جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
357

«قلت له: ما يروي الناس في أكل الطين و كراهته؟ قال: إنما ذلك المبلول، و ذلك المدر»

نعم هو ظاهر في عدم الفرق بين الرطب منه و اليابس الذي هو المدر المشتمل عليه الخبر.

و في مرفوع أحمد بن أبي عبد اللّه (1) «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن أكل المدر»

نعم في مجمع البرهان «لا بد أن يكون ممتزجا أولا به» و فيه أن المدار على صدق الطين عرفا.

و دعوى اقتضاء حرمته حرمة التراب- باعتبار كونه ترابا و ماء و من المعلوم عدم حرمة الثاني- واضحة الفساد، ضرورة رجوعها إلى شبه العلة المستنبطة، كما أن دعوى استثناء التربة الحسينية منه يقتضي ذلك ضرورة كون المستثنى نصا (2) و فتوى طين القبر، و هو لا يقتضي حرمة التراب في المستثنى منه، و إن قلنا بالشفاء في تربته إلا أن المستثنى من المحرم طين قبره.

قال الصادق (عليه السلام) في مرسل الواسطي (3): «الطين حرام أكله كلحم الخنزير، و من أكله ثم مات منه لم أصل عليه إلا طين القبر، فان فيه شفاء من كل داء، و من أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء».

و قال سعد بن سعد (4): «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الطين، فقال: أ كل الطين حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير إلا طين الحائر، فإن فيه شفاء من كل داء و أمنا من كل خوف».

و في خبر سماعة بن مهران (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

358

«أكل الطين حرام على بني آدم ما خلا طين قبر الحسين (عليه السلام) من أكله من وجع شفاه اللّه»

إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على استثناء طينه التي لا تنافيها نصوص الاستشفاء بتربته (1) الشاملة له و لغيره من التراب، ضرورة كون المراد من تربته محل قبره الشريف، لا خصوص التراب منه، كما هو واضح، و المستثنى طينه دون ترابه الباقي على أصل الإباحة كغيره من أفراد التراب الذي لا يقيد إلا بالضرر.

و ربما يؤيد الحل السيرة المستمرة على أكل الكمأة و على أكل الفواكه ذات الغبار و غيرها مما لا ينفك الإنسان عنه غالبا، خصوصا في أيام الرياح، بل يمكن القطع بعدم وجوب اجتناب الطعام بوقوع أجزاء تراب أو طين فيه و إن قلت، و اللّه العالم.

و على كل حال فلا يحل شيء منه أي الطين عدا الطين من تربة الحسين (عليه السلام) فإنه يجوز الاستشفاء به بلا خلاف بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص (2) فيه مستفيضة أو متواترة، و فيها المشتمل على القسم و غيره من المؤكدات (3).

نعم لا يتجاوز قدر الحمصة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه اقتصارا على المتيقن في مخالفة معلوم الحرمة، و قول

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7 و الباب- 70- من أبواب المزار- الحديث 1 و 5 و 8 و الباب- 72- منها- الحديث 2 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة و الباب- 70- من أبواب المزار- الحديث 2 من كتاب الحج.

359

الصادق (عليه السلام) في حسن سدير (1): «و لا تتناول منها أكثر من حمصة، فإن تناول منها أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا و دمائنا».

و في الخبر (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «إن اللّه تعالى خلق آدم من الطين فحرم الطين على ولده، قال: قلت: فما تقول في طين قبر الحسين بن علي (عليهما السلام)؟ قال: يحرم على الناس أكل لحومهم و يحل لهم أكل لحومنا، و لكن اليسير من مثل الحمصة».

و في مرسل المصباح (3) «أن رجلا سأل الصادق (عليه السلام) فقال: إني سمعتك تقول: إن تربة الحسين (عليه السلام) من الأدوية المفردة، و إنها لا تمر بداء إلا هضمته، فقال: قد كان ذلك أو قلت ذلك، فما بالك؟ فقال: إني تناولتها فما انتفعت بها، قال (عليه السلام):

إن لها دعاء، فمن تناولها و لم يدع به و استعملها لم يكد ينتفع بها، قال:

فقال له: ما أقول إذا تناولتها؟ قال: تقبلها قبل كل شيء، و تضعها على عينك، و لا تتناول منها أكثر من حمصة، فإن من تناول أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا و دمائنا، فإذا تناولت فقل: اللهم إني أسألك بحق الملك الذي قبضها و أسألك بحق الملك الذي خزنها، و أسألك بحق الوصي الذي حل فيها أن تصلي على محمد و آل محمد، و أن تجعله

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6 عن حنان بن سدير و فيه

«من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا»

كما نقله (قده) كذلك في ص 368. و ما ذكر من المتن فهو مرسلة الشيخ (قده) في المصباح المتهجد التي رواها في الوسائل بعد حسن حنان بن سدير، كما هو كذلك في البحار ج 101 ص 135 أيضا، و سيأتي ذكر المرسل في الجواهر بعد أسطر.

(2) الوسائل- الباب- 72- من أبواب المزار- الحديث 1 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

360

شفاء من كل داء، و أمانا من كل خوف، و حفظا من كل سوء، فإذا قلت ذلك فاشددها في شيء، و اقرأ عليها إنا أنزلناه، فإن الدعاء الذي تقدم لأخذها هو الاستئذان عليها، و قراءة إنا أنزلناه ختمها».

نعم ظاهر المصنف و غيره الاقتصار على الشرط المزبور لتناولها، لكن في كشف اللثام بعد أن روى المرسل المزبور قال: «و هو يعطي اشتراط الاستشفاء بها بالدعاء و القراءة، و قوله: «فإذا قلت ذلك فاشددها» إلى آخره يعطي أن يكون المراد بالتناول الأخذ من القبر لا الأكل» و فيه أن دلالته على الكمال أقوى من وجوه.

ثم قال: «و عن جابر الجعفي (1) «أنه شكا إلى الباقر (عليه السلام) علتين متغايرتين (متضادتين خ ل) كان به وجع الظهر و وجع الجوف، فقال (عليه السلام) له: عليك بتربة الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: فقلت: كثيرا ما استعملها و لا تنجح في، قال: فتبينت في وجه سيدي و مولاي الغضب، فقلت: يا مولاي أعوذ بالله من سخطك، و قام فدخل الدار و هو مغضب، فأتى بوزن حبة في كفه فناولني إياها، ثم قال: استعمل هذه يا جابر، فاستعملتها، فعوفيت لوقتي، فقلت:

يا مولاي ما هذه التي استعملتها فعوفيت لوقتي؟ فقال: هذه التي ذكرت أنها لم تنجح فيك شيئا، فقلت: و اللّه يا مولاي ما كذبت فيما قلت، و لكن لعل عندك علما فأتعلمه منك، فيكون أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، قال: فإذا أردت أن تأخذ من التربة فاعمد إليها آخر الليل، و اغتسل بماء القراح، و البس أطهر ثيابك، و تطيب بسعد، و ادخل فقف عند الرأس فصل أربع ركعات، تقرأ في الأولى الحمد مرة و إحدى عشرة مرة قل يا أيها الكافرون، و في الثانية الحمد مرة و إحدى عشرة مرة

____________

(1) المستدرك- الباب- 56- من أبواب المزار- الحديث 1 من كتاب الحج.

361

إنا أنزلناه، و تقنت و تقول في قنوتك: لا إله إلا اللّه حقا حقا، لا إله إلا اللّه عبودية و رقا، لا إله إلا اللّه وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده، سبحان اللّه مالك السماوات و ما فيهن و ما بينهن سبحان اللّه رب العرش العظيم، و الحمد للّه رب العالمين، ثم تركع و تسجد ثم تصلي ركعتين أخراوين، تقرأ في الأولى الحمد مرة و إحدى عشرة مرة قل هو اللّه أحد، و في الثانية الحمد مرة و إحدى عشرة مرة إذا جاء نصر اللّه و تقنت كما قنت في الأولتين، ثم تسجد سجدة الشكر، و تقول ألف مرة:

شكرا، ثم تقوم و تتعلق بالتربة و تقول: يا مولاي يا ابن رسول اللّه إني آخذ من تربتك بإذنك، اللهم فاجعلها شفاء من كل داء، و عزا من كل ذل، و أمنا من كل خوف، و غنى من كل فقر لي و لجميع المؤمنين و المؤمنات، و تأخذ بثلاث أصابع ثلاث مرات، و تدعها في خرقة نظيفة أو قارورة زجاج، و تختمها بخاتم عقيق عليه ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه استغفر اللّه، فإذا علم اللّه منك صدق النية لم يصعد معك في الثلاث قبضات إلا سبعة مثاقيل، و ترفعها لكل علة، فإنها تكون مثل ما رأيت».

قال: «و نحو ذلك خبر آخر (1) إلا أن فيه في أولى كل من الركعتين إحدى عشرة مرة سورة الإخلاص من بعد الحمد، و ليس فيه القنوت، و روي (2) لأخذ التربة غير ذلك من القراءة و الدعاء بلا تعرض لصلاة أو غسل» قلت: و هو أعظم شاهد على إرادة الكمال.

ثم قال: «و في الكامل لابن قولويه مسندا عن محمد بن مسلم (3) إنه كان وجعا فأرسل إليه أبو جعفر (عليه السلام) شرابا مع الغلام

____________

(1) البحار- ج 101 ص 137.

(2) الوسائل- الباب- 73- من أبواب المزار- الحديث 1.

(3) البحار- ج 101 ص 120.

362

مغطى بمنديل، فناوله الغلام إياه، و قال: اشربه فإنه قد أمرني أن لا أبرح حتى تشربه، قال: فتناولته فإذا فيه رائحة المسك و إذا شراب طيب الطعم بارد، فلما شربته، قال لي الغلام: يقول لك مولاي:

إذا شربت فتعال، فتفكرت فيما قال لي و ما أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي، فلما استقر الشراب في جوفي فكأنني نشطت من عقال، فأتيت بابه و استأذنت عليه، فصوت إلى: صح الجسم أدخل، فدخلت عليه و أنا باك، فسلمت عليه و قبلت يده و رأسه، فقال: و ما يبكيك يا محمد؟ فقلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي و بعد الشقة و قلة القدرة على المقام عندك أنظر إليك، فقال لي- إلى أن قال-: يا محمد إن الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي، و هو أفضل ما استشفي به فلا تعدو أدبه، فإنا نسقيه صبياننا و نساءنا، فنرى فيه كل خير، فقلت:

جعلت فداك إنا لنأخذ منه و نستشفي به، فقال: يأخذ الرجل فيخرجه من الحائر و قد أظهره، فلا يمر بأحد ممن به عاهة و لا دابة و لا شيء به آفة إلا شمه فتذهب بركته، فيصير بركته لغيره، و هذا الذي نتعالج به ليس هكذا، و لو لا ما ذكرت لك ما تمسح به شيء و لا شرب منه شيء إلا أفاق من ساعته، و ما هو إلا كالحجر الأسود أتاه أصحاب العاهات و الكفر و الجاهلية، و كان لا يتمسح به أحد إلا أفاق، و كان كأبيض ياقوتة فاسود حتى صار إلى ما رأيت، فقلت: جعلت فداك و كيف أصنع به؟ فقال: أنت تصنع به مع إظهارك إياه ما يصنع غيرك، تستخف به فتطرحه في خرجك (و في أشياء دنسة خ) فيذهب ما فيه مما تريد به، فقلت: صدقت جعلت فداك، قال: ليس يأخذه أحد إلا و هو جاهل بأخذه، و لا يكاد يسلم للناس، فقلت: جعلت فداك و كيف لي أن آخذه كما تأخذه؟ فقال: أعطيك منه شيء؟ فقلت: نعم، قال:

363

فإذا أخذته فكيف تصنع به؟ قلت: أذهب به معي، قال: في أي شيء تجعله؟ قلت: في ثيابي، قال: فرجعت إلى ما كنت تصنع، اشرب عندنا منه حاجتك و لا تحمله، فإنه لا يسلم لك، فسقاني منه مرتين، فما أعلم أني وجدت شيئا مما كنت أجد حتى انصرفت».

و فيه مسندا عن الثمالي (1) قال للصادق (عليه السلام): «جعلت فداك إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين قبر الحسين (عليه السلام) يستشفون به هل في ذلك شيء مما يقولون من الشفاء؟ قال: يستشفى بما بينه و بين القبر على رأس أربعة أميال، و كذلك طين قبر جدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و كذلك طين قبر الحسن و علي و محمد (عليهم السلام) فخذ منها فإنها شفاء من كل سقم، و جنة مما يخاف، و لا يعدلها شيء من الأشياء التي يستشفى بها إلا الدعاء، و إنما يفسدها ما يخالطها من أوعيتها و قلة اليقين لمن يعالج بها، فأما من أيقن أنها له شفاء إذا تعالج كفته باذن اللّه عن (من خ ل) غيرها مما يعالج به، و يفسدها الشياطين و الجن من أهل الكفر يتمسحون بها، و ما تمر بشيء إلا شمها، و أما الشياطين و كفار الجن فإنهم يحسدون ابن آدم (عليها يتمسحون بها خ) فيذهب عامة طيبها، و لا يخرج الطين من الحائر إلا و قد استعد له ما لا يحصى منهم، و أنها لفي يدي آخذها و هم يتمسحون بها و لا يقدرون مع الملائكة أن يدخلوا الحائر، و لو كان من التربة شيء يسلم ما عولج به أحد إلا بريء من ساعته، فإذا أخذتها فأكنها، و أكثر عليها ذكر اللّه عز و جل، و قد بلغني أن بعض من يأخذ من التربة شيئا يستخف

____________

(1) ذكر بعض قطعه في الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 و تمامه في المستدرك في الباب- 53- من أبواب المزار- الحديث 9 من كتاب الحج.

364

به، حتى أن بعضهم ليطرحها في مخلاة الإبل و البغل و الحمار و في وعاء الطعام و ما يمسح به الأيدي من الطعام و الخرج و الجوالق، فكيف يستشفي به من هكذا حاله عنده؟ و لكن القلب الذي ليس فيه اليقين من المستخف بما فيه صلاحه يفسد عليه عمله».

و من الغريب أنه قال بعد أن رأى هذه الأخبار: «و إذا سمعت الأخبار أشكل عليك الاستشفاء بها ما لم تعلم تحقق الشروط فيها» إذ قد عرفت أنها جميعها آداب لتناولها على الوجه الأكمل في سرعة التأثير و نحوه، لا شرائط لأصل التناول، كما هو مقتضى إطلاق النصوص (1) و الفتاوى، بل في النصوص المزبورة قرائن متعددة على ذلك. و من هنا قال في الرياض: «لم أقف على مشترط لذلك أصلا، بل صرح جماعة بأن ذلك لزيادة الفضل».

قلت: كأن الأمر من الواضحات، إنما الكلام في المحل الذي يؤخذ منه الطين الشريف، و لا ريب في أن المنساق نفس القبر الشريف أو ما يقرب منه على وجه يلحق به عرفا، و لعله الحائر دون غيره، و يناسبه قاعدة الاقتصار على المتيقن.

و في خبر يونس بن الربيع (2) عن الصادق (عليه السلام) «إن عند رأس الحسين (عليه السلام) لتربة حمراء فيها شفاء من كل داء إلا السام، قال: فأتينا القبر بعد ما سمعنا هذا الحديث فاحتفرنا عند رأس القبر، فلما حفرنا قدر ذراع ابتدرت علينا من رأس القبر مشبه السهلة حمراء قدر الدرهم، فحملناها إلى الكوفة، فخرجنا و أقبلنا نعطي الناس»

____________

(1) الوسائل- الباب- 70- من أبواب المزار من كتاب الحج.

(2) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 70- من أبواب المزار- الحديث 1 من كتاب الحج و تمامه في الكافي- ج 4 ص 588.

365

و قد سمعت ما ذكره الصادق (عليه السلام) في خروجها من الحائر.

لكن في مرسل سليمان بن عمر السراج (1) عن الصادق (عليه السلام) «يؤخذ طين قبر الحسين (عليه السلام) من عند القبر على سبعين ذراعا».

و في مرسل آخر له (2) «على سبعين باعا».

و في خبر أبي الصباح (3) عنه (عليه السلام) أيضا المروي عن الكامل «طين قبر الحسين (عليه السلام) فيه شفاء و إن أخذ على رأس ميل».

و في خبر أبي بكر الحضرمي (4) المروي عنه (عليه السلام) في الكتاب المزبور «لو أن مريضا من المؤمنين يعرف حق أبي عبد اللّه (عليه السلام) و حرمته و ولايته أخذ له من طينه على رأس ميل كان له دواء و شفاء».

و قد سمعت ما في خبر الثمالي (5) عنه (عليه السلام) من أنه «يستشفى بما بينه و بين القبر على رأس أربعة أميال،»

و في مرسل الحجال (6) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 67- من أبواب المزار- الحديث 3 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 67- من أبواب المزار- الحديث 4 من كتاب الحج. على رواية ابن قولويه (رحمه اللّه).

(3) الوسائل- الباب- 67- من أبواب المزار- الحديث 9- 7 من كتاب الحج.

(4) ورد في كامل الزيارات عن أبي بكر الحضرمي روايتان في المقام بلفظ واحد إلا أن في الأولى منهما

«و أخذ من طين قبره مثل رأس أنملة كان له دواء»

و في الثانية

«أخذ له من طينه على رأس ميل كان له دواء و شفاء»

كما في الجواهر، و نقل الأولى في الوسائل- الباب- 72- من أبواب المزار- الحديث 4 و لم يتعرض للثانية و انما وردت في كامل الزيارات ص 279 فراجعه.

(5) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 67- من أبواب المزار- الحديث 7 من كتاب الحج.

366

الصادق (عليه السلام) «التربة من قبر الحسين (عليه السلام) على عشرة أميال»

و عن علي بن طاوس أنه روي فرسخ في فرسخ (1).

و في كشف اللثام بعد أن ذكر هذه الروايات قال: «و شيء منها لا يدخل في المتبادر من طين القبر، فالأحوط الاقتصار على المتبادر، لضعف الأخبار».

و في المسالك «و قد استثنى الأصحاب من ذلك تربة الحسين (عليه السلام) و هي تراب ما جاور قبره الشريف عرفا أو ما حوله إلى سبعين ذراعا، و روي إلى أربعة فراسخ (2) و طريق الجمع ترتبها في الفضل، و أفضلها ما أخذ بالدعاء المرسوم، و ختمها تحت القبة المقدسة بقراءة سورة القدر».

و في الروضة «و المراد بطين القبر الشريف تربة ما جاوره من الأرض عرفا، و روي إلى أربعة فراسخ، و روي ثمانية فراسخ (3) و كلما قرب منه كان أفضل، و ليس كذلك التربة المحترمة منها، فإنها مشروطة بأخذها من الضريح المقدس أو خارجه كما مر مع وضعها عليه، و أخذها بالدعاء و لو وجد تربة منسوبة إليه حكم باحترامها حملا على المعهود».

و في التنقيح «و هل هي مختصة بمحل أم لا؟ عبارة المصنف تدل على أنها من قبره، و هو على الأفضل، و نقل الشهيد أنها تؤخذ من قبره إلى سبعين ذراعا، و قيل من حرمه و إن بعد، و كلما قرب من القبر

____________

(1) البحار- ج 101 ص 131.

(2) لم أعثر على رواية أربعة فراسخ أو ثمانية فراسخ، و إنما الموجود في مرفوعة منصور بن العباس التي رواها الشيخ (قده) في التهذيب و ذكرها في الوسائل- الباب- 67- من أبواب المزار- الحديث 1 من كتاب الحج

«حرم الحسين (عليه السلام) خمس فراسخ من اربع جوانبه»

. (3) لم أعثر على رواية أربعة فراسخ أو ثمانية فراسخ، و إنما الموجود في مرفوعة منصور بن العباس التي رواها الشيخ (قده) في التهذيب و ذكرها في الوسائل- الباب- 67- من أبواب المزار- الحديث 1 من كتاب الحج

«حرم الحسين (عليه السلام) خمس فراسخ من اربع جوانبه»

.

367

كان أفضل، بل لو جيء بتربة ثم وضعت على الضريح كان حسنا».

و في الرياض «ثم إن مقتضى الأصل و لزوم الاقتصار فيما خالفه على المتيقن من ماهية التربة المقدسة و هو ما أخذ (1) من قبره أو ما جاوره عرفا، و يحتمل إلى سبعين ذراعا، و أما ما جاوز السبعين إلى أربعة فراسخ أو غيرها مما وردت به الرواية فمشكل إلا أن يؤخذ منه و يوضع على القبر أو الضريح، فيقوى احتمال جوازه حينئذ، نظرا إلى أن الاقتصار على المتيقن أو ما قاربه يوجب عدم بقاء شيء من تلك البقعة المباركة، لكثرة ما يؤخذ منها في جميع الأزمنة، و سيؤخذ إلى يوم القيامة، و ظواهر النصوص بقاء تربته الشريفة بلا شبهة، و بما ذكرنا صرح جماعة كالفاضل المقداد في التنقيح و شيخنا في الروضة».

و في نهاية المرام للصيمري «يحصل الفرق بين الأرمني و بين تربة الحسين (عليه السلام) بأمور- إلى أن قال-: الثالث أن التربة محترمة لا يجوز تقريبها من النجاسة، و الأرمني ليس بمحترم، و المحترم من التربة الذي لا يجوز تقريب النجاسة منه هو ما أخذ من الضريح أو من خارج و وضع على الضريح المقدس، أما ما أخذ من خارج و لم يوضع على الضريح فإنه لم يثبت له الحرمة إلا أن يأخذه بالدعاء المرسوم و يختم عليه، فيثبت له الحرمة حينئذ».

إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تخلو من بحث من وجوه: منها أن التعليق و الأخذ بالدعاء لا يحقق الإضافة، و المتجه ما ذكرناه في الأكل و إن جاز تناول ما ورد في النصوص (2) للاستشفاء بالطلي و للتحرز و غيره

____________

(1) هكذا في النسختين الأصليتين و كذلك في الرياض، إلا أن الصحيح «هو ما أخذ.» بدون الواو.

(2) الوسائل- الباب- 70- من أبواب المزار من كتاب الحج.

368

من المنافع التي تستفاد من النصوص.

و على كل حال فظاهر الفتاوى الاقتصار على استثناء قبر الحسين (عليه السلام) من بين قبورهم (عليهم السلام) حتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) بل المعروف كون ذلك من خواصه، كما ورد به بعض النصوص (1) لكن قد سمعت ما في خبر الثمالي (2) و قوله (عليه السلام) لمحمد بن مسلم (3): «الشراب الذي شربته فيه طين قبور آبائي»

و لكن لم نجد عاملا بذلك على وجه يحل أكله كحل أكل طين القبر، لكن لا بأس بالاستشفاء به بمزجه بماء أو حمله لذلك أو تناول التراب من قبورهم (عليهم السلام) بناء على اختصاص الحرمة في الطين.

و على كل حال فإنما يجوز أكل طين القبر للاستشفاء دون غيره و لو للتبرك في عصر يوم عاشوراء و يومي عيدي الفطر و الأضحى كما هو صريح بعض و ظاهر الباقين، خلافا للمحكي عن الشيخ في المصباح، فجوزه لذلك في الأوقات الثلاثة، لكن لم نقف له على حجة، فضلا عن أن تكون صالحة لمعارضة إطلاق النص و الفتوى، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر حنان (4): «من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا»

هذا كله في طين القبر.

و أما غيره ففي المتن و في الأرمني رواية بالجواز، و هي حسنة، لما فيها من المنفعة للمضطر (المضطر خ ل) إليها قلت: هي

رواية

____________

(1) الوسائل- الباب- 72- من أبواب المزار- الحديث 2 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(3) البحار- ج 101 ص 120.

(4) الوسائل- الباب- 95- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

369

أبي حمزة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن طب الأئمة «إن رجلا شكا إليه الزحير، فقال له: خذ من الطين الأرمني، و أقله بنار لينة و استف منه فإنه يسكن عنك».

و عنه (عليه السلام) أيضا (2) أنه قال «في الزحير تأخذ جزءا من خريق أبيض و جزءا من بزر القطونا و جزءا من صمغ عربي و جزءا من الطين الأرمني يقلى بنار لينة و يستف منه».

و في المرسل عن مكارم الأخلاق للطبرسي (3) «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن طين الأرمني يؤخذ منه للكسير و المبطون أ يحل أخذه؟

قال: لا بأس به، أما أنه من طين قبر ذي القرنين، و طين قبر الحسين (عليه السلام) خير منه».

و هي على ضعفها و عدم الجابر لها لا دلالة في الأخير منها على الأكل اللهم إلا أن ينساق من المبطون فيه باعتبار تعارف أكله دواؤه، بل و لا في الأول منها على الأكل نحو أكل طين القبر، بل أقصاه جواز أن يستف به دواء ممزوجا مع غيره بعد خروجه عن مسمى الطين.

و على كل حال فلا ريب في عدم مشروعيته على حسب مشروعية طين القبر بناء على اندراجه في الطين المنهي عنه.

كما أنه لا إشكال في جواز تناوله لدفع الهلاك، و عن الإيضاح نفي الخلاف عن جواز أكله لذلك، قال: «لأن الميتة و الدم أفحش منه و الهلاك يبيحهما، فهذا أولى» بل لا إشكال في جوازه لدفع كل ضرر لا يتحمل مع انحصار الدواء فيه على حسب غيره مما هو أفحش منه.

إنما الكلام في التداوي به مع عدم الانحصار و احتمال النفع على حسب

____________

(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

370

غيره من الأدوية، و لا ريب في جوازه مع فرض عدم تناول إطلاق ما دل (1) على النهي عن الطين لمثله، و لعله كذلك، خصوصا مع ملاحظة السيرة المستمرة على التداوي به من دون ملاحظة الضرورة المسوغة للمحرمات، و لعل هذا هو المراد للمصنف و غيره ممن جوز تناوله للضرورة، لا أن المراد الضرورة المسوغة لغيره من المحرمات، إذ لا خصوصية له حينئذ، و اللّه العالم.

[النوع الخامس السموم القاتلة]

الخامس: السموم القاتلة قليلها و كثيرها بلا خلاف و لا إشكال بل الإجماع بقسميه عليه، للنهي (2) عن قتل النفس و الضرر و غيرهما،

و قال في مرسل تحف العقول (3) عن الصادق (عليه السلام): «كل شيء يكون فيه المضرة على بدن الإنسان من الحبوب و الثمار حرام أكله إلا في حال الضرورة- إلى أن قال-: و ما كان من صنوف البقول مما فيه المضرة على الإنسان في أكله نظير بقول السموم القاتلة و نظير

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) سورة النساء: 4- الآية 29 و سورة البقرة: 2- الآية 195.

(3) لم أعثر على هذا النهي بعد التتبع في مظانه، و قد ورد الأمر بنزح سبع دلاء أو تحريك ماء البئر لوقوع سام أبرص فيها. راجع الوسائل- الباب- 19- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. نعم روى في الوسائل- الباب- 64- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2 عن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث

«أنه سئل عن العظاءة يقع في اللبن، قال: يحرم اللبن. و قال: إن فيها السم»

. و العظاية و العظاءة: دويبة ملساء أصغر من الحرذون تمشي مشيا سريعا ثم تقف. و تعرف عند العامة بالسقاية، و هي أنواع كثيرة. و الظاهر ان العظاءة و الوزغ و السام أبرص من جنس واحد. و لعله (قده) أراد بالنهي الذي أشار إليه ما ورد في خبر عمار، إلا انه لم يذكر فيه الموت، بل المستفاد منه ان مجرد الوقوع في اللبن موجب للحرمة.

371

الدفلى و غير ذلك من صنوف السم القاتل فحرام أكله».

بل ورد النهي (1) عن شرب ماء مات فيه سام أبرص، لأن فيه سما.

أما ما لا يقتل القليل منها كالأفيون و السقمونيا في تناول القيراط و القيراطين إلى ربع الدينار في جملة حوائج المسهل فهذا لا بأس به، لغلبة السلامة، و لا يجوز التخطي إلى موضع المخاطرة منه كالمثقال من السقمونيا و الكثير من شحم الحنظل و الشوكران و يقال له: الشيكران بإعجام الشين و إهمالها، و هو نبت له ورق كورق القثّاء، و له زهر أبيض، و بزره كالأنيسون فإنه لا يجوز، لما يتضمن من ثقل المزاج و إفساده و هما معا محرمان.

و في الدروس «نهى الأطباء عن استعمال الأسود من السقمونيا الذي لا ينفرك سريعا و يجلب من بلاد الجرامقة، و عما جاوز الدانقين من الأفيون قالوا: و الدرهمان منه يقتل، و الدرهم يبطل الهضم إذا شرب وحده، و قدروا المأخوذ من شحم الحنظل بنصف درهم، و قالوا: إذا لم يكن في شجرة الحنظل غير واحدة لا تستعمل، لأنها سم».

و بالجملة كلما كان فيه الضرار علما أو ظنا بل أو خوفا معتدا به حرم، نعم لو فرض فعل ذلك للتداوي عن داء جاز و إن خاطر إذا كان جاريا مجرى العقلاء، لإطلاق بعض النصوص.

قال إسماعيل بن الحسن المتطبب (2): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني رجل من العرب و لي بالطب بصر، و طبي طب عربي، و لست آخذ عليه صفدا، قال: لا بأس، قلت له: إنا نبط الجرح و نكوي بالنار، قال: لا بأس، قلت: و نسقي هذه السموم الأسمحيقون

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 134- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

372

و الغاريقون، قال: لا بأس، قلت: إنه ربما مات، قال: و إن مات قلت: نسقي عليه النبيذ، قال: ليس في حرام شفاء».

و قال يونس بن يعقوب (1): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الرجل يشرب الدواء و يقطع العرق و ربما انتفع به و ربما قتله، قال:

يقطع و يشرب».

و في خبر إبراهيم بن محمد (2) عن أبي الحسن العسكري عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قيل للصادق (عليه السلام): الرجل يكتوي بالنار و ربما قتل و ربما تخلص، قال: قد اكتوي رجل على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو قائم على رأسه».

و قال محمد بن مسلم (3): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يعالج بالكي؟ فقال: نعم إن اللّه تعالى جعل في الدواء بركة و شفاء و خيرا كثيرا، و ما على الرجل أن يتداوى، و لا بأس به».

و قال يونس بن يعقوب (4): «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشرب الدواء و ربما قتل و ربما سلم منه، و ما يسلم أكثر، فقال: أنزل اللّه الدواء و أنزل الشفاء، و ما خلق اللّه تعالى داء إلا و جعل له دواء، فاشرب و سم اللّه تعالى».

و في خبر الحسين بن علوان (5) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر قال: «قيل: يا رسول اللّه أ نتداوى؟

قال: نعم، فتداووا، فان اللّه لم ينزل داء إلا و قد أنزل له دواء، و عليكم بألبان البقر، فإنها ترف من كل الشجر»

إلى غير ذلك، مضافا إلى السيرة المستمرة و غيرها، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 134- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 134- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 134- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 134- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 9.

(5) الوسائل- الباب- 134- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 10.

373

[القسم الخامس في المائعات]

القسم الخامس في المائعات

[الأنواع الخمسة للمحرم منها]

و المحرم منها خمسة:

[النوع الأول الخمر]

الأول: الخمر بلا خلاف فيه بين المسلمين، بل هو من ضروريات دينهم على وجه يدخل مستحله في الكافرين و كذا لا خلاف في أنه يحرم كل مسكر و لو قلنا بعدم تسميته خمرا، بل الإجماع بقسميه عليه، و

في النبوي (1): «كل مسكر خمر، و كل خمر حرام»

و في الصحيح و غيره (2): «إن اللّه تعالى لم يحرم الخمر لاسمها، و لكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر».

و حينئذ فكلما كان كذلك فهو حرام كالنبيذ المتخذ لذلك و البتع بكسر الموحدة و فتحها مع إسكان المثناة المتأخرة و الفضيخ و النقيع و المزر بتقديم المعجمة على المهملة و غيرها من الأشربة التي تعمل للإسكار، و إنما خصها تبعا للنص، ك

صحيح ابن الحجاج (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل، و المزر

____________

(1) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 15.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأشربة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

374

من الشعير، و النبيذ من التمر»

و في المرسل (1) كالصحيح: «الخمر من خمسة أشياء: من التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير و العسل».

و المراد بالمسكر: ما وجد فيه طبيعة الإسكار و لو بالكثير منه، فإنه يحرم قليله أيضا بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص فيه إن لم تكن متواترة اصطلاحا فهي مقطوعة المضمون، ففي

الصحيح و غيره (2) «ما أسكر كثيره فقليله حرام»

و زيد في آخر (3) «قلت: فقليل الحرام يحله كثير الماء، فرد عليه بكفه مرتين لا. لا»

و في الخبر (4) «ما تقول في قدح من المسكر يغلب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره، فقال: لا و اللّه، و لا قطرة تقطر منه في حب إلا أهريق ذلك الحب».

و كذا لا خلاف في أنه يحرم الفقاع قليله و كثيره بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر أو قطعي، كالنصوص التي فيها أنه خمر مجهول (5) و أنه الخمر بعينها (6) و أن حده حد شارب الخمر و أنه خمرة استصغرها الناس (7)

و في بعضها (8) «كل مسكر حرام و كل مخمر (خمر خ ل) و الفقاع حرام»

بل صرح غير واحد بأنه كذلك و إن لم يكن مسكرا، و لعله لإطلاق النصوص المزبورة، إلا أن التدبر فيه يقتضي كونه من المسكر و لو كثيرة.

أما الصنف الذي لا يسكر منه فلا بأس به، للأصل و غيره، و يمكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأشربة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 8.

(6) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 7.

(7) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(8) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

375

إرادة المصنف ذلك بجعل الفقاع معطوف (1) على مدخول الكاف، و منه الذي كان يعمل لأبي الحسن (عليه السلام) في منزله كما في الصحيح (2) و عن ابن أبي عمير (3) أنه لا يعمل فقاع يغلي، و لعله من ذلك ذكر غير واحد أنه إنما يحرم مع الغليان الذي هو النشيش الموجب للانقلاب، إلا أن المصنف و غيره أطلق الحكم، و لعله بناء على المتعارف في عمله و إن أمكن منعه، خصوصا بعد

صحيح علي بن يقطين (4) عن الكاظم (عليه السلام): «سألته عن شرب الفقاع الذي يعمل في الأسواق و يباع و لا أدري كيف عمل و لأمتي عمل، أ يحل أن أشربه؟ قال: لا أحبه»

المشعر بالكراهة أو الظاهر فيها لا الحرمة.

بل هو مقتضى القواعد الشرعية التي منها حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، و منها أن كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه، و بذلك يظهر لك أنه لا يكفي في الحرمة تسميته فقاعا، بل لا بد من العلم بكونه من القسم المحرم.

لكن في المسالك «و الحكم معلق على ما يطلق عليه اسم الفقاع عرفا مع الجهل بأصله أو وجود خاصيته، و هي النشيش، و هو المعبر عنه في بعض الأخبار بالغليان (5)».

و في الرياض بعد أن جعل المدار على الاسم و حكى عن جماعة التقييد المزبور و استدل له بظاهر الصحيح المزبور الذي اعترف بإشعاره بالكراهة قال: «قيل: و نزله الأصحاب على التحريم، و لا ريب فيه مع إطلاق

____________

(1) هكذا في النسختين المخطوطتين: المسودة و المبيضة، و الصحيح «بجعل الفقاع معطوفا».

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

376

الاسم عليه حقيقة عرفا، و أما مع عدمه ففيه إشكال و إن كان الترك أحوط».

و فيه ما عرفت من أنه لا وجه للتنزيل المزبور بعد اشتراك الاسم و وقوع العمل على وجهين، و قاعدة حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح و غير ذلك. على أنه بعد فرض اعتبار الغليان في حرمته يشكل الاكتفاء بالنشيش، ضرورة كونه عرفا للانقلاب بالنار، و كونه المراد به كذلك في العصير- لظهور بعض النصوص (1)- لا يقتضي كون المراد به هنا كذلك، كما هو واضح.

و على كل حال فليس من المعلوم كونه منه ما تعارف في زماننا استعمال الأطباء له من ماء الشعير المغلي، و اللّه العالم.

و كذا يحرم العصير العنبي و إن قلنا بطهارته إذا غلى، سواء غلى من قبل نفسه أو بالنار، و لا يحل حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا كما تقدم الكلام فيه و في الزبيبي و التمري و كل عصير مفصلا في كتاب الطهارة (2) فلاحظ و تأمل.

و أما ما مزج بها أو بأحدها و ما وقعت فيه من المائعات فهو حرام بلا خلاف و لا إشكال، ضرورة عدم تحليل المحرم بالمزج، مضافا إلى تنجيس المائع الذي وقع فيه شيء من النجس منها، فيحرم حينئذ لذلك، بل الظاهر حرمة الممتزج بالطاهر منها إذا لم تتحقق استحالته إلى غيره من المحلل أو استهلاكه على وجه يلحق بها، و لو للسيرة المستمرة التي تجعلها بحكم غير المحصور من المشتبه، ضرورة عدم حلية المحرم بالاستهلاك بمعنى عدم التمييز بين أجزاء المحلل و المحرم، كما هو واضح. و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(2) راجع ج 6 ص 13- 37.

377

[النوع الثاني الدم المسفوح]

الثاني: الدم المسفوح المصبوب السائل كالدم في العروق لا كالكبد و الطحال نجس: فلا يحل تناوله و لو قليلا منه، بلا خلاف و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر أو قطعي، كالنصوص (1) التي منها ما تقدم في محرمات الذبيحة المشتملة على تعليل تحريمه بأنه يورث الكلب و القسوة في القلب و الماء الأصفر و البخر و غير ذلك.

نعم ظاهر القيد في العبارة و غيرها بل هو صريح غير واحد حل ما في اللحم منه في الذبيحة، بل في الرياض عن جماعة التصريح بالإجماع عليه، و هو الحجة بعد الأصل و السيرة المستمرة و قاعدة نفي الحرج في الدين، ضرورة تحققه مع فرض حرمته، لعدم خلو اللحم منه و إن غسل مرات، بل الظاهر إلحاق ما يتخلف في القلب و الكبد، لذلك أيضا و غيره، و إن تردد فيه في المسالك مما سمعت و من الاقتصار بالرخصة المخالفة للأصل على موردها، ثم قال: «و لو قيل بتحريمه في كل ما لا نص فيه و لا اتفاق و إن كان طاهرا لكان وجها، لعموم تحريم الدم و كونه من الخبائث».

و فيه أنه قد اعترف سابقا بتخصيص العموم بمفهوم المسفوح، و منع العلم بخباثته، خصوصا بعد تعارف أكله معهما كاللحم الذي معه ذلك، و قد تقدم في كتاب الطهارة (2) تمام القول في الدم المتخلف، فلاحظ و تأمل. و كذا تقدم في وجه التعبير بالمسفوح مع أن الدم من ذي النفس محرم مطلقا و نجس كذلك من غير فرق بين مسفوحة و غيره إلا ما استثني، اللهم إلا أن يقال: لا دم من ذي النفس إلا مسفوحا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 31- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) راجع ج 5 ص 363- 365.

378

أو أن المحرم منه و النجس المسفوح منه خاصة، و هما معا كما ترى، و قد تقدم تفصيل الحال في كتاب الطهارة (1) و حكينا عبارة المنتهى الموهمة ذلك، و اللّه العالم.

و كيف كان ف ما ليس بمسفوح مما يخرج من الحيوان غير ذي النفس كدم الضفادع و القراد و إن لم يكن نجسا للأصل و غيره فهو حرام بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن دعوى الإجماع عليه لا لاستخباثه إذ قد يمنع في البعض، بل لكونه تابعا لحرمة الحيوان ذي الدم، ضرورة كونه من أجزائه، أما إذا لم يكن محرم الأكل كالسمك فيمكن منع الحرمة فيه، بل عن المعتبر الإجماع على أكله بدمه، و لعله كذلك للسيرة القطعية عليه و على غيره مما هو مأكول كالجراد و لتناول دليل حل أكله لدمه معه.

و من هنا يظهر لك الفرق بين المأكول و غيره من غير ذي النفس، بل و النظر في جملة من كلمات الأصحاب حتى الفاضل في الرياض و إن أطنب في المقام، قال: «و مقتضى إطلاق المتن مضافا إلى الأصل و العمومات حل ما عدا المسفوح من الدم كدم الضفادع و القراد و السمك، و هو ظاهر جملة من الأصحاب المستدلين به على طهارته، كابني إدريس و زهرة و المختلف، و لعله صريح الماتن في المعتبر في دم السمك، حيث استدل فيه على طهارة دمه بأنه لو كان نجسا لوقفت إباحة أكله على سفح دمه بالذبح، كحيوان البر، لكن الإجماع على خلاف ذلك، و أنه يجوز أكله بدمه، و هو ظاهر في دعوى الإجماع عليه، و لا بأس به في مورد عبارته لما ذكره، مضافا إلى ما مر مع التأمل في خباثته، و يشكل في غيره مما

____________

(1) راجع ج 5 ص 354- 362.

379

مر و من القطع بخباثته، فيشمله عموم ما دل (1) على تحريم كل خبيث، و لعل هذا أظهر، وفاقا للأكثر، بل لم أقف فيه على مخالف صريح عدا من مر و من قيد المحرم من الدم بالمسفوح و لم يذكر تحريم غيره كالغنية و التعارض بين عموم ما دل (2) على تحريم كل خبيث و عموم المفهوم فيما قيد فيه المحرم من الدم بالمسفوح و حصر فيه و إن كان تعارض العموم و الخصوص من وجه و الأصل و العمومات ترجح المحلل منهما إلا أن اعتضاد المحرم بعمل الأكثر يرجحه، هذا مع ضعف المحلل بمخالفة مفهوم الحصر فيه الإجماع من الكل، لدلالته على حل ما عدا الميتة و الدم المسفوح و لحم الخنزير، و البناء فيه على التخصيص و حجية الباقي حسن إن بقي من الكثرة ما يقرب من مدلول العام، و ليس بباق بلا كلام، و لا مفر عن هذا المحذور إلا بجعل الحصر منافيا أو منسوخا، و أياما كان يضعف الاستناد إليه في المقام، كما لا يخفى على ذوي الأحلام، و من هنا يتجه ما ذكره شيخنا في المسالك من أن الأصل في الدم التحريم إلا ما خرج بالنص و الوفاق».

و هو على طوله لا حاصل له، بل فيه النظر من وجوه، و التحقيق ما عرفت من الفرق بين المأكول و غيره، بل لا ينبغي التأمل في جواز أكله معه، نعم لو كان منفردا لم يحل، لا للعلم بخباثته، بل لإطلاق ما دل على حرمة الدم كتابا (3) و سنة (4) الذي يمكن منع منافاة قوله:

«مَسْفُوحاً» له، بناء على إرادة المراق منه، لا خصوص ما يشخب من الأوداج، فيكون الحاصل حينئذ أن الدم متى كان مجتمعا و ليس بتابع

____________

(1) سورة الأعراف: 7- الآية 157.

(2) سورة الأعراف: 7- الآية 157.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة.

380

للحم و نحوه حرم مطلقا، فتأمل جيدا.

و كذا لا إشكال و لا خلاف في حرمة العلقة و إن كانت من المأكول، لأنها نجسة كما صرح به غير واحد، بل عن الخلاف دعوى الوفاق عليه و هو الحجة بعد إطلاق نجاسة الدم الذي قد أشبعنا الكلام فيه في كتاب الطهارة (1).

كما أنه أشبعناه أيضا في نجاسة ما يوجد في البيض من الدم (2) الذي هو إن لم يكن من العلقة فهو نجس أيضا، للإطلاق المزبور، خلافا لما عن الذكرى و المعالم و غيرهما من طهارة العلقة، للأصل بعد عدم انصراف الإطلاق إليها، سيما التي في البيضة مع عدم معلومية تسمية ما فيها علقة فلا تشمله حكاية إجماع الخلاف المتقدم.

و في الرياض «و هو حسن إلا أن نجاسة العلقة من الإنسان بالإجماع المزبور ثابت، و هو يستعقب الثبوت فيما في البيضة، لعدم القائل بالفرق بين الطائفة، فاذن الأشبه النجاسة مطلقا، لكن مع تأمل ما في ثبوتها لما في البيضة، بناء على التأمل في بلوغ عدم القول بالفرق المزبور درجة الإجماع المركب الذي هو حجة، و الاحتياط واضح سبيله».

و لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه هنا و ما تقدم في كتاب الطهارة (3) فلاحظ و تأمل.

و كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه هنا و في كتاب الطهارة (4) أن ما لا يدفعه الحيوان المذبوح المأكول لحمه و يستخلف في اللحم طاهر، و ليس بنجس و لا حرام و اللّه العالم.

____________

(1) راجع ج 5 ص 354- 362.

(2) راجع ج 5 ص 362.

(3) راجع ج 5 ص 362.

(4) راجع ج 5 ص 363.

381

و لو وقع قليل من دم (الدم خ ل) نجس (النجس خ ل) كالأوقية فما دون في قدر و هي تغلي على النار فقد روي بل قيل: إنه حل مرقها إذا ذهب الدم بالغليان ففي

صحيح سعيد الأعرج (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أ يؤكل؟ قال: نعم، فان النار تأكل الدم».

و في خبر زكريا بن آدم (2) «سألت الرضا (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم و مرق كثير، قال:

يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب، و اللحم اغسله و كله، قلت: فان قطر فيه الدم. قال: الدم تأكله النار إنشاء اللّه».

و عن المفيد و الشيخ في النهاية و الديلمي و التقي العمل بهما، بل عن المفيد و الديلمي عدم التقييد بالقليل، كما أن المحكي عن الأخير عدم الفرق بين الدم و غيره من النجاسات، و إن كان يرده- مضافا إلى الإجماع المحكي عن التحرير و الدروس، بل لعله الظاهر من غيرهما- صريح الخبر المزبور المشتمل على الفرق بينهما، و منه يعلم عدم إرادة التعدية في التعليل.

و على كل حال ف من الأصحاب و هو الحلي و تبعه المتأخرون من منع الرواية، و هو حسن لشذوذ الأولى بل قيل و ضعفها و إن كان الأصح خلافه، و ضعف الثانية مع عدم الجابر، بل عن القميين رمي بعض رواتها بالغلو و وضع الأحاديث.

بل في كشف اللثام «أن شيئا منهما لا يدل على جواز الأكل قبل الغسل، و إنما ذكر فيهما أن النار تأكل الدم دفعا لتوهم السائل أنه لا يجوز الأكل و إن غسل، لأن الدم ثخين يبعد أن تأكله النار، فهو ينفذ في

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

382

اللحم، فلا يجدي الغسل، و يمكن تنزيل كلام الشيخين عليه، ففي المقنعة و إن وقع دم في قدر تغلي على النار جاز أكل ما فيها بعد زوال عين الدم و تفرقها بالنار، و إن لم تزل عين الدم منها حرم ما خالطه الدم و حل منها ما أمكن غسله بالماء، و في النهاية فإن حصل فيها شيء من الدم و كان قليلا ثم غلى جاز أكل ما فيها، لأن النار تحيل الدم، و إن كان كثيرا لم يجز أكل ما وقع فيه» و لا بأس به و إن أمكن مناقشته في الاحتمال و التنزيل.

لكن على كل حال لا يخرج بهما عن قاعدة نجاسة المائع بالملاقاة و عدم طهره بالغليان، بل لعل التعليل في الخبر المزبور (1) يرشد إلى وقوع ذلك من الامام (عليه السلام) على وجه الإقناع لمصلحة من المصالح، كالموافقة لبعض روايات العامة أو بعض مذاهبهم، ضرورة عدم مدخلية أكل النار للدم طهارة المرق (2) الملاقي له، على أنه يقتضي التعدية إلى سائر المائعات غير المرق، و لا أظن القائل يلتزمه، كما أنه لا يلتزم اشتراط بقاء القدر يغلي بالنار إلى أن يعلم أكل النار له، إلى غير ذلك مما لا يصلح انطباق التعليل المزبور عليه.

و لعله لذا حكي عن الفاضل حمل ذلك على الدم الطاهر، و إن نوقش بأنه لا يناسبه التعليل المزبور بناء على حرمة أكله، لأن استهلاكه في المرق إن كفى في حله لم يتوقف على النار، و إلا لم تؤثر النار في حله لكن يدفعه احتمال كون مراد القائل أن التعليل حينئذ إقناعي تكفي فيه أدنى مناسبة، و هي إرادة بيان عدم النفرة من الدم المزبور المستخبث و إن كان طاهرا يأكل النار له، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(2) هكذا في النسختين المخطوطتين المسودة و المبيضة، و الصحيح «في طهارة المرق».

383

هذا كله في المرق أما ما هو جامد كاللحم و التوابل فلا بأس به إذا غسل لإطلاق ما دل (1) على تطهير المتنجس بالغسل الشامل للمقام، مضافا إلى الخبر (2) السابق و غيره، و غليانه بالمرق المتنجس لا يمنع ذلك، إذ يمكن تجفيفه ثم غسله، خلافا للمحكي عن القاضي من أنه مع كثرة النجاسة و كونها خمرا لا يؤكل شيء مما في القدر، سواء كان مائعا أو غيره، و لا ريب في ضعفه، بل يمكن دعوى الإجماع على خلافه، كما لعله يظهر من بعض، و شدة نفوذ الخمر لا تمنع الطهارة بالغسل.

و لا فرق في الغسل بين كونه بالقليل أو الكثير، للإطلاق. اللهم إلا أن يكون من التوابل ما لا يقبل التطهير، لكن عن التنقيح ينبغي غسله بالكثير، و لا يخلو من نظر إن أراد الشرطية مطلقا.

[النوع الثالث كلما حصل فيه شيء من النجاسات]

الثالث: كلما حصل فيه شيء من النجاسات كالدم أو البول أو العذرة أو غيرها مما تقدم تفصيلها في كتاب الطهارة أو المتنجس بها حتى الميت قبل غسله، بناء على ما هو الأصح من تعدي نجاسته، و على كل حال فان كان مائعا حرم بلا خلاف و لا إشكال، لصيرورته نجسا بذلك و إن كثر و لا إشكال في حرمة تناول النجس ذاتا أو عرضا.

و لا طريق إلى تطهيره ما عدا الماء منه في ظاهر الأصحاب كما اعترف به في كشف اللثام، بل عن السرائر الإجماع عليه، و هو الحجة بعد الأصل، لعدم تحقق الغسل فيه عرفا، و عدم ثبوت تطهيره بالملاقاة للكثير أو امتزاجه به مع فرض عدم انقلابه إلى الماء الذي ثبت

____________

(1) الوسائل- الباب- 2 و 3 و 5 و 7- من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

384

تطهيره بذلك، و إطلاق الطهورية لا يفيد الكيفية، كما أشبعنا الكلام فيه في كتاب الطهارة (1) و في ضعف ما يحكى عن العلامة من القول بطهارته مطلقا أو الدهن منه بتخلل الماء الكثير في أجزائه بحيث يعلم وصوله الأجزاء فلاحظ و تأمل، بل إطلاق النصوص دال على بطلانه.

لكن في كشف اللثام هنا «و لا يبعد عندي الفرق بين الأدهان و غيرها، فيحكم بطهر الأدهان دون غيرها و إن رأى الأكثر أن طهر الأدهان أبعد، و ذلك لأنها لدسومتها بعد ما تتفرق في الماء تطفو عليه بخلاف سائر المائعات».

و فيه أنه لا يجدى تفرقها مع عدم انقلابه إلى الماء الذي ثبت تطهيره بالملاقاة دون غيره من أجزاء المائع، فإن كل جزء يفرض و إن ضعف لم يحصل له مطهر شرعا، فهو حينئذ كأجزاء نجس العين بالنسبة إلى ذلك، و اللّه العالم.

و إن كان له أي المائع حالة جمود فوقعت النجاسة فيه جامدا كالدبس الجامد و السمن و العسل ألقيت النجاسة و كشط ما يكتنفها و الباقي حل بلا خلاف فيه نصا و فتوى، و لا إشكال.

قال أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها، و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله، و استصبح به، و الزيت مثل ذلك».

و قال الحلبي في الصحيح: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال: إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء

____________

(1) راجع ج 6 ص 147.

385

فانزع ما حوله و كله، و إن كان الصيف فارفعه حتى يسرج به، و إن كان بردا فاطرح الذي كان عليه، و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه»

إلى غير ذلك من النصوص.

بل الظاهر أن الأمر فيها بطرح ما حوله بناء على علوق أجزاء منه حالة جموده بالميتة، و إلا فلو فرض أن له حالة جمود على وجه لم تعلق منه أجزاء لم يجب طرح ما حوله أيضا، لعدم التنجس، ضرورة كونه من اليابس المحكوم بكونه ذكيا، و هو واضح، كوضوح كون المرجع في الجمود و الذوبان إلى العرف، و اللّه العالم.

و لو كان المائع المتنجس بملاقاة النجاسة دهنا جاز الاستصباح به تحت السماء بلا خلاف و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الأصل و إطلاق النصوص (1).

و المشهور بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه أنه لا يجوز تحت الأظلة لكن إطلاق النصوص (2) يقتضي خلافه، بل في كشف اللثام «لم نظفر بخبر مفصل و لا ناه عن الاستصباح مطلقا أو تحت الأظلة».

قلت: و لعله لذا حكي عن الشيخ جوازه صريحا، و عن ابن الجنيد ظاهرا، بل عن الفاضل في المختلف الجواز أيضا مطلقا، إلا أن يعلم أو يظن بقاء شيء من عين الدهن، فيحرم تحت الظلال و إن كان في استثنائه نظر واضح، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في المكاسب (3).

و على كل حال فعلى تقدير عدم الجواز ف هل ذلك لنجاسة دخانه؟ الأقرب لا وفاقا لظاهر الأصحاب بل هو تعبد محض مع فرض وجود دليل عليه و ذلك لأن دواخن الأعيان

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) راجع ج 22 ص 15 و 16.

386

النجسة و المتنجسة عندنا طاهرة، و كذا كل ما أحالته النار فصيرته رمادا أو دخانا بل أو فحما على تردد و خلاف تقدم الكلام فيه في محله (1) مفصلا.

و ما عن مبسوط الشيخ من أنه لا بد أن يتصاعد من أجزاء الدهن- قبل إحالة النار له- بسبب السخونة المكتسبة من النار، فإذا لقي الظلال أثر بنجاسته، و كأنه الوجه فيما سمعته من استثناء الفاضل في المختلف، و ليس خلافا في ذلك، مع أنه يمكن منعه عليه. و مع تسليمه فلا دليل على تحريم تنجيس ذلك، اللهم إلا أن يكون ذلك من الإسراف باعتبار تنقيص منفعة المال بتنجيسه على وجه يتعذر أو يتعسر تطهيره.

ثم إن الظاهر إرادة ما عدا النفط و نحوه من الدهن و الزيت في النصوص، كما أن الظاهر إلحاق الجامد المتنجس بالمائع فيه.

ثم إنه قد يظهر من المصنف و غيره عدم جواز الانتفاع به في غير ذلك، كطلي الأجرب و نحوه، و هو مبني على عدم جواز الانتفاع بالنجس و المتنجس الذي لم يقبل التطهير إلا ما خرج بدليل خاص و لو سيرة و نحوها إلا أنه لا يخلو من بحث، و قد أشبعنا الكلام فيه في المكاسب (2) أيضا و قلنا: إن العمدة في ذلك الإجماع المحكي و خبر تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) (3) فلاحظ و تأمل.

و كيف كان فلا خلاف نصا و فتوى في أنه يجوز بيع الأدهان النجسة عارضا و يحل ثمنها، لكن يجب إعلام المشتري

____________

(1) راجع ج 6 ص 266- 276.

(2) راجع ج 22 ص 8- 13.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

387

بنجاستها للنص، و هو

خبر معاوية (1) عن الصادق (عليه السلام) «في سمن أو زيت أو عسل مات فيه جرذ، فقال: أما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و أما الزيت فيستصبح به، و قال في بيع ذلك الزيت: يبيعه و يبينه لمن اشتراه ليستصبح به»

و لتحريم الغش و لغير ذلك من غير فرق بين كون المشتري ممن يستحل النجس و عدمه.

خلافا لبعض، فقيد وجوب الاعلام بما إذا كان المشتري مسلما، و إطلاق النص و الفتوى يدفعه.

و لو لم يعلمه بالحال ففي المسالك «ففي صحة البيع و ثبوت الخيار للمشتري على تقدير العلم أو فساده وجهان: من أن البيع مشروط بالإعلام فلا يصح بدونه، و من الشك في كونه شرطا، و غايته أن ينجبر بالخيار، و النهي عن بيعه بدونه لو سلم لا يستلزم الفساد في المعاملات، ثم على تقدير الصحة فهو كبيع المعيب من دون الاعلام بالعيب في ثبوت الأرش و الرد على التفصيل».

قلت: لا دلالة في شيء من النصوص على اشتراط صحة البيع بذلك حتى الخبر المزبور المشتمل على الأمر بالتبيين، فان أقصاه وجوب الاعلام، لا اشتراط صحة البيع بذلك، بل مقتضى إطلاق الإذن ببيعه عدم اعتبار قصد الاستصباح في البيع من البائع فضلا عن المشتري، و إن كان هو ظاهر قولهم: «يجوز بيعه للاستصباح به» لكن يمكن حمله على إرادة بيان عدم جواز بيعه بقصد الأكل، أو بيان أن فائدة الاستصباح تكفي في جواز بيعه أو غير ذلك.

و مع فرض اعتبار القصد فهل يعتبر بالنسبة للمشتري أيضا؟ يمكن ذلك، بل لعل دلالة الخبر المزبور عليه أظهر من البائع، كما أنه يمكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

388

اختصاص قصد الفائدة المزبورة في الجواز دون تدهين الأجرب مثلا، لكن في كشف اللثام هنا عدم الفرق بينهما، هذا و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في المكاسب (1) و منه اختصاص الدهن المتنجس بالحكم المزبور دون غيره من المائعات و إن قلنا بجواز الانتفاع بها، و اللّه العالم.

و كذا الكلام في ما يموت فيه حيوان له نفس سائلة من المائعات، إذ لا فرق بينه و بين غيره من النجاسات. أما ما لا نفس له سائلة كالذباب و الخنافس فلا ينجس بموته و لا ينجس ما يقع فيه بلا خلاف و لا إشكال.

و في النبوي (2) «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمقلوه، فان في أحد جناحيه داء و في الآخر دواء».

و في صحيح أبي بصير (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن الذباب يقع في الدهن و السمن و الطعام، فقال: لا بأس بأكله (كل خ ل)».

و سئل الصادق (عليه السلام) في خبر عمار (4) «عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه فقال: كل ما ليس له دم فلا بأس به»

إلى غير ذلك.

لكن في كشف اللثام استثناء المسوخ من ذلك بناء على نجاستها، و فيه أن تحكيم إطلاقهم عدم البأس على إطلاق نجاسة المسوخ أولى من العكس، و اللّه العالم.

____________

(1) راجع ج 22 ص 16.

(2) سنن البيهقي- ج 1 ص 252 و 253.

(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

389

هذا و قد استقر المذهب الآن بل و قبل الآن على أن الكفار أنجاس كالكلاب و الخنازير ينجس المائع بمباشرتهم له سواء كانوا أهل الحرب أو أهل ذمة و إن كان قول المصنف هنا على أشهر الروايتين (1) مشعرا بنوع تردد فيه، بل منه تحير بعض المتأخرين عنه، فوسوس في الحكم أو مال إلى الطهارة مطلقا أو أهل الكتاب خاصة.

لكن قد تقدم في كتاب الطهارة (2) ما يرفع الوسوسة المذكورة الناشئة من اختلال الطريقة، خصوصا بعد شهرة الطهارة بين العامة الذين جعل اللّه الرشد في خلافهم، و صدر بعض الأخبار (3) تقية منهم.

و كذا لا يجوز استعمال أوانيهم التي استعملوها في المائعات إلا بعد غسلها، لنجاستها حينئذ باستعمالهم و روي أنه إذا أراد مؤاكلة المجوسي أمره بغسل يده و هو و إن كانت صحيحة-

قال العيص (4): «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهود و النصارى، فقال:

لا بأس إذا كان من طعامك، و سألته عن مؤاكلة المجوسي، فقال:

إذا توضأ فلا بأس».

و في صحيحة القاسم (5) «أنه سأله عن مؤاكلة اليهودي و النصراني و المجوسي، فقال: إن كان من طعامك و توضأ فلا بأس»

- و لكنها هي رواية شاذة لم نجد عاملا بها إلا ما يحكى عن الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار لا كتاب فتوى.

مع أن المحكي عنه فيها أنه صرح قبل ذلك بأسطر قليلة بأنه «لا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم، و لا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها

____________

(1) الوسائل- الباب- 52 و 53- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) راجع ج 6 ص 41- 46.

(3) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 عن عيص بن القاسم.

390

بالماء، و أن كل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم و باشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه» فلا بد حينئذ من حمل كلامه المتأخر عن ذلك على إرادة المؤاكلة التي لا تستلزم تعدي النجاسة، و الأمر بغسل اليد حينئذ لازالة النفرة مما يكون غالبا في أيديهم من مباشرة القذارات، كما عن المصنف التصريح بذلك في نكت النهاية، بل لا يبعد حمل الصحيح المزبور على ذلك، و اللّه العالم.

هذا و قد ظهر لك مما ذكرنا أنه لا اشكال و لا خلاف في أنه لو وقعت ميتة لها نفس سائلة في قدر فيها مائع نجس ما فيها للملاقاة و أريق المائع أو طهر إن كان ماء مطلقا و غسل الجامد من اللحم و غيره و أكل

قال الصادق (عليه السلام) (1): «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة، قال: يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل»

و قد تقدم الكلام في مسألة الدم، و اللّه العالم.

و لو عجن بالماء النجس عجين (عجينا خ ل) لم يطهر بالنار إذا خبز على الأشهر بل المشهور، بل في المسالك هنا «إنما خالف في ذلك الشيخ في النهاية في باب الطهارة، فحكم بطهره بالخبز، مع أنه في الأطعمة منها حكم بعدم طهره، و مستنده على الطهارة رواية (2)- مع ضعف سندها- لا دلالة فيها على ذلك، فالقول بالطهارة ساقط رأسا».

قلت: قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب الطهارة (3) و اللّه العالم.

[النوع الرابع الأعيان النجسة]

الرابع: الأعيان النجسة، كالبول مما لا يؤكل لحمه، نجسا كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الماء المطلق- الحديث 17 و 18 من كتاب الطهارة.

(3) راجع ج 6 ص 273- 276.

391

الحيوان كالكلب و الخنزير أو طاهرا كالأسد و النمر فإنه لا يجوز شربها اختيارا إجماعا أو ضرورة.

و هل يحرم مما يؤكل لحمه بناء على طهارته التي قد أشبعنا الكلام فيها في كتاب الطهارة (1) قيل و القائل الشيخ في ظاهر المحكي من نهايته، و ابن حمزة في صريح المحكي عنه، و الفاضل و الشهيدان:

نعم إلا أبوال الإبل، فإنه يجوز للاستشفاء بها لأن

النبي (صلى اللّه عليه و آله) أمر قوما اعتلوا بالمدينة أن يشربوا أبوال الإبل فشفوا (2)

و قال الكاظم (عليه السلام) في خبر الجعفري (3): «أبوال الإبل خير من ألبانها، و يجعل اللّه الشفاء في ألبانها»

و عن سماعة (4) «أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن شرب أبوال الإبل و البقر و الغنم للاستشفاء، قال: نعم لا بأس به».

و قيل و القائل المرتضى و ابني الجنيد و إدريس فيما حكي عنهم:

يحل الجميع، لمكان طهارته فيبقى على الأصل و العمومات.

و الأشبه عند المصنف هنا التحريم لاستخباثها و إن كانت طاهرة.

بل في الرياض «هو في غاية القوة، إما للقطع باستخباثها كما هو الظاهر، أو احتماله الموجب للتنزه عنه و لو من باب المقدمة، مضافا إلى الأولوية المستفادة مما قدمناه من الأدلة على حرمة الفرث و المثانة التي هي

____________

(1) راجع ج 5 ص 287- 289.

(2) المستدرك- الباب- 23- من أبواب الأشربة المباحة- الحديث 2 و سنن البيهقي ج 10 ص 4.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 7 مع الاختلاف.

392

مجمع البول، بناء على بعدهما بالإضافة إلى البول عن القطع بالخباثة، فتحريمهما مع ذلك يستلزم تحريم البول القريب من القطع بالاستخباث بالإضافة إليهما بطريق أولى، و يزيد وجه الأولوية فيه أن حرمة الفرث بظهور النصوص المعتبرة في سهولة الروث من الخيل و البغال و الحمير بالإضافة إلى أبوالها في وجوب التنزه عنهما أو استحبابه، حتى ظن جماعة لذلك الفرق بينهما بالطهارة في الروث و النجاسة في البول، و الفرث في معنى الروث قطعا، و حينئذ فتحريم الأضعف يستلزم تحريم الأشد بالأولوية المتقدمة، و حيث ثبت الحرمة في أبوال هذه الحمول الثلاث المأكول لحمها على الأظهر الأشهر بين الطائفة ثبت الحرمة في أبوال غيرها من كل مأكول اللحم، لعدم القائل بالفرق».

و فيه ما لا يخفى من منع القطع بالاستخباث الموجب للحرمة، و عدم كفاية الاحتمال، لعموم أدلة الحل كتابا (1) و سنة (2) و منع الأولوية، بل قد يظهر من اقتصار تلك الأدلة على تعداد غير البول الحل فيه، و كذا ما ذكره في زيادة وجه الأولوية، ضرورة عدم اقتضاء ذلك حرمة الأسهل، خصوصا بعد حمل تلك النصوص على ضرب من الكراهة، و لو من جهة الخباثة التي لم تصل إلى حد توجب التنجس.

و من هنا كان الحل هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده، بل عن المرتضى الإجماع عليه، بل عنه نفي الخلاف في ذلك بين من قال بطهارتها مؤيدا ذلك بأمر النبي (صلى اللّه عليه و آله) بشرب أبوال الإبل (3) الذي لم يعلم منه أن الوجه فيه الضرورة المبيحة للمحرم، بل لو كان كذلك

____________

(1) راجع الآيات المتقدمة في ص 237.

(2) تقدم بعضها في ص 237.

(3) المستدرك- الباب- 23- من أبواب الأشربة المباحة- الحديث 2.

393

لم يكن وجه لاختصاص بول الإبل، ضرورة مساواتها لغيرها من الضرورة المفروضة.

و احتمال أن يقال بجواز شربها و إن لم يصل إلى حد الضرورة المبيحة للنص- و بذلك يفرق بين المقامين- يدفعه أنه ليس بأولى من القول بأن ذلك لأنه يجوز شربه مطلقا، و منه التداوي به، خصوصا مع عدم تقييد الرخصة بما عثرنا عليه من النصوص به في كلام الامام (عليه السلام) و إن وقع في كلام السائل، كما في خبر سماعة (1) المشتمل على غير الإبل.

و دعوى تضعيف الأول- بمعارضته بالأدلة السابقة التي منها الإجماع المحقق و المحكي على حرمة الروث و المثانة الدالة على حرمة البول بما مر من الأولوية التي هي من الدلالة الالتزامية التي لا فرق بينها و بين المطابقية الموجودة في إجماع السيد في الحجية- واضحة الفساد.

و من ذلك يعلم الحل في كل ما لم يعلم خباثته من رطوبات الحيوان حتى بصاق الإنسان و عرقه و غيرهما، و إن قيل: إن المشهور الحرمة، مع أنا لم نتحقق ذلك، بل جزم بها في الرياض بناء على كلامه السابق الذي هو وجوب الاجتناب مع الاحتمال، قال: «و ليس التكليف باجتنابه تكليفا مشروطا بالعلم بالخباثة، بل هو مطلق، و من شأنه توقف الامتثال فيه بالتنزه عن محتملاته، و إن هو حينئذ إلا كالتكليف باجتناب السمومات و المضرات».

و فيه ما لا يخفى، ضرورة كون مبنى الحرمة في هذا الخوف و المخاطرة و نحوهما مما يكفي فيه الاحتمال المعتد به، بخلاف الأول الذي قد يدعى عدم تحقق الخباثة في نفس الأمر فيه، لأن مبناها النفرة الوجدانية، و الفرض انتفاؤها، فلا يتصور تحققها في نفس الأمر، و مع التسليم فلا يجب الاجتناب

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 7.

394

للعمومات السابقة، كمحتمل النجاسة، و اللّه العالم.

[النوع الخامس ألبان الحيوان المحرم]

الخامس: ألبان الحيوان المحرم أكله كلبن اللبوة و الذئبة و الهرة بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغنية الإجماع عليه إن لم يكن محصلا، مضافا إلى مفهوم

المرسل السابق المتقدم في البيض المنجبر بالعمل هنا، و هو «كل شيء يؤكل لحمه فجميع ما كان منه من لبن أو بيض أو إنفحة فكل ذلك حلال طيب» (1).

و منه- مضافا إلى الإجماع- تعلم تبعية اللبن للحل و الحرمة كالبيض.

بل في الرياض زيادة على ذلك الاستدلال بأن اللبن قبل استحالته إلى صورته كان محرما قطعا، لكونه جزء يقينا، فبحرمة الكل يحرم هو أيضا، إذ لا وجود للكل إلا بوجود أجزائه، فتحريمه في الحقيقة تحريم لها، مع أنه قبل الاستحالة دم، و هو بعينه حرام إجماعا، فتأمل جيدا، و إذا ثبت التحريم قبل الاستحالة ثبت بعدها استصحابا للحالة السابقة، هذا مع أن اللبن أيضا بنفسه جزء، فلا يحتاج في إثبات تحريمه إلى الاستصحاب بالمرة.

و فيه ما لا يخفى من عدم اندراج اللبن في اللحم المفروض كونه عنوانا للحرمة، بل لو فرض كونه الحيوان أمكن منعه أيضا عرفا، كبوله و روثه و كونه مستحيلا مما كان جزءا لا يقتضي بقاؤه جزءا. إذ من (و من ظ) الغريب دعواه الاستصحاب لحال الدم الذي قد انقلب إلى موضوع آخر.

ثم قال: «و من هذا يظهر لك وجه حكمهم بكراهته مما يكره لحمه» أي التي أشار إليها المصنف و غيره و يكره لبن ما كان لحمه مكروها، كلبن الأتن مائعه و جامده، و ليس بمحرم بل اعترف هو بعدم الخلاف فيه تارة و بالاتفاق أخرى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

395

ثم قال: «و لا ينافيها النصوص الواردة في شيراز الأتن،

كالصحيح (1) «هذا شيراز الأتن اتخذناه لمريض لنا، فإن أحببت أن تأكل منه فكل»

و الصحيح الآخر (2) «عن شراب ألبان الأتن، فقال: اشربها»

و الخبر (3) «لا بأس بشربها»

فان غايتها الرخصة و نفي البأس عنه الواردان في مقام توهم الحظر، و لا يفيدان سوى الإباحة بالمعنى الأعم الشامل للكراهة، فتأمل بعض في التبعية في هذه الصورة أيضا لا وجه له، سيما و المقام مقام كراهة يتسامح في دليلها، و يكفي فيها فتوى فقيه واحد فضلا عن الاتفاق».

و فيه أيضا ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه، خصوصا و العنوان للكراهة اللحم لا الحيوان الذي يأتي فيه ما ذكره سابقا، و إن منعناه عليه أيضا، بل إن لم يكن إجماعا كما ادعاه أمكن المنع في الكراهة، خصوصا بعد

قوله (عليه السلام) في المرسل السابق (4): «إن لبن ما يؤكل لحمه حلال طيب»

المشعر بعدم الكراهة، و بعد نفي البأس عن شرب ألبان الأتن (5) الذي قد يشعر أيضا بعدم الكراهة، بناء على ظهوره في نفي طبيعة البأس، و بعد النصوص المستفيضة الدالة على استحباب شرب مطلق اللبن.

قال أبو جعفر (عليه السلام) (6): «لم يكن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يأكل طعاما و لا يشرب شرابا إلا قال: اللهم بارك لنا فيه و أبدلنا خيرا منه إلا اللبن، فإنه كان يقول: اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الأطعمة المباحة.

(6) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

396

و في مرسل عبد اللّه الفارسي (1) عن الصادق (عليه السلام): «قال له رجل: إني أكلت لبنا فضرني، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

لا و اللّه ما يضر لبن قط، و لكنك أكلته مع غيره، فضرك الذي أكلته فظننت أن اللبن الذي ضرك».

و في الخبر (2) عنه (عليه السلام) أيضا: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ليس أحد يغص بشرب اللبن، لأن اللّه تعالى يقول:

لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ» (3).

و في خبر خالد بن نجيح (4) عنه (عليه السلام) أيضا: «اللبن طعام المرسلين».

و في خبر أبي الحسن الأصبهاني (5): «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل و أنا أسمع: جعلت فداك إني أجد الضعف في بدني فقال له: عليك باللبن، فإنه ينبت اللحم و يشد العظم».

و في المرسل (6) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام): «من تغير عليه ماء الظهر فإنه ينفع له اللبن الحليب».

و في خبر أبي بصير (7): «أكلنا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتينا بلحم جزور، و ظننت أنه من بيته فأكلنا، ثم أتينا بعس من لبن فشرب منه، ثم قال لي: اشرب يا أبا محمد، فذقته، فقلت: جعلت فداك لبن، فقال: إنها الفطرة، ثم أتينا بتمر فأكلنا»

أي أن الإنسان مفطور على شربه، لأنه يشربه حين يولد.

____________

(1) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 4 مرسل عبيد اللّه بن أبي عبد اللّه الفارسي.

(2) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 5.

(3) سورة النحل: 16- الآية 66.

(4) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

397

و في خبر زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): عليكم بألبان البقر، فإنها تخلط من كل الشجر».

و في الخبر (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألبان البقر دواء».

و في آخر (3): «شكوت إلى أبي جعفر (عليه السلام) ذربا وجدته فقال: ما يمنعك من شرب ألبان البقر؟ و قال لي: أشربتها قط؟ فقلت له: نعم مرارا، فقال: كيف وجدتها؟ فقلت: وجدتها تدبغ المعدة و تكسوا الكليتين الشحم، و تشهي الطعام، فقال لي: لو كانت أيامه لخرجت أنا و أنت إلى ينبع حتى نشربه».

و في خبر الجعفري (4): «سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: أبوال الإبل خير من ألبانها، و يجعل اللّه الشفاء في ألبانها».

و في خبر موسى بن عبد اللّه بن الحسن (5) قال: «سمعت أشياخنا يقولون: ألبان اللقاح شفاء من كل داء و عاهة، و لصاحب البطن أبوالها».

و في المرسل (6) عن الصادق (عليه السلام): «أن التلبين يجلو القلب الحزين كما تجلو الأصابع العرق من الجبين».

بل

عنه (عليه السلام) أيضا (7) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) «لو أغنى عن الموت شيء لأغنت التلبينة، قيل: يا رسول اللّه و ما التلبينة؟

قال: الحسو باللبن، و كررها ثلاثا»

إلى غير ذلك من النصوص التي

____________

(1) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 2.

398

منها نصوص طبخ اللحم باللبن (1) و أنه مرق الأنبياء (2) و أنه قد جعل اللّه القوة و البركة فيهما (3) و بذلك كله يظهر لك ما في التبعية المزبورة، و اللّه العالم.

[القسم السادس في اللواحق]

القسم السادس في اللواحق

[مسائل]

و فيه مسائل:

[المسألة الأولى لا يجوز استعمال شعر الخنزير اختيارا]

المسألة الأولى:

لا يجوز استعمال شعر الخنزير اختيارا- بناء على ما هو الأصح من نجاسته، فضلا عن غيره من أجزائه- فيما يشترط فيه الطهارة و غيره، لأنه حينئذ من الأعيان النجسة التي قد تقدم في المكاسب (4) حكاية الإجماع من غير واحد على عدم جواز الانتفاع بها، مضافا إلى خبر تحف العقول (5).

و إلى ما قيل من اقتضاء تعلق الحرمة بالخنزير ذلك، لا خصوص الأكل، لأنه الأقرب إلى الحقيقة، خصوصا بعد ذكره مع الميتة التي

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المباحة.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 5.

(4) راجع ج 22 ص 10 و 23.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

399

حكمها ذلك نصا (1) و فتوى لا خصوص الأكل، و خصوصا مع ملاحظة الشهرة أيضا.

و إلى ما عن السرائر من دعوى تواتر الأخبار به و إن كنا لم نظفر بخبر واحد، كما اعترف به في كشف اللثام.

بل في خبر سليمان الإسكافي (2): «سأل الصادق (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به، قال: لا بأس به، و لكن يغسل يده إذا أراد أن يصلي».

و في خبر الحسن بن زرارة (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قلت: شعر الخنزير يجعل حبلا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ، فقال: لا بأس به».

بل و خبر برد الإسكافي (4) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

جعلت فداك إنا نعمل بشعر الخنزير، فربما نسي الرجل فصلى و في يده شيء منه، قال: لا ينبغي أن يصلي و في يده شيء منه، و قال: خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم فلا تعملوا به، و ما لم يكن له دسم فاعملوا به و اغسلوا أيديكم منه».

بل و خبره الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا: «قلت له: إني رجل خراز لا يستقيم عملنا إلا بشعر الخنزير نخرز به، قال: خذ منه

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب النجاسات- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 عن الحسين بن زرارة.

(4) في الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4 من كتاب التجارة.

(5) في الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 3 من كتاب التجارة.

400

و برة فاجعلها (وبره فاجعله خ ل) في فخارة ثم أوقد تحتها حتى يذهب دسمه ثم اعمل به».

و في ثالث (1): «عن شعر الخنزير يعمل به، قال: خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلثه و يبقى ثلثاه، ثم اجعله في فخارة ليلة باردة، فإن جمد فلا تعمل به، و إن لم يجمد ليس عليه دسم فاعمل به، و اغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة».

و ليس في شيء منها اشتراط الضرورة التي أشار إليها المصنف و غيره بقوله فان اضطر استعمل ما لا دسم فيه، و غسل يده منه، بل في الرياض نسبته إلى المشهور، نعم فيها المنع في الجملة.

لكن في الرياض «متى ثبت ذلك ثبت المنع مطلقا إلا عند الضرورة لعدم القائل بالفرق بين الطائفة، إذ كل من قال بالمنع عن استعماله قال به كذلك إلا في الضرورة، و كل من قال بجوازه قال به مطلقا من دون استثناء صورة أصلا».

أما بناء على عدم نجاسته كما عليه المرتضى، أو بناء على عدم دليل على المنع من الاستعمال أصلا كما عليه الفاضل في المختلف، و القول بالمنع في صورة الدسم خاصة كما هي مورد الخبرين، و الجواز في غيرها مطلقا و لو اختيارا لم يوجد به قائل أصلا، و صورة الجواز في الخبرين و إن كانت مطلقة تعم حالتي الاختيار و الاضطرار إلا أنها مقيدة بالحالة الثانية، للإجماع المزبور جدا، و قصورهما بالجهالة مجبور بالشهرة مع زيادة انجبار في أحدهما يكون الراوي فيه عبد اللّه بن المغيرة الذي قد حكي الإجماع على تصحيح ما يصح عنه.

إلا أن ذلك كله كما ترى لا يطمأن بما يحصل منه، فالأقوى حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

401

الجواز مطلقا، لا لما سمعته من المختلف المعارض بما ذكرناه في المكاسب (1) من الإجماع المحكي على عدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة و خبر التحف (2) بل لظهور النصوص (3) المزبورة فيه التي لا يحكم ما فيها من النهي عن استعمال ذي الدسم منه على إطلاق غيره بعد ظهور إرادة الإرشاد منه للتحفظ عن النجاسة المانعة عن الصلاة و غيرها، فتكون النصوص حينئذ جميعها دالة على الجواز مطلقا، و به يخرج عن إطلاق معقد الإجماع المحكي و عموم خبر التحف، كما خرج بالسيرة و غيرها عن ذلك التسميد بالعذرة و غيرها.

كل ذلك مع إجمال الضرورة في كلامهم، فإن أريد بها ما يسوغ معها تناول المحرم فهو مع خلو النصوص قطعا منها ينبغي عدم الفرق معها بين ذي الدسم و عدمه، لا بين شعر الخنزير و غيره، و إن أريد بها مطلق الحاجة فهي إنما توافق المختار من القول بالجواز مطلقا، ضرورة عدم صلاحية ذلك عنوانا للحرمة، لعدم انضباطه، فتأمل جيدا، و اللّه العالم.

و يجوز الاستقاء بجلود الميتة لما لا يشترط فيه الطهارة و إن كان نجسا كما في النافع و الإرشاد و محكي النهاية بل و ابن البراج، لأنه قال: الأحوط تركه.

و لكن لا يصلى من مائها و لا يشرب بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (4) لنجاسته المقتضية لذلك

____________

(1) راجع ج 22 ص 10.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة و الباب- 61- من أبواب النجاسات- من كتاب الطهارة.

402

و لعدم جواز شربه، بل ترك الاستقاء أفضل بل متعين، لإطلاق ما دل على حرمة الانتفاع بها (1) بل بكل نجس العين إلا ما استثني بالسيرة و غيرها على وجه لا يقاومه ما دل على جواز ذلك بحيث يقيد به كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا (2) و من الغريب ما عن الصدوق من أنه لا بأس بأن يجعل جلد الخنزير دلوا يستقى به الماء، و اللّه العالم.

[المسألة الثانية إذا وجد لحم و لا يدري أ ذكي هو أم ميت قيل يطرح في النار فان انقبض فهو ذكي و إن انبسط فهو ميت]

المسألة الثانية:

إذا وجد لحم و لا يدري أ ذكي هو أم ميت لعدم أمارة شرعية قيل و القائل غير واحد، بل في الدروس كاد يكون إجماعا:

يطرح في النار، فان انقبض فهو ذكي، و إن انبسط فهو ميت بل في الرياض حكايته عن بعض الأصحاب و الغنية صريحا مؤيدا بفتوى ابن إدريس الذي لا يعمل بأخبار الآحاد، بل في غاية المراد «لا أعلم أحدا خالف فيه إلا المحقق و الفاضل أورداه بلفظ القيل المشعر بالضعف» و إن كان فيه أن الفاضلين في الإرشاد و النافع و القواعد و الفخر في الشرح صرحوا بالحرمة.

بل هو صريح الفاضل المقداد في التنقيح و للصيمري في نهاية المرام حاكيا له عن محرر أبي العباس و ثاني المحققين في الحاشية و الشهيدين في الروضة، لأصالة عدم التذكية المقطوعة عند الأولين ب

خبر شعيب (3) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) راجع ج 5 ص 296- 304.

(3) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 عن إسماعيل ابن شعيب.

403

أبي عبد اللّه (عليه السلام) المنجبر سنده بما سمعت و برواية البزنطي له الذي هو من أصحاب الإجماع «في رجل دخل قرية فأصاب بها لحما لم يدر ذكي هو أم ميت، قال: يطرحه على النار، فكلما انقبض فهو ذكي، و كلما انبسط فهو ميت».

لكن قد يناقش باستبعاد وجدانه في القرية مطروحا على وجه لا يعلم كونه ميتة باعتبار إعراض أهل القرية و اجتنابهم له و لا مذكى باستعمالهم و لو بالتقطيع و نحوه الظاهر في فعل المسلم المحمول على الوجه الصحيح، فيتجه حمل الخبر المزبور على إرادة رجحان الاستظهار فيما يأخذه من أيدي أهل القرية من اللحم- التي يمكن اشتمالها على الذمي و غيره و إن كانت في بلاد الإسلام و محكوم بكونهم مسلمين- حتى يعلم الخلاف، إذ مفروض المسألة فيما لم يحكم شرعا بكونه مذكى، و لو لأن عليه أثر الاستعمال في أرض الإسلام الذي هو المراد من

المعتبرة (1) التي فيها الصحيح و الموثق و غيرهما الدالة على أن «كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال أبدا حتى تعرف الحرام بعينه».

بل القرية أولى من الحكم بتذكية اللحم الموجود في الطريق، جمعا بينها و بين القواعد المعتضدة بفتوى الأصحاب و جملة من النصوص التي منها الخبر المزبور المشتمل على مراعاة الإمارة في معرفة المذكى من الميتة و عدم الاكتفاء بالأصل المزبور، و منها نصوص المختلط (2).

نعم لا بأس بالأصل المزبور في غير اللحم، بل و فيه مع وجود أثر الاستعمال في أرض المسلمين، كما يدل عليه

القوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) «أنه سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 36 و 64- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الذبائح- الحديث 2 من كتاب الصيد و الذباحة.

404

كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين، قال: يقوم ما فيها ثم يؤكل، لأنه يفسد، و ليس له بقاء، فان جاء طالب غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو مجوسي، قال:

هم في سعة حتى يعلموا»

و ليس ذلك إلا للحكم بالتذكية باعتبار الآثار على اللحم في أرض الإسلام المحمول على كونه من المسلم حتى يعلم العدم كما قدمنا الكلام مفصلا في لباس المصلي (1) و غيره (2).

و لا ريب في أولوية القرية بذلك، إلا أن يفرض لحم لا أثر للاستعمال عليه معرض عنه فيما بينهم، فإنه محكوم بكونه ميتة حينئذ.

و من الغريب ما في الدروس تفريعا على الرواية المزبورة من أنه يمكن اعتبار المختلط بذلك إلا أن الأصحاب و الأخبار أهملت ذلك، إذ قد عرفت الإشكال في مضمون الخبر المزبور، فضلا عن التعدي منه إلى المختلط المعلوم فيه الميتة الذي هو من الشبهة المحصورة التي يجب اجتنابها، مع شدة وضوح الفرق بين الموضوعين.

و أغرب منه ما في الرياض من توجيهه بدعوى ظهور الخبر في تلازم علامتي الحل و الحرمة للمذكى و الميتة من دون أن يكون لخصوص مورد السؤال فيه في ذلك مدخلية، و لا شبهة فيما ذكره، لكن يأتي عليه ما قرره، أي من الإهمال المزبور، إذ هو كما ترى لا ظهور في الخبر المزبور بذلك، إذ يمكن كونه علامة و لو للغلبة في خصوص المشتبه بين كون جميعه مذكى أو ميتة، لا المختلط الذي تطابق النص (3) و الفتوى على اجتنابه، خصوصا بعد القطع بعدم تحقق العلامة المزبورة في متروك

____________

(1) راجع ج 8 ص 51- 56.

(2) راجع ج 6 ص 346- 348 و ص 172 من هذا الجزء.

(3) الوسائل- الباب- 36 و 64- من أبواب الأطعمة المحرمة.

405

التسمية أو الاستقبال أو نحوهما من الشرائط التي يكون الذبيحة بها ميتة شرعا، فالمتجه بناء على العمل بالخبر المزبور الاقتصار على مورده.

نعم لو كان اللحم قطعا متعددة فلا بد من اعتبار كل قطعة على حدة لإمكان كونه من حيوان متعددة و لو فرض العلم بكونه متحدا جاز اختلاف حكمه، بأن يكون قد قطع بعضه منه قبل التذكية.

و لا فرق على القولين بين وجود محل التذكية و رؤيته مذبوحا و منحورا و عدمه، لأن الذبح و النحر بمجردهما لا يستلزمان التذكية، لجواز تخلف بعض الشروط.

و كذلك لو وجد الحيوان غير مذبوح و لا منحور لكنه مضروب بالحديد في بعض جسده، لجواز كونه قد استعصى فذكي كيف اتفق، حيث يجوز في حقه ذلك، إذ المدار على إمكان كونه مذكى على وجه يباع لحمه.

ثم إنه لو اختبر بالعلامة المزبورة فوجد بعضه ميتا بالانبساط لا يخرج بذلك عن موضوع المشتبه، و يندرج في موضوع المختلط، بل يبقى غيره على مقتضى استعمال الامارة فيه، ضرورة كون المراد بالمختلط الذي أخرجناه عن الحكم المذكور ما كان معلوم الاختلاط بغير الامارة المزبورة كما هو واضح، و اللّه العالم.

[المسألة الثالثة لا يجوز أن يأكل الإنسان من مال غيره]

المسألة الثالثة:

لا يجوز أن يأكل الإنسان من مال غيره و لو كان كافرا محترم المال إلا بإذنه بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه إن لم تكن ضرورة، و الكتاب (1) و السنة (2) دالان عليه، بل العقل أيضا.

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 29.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3 من كتاب القصاص.

406

و لكن قد رخص كتابا و سنة بل و إجماعا مع عدم الاذن في التناول في الجملة من بيوت من تضمنته الآية إذا لم يعلم منه الكراهية و هي قوله تعالى (1) «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ، وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً».

قال الحلبي في الصحيح (2): «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هذه الآية ما يعنى بقوله أَوْ صَدِيقِكُمْ؟ قال: هو و اللّه الرجل يدخل بيت صديقة، فيأكل بغير إذنه».

و قال الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة (3) في قول اللّه عز و جل «أَوْ صَدِيقِكُمْ»: «هؤلاء الذين سمى اللّه عز و جل في هذه الآية يأكله (يأكل خ ل) بغير إذنهم من التمر و المأدوم، و كذلك تأكل المرأة بغير إذن زوجها، و أما ما خلا ذلك من الطعام فلا».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر جميل بن دراج (4): «للمرأة أن تأكل و تتصدق، و للصديق أن يأكل في منزل أخيه و يتصدق».

و قال زرارة (5): «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن هذه الآية، فقال: ليس عليكم جناح فيما طعمت أو أكلت مما ملكت مفاتحه ما لم تفسد».

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 61.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 4.