (3)».

و غيرها من النصوص المحمولة على التقية أو مطرحة- لا وجه لها.

و كذا لا خلاف بل الإجماع بقسميه عليه في أنه يحرم الأرنب و الضب و الحشرات كلها التي هي صغار دواب الأرض أو التي تأوي نقب الأرض كالحية و الفأرة و العقرب و الجرذان و الخنافس و الصراصر و بنات وردان و البراغيث و القمل و غيرها مما هو مندرج في الخبائث أو الحشرات أو المسوخ، و ما في الصحيح (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عزوف النفس و كان يكره الشيء و لا يحرمه، فأتي بالأرنب فكرهها و لم يحرمها»

محمول على التقية، و في المروي عن الدعائم (5) عن علي (عليه السلام) «أنه نهى عن الضب و القنفذ و غيره من حشرات الأرض».

و كذا لا خلاف في أنه يحرم اليربوع و القنفذ و الوبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(3) القز: إباء النفس الشيء، و بالضم التباعد من الدنس كالتقزز (القاموس).

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 21.

(5) المستدرك- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6. و فيه

«من خرشة الأرض»

إلا أن الموجود في الدعائم ج 2 ص 121 كالجواهر.

297

و الخز و الفنك و السمور و السنجاب و العظاءة و اللحكة، و هي دويبة تغوص في الرمل يشبه بها أصابع العذارى و غيرها، و ما في خبر زكريا بن آدم (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: إن أصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه؟ فقال: إن كان له ناب فلا تأكله، قال: ثم سكت ساعة فلما هممت بالقيام قال: أما أنت فإني أكره لك فلا تأكله».

و خبر أبي حمزة (2) «سأل أبو خالد الكابلي علي بن الحسين (عليه السلام) عن أكل لحم السنجاب و الفنك و الصلاة فيهما، فقال أبو خالد: السنجاب يأوي الأشجار، فقال: إن كان له سبلة كسبلة السنور و الفأرة فلا يؤكل لحمه، و لا تجوز الصلاة فيه، ثم قال: أما أنا فلا آكله و لا أحرمه»

مطرح أو محمول على التقية، خصوصا بعد ما تقدم في الصلاة (3) من معلومية كونهما غير مأكولين.

و في خبر حمران بن أعين (4) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخز، فقال: سبع يرعى في البر و يأوي الماء».

و على كل حال فقد ظهر لك أن عنوان التحريم- مضافا إلى ما دل عليه بالخصوص- الخبث و المسخ و الحشرات و السبع أو كل ذي ناب بناء على أنه أعم من السبع، كما هو ظاهر موثق سماعة (5) و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(3) راجع ج 8 ص 94 و 96.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

298

[القسم الثالث في الطير]

القسم الثالث في الطير و الحرام منه أصناف مضافا إلى بعض أفراده بالخصوص:

[الصنف الأول ما كان ذا مخلاب]

الأول: ما كان ذا مخلاب أي ظفر قوي يعدو به (يقوى به خ ل) على افتراس الطير كالبازي و الصقر و العقاب و الشاهين و الباشق، أو ضعيف لا يقوى به على ذلك كالنسر و الرخمة و البغاث بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (1) التي تقدم جملة منها كخبر داود بن فرقد (2) و غيره.

لكن في وافي الكاشاني «المخلب: الظفر لكل سبع من المواشي و الطائر، أو هو لما يصيد من الطير و الظفر لما لا يصيد» و في الصحاح «المخلب للطائر و السباع بمنزلة الظفر للإنسان».

قلت: قد يظهر من عد الأصحاب النسر و الرخم و البغاث من ذي المخلب المحرم عدم اعتبار الصيد في الحرمة، قال في الدروس بعد أن ذكر كما ذكر المصنف: «و هو- أي البغاث- ما عظم من الطير و ليس له مخلاب معقف، و ربما جعل النسر من البغاث» و قال الفراء: «بغاث الطير شرارها و ما لا يصيد منها كالرخم و الحدأة» و في الصحاح عن ابن

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

299

السكيت «البغاث طائر أبغث، إلى الغبرة، دون الرخمة، بطيء الطيران و في المثل: إن البغاث بأرضنا تستنسر، أي من جاورنا عز بنا».

و بالجملة ظاهرهم عدم اعتبار القوة على الصيد في حرمة ذي المخلب و يمكن أن يريدوا نحو ما ذكروه في حرمة ذي الناب من الافتراس به و لو ضعيفا، بحيث لا يعد به سبعا، فكذلك هنا، و قد سمعت ما في موثق سماعة (1) من تفسير النبوي، و اللّه العالم.

و على كل حال ف في الغراب روايتان: إحداهما تقتضي حله مطلقا، ك

موثق زرارة بن أعين (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «إن أكل الغراب ليس بحرام، إنما الحرام ما حرم اللّه في كتابه، و لكن الأنفس تتنزه عن ذلك تقززا (3)»

و موثق غياث (4) عن جعفر ابن محمد (عليهما السلام) «إنه كره أكل الغراب لأنه فاسق».

و الأخرى تقتضي حرمته مطلقا، ك

صحيح علي بن جعفر (5) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن الغراب الأبقع و الأسود يحل أكلهما، فقال: لا يحل أكل شيء من الغربان: زاغ و لا غيره»

و مرسل الصدوق (6) عن الصادق (عليه السلام) «لا يؤكل من الغربان زاغ و لا غيره، و لا يؤكل من الحيات شيء».

و خبر أبي يحيى الواسطي (7) قال: «سئل الرضا (عليه السلام) عن الغراب الأبقع، فقال: إنه لا يؤكل، و قال: من أحل لك الأسود؟».

بل و خبر أبي إسماعيل (8) «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن بيض الغراب، فقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(3) راجع التعليقة (3) في ص 296.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(7) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(8) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

300

لا تأكله»

لتبعية حل البيض و حرمته لحل اللحم و حرمته، و في المرسل (1) «إن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أتي بغراب فسماه فاسقا، و قال:

و اللّه ما هو من الطيبات».

و من هنا اختلف الأصحاب فيه، فعن الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار و القاضي الأول مطلقا على كراهة، و اختاره المصنف في النافع، و عن الشيخ في الخلاف التحريم مطلقا مدعيا عليه إجماع الفرقة و أخبارها.

و قيل و إن كنا لم نعرف قائله يحرم الأبقع و الكبير الذي يسكن الجبال، و يحل الزاغ، و هو غراب الزرع، و الغداف، و هو كما عن المبسوط و الخلاف أصغر منه يميل إلى الغبرة ما هو أي ميلا يسيرا كالرماد، بل لعله يعرف بالرمادي لذلك.

نعم عن ابن إدريس حل الزاغ منه خاصة، قال: «الغربان على أربعة أضرب، ثلاثة منها لا يجوز أكل لحمها، و هو الغداف الذي يأكل الجيف و يفرس، و يسكن الخربات، و هو الكبير من الغربان السود، و كذا الأغبر الكبير، لأنه يفرس و يصيد الدراج، فهو من جملة سباع الطير، و كذلك لا يجوز أكل لحم الأبقع، الذي يسمى العقعق، طويل الذنب، فأما الرابع و هو غراب الزرع الصغير من الغربان السود الذي يسمى الزاغ فإن الأظهر من المذهب أنه يؤكل لحمه على كراهة دون أن يكون محظورا، و إلى هذا يذهب شيخنا في نهايته و إن كان قد ذهب إلى خلافه في مبسوطة و مسائل خلافه، فقال بتحريم الجميع، و ذهب في الاستبصار إلى تحليل الجميع» إلى آخر ما ذكر.

لكن الموجود في النهاية «يكره أكل الغربان» و في الخلاف «الغراب كله حرام على الظاهر في الروايات، و قد روي في بعضها رخص، و هو

____________

(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

301

الزاغ، و هو غراب الزرع، و الغداف، و هو أصغر منه، أغبر اللون كالرماد و قال الشافعي: الأسود و الأبقع حرام، و الزاغ و الغداف على وجهين:

أحدهما حرام و الثاني حلال، و به قال أبو حنيفة، دليلنا إجماع الفرقة و عموم الأخبار في تحريم الغراب، و طريقة الاحتياط» و ظاهره أو صريحه تحريم الجميع، مع أنه حكى عنه في التنقيح تحليل الزاغ و الغداف.

و في المبسوط «ما لا مخلب له من الطير مستخبث و غير مستخبث فالمستخبث ما يأكل الميتة و نحوها، و كلها حرام، و هو النسر و الرخم و البغاث و الغراب و نحو ذلك عندنا و عند جماعة، و روي (1) «أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أتي بغراب فسماه فاسقا، و قال: ما هو و اللّه من الطيبات»،

و الغراب على أربعة أضرب: الأول الكبير الأسود الذي يسكن الجبال و يأكل الجيف، و الثاني الأبقع، فهذان حرامان، و الثالث الزاغ، و هو غراب الزرع، و الرابع الغداف، و هو أصغر منه، أغبر اللون كالرماد، قال قوم: هو حرام لظاهر الأخبار، و قال آخرون:

هو مباح، و هو الذي ورد في رواياتنا».

و في المحكي عنه في فصل ما يلزم المحرم من الكفارة التصريح بأن الغراب من غير المأكول، و لكن مع ذلك حكى عنه في التنقيح أن الأولين حرام و الثالث مباح و الرابع مختلف فيه.

و في اللمعة «و يحل غراب الزرع في المشهور، و الغداف و هو أصغر منه إلى الغبرة ما هو».

و في التحرير «و يحرم الغداف من الغربان، و هو الكبير الأسود الذي يأكل الجيف و يفترس، و يسكن الخربان، و كذا الأغبر الكبير الذي يفرس و يصيد الدراج، و كذا الأبقع طويل الذنب، و أما الزاغ و هو

____________

(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

302

غراب الزرع الصغير الأسود ففيه قولان: أقربهما الكراهة».

و في القواعد «و أما الغراب فيحرم منه الكبير الأسود الذي يسكن الجبال و يأكل الجيف و الأبقع، و أما الزاغ و هو غراب الزرع و الغداف و هو أصغر منه أغبر اللون كالرماد ففي تحريمهما خلاف».

و في كشف اللثام و في المحيط و المجمل و المفصل و شمس العلوم «أن الغداف الغراب الضخم» و في الصحاح و الديوان و المغرب المعجم و غيرها من أنه غراب القيض، قال في المغرب: «و يكون ضخما وافر الجناحين».

و في العين و المغرب المهمل «أنه غراب القيض الضخم الوافي الجناحين» و في الأساس و السامي و المهذب «أنه غراب أسود» و في التحرير و السرائر ما سمعت، ثم قال: «و المراد هنا المعنى الأول، لأن فيه الخلاف».

و كيف كان فقد تلخص من ذلك أن الأقوال فيه أربعة أو خمسة:

الحل مطلقا، و الحرمة كذلك، و التفصيل بين الزاغ و غيره، أو هو مع الغداف، و ربما كان ظاهر اللمعة التوقف في الزاغ دون الغداف.

و على كل حال فلم نجد شيئا يدل على شيء من هذه التفاصيل، كما اعترف به غير واحد، سوى ما عساه يقال مما أرسله في الخلاف من ورود الرخصة في الأخيرين، مع الانجبار بدعوى الشهرة، أو يقال:

إن رواية الحل منجبرة بالشهرة فيهما بخلاف الأخيرين، فإن رواية التحريم على حالها فيهما، أو يقال: إن الزاغ منه قد نص على تحريمه في صحيح التحريم (1) بخلاف الغداف، أو غير ذلك مما هو كما ترى، خصوصا بعد عدم العمل بما أرسله في الخلاف المنبئ عن عدم ثبوته عنده، و خصوصا بعد عدم تحقق شهرة بسيطة معتد بها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

303

و طرح الخبرين (1) معا و الرجوع إلى علامات الحل و الحرمة مع دعوى تحقق الأولى في الزاغ و الغداف أو في أحدهما و تحقق الثانية في غيرهما لا يوافق أصول المذهب بعد جمعهما لشرائط الحجية، على أن الثلاثة من علامات الحل في المجهول الذي لم يرد فيه من الشرع تحريم، فليس حينئذ إلا الترجيح بينهما على إطلاقهما، و لا يخفى عليك أن رواية التحريم (2) أصح سندا و معتضدة بغيرها مما دل عليه من نص و إجماع محكي و مخالفة العامة و الاحتياط و أصالة عدم التذكية و غير ذلك.

و احتمال معارضة ذلك- بأن رواية الحل (3) أصرح دلالة، لأعمية عدم الحل من الحرمة، و صلاحيتها قرينة على إرادة الكراهة، خصوصا بعد اشتمالها على تنزه النفس، و باعتضادها بخبر غياث (4) المشتمل على التصريح بالكراهة، و بعمومات الحل و علاماته- يدفعه أن حمل عدم الحل على الكراهة ليس بأولى من حمل الحل على التقية المتعارف خروج النصوص مخرجها، و دعوى عدم العلم بمذاهب العامة في ذلك بل المحكي عنهم التفصيل لا تعارض دعوى ثبوتها من المطلع على مذاهبهم، و الكراهة في خبر غياث أعم منها بالمعنى المصطلح، على أنه مشتمل على التعليل بكونه فاسقا، بل فيه إشعار بموافقة النبوي المشتمل على ترك النبي (صلى اللّه عليه و آله) لما جيء به إليه و سماه فاسقا، و عمومات الحل يدفعها ما عرفت سابقا من أصالة عدم التذكية و معظم علاماته في المجهول، كما ستعرف.

بل قد يقال: إن الغراب جميعه له مخلب و إن كان مخلب الزاغ و الغداف منه ضعيفا، خصوصا بناء على إرادة مطلق الظفر منه، نحو

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و 3.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

304

ما سمعته في الناب من الوحش الذي يظهر من موثق سماعة (1) الآتي في تفسير النبوي المشتمل عليه، على أنه علامة للحرمة و إن لم يكن سبعا، فيحتمل مثله في المخلب، إذ المروي (2) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) النهي عن ذي الناب من الوحش و المخلب من الطير، فإذا كان المراد من الأول حرمة صاحبه و إن لم يكن سبعا يقوى إرادة مثله في ذي المخلب و لا أقل أن من ذلك كله يحصل الشك، و الأصل عدم التذكية، فالأحوط و الأقوى اجتناب الغراب بأقسامه، و اللّه العالم.

[الصنف الثاني ما كان صفيفه أكثر من دفيفه]

الصنف الثاني ما كان صفيفه أي بسط جناحيه حال طيرانه كما هو مشاهد في جوارح الطير، لا الصفيف بالمعنى الأعم الذي هو استقلال الطير بالطيران، كما أطلق في جملة من النصوص (3) إذ المراد هنا الأول قطعا، و على كل حال فمتى كان صفيفه بالمعنى الأول أكثر من دفيفه الذي هو بمعنى ضرب جناحه على دفته المقابل للصفيف بالمعنى الأخص فإنه يحرم بريا كان أو بحريا، بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص.

قال زرارة (4): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يؤكل من الطير، فقال: كل ما دف و لا تأكل ما صف».

و في موثق سماعة (5) «كل ما صف و هو ذو مخلب فهو حرام، و الصفيف كما يطير البازي و الحدأة و الصقر و ما أشبه ذلك، و كل ما دف فهو حلال».

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 82- من أبواب تروك الإحرام- الحديث 3 و الباب- 12- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 6 و الباب- 40- منها الحديث 1 من كتاب الحج.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

305

و قال ابن أبي يعفور (1): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إني أكون في الآجام فيختلف علي الطير فما آكل منه؟ فقال:

كل ما دف و لا تأكل ما صف».

و في الفقيه في حديث آخر (2) «إن كان الطير يصف و يدف فكان دفيفه أكثر من صفيفه أكل، و إن كان صفيفه أكثر من دفيفه فلا يؤكل، و يؤكل من طير الماء ما كانت له قانصة أو صيصية، و لا يؤكل ما ليس له قانصة أو صيصية»

إلى غير ذلك من النصوص التي هي كما تدل على حل ذي الدفيف تدل على حرمة ذي الصفيف المحمول- بقرينة المرسل المزبور و ما يشاهد من الوجدان في الصقر و نحوه مما ذكر مثالا له في الموثق- على الأكثرية لا الاستدامة و الاستمرار.

نعم ليس في شيء منها ما يدل على المتساوي، إلا أن المصنف و غيره قالوا و لو تساويا أو كان دفيفه أكثر لم يحرم و مقتضاه الإلحاق بالأكثر في الحل، بل عن بعض أنه المعروف من مذهب الأصحاب، قيل:

و لعله لعموم أدلة الإباحة كتابا (3) و سنة (4) و خصوص ما دل على إباحة كل ما اجتمع فيه الحلال و الحرام (5).

و فيه أنه مناف لأصالة عدم التذكية المخصص لأدلة الإباحة و خصوص ما دل على غلبة الحرام على الحلال (6) مع الاجتماع، و إن كان قد يناقش في الأخير من الدليلين بعدم الاجتماع بعد أن كان علامة كل من الحل و الحرمة الأكثرية التي لا يتصور اجتماعهما، فيبقى المتساوي موضوعا خارجا

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(3) راجع ص 237.

(4) راجع ص 237.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(6) المستدرك- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 5 من كتاب التجارة.

306

عما يقتضي الحل و الحرمة، فيرجع فيه إلى الأصل بعد فقد العلامات، و هو على الخلاف الذي عرفته سابقا، كما هو واضح، و نحوه ما تعارض فيه علامة الحل و علامة الحرمة مع فرضه، كما ستعرف.

[الصنف الثالث ما ليس له قانصة و لا حوصلة و لا صيصية]

و الصنف الثالث ما ليس له قانصة و هي في الطير بمنزلة المصارين في غيره و لا حوصلة بتخفيف اللام و تشديدها هي للطير كالمعدة لغيره، و عن بعض كتب أهل اللغة اتحادها مع القانصة و لا صيصية و هي الشوكة التي خلف رجل الطير خارجة عن الكف، و هي له بمنزلة الإبهام للإنسان فهو حرام، و ما كان له أحدها فهو حلال ما لم ينص على تحريمه بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على ذلك.

قال ابن سنان (1): «قلت لأبي عبد (عليه السلام): الطير ما يؤكل منه؟ فقال: لا تأكل ما لم تكن له قانصة».

و سأل زرارة (2) أبا جعفر (عليه السلام) «عن طير الماء، فقال:

ما كانت له قانصة فكل و ما لم تكن له قانصة فلا تأكل».

و قال الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (3): «كل الآن من طير البر ما كانت له حوصلة، و من طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام، لا معدة كمعدة الإنسان- إلى أن قال-: و القانصة و الحوصلة يمتحن بهما من الطير ما لا يعرف طيرانه و كل طير مجهول».

و قال (عليه السلام) أيضا في موثق مسعدة بن صدقة (4): «كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.