جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
407

و في مرسل ابن أبي عمير (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ، قال: الرجل يكون له وكيل يقوم في ماله فيأكل بغير إذنه».

و في صحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عما يحل للرجل من بيت أخيه من الطعام، قال: المأدوم و التمر، و كذلك يحل للمرأة من بيت زوجها».

و في خبر أبي أسامة (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ» الآية: قال: «باذنه و بغير إذنه».

و في مرسل علي بن إبراهيم (4) «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) آخى بين أصحابه، فكان بعد ذلك إذا بعث أحدا من أصحابه في غزاة أو سرية يدفع الرجل مفتاح بيته إلى أخيه في الدين، فيقول:

خذ ما شئت و كل ما شئت، و كانوا يمتنعون من ذلك حتى ربما فسد الطعام في البيت، فأنزل اللّه عز و جل لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً، يعني حضر أم لم يحضر إذا ملكتم مفاتحه».

نعم لا خلاف أجده فيما اعتبره المصنف من القيد، و هو عدم العلم بالكراهة اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، بل لعل الإطلاق المزبور كتابا و سنة منصرف إلى غيره، بل قيل: يكفي معرفة الكراهة و لو بالقرائن الحالية المفيدة للظن الغالب بها.

بل في كشف اللثام «إن لم يعلم أو يظن منه كراهية الأكل كما لو نهى عنه صريحا أو شهد مقاله أو حاله بالكراهة، و هذا الشرط معلوم بالإجماع و النصوص» و ظاهره الاكتفاء بمطلق الظن فضلا عن الغالب،

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة الحديث 8.

408

بل هو ظاهر غيره أيضا. بل في مجمع البرهان «أن الاكتفاء بذلك أمر ظاهر».

قلت: لعل وجهه أن الآية مسوقة لبيان الاكتفاء في حل التناول بالقرائن المزبورة التي مقتضى العادة فيها ذلك، فهي حينئذ أمارة أذن الشارع بالأخذ بها، إلا أن الظاهر انسياقها إلى ما هو المتعارف من كون ذلك دالا على الاذن و لو ظنا، لا مع العلم أو الظن بالعدم و لو لأمارة ترجح على الأمارة المزبورة في الدلالة على العدم.

بل قد يتوقف في صورة الشك الناشئ من تعارض الأمارتين، لأصالة حرمة التناول، و الأدلة إنما هي منساقة لغيرها كما عرفت، و لا ينافي ذلك استفادة إذن شرعي من الآية على وجه استثني من القاعدة، ضرورة أنه لولاها لم يكن له الأخذ بما تدل عليه القرائن المزبورة.

هذا و لكن في الرياض «لا ريب في أن الاكتفاء بالمظنة أحوط و إن كان في تعينه نظر بعد إطلاق الكتاب و السنة المستفيضة بجواز الأكل من غير إذن الشامل لصورة الظن بعدمه، بل لصورة العلم بعدمه أيضا، إلا أنها خارجة بالإجماع ظاهرا، و ليس على إخراج الصورة الأولى منعقدا، لتعبير كثير كالحلي عن الشرط بشرط أن لا ينهاه المالك».

و فيه ما عرفت من انسياق الإطلاق إلى غير الفرض، خصوصا صورة غلبة الظن التي يطلق عليها العلم كثيرا، فتأمل جيدا.

ثم إن مقتضى الإطلاق كتابا و سنة و فتوى عدم الفرق في المأكول بين ما يخشى فساده و عدمه، خلافا لما عن المقنع من التقييد بذلك، كالبقول و الفواكه، كما في كشف اللثام، و لشاذ غير معروف على ما في الرياض، فقيده بالأول، و لم نعرف له شاهدا، بل ما سمعته شاهد على خلافه، خصوصا نصوص التمر (1) التي من المعلوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2 و 6.

409

عدم خوف فساده.

بل في الرياض و قريب من ذلك ما في الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) (1) «لا بأس للرجل أن يأكل من بيت أبيه و أخيه و امه و أخته أو صديقه ما لا يخشى عليه الفساد من يومه بغير إذنه، مثل البقول و الفاكهة و أشباه ذلك».

و إن كان فيه أن الظاهر إرادة الوصف من قوله: «يخشى عليه الفساد» لقوله: «ما لا» فيكون شاهدا لما سمعته من المقنع الذي يعبر بعبارته غالبا، حتى قيل إنه من مصنفاته، و لكن يسهل الخطب عدم حجيته عندنا.

و من الغريب ما في كشف اللثام من الاستدلال له بخبر زرارة (2) الذي قد عرفت دلالته على خلافه باعتبار اشتماله على التمر. و على كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور.

نعم قد يقال بالاختصاص بما يعتاد أكله دون نفائس الأطعمة التي تدخر غالبا و لا تؤكل شائعا، بناء على انسياق الإطلاق إلى ذلك أو على مراعاة قاعدة الاقتصار، خصوصا بعد ما حكي عن بعضهم أنه يفهم منه ذلك.

نعم لم أجد قائلا باختصاص التمر و المأدوم، و إن كان ظاهر ما سمعته من الخبرين (3) ذلك، مع ما قيل من احتمال أن يراد ب

قوله (عليه السلام): «ما خلا ذلك» في خبر زرارة

الإشارة إلى غير البيوت المزبورة، و حينئذ فلا صراحة فيه بالحرمة و إن كان هو كما ترى، نحو ما قيل من أن الرواية الأخرى لا تدل على عدم حل غيرهما إلا بمفهوم

____________

(1) المستدرك- الباب- 21- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2 و 6.

410

اللقب الذي هو ليس بحجة، و الأولى من ذلك كله القول بعدم صلاحيتهما لتقييد إطلاق غيرهما من الكتاب (1) و السنة (2) و الفتاوى.

و كذا لا فرق بمقتضى الإطلاق المزبور بين كون الدخول بالاذن و عدمه خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فقيد جواز الأكل بالأول، و الإطلاق حجة عليه، لكن في التنقيح «لابن إدريس أن يقول الأكل في البيت يستلزم الدخول فيه، و اللازم منهي عنه إجماعا إلا بالإذن فكذا الملزوم، و هو الأكل. و أما مع إذن الدخول فلا ينهض الدليل، لأن اللازم و هو الدخول ليس بمنهي عنه، فلا يكون الأكل منهيا عنه، و أيضا الأصل تحريم أكل مال الغير بغير إذنه، خرج ما خرج بالاتفاق، فيبقى الباقي على أصله، و هو التحريم، و أيضا إذن الدخول قرينة دالة على إذن الأكل، و حيث لا إذن فلا قرينة، لأن الأكل محرم بالأصل».

و رده في الرياض بأن «النهي عن الدخول بغير إذن على تقدير تسليمه هنا لا يستلزم النهي عن الأكل بعد حصوله، و التلازم بين النهيين غير ثابت، و ما ذكره من أن الأصل تحريم مال الغير- إلى آخره- مسلم إلا أن المخصص له في المسألة من إطلاق الكتاب و السنة موجود، و التمسك بالأصل معه غير معقول، و ما ذكره من أن إذن الدخول قرينة- إلى آخره- فيه أولا منع كونه قرينة، لعدم التلازم بين الأذنين قطعا و ثانيا على تقدير تسليمه نقول: إن عدم الإذن الأول لا يستلزم عدم الإذن الثاني، و لو استلزم فلا ضير فيه بعد الاتفاق- حتى منه- على أن مبنى المسألة جواز الأكل من دون إذن و لا رخصة، فأي ضرر في عدمه، و إن هذا منه إلا إرجاع المسألة المستثناة عن قاعدة النهي عن أكل مال الغير إلا

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 61.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة.

411

باذنه إليها، و حينئذ لا يترتب على استثنائها فائدة أصلا، و هو مخالف للاتفاق فتوى و دليلا».

قلت: هو جيد في الجملة، إلا أن الانصاف مع ذلك كله أن يقال: إن الإطلاق منصرف إلى ما هو متعارف من حصول شاهد الحال بالإذن في الدخول و الأكل، و أنهما على حد سواء في ذلك، أما لو فرض تصريحه بعدم الاذن في الدخول أو فهم من حاله ذلك لا يحل له الأكل حينئذ بعد فرض إثمه بالدخول، لعدم انصراف الاذن في الآية إلى المفروض، خصوصا بعد ما عرفت من انصرافها إلى المتعارف الذي هو غير ذلك، كما هو واضح.

و لعل هذا أولى مما ذكره له في كشف اللثام بعد أن حكى قوله و رده بعموم الآية قال: «و لكن له أن يقول: إنها إنما أذنت في الأكل لا في الدخول، و الأصل حرمته إلا بالإذن، فإذا دخل بغير إذن وجب عليه الخروج، فيحرم عليه اللبث للأكل، و أما حرمة الأكل فلا دليل له ظاهرا، فإنه لا يستلزم اللبث و إن فعله لابثا» إذ هو مع أنه كما ترى يمكن مناقشته باقتضاء حرمة الكون حرمة الأكل الذي هو تصرف في فضاء الدار، إذ هو حينئذ كأكل الغاصب ماله في الدار المغصوبة.

ثم قال: «و يمكن أن يقال: إنها إذا أذنت في الأكل أذنت في ما دونه بطريق أولى، و دخول البيت دونه». و فيه أيضا ما لا يخفى، خصوصا بعد ملاحظة النهي في غيرها (1) عن دخول بيت الغير مع عدم وجدان أحد فيها و عدم الاستئناس.

و التحقيق ما عرفت من كون المراد بالآية الإذن فيما هو متعارف بين الناس من دخول القريب الدور المذكورة و الأكل فيها من دون إذن.

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 27.

412

ثم إن الظاهر أولوية بيوت الأولاد من المذكورين، خصوصا بعد استفاضة النصوص (1) في توسعة الأمر بالنسبة للوالد، و أن الولد و ماله لأبيه،

و «أن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه و أن ولده من كسبه» (2)

و يمكن تركه لظهوره، مع احتمال كونه المراد من «بُيُوتِكُمْ» في الآية و لو بإرادة الأعم الشامل له، و لا ينافي ذلك معلومية إباحة بيت الإنسان نفسه له بعد ما ذكر من احتمال كون الوجه في ذكر ذلك مع البيوت المزبورة بيان اتحادها معه و أنها بمنزلة بيته و الأمر سهل.

ثم إن الظاهر إرادة الرخصة في الأكل فيها، ف لا يحمل منه للأكل في غيرها إلا ما كان متعارفا من الشيء اليسير المتشاغل في أكله و لو بعد الخروج عنها، نعم لا يتعدى إلى غير ذلك من أموالهم، اقتصارا فيما خالف الأصل المزبور على المتيقن و إن كان هو أقل مما يتلفه بالأكل و ل

قوله (عليه السلام) (3) فيما مضى: «و أما ما خلا ذلك من الطعام فلا».

بل الظاهر عدم التعدية إلى المأكول في غير البيوت لقاعدة الاقتصار و غيرها.

نعم قد ذكر غير واحد أنه يرخص فيما يدل عليه الأكل بمفهوم الموافقة كالشرب من مائه و الوضوء به، أو دل عليه بالالتزام، كالكون بها حالته، و هو جيد إلا في دعوى فهم الوضوء و نحوه.

نعم لا بأس بدخول البيوت لغير الأكل أو الكون بها بعده أو قبله للسيرة، و لأنه المفهوم من الرخصة المزبورة على معنى أنه لا جناح عليكم في الدخول و لا في الأكل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(2) سنن البيهقي- ج 7 ص 479 و 480.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

413

و المراد بالآباء و الأمهات ما يشمل الأجداد و الجدات الذين هم أولى من الأعمام و العمات، للسيرة أيضا، و لانسياق ذلك من الجمع هنا.

و أما «ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ» فقيل: هو العبد، و قيل: من له عليه ولاية، و قيل: ما يجده الإنسان في داره و لا يعلم به، و قد سمعت ما في المرسل (1) الذي هو كالصحيح من أنه «الرجل له وكيل يقوم في ماله و يأكل بغير إذنه»

و قريب منه ما سمعته في مرفوع علي بن إبراهيم (2).

و في الرياض «أن العمل بهما حسن، إلا أن حصر الفرد فيما تضمناه مشكل، بل ينبغي الرجوع فيه إلى العرف».

و فيه أن من القطوع عدم إرادة معناه حقيقة على وجه يكون عنوانا للرخصة كي يرجع في معناه إلى العرف، بل المراد به المعنى الكنائي، و لا يبعد إن لم يكن إجماعا على عدمه إرادة ما تحقق فيه الاذن من ملك المفاتيح الذي هو كناية عرفية على إطلاق التصرف، كما سمعته في المرفوع، و حينئذ يكون المراد بالآية بيان الرخصة للأكل من البيوت المزبورة من دون تحقق إذن مخصوصة و بيانها فيما تحقق الاذن في غيرها من البيوت، فلا يكون حينئذ مملوك المفاتيح من البيوت التي يصح الأكل منها من غير إذن من صاحبه.

نعم يتجه الرجوع إلى العرف في الصديق الذي لا حقيقة له شرعية كما أومأ إليه

في الصحيح (3) «ما يعنى بقوله أَوْ صَدِيقِكُمْ؟ قال: هو و اللّه الرجل يدخل بيت صديقه فيأكل بغير إذنه»

بناء على أن المراد منه الإيكال إلى العرف جوابا عن السؤال.

و على كل حال فلا يلحق بالنسب الرضاع هنا، لقاعدة الاقتصار

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

414

بعد انسياق خصوص النسب، و اللّه العالم.

و كذا يستثنى من القاعدة المزبورة أكل ما يمر به الإنسان من ثمر النخل على المشهور بالشرائط المذكورة في محلها الذي منها عدم الكراهة و كذا الزرع و الشجر على تردد من المصنف هنا فيهما، و إن جزم بالجواز في بيع الثمار الذي قد مر فيه تفصيل الكلام في المسألة مشبعا (1) فلاحظ و تأمل، و اللّه العالم.

[المسألة الرابعة من تناول خمرا أو شيئا نجسا فبصاقه طاهر ما لم يكن متلوثا بالنجاسة]

المسألة الرابعة:

من تناول خمرا أو شيئا نجسا فضلا عن أن يكون متنجسا فبصاقه طاهر ما لم يكن متلوثا بالنجاسة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، لأصالة الطهارة المقتصر في الخروج عنها على صورة التغيير بالإجماع و إطلاق الأدلة بلزوم الاجتناب عن تلك العين النجسة، و إنما لم ينجس البصاق بالملاقاة مع كونه مائعا لعدم الدليل على التنجس بها مطلقا، بل قيل: لا دليل على نجاسة كل مائع كليا إلا الإجماع، و هو مخصوص بالمائعات الظاهرة لا الباطنة، بل صرحوا بعدم نجاستها مطلقا، لأنها من توابع الباطن الذي هو كذلك، نعم قد يمنع ذلك بالنسبة إلى بعض أجزاء الغذاء المختلف في الفم إذا أصابته عين النجاسة.

كل ذلك مضافا إلى

خبر أبي الديلم (2) عن الصادق (عليه السلام) المنجبر بالعمل و برواية من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه له

____________

(1) راجع ج 24 ص 127- 135.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب النجاسات- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

415

و فيه «رجل شرب الخمر فبزق فأصاب ثوبي من بزاقه، قال: ليس بشيء».

و كذا الكلام فيما لو اكتحل بدواء نجس ف ان دمعة طاهر ما لم يتلون بالنجاسة على وجه تكون فيه أجزاء النجاسة، بل النجس منه مع كونه في الباطن خصوص تلك الأجزاء، لا ما لاقاها من دمعة، لما عرفت من عدم تنجس البواطن، لظهور أدلة التنجيس في غيرها.

و لو جهل تلونه فهو على أصل الطهارة و حينئذ فكلما أصاب ثوبا أو غيره و لم يعلم استصحابه جزء من أجزاء النجاسة لم يحكم بنجاسة ما أصابه و إن علم تلوث البزاق في الفم. و بالجملة لا يشترط في الحكم بالطهارة العلم بزوال عين النجاسة عن الفم و العين، فما في كشف اللثام من احتمال العلم باشتراط ذلك ضعيف، كما هو واضح، و اللّه العالم.

[المسألة الخامسة الذمي إذا باع خمرا أو خنزيرا ثم أسلم و لم يقبض الثمن فله قبضه]

المسألة الخامسة:

الذمي إذا باع خمرا أو خنزيرا على مثله في الاستحلال بحيث ملك الثمن عليه ثم أسلم و لم يقبض الثمن فله قبضه بعد إسلامه للحكم بصحة العقد و إقرارهم عليه المستلزم لاستحقاق العوض، كما إذا أسلم بعد قبضه و بقاء العين في يده، و ما في الأخبار (1) من تحريم ثمنها لو بقي على عمومه لحرم و إن كان قبضه حين الكفر، و لحرم على المسلم أخذه من الكافر وفاء مثلا عن دين له عليه، و هو معلوم الفساد نصا و فتوى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

416

ففي

صحيح محمد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) «في رجل كانت له على رجل دراهم فباع خنازير أو خمرا و هو ينظر فقضاه، قال:

لا بأس، أما للمقضي فحلال، و أما للبائع فحرام».

و منه يعلم ما قررناه غير مرة من أن المراد بصحة العقد بالنسبة إليه و ملكه نفس إجراء حكم الصحة و الملك عليه، باعتبار كونهم مقرين على ذلك، لا أنه ملك حقيقة، و على هذا تحمل النصوص (2) المزبورة الدالة على حرمة ثمنها، كما أوضحناه في غير المقام و إن اشتبه ذلك على بعض الأعلام، بل في كشف اللثام هنا بعض ذلك أيضا، فلاحظ.

و على كل حال فلا ريب في أنه محكوم بملكه له عليه باعتبار الإقرار المزبور على ما عنده من الأحكام التي منها ملك ثمن الخمر، فهو كالمال الذي قبضه ثمنا عنها ثم أسلم، فله حينئذ مطالبته به و قبضه، كما أن لنا تناوله منه قبل إسلامه فضلا عما بعد إسلامه الذي يجب ما قبله.

و في الرياض ربما استأنس للحكم المزبور ب

ما ورد في كتاب المهور من الخبر (3) «النصراني يتزوج النصرانية على ثلاثين دنا من خمر و ثلاثين خنزيرا ثم أسلما بعد ذلك و لم يكن قد دخل بها، قال: ينظر كم قيمة الخمر و كم قيمة الخنزير فيرسل بها إليها، ثم يدخل عليها».

و فيه أنه لا انس به، و قد مر تفصيل الكلام في ذلك في كتاب النكاح (4) بل و غيره من الكتب السابقة، و منه يعلم الحال فيما لو كان قد أسلف في خمر مثلا ثم أسلم، و غير ذلك من فروع المسألة، فلاحظ و تأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب ما يكتسب به- من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب المهور- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(4) راجع ج 31 ص 9- 31.

417

و الأولى الاستدلال

بالمروي عن يونس (1) «عن مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمى ثم أسلم قبل أن يحل المال، قال: له دراهمه»

و اللّه العالم.

[المسألة السادسة يطهر الخمر إذا انقلبت خلا]

المسألة السادسة: يحل (يطهر خ ل) الخمر إذا انقلبت خلا، سواء كان (انقلابها خ) بعلاج أو من قبل نفسها، و سواء كان ما يعالج به عينا باقية أو مستهلكة، و إن كان يكره العلاج، و لا كراهية فيما ينقلب، من نفسه، و لو ألقى في الخمر خلا حتى يستهلكه لم يحل و لم يطهر، و كذا لو ألقى في الخل خمرا فاستهلكه الخل.

و قيل و القائل الشيخ في محكي النهاية و تبعه غيره يحل إذا ترك حتى يصير الخمر الملقى خلا أو المأخوذ منه و لا وجه له يعتد به، كما تقدم الكلام في ذلك كله و غيره مفصلا في كتاب الطهارة (2) فلاحظ و تأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 57- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

(2) راجع ج 6 ص 284- 292.

418

[المسألة السابعة أواني الخمر من الخشب و القرع و الخزف غير المغضور لا يجوز استعمالها]

المسألة السابعة لا خلاف و لا إشكال في جواز استعمال أواني الخمر الصلبة التي لا ينفذ فيها بعد تطهيرها منه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عموم الأدلة و خصوصها.

نعم قال الشيخ و تبعه عليه غيره أواني الخمر الرخوة التي ينفذ فيها المتخذة من الخشب و القرع و الخزف غير المغضور لا يجوز استعمالها، لاستبعاد تخلصها منه باعتبار سرعة نفوذه فيها، للطافته و لبعض النصوص (1).

و لكن الأقرب الجواز بعد إزالة عين النجاسة و غسلها بالقليل أو الكثير مرة واحدة أو ثلاثا أو سبعا على الخلاف المتقدم في كتاب الطهارة (2) هو و تفصيل المسألة و ذكر النصوص (3) فيها على وجه لم يبق معه إشكال في جواز الاستعمال.

بل قد ذكرنا هناك أن النصوص المزبورة لا تدل على الكراهة فضلا عن الحرمة، لكونها مساقة للمنع عن الانباذ فيها المحلل، مخافة صيرورته به خمرا و لو باعتبار ما في الإناء من الرائحة، لا لجواز استعمالها بعد الغسل الذي لو سلم عدم نفوذ الماء في أجزائه التي تخللها الخمر لا يمنع من حصول التطهير به لما يصل إليه منها، فان تطهير الباطن و غسله يحصل بوصول الماء إليه كما في المحشو و الملبد و نحوهما، فيبقى ما لا يصل إليه منها

____________

(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب النجاسات- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

(2) راجع ج 6 ص 352- 354.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأشربة المحرمة.

419

على النجاسة دون غيره، و لا تسري نجاسته، لكون الجزء الملاقي له تحققت طهارته بتحقق غسله، فهو كما لو غسلت بعض الجسم المتنجس و بقي الباقي منه، فإنه يطهر ذلك المغسول و إن كان متصلا بالمتنجس إلا أنه اتصال مغسول حصل طهارته بتحقق الغسل فيه بغيره مما لم يحصل فيه مسمى الغسل، و مثله لا يقتضي التنجيس عندنا، لأن السراية بهذا المعنى ليست من مذهبنا كما هو واضح، فتأمل.

[المسألة الثامنة لا يحرم شيء من الربوبات و الأشربة]

المسألة الثامنة لا خلاف معتد به في أنه لا يحرم شيء من الربوبات و الأشربة من السكنجبين و الجلاب و نحوهما عدا ما عرفت و إن شم منه رائحة المسكر كرب الرمان و التفاح و السفرجل و التوت و غيرها لأنه لا يسكر كثيره و للإجماع بقسميه عليه و الأصل و النصوص (1) التي تقدمت هي و غيرها من أدلة المسألة في كتاب الطهارة (2).

نعم قد يحرم بالعارض، كما إذا أدى ذلك إلى التهمة بشربه، و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (3) «أنه شرب يوما عسلا فقالت له بعض زوجاته: إني أشم منك رائحة الخمر، فقال: إني شربت عسلا، فآلى على نفسه أن لا يشرب من ذلك بعد ذلك»

و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) راجع ج 6 ص 37- 38.

(3) البحار- ج 66 ص 292 مع الاختلاف في اللفظ، و فيه «ريح المغافير» راجع البحار ج 22 ص 229 الطبع الحديث.

420

[المسألة التاسعة يكره أكل ما باشره الجنب و الحائض إذا كانا غير مأمونين]

المسألة التاسعة:

يكره أكل ما باشره الجنب و الحائض إذا كانا غير مأمونين، و كذا يكره أكل ما يعالجه من لا يتوقى النجاسات و لا يحرم شيء من ذلك و إن ظن نجاسته على الأصح، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في كتاب الطهارة (1) و اللّه العالم.

و كذا يكره أن يسقي الدواب شيئا من المسكرات ل

خبر أبي بصير (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سألته عن البهيمة و البقرة و غيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أ يكره ذلك؟

قال: نعم يكره ذلك»

المراد منه معناها المصطلح لا الحرمة، ك

خبر غياث (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن تسقى الدواب الخمر».

و فحوى ما دل على النهي عن سقيها الطفل،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي الربيع (4): «. لا يسقيها عبد لي صبيا و لا مملوكا إلا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذبا بعد أو مغفورا له».

و خبر عجلان (5) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المولود يولد فنسقيه الخمر، فقال: ألا من سقى مولودا مسكرا سقاه اللّه من الحميم و إن غفر له».

و خبره الآخر (6) عنه (عليه السلام) أيضا، قال: «يقول

____________

(1) راجع ج 1 ص 377- 381.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

421

اللّه عز و جل: من شرب مسكرا أو سقاه صبيا لا يعقل سقيته من ماء الحميم مغفورا له أو معذبا».

و في المروي عن الخصال بسنده إلى علي (عليه السلام) (1) «من سقى صبيا مسكرا و هو لا يعقل حسبه اللّه عز و جل في طينة خبال حتى يأتي مما صنع بمخرج».

و في المروي عن عقاب الأعمال مسندا (2) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) «من شرب الخمر سقاه اللّه من سم الأساود و من سم العقارب- إلى أن قال-: و من سقاها يهوديا أو نصرانيا أو صابئا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها»

و اللّه العالم.

و كذا يكره الإسلاف في العصير ل

خبر يزيد بن خليفة (3) «كره أبو عبد اللّه (عليه السلام) بيع العصير بتأخير»

بناء على إرادة السلف منه أو الأعم منه و من بيعه مشروطا تأخيره إلى مدة.

لكن عن النهاية الاستدلال على ذلك بأنه لا يؤمن أن يطلبه من صاحبه و يكون قد تغير إلى حال الخمر، فاعترضه ابن إدريس بأن السلف لا يكون إلا بالذمة و لا يكون في العين، فإذا كان في الذمة لزمه تسليم ما في ذمته من العصير من أي موضع كان، سواء تغير ما عنده إلى حال الخمر أم لم يتغير، فلا وجه للكراهة.

و أجاب عنه الفاضل بإمكان أن يريد بالسلف بيع عين مشخصة يسلمها إليه في وقت معين، و أطلق عليه السلف مجازا، كما ورد السلف في مسك (مسوك خ ل) الغنم مع المشاهدة، أو يحمل على الحقيقة و تعذر عليه تحصيل العصير عند الأجل لانقلابه كذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 3 من كتاب التجارة.

422

و في المسالك «لا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، و قوة كلام ابن إدريس» قلت: قد عرفت أن الأصل الخبر المزبور الذي يكفي في الكراهة المتسامح فيها، و الأمر سهل.

و كذا يكره أن يستأمن على طبخه من يستحل شربه قبل أن يذهب ثلثاه إذا كان مسلما و إن أخبر بطبخه على الثلث، وفاقا للفاضل في محكي تلخيصه و إرشاده و تحريره.

و قيل كما عن النهاية و السرائر و الجامع و الإيضاح و الدروس و التنقيح و غيرها لا يجوز مطلقا.

و الأول الذي هو الجواز أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها تصديق صاحب اليد على ما يده، و منها حمل فعل المسلم على الأحسن الذي هو الصحة الواقعية و إن لم يخبر، و لذا يستحل المجتهد و مقلدته ما في يد مجتهد آخر و مقلدته محال الاختلاف في الطهارة و الحل و غيرهما، بل عليه مدار الناس في ذبائح العامة و أخذ الجلود منهم و غير ذلك مع اختلاف مذاهبهم، و أصالة عدم ذهاب الثلثين مقطوعة بإخبار صاحب اليد و حمل فعل المسلم على الصحة الواقعية، خصوصا إذا كان الغليان الذي هو عنوان التحريم قد استفيد من إخباره.

و ل

صحيح معاوية بن وهب (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن البختج، فقال: إذا كان حلوا يخضب الإناء و قال صاحبه: قد ذهب ثلثاه و بقي الثلث فاشربه».

و حسن عمر بن يزيد (2) «إذا كان يخضب الإناء فلا بأس».

و من هنا يتجه حمل

حسن عمر بن يزيد (3) سأله «عن الرجل يهدي

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2

«إذا كان يخضب الإناء فاشربه»

. (3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

423

إلى البختج من غير أصحابنا، فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه، و إن كان ممن لا يستحل فاشربه»

على الكراهة.

كموثق ابن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و هو يقول قد طبخ على الثلث، و أنا أعرف أنه يشربه على النصف، فقال: لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه، قال: نعم».

و صحيح علي بن جعفر (2) سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يوثق به أتى بشراب زعم أنه على الثلث فيحل شربه قال: لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا».

و الموثق (3) «عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، قال: إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب».

لقصورها أجمع عن مقاومة ما عرفت، خصوصا و ليس في الأخير إلا ثبوت البأس الذي يجامع الكراهة، كما أن سابقه فيمن لم يعلم استحلاله و لا يقول به الخصم، بل لا يقول باعتبار الإسلام و المعرفة في قبول إخبار صاحب اليد، بل هو مناف لما سمعته في ذيل الموثق السابق عليه.

و على كل حال فلا ريب في قصورها عن مقاومة ما سمعته من قاعدة إخبار صاحب اليد و قاعدة الصحة في فعل المسلم، فيتجه حملها على ضرب من الكراهة، و الاحتياط عن خصوص الخمر و المسكر و العصير باعتبار شدة ما ورد (4) فيه من المبالغة في تحريمه. فما في كشف اللثام

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأشربة المحرمة.

424

و الرياض من الحرمة واضح الضعف.

و من الغريب ما في الأول، فإنه بعد أن ذكر الموثق الأول قال:

«و إذا حرم بمجرد كونه ممن يشربه على النصف فمع استحلاله أولى، و إذا حرم مع إيمانه و إخباره فبدونهما أولى» ضرورة بناء الأولوية المزبورة على ثبوت الحكم في الأصل، و هو معلوم العدم، بل أولى من ذلك القول بإشعاره بإرادة الكراهة من النهي في غيره أيضا بعد معلومية إرادتها من النهي فيه، و اللّه العالم.

و كذا يكره الاستشفاء بمياه الجبال الحارة كما يستعمله الأكراد بلا خلاف أجده فيه، ل

خبر مسعدة بن صدقة (1) عن الصادق (عليه السلام) «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الاستشفاء بالحميات، و هي العيون الحارة التي تكون في الجبال التي يوجد فيها رائحة الكبريت، فإنها تخرج من فوح جهنم»

القاصر عن معارضة الأصول و العمومات المتضمنة للجواز، خصوصا بعد

مرسل محمد بن سنان (2) «كان أبي يكره أن يتداوى بماء الكبريت»

و لذا حمل على الكراهة، نعم قد يستفاد من تعليله كراهية مطلق استعماله، و اللّه العالم.

[النظر في حال الاضطرار]

و كيف كان ف من اللواحق النظر في حال الاضطرار و ذلك لأن كل ما قلنا بالمنع من تناوله فالبحث كان فيه مع الاختيار و أما مع الضرورة فلا خلاف في أنه يسوغ التناول ل ما عدا الخمر منه، قيل: أو الطين، بل الإجماع بقسميه عليه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الماء المضاف- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأشربة المباحة- الحديث 2.

425

مضافا إلى قوله تعالى (1) «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ». و قوله تعالى (2): «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». و قوله تعالى (3) «وَ ما لَكُمْ أَلّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ».

و إلى قاعدة نفي الضرر و الضرار (4) و نفي الحرج (5) و إرادة اليسر (6) و سهولة الملة و سماحتها (7) و قاعدة

«كلما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر»

التي ينفتح منها ألف باب (8).

و إلى ما في خبر المفضل الطويل (9) من «أنه تعالى علم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فأحله لهم و أباحه تفضلا منه عليهم به لمصلحتهم، و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر، فأحله في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 173.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(3) سورة الأنعام: 6- الآية 119.

(4) المستفادة من الروايات المروية في الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات.

(5) المصطادة من الآية الكريمة المذكورة في سورة الحج: 22- الآية 78.

(6) المأخوذة من الآية الشريفة الواردة في سورة البقرة: 2- الآية 185.

(7) المستفادة من الروايات العديدة التي منها ما رواه في الكافي ج 2 ص 17 و منها ما رواه في الوسائل في الباب- 1- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 26 و غيرهما.

(8) استفيدت هذه القاعدة من الروايات المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات من كتاب الصلاة.

(9) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

426

لا غير»

و نحوه مرسل محمد بن عبد اللّه (1) و محمد بن عذافر (2).

و إلى

مرسل الصدوق المروي عن نوادر الحكمة (3) «من اضطر إلى الميتة و الدم و لحم الخنزير فلم يأكل شيئا من ذلك حتى يموت فهو كافر».

و مرسل الدعائم (4) عن علي (عليه السلام) «المضطر يأكل الميتة و كل محرم إذا اضطر إليه».

و عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) (5) «قال اللّه سبحانه: فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات فان اللّه غفور رحيم، ستار لعيوبكم أيها المؤمنون رحيم بكم حتى أباح لكم في الضرورة ما حظره في الرخاء»

و إلى غير ذلك من النصوص التي سيمر عليك بعضها.

و حينئذ فليكن النظر في المضطر و كيفية الاستباحة،

[أما المضطر]

أما المضطر ف عن النهاية هو الذي يخاف التلف على نفسه لو لم يتناول قال فيها: «و لا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك رمقه، و لا يتملأ منه».

و في المسالك «وافقه عليه تلميذه القاضي و ابن إدريس و العلامة في المختلف» و لعله لأنه المتيقن في الرخصة، و لخبر المفضل (6) و مرسل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 و ذكره في علل الشرائع ص 483 ط النجف.

(3) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(4) المستدرك- الباب- 40- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

(5) المستدرك- الباب- 40- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

427

محمد بن عبد اللّه (1) و محمد بن عذافر (2) المتقدمين.

و فيه أن عنوان الرخصة المضطر الذي لا ريب في تحققه بغير ذلك و الخبران المزبوران بعد الإغماض عن السند لا دلالة فيهما على الاختصاص و آية المخمصة مع عدم القائل بتقييد الاضطرار فيها حتى من الخصم لا تصلح لتقييد إطلاق غيرها لو سلم ظهورها في التقييد من جهة الشرطية.

و من هنا قال المصنف بل المشهور كما في المسالك و كذا يتحقق الاضطرار لو خاف المرض بالترك بل و كذا لو خاف (خشي خ ل) الضعف المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع ظهور أمارة العطب بذلك أو إلى ضعف عن الركوب أو المشي المؤدي إلى خوف التلف.

بل الظاهر تحققه بالخوف على نفس غيره المحترمة، كالحامل تخاف على الجنين، و المرضع على الطفل، و بالإكراه و بالتقية الحاصلة بالخوف على إتلاف نفسه أو نفس محترمة أو عرضه أو عرض محترم أو ماله أو مال محترم يجب عليه حفظه، أو غير ذلك من الضرر الذي لا يتحمل عادة، بل لو كان مريضا و خاف بترك التناول طول المرض أو عسر علاجه فهو مضطر خوفا.

و لا فرق في ذلك كله بين السفر و الحضر، إذ المدار على صدق الاضطرار الظاهر تحققه بخوف الضرر الذي لا يتحمل عادة إذا كان خوفا معتدا به عند العقلاء، لا مجرد و هم فضلا عن العلم و الظن، بل قد يدعى تحققه عرفا مع عدم معارضة واجب من حفظ النفس و نحوه.

و على كل حال متى تحقق الاضطرار عرفا فحينئذ يحل له تناول

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(2) راجع التعليقة (2) ص 426.

428

ما يزيل به تلك الضرورة، و لا يختص ذلك نوعا من المحرمات إلا ما سنذكره عن قريب إنشاء اللّه، لإطلاق الآيات (1) و الروايات (2) و غيرهما من الأدلة السابقة على الرخصة في الجميع.

و كيف كان ف لا يترخص الباغي لقوله تعالى (3):

«فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ» بل في الإيضاح الإجماع عليه و على العادي و إن اختلف في المراد منهما، ففي المتن و غيره الباغي هو الخارج على الامام العادل.

قال الصادق (عليه السلام) في مرسل البزنطي (4): «الباغي: الذي يخرج على الامام و العادي: الذي يقطع الطريق لا يحل له الميتة»

و عن التبيان و مجمع البيان أنه المروي عن الصادقين (عليهما السلام) (5).

و قيل كما عن الحسن و قتادة و مجاهد الذي يبغي الميتة و يتلذذ بها.

و قيل كما عن الزجاج: المفرط المتجاوز للحد الذي أحل له.

و قيل كما عن ابن عباس: غير المضطر، و لعله يرجع إلى ما سمعته عن الحسن، و كذا ما قيل من أنه المستحل لها.

و عن النهاية و ابني البراج و إدريس أنه باغي الصيد بطرا و لهوا للخبرين الآتيين (6).

و كذا لا يترخص العادي، و هو كما عن النهاية و ابني البراج و إدريس، و في مرسل البزنطي (7) المتقدم قاطع الطريق.

____________

(1) المتقدمة في ص 425.

(2) المتقدمة في ص 426.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 173.

(4) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1 و 2.

(7) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5.

429

و قيل كما عن الحسن و قتادة و مجاهد: هو الذي يعدو شبعه و عن ابن عباس: أنه الذي يعدو سد الرمق، و عن الزجاج: المقصر و قيل: المتزود منها. و قيل: العادي بالمعصية طريقة المحقين. و عن التبيان و مجمع البيان أنه مع تفسير الباغي بالخارج على الامام هو المروي عن الصادقين (عليهما السلام) (1).

و في خبر عبد العظيم الحسني (2) عن الباقر (عليه السلام) و خبر حماد بن عثمان (3) عن الصادق (عليه السلام) أنه السارق،

قال في الأخير في قوله تعالى (4) «فَمَنِ اضْطُرَّ» إلى آخرها: «الباغي باغي الصيد، و العادي السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصرا في الصلاة».

و في الأول في قوله عز و جل «فَمَنِ اضْطُرَّ» إلى آخرها:

«العادي السارق، و الباغي الذي يبغي الصيد بطرا و لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما في حال الاضطرار، كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، و ليس لهما أن يقصرا في صوم و لا صلاة في سفر».

قلت: قد يقال: إن الظاهر إرادة المعنى المطابق لقوله تعالى في

____________

(1) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1 عن محمد بن علي الرضا (عليه السلام) و هو الصحيح، لأن عبد العظيم عدوه من أصحاب الجواد و الهادي و العسكري (عليهم السلام) فهو لم يدرك الباقر (عليه السلام).

(3) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 173.

430

الآية الأخرى (1) «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» من الباغي و العادي، للاتفاق ظاهرا على تفسير المتجانف للإثم بالميل إلى أكل الميتة استحلالا أو اقترافا للإثم، بخلاف البغي و العدوان الذي قد عرفت الاختلاف في تفسيرهما و إن كان منه ما ينطبق على ما ذكرنا.

و منه يظهر رجحان ذلك على احتمال العكس، بأن يراد بالمتجانف للإثم خصوص الباغي و العادي، و حينئذ فيكون المراد الرخصة للمضطر من حيث كونه كذلك، لا المتناول لها القادم على الإثم في ذلك أو المستحل لها، فإنه لا رخصة لهما و لو في حال الاضطرار، ضرورة عدم كون الباعث لهما الاضطرار بل البغي و العدوان، أي التجانف للإثم في أكل الميتة حال الاختيار، بل في الحقيقة لا اضطرار بالنسبة إليه، ضرورة عدم حالة امتناع له حتى يكون ما فيه من الحال حال اضطرار له، إذ المنساق من قوله (2) «فَمَنِ اضْطُرَّ» الرخصة للممتنع حال الاختيار إن اتفق اضطراره.

و حينئذ فقوله «غَيْرَ مُتَجانِفٍ» كالحال المؤكدة و الكاشفة، و كذا قوله «غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ» بناء على إرادة معنى غير المتجانف للإثم منهما، و لا ينافي ذلك النصوص المزبورة التي لم تثبت حجيتها، و مع التسليم يكون ما فيها أمر آخر (3) تنتفي الرخصة فيه أيضا مضافا إلى ذلك.

و حينئذ فالمتجه بناء على الأول الرخصة للممتنع عنها اختيارا إذا اضطر إليها و لو كان باغيا أو قاطعا للطريق كما عن أبي حنيفة، لإطلاق

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 173.

(3) هكذا في النسختين الأصليتين، و الصحيح «يكون ما فيها أمرا آخر».

431

الأدلة فضلا عن مطلق العاصي بسفره، و إن استشكل فيه الفاضل من قصر الأخبار على ما ذكر، و من عموم الآية و الاشتراك في العلة، و استناد الضرورة إلى سفر هو معصية، و المعصية لا توجب الرخصة.

بل عن الإسكافي و علي بن إبراهيم و الشيخ أبي الفتوح الجزم بالعدم، بل ذكر الأول منهم أنه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و هو المحكي عن الشافعي، بناء على أن المراد من الآية الرخصة للمضطر الموصوف بكونه غير باغ و لا عاد مطلقا، لا في خصوص الأكل الذي هو المنساق من الآية، إلا أنه لا يخفى عليك ما في الجميع بعد ما عرفت و اللّه العالم.

[و أما كيفية الاستباحة]

و أما كيفية الاستباحة فالمأذون فيه حفظ الرمق مع كون الاضطرار بالنسبة إليه خاصة و حينئذ ف التجاوز حرام، لأن القصد حفظ النفس و الفرض حصوله، فلا ضرورة بعده، و من هنا قالوا:

إن الضرورة تقدر بقدرها، بل عن ظاهر التبيان و مجمع البيان و روض الجنان و صريح الخلاف الإجماع على حرمة التجاوز.

بل ستسمع عن المنتهى و التذكرة ما يؤيد ذلك في المحرم المضطر لأكل الصيد، سواء بلغ الشبع أو لا، خلافا لبعض العامة، فأباح الشبع، و ضعفه واضح.

نعم لو اضطر إليه للالتحاق بالرفقة جاز أو وجب حيث يجب، و لو افتقر إليه و لكن يتوقع مباحا قبل رجوع الضرورة قيل: تعين سد الرمق و حرم الشبع.

و هل للمضطر الترود من الميتة؟ الأقرب ذلك، كما عن أبي علي، لاشتراك العلة مع الأصل، و يحتمل العدم بناء على حرمة الانتفاع بها، و إنما خرج الأكل بالنص و الإجماع، و ضعفه واضح.

432

و لو لقيه مضطر آخر لم يجز له بيعها عليه، إذ لا ضرورة في البيع و يجب دفعها إليه بغير عوض إذا لم يكن هو مضطرا في الحال و إن توقعه للتساوي في الاحترام و وجوب الحفظ مع رجحان الاضطرار في الحال على المتوقع، لاحتمال العدم.

و هل يجب التناول للحفظ؟ قيل: نعم بل قد يظهر من بعض الإجماع عليه و هو الحق لوجوب دفع الضرر و حفظ النفس و للمرسل (1) السابق المنجبر بالعمل، خلافا لأحد وجهي الشافعي من جوازه له، لكونه ضربا من الورع، فيكون الصبر عليه كالصبر على القتل لمن يراد منه إظهار كلمة الكفر.

و فيه ما لا يخفى من وضوح الفرق بين الأمرين بعد تسليم الحكم في المقيس عليه، بل الظاهر أن نحو التلف غيره من المضار على النفس المبيحة للتناول، فعلم أنه متى جاز التناول لذلك وجب حفظا للنفس، فليس هنا جواز بمعنى الإباحة و تساوي الطرفين، نعم قد يأتي ذلك في غير النفس.

و على كل حال ف ظهر لك أنه لو أراد التنزه و الحال حالة خوف التلف للنفس بل أو الضرر الذي لا يتحمل عليها لم يجز ذلك، لأنه إلقاء بيده في التهلكة و لما سمعته، و اللّه العالم.

و لو اضطر إلى طعام الغير و ليس له الثمن وجب على صاحبه الحاضر غير المضطر إليه بذله، لأن في الامتناع إعانة على قتل المسلم و قد

قال (عليه السلام) (2): «من أعان على قتل مسلم و لو بشطر

____________

(1) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 4 من كتاب القصاص و فيه

«من أعان على قتل مؤمن.»

و في المستدرك الباب- 2- منها- الحديث 4

«من أعان على قتل مسلم.»

433

كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة اللّه»

و لأنه يجب عليه حفظ النفس المحترمة و لو لغيره.

خلافا لمحكي الخلاف و السرائر فلم يوجباه، للأصل بعد منع كونه إعانة، و عدم دليل يدل على وجوب حفظ نفس الغير مطلقا، حتى لو توقف على بذل المال، إذ ليس إلا الإجماع، و هو في الفرض ممنوع، بل لعل السيرة في الأعصار و الأمصار على خلافه في المقتولين ظلما مع إمكان دفعه بالمال، و في المرضي إذا توقف علاجهم- المقتضي حياتهم باخبار أهل الخبرة- على بذل المال.

إلا أنه لا يخفى عليك ما في ذلك كله، ضرورة المفروغية من وجوب حفظ نفس المؤمن المحترمة، و ربما يشهد لذلك ما تقدم في النفقات التي أوجبوها على الناس كفاية على العاجز، مضافا إلى النصوص الدالة على المواساة و غيرها، بل لعله من الأمور التي استغنت بضرورتها عن الدليل المخصوص.

نعم لو كان هو مضطرا إليه أيضا لم يجب بذله له إلا أن يكون نبيا أولى به من نفسه أو وصي نبي كذلك، بل لا يجوز بذله لغيرهما، و إن قال في المسالك: «الأصح الجواز مع التساوي في الإسلام و الاحترام لعموم قوله تعالى (1) «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» و لأن المقصود حفظ النفس المحترمة و هو حاصل بأحدهما، فلا ترجيح».

لكن فيه أن ظاهر الآية في غير الفرض، كما أن من المعلوم عقلا و نقلا تقديم حفظ نفسه التي يعبد اللّه بها على غيره، بل لعل ذلك من الإلقاء بيده إلى التهلكة، و دعوى كونه كثبات المجاهد لمثله مع ظهور أمارات العطب فإنه غير ملق بل فائز واضحة المنع.

____________

(1) سورة الحشر: 59- الآية 9.

434

فالتحقيق عدم جواز إيثاره، كما لو كان ذميا أو بهيمة أو غيرهما من محترم الدم.

نعم لو لم يكن مضطرا اليه وجب عليه بذله للمضطر اليه كما عرفت، بل في المسالك «مسلما كان أو ذميا أو مستأمنا» بل فيها «و كذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال على الأظهر» و لا يخلو من نظر.

و لو لم يبذله المالك فللمضطر أخذه منه قهرا، بل ذكروا أن له أن يقاتله عليه، بل لعل المتجه وجوب ذلك عليه، بناء على ما سمعته في المتن من وجوب أكله منها حفظا لنفسه.

إلا أن ذلك كله لا يخلو من نظر و إن تجشم بعضهم له بادراجه في الدفاع، و لكن عليه فلو قتله كان دمه هدرا، بخلاف العكس، بل في المسالك «لو منعه- أي غير المضطر- المضطر فمات جوعا ففي ضمانه له وجهان:

من أنه لم يحدث فيه فعلا مهلكا، و من أن الضرورة أثبتت له في ماله حقا، فكأنه منعه من طعامه» و إن كان لا يخفى عليك ضعف الوجه الثاني.

كما أن ما فيه أيضا من أنه «في مقدار ما يجب على المالك بذله من سد الرمق أو القدر المشبع وجهان مبنيان على القدر الذي يحل من الميتة» كذلك لما عرفته من وضوح ضعف الثاني منهما عندنا، لأن الضرورة تقدر بقدرها، إلا أن يفرض ضرورته إلى أزيد من ذلك.

ثم إن كان المضطر قادرا على دفع ثمنه لم يجب على المالك بذله مجانا قطعا، لأن ضرورة الجائع تندفع ببذله الثمن القادر عليه، بل لو كان عاجزا لم يجب بذله كذلك و إن قيل، كما حكاه المصنف بقوله:

و هل له المطالبة بالثمن؟ قيل: لا، لأن بذله واجب فلا يلزم العوض للأصل و معلومية عصمة مال المسلم، و وجوب البذل عليه لا ينافي ثبوت العوض في ذمة المبذول له، فهو حينئذ كوجوب بذل

435

الطعام في الغلاء على المحتكر و التسعير عليه الذي لا خلاف في أن له العوض و ليس هو كاستنقاذ المشرف على الهلاك في عدم وجوب أجرة المثل التي لا تندرج في عموم «من أتلف» (1)

و لا غيره مما يقتضي الضمان.

و لعل هذا مرادهم بما ذكروه من الفرق بين المقام و بين تخليص المشرف بأنه هناك يلزمه التخليص و إن لم يكن للمشرف مال، و لا يجوز التأخير إلى تقدير الأجرة و تقريرها، بخلاف ما هنا، و إن قال في المسالك:

«لا يخلو هذا الفرق من قصور».

ثم قال: «و ربما ساوى بعضهم بين الأمرين، حيث يحتمل الحال موافقته على أجرة يبذلها أو يقبلها، فلا يلزمه تخليصه حتى يقبل الأجرة كالمضطر، كما أنه لو لم يحتمل الحال مساومة المضطر يجب عليه بذله، و لا يلزمه العوض، بخلاف ما إذا احتمل و إن لم يكن هناك مال مقدور عليه» و ظاهره الميل إلى ذلك، إلا أنه كما ترى، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين، كوضوح ضمان الثمن في الأخير، لقاعدة «من أتلف» و غيره بخلاف الأجرة.

نعم لو بذله مجانا وجب عليه قبوله و إن استلزم المنة التي لا تقابل حفظ النفس.

و لو بذله بالعوض و لم يقدره فأكله المضطر كان عليه قيمته في ذلك الزمان و المكان، لأنه من الإباحة بالعوض، فلا يحتاج إلى معلومية قدر المبذول، بل له الشبع كائنا ما كان.

و في المسالك «أو مثله إن كان مثليا» و فيه أنه مناف لقاعدة لا ضرر و لا ضرار لو بذل له ماء مثلا في الأرض القفراء و وفاه عند وروده الماء بمثله، فتأمل.

____________

(1) راجع التعليقة (2) في ص 157.

436

و إن قدر العوض فان لم يفرد له ما يأكله فله الأكل كذلك حتى يشبع مع فرض وقوع التراضي بذلك على أن يكون من الصلح أو الهبة بالعوض أو نحوهما، و إن أفرده فإن كان المقدر ثمن المثل أخذه بعقد بيع جامع لشرائط صحته أو صلح كذلك أو غيرهما أو معاطاتهما، و له أن يأخذ حينئذ ما فضل، و إن كان أكثر من ثمن المثل فسيأتي البحث فيه.

و إن أطعمه المالك و لم يصرح بالإباحة ففي المسالك «فيه وجهان، أصحهما أنه لا عوض عليه، و يحمل على المسامحة العادية في الطعام، سيما في حق المضطر» و فيه أن الأصل الضمان مع عدم تصريحه بالمجانية و لو بظهور حال يقوم مقام التصريح.

و منه يعلم ما في قوله متصلا بما سمعت: «و لو اختلفا فقال المطعم:

أطعمتك بعوض و قال المضطر: بلا عوض ففي تصديق المطعم لأنه أعرف بكيفية بذله أو المضطر لأصالة براءة ذمته وجهان» ضرورة كون المتجه بناء على ما ذكرناه أن القول قول المطعم.

و من الغريب ميلة إلى الضمان في صورة الإيجار بعد ما سمعته منه، قال: «و لو افتقر المضطر إلى وجود الطعام في فمه فوجره المالك و هو مغمى عليه بنية العوض ففي استحقاقه العوض وجهان، و الأولى القول بالاستحقاق هنا، لأنه خلصه من الهلاك، و كان كالعفو من القصاص إلى الدية، و لما فيه من التحريض على تدارك المضطرين، و وجه العدم أن المضطر لم يطلب و لم يتناول، فكان المالك متبرعا، و الأقوى الأول» مع أنه يمكن كون الأمر بالعكس، ضرورة قوة السبب على المباشر في الفرض.

ثم قال فيها أيضا: «و كما يجب بذل المال لإبقاء الآدمي يجب

437

بذله لإبقاء البهيمة المحترمة و إن كانت ملكا للغير، و لا يجب البذل للحربي و الكلب العقور، و لو كان للإنسان كلب غير عقور جائع و شاة فعليه إطعام الشاة» و فيه منع، بل قد يقال بأولوية الكلب، لإمكان ذبح الشاة بخلاف الكلب.

هذا كله لو كان صاحب الطعام حاضرا، و لو كان غائبا أكل منه وجوبا و غرم قيمة ما أكل إن كان متقوما، و في المسالك «و مثله إن كان مثليا» و فيه ما عرفت.

و لا فرق في ذلك بين القدرة على العوض و عدمها، لأن الذمة تقوم مقام الأعيان، و اللّه العالم.

و إن كان الثمن موجودا و طلب ثمن مثله وجب على المضطر دفع الثمن حفظا لنفسه، و لا يجوز له قهر صاحبه بدونه اتفاقا كما في كشف اللثام.

و لا يجب على صاحب الطعام بذله لو امتنع من بذل العوض، لأن الضرورة المبيحة لاقتساره مجانا لو قلنا به زالت بالتمكن من البذل نعم قد يقال بوجوب بذله له من غير ذكر المعاوضة و إلزامه بالقيمة بعد ذلك.

و إن طلب زيادة عن الثمن قال الشيخ: لا تجب الزيادة و ربما حمل على صورة العجز، و فيه أن لفظه المحكي عن مبسوطة على ما في المسالك- «إذا امتنع صاحب الطعام من بذله إلا بأزيد من ثمن مثله فان كان المضطر قادرا على قتاله قاتله، فان قتل المضطر كان مظلوما، مضمونا، و إن قتل المالك كان هدرا، و إن لم يكن قادرا على قتاله أو قدر فتركه حذرا من إراقة الدماء فان قدر على أن يحتال عليه و يشتري منه بعقد فاسد حتى لا يلزمه إلا بثمن مثله فعله، فان لم يقدر إلا على

438

العقد الصحيح فاشتراه بأكثر من ثمن مثله قال قوم: يلزمه الثمن، لأنه باختياره بذل، و قال آخرون لا تلزمه الزيادة على ثمن المثل، لأنه مضطر إلى بذلها، فكان كالمكره عليها، و هو الأقوى عندنا»- خال عن التقييد بذلك، بل ظاهر تعليله و غيره القدرة عليها.

و من هنا قال المصنف و لو قيل: تجب الزيادة كان حسنا و تبعه غيره لارتفاع الضرورة بالتمكن من بذل العوض و لو زائدا فلم يجب على المالك بذله، لأنه غير مضطر حينئذ و لعله الأقوى.

نعم لو امتنع صاحب الطعام و الحال هذه أي بذل المضطر الزيادة جاز له قتاله دفعا لضرورة العطب لا كما ذكره الشيخ من جواز القتال بدون دفع الزيادة.

و لو واطأه فاشتراه بأزيد من الثمن كراهية لإراقة الدماء قال الشيخ كما سمعته من عبارته لا يلزمه إلا ثمن المثل، لأن الزيادة لم يبذلها اختيارا، و فيه إشكال، لأن الضرورة المبيحة للإكراه ترتفع بإمكان الاختيار و لما عرفت من وجوب بذلها عليه، و اللّه العالم.

و لو وجد ميتة و طعام الغير فان بذل له الغير طعامه بغير عوض أو عوض هو قادر عليه غير مضر بحاله لم تحل له الميتة بلا خلاف و لا إشكال، لعدم صدق الاضطرار، و إن بذله بزيادة كثيرة ففي المسالك «في تقديمه على الميتة مع القدرة أوجه: أحدها أنه لا يلزمه و لا بأس به مع الإضرار بالحال، أما مع عدمه فالمتجه تقديمه عليها، لعدم صدق الاضطرار.

و لو كان صاحب الطعام غائبا أو حاضرا و لم يبذله و قوي صاحبه على دفعه عن طعامه أكل الميتة لوضوح صدق الاضطرار في الأخير، أما الأول فوجه بأن الميتة محرمة لحق اللّه تعالى المبني على المساهلة، و بأن

439

إباحة الميتة للمضطر منصوص (1) عليها، و جواز الأكل من مال الغير بغير إذنه يؤخذ من الاجتهاد، و بأن الميتة يتعلق بها حق واحد لله تعالى، و مال الغير يتعلق به الحقان و اشتغال الذمة، إلا أن الجميع كما ترى.

و الاولى الاستدلال بصدق الاضطرار بعد إطلاق الأدلة و عمومها بحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، و الممنوع شرعا كالممنوع عقلا، فيتحقق الاضطرار الذي هو عنوان الرخصة.

و منه يعلم وجه ضعف احتمال أكل الطعام لصدق القدرة على طعام حلال العين، فأشبه ما إذا كان المالك حاضرا و بذله، و التصرف في مال الغير منجبر بثبوت عوضه في الذمة.

و أضعف منه احتمال تخييره بين الأمرين لتعارض الحقين، نعم يتجه- بناء على ما ذكرنا- ذلك في الحاضر إذا لم يبذل،

لعموم «الناس مسلطون على أموالهم» (2)

من غير فرق بين كونه قويا أو ضعيفا.

و حينئذ فالقول بأنه إن كان صاحب الطعام ضعيفا لا يمنع أكل الطعام، و ضمنه، و لم تحل الميتة لا يخلو من نظر.

و دعوى الفرق بينه و بين الغائب- بأن الغائب غير مخاطب بدفعه إلى المضطر، و ماله باق على أصل احترامه، بخلاف الحاضر، فإنه مأمور شرعا بدفعه، فإذا امتنع جاز أخذه قهرا موافقة لأمر الشارع، و لم يكن بسبب ذلك مضطرا إلى الميتة- واضحة الفساد.

و لعله لذا قال المصنف و فيه تردد و إن كان أولى من ذلك الجزم بالعدم، خصوصا بعد الجزم بالحكم في الغائب، و اللّه العالم.

و إذا لم يجد المضطر إلا الآدمي ميتا حل له إمساك الرمق من

____________

(1) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) البحار- ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

440

لحمه و إن كان محترما إذا لم يكن نبيا أو وصي نبي، و لا ينافي ذلك كون ميتته محترمة، لإطلاق الرخصة في الميتة الشاملة للفرض عند الاضطرار، و لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، بل مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين أكله نيا أو مطبوخا أو مشويا، و إن كان الأولى الاقتصار على الأول مع فرض اندفاع الضرورة به، محافظة على مقدار الضرورة في هتك حرمته بخلاف الميتة من غيره، فإنه لا احترام لها.

و من ذلك يعلم الوجه في المستفاد من قول المصنف: «و إذا لم يجد» إلى آخره من أنه إذا وجد المضطر ميتة و لحم آدمي أكل الميتة دون الآدمي من غير فرق بين الخنزير و غيره، نعم ينبغي تقييده بمحترم الميتة من الآدمي دون غيره الذي هو كالخنزير و نحوه.

و كذا المحرم لو وجد الصيد و لحم الآدمي قدم الصيد، و إن قيل بتقديم الميتة على الصيد في حقه مطلقا، أو إذا لم يقدر على الفداء، كما عن النهاية و التهذيب، و إلا أكل الصيد، لأن الميتة نجسة مضرة تنفر عنها الطبائع.

و عن أبي علي التفصيل بين ميتة ما يقبل الذكاة و بين غيرها، فتقدم الأولى عن الصيد دون الثانية، و عن الصدوق ذلك مع القدرة على الفداء.

و عن الخلاف و المبسوط و السرائر بل و التهذيب و الاستبصار في وجه التفصيل بأنه إن كان الصيد حيا أكل الميتة مطلقا، لأنه إذا ذبح الصيد كان ميتة، أما لو وجد لحم الصيد الذي ذبحه المحل في الحل كان أولى من الميتة، لأن تحريمه أخف من وجوه: منها أنه طاهر، و منها أنه خاص بالمحرم، و منها أنه لا يضر، و منها أنه لا تنفر منه الطباع، و لكن الشيخ أطلق الحكم في اللحم، و فصل ابن إدريس بأنه يأكله إن قدر على الفداء و إلا فالميتة.

441

و الأصل في ذلك اختلاف الأخبار، ف

في الحسن (1) أن الحلبي سأل الصادق (عليه السلام) «عن المحرم يضطر فيجد الميتة و الصيد أيهما يأكل؟ قال: يأكل الصيد، أما يجب أن يأكل من ماله؟ قال: بلى قال: إنما عليه الفداء، فليأكل و ليفد».

و في خبر إسحاق (2) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا اضطر المحرم إلى الصيد و إلى الميتة فليأكل الميتة التي أحل اللّه له».

و جمع بينهما و نحوهما بوجوه: (منها) التقية. و (منها) الفرق بين المتمكن (3) من الفداء و عدمه. و (منها) الفرق بين لحم الصيد و الحي منه. و (منها) احتمال الثاني أن لا يكون وجد الصيد أو لم يتمكن منه و إن اضطر إليه. و قد تقدم تحقيق الحال فيها في الحج (4).

ثم إن الظاهر وجوب الاقتصار في الأكل من الصيد على سد الرمق مع فرض كون المضطر إليه ذلك، نحو ما سمعته في الميتة، بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه هنا، بل عن التذكرة الإجماع عليه، خلافا لبعض، فجوز له الشبع، لسقوط الإثم بالاضطرار، و فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت، و اللّه العالم.

و لو كان حيا محقون الدم لم يحل لعدم جواز حفظ النفس بإتلاف أخرى، و لذا لم يكن تقية في الدماء، و لا فرق في ذلك بين السيد و العبد و الولد و الوالد و الشريف و الوضيع، بل في المسالك و الكافر المحترم

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 1 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 11 من كتاب الحج.

(3) هكذا في المبيضة إلا أن الموجود في النسخة المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه «الفرق بين التمكن».

(4) راجع ج 20 ص 335- 340.

442

كالذمي و المعاهد و غيرهما.

نعم لو كان مباح الدم كالحربي و المرتد و الزاني المحصن و غيرهم جاز قتله و حل له منه ما يحل من الميتة و إن كان القتل في بعضهم موقوفا على إذن الامام (عليه السلام) لكن ذلك مع الاختيار.

و لو كان له على غيره قصاص و وجده في حالة الاضطرار قتله قصاصا و أكله، بل في المسالك أن أصح الوجهين جواز قتل الامرأة و الصبيان من أهل الحرب، لأنهم ليسوا بمعصومي الدم، و ليس المنع من قتلهم في الاختيار لاحترامهم، و لهذا لا يتعلق به كفارة و لا دية، بخلاف الذمي و المعاهد و إن كان لا يخلو من نظر، و اللّه العالم.

و لو لم يجد المضطر ما يمسك رمقه سوى نفسه بأن يقطع قطعة من فخذه و نحوه من المواضع اللحمة فإن كان الخوف فيه كالخوف على نفسه في ترك الأكل أو أشد حرم القطع قطعا، و إن علم السلامة حل قطعا، بل وجب.

و إن كان أرجى للسلامة قيل: جاز له أن يأكل من المواضع اللحمة كالفخذ لأنه إتلاف بعض لاستبقاء الكل، فأشبه قطع اليد مثلا بسبب الآكلة. و ليس شيئا عند المصنف إذ فيه دفع الضرر بالضرر، و لا كذلك جواز قطع الآكلة، لأن الجواز هناك إنما هو لقطع السراية الحاصلة، و هنا إحداث سراية.

لكن قد يناقش بأن حدوث السراية على هذا التقدير غير معلوم، و الفرض كون المضطر خائف الهلاك بسراية الجوع على نفسه كسراية الآكلة.

نعم لا يجوز له أن يقطع من غيره ممن هو معصوم الدم اتفاقا، كما في المسالك، إذ ليس فيه إتلاف البعض لإبقاء الكل، بل الظاهر ذلك

443

و إن قطع بسلامة المقطوع منه.

و كذا لا يجوز للإنسان أن يقطع جزءا منه للمضطر و إن قطع بالسلامة إلا أن يكون المضطر نبيا، فإنه يجوز و إن قطع بالسراية، و اللّه العالم.

و لو اضطر إلى خمر و بول تناول البول و إن كان نجسا، لأنه أخف حرمة منها و عدم الحد عليه، لأنه لا يسلب العقل و الايمان و لا يؤدي إلى شر كالخمر. نعم لو وجد ماء متنجسا قدمه على البول لأن نجاسته عارضية، كما أنه يقدم ميتة ما يؤكل لحمه على ما لا يؤكل لحمه للخفة.

و لو وجد ميتة ما يؤكل و ما لا يؤكل حيا إلا أنه يقبل التذكية ذبح ما لا يؤكل و قدمه على الميتة، لنجاستها و أشدية حرمتها كما يعلم من الكتاب (1) و السنة (2). و لذا اقتصر عليها مع أخواتها في الكتاب (3) بل حصر التحريم فيها مع غيرها في الآية الأخرى (4) و إن كان هو إضافيا أو قبل تحريم الغير كما عرفته سابقا.

و كذا يقدم عليها مذبوح الكافر و خصوصا من اختلف في ذبيحته لأنه ليس ميتة و إن كان بحكمها، و ليس فيه ما في الميتة من المضار التي علل بها تحريمها (5) و بالجملة فالمدار على الترجيح إن حصل لكونه حينئذ أقل قبحا و إلا فالتخيير.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 3 و سورة الأنعام: 6- الآية 145 و سورة النحل: 16- الآية 115.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 3 و سورة الأنعام: 6- الآية 145 و سورة النحل: 16- الآية 115.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 173.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

444

و لو لم يجد إلا الخمر قال الشيخ في المبسوط و محكي الخلاف:

لا يجوز دفع الضرورة بها ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): «المضطر لا يشرب الخمر، لأنه لا يزيده إلا عطشا»

و لفحوى ما سمعته مما دل على حرمة التداوي بها مع الانحصار من الإجماع المحكي و النصوص (2) ضرورة كونه أحد أفراد الضرورة، و لاختصاص مورد الرخصة للمضطر في الآيات الكريمة (3) في غيرها.

و قال الصدوق و ابنا إدريس و سعيد و جماعة على ما حكي عنهم و الشيخ في النهاية: يجوز، و هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي علم منها أهمية حفظ النفس و نفي الحرج و الضرر في الدين. مضافا إلى خصوص ما تقدم في خبر المفضل (4) و خبري محمد بن عبد اللّه (5) و محمد بن عذافر (6) من التصريح بجواز تناول الخمر للمضطر.

و خصوص

قول الصادق (عليه السلام) في خبر حماد بن عيسى و عمار بن موسى (7) «في الرجل أصابه عطش حتى خاف على نفسه فأصاب خمرا، قال: يشرب منه قوته».

و إلى أولوية إباحتها من إباحة ما هو أفحش منها من الميتة و الخنزير و غير ذلك، و اللّه العالم.

و لا يجوز التداوي بها و لا بشيء من الأنبذة، و لا بشيء من

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 13.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 173 و سورة المائدة: 5- الآية 3 و سورة الأنعام: 6 الآية 119.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1. و الراوي له هو عمار بن موسى فقط كما في التهذيب ج 9 ص 116- الرقم 502.

445

الأدوية معها شيء من المسكر أو غيره من المحرمات أكلا و لا شربا مع عدم الانحصار بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه فضلا عن محكيه في كشف اللثام، لإطلاق أدلة التحريم السالمة عن معارضة الرخصة فيه للمضطر المعلوم عدم تحققه في الفرض.

بل لعله كذلك مع عدم العلم بالانحصار، لعدم تحقق عنوان الرخصة أيضا، بل المشهور على ما في المسالك و كشف اللثام عدم الجواز حتى مع الانحصار، بل عن الشيخ في الخلاف و ظاهر المبسوط الإجماع عليه، ل

صحيح الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن دواء عجن بالخمر، فقال: لا و اللّه ما أحب أن أنظر إليه فكيف أتداوى به، فإنه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير».

و حسن ابن أذينة (2) «كتبت إلى الصادق (عليه السلام) أسأله عن رجل ينعت (يبعث خ ل) له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر سكرجة من نبيذ صلب ليس يريد به اللذة إنما يريد به الدواء، فقال:

لا و لا جرعة، ثم قال: إن اللّه عز و جل لم يجعل في شيء مما حرم دواء و لا شفاء».

و خبر أبي بصير (3) قال: «دخلت أم خالد العبدية على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده، فقالت: جعلت فداك إنه يعتريني قراقر في بطني و قد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق، و قد عرفت كراهتك له و أحببت أن أسألك عن ذلك، فقال لها: و ما يمنعك من شربه؟ قالت:

قد قلدتك ديني فألقى اللّه عز و جل حين ألقاه فأخبره أن جعفر بن محمد

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2. و أسقط في الوسائل بعض قطعات الحديث، و ذكره بتمامه في الكافي ج 6 ص 413.

446

أمرني و نهاني، فقال: يا أبا محمد أ لا تسمع هذه المسائل؟ لا، فلا تذوقي منه قطرة، و إنما تندمين إذا بلغت نفسك إلى هاهنا، و أومأ بيده إلى حنجرته يقولها ثلاثا: أ فهمت؟ قالت: نعم».

و عن الصادق (عليه السلام) أيضا (1) «لا يتداوى بالخمر و لا بالمسكر، و لا تمتشط النساء به، فقد أخبرني أبي عن جدي (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) قال: إن اللّه عز و جل لم يجعل في رجس حرمه شفاء».

إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن حملها على عدم الانحصار، كما أنه يمكن إرادة عدم حصر الدواء في المحرم من التعليل، أو ينزل على الغلبة، على أنه لم نجد القائل به في غير الخمر.

و لعله لذا- مؤيدا بما سمعته من حل تناوله عند الاضطرار الذي لا ريب في كون المقام منه بشهادة الوجدان و أهل الخبرة، بل و قوله تعالى (2) «وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» الظاهر في حصول نفع به، و خبر عبد الرحمن بن الحجاج (3) المروي عن طب الأئمة «إن رجلا سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الترياق، فقال: ليس به بأس، قال:

يا ابن رسول اللّه إنه يجعل فيه لحوم الأفاعي، فقال: لا تقذره علينا»-

أطلق القاضي الجواز، و تبعه جماعة من متأخري المتأخرين، و هو الأقوى.

و من الغريب جزم المصنف بالعدم مع قوله و يجوز عند الضرورة أن يتداوى بها للعين بل حكاه في المسالك عن الأكثر، و في كشف اللثام عن الشيخ و جماعة، مستدلين عليه بعموم وجوب دفع الضرر، و خصوص

____________

(1) المستدرك- الباب- 15- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 219.

(3) الوسائل- الباب- 136- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 8.

447

خبر هارون بن حمزة الغنوي (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل اشتكى عينه فبعث له كحل يعجن بالخمر، فقال: هو خبيث بمنزلة الميتة فإن كان مضطرا فليكتحل به»

ضرورة منافاته للتعليل الذي هو منشأ المنع في السابق.

و لعله لذا كان المحكي عن ابن إدريس المنع هنا أيضا محتجا بالتعليل السابق المؤيد ب

مرسل مروك (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «من اكتحل بميل من مسكر كحله اللّه بميل من نار»

بعد القول بحرمة مطلق الانتفاع به، لخصوص ما ورد فيه (3) مضافا إلى ما سمعته في مطلق الأعيان النجسة.

و لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الإحاطة بما ذكرناه من أن الأصح الجواز مع الاضطرار و إن قلنا بحرمة الانتفاع به مطلقا مع عدمه، و يمكن حمل المرسل المزبور عليه، و اللّه العالم.

[خاتمة تشتمل على أمور]

خاتمة تشتمل على أمور

[أما الأكل]

منها في الآداب و هي كثيرة اقتصر المصنف منها على اثني عشر أو ثلاثة عشر: الأول و الثاني اللذان أشار إليهما بقوله يستحب غسل

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأشربة المحرمة.

448

اليدين قبل تناول الطعام و بعده

للمروي (1) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: «غسل اليدين قبل الطعام ينفي الفقر، و آخره (و بعده خ ل) ينفي الهم».

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) «غسل اليدين قبل الطعام و بعده زيادة في العمر. و إماطة للغمر عن الثياب، و يجلو البصر».

و عن الصادق (عليه السلام) (3) «من غسل يده قبل الطعام و بعده عاش في سعة، و عوفي من بلوى في جسده».

و عن الباقر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة (4) «يا أبا حمزة الوضوء قبل الطعام و بعده يذيبان (يذهبان خ ل) الفقر، قلت: بأبي و أمي يذهبان؟ قال: يذيبان».

و عن الصادق (عليه السلام) (5) «من سره أن يكثر خير بيته فليتوضأ قبل حضور الطعام».

و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (6) «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، و بعده ينفي اللمم، و يصح البصر».

و في المسالك «المراد بالوضوء هنا غسل اليدين» قلت: لعله لأنهم لم يذكروا ذلك في مستحبات الوضوء، و لم يعهد استعماله من أهل الشرع بل لعل المستعمل خلافه، مضافا إلى ظهور بعض النصوص (7) الآتية في البدأة فيه.

و في كشف اللثام «قد روي استحباب غسل اليدين جميعا و إن لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب آداب المائدة- الحديث 4 نقل بالمعنى.

(2) الوسائل- الباب- 49- من أبواب آداب المائدة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 49- من أبواب آداب المائدة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 49- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 49- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

(6) المستدرك- الباب- 42- من أبواب آداب المائدة- الحديث 6.

(7) الوسائل- الباب- 51- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

449

يأكل إلا بإحداهما». قلت: لعل المستفاد مما سمعت من الأخبار السابقة استحباب غسلهما معا كما ذكر، و استحباب غسل اليد التي يأكل بها.

بل في خبر سليمان الجعفري (1) «أنه ربما أتي بمائدة فأراد بعض القوم أن يغسل يده فيقول أبو الحسن (عليه السلام): من كانت يده نظيفة فلا بأس أن يأكل من غير أن يغسل يده»

ما يقتضي الرخصة في عدم الغسل مع نظافة اليد.

ثم إن إطلاق النص و الفتوى يقتضي عدم الفرق بين كون الطعام جامدا و مائعا، و لا بين كونه يباشر باليد أو بآلة و إن كان الحكم مع المباشرة آكد، بل هو الأصل في الشرعية، لأن الأكل من صاحب الشرع و خلفائه كان كذلك.

و الثالث مسح اليدين بالمنديل بعد الغسل من الطعام لا قبله، بل لا يبعد كراهته.

قال الصادق (عليه السلام) (2): «إذا غسلت يدك للطعام فلا تمسح يدك بالمنديل، فإنه لا تزال البركة في الطعام ما دامت النداوة في اليد».

و عن مرازم (3) «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) إذا توضأ قبل الطعام لم يمسح (لم يمس خ ل) بالمنديل، و إذا توضأ بعد الطعام مسح بالمنديل (مس المنديل خ ل)»

و لعل إطلاق المصنف المسح عائد إلى الغسل المتصل به.

و إنما يستحب مسحهما بالمنديل من أثر ماء الغسل لا من أثر الطعام قبله، فان ذلك مكروه، و إنما السنة في لعق الأصابع.

____________

(1) الوسائل- الباب- 64- من أبواب آداب المائدة- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

450

قال الصادق (عليه السلام) (1): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إذا أكل أحدكم فمص أصابعه التي أكل بها قال اللّه عز و جل:

بارك اللّه فيك».

و قال (عليه السلام) أيضا (2): «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يلعق أصابعه إذا أكل».

و قال (عليه السلام) (3): «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه في فيه فمصها».

و قال (عليه السلام) أيضا (4): «إني لألعق أصابعي حتى أرى أن خادمي يقول: ما أشره مولاي».

و قال (عليه السلام) أيضا (5): «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يلطع القصعة، و يقول: من لطع قصعة فكأنما تصدق بمثلها».

و قال (عليه السلام) أيضا (6): «إنه كره أن يمسح الرجل يده بالمنديل و فيها شيء من الطعام تعظيما للطعام حتى يمصها أو يكون إلى جانبه صبي يمصها».

ثم إنه يستحب مسح الوجه و الحاجبين بعد الغسل،

قال الصادق (عليه السلام) (7): «مسح الوجه بعد الوضوء يذهب بالكلف و يزيد في الرزق».

و عن المفضل (8) «دخلت علي أبي عبد اللّه (عليه السلام) فشكوت الرمد، فقال: إذا غسلت يدك بعد الطعام فامسح حاجبيك و قل ثلاث مرات:

____________

(1) الوسائل- الباب- 67- من أبواب آداب المائدة الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 67- من أبواب آداب المائدة الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 67- من أبواب آداب المائدة الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 67- من أبواب آداب المائدة الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 67- من أبواب آداب المائدة الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 53- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 54- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(8) الوسائل- الباب- 54- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

451

الحمد للّه المحسن المجمل المنعم المفضل، قال: ففعلت فما رمدت عيني بعد ذلك».

نعم لا صراحة في الأخير على كون المسح بهما قبل المسح بالمنديل، بل و لا الأول و إن نص عليها، لكن يمكن كونه المنساق، و اللّه العالم.

و الرابع التسمية عند الشروع.

قال الصادق (عليه السلام) (1): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إذا وضعت المائدة حفها أربعة آلاف ملك، فإذا قال العبد: بسم اللّه قالت الملائكة:

بارك اللّه عليكم في طعامكم، ثم يقولون للشيطان: أخرج يا فاسق، لا سلطان لك عليهم، فإذا فرغوا فقالوا: الحمد للّه قالت الملائكة: قوم أنعم اللّه عليهم فأدوا شكر ربهم، فإذا لم يسموا قالت الملائكة للشيطان:

ادن يا فاسق فكل معهم، فإذا رفعت المائدة و لم يذكروا اللّه (و لم يذكروا اسم اللّه عليها خ ل) قالت الملائكة: قوم أنعم اللّه عليهم فنسوا ربهم».

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): «من أكل طعاما فليذكر اسم اللّه عليه، فان نسي ثم ذكر اللّه بعد تقيأ الشيطان ما أكل و استقل (و استقبل خ ل) الرجل الطعام».

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من ذكر اسم اللّه عند طعام أو شراب في أوله و حمد اللّه تعالى في آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام أبدا».

و منه يستفاد استحباب الإتيان بها في الأثناء بعد النسيان كما تسمعه في بعض النصوص (4) الآتية أيضا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 57- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 57- من أبواب آداب المائدة- الحديث 5.

(4) راجع التعليقة (2) ص 452.

452

و عنه (عليه السلام) أيضا (1) «إذا وضع الغداء أو العشاء فقل:

بسم اللّه، فان الشيطان يقول لأصحابه: اخرجوا فليس ها هنا عشاء و لا مبيت، و إن نسي أن يسمي قال لأصحابه: تعالوا، فان لكم هاهنا عشاء و مبيتا».

و عنه (عليه السلام) أيضا (2) «إن الرجل المسلم إذا أراد أن يطعم طعاما فأهوى بيده و قال: بسم اللّه و الحمد للّه رب العالمين غفر اللّه عز و جل له قبل أن تصير اللقمة إلى فيه، و لو نسي التسمية فليقل عند الذكر: بسم اللّه على أوله و آخره».

و يستفاد منه استحباب التحميد معها أيضا.

كما أنه يستفاد من

صحيح ابن الحجاج (3) عن الصادق (عليه السلام) «إذا حضرت المائدة و سمى رجل منهم أجزأ عنهم أجمعين»

الاجتزاء بتسمية واحد و إن كان يستحب من الجميع.

و الخامس الحمد لله تعالى شأنه عند الفراغ لما سمعته، و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (4) «ما من رجل يجمع عياله و يضع مائدته فيسمون في أول طعامهم و يحمدون في آخره فترتفع المائدة حتى يغفر لهم».

____________

(1) الوسائل- الباب- 56- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1 و ليس في ذيله

«و لو نسي التسمية فليقل.»

كما في الكافي ج 6 ص 293 و هذه الجملة مستفادة من رواية داود بن فرقد المروية في الباب- 58- من تلك الأبواب- الحديث 1 و لكن ليس فيها: «عند الذكر».

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 57- من أبواب آداب المائدة- الحديث 6.

453

بل يستحب أيضا تكراره في الأثناء،

قال زرارة (1): «أكلت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) طعاما فما أحصي كم مرة قال: الحمد للّه الذي جعلني أشتهيه».

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): «اذكروا اللّه على الطعام و لا تلفظوا (و لا تلغطوا خ ل) فإنه نعمة من نعم اللّه و رزق من رزقه يجب فيه عليكم شكره و ذكره و حمده».

و يستحب أن يقول إذا فرغ:

«الحمد للّه الذي أطعمنا و سقانا و كفانا و أيدنا و آوانا و أنعم علينا و أفضل، و الحمد لله الذي يطعم و لا يطعم» (3).

و السادس أن يسمي على كل لون على انفراده عند الشروع في الأكل منه،

قال داود بن فرقد (4) لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «كيف أسمي على الطعام؟ فقال: إذا اختلفت الآنية فسم على كل إناء، قلت: فان نسيت أن أسمي، قال: تقول: بسم اللّه على أوله و آخره»

بناء على إرادة اختلاف الألوان من اختلاف الآنية فيه.

كما في المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) قال: «ضمنت لمن سمى على طعام أن لا يشتكي منه، فقال ابن الكواء: يا أمير المؤمنين لقد أكلت البارحة طعاما فسميت عليه فآذاني، قال: لعلك أكلت

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب آداب المائدة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب آداب المائدة- الحديث 6.

(3) لما رواه في الوسائل- الباب- 59- من أبواب آداب المائدة- الحديث 9.

(4) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 61- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1 و ذيله في الباب- 58- منها- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 61- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

454

ألوانا فسميت على بعضها و لم تسم على بعض، قال: نعم، قال: من هاهنا أوتيت يا لكع».

و قال مسمع (1): «شكوت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ألقى من أذى الطعام إذا أكلت، فقال: لم تسم، فقلت: إني لأسمي و إنه ليضرني، فقال: إذا قطعت التسمية بالكلام ثم عدت إلى الطعام تسمي، قلت: لا، قال: فمن هاهنا يضرك، أما أنك لو كنت إذا عدت إلى الطعام سميت ما ضرك».

و عن علي (عليه السلام) (2): «ما اتخمت قط، لأني ما رفعت لقمة إلى فمي إلا سميت»

و منهما تستفاد أحكام أخر، و اللّه العالم.

و لو قال في الأواني المتعددة بسم اللّه على أوله و آخره أجزأ و إن كان تكرارها أفضل.

و السابع يستحب الأكل باليمين مع الاختيار لاستحباب التيامن، بل

قال الصادق (عليه السلام) (3): «لا تأكل باليسرى و أنت تستطيع»

نعم لو كان له مانع من ذلك فلا بأس.

و الثامن و التاسع أن يبدأ صاحب الطعام و أن يكون آخر من يشبع (يمتنع خ ل) لئلا يحتشموه،

و عن الصادق (عليه السلام) (4) «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا أكل مع القوم أول من يضع يده و آخر من يرفعها، ليأكل القوم».

و العاشر أن يبدأ الغاسل في غسل اليد قبل التناول بمن على يمينه أي صاحب الطعام بعد غسل يده، ثم

____________

(1) الوسائل- الباب- 61- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 61- من أبواب آداب المائدة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 41- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

455

يدور عليهم إلى الأخير لما عن الكافي و العلل من أن في بعض الأخبار (1) يغسل أولا رب البيت يده، ثم يبدأ بمن على يمينه، و إذا رفع الطعام بدأ بمن على يسار صاحب المنزل، لأنه أولى بالصبر على الغمر. و عن البصائر حكاية فعل الكاظم (عليه السلام) كذلك.

و في خبر مسعدة بن صدقة (2) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر ابن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «صاحب الرحل يتوضأ أول القوم و آخر القوم بعد الطعام»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على استحباب البدأة و الاختتام به.

لكن في خبر الفضل بن يونس (3) قال: «لما تغدى عندي أبو الحسن (عليه السلام) و جيء بالطشت بدئ به، و كان في صدر المجلس، فقال: ابدأ بمن على يمينك، فلما أن توضأ واحد أراد الغلام أن يرفع الطشت، فقال: دعها، و اغسلوا أيديكم فيها»

و ظاهره البدأة في الغسل الأول بمن على يمين الخادم، و يحتمل الغسل الأخير.

و في خبر محمد بن عجلان (4) عن الصادق (عليه السلام) «الوضوء قبل الطعام يبدأ بصاحب البيت لئلا يحتشم أحد، و إذا فرغ من الطعام بدأ بمن على يمين الباب، حرا كان أو عبدا».

و في كشف اللثام «الظاهر موافقته لخبر الفضل، و أن يمين الباب هو يمين الخادم حين يدخل».

و نحوه

المروي عن المحاسن (5) إلا أنه قال: «فإذا فرغ من الطعام بدأ بمن على يسار صاحب المنزل».

____________

(1) الوسائل- الباب- 50- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3 و 4.

(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب آداب المائدة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 50- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 50- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

456

و يمكن أن يكون المستحب كيفيتين، أو أن البدأة بمن على يمين الباب الذي هو يمين الخادم حين يدخل إذا لم يكن صاحب المنزل جالسا أو غير ذلك، و الأمر سهل.

و يستحب الدعاء لصاحب الطعام، و ليختر

ما كان يدعو به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (1) «طعم عندكم الصائمون و أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة الأخيار».

و الحادي عشر أن يجمع غسالة الأيدي في إناء واحد لخبر الفضل (2) السابق، و عن الصادق (عليه السلام) (3) «اغسلوا أيديكم في إناء واحد تحسن أخلاقكم».

و في خبر عبد الرحمن المروي عن المحاسن (4) قال: «تغدينا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتي بالطشت، فقال: أما أنتم يا أهل الكوفة فلا تتوضؤون إلا واحدا واحدا، و أما نحن فلا نرى بأسا أن نتوضأ جماعة، قال: فتوضأنا جميعا في طشت واحد».

و في خبر الوليد بن صبيح (5) قال: «تعشينا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلة جماعة فدعا بوضوء، فقال: تعالوا حتى نخالف المشركين الليلة، نتوضأ جميعا»

و لعل المراد جميعا مترتبين.

و الثاني عشر و الثالث عشر أن يستلقي الآكل بعد الأكل، و يجعل رجله اليمنى على رجله اليسرى كما في خبر البزنطي (6) عن الرضا (عليه السلام) «إذا أكلت فاستلق على قفاك، و ضع

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب آداب المائدة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب آداب المائدة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 51- من أبواب آداب المائدة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 74- من أبواب آداب المائدة- الحديث 1.