جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
307

من الطير ما كانت له قانصة و لا مخلب له، قال: و سئل عن طير الماء فقال: مثل ذلك».

و قال (عليه السلام) أيضا في موثق ابن بكير (1): «كل من الطير ما كانت له قانصة أو صيصية أو حوصلة».

و سأله (عليه السلام) ابن أبي يعفور (2) «عن الطير يؤتى به مذبوحا، فقال: كل ما كانت له قانصة»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الاكتفاء بأحدها في الحل و على الحرمة مع انتفائها أجمع.

و كيف كان فقد تلخص من ذلك- بعد تحكيم الخاص على العام و المطلق على المقيد و المنطوق على المفهوم- أن للحرمة علامات أربعة: المخلب و أكثرية الصفيف و انتفاء الثلاثة و المسخ، و للحل أربعة أيضا: أكثرية الدفيف و الحوصلة و القانصة و الصيصية، و لا إشكال مع فرض عدم تعارض العلامات في الوجود الخارجي كما ادعاه بعض، و ربما يشهد له ظاهر بعض النصوص (3) بل لعل أكثرية الصفيف منها لازم للجوارح باعتبار قوتها و جلادتها بخلاف الدفيف الذي يكون في الطير الضعيف.

بل المراد من

قوله (عليه السلام) في خبر زرارة (4): «كل ما صف و هو ذو مخلب»

التفسير لا التقييد، لمعلومية عدم اشتراط ذلك في العلامة المزبورة، و عن بعض النسخ «و قال عمران الحلبي: فهو ذو مخلب» و هو أظهر مما قلنا.

أما مع فرض التعارض في الوجود فالظاهر تقديم احدى علامات

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(3) راجع الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و الباب- 19- منها- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 و هو خبر سماعة.

308

الحرمة على الثلاثة التي هي علامة للحل في المجهول نصا و فتوى، و مع فرض وجود إحدى علامات الحرمة من المخلب و أكثرية الصفيف أو المسخ لا جهالة، فما وقع من بعضهم هنا من جريان الوجهين احتمال الحل و الحرمة في غير محله.

نعم لو تعارض المخلب أو المسخ مع أكثرية الدفيف أمكن ذلك، لكون التعارض بينهما حينئذ بالعموم من وجه، فمع عدم الترجيح يرجع إلى غيرهما من الأدلة، لكن قد عرفت أن المتجه عندنا الحرمة، لأصالة عدم التذكية خلافا لبعض، بل ظاهر النص و الفتوى حرمة المسخ و ذي المخلب مطلقا على وجه يرجح على ما دل على حلية الأكثر دفيفا و لو لصحة السند و كثرة العدد و غيرهما من المرجحات، فيخص بها الدليل الآخر.

كما أن الظاهر نصا و فتوى عدم الفرق بين طير البر و الماء في العلامات المزبورة، بل قد سمعت التصريح به في القانصة في موثق مسعدة (1) بل هو ظاهر خبر سماعة (2) أيضا، و ما عساه يتوهم من خبر زرارة (3) و غيره من الفرق في غير محله.

نعم ربما كان الغالب القانصة في طير الماء و الحوصلة في طير البر أو أنهما في كل منهما أظهر، فيمكن أن يكون التفصيل فيه و في غيره لذلك، أو أنهما بمعنى، كما عن بعض كتب اللغة، كما أن الغالب عدم معرفة أكثرية الصفيف و الدفيف منه في طير الماء.

و حينئذ فيؤكل ما وجد فيه علامة الحل من طير الماء و إن كان يأكل

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و ذيله في الباب- 18- منها- الحديث 2.

309

السمك، لإطلاق الأدلة، و خصوص

خبر نجية بن الحارث (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن طير الماء ما يأكل السمك منه يحل؟

قال: لا بأس به كله».

و من الغريب ما يحكى عن بعض من حمل الخبر المزبور على التقية، ضرورة عدم خلاف في ذلك بيننا، إذ ليس أكل السمك يجعله من السباع، بل قد سمعت أن الصرد الذي حكموا بحله يأكل العصافير، اللهم إلا أن يريد بحمله على التقية من حيث دلالته على حل طير الماء مطلقا من دون مراعاة العلامات، و لعل حمله حينئذ على ما سمعته من التفصيل في غيره أولى منها، و اللّه العالم.

[الصنف الرابع ما يتناوله التحريم عينا كالخفاش]

الصنف الرابع: ما يتناوله التحريم عينا كالخفاش الذي يقال فيه: الخشاف كما في عرفنا الآن، و يقال له أيضا: الوطواط، كما عساه الظاهر من بعض نصوص المسوخ (2) التي ذكر فيها أن منها الوطواط، و في آخر (3) عد الخفاش مكانه، فيعلم من ذلك اتحادهما، لكن عن بعض أن الوطواط الخطاف، و نقله في الصحاح أيضا، بل عن القاموس الوطواط: الخفاش و ضرب من الخطاطيف، و لكن الأول أصح، لما ستعرف إنشاء اللّه من حل الخطاف و عدم كونه من المسوخ.

و على كل حال فلا خلاف أجده نصا (4) و فتوى في حرمته و حرمة الطاوس المنصوص على أنه من المسوخ أيضا، و على أنه حرام اللحم و البيض،

قال الرضا (عليه السلام) (5): «إن الطاوس

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 12.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7 و 13 و 14 و 5.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

310

مسخ، كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤمن فوقع بها ثم راسلته بعد ذلك فمسخهما اللّه طاووسين أنثى و ذكر، فلا تأكل لحمه و بيضه»

و في خبر سليمان بن جعفر (1) «الطاوس لا يحل أكله و لا بيضه»

و اللّه العالم.

و يكره الهدهد بلا خلاف أجده فيه، و في صحيح علي بن جعفر (2) «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الهدهد و قتله و ذبحه فقال: لا يؤذى و لا يذبح، فنعم الطير هو»

و في خبر الجعفري (3) عن الرضا (عليه السلام) «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن قتل الهدهد و الصرد و الصوام و النحلة»

و في خبر آخر عنه (عليه السلام) (4) «في كل جناح هدهد مكتوب بالسريانية آل محمد خير البرية»

إلى غير ذلك من النصوص التي لا يخفى ظهور الكراهة منها، خصوصا بعد عده في جملة المعلوم كراهته و التعليل بكونه نعم الطير، كما لا يخفى ظهور النهي عن الذبح و نحوه في كراهة أكل اللحم، بل عساه يشعر به ما تسمعه في خبر الخطاف (5) من استدلال الامام (عليه السلام) على ما فعله من أخذه مذبوحا من يد من كان في يده و دحي الأرض به بالنبوي المزبور.

و في كشف اللثام «و الأخبار كلها إنما تضمنت النهي عن قتله، و سواء بقي على ظاهره من التحريم أو أول بالكراهة، لعدم ثبوت الحرمة بأخبار الآحاد بدون ضميمة فتوى الأصحاب، فلا يثبت بها حرمة الأكل، و لا تبعد الكراهة احترازا عن القتل» و لا يخلو من نظر، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الصيد- الحديث 1 من كتاب الصيد و الذباحة.

(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الصيد- الحديث 3 من كتاب الصيد و الذباحة.

(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الصيد- الحديث 2 من كتاب الصيد و الذباحة.

(5) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 3 من كتاب الصيد و الذباحة.

311

و في الخطاف روايتان (1) و من هنا كان في حرمته و حله قولان، ففي

خبر الحسن بن داود الرقي (2) قال: «بينما نحن قعود عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ مر رجل بيده خطاف مذبوح فوثب إليه أبو عبد اللّه (عليه السلام) حتى أخذه من يده ثم دحا به الأرض ثم قال: أ عالمكم أمركم بهذا أم فقيهكم؟ لقد أخبرني أبي عن جدي إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل الستة: النحلة و النملة و الضفدع و الصرد و الهدهد و الخطاف»

و رواه في الكافي عن داود أو غيره (3) و فيه «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل الستة: منها الخطاف، و قال: إن دورانه في السماء أسفا لما فعل بآل بيت محمد (صلوات اللّه عليهم) و تسبيحه قراءة الحمد للّه رب العالمين، ألا ترونه يقول: و لا الضالين؟».

و في خبر التميمي (4) عن محمد بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): استوصوا بالصنينات خيرا- يعني الخطاف- فإنهن آنس طير الناس بالناس، ثم قال: أ تدرون ما تقول الصنينة إذا هي مرت و ترنمت، تقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين، حتى تقرأ أم الكتاب، فإذا كان في آخر ترنمها قالت: و لا الضالين».

و في حسن جميل بن دراج (5) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قتل الخطاف أو إيذائهن في الحرم، فقال: لا يقتلن، فاني كنت مع علي بن الحسين (عليهما السلام) فرآني أوذيهن، فقال: يا بني لا تقتلهن و لا تؤذهن، فإنهن لا يؤذين شيئا»

و لهذه النصوص حكي عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد من كتاب الصيد و الذباحة.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 3 من كتاب الصيد و الذباحة.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 2 من كتاب الصيد و الذباحة.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 4 من كتاب الصيد و الذباحة.

(5) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 1 من كتاب الصيد و الذباحة.

312

الشيخ في النهاية و ابني إدريس و البراج الحرمة.

و لكن لا ريب أن الكراهية أشبه وفاقا لغير من عرفت من الأصحاب، لأنه لسانها، مضافا إلى قصورها عن إثبات الحرمة، خصوصا بعد معارضتها بأخبار الدفيف (1) و خبر عمار (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «عن الرجل يصيب خطافا في الصحراء أو يصيده أ يأكله؟ فقال: هو مما يؤكل، و عن الوبر يؤكل؟ قال: لا هو حرام»

و موثقه الآخر (3) «عن الخطاف، قال: لا بأس به، و هو مما يحل أكله، لكن كره، لأنه استجار بك و وافى منزلك، و كل طير يستجير بك فأجره».

و في المختلف

عن كتاب عمار (4) «خرء الخطاف لا بأس به، و هو مما يحل أكله، و لكن كره، لأنه استجار بك»

و غيرها المنجبرة بما عرفت من الشهرة العظيمة.

بل لعل

قوله (عليه السلام): «فإنهن لا يؤذين شيئا»

مشعر بطهارة ذرقهن المقتضي لحل الأكل، و احتمال التعجب في خبر عمار الأول- الذي لم ينحصر الدليل فيه- خلاف الظاهر بلا داع، بل لعل قوله:

«و عن الوبر» إلى آخره يشعر بعدمه، كاشعار قوله: «في الحرم» بأن النهي عن إيذائهن باعتبار كونهن في الحرم، بل جمع الخطاف مع معلوم الكراهة يقتضي ذلك أيضا، و إلا لاستلزم استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه، أو في عموم المجاز، و هما معا خلاف الأصل، و الأخذ من يد

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 6 من كتاب الصيد و الذباحة.

(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 5 من كتاب الصيد و الذباحة، و ذكره في التهذيب ج 9 ص 80- الرقم 345.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 5 من كتاب الصيد و الذباحة.

313

المالك و دحو الأرض به لا ينافي كونه لبيان الكراهة الشديدة، و اللّه العالم.

و على كل حال فلا خلاف أجده في أنه يكره الفاختة و القنبرة و الحبارى، و أغلظ منه كراهية الصرد و الصوام و الشقراق و إن لم يحرم شيء منها، لوجود علامة الحل فيها، و الإجماع بقسميه عليه بل قد يشكل في الأولى منها، إذ

قول الصادق (عليه السلام) (1) في الفاختة: «إنها طائر مشؤوم يدعو على أهل البيت، و يقول: فقدتكم فقدتكم»

لا يدل عليها لو لا فتوى الأصحاب و التسامح، و كذا الحبارى لما سمعته.

نعم يدل على الثانية منها

قول الرضا (عليه السلام) (2) في المعتبرة:

«لا تأكلوها و لا تسبوها و لا تعطوها الصبيان يلعبون بها، فإنها كثيرة التسبيح، و تسبيحها لعن اللّه مبغضي آل محمد (صلوات اللّه عليهم)».

بل عن

علي بن الحسين (عليهما السلام) (3) «ما أزرع الزرع لطلب الفضل فيه، و ما أزرعه إلا ليناله المعتبر و ذو الحاجة، و لتنال منه القنبرة خاصة».

و عن الرضا (عليه السلام) (4) قال علي بن الحسين (عليهما السلام):

«القنزعة التي على رأس القنبرة من مسحة سليمان بن داود (على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام) و ذلك أن الذكر أراد أن يسفد أنثاه فامتنعت

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب أحكام الدواب- الحديث 2 من كتاب الحج. نقل بالمعنى.

(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الصيد- الحديث 1 من كتاب الصيد و الذباحة.

(3) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الصيد- الحديث 2 من كتاب الصيد و الذباحة.

(4) ذكر بعضه في الوسائل- الباب- 41- من أبواب الصيد- الحديث 4 و تمامه في الكافي ج 6 ص 225.

314

عليه، فقال لها: لا تمتنعي ما أريد إلا أن يخرج اللّه مني نسمة تذكره فأجابته إلى ما طلب، فلما أرادت أن تبيض قال لها: أين تريدين تبيضي؟

فقالت له: لا أدري أنحيه عن الطريق، قال لها: إني خائف أن يمر بك مار الطريق، و لكن أرى لك أن تبيضي قرب الطريق، فمن يراك قربه توهم إنك تتعرضين للقط الحب من الطريق، فأجابته إلى ذلك، و باضت و حضنت حتى أشرفت على النقاب، فبينما هما كذلك إذ طلع سليمان (على نبينا و آله و (عليه السلام)) في جنوده و الطير تظله، فقالت له: هذا سليمان قد طلع علينا في جنوده و لا آمن أن يحطمنا و يحطم بيضنا، فقال لها: إن سليمان رجل رحيم بنا، فهل عندك شيء خبأتيه لفراخك إذا نقبن؟

قالت: نعم عندي جرادة خبأتها منك انتظر بها فراخي إذا نقبن، فهل عندك شيء خبأته؟ قال: نعم عندي تمرة خبأتها منك لفراخنا، فقالت:

فخذ أنت تمرتك و آخذ أنا جرادتي و نعرض لسليمان و نهديهما له فإنه رجل يحب الهدية، فأخذ التمرة في منقاره و أخذت الجرادة في رجليها ثم تعرضها لسليمان، فلما رآهما و هو على عرشه بسط يديه لهما، فأقبلا فوقع الذكر على اليمين و وقعت الأنثى على اليسار فسألهما عن حالهما، فأخبراه، فقبل هديتهما، و جنب جنده عن بيضهما و مسح على رأسهما و دعا لهما بالبركة، فحدثت القنزعة على رأسهما من مسحه (عليه السلام)».

و أما الحبارى ففي التحرير «و بها رواية شاذة» و الذي أجده فيها

صحيح عبد اللّه بن سنان (1) قال: «سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا أسمع ما تقول في الحبارى؟ قال: إن كانت له قانصة فكل»

و صحيح كردين المسمعي (2) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحبارى، قال: وددت أن عندي منه فآكل منه حتى أتملأ»

و خبر بسطام

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

315

ابن صالح (1) «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا أرى بأكل الحبارى بأسا، و أنه جيد للبواسير و وجع الظهر، و هو مما يعين على كثرة الجماع».

و هي غير دالة على الكراهة، بل لعل صحيح كردين دال على الندب.

و أما الصرد و الصوام فقد سمعت النهي (2) عنهما في أخبار الهدهد إلا أنه لا دلالة فيها على الأشدية، نعم يمكن إرادة الأشدية من الحبارى التي قد عرفت الحال فيها بخلافهما، خصوصا بعد ما سمعت في الخطاف من غضب الامام (عليه السلام) (3) و شدة إنكاره و التعريض بأمر آخر مستدلا على ذلك كله بنهي النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن الستة، و هذا و إن قضى بالشدة في الجميع إلا أنه لا بأس بالتزام ذلك.

هذا و في كشف اللثام «الصرد طائر فوق العصفور يصيد العصافير، قال النضر بن شميل: ضخم الرأس ضخم المنقار، له برثن عظيم أبقع نصفه أسود و نصفه أبيض، لا يقدر عليه أحد، و هو شرير النفس شديد النفرة، غذاؤه من اللحم، و له صفير مختلف يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعن إليه شد على بعضهن، و له منقار شديد، فإذا نقر واحدا قتل من ساعته و أكله، و مأواه الأشجار و رؤوس التلاع و أعالي الحصون، قيل: و يسمى المجوف، لبياض بطنه و الأخطب لخضرة ظهره، و الأخيل لاختلاف لونه، و قال الصنعاني: أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 عن نشيط بن صالح كما في الكافي- ج 6 ص 313 و هو الصحيح. إذ ليس في الرواة من يسمى ببسطام بن صالح.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصيد- الحديث 2 و 3 من كتاب الصيد و الذباحة.

316

يسمى السميط مصغرا» قلت: لعل شدة كراهته لكونه حينئذ شبيها بالسباع.

و أما الصوام فعن السرائر و التحرير «هو طائر أغبر اللون، طويل الرقبة، أكثر ما يبيت في النخل» و لم نقف على ما يدل على شدة كراهته.

و أما الشقراق فهو على ما قيل: طائر أخضر مليح بقدر الحمام، خضرته حسنة مشبعة في أجنحته سواد، و يكون مخططا بحمرة و خضرة و سواد، و عن الجاحظ أنه ضرب من الغربان، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر عمار (1): «كره قتله لحال الحيات، قال: و كان النبي (صلى اللّه عليه و آله) يوما يمشي و إذا الشقراق قد انقض فاستخرج من خفه حية»

و لعل شدة كراهته لكونه شبيها بالغراب كما سمعته، و اللّه العالم.

و لا بأس بالحمام كله بلا خلاف نصا و فتوى،

قال الصادق (عليه السلام) لداود الرقي (2): «لا بأس بركوب البخت و شرب ألبانها و أكل لحومها و أكل الحمام المسرول»

و في خبر آخر (3) «أطيب اللحمان لحم فرخ الحمام»

الخبر. فهو حينئذ بجميع أصنافه حلال لا كراهة فيه كالقماري منه.

و في كشف اللثام «هي جمع قمري» و هو منسوب إلى قمر بلدة تشبه الجص لبياضها، حكاه السمعاني عن المجمل، و قال: و أظن أنها من بلاد مصر، و لم أر فيه، و إنما رأيت في تهذيب المجمل لابن المظفر أنه منسوب إلى طير قمر، و هو كما يحتمله يحتمل توصيف الطير بالقمر جمع أقمر، كما قيل في المحيط و غيره: إنه إنما سمي به، لأنه أقمر اللون، و قيل:

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الصيد- الحديث 1 من كتاب الصيد و الذباحة.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2 على رواية البرقي.

317

إن القمري هو الأزرق».

و الدباسي جمع «دبسي» بضم الدال، و هو الأحمر بلون الدبس بكسر الدال، قسم من الحمام البري، و قيل: هو ذكر الحمام (اليمام خ ل).

و الورشان بكسر الواو و إسكان الراء و إعجام الشين، جمع «ورشان» بالتحريك، و المعروف أنه ذكر القماري، و قيل: طائر يتولد بين الفاختة و الحمامة.

و كذا لا بأس بالحجل الذي هو القبج أو ذكره أو نوع منه.

و الدراج و القبج و القطا و الطيهوج الذي هو شبيه بالحجل الصغير غير أن منقاره و عنقه و رجليه حمر و ما تحت جناحيه أسود و أبيض.

و الدجاج و الكروان هو طائر يشبه البط.

و الكركي و الصعو جمع صعوة، و لعلها المسماة في عرفنا الآن بالزيطة، لما قيل من أنه طائر أزرق لا يستقر ذنبه، لكن في كشف اللثام «جمع صعوة من صغار العصافير أحمر الرأس».

و غير ذلك من الطيور الموجود فيها علامات الحل أو أحدها الخالية مما يقتضي التحريم، مضافا إلى ما في بعضها من النصوص الخاصة. ك

خبر محمد بن حكيم (1) عن الكاظم (عليه السلام) «أطعموا المحموم لحم القباج فإنه يقوي الساقين، و يطرد الحمى طردا».

و خبر علي بن مهزيار (2) «تغديت مع أبي جعفر (عليه السلام) فأتي بقطا، فقال: إنه مبارك، و كان أبي (عليه السلام) يعجبه، و كان يقول: أطعموه صاحب اليرقان، يشوى له فإنه ينفعه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

318

و مرسل السياري (1) و خبر علي بن النعمان (2) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) «من سره أن يقل غيضه فليأكل لحم الدراج».

و عنه (صلى اللّه عليه و آله) أيضا (3) «من اشتكى فؤاده و كثر غمه فليأكل الدراج»

إلى غير ذلك مما ورد في الدجاج و غيره (4) بل أرسل ثاني الشهيدين النص على الحجل و الطيهوج و الكروان و الكركي و الصعوة و الأمر في ذلك كله سهل.

و قد عرفت فيما تقدم أنه لا خلاف و لا إشكال في أنه يعتبر في طير الماء ما يعتبر في الطير المجهول من غلبة الدفيف أو مساواته للصفيف أو حصول أحد الأمور الثلاثة: القانصة أو الحوصلة أو الصيصية، فيؤكل مع احدى هذه العلامات و عدم ما يقتضي التحريم و إن كان يأكل السمك لإطلاق الأدلة، و خصوص بعضها كما تقدم الكلام فيه مفصلا.

و كذا تقدم أيضا أنه لو اعتلف أحد هذه عذرة الإنسان محضا لحقه حكم الجلل و لم يحل حتى يستبرأ، فتستبرأ البطة و ما أشبهها بناء على استفادة لحوقه من النص (5) عليها بخمسة أيام، و الدجاجة و ما أشبهها بناء على الإلحاق المزبور بثلاثة أيام، و ما خرج عن ذلك يستبرأ بما يزول عنه حكم الجلل، إذ ليس فيه شيء موظف كما عرفت الكلام في ذلك كله بما لا مزيد عليه، فلاحظ و تأمل.

نعم في المسالك هنا قد عد اللقلق من طيور الماء التي يرجع فيها إلى

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(2) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(3) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأطعمة المباحة.

(5) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأطعمة المحرمة.

319

العلامات، و قد سألنا بعض من ادعى صيده فأخبر بوجود الثلاثة فيه، و لكن حكى لنا بعض الثقات عن العلامة الطباطبائي الفتوى بحرمته، و لعله لما قيل من أن صفيفه أكثر من دفيفه، فلا يجدي وجود الثلاثة فيه، لما عرفته سابقا، و اللّه العالم.

و على كل حال فلا خلاف في أنه يحرم أكل الزنبور (الزنابير خ ل) الذي هو- مع كونه من المسوخ كما في بعض النصوص (1) و ذو سم- من الخبائث ك الذباب و البق و السلابيح و الديدان حتى التي في الفواكه منها، و إن تردد فيه بعض الناس، لكنه في غير محله، نعم قد يتوقف في كل ما كان حرمته من جهة الاستخباث مع فرض استهلاكه في غيره، خصوصا إذا كان من الحيوان، باعتبار عدم ثبوت تذكية شرعية له من حيث الأكل على نحو السمك و الجراد، فإنه حينئذ يكون من الميتة المحرمة نصا و إجماعا على وجه لا يرتفع بالاستهلاك الذي مرجعه إلى عدم التمييز لا إلى الاستحالة فتأمل جيدا.

بقي الكلام في النعامة التي أظهر اللّه تعالى شأنه قدرته فيها، فركب صورتها من الطير و الجمل على وجه كالواسطة بينهما في الشكل، و لذا كان المحكي عن الجمهور أنها خلق مستقل و وضع مبتدأ ليست فرعا لغيرها، لا كما عن بعضهم من أنها متولدة بالأصل بين جمل و طائر، ضرورة معلومية خطائه، إذ اللقاح إنما يكون بين حيوانين متشاكلين، و البعير ليس من شكل الطير، و لا في الطيور ما يتوهم مسافدته مع الجمل، كما أومئ إليه في حديث

المفضل (2) قال (عليه السلام): «فكر في خلق

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(2) البحار- ج 3 ص 97 و ج 64 ص 58 الطبع الحديث.

320

الزرافة و اختلاف أعضائها و شبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، و عنقها عنق جمل، و أظلافها أظلاف بقرة، و جلدها جلد نمر، و زعم ناس من الجهال بالله عز و جل أن نتاجها من فحول شتى، قال: و سبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة و تنتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى و هذا جهل من قائله و قلة معرفته بالباري جل قدسه، و ليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، و لا الجمل يلقح البقر، و إنما يكون التلقيح من بعض الحيوان في ما يشاكله و يقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمار فيخرج بينهما البغل، و يلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السبع، و ليس في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة التي فيها عضو من الفرس و عضو من الجمل و أظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما، كالذي نراه في البغل، فإنك ترى رأسه و أذنيه و كفه و ذنبه و حوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس و الحمار، و نشجيه (1) كالممتزج من صهيل الفرس و نهيق الحمار، و هذا دليل على أن الزرافة ليست من لقاح أصناف شتى، كما زعم الجاهلون بالله، بل هي خلق عجيب من خلق اللّه، للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شيء».

قلت: و كذلك النعامة، فإنها من بدائع الصنع و دلائل عدم انتهاء القدرة، و مضاهاتها للطير و الجمل ليس لأنها فرع لهما و متكونة بينهما، و إلا لكان في كل عضو منها شبه لكل منهما، و ليس الأمر فيها كذلك، فإن المرئي فيها خلافه.

نعم قيل: المشهور أنها من قسم الطيور، كما نص عليه من اللغويين

____________

(1) و في البحار: «و شحيجه».

321

الجوهري و صاحب القاموس، و من الأطباء نصير الدين الكشي و داود الأنطاكي، و من الفقهاء الشيخ و علي بن بابويه في كفارات الإحرام و ابن إدريس و العلامة و الشهيدان و ابن فهد و الصيمري و الكركي في مسألة موت الطير في البئر.

و ربما يؤيده أنها على هيئة الطيور و صفاتها في قائمتها و جناحها و ريشها و منقارها و بيضها، بل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) النص على أنها من الطير في خطبته التي ذكر فيها عجائب خلق الحيوان (1).

لكن عن الدميري أن المتكلمين على أنها من الوحش، و ليست بطائر و إن كانت تبيض و لها جناح و ريش، إلا أنها لما لم تطر لم تكن طيرا، و لذا يجعلون الخفاش طائرا- و إن كان يحبل و يلد و له أذنان بارزتان و لا ريش له- لوجود الطيران له، و عن سلار و ابن سعيد اختيار ذلك.

و ربما يؤيده قوله تعالى (2) «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ» و قوله تعالى (3) «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ» و قول الصادق (عليه السلام) (4) و قد سئل عن الدجاج الحبشي: «ليس من الصيد، إنما الطير ما طار بين السماء و الأرض»

و قول الجواد (عليه السلام) (5) و قد سأله يحيى بن أكثم عن صيد المحرم:

«إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل و الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، و إذا أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا- إلى أن قال-:

____________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 183 «ص 731 ط إيران».

(2) سورة الأنعام: 6- الآية 38.

(3) سورة الملك: 67- الآية 19.

(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 1 من كتاب الحج.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 2 من كتاب الحج.

322

و إذا كان من الوحوش فعليه في حمار الوحش بدنة، و كذلك في النعامة»

و في طريق آخر (1) «إن كان حمار وحش فبقرة، و إن كان نعامة فبدنة»

مضافا إلى عظم جثتها و ارتفاعها عن جثة الطيور.

لكن قد يقال: إن الآيتين محمولتان على الغالب، و المراد من الرواية الأولى حصر ما يمتنع من الطير بطيرانه، كما يدل عليه

قوله (عليه السلام): «ليس من الصيد»

بل عن الكافي «إنما الصيد» بدل قوله: «إنما الطير» و من الثانية إلحاق النعامة بالوحش من حيث إنها صيد، فان امتناعها بالعدو كالوحوش دون الطيران، لعدم استقلالها به، و لا ينافي ذلك كونها طيرا فان الدجاج من الطيور قطعا، و لا يستقل بالطيران، و عظم جثتها و ارتفاعها لا ينافي كونها طيرا، فان من الطيور ما هو أعظم منها و أرفع كالرخ الذي هو طائر هندي يأوي جبال سرانديب، و منه- كما قيل- ما هو أعظم من البعير، و ربما قصد المركب و أغرقه، و بيضه كالقبة العظيمة.

و كيف كان فهي حلال وفاقا لظاهر المبسوط أو صريحه، بل قد يستفاد منه الاتفاق على ذلك باعتبار دعواه فيه عدم الخلاف في وجوب الجزاء على المحرم بصيده الحيوان المأكول الوحشي، و نص على عدم الجزاء في غيره من المأكول الانسي و المحرم الوحشي، ثم قال: «الصيد على ضربين: أحدهما له مثل كالنعام و حمار الوحش و الغزال، و هو مضمون بمثله من البدنة و البقرة و الشاة» ثم ذكر الضرب الثاني و هو ما لا مثل له، و بين حكمه.

و مقتضى التدبر في كلامه أن النعامة من جنس المأكول، لأن لها جزاء إجماعا، و قد عرفت نفيه الخلاف عن الجزاء للمحلل الوحشي دون غيره، فتكون النعامة محللة إجماعا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 1 من كتاب الحج.

323

ثم ذكر حكم البيوض التي لها مقدر منصوص، و هي بيض النعام و بيض القطا و بيض القبج، و بين مقدراتها الشرعية، ثم قال: «إذا كسر بيض ما يؤكل لحمه من الطيور غير ما ذكرناه من المنصوص عليه كان عليه قيمته» و هو واضح الدلالة على حل النعام و كونه من جنس الطيور.

و ظاهر النافع و صريح سلار و يحيى بن سعيد- و إن كان ظاهرهما أو صريحهما- كونها من الوحوش لا الطيور، بل حلها ظاهر كل من جعل المحرم على المحرم صيد الحيوان المحلل الممتنع بالأصالة و خصوص الأسد و الثعلب و الأرنب و الضب و القنفذ و اليربوع و بعض الأفراد الخاصة من المحرم كالشهيد في الدروس و الروضة و المسالك، ضرورة حرمة صيدها على المحرم إجماعا، كضرورة عدم ذكرها في الأفراد المحرمة التي نصوا عليها، فليست هي إلا من المأكول، بل هو بملاحظة ما ذكرناه من الإجماع على حرمة صيدها على المحرم ظاهر السيوري في التنقيح و الكنز و الخراساني في الكفاية و الفاضل الأصبهاني في شرح القواعد.

بل قد يستفاد من التأمل في كلماتهم المفروغية من كون النعامة من المأكول، و لعله كذلك، إذ لم نعرف مخالفا في ذلك إلا الصدوق في الفقيه حيث قال: «و لا يجوز أكل شيء من المسوخ- و عد النعامة منها-» مع أنه في الخصال ذكر من الأخبار (1) ما يستفاد منه حصرها في الثلاثة عشر، و ليست النعامة منه، و كذا في المجالس، بل استقصى في العلل في الباب الذي عقده لذكر علل المسوخ و بيان أصنافها الروايات الواردة في ذلك (2) و لا ذكر للنعامة في شيء منها، فخلافه إما مرتفع لاضطرابه في مبنى الحكم أو غير قادح في تحصيل الإجماع، خصوصا بعد ملاحظة إطباق المتأخرين عنه على الحل من غير إشارة من أحد منهم إلى

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 12 و 13 و 14.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 12 و 13 و 14.

324

خلافه في الفقيه الذي هو بين أيديهم، حتى في مثل الخلاف و المختلف المعدين لأمثال ذلك.

على أنه لو كان حل النعامة من خصائص العامة لعرف تحريمها في المذهب، كما علم تحريم الضب و الأرنب و غيرهما مما اختصوا به، فإن أحكام المطاعم و المشارب متميزة عن غيرها بظهور الخلاف و الوفاق، لظهور السيرة فيها بالتناول و الاجتناب، بل الحيوان بخصوصه متميز من بينها باستمرار العادة على التوقي عما يحرم منه، حتى أن أجرى الناس على المعاصي و ارتكاب المناهي لا يجترئ على أكل الحيوان المحرم، بل ربما تورع عن المشتبه حتى يتبين له الحل.

مؤيدا ذلك كله بعمل المسلمين و تظاهرهم في سائر الأعصار و الأمصار على أكلها و أكل بيضها من غير احتياط و لا تناكر، بل ليست هي عندهم إلا كالغزلان و نحوها من الصيود المحللة، بل بيض النعام لا يزال يباع و يشتري في سوق المسلمين، و يوهب و يهدى بمرئي من العلماء و الصلحاء و أهل الورع و التقوى من دون نكير و لا أمر باحتياط و لا وسوسة، بل هي سيرة مستمرة معلومة بدلالة الطارف على التالد و نقل الولد عن الوالد و حكاية الخلف فعل السلف حتى تتصل بزمان صاحب الشرع على وجه يعلم كون الحكم منه بالقول أو الفعل أو التقرير، فكان ذلك إجماعا محصلا من السيرة المزبورة فضلا عن تحصيله من المفروغية التي ذكرناها بين الأصحاب، خصوصا مع ملاحظة نصهم على الحيوان المحرم، و المفروض تناول الناس للنعامة و بيضها في أزمنتهم، و لم يذكر أحد فيها شبهة أو احتمالا، و ذلك إن لم يستفد منه الضرورة فلا ريب في حصول اليقين منه بكونها من قسم الحلال، كما هو واضح.

كل ذلك مضافا إلى ما قيل من أصالة الحل و الإباحة المستفادة من

325

العقل و الكتاب العزيز، كقوله (1) «خَلَقَ لَكُمْ» و غيره، و السنة ك

قوله (عليه السلام) (2): «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»

و غيره، و إن كان قد يناقش بعدم جريانه في مثل الحيوان المعتبر في حله التذكية التي مقتضى الأصل عدمها في المشكوك في قابليته لها.

و من تناول ما دل على حل الطيبات و حرمة الخبائث في الكتاب العزيز (3) لها، لأنها من الأطعمة التي تستطيبها الأنفس و تستلذها من غير فرق بين الحاضر و الباد و المعدم و ذي اليسار و العجمي و العربي، و إن كان قد يناقش بأنه لا يتم في الحيوان أيضا بعد ما عرفت من استفادة اعتبار التذكية في حله من قوله (4) «إِلّا ما ذَكَّيْتُمْ» و غيره متمما بأصالة عدم حصولها في المشكوك في قابليته شرعا لها.

نعم قد يستدل لحلها بقوله تعالى (5) «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» و قوله عز من قائل (6) «وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» و قوله عز و جل (7) «غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» لأن النعامة من جملة الصيد المحرم على المحرم إجماعا و نصوصا مستفيضة أو متواترة (8).

بل لعل قوله تعالى (9):

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 29.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب صفات القاضي- الحديث 60 من كتاب القضاء.

(3) سورة الأعراف: 7- الآية 157.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 95.

(6) سورة المائدة: 5- الآية 96.

(7) سورة المائدة: 5- الآية 1.

(8) الوسائل- الباب- 1- من أبواب كفارات الصيد من كتاب الحج.

(9) سورة المائدة: 5- الآية 95.

326

«وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» دال عليه باعتبار ظهوره في أن لكل من النعم مثلا من الصيد، و لا مماثل للإبل غير النعام.

و المراد بالصيد المحرم على المحرم خصوص الحيوان المحلل، كما هو أحد القولين في المسألة، بل عن ظاهر السيوري الإجماع عليه، بل لعله المتبادر من الصيد، لأنه الغاية القصوى منه، و لظهور قوله تعالى (1):

«فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» فيه، بل إطلاق الأخبار الكثيرة (2) جواز الأكل من الصيد من غير تقييد بالمحلل دال عليه أيضا، ضرورة ظهور ترك التقييد فيها على كثرتها في عدم دخول المحرم في إطلاق الصيد، و كذا الروايات الواردة في اضطرار المحرم إلى الصيد أو

الميتة (3) المتضمن أكثرها أنه «يأكل من الصيد و يفدي و لا يأكل من الميتة»

و الظاهر من الآيات المزبورة حل الصيد لو لا الإحرام، فيتركب قياس على هيئة الشكل الأول، و هو النعامة صيد محرم على المحرم، و كل صيد محرم على المحرم فهو حلال، فالنعام حلال.

و لا ينافي ذلك ثبوت الكفارة لبعض الأفراد المحرمة بدليل مخصوص، و لذا لم يعم كل حيوان محرم، و إطلاق الصيد في بعض كلام العرب لاستحلالهم جميع الأفراد قبل ورود المنع، بل قد يدل قوله تعالى (4):

«وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» من وجه آخر، و هو أن الصيد فيه بمعنى المصيد نحو قوله تعالى (5) «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» و قوله تعالى (6) «لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ» و من هنا احتج به الأصحاب على تحريم ما اصطاده المحل على المحرم، بل

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 2 و 3 و 4 و غيرها- من أبواب الصيد من كتاب الصيد و الذباحة.

(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب كفارات الصيد من كتاب الحج.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 96.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 95.

(6) سورة المائدة: 5- الآية 94.

327

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و ابن عباس (2) الاحتجاج به على من خالف في ذلك من الصحابة.

و على هذا فمعنى تحريم الصيد في الآية تحريم أكله، و تخصيصه بحالة الإحرام يدل على جواز أكل المحل منه، و اللازم منه حل النعامة للمحل، لدخولها في الصيد المحرم على المحرم، و تبعية المفهوم للمنطوق في العموم و الخصوص، بل لعل قوله تعالى (3) «وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا» دال على المطلوب أيضا، ضرورة ظهوره في أنه يباح للمحل كل صيد حرم على المحرم، و النعام مما حرم على المحرم، فيحل للمحل. و المراد من إباحة الصيد للمحل إباحته له و لو للأكل الذي هو الغاية القصوى منه، فلا أقل من دخوله في الإطلاق، و الحمل على مجرد إبطال الامتناع في غاية البعد بل إن اشترطنا في تحريم الصيد على المحرم كونه محللا أو قلنا بتحريم قتل الحيوان لغير الوجه المأذون فيه شرعا اتضحت الدلالة.

بل قد يدل على المطلوب قوله تعالى (4) «وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ- إلى قوله- ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنّا لَصادِقُونَ» بناء على أن المراد من ذي الظفر كل ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل و النعام و البط، كما في كنز العرفان، بل قيل: إنه المشهور بين قدماء المفسرين، بل حكاه في مجمع البيان و الدر المنثور عن ابن عباس و سعيد ابن جبير و قتادة و مجاهد و السدي و ابن جريح، و على ظهور التخصيص باليهود الحل لغيرهم، و إلا لم يكن لذكرهم فائدة، كما اعترف به في الكنز

____________

(1) تفسير الدر المنثور- ج 2 ص 332.

(2) تفسير الدر المنثور- ج 2 ص 332.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 2.

(4) سورة الأنعام: 6- الآية 146.

328

أيضا، و يشعر به قوله «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ» بل و قوله (1):

«فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ».

و حينئذ تتم الدلالة على المطلوب الذي يدل عليه أيضا- بناء على أن النعامة من الوحوش- عموم

قول الصادق (عليه السلام) في خبر علي بن أبي شعبة المروي عن تحف العقول (2): «و أما ما يحل أكله من لحوم الحيوان فلحم البقر و الغنم و الإبل، و من لحوم الوحش كل ما ليس له ناب و لا مخلب»

و نحوه المروي عن دعائم الإسلام (3).

بل و عموم ما دل (4) على حل الحيوان مطلقا عدا ما استثني في الكتاب (5) خرج من ذلك السباع و الحشار و المسوخ، و النعامة ليست من الأوليين قطعا، و لا من الثالث على الأصح كما عرفت.

و بناء على أنها من الطيور يدل على حلها جميع ما دل على حل ما دف منها و حرمة ما صف (6) لمعلومية كونها من ذوات الدفيف، بل لا صفيف فيها آنا من الآنات، و لا ينافي ذلك عدم استقلالها بالطيران، ضرورة صدق الدفيف الذي هو الضرب بالجناحين على الدفتين و في خبر جميل (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المروي عن جامع البزنطي «أنه سأل عن الدجاج السندي أ يخرج من الحرم؟ قال: نعم،

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 160.

(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1 عن الحسن بن علي بن شعبة الذي هو صاحب كتاب تحف العقول.

(3) المستدرك- الباب- 32- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 1.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(6) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(7) الوسائل- الباب- 40- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 3 من كتاب الحج.

329

إنها لا تستقل بالطيران، إنها تدف دفيفا».

على أن النصوص ظاهرة في عدم خلو الطير عن الصفيف أو الدفيف و لا ريب في أن النعامة بناء على أنها منه من ذات الدفيف، كما أنه لا ريب في حلها بملاحظة ما ذكرناه في علامات الحل و الحرمة للطير، فلاحظ و تأمل.

كل ذلك مضافا إلى ما روي في النعامة بالخصوص من طرق العامة و الخاصة، فمن الأول ما رواه

المجلسي في البحار نقلا عن مسند أحمد و أبي يعلى عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل الهاشمي (1) قال: «إنه اصطاد أهل الماء حجلا فطبخوه و قدموا به إلى عثمان و أصحابه فأمسكوا، فقال رجل: إن عليا يكره هذا، فبعث إلى علي (عليه السلام) فجاء و هو غضبان، فقال له: إنك لكثير الخلاف علينا، فقال (عليه السلام):

أذكر اللّه رجلا شهد النبي (صلى اللّه عليه و آله) أتي بعجز حمار وحشي و هو محرم، فقال: إنا قوم محرمون فأطعموه أهل الحل؟ فشهد اثنا عشر رجلا من الصحابة، ثم قال: أذكر اللّه رجلا شهد النبي (صلى اللّه عليه و آله) أتي بخمس بيضات من بيض النعامة فقال: إنا محرمون فأطعموه أهل الحل؟ فشهد اثنا عشر رجلا من الصحابة، فقام عثمان و دخل فسطاطه و ترك الطعام على أهل الماء»

و هو دال صريحا على حل بيض النعام، و قد عرفت سابقا تلازم حل البيض و حل اللحم.

و لا يقدح وروده من طريق الجمهور بعد مطابقته لظاهر الكتاب و فتوى الأصحاب و ارتفاع التهمة لهم في ذلك، خصوصا بعد تضمنه منقبة علي (عليه السلام) و مثلبة عدوه، و كونه حجة عليهم فيما خالفوه

____________

(1) البحار- ج 99 ص 160 و مسند أحمد ج 1 ص 100 و المجلسي نقله عن المناقب لابن شهرآشوب و هو ينقل عن أحمد و أبي يعلى.

330

من جواز أكل المحرم ما يصطاده المحل، و فيه تكذيب لما صححوه عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) من أكل الصيد و هو محرم (1) و ما كان مثل ذلك يجوز الاستشهاد به.

و منها ما رواه

ابن شهرآشوب في المناقب عن أبي قاسم الكوفي و القاضي نعمان في كتابيهما عن عمر بن حماد بإسناده عن عبادة بن الصامت (2) قال: «قدم قوم من الشام حجاجا فأصابوا أدحى نعامة- أي مبيضها- فيه خمس بيضات و هم محرمون، فشووهن و أكلوهن، ثم قالوا: ما أرانا إلا و قد أخطأنا، و أصبنا الصيد و نحن محرمون، فأتوا المدينة و قصوا على عمر القصة، فقال: انظروا إلى قوم من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاسألوهم عن ذلك ليحكموا فيه، فسألوا جماعة من الصحابة فاختلفوا في الحكم في ذلك، فقال عمر: إذا اختلفتم فهاهنا رجل كنا أمرنا إذا اختلفنا في شيء بالرجوع إليه، فيحكم فيه، فأرسل إلى امرأة يقال لها: عطية، فاستعار منها أتانا، فركبها و انطلق بالقوم معه حتى أتوا إلى علي (عليه السلام) و هو بينبع، فخرج اليه علي (عليه السلام) فتلقاه، فقال: هلا أرسلت إلينا فنأتيك؟ فقال عمر: الحاكم يؤتى إليه في بيته، فقص عليه القوم، فقال علي (عليه السلام) لعمر: مرهم فليعمدوا إلى خمس قلائص من الإبل، فليطرقوها للفحل، فإذا أنتجت أهدوا ما نتج منها جزاء عما أصابوا، فقال عمر: يا أبا الحسن إن الناقة قد تجهض، فقال علي (عليه السلام): و كذلك البيضة قد تمرق، فقال عمر: فلهذا أمرنا أن نسألك».

____________

(1) سنن البيهقي- ج 5 ص 188.

(2) البحار- ج 99 ص 159.

331

و من الثاني

صحيح أبي عبيدة الحذاء (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن رجل محل اشترى لرجل محرم بيض نعامة فأكله المحرم، قال: على الذي اشتراه للمحرم فداء، و على المحرم فداء، قلت: و ما عليهما؟ قال: على المحل جزاء قيمة البيض لكل بيضة درهم، و على المحرم جزاء، لكل بيضة شاة».

و صحيح عبد اللّه الأعرج (2) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بيضة نعامة أكلت في الحرم، قال: تصدق بثمنها».

و الصحيح عن ابن رئاب عن أبان بن تغلب (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قوم حاج محرمين أصابوا أفراخ نعام، فأكلوا جميعا قال: عليهم مكان كل فرخ أكلوه بدنة يشتركون فيها جميعا، فيشترونها على عدد الفراخ و على عدد الرجال».

و عن الشيخ روايته في التهذيب مسندا عن أبي جميلة و ابن رئاب (4) و زاد «قلت: فان منهم من لا يقدر على شيء، قال: يقوم بحساب ما يصيبه من البدن، و يصوم لكل بدنة ثمانية عشر يوما».

و التقريب في مجموع الأخبار أنها دالة على معلومية حل النعام في الصدر الأول و في زمان الأئمة (عليهم السلام) و أن بيضها كان في عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله) يهدى و يؤكل من غير نكير، و أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) إنما رده لمكان الإحرام لا للتحريم، و لو كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 5 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 6 من كتاب الحج عن سعيد بن عبد اللّه الأعرج.

(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 18- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 4 من كتاب الحج و ذكره في الفقيه ج 2 ص 236 الرقم 1123.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 4 من كتاب الحج.

332

في أصل الشرع حراما لبينه النبي و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) في مقام الحاجة إلى البيان، بل

قوله (عليه السلام) في أحد الصحيحين (1): «قيمة» و في الآخر (2): «ثمن»

واضح الدلالة على تعارف بيعه و تقويمه، إذ المحرم لا ثمن له، و بالجملة لا يكاد ينكر ظهور النصوص المزبورة في المفروغية من ذلك، و في معلومية حل النعام و بيضة عندهم كما هو واضح.

كل ذلك مع ضعف دليل التحريم، كضعف القول به، إذ ليس هو إلا ذكر الصدوق لها من المسوخ، و هي محرمة إجماعا و نصوصا (3) و كون النعامة من الطيور المنوط حلها بعلامات الدفيف و الحوصلة و القانصة و الصيصية، و الأربعة مفقودة في النعامة، أما الأول فلاختصاصه بالمستقل بالطيران، و هي لا تستقل به، و أما الثلاثة فبالمشاهدة و النقل، و معلومية التلازم بين البيض و اللحم، و بيضها حرام، لتساوي طرفيه بشهادة الحس فيحرم لحمه أيضا.

و الجميع كما ترى، ضرورة فساد توهم المسخ فيها بعد ثبوت الحل بما ذكرناه من الأدلة التي تقصر هذه عن مقاومتها من وجوه، على أن العلامات المزبورة للمشتبه من الطير و البيض دون النعامة التي هي- بعد تسليم كونها طيرا على وجه يندرج في إطلاقه في (4) نصوص العلامات (5)-

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 5 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 6 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(4) هكذا في النسخة المخطوطة المبيضة، لكن الموجود في النسخة المخطوطة بقلم المصنف (قده) «ما في» و هو الصحيح.

(5) الوسائل- الباب- 18 و 19- من أبواب الأطعمة المحرمة.

333

من معلوم الحكم لحما و بيضا بالأدلة السابقة.

كما أن عد الصدوق لها من المسوخ- بعد أن لم يسنده إلى حجة تقطع العذر- لا ينبغي أن يصغى إليه، و احتمال كون ذلك من ذيل ما رواه من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) في غاية البعد خصوصا بعد أن كان مرويا في الكافي (2) و التهذيب (3) من دون هذه الزيادة التي لا يخفى على العارف بأساليب الكلام كونها من كلام الصدوق، و دعوى أنه ما أخذ ذلك إلا من خبر وصل إليه- إذ هي ليست مسألة اجتهادية- كما ترى، فان مجرد ذلك لا يسوغ لنا التعويل عليه على وجه نحرم به ما قامت الأدلة على حله، ضرورة كونه بعد التسليم يمكن أن يكون خبرا لا نقول بحجيته، على أن خلو نصوص المسوخ (4)- المشتملة على تفصيلها و عللها بل ظهورها في حصرها بغيرها حتى ما رواه الصدوق نفسه فيها في الخصال و المجالس و العلل- أوضح شاهد على وهمه في ذلك أو على تصحيف البغاقة بالمعجمتين بينهما ألف و كأنها البوم، أو على غير ذلك.

و بالجملة كان تطويل الكلام أزيد من ذلك في حكمها من اللغو الذي أمرنا بالإعراض (عنه ظ) و إنما وقع ما وقع منا لما حكي عن بعض من قارب عصرنا من الفتوى بالحرمة، و اللّه الموفق و الهادي.

و كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا هنا و سابقا أن بيض

____________

(1) راجع الفقيه ج 3 ص 213 الرقم 988.

(2) لم يتعرض الكليني (قده) في الكافي لهذا الخبر، و انما الراوي له فقط الصدوق و الشيخ (قدس سرهما) راجع الوافي المجلد 3 «الجزء 11 ص 10».

(3) راجع التهذيب ج 9 ص 41 الرقم 174 و الاستبصار ج 4 ص 74 الرقم 271.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة.

334

ما يؤكل لحمه حلال، و كذا بيض ما يحرم حرام بلا خلاف أجده، بل عن ظاهر المختلف و صريح الغنية الإجماع عليه، و في كشف اللثام الاتفاق عليه، و لعله كذلك مضافا إلى الخبرين (1) المتقدمين في بيض السمك الدالين على التبعية المزبورة التي يشهد لها مع ذلك أيضا

خبر أبي الخطاب (2) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يدخل الأجمة فيجد فيها بيضا مختلفا لا يدري بيض ما هو؟ أبيض ما يكره من الطير أو يستحب؟ فقال (عليه السلام): إن فيه علما لا يخفى، أنظر إلى كل بيضة تعرف رأسها من أسفلها فكل، و ما سوى ذلك فدعه».

و خبر أبي يعفور (3) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني أكون في الآجام فيختلف علي البيض، فما آكل منه؟ فقال: كل منه ما اختلف طرفاه»

باعتبار تقرير الامام (عليه السلام) السائل على ما عنده من كلية التبعية المزبورة.

بل قد يقال: إن التبعية المزبورة هي مقتضى الأصل، لكون البيض كالجزء منه، خصوصا بعد استقراء ما ورد (4) من ذلك بالخصوص في مثل الغراب و الطاوس و الدجاج و غيرها، بل لعل منها ما هو ظاهر في التبعية المزبورة، هذا كله في المعلوم.

و أما مع الاشتباه ف يؤكل ما اختلف طرفاه

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7 و الباب- 40- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2 راجع ص 262.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6 عن ابن أبي يعفور.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5 و الباب- 7- منها- الحديث 5 و الباب- 20- منها- الحديث 2 و 5 و الباب- 27- منها- الحديث 7.

335

لا ما اتفق بلا خلاف، بل في ظاهر كشف اللثام و عن صريح الغنية الإجماع عليه، بل هو محقق، للخبرين (1) المزبورين و خبر مسعدة (2) «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كل من البيض ما لم يستو رأساه، و قال: ما كان من بيض طير الماء مثل بيض الدجاج و على خلقته أحد رأسيه مفرطح و إلا فلا تأكل»

و المفرطح: العريض.

و خبر عبد اللّه بن سنان (3) عنه (عليه السلام) أيضا «عن بيض طير الماء، فقال: ما كان منه مثل بيض الدجاج يعني على خلقته فكل».

و صحيح محمد بن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «إذا دخلت أجمة فوجدت بيضا فلا تأكل منه إلا ما اختلف طرفاه فكل».

و لا يخفى بعد التدبر في جميع هذه أن المراد من الإطلاق أو العموم في بعضها خصوص المشتبه الذي هو مورد جملة منها صريحا أو ظاهرا، بل لعل ما دل على الكلية المزبورة كالخبرين المتقدمين في السمك خاص في المعلوم، فيحكم على الإطلاق المزبور الشامل له و للمشتبه.

و في الرياض «و إطلاقها أو عمومها و إن شمل البيض الغير المشتبه أيضا إلا أن ورود أكثرها فيه مع الإجماع على اختصاص الضابط هنا به اقتضى حل بيض ما يؤكل لحمه مطلقا و لو استوى طرفاه، و حرمة بيض ما لا يؤكل لحمه كذلك و إن اختلف طرفاه، عملا بعموم ما دل على التبعية، هذا مع اعتضاد الحكم بالحل في الأول مطلقا بعموم ما دل على الإباحة من الكتاب (5) و السنة (6) و الحكم فيه في صورة اختلاف الطرفين

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و 6.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و ليس في ذيل الحديث «فكل» كما في الكافي ج 6 ص 248 و التهذيب ج 9 ص 15.

(5) راجع الآيات المتقدمة في ص 237.

(6) المتقدمة في ص 237.

336

و الحكم بالحرمة في الثاني في صورة تساويهما باتفاق نصوص الضابطين على الحل في الأول و الحرمة في الثاني».

قلت: لا يخفى عليك ما فيه، هذا كله على تقدير انفكاك الضابطين و إمكان تعارضهما، كما لعله المشاهد في مثل بيض النعام، و أما على تقدير التلازم بينهما كما هو ظاهر الخبر الأول فلا إشكال أصلا، و اللّه العالم.

و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال في أن المجثمة حرام، و هي التي تجعل غرضا و ترمى بالنشاب حتى تموت ضرورة كونها ميتة حينئذ و كذا المصبورة و هي التي تجرح و تحبس حتى تموت.

[القسم الرابع في الجامدات]

القسم الرابع في الجامدات أي غير الحيوان الحي و إن كان مائعا كالخمر و لا حصر للمحلل منها الذي هو مقتضى أصالة الحل فلنضبط المحرم حتى يكون ما عداه محللا. و كأنه أشار بذلك إلى الفرق بين الحيوان و الجامد بعدم جريان الأصل المزبور فيه، لأصالة عدم التذكية و غيرها، بل و مع قطع النظر عن ذلك، فان ضوابط الحل و الحرمة فيه على وجه لا يحتاج فيه إلى الأصل المزبور، من غير فرق بين الحيوان البري و المائي و الوحشي و الانسي و الطير و غيره، كما عرفت الكلام فيه مفصلا.

لكن في المسالك «التحقيق أن هذا كله لا يفيد الحصر، بل هو

337

الغالب، و لهذا أسلفنا في أول الباب أن ما يوجد من الأشياء التي لا نص للشارع فيها سواء كانت حيوانا أم غيره يحكم فيها بالحل، حيث تكون مستطابة، لآية (1) «أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» إلا أن الحيوان مضبوط في الجملة زيادة على غيره».

و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه سابقا من وجود الضوابط في الحيوان على وجه لا يخرج منها الحلال و الحرام منه في البهائم الإنسية و الوحشية و البرية و البحرية و الطيور، إذ البحر يحرم كل حيوان فيه عدا السمك، و هو عدا ذو الفلس، و البهائم الإنسية يحل منها الأنعام و الحمولة و يحرم من الوحشية السباع، بل كل ذي ناب و المسوخ و الحشرات و ذوات السموم، و يحل منها الخمسة أو الستة و مسمى الانسي منها حتى الحمولة و غير ذي الناب، و ليس أحد أفراد النوع المحرم، و أما الطيور فيحرم منها ذو المخلب و ما كان صفيفه أكثر من دفيفه و الممسوخ و فاقد العلامات الثلاثة و ما نص عليه بالخصوص كالغراب، و يحل منه ما كان دفيفه أكثر أو مساويا و ما كان فيه إحدى العلامات الثلاثة مع عدم معارضة شيء مما يقتضي التحريم، فلم يبق منها شيء يحتاج فيه إلى الأصل، كما لا يخفى على من أحكم ما قدمناه، و اللّه العالم.

و كيف كان ف قد سلف منه أي المحرم شطر في كتاب المكاسب (2)

[الأنواع الخمسة للمحرم منها]

و نذكر هنا خمسة أنواع:

[النوع الأول الميتات]

الأول الميتات المقابلة للمذكاة من ذي النفس و غيره و هي محرمة إجماعا بقسميه و كتابا (3) و سنة (4) و خصوصا ما لا يقبل التذكية منه لنجاسة و غيرها.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) راجع ج 22 ص 8- 24.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة.

338

نعم قد يحل من طاهر العين منها حال حياته ما لا تحله الحياة، فلا يصدق عليه الموت المفروض كونه السبب في التحريم و هو الصوف و الشعر و الوبر و الريش، و هل يعتبر فيها الجز؟ الوجه أنها إن جزت فهي طاهرة بلا إشكال و لا خلاف و إن استلت غسل منها موضع الاتصال، و قيل: لا يحل منها ما يقلع، و الأول أشبه، و القرن و الظلف و السن و البيض إذا اكتسى القشر الأعلى و الانفحة.

و في اللبن روايتان (1) إحداهما الحل، و هي أصحهما طريقا، و الأشبه عند المصنف التحريم، لنجاسته بملاقاة الميت كما قدمنا الكلام في ذلك كله مفصلا في كتاب الطهارة (2)، فلاحظ و تأمل. و إن كان هو من حيث الطهارة و النجاسة إلا أن لازمهما الحل و الحرمة، و لعله ظاهر المصنف و غيره ممن استثناها من حرمة أكل الميتة هنا، بل هو مقتضى الأصول، من غير فرق بين الصوف و الشعر و العظم و غيرها حتى الانفحة، و ما تسمعه في بعض النصوص (3) من عد العظم في محرمات الذبيحة لم نجد عاملا به من كبراء الأصحاب، و اللّه العالم.

و إذا اختلط الذكي بالميت وجب الامتناع من أكل ه مع الحصر حتى يعلم الذكي بعينه بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، خصوصا مع الامتزاج، لقاعدة المقدمة المؤيدة

بالنبوي (4) «ما اجتمع الحلال و الحرام إلا و غلب الحرام الحلال»

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) راجع ج 5 ص 311- 331.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 11.

(4) المستدرك- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 5 من كتاب التجارة.

339

و غيره مما تضمن الاجتناب عن مثله (1) و استعمال القرعة (2) و نحوها.

خلافا للمقدس الأردبيلي و بعض من تبعه فجوزه، لدعوى الأصل الممنوعة، كما قررناه في محله، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (3): «كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».

و صحيح ضريس الكناسي (4) سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن السمن و الجبن نجده في أرض المشركين بالروم فآكله؟ فقال: أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكله، و أما ما لم تعلم فكله حتى تعلم أنه حرام»

المحمولين- خصوصا الأخير منهما الذي يمكن أن يكون شاهدا للأول- على غير المحصور، و إلا لكان مقتضاه حل الجميع لشخص واحد، و هو مقتض لارتفاع حكم الميتة حينئذ مع الاشتباه بغيرها، و هو معلوم العدم، بل ما تسمعه من نصوص المنع عن بيعه إلا على مستحل الميتة (5) شاهد على ما قلناه.

و كيف كان ف هل يباع ممن يستحل الميتة؟ قيل و القائل الشيخ في محكي النهاية و ابن حمزة فيما حكي عنه نعم ل

صحيح الحلبي (6) «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممن يستحل الميتة و أكل ثمنه»

و حسنه عنه (عليه السلام) أيضا (7) أنه «سئل عن رجل كانت له غنم و بقر فكان يدرك المذكى

____________

(1) البحار- ج 65 ص 140.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و 4.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 64- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(6) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

340

منها، فيعزله و يعزل الميتة، ثم إن الميت و المذكى اختلطا كيف يصنع به؟

قال: يبيعه ممن يستحل الميتة، فإنه لا بأس به».

و مال إليه المصنف في الجملة حيث قال و ربما كان حسنا إن قصد بيع المذكى حسب و كأنه لاحظ الجواب بذلك عما ذكره ابن إدريس و غيره من المنع، لما عرفت من حرمة الانتفاع بالميتة بالبيع و غيره، لأن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه.

و لكن قد يشكل بما في المسالك من أنه مع عدم التميز يكون المبيع مجهولا و لا يمكن إقباضه، فلا يصح بيعه منفردا، و بأنه قد يأخذ أكثر من ثمن المذكى إذا باع الاثنين ظاهرا، و بأنه يقصد بيع الواحد و المشتري أكثر، و بأنه لو كان مع قصد ذلك يصح البيع لصح بيعه لغير المستحل، و بأن المستحل مشارك لغير المستحل في الحكم الذي هو عدم جواز الانتفاع المقتضي لعدم صحة البيع من غير المستحل، لأن الأصح مخاطبة الكافر بالفروع.

و لعله لذا قال في المختلف تخلصا من ذلك: «إنه ليس بيعا، بل استنقاذ مال الكافر برضاه» و إن كان قد يناقش- مع كونه منافيا لأصالة الحقيقة- بعدم انحصار المستحل لها في غير محترم المال كالذمي و نحوه، و رضاه لا يقتضي جواز المعاملة معه بوجه فاسد حتى يؤثر إباحة ماله الذي فرضنا احترامه.

نعم قد يقال: إن المراد بالبيع في النص مطلق النقل الذي يكون بالصلح و الهبة المعوضة و نحوهما مما لا يشترط فيه المعلومية، أو يقال بالاكتفاء في صحة البيع مع قصد المذكى منهما و إن اشتبه بغيره، خصوصا بعد فرض كونه معلوما لهما، و يكفي في القبض التخلية بينه و بينه، و ليس فيها إعانة على الإثم إذا قبض الكافر الجميع لنفسه، و كونه مكلفا بالفروع لا ينافي

341

صحة البيع، ضرورة عدم اقتضاء وجوب الاجتناب الخروج عن المالية، و لذا لو أتلفه متلف على اشتباهه يضمنه، لعموم الأدلة.

و بالجملة فالمتجه العمل بالخبرين (1) الجامعين لشرائط الحجية، خصوصا بعد الشهرة المحكية في مجمع البرهان على العمل بهما، و ابن إدريس طرحهما على أصله، بل لا ريب في أولوية ذلك مما في الدروس من الميل إلى تعرفه بالعرض على النار بالانبساط و الانقباض كما سيأتي في اللحم المطروح المشتبه، ل

خبر شعيب (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل دخل قرية فأصاب فيها لحما لم يدر أ ذكي هو أم ميت؟ قال: فاطرحه على النار، فكلما انقبض فهو ذكي، و كلما انبسط فهو ميت»

ضرورة كونه علامة للمطروح الذي لا يعلم كونه بأجمعه مذكى أو ميتة، لا المختلط الذي هو مفروض المسألة، و دعوى عدم الفرق بينهما في ذلك ممنوعة بعد حرمة القياس، على أنه بعد تسليمه يقتضي جواز كل منهما عملا بمجموع النصوص، و اللّه العالم.

و كلما أبين من حي من أجزائه التي تحلها الحياة فهو ميتة حقيقة أو حكما يحرم أكله و استعماله، و كذا ما يقطع من أليات الغنم، فإنه لا يؤكل، و لا يجوز الاستصباح به بخلاف الدهن النجس بوقوع النجاسة بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص مستفيضة فيه (3) كما تقدم الكلام فيه مفصلا في

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و 2.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 عن إسماعيل ابن شعيب.

(3) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الصيد و الباب- 30- من أبواب الذبائح من كتاب الصيد و الذباحة و الباب- 6- من أبواب ما يكتسب به- من كتاب التجارة.

342

المكاسب (1) فلاحظ.

[النوع الثاني الطحال و القضيب و الفرث و الدم و الأنثيان من كل ذبيحة]

الثاني: المحرمات من الذبيحة التي لا أجد فيها خلافا معتد به كما اعترف به غير واحد خمس بل الإجماع بقسميه عليها، بل المحكي منهما مستفيض الطحال و القضيب و الفرث و الدم و الأنثيان و اقتصار المفيد و الديلمي في المحكي منهما على ما عدا الفرث و الدم لمعلومية حكمهما للاستخباث و غيره، كما أن التعبير بالكراهة في الطحال و غيره كما عن الإسكافي يراد منها الحرمة.

كل ذلك مضافا إلى النصوص، ففي

مرسل ابن أبي عمير (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء: الفرث و الدم و الطحال و النخاع و العلباء و الغدد و القضيب و الأنثيان و الحياء و المرارة» و رواه في الخصال أيضا (3). إلا أنه ذكر «الرحم» موضع «العلباء» و «الأوداج» موضع «المرارة» و قال: «أو قال: العروق» و عن نسخة «الغدد» موضع «العلباء».

و خبر إسماعيل بن مرار (4) عنهم (عليهم السلام) «لا يؤكل مما يكون في الإبل و البقر و الغنم و غير ذلك مما لحمه حلال الفرج بما فيه ظاهره و باطنه، و القضيب و البيضتان و المشيمة، و هو موضع الولد، و الطحال لأنه دم، و الغدد مع العروق، و النخاع الذي يكون في الصلب و المرارة و الحدق و الخرزة التي تكون في الدماغ و الدم».

____________

(1) راجع ج 22 ص 13- 17.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و ذكره في الخصال ج 2 ص 54 ط حجر.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

343

و مرسل الفقيه (1) قال الصادق (عليه السلام): «في الشاة عشرة أشياء لا تؤكل: الفرث و الدم و النخاع و الطحال و الغدد و القضيب و الأنثيان و الرحم و الحياء و الأوداج» و كذلك رواه في محكي الخصال، إلا أنه بعد «أوداج»: «أو قال: العروق» (2).

و مرسل البرقي في المحكي من محاسنه (3) «حرم من الذبيحة سبعة أشياء- إلى أن قال-: فأما ما يحرم من الذبيحة فالدم و الفرث و الغدد و الطحال و القضيب و الأنثيان و الرحم».

و في مرفوع أبي يحيى الواسطي (4) «مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم و الغدد و آذان الفؤاد و الطحال و النخاع و الخصى و القضيب، فقال له بعض القصابين: يا أمير المؤمنين ما الطحال و الكبد إلا سواء، فقال (عليه السلام): كذبت يا لكع، آتني بتورين من ماء أنبئك بخلاف ما بينهما، فأتى بكبد و طحال و تورين من ماء، فقال: شقوا الكبد من وسطه و الطحال من وسطه ثم أمر فمرستا جميعا في الماء فابيضت الكبد و لم ينقص منها شيء و لم يبيض الطحال، و خرج ما فيه و صار دما كله».

و خبر إبراهيم بن عبد الحميد (5) عن أبي الحسن (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 8.

(2) أشار (قده) إلى هذه الرواية بعد نقل مرسل ابن أبي عمير المتقدم في ص 342، و ليس في الخصال في المقام بهذا المضمون إلا رواية واحدة.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 19. و فيه،

«حرم من الذبيحة عشرة أشياء.»

كما في المحاسن ص 471 طبع طهران 1370 و قد نقله (قده) كذلك فيما يأتي قريبا بعنوان خبر محمد بن جمهور المروي عن المحاسن و لكن في البحار ج 66 ص 38 نقلا عن المحاسن

«حرم من الذبيحة سبعة أشياء.»

. (4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

344

«حرم من الشاة سبعة أشياء: الدم و الخصيتان و القضيب و المثانة و الغدد و الطحال و المرارة».

و في خبر مسمع (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا اشترى أحدكم اللحم فليخرج منه الغدد، فإنه يحرك عرق الجذام».

و مرسل الخصال (2) «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يكره أكل خمسة: الطحال و القضيب الأنثيان و الحياء و آذان القلب».

و في خبر محمد بن جمهور المروي عن المحاسن (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «حرم من الذبيحة عشرة أشياء، و أحل من الميتة عشرة أشياء، فأما الذي يحرم من الذبيحة فالدم و الفرث و الغدد و الطحال و القضيب و الأنثيان و الرحم و الظلف و القرن و الشعر، و أما الذي يحل من الميتة فالشعر و الصوف و الوبر و الناب و القرن و الضرس و الظلف و البيض و الأنفحة و الظفر و المخلب و الريش».

بل في خبر صفوان بن يحيى الأزرق (4) «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): «الرجل يعطى الأضحية لمن يسلخها بجلدها، قال: لا بأس، إنما قال اللّه عز و جل فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ (5) و الجلد لا يؤكل و لا يطعم».

و خبر أبان بن عثمان (6) المروي عن العلل «قلت لأبي عبد اللّه

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 19.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 14.

(5) سورة الحج: 22- الآية 36.

(6) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 11.

345

(عليه السلام): كيف صار الطحال حراما و هو من الذبيحة؟ فقال:

إن إبراهيم (على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام) هبط عليه الكبش من ثبير و هو جبل في مكة ليذبحه أتاه إبليس فقال له: أعطني نصيبي من هذا الكبش، فقال: أي نصيب لك؟ و هو قربان لربي و فداء لابني، فأوحى اللّه إليه أن له فيه نصيبا، و هو الطحال لأنه مجمع الدم و الخصيتان لأنهما موضع النكاح و مجرى النطفة، فأعطاه إبراهيم (عليه السلام) الطحال و الأنثيين، قلت: فكيف حرم النخاع؟ قال: لأنه موضع الماء الدافق من كل ذكر و أنثى، و هو المخ الذي في فقار الظهر ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يكره من الذبيحة عشرة أشياء منها: الطحال و الأنثيان و النخاع و الدم و الجلد و العظم و القرن و الظلف و الغدد و المذاكر، و أطلق في الميتة عشرة أشياء: الصوف و الشعر و الريش و البيض و الناب و القرن و الظلف و الانفحة و الإهاب و اللبن، و ذلك إذا كان قائما في الضرع»

إلى غير ذلك من النصوص (1) الواردة في الدم و الطحال، و منها الصحيح و غيره.

و لا يخفى عليك دلالة الجميع على الخمسة المتفق عليها، بل و على الثمانية بإضافة الثلاثة التي أشار إليها المصنف بقوله و في المثانة و المرارة و المشيمة تردد، أشبهه التحريم، لما فيها من الاستخباث.

لكن في المسالك بعد ذكر بعض النصوص التي ذكرناها قال: «و كلها ضعيفة السند، و تحريم ما ذكر مجتمع من جملتها، فلذلك لم يحكم المصنف بمضمونها، لقصورها عن إفادة التحريم، فيرجع إلى الأدلة العامة، و قد علمنا منها تحريم الدم و الخبائث و تحليل الطيبات، فما كان منها خبيثا يحرم لذلك، و هو الخمسة التي صدر بها المصنف جازما بها، و في معناها

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة.

346

الثلاثة التي نقل فيها الخلاف و اختار تحريمها، و هي المثانة و المرارة و المشيمة و علل تحريمها بالاستخباث إشارة إلى ما ذكرناه من عدم دليل صالح على تحريمها بالخصوص، بل ما دل على تحريم الخبائث، و الباقية لا يظهر كونها من الخبائث، فتحريمها ليس بجيد».

و فيه ما لا يخفى من عدم ظهور الخباثة في بعضها، بل لا وجه للتردد في الحرمة معه، كما لا وجه للفتوى بها مع التردد فيها، لعدم تحقق عنوان التحريم حينئذ الذي لا يعارضه عدم تحقق عنوان الحل أيضا، ضرورة اقتضاء ذلك بعد تسليمه الرجوع إلى الأصول، و لا ريب في اقتضاء أصل الحل و البراءة منها عدم الحرمة كما هو واضح.

فالتحقيق كون المستند النصوص المزبورة المنجبر ضعف أسانيدها بالشهرة العظيمة المحققة و المحكية، بل عن المرتضى و ابن زهرة الإجماع على حرمة ما عدا المرارة من الثلاثة، و عن ظاهر الخلاف دعواه أيضا في المثانة، فإذا ثبت بإجماعهم الحكم بالحرمة في ما عدا المرارة ثبت الحكم بها فيها بالقطع باستخباثها، مع احتمال الإجماع المركب، لاتفاق كل من حرم ما عداها في الظاهر على حرمتها، و عدم ذكرها في معقد الإجماع لمعلومية حكمها، كما سمعته في الفرث و الدم، أو لاستبعاد أكلها أو لغير ذلك.

و في الرياض «و من هنا يمكن دعوى عدم الخلاف في حرمتها و حرمة المشيمة، لأن الأصحاب ما بين مصرح بحرمة الأربعة عشر مع المشيمة كما عليه الحلي و القواعد و الدروس و اللمعة، و نسبه في الروضة إلى جماعة ممن تأخر عن الحلي، و مفت بحرمتها خاصة من دون ذكر المثانة، كالشيخ في النهاية و جملة ممن تبعه، كالقاضي و ابن حمزة، بل في المختلف و التحرير نسبته إلى المشهور، و مفت بحرمة هذه الثلاثة مع الخمسة، كالشرائع

347

و المسالك و غيرهما، و مفت بحرمة الثمانية مع الفرج، كالفاضل في الإرشاد و التحرير و المختلف» إلى آخره.

قلت: الذي وقفنا على حكايته ممن تقدم على المصنف أن المفيد و سلار قالا: «لا يؤكل الطحال و القضيب و الأنثيان» و لم يذكرا غيرها و المرتضى قال: «انفردت الإمامية بتحريم الطحال و القضيب و الخصيتين و الرحم و المثانة» و زاد عليه في الخلاف «الغدد و العلباء و الخرزة» و عن أبي الصلاح و ابن زهرة «يحرم سبعة: الدم و الطحال و القضيب و الأنثيان و الغدد و المشيمة و المثانة» و قال الشيخ في النهاية و تبعه ابن حمزة: «يحرم أربعة عشر:

الدم و الفرث و الطحال و المرارة و المشيمة و الفرج ظاهره و باطنه و القضيب و الأنثيان و النخاع و العلباء و الغدد و ذات الأشاجع و الحدق و الخرزة». و نقص ابن البراج الدم لظهوره، و زاد ابن إدريس المثانة، فهي عنده خمسة عشر، و اختاره الفاضل ناسبا له إلى أكثر علمائنا، و عن الإسكافي «يكره من الشاة أكل الطحال و المثانة و الغدد و النخاع و الرحم و القضيب و الأنثيين».

و بعد تسليم إرادة الخلاف فأقصاه خلاف السيدين، و هو لا يقدح في الإجماع، كما لا يقدح فيه ما عن الحلبي من التعبير بكراهتها، و كذا الإسكافي ضاما إليها الطحال و المثانة و الرحم و القضيب و الأنثيين، مع احتمال أو ظهور إرادتهما الحرمة منها، على أنه محجوج بالنصوص المزبورة المجبورة بما عرفت.

و لا يقدح تعارضها بالمفهوم و المنطوق باعتبار اقتضاء الحل في بعض و الحرمة في آخر، ضرورة أنه بعد تسليم صلاحية معارضة المفهوم للمنطوق فأقصاه كونه من باب العام و الخاص الذي يجب فيه تحكيم الثاني على الأول كما هو مقرر في محله.

و بذلك كله اتضح لك وجه الحرمة في الثمانية المزبورة، و به يخص

348

عموم ما دل على الحل من عموم الكتاب (1) و السنة (2) كما هو واضح.

بل لا يبعد حرمة غيرها من تمام الخمسة عشر عدا ذات الأشاجع منها و إن قال المصنف أما الفرج و النخاع و العلباء و الغدد و ذات الأشاجع و خرزة الدماغ و الحدق فمن الأصحاب من حرمها، و الوجه الكراهية إلا أن الأقوى خلافه، للنصوص المزبورة المنجبرة بالشهرة المحكية عن المختلف و التحرير و إجماع ظاهر الخلاف على الغدد و العلباء و خرزة الدماغ و صريح الغنية على الأولين مع عدم تبين خلاف شيء من ذلك، خصوصا مع إمكان إرادة المقتصر على البعض بيان أن ذلك محرم منها، لا انحصار التحريم فيما ذكره، سيما مع تركه الدم و الطحال المعلوم حرمتهما، و كذا المرارة، بل قد يقال: إن ثبوت الاثنين أو الثلاثة بالإجماع المزبور يقتضي ثبوت الجميع، لعدم القائل بالفصل.

كل ذلك مضافا إلى ما في الرياض من أن الأول مروي في الخصال بسند صحيح على الظاهر، و خبر إبراهيم بن عبد الحميد منها مروي في المحاسن بسند موثق، و خبر إسماعيل بن مرار ليس فيه ما يتوقف فيه إلا إسماعيل الذي ذكر في الرجال ما يستأنس به للاعتماد عليه، و إلى غير ذلك من تعاضد النصوص، و روايتها في الكتب الأربع و غيرها، و عمل الجميع بها في الجملة، بل عمل بها من لا يعمل بأخبار الآحاد، كابن إدريس و غيره، و هو يقضي بتواترها إليه أو القطع بمضمونها، و لا يقدح تعارض مفهوم بعضها مع منطوق الآخر بعد تحكيمه عليه لو سلم معارضته له، فلا محيص عن العمل بها، نعم لم أقف على ما تضمن ذات الأشاجع منها، فيتجه الحكم بحلها، اللهم إلا أن يتمم الحكم فيها بعدم القول بالفصل.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(2) الوسائل- الباب- 11 و غيره- من أبواب الذبائح من كتاب الصيد و الذباحة.

349

على أن المراد بها غير معلوم، فإن الأشاجع كما عن الجوهري أصول الأصابع التي يتصل بعصب ظاهر الكف، و الواحد «أشجع» بفتح الهمزة و حينئذ فذات الأشاجع مجمع تلك الأصول، و في مجمع البرهان «الظاهر أن الأشاجع و ذات الأشاجع واحد، و لكن لا توجد المذكور في كل البهائم المحللة، إلا أن يقال: هي أصول الأصابع و الظلف و غيره، فتوجد في الغنم و الإبل و البقر، و يمكن وجودها بالمعنى الأول في الطيور و يشكل تميزها». قلت: و يسهل الخطب ما عرفت من عدم الدليل على حرمتها.

و أما خرزة الدماغ فعن الفقهاء أنه حبة في وسط الدماغ بقدر الحمصة إلى الغبرة ما هو (تميل إلى الغبرة في الجملة خ ل) يخالف لون الدماغ، أي المخ الذي في الجمجمة.

و الحدق جمع حدقة، و هي سواد العين الأعظم.

و المراد بالمشيمة كما في غاية المراد قرينة الولد الذي تخرج معه، و الجمع «مشايم» مثل «معايش» لكن عن القاموس هي محل الولد، كما في الخبر موضع الولد (1).

و النخاع عرق مستبطن الفقار، و هو أقصى حد الذبح.

و العلباوان عصبتان عريضتان صفراوان ممدودتان من الرقبة على الظهر إلى الذنب.

ثم إن الظاهر من إطلاق المصنف و غيره و صريح غير واحد عدم الفرق في الذبيحة بين الكبير كالجزور و بين الصغير كالعصفور، لكن في الروضة «يشكل الحكم بتحريم جميع ما ذكر مع عدم تميزه، لاستلزام تحريم جميعه أو أكثره للاشتباه، و الأجود اختصاص الحكم بالنعم من

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

350

الحيوان الوحشي دون العصفور و ما أشبهه».

و استجوده في الرياض فيما كان مستند تحريمه الإجماع، لعدم معلومية تحققه في العصفور و شبهه، مع اختصاص عبائر جماعة من الأصحاب- كالصدوق و غيره و كجملة من النصوص (1)- بالشاة و النعم، و عدم انصراف إطلاق باقي الروايات و الفتاوى إليهما، و أما ما كان المستند في تحريمه الخباثة فالتعميم إلى كل ما تحققت فيه أجود، و مع ذلك فالترك مطلقا أحوط.

و فيه أن دليل معظمها أو أجمعها ما سمعته من النصوص و إن تأيدت في بعضها بالخباثة و نحوه، فما ذكره (رحمه اللّه) لا يرجع إلى حاصل يعول عليه، و التحقيق حرمة الجميع في كل ذبيحة لكن بعد تحقق مسماه أما مع عدم ظهوره فلا، إذ لا يصدق أكله أو أكل شيء منه حينئذ، إذ لعله غير مخلوق في الحيوان المزبور، مضافا إلى السيرة المستمرة على ذلك، نعم لو علم شيوع أجزاء المحرم منها في جملة اللحم اتجه اجتنابه أجمع.

و ربما يشهد له في الجملة ما تسمعه في الطحال المشوي، و دعوى عدم تناول شيء من النصوص السابقة للحيوان الصغير إلا في الدم و الطحال أو مع الرجيع بناء على استخباثه ممنوعة، خصوصا بعد الإطلاق في خبر إسماعيل عنهم (عليهم السلام) (2) و العلم بإرادة المثال من الشاة في غيره لكل حيوان تحقق فيه مسمى المحرمات المزبورة، نعم لا ينكر اختصاصها في الذبيحة.

أما مثل الجراد و السمك فلا، بل لا يعلم خلق كثير من هذه المحرمات

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 8 و 9.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

351

فيهما أو أجمعها عدا الدم الذي ستعرف الكلام فيه و الرجيع الذي مدار حرمته فيهما على الاستخباث الذي يمكن منعه هنا، خصوصا إذا أكل في جملتها على وجه لا يعد فيه أكل شيء من الخبيث، لاستهلاكه في ضمن المأكول، و لعل من ذلك ما يقع من فرث الغنم مثلا في لبنها، و إن بقي أجزاء منه بعد إخراجه منه استهلكت فيه، فتأمل جيدا.

و كيف كان فلا خلاف في أنه يكره الكلى و أذنا القلب و العروق بمعنى عدم حرمة شيء منها، للأصل و غيره الذي لا يعارضه النهي عن العروق و آذان القلب في بعض النصوص (1) المزبورة التي لا جابر لها في ذلك، بل الاتفاق ظاهرا على عدم إرادة الحرمة منه، فلا محيص عن حمله على الكراهة.

بل لم نعثر في الكلي منها إلا على

مرسل سهل عن بعض أصحابنا (2) «إنه كره الكليتين، و قال: إنما هما مجتمع البول»

و هو مع كونه مرسلا و مضمرا غير صريح في إرادة الحرمة بها، خصوصا بعد

خبر محمد بن صدقة (3) عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يأكل الكليتين من غير أن يحرمهما، لقربهما من البول»

الصريح في الكراهة و نحوه المروي عن العيون بأسانيده عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (4) و بعد ما عن المرتضى في الانتصار من الاتفاق على كراهتهما، و اللّه العالم.

و لو شوى الطحال مع اللحم و لم يكن مثقوبا لم يحرم اللحم و إن كان تحته. و كذا لو كان اللحم فوقه لم يحرم و إن كان الطحال

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و 10.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 13.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 17.

352

مثقوبا أما لو كان مثقوبا و كان اللحم تحته حرم بلا خلاف أجده ل

موثق عمار (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد سئل عن الجري يكون في السفود مع السمك، فقال: «يؤكل ما كان فوق الجري و يرمى ما سال عليه الجري، قال: و سئل عن الطحال في سفود مع اللحم و تحته الخبز و هو الجوذاب، أ يؤكل ما تحته؟ قال: نعم يؤكل اللحم و الجوذاب، و يرمى بالطحال، لأن الطحال في حجاب لا يسيل منه، فان كان الطحال مثقوبا أو مشقوقا فلا تأكل ما يسيل عليه الطحال».

و في الفقيه (2) قال الصادق (عليه السلام): «إذا كان اللحم مع الطحال في سفود أكل اللحم إذا كان فوق الطحال، فان كان أسفل من الطحال لم يؤكل، و يؤكل جوذابه، لأن الطحال في حجاب، و لا ينزل منه إلا أن يثقب، فان ثقب سال منه و لم يؤكل ما تحته من الجوذاب فان جعلت سمكة يجوز أكلها مع جري أو غيرها مما لا يجوز أكله في سفود السمك أكلت التي لها فلوس إذا كانت في السفود فوق الجري و فوق التي لا تؤكل، فان كانت أسفل من الجري لا تؤكل».

و في مجمع البرهان «هي مرسلة فيه».

و قريب منها رواية ضعيفة في التهذيب (3) و الكافي (4) أيضا و زيد «سئل عن الطحال يحل أكله، قال: لا تأكل فهو دم» و زيد أيضا قوله: «و تحته خبز و هو الجوذاب»

و بالجملة بينهما مغايرة، و لكن ليست بمعنوية، و ظاهره أنها غير خبر عمار.

و في الوافي «السفود بالتشديد: الحديدة التي يشوى بها اللحم، و الجوذاب بالضم: خبز أو حنطة أو لبن و سكر و ماء نارجيل علقت

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

353

عليها لحم في تنور حتى تطبخ».

بل عن الصدوقين عدم أكل اللحم إذا كان أسفل من الطحال مطلقا بخلاف الجوذاب، فيؤكل مع عدم الثقب، و لا يؤكل مع الثقب، و إن كان هو كما ترى غير واضح الوجه مع شذوذه، بل مخالف للنص المؤيد بالاعتبار المشتمل على التعليل القاضي بعدم الفرق بين الطحال و غيره مما لا يؤكل، و من هنا كان المحكي عن الصدوقين و ابن حمزة مساواة غير الطحال مما لا يؤكل كالجري في اعتبار العلو و السفل، مضافا إلى التصريح به في صدر الموثق.

خلافا للفاضل في محكي المختلف، فخص الحكم بالطحال استضعافا للرواية التي هي من قسم الموثق الذي فرغنا من حجيته في الأصول، سيما بعد الاعتضاد هنا بالشهرة أو عدم الخلاف، و باتحاد الحكم فيهما، و هو سيلان أجزاء من المحرم على المحلل.

و من هنا كان المتجه تقييد الحكم بالتحريم في المسألتين بصورة إمكان السيلان من الأعلى المحرم إلى الأسفل المحلل، فلو قطع بعدم السيلان لم يحرم، للأصل بعد انسياق السيلان من مورد النص و الفتوى، بل قد عرفت التعبير به في الموثق الذي وجهه اختلاط أجزاء ما يحرم أكله مع ما يحل، بل لو فرض حصول ذلك مع فرض كون المحلل فوق المحرم إلا أن بينهما مماسة على وجه تحصل الممازجة في بعض الأجزاء اتجه التحريم أيضا، إلا أن المتجه بناء على ذلك تحقق السيلان المقتضي للتحريم.

لكن في الرياض «أن إطلاق النص و الفتوى يقتضي الحرمة مع الشك في السيلان، مع احتمال تقييدهما بصورة القطع به أو ظهوره، فيحل في غيرهما عملا بالأصل، و لا ريب أن التجنب أحوط». و فيه أن إلحاق الظهور بالقطع محتاج إلى الدليل بناء على التقييد المزبور.

354

بقي شيء: و هو أنه قد يظهر من الموثق عدم الاكتفاء في الحرمة في الطحال بالثقب الحاصل من السفود الذي هو السيخ في عرفنا، و لكن إطلاق الفتوى بخلافه، و لذا فرض فيها الشوي مع الطحال من دون كونه في سفود، و لا ريب أن الاجتناب هو الأحوط أو الأقوى، ضرورة عدم الفرق في الثقب بين كونه من السفود أو غيره، و اللّه العالم.

[النوع الثالث الأعيان النجسة]

الثالث: الأعيان النجسة أصالة كالعذرات النجسة و غيرها بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى السنة المقطوع بها إن لم تكن متواترة اصطلاحا، بل لعل التعليل في قوله تعالى (1):

«فَإِنَّهُ رِجْسٌ» دال عليه بناء على إرادة النجس منه، مضافا إلى الاستخباث في جملة منها.

و كذا يحرم كل طعام مزج بالخمر أو النبيذ المسكر أو الفقاع و إن قل، أو وقعت فيه نجاسة و هو مائع كالبول، أو باشره الكفار و إن كانوا أهل ذمة على الأصح من كونهم نجسين، كما ذكرنا الكلام فيه مفصلا في كتاب الطهارة (2) فينجس حينئذ الطعام المائع إذا باشروه فيحرم أكله، لكونه كالنجس بالنسبة إلى ذلك بلا خلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه أيضا، بل النصوص الواردة في اجتناب السمن الواقع فيه فأرة و غيره (3) كادت تكون متواترة، بل هو من القطعيات إن لم يكن من الضروريات.

و كذا يجب اجتناب كل طعام امتزج بشيء من النجس أو المتنجس

____________

(1) سورة الأنعام: 6- الآية 145.

(2) راجع ج 6 ص 41- 44.

(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الأطعمة المحرمة و الباب- 6- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

355

إذا كان محصورا، للمقدمة، بل و لغيرها مع فرض عدم انفكاك المتناول عن جزء من المحرم، كما هو واضح، و اللّه العالم.

[النوع الرابع الطين]

الرابع: الطين بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص الواردة فيه المشتملة على كون أكله من مكائد الشيطان (1) و مصائده الكبار و أبوابه العظام (2) و من الوسواس (3) و يورث السقم في الجسد و يهيج الداء (4) و يورث النفاق (5) و يوقع الحكمة في الجسد و يورث البواسير و يهيج داء السوداء و يذهب بالقوة من الساقين و القدمين (6) و أنه مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير (7) و أن من أكله ملعون (8) و أن من أكله فمات فقد أعان على نفسه (9) و لا يصلى عليه (10) و أن من أكله و ضعف عن قوته التي كانت قبل أن يأكله و ضعف عن العمل الذي كان يعمله قبل أن يأكله حوسب على ما بين ضعفه و قوته و عذب عليه (11) و أن اللّه تعالى شأنه خلق آدم من طين فحرمه على ذريته (12) و أنه أكل لحوم الناس و خصوصا طين الكوفة، ل

قول الصادق (عليه السلام) (13): «من أكل طينها فقد أكل لحوم الناس، لأن الكوفة كانت أجمة ثم كانت مقبرة ما حولها»

و غير ذلك.

لكن في المسالك «المراد بها ما يشمل التراب و المدر» بل في مجمع البرهان «المشهور بين المتفقهة تحريم التراب و الأرض كلها حتى الرمل

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 13 و فيه

«و يهيج عليه داء السوء»

كما في البحار ج 60 ص 150.

(7) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 11.

(8) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 15.

(9) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(10) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(11) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(12) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(13) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 15.

356

و الأحجار» و في الرياض ما حاصله من أنه يستفاد من استثناء طين قبر الحسين (عليه السلام) منه نصا (1) و فتوى عموم الحرمة للتراب الخالص و الممزوج بالماء الذي هو معناه الحقيقي لغة و عرفا، مضافا إلى تعليل التحريم بالإضرار للبدن الوارد في بعض النصوص (2) و الفتاوى بناء على حصول الضرر في الخالص قطعا، و منه يظهر وجه ما اشتهر بين المتفقهة من حرمة التراب و الأرض كلها حتى الرمل و الأحجار، و ضعف ما أورد عليهم من أن الذكور في النصوص الطين الذي هو حقيقة في التراب الممزوج بالماء، إلا أن يخص الإيراد بصورة القطع بعدم ضرر هذه الأشياء، و هو حسن إن صح ثبوتها، مع أن الظاهر عدمها، بل الظن حاصل بضررها مطلقا، فتأمل جيدا.

قلت: هو كما ترى، ضرورة معلومية حرمة أكل الطين تعبدا نصا (3) و فتوى، و أن ذكر الضرر فيه من حكم حرمته، و من هنا يحرم القليل منه المقطوع بعدم ضرر فيه، فمن الغريب جعل ذلك علة يدور الحكم معها وجودا و عدما. و كأن الذي أوقعه في ذلك تصدير ثاني الشهيدين الاستدلال على حرمته بما فيه من الإضرار الظاهر بالبدن.

و حينئذ فمحل البحث حرمة التراب و نحوه على نحو حرمة الطين، و لا ريب أن مقتضى الأصول عدمها، ضرورة خروجه عن مسماه، إذ هو لغة و عرفا كما اعترف به غير واحد تراب مخلوط بالماء، و عن القاموس «الطين معروف، و الطينة قطعة منه، و تطين: تلطخ به».

و في خبر معمر بن خلاد (4) عن أبي الحسن (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.