جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
457

بذلك علي (عليه السلام) على عمر»

و نحوه

خبر أبي بصير (1) عنه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) معللا له (2) بأنه «إذا شرب سكر، و إذا سكر هذى، و إذا هذى افترى، فإذا فعل ذلك فاجلدوه حد المفتري ثمانين».

بل في المسالك «

روى العامة (3) و الخاصة (4) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يضرب الشارب بالأيدي و النعال و لم يقدره بعدد، فلما كان في زمن عمر استشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في حده فأشار عليه بأن يضرب ثمانين معللا له بأنه إذا شرب سكر، و إذا سكر هذى، و إذا هذى افترى، فجلده عمر ثمانين»

و عمل بمضمونه أكثر العامة، و ذهب بعضهم إلى أربعين مطلقا لما

روي (5) أن الصحابة قد رووا ما فعل في زمانه (صلى الله عليه و آله) بأربعين و كان التقدير المزبور عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من التفويض الجائز لهم».

و من الغريب ما في كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة من أن جلد الشارب الثمانين من بدع الثاني و أن الرسول (صلى الله عليه و آله) جعل حده أربعين بالنعال العربية و جرائد النخل بإجماع أهل الرواية، و أن الثاني قال: إذا سكر افترى، و إذا افترى حد حد المفتري» و في كشف اللثام «و لعله أراد إلزامهم باعترافهم كما في الطرائف من قوله:

و من طريف ما شهدوا به أيضا على خليفتهم عمر من تغييره لشريعة نبيهم (صلى الله عليه و آله) و قلة معرفته بمقام الأنبياء و خلفائهم ما ذكره

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المسكر- الحديث 7.

(3) سنن البيهقي- ج 8 ص 321.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر.

(5) سنن البيهقي- ج 8 ص 318.

458

الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي و التسعين (1) من المتفق عليه قال: «إن النبي (صلى الله عليه و آله) ضرب في الخمر بالجرائد و النعال، و جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر»

و ذكر الحميدي أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند السائب بن يزيد في الحديث الرابع من أفراد البخاري (2) قال: «كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و إمرة أبي بكر و صدر من خلافة عمر فنتقدم إليه بأيدينا و نعالنا و أرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا و فسقوا جلد ثمانين»

انتهى.

ثم إن ظاهر النص و الفتوى اعتبار الثمانين مترتبة لكن في خبر زرارة (3) «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي (عليه السلام): اقض بينه و بين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر، قال: فأمر علي (عليه السلام) فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة فصارت ثمانين»

و في خبره الآخر (4) «سمعته أيضا يقول: أقيم عبيد الله بن عمر و قد شرب الخمر فأمر عمر أن يضرب فلم يتقدم عليه أحد يضربه حتى قام علي (عليه السلام) بتبعة مثنية لها طرفان فضربه أربعين»

و يمكن حملهما على جواز ذلك لمصلحة، و الله العالم.

و كيف كان فالمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا كون الحد الثمانين مطلقا رجلا كان الشارب أو امرأة حرا كان

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 319.

(2) سنن البيهقي ج 8 ص 319.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر- الحديث 2.

459

أو عبدا بل عن صريح الغنية و ظاهر غيرها الإجماع عليه، بل لعل قول المصنف و في رواية (1) يحد العبد أربعين، و هي متروكة مشعر به أيضا، كقول غيره مطروحة و آخر شاذة، لإطلاق النصوص و خصوصا المشتملة منها على التعليل المزبور بناء على عدم الفرق بين العبد و الحر في حد القذف، و خصوص المعتبرة المستفيضة المصرحة بذلك، ففي

موثق أبي بصير (2) «كان علي (عليه السلام) يجلد الحر و العبد و اليهودي و النصراني في الخمر و النبيذ ثمانين»

بل في صحيح آخر له مضمر (3) «حد اليهودي و النصراني و المملوك في الخمر و الفرية سواء، و إنما صولح أهل الذمة على أن يشربوها في بيوتهم»

و إن كان محتملا لإرادة تسويا حدي الشرب و الفرية في العدد، أي حد كل منهم في الشرب كحدة في الفرية، و هو يعم الثمانين و الأربعين، نعم أصرح منه

آخر (4) «يجلد الحر و العبد و اليهودي و النصراني في الخمر ثمانين»

إلى غير ذلك مما لا يقدح ما فيه من الضعف سندا لو كان بعد الانجبار بما عرفت.

خلافا لما عن الصدوق من التنصيف في العبد ل

خبر الحضرمي (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عبد مملوك قذف حرا، قال:

يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله تعالى فإنه يضرب نصف الحد، قلت: الذي من حقوق الله ما هو؟ قال:

إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحدود التي يضرب فيها نصف الحد»

مؤيدا بالأصل و بقاعدة التنصيف فيه، و باشتماله على التعليل، و بما مر من

خبر حماد بن عثمان (6) عنه (عليه السلام) «في التعزير أنه دون الأربعين

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث 6 و 7 و 9.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث- 2.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث- 5.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث- 4.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث- 7.

(6) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث- 6.

460

فإنها حد المملوك»

و ببناء الحد على التخفيف، و لا أقل من أن يكون ذلك من الشبهة، و من هنا مال الشهيدان و الفاضل في المختلف إلى ذلك، إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة عدم المكافئة لما سمعته من وجوه، منها موافقة العامة و مخالفة الشهرة المزبورة، بل الصدوق نفسه لم يعمل بالخبر المزبور في العبد في القذف، كما أنه لا قائل بتحديد التعزير في الثاني بذلك فلا ريب في أن الأصح الثمانون مطلقا، و الله العالم. هذا كله في المسلم.

أما الكافر ف الذمي منه و من في معناه إن تظاهر به حد و إن استتر لم يحد بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى، بل و لا إشكال لاستفاضة النصوص به، منها ما سمعته في بعضها (2) سابقا هذا، و في القواعد و شرحها للأصبهاني «و لا حد على الحربي و إن تظاهر بشربها، لأن الكفر أعظم منه، نعم إن أفسد بذلك أدب بما يراه الحاكم» و فيه أن الأدلة هنا عامة فضلا عما دل على تكليفهم بالفروع، و عدم إقامتها على الذمي المتستر باعتبار اقتضاء عقد الذمة ذلك لا لعدم الحد عليه، فتأمل جيدا.

و لا خلاف معتد به في أنه يضرب الشارب غير المرأة عريانا مستور العورة عن الناظر المحترم أو مع الغض عنها على ظهره و كتفيه و يتقى وجهه و فرجه و مقاتله كما سمعته في الزناء نعم عن المبسوط لا يجرد عن ثيابه لأن النبي (صلى الله عليه و آله) أمر بالضرب و لم يأمر بالتجريد، و هو في غاية الضعف،

للصحيح (3) المعتضد بما سمعته «سألته عن السكران و الزاني، قال: يجلدان بالسياط

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المسكر- الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

461

مجردين بين الكتفين، فأما الحد في القذف فيجلد على ثيابه ضربا بين الضربين».

و ينبغي أن يفرق على سائر بدنه ليذوق العقوبة ما سرى فيه المشروب كما

روي (1) عن علي (عليه السلام) من قوله للجلاد: «أعط كل عضو حقه».

و كذا لا خلاف في أنه لا يقام عليه الحد حتى يفيق لتحصل فائدة الحد التي هي الانزجار عنه ثانيا، أما المرأة فتحد جالسة مربوطة عليها ثيابها كما سمعته في الزناء و قد نص عليه هنا بعضهم و إن أطلق آخر.

و لا يسقط بالجنون لما مر في الزناء و لا بالارتداد الذي لا يزيد إلا شرا.

و إذا حد مرتين قتل في الثالثة وفاقا للمشهور شهرة عظيمة بل عن الغنية الإجماع عليه و هو المروي هنا مستفيضا بل متجاوزا حد الاستفاضة صحيحا و غيره، ف

في الصحاح (2) «من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه فان عاد فاقتلوه»

مؤيدا بما دل (3) صحيحا على قتل أرباب الكبائر فيها.

و لكن مع ذلك قال في الخلاف و محكي المبسوط و المقنع يقتل في الرابعة بل في الفقيه أرسله رواية و إن كنا لم نجدها في ما وصل إلينا. نعم عن الخلاف الاستدلال له

بالنبوي (4) «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب

____________

(1) لم أعثر عليه عاجلا.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد المسكر.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد المسكر- الحديث 2.

(4) سنن البيهقي- ج 8 ص 314.

462

فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه»

مؤيدا ذلك بما ذكره غير واحد من المتأخرين من كون الزاني أعظم منه، و لذا يجلد مائة مع أنه يقتل في الرابعة كما عرفت، و بالاحتياط في الدماء، و من هنا مال الفاضل و ولده و الشهيد إليه، إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة عدم حجية المرسلين فضلا عن معارضتهما كعدم معارضة الأولوية المزبورة للصحاح المذكورة و لعله لذا لم يذكر المصنف هنا أنه أولى كما سمعته منه في غيره، و الله العالم.

و لو شرب مرارا لم يتخلل حد بينها كفى حد واحد بلا خلاف، للأصل و العمومات و انتفاء الحرج و صدق الشرب و إن تعدد كما سمعته في نظائره، و لا فرق بين اختلاف جنس المشروب و اتحاده، و الله العالم.

[البحث الثالث في احكامه]

الثالث في احكامه و هي مسائل:

[المسألة الأولى لو شهد واحد بشربها و آخر بقيئها وجب الحد]

الأولى:

لو شهد واحد بشربها و آخر بقيئها وجب الحد غير مؤرخين أو مؤرخين بما يمكن معه الاتحاد عند المشهور، بل عن السرائر و التنقيح و ظاهر الخلاف الإجماع عليه، ل

خبر الحسين بن يزيد (1) الذي رواه المشايخ الثلاثة عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) المنجبر بما عرفت قال: «أتي عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون فشهد عليه رجلان أحدهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

463

خصي و هو عمر التميمي و الآخر المعلى بن الجارود فشهد أحدهما أنه رآه يشرب و الآخر أنه رآه يقيء الخمر، فأرسل عمر إلى ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: ما تقول يا أبا الحسن فإنك الذي قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنت أعلم هذه الأمة و أقضاها، فإن هذين قد اختلفا في شهادتهما، قال: ما اختلفا في شهادتهما، و ما قاءها حتى شربها».

و من هنا يتجه أن يلزم على ذلك وجوب الحد لو شهدا معا بقيئها نظرا إلى التعليل المروي كما عن الشيخ التصريح به، بل عن بعض دعوى الشهرة عليه. و لكن فيه تردد كما عن جماعة منهم الفاضل و ابن طاوس لاحتمال الإكراه و لو على بعد فيدرأ الحد للشبهة و فيه أنه لعل هذا الاحتمال يندفع بأنه لو كان الإكراه واقعا لدفع به عن نفسه مع أنه على خلاف الأصل و الظاهر، و المناقشة بأن غايتهما إفادة الظهور- و هو غير كاف في إثبات الحدود، لعدم منافاتهما الشبهة الدارئة و لذا لو ادعى ما يوجبها قبل كما أشار إليه المصنف بقوله أما لو ادعاه فلا حد بل قيل: إنه إجماع و إن كان مخالفا لهما- مدفوعة بأن ذلك كله كالاجتهاد في مقابلة النص المنجبر حكما و تعليلا بما عرفت، اللهم إلا أن يمنع ذلك بالنسبة إلى التعليل، فيخص دليل المسألة الأولى بالإجماع المزبور و الخبر المذكور الذي هو قضية في واقعة، فلا يتعدى منها، و الفرض عدم جابر للتعليل، للشك في دعوى الشهرة المزبورة المحتملة لكون منشئها ظن التعدية مما في الخبر المزبور، و الله العالم.

464

[المسألة الثانية من شرب الخمر مستحلا استتيب]

المسألة الثانية:

من شرب الخمر مستحلا فعن المقنعة و النهاية و الجامع استتيب، فان تاب أقيم عليه الحد، و إن امتنع قتل أي بعد الحد من غير فرق بين الفطري و غيره، بل في المسالك حكايته عن أتباع الشيخين أيضا، بل قيل: و ربما ظهر من مختلف الفاضل ميل إليه، لإمكان الشبهة، و لخبر ابن مظعون الآتي (1) و قيل و القائل النقي في ما حكي عنه، بل المتأخرون كما في المسالك يكون حكمه حكم المرتد فيفرق حينئذ بين الفطري منه و الملي و الذكر و الأنثى و هو قوي لكونه من الضروري الذي حكمه ذلك، و احتمال عروض الشبهة له فاستحله و الحدود تدرأ بالشبهات جار في غيره من الضروري المتفق على تحقق الكفر بإنكاره نصا و فتوى، نعم لو أمكنت الشبهة في حقه لقرب عهده بالإسلام أو بعد بلاده عن بلاده جرى عليه حكم غيره من الضروري.

و لكن في المسالك اتجه قول الشيخين، و عليه تحمل استتابة قدامة بن مظعون و غيره ممن استحلها في صدر الإسلام بالتأويل. و فيه أن قول الشيخين لا يوافق مستحل الضروري للشبهة المزبورة المخرجة له عن الضرورة في حقه، بل المسقطة عنه الحد كما سمعته سابقا في خبر بكير (2) عن الصادق (عليه السلام) و لعل الأولى حمل ما عن ابن مظعون على أنه ليس مرتدا فطريا، و قصته معلومة، ففي

المحكي عن إرشاد المفيد (3)

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المسكر- الحديث 1 و هو خبر ابن بكير.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

465

أنه روت العامة و الخاصة «أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أن يحده، فقال: لا يجب علي الحد، إن الله يقول لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا (1) فدرأ عمر عنه الحد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فمشى إلى عمر، فقال: ليس قدامة من أهل هذه الآية و لا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرم الله، إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لا يستحلون حراما، فاردد قدامة فاستتبه مما قال، فان تاب فأقم عليه الحد، و إن لم تب فاقتله، فقد خرج عن الملة، فاستيقظ عمر لذلك، و عرف قدامة الخبر فأظهر التوبة و الإقلاع فدرأ عنه القتل».

و في خبر عبد الله بن سنان (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أتي عمر بقدامة بن مظعون و قد شرب الخمر، و قامت عليه البينة، فسأل عليا (عليه السلام) فأمر أن يجلده ثمانين، فقال قدامة: يا أمير المؤمنين ليس علي حد، أنا من أهل هذه الآية «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا» فقال علي (عليه السلام) لست من أهلها، إن طعام أهلها لهم حلال، ليس يأكلون و لا يشربون إلا ما أحل الله لهم»

و لم يذكر فيه الاستتابة، و لعل عدم سقوط الحد عنه بما ذكره من الجهل لعدم معذورية مثله، إذ ليس له الأخذ بالحكم المزبور من القرآن من دون رجوع إلى العالم بتنزيله و تأويله، و لا شهادة فيها على ما سمعته من الشيخين لأنها قضية في واقعة، و لا عموم فيها على وجه يشمل الفطري منه، هذا كله في الخمر.

و أما سائر المسكرات فلا يقتل مستحلها، لتحقق الخلاف بين

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 93.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر- الحديث 5.

466

المسلمين فيها الرافع لضرورتها، و كذا الكلام في الفقاع خلافا للحلبي فكفر مستحله و أوجب قتله، و هو واضح الضعف بعد أن لم تكن حرمته ضرورية، فهو حينئذ كغيره من المسكر غير الخمر في عدم الكفر.

و لكن يقام الحد عليه مع شربها مستحلا و محرما قولا واحدا كما في الرياض و إن لم يكفر المستحل، قال في المسالك: «فالحنفي المعتقد إباحتها يحد على شربها و لا يكفر، لأن الكفر مختص بما وقع عليه الإجماع و ثبت حكمه ضرورة من دين الإسلام، و هو منتف في غير الخمر» و تبعه في الرياض، و نحوه ما في القواعد و شرحها للاصبهاني، قالا: «و يحد الحنفي إذا شرب النبيذ و إن قل و إن استحله فان الحد لله، و النصوص أطلقت بحد الشارب، و الفرق بينه و بين الحربي أنه يجرى عليه حكم الإسلام و إن لم يكن مسلما عندنا حقيقة» قلت: لا فرق في الكفر بين إنكار الضروري و غيره من المقطوع به مع فرض أن المنكر قاطع به، ضرورة اقتضائه تكذيب النبي (صلى الله عليه و آله) نعم يفرق بينهما بالنسبة إلى الحكم بكفر المنكر مع عدم العلم بالحال فمنكر الضروري و هو من أهل الضرورة محكوم بكفره بإنكاره بخلاف غيره لاحتمال عدم القطع به عنده، بل المتجه عدم الحد عليه بذلك، لعدم العلم بالحرمة عند الشارب أو العلم بعدمها و الفرض معذوريته، لكون المسألة غير ضرورية حتى لو كانت قطعية لكنها نظرية، و من ذلك يظهر لك الكلام في

467

[المسألة الثالثة من باع الخمر مستحلا يستتاب]

المسألة الثالثة التي ذكرها المصنف و غيره و هي من باع الخمر مستحلا يستتاب فان تاب و إلا قتل، و إن لم يكن مستحلا عزر، و ما سواه لا يقتل و إن لم يتب بل يؤدب قال في المسالك: «بيع الخمر ليس حكمه كشربه فان الشرب هو المعلوم ضرورة، و قد يقع فيه الشبهة من حيث إنه يسوغ تناوله على بعض وجوه الضرورات كما سلف، فيعزر فاعله، و يستتاب إن فعله مستحلا، فان تاب قبل منه، و إن أصر على استحلاله قتل حدا و كأنه موضع وفاق، و ما وقفت على نص يقتضيه، و أما بيع غيره من الأشربة فلا إشكال في عدم استحقاق فاعله القتل مطلقا لقيام الشبهة، نعم يعزر لفعل المحرم كغيره من المحرمات» و قال في القواعد و شرحها للاصبهاني: «و لو باع الخمر مستحلا لبيعه استتيب، فان حرمته ليست من الضروريات، فان تاب و إلا قتل لارتداده كذا ذكره الشيخان و غيرهما، و التحقيق أنه إن استحله مع اعترافه بحرمته في الشريعة فهو مرتد، حكمه حكم غيره من المرتدين، و إلا عرف ذلك، فان تاب و إلا قتل، و كذا الحكم في كل من أنكر مجمعا عليه بين المسلمين، فإن إنكاره ارتداد مع العلم بالحال لا بدونه، بلا فرق بين شيء و شيء، و كذا من أنكر شيئا مع علمه أو زعمه أنه في الشريعة على خلاف ذلك و إن لم يكن مجمعا عليه، فإنه تكذيب للنبي (صلى الله عليه و آله) في علمه أو زعمه، و لعله نظر إلى أن الشبهة في البيع أظهر و أكثر منها في الشرب.

و لو باع محرما له عزر، و ما عدا الخمر من المسكرات و الفقاع إذا باعه

468

مستحلا لا يقتل و إن لم يتب، بل يؤدب لعدم الإجماع من المسلمين على حرمته، و في تأديبه مع كونه من أهل الخلاف نظر» و تبعه على النظر المزبور في الرياض، كما أنه تبع المسالك في ما سمعته سابقا.

و لكن لا يخفى عليك أن مقتضى النظر المزبور عدم الحد أيضا في مفروض المسألة السابقة، بل و عدم التعزير في غيره أيضا مع فرض عدم التحريم عنده، بل و عدم الارتداد مع فرض عدم كونه ضروريا و لا قطعيا عنده، و إنما كان عنده أن الشريعة تقتضي حرمته مع فرض معذوريته في القطع المزبور، و لو لأن المسألة نظرية، بل لو فرض عدم معذوريته لا يكون بذلك مرتدا، بل أقصاه الإثم، بل لا يخفى عليك ما في عدم القتل مع الاستحلال في ما عدا الخمر بعد تخلل الأدب و التوبة. و بالجملة لا يخلو كلامهم في هذه المسألة من نظر، فتأمل جيدا، و الله العالم.

[المسألة الرابعة إذا تاب قبل قيام البينة سقط الحد]

المسألة الرابعة:

إذا تاب قبل قيام البينة سقط الحد بلا خلاف بل في كشف اللثام اتفاقا كما هو الظاهر مما عرفته سابقا في الزناء و إن تاب بعدها لم يسقط عند المشهور، خلافا للمحكي عن الحلبيين، فجعلوها كالتوبة بعد الإقرار في تخيير الامام بين العفو و عدمه، و قد عرفت ما فيه سابقا و لو تاب قبل إقراره عند الحاكم سقط قطعا. و أما لو كان ذلك بعد ثبوت الحد بإقراره عند الحاكم فالمشهور كما في المسالك أنه كان الامام مخيرا بين العفو و الاستيفاء لتخيره في حد الزناء و اللواط الذي هو أعظم كما عرفت فهنا أولى و منهم من منع التخيير و حتم الاستيفاء هنا كابن إدريس، بل حكاه في المسالك عن المبسوط

469

و الخلاف أيضا و هو الأظهر بناء على أنه لا خيار هناك إلا في الرجم، ضرورة عدم إيجاب الشرب غير الجلد الذي يقتضي الاستصحاب بقاءه، و لا يقطعه القياس على الإقرار بما يوجب القتل و الرجم بعد بطلانه عندنا و كونه مع الفارق، و من هنا قواه في محكي التحرير، و لكن قد تقدم سابقا ما يعلم منه النظر في ذلك و أنه مخير في الرجم و الجلد، فيتضح حينئذ وجه الأولوية في المقام من الجلد في الزناء الذي هو أعظم و جلده أكثر، مضافا إلى غيرها من التعليل في بعض النصوص و نحوه، فلاحظ و تأمل، و الله العالم.

[تتمة تشتمل مسائل]

تتمة تشتمل على مسائل:

[المسألة الأولى من استحل شيئا من المحرمات المجمع عليها كالميتة و الدم و الربا و لحم الخنزير ممن ولد على الفطرة]

الأولى:

من استحل شيئا من المحرمات المجمع عليها كالميتة و الدم و الربا و لحم الخنزير ممن ولد على الفطرة و كان ذكرا جامعا لشرائط الحد يقتل لارتداده كما هو مقتضى عبارة كثير من الأصحاب على ما في المسالك، بل في مجمع البرهان نسبته إلى بعض عبارات العامة، و هو كذلك مع فرض تحقق الإجماع المزبور عند المستحل، ضرورة كونه كالضروري في إنكار صاحب الشرع، و كذا من خالف المجمع عليه بين الأصحاب، نعم لا يحكم بكفره بمجرد استحلاله، لاحتمال عدم تحققه الإجماع، بخلاف الضروري الذي يحكم بكفر مستحله ممن نشأ في محل الضرورة، بل هو كذلك في ضروري المذهب، بل و المجمع عليه بينهم ممن كان تحقق عنده الإجماع المزبور على وجه يدخل فيه المعصوم (عليه السلام) ضرورة اقتضاء إنكاره رد قول من اعتقد بعصمته، بل و قول

470

الله كما هو واضح.

و من هنا يعلم ما في المسالك من إشكاله الحكم المزبور «بأن حجية الإجماع ظنية لا قطعية، و من ثم اختلف فيها و في جهتها، و نحن لا نكفر من رد أصل الإجماع فكيف نكفر من رد مدلوله فالأصح اعتبار القيد الآخر، و أما مخالف ما أجمع عليه الأصحاب خاصة فلا يكفر قطعا و إن كان ذلك عندهم حجة، فما كل من خالف حجة يكفر، خصوصا الحجة الاجتهادية الخفية جدا كهذه، و قد أغرب الشيخ حيث حكم في بعض المسائل بكفر مستحل ما أجمع عليه الأصحاب، و قد تقدم بعضه في باب الأطعمة و الأشربة، و لا شبهة في فساده» إذ لا يخفى عليك ما فيه بل من وجوه كما أطنب فيه في مجمع البرهان، و الله العالم.

و لو ارتكب ذلك أو غيره من المحرمات عالما بتحريمها لا مستحلا عزر كغيره من المحرمات مطلقا حتى الصغيرة ممن لم يكن يجتنب الكبائر إن لم يكن الفعل موجبا للحد و إلا دخل التعزير فيه، كما هو واضح.

[المسألة الثانية من قتله الحد أو التعزير فلا دية له]

المسألة الثانية:

من قتله الحد أو التعزير فلا دية له على المشهور، بل عن الشيخ و إن ضرب في غاية الحر و البرد، قال: و هو مذهبنا، لأن تحري خلافهما مستحب، بل مقتضى إطلاقه و غيره عدم الفرق بين الحد لله تعالى أو للناس، كما عن ابن إدريس التصريح به.

و قيل في محكي الاستبصار: إن ذلك في حدود الله تعالى و أما في الحد للناس ف تجب على بيت المال لقول أمير المؤمنين (ع)

471

في

خبر الحسن بن صالح الثوري (1): «من ضربناه حدا من حدود الله تعالى فمات فلا دية له علينا، و من ضربناه حدا في شيء من حقوق الناس فمات فان ديته علينا»

و عن المقنعة أن الامام ضامن، و هو محتمل للضمان في بيت ماله و له في بيت مال المسلمين، و عن المبسوط من مات بالتعزير فديته على بيت المال، لأنه ليس حدا، و لأنه ربما زاد خطأ بخلاف الحد، و هو لا يجري في المعصوم، و عن خلافه القطع بأنه كالحد، و احتمله أيضا في محكي المبسوط بناء على دخوله في عموم الحد، مع أصل البراءة و قاعدة الإحسان.

و كيف كان ف الأول مروي في الحسن أو الصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) «أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا دية له»

و في خبر الشحام (3) «من قتله الحد فلا دية له»

مضافا إلى أصل البراءة و قاعدة الإحسان، و لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحصل الخطأ لو كان من غير المعصوم (عليه السلام) بالتجاوز و نحوه و إلا اتجه الضمان، و الظاهر إرادة ما يشمل التعزير من الحد فيه، و على تقدير العدم فالظاهر الاتحاد في الحكم مع فرض عدم الخطأ، و الخبر المزبور و إن قال في محكي الإيضاح: إنه متواتر عنهم لكن لم نتحققه، و هو في ما وجدنا ضعيف، كما اعترف به غير واحد، فلا يصلح مقيدا أو مخصصا للحسن المزبور المعتضد بما عرفت و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4 و هو مرسل الصدوق (قده) و قد رواه في الوسائل بعد خبر الحسن بن صالح الثوري فتخيل (قده) انه من خبر الحسن بن صالح.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب قصاص النفس- الحديث 9- من كتاب القصاص.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب قصاص النفس- الحديث 1- من كتاب القصاص.

472

[المسألة الثالثة لو أقام الحاكم الحد بالقتل فبان فسوق الشاهدين كانت الدية في بيت المال]

المسألة الثالثة:

لو أقام الحاكم الحد بالقتل فبان فسوق الشاهدين أو الشهود كانت الدية في بيت المال كغيرها مما يخطأ فيه و لا يضمنها الحاكم و لا عاقلته بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى عن ظاهر الحلبي (الحلي خ ل) من الضمان في ماله، و هو واضح الضعف، ضرورة كونه معدا لمصالح المسلمين، فضمان خطائه على بيت مالهم، كما تقدم تحقيق ذلك في كتاب القضاء (1) فلاحظ و تأمل، و كذا الكلام في الكفارة هنا و في المسألة السابقة و إن تردد الشيخ فيها في المحكي من مبسوطة و تبعه الفاضل في المحكي من مختلفه، و الله العالم.

و لو أنفذ الحاكم إلى حامل لإقامة حد أو لتحقيق موجبه فأجهضت خوفا قال الشيخ بل الأكثر كما في المسالك دية الجنين في بيت المال و هو قوي، لأنه خطأ، و خطأ الحكام في بيت المال كما عرفت. و قيل و القائل ابن إدريس يكون على عاقلة الامام، و هي قضية عمر مع علي (عليه السلام) المشهورة

من قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) «حيث أرسل عمر خلف حامل ليقيم عليها الحد فأجهضت فسأل الصحابة عن ذلك فلم يوجبوا عليه شيئا، فقال: ما عندك في هذا يا أبا الحسن، فتنصل من الجواب، فعزم عليه، فقال: إن كان القوم قد قاربوك فقد غشوك و إن كانوا قد ارتابوا فقد قصروا، الدية على عاقلتك، لأن قتل الصبي خطأ تعلق بك،

____________

(1) راجع ج 40 ص 79.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 2 من كتاب الديات.

473

فقال: أنت و الله نصحتني من بينهم، و الله لا تخرج حتى تجري الدية على بني عدي، ففعل (عليه السلام) ذلك».

مضافا إلى أنه من شبيه العمد لا من خطائه في ما حكم به، و ربما أجيب عن الرواية بأنه لم يرسل إليها بعد ثبوت ذلك منها، و فيه أن جواز الإرسال خلف المدعى عليه لا يتوقف على ثبوت الحق عليه، بل يكفى فيه إرادة تحقيق ذلك، فالأولى في الجواب أن عمر لم يكن حاكم حق حتى يكون خطأه في بيت المال، مضافا إلى ما في المسالك من أن الرواية لم ترد بطريق معتمد عليه، فالرجوع إلى الأصول المقررة متعين، و دعوى أن ذلك من شبيه العمد لا تدفع اندراجه في خطأ الحكام بعد فرض جواز الإرسال إليها، و الله العالم.

و لو أمر الحاكم غير المعصوم بضرب المحدود زيادة عن الحد عمدا غضبا عليه مثلا إلا أنه لم يقصد القتل بها و لا كانت مما يقتل غالبا فمات بسبب الزيادة المزبورة فعليه نصف الدية في ماله إن لم يعلم الحداد بذلك و إلا كان هو الضامن، لأنه المباشر، بخلاف الأول الذي يكون الآمر فيه أقوى منه فيختص الضمان به لأنه حينئذ شبيه العمد و الفرض أنه مات بسببين: أحدهما سائغ و الآخر مضمون على الحاكم بعد أن لم يكن سائغا له، لكنه قاصد للفعل دون القتل، و على كل حال فهو ليس من خطأ الحاكم بعد أن لم يكن الفعل المزبور منه تغليظا في العقوبة لمكان أو زمان و نحوهما.

نعم لو كان ذلك منه سهوا في الحد كأن غفل أنه حد الشارب مثلا فزعم أنه حد الزناء أو غلطا منه في الحساب أو عمدا و لكن كان للتغليظ للزمان أو المكان مثلا في غير محل التعزير فالنصف على بيت المال لأنه حينئذ من خطأ الحكام الذي عرفت كونه فيه.

474

و لو أمر الحاكم بالاقتصار على الحد فزاد الحداد عمدا فعن التحرير إطلاق القصاص منه، لأنه باشر الإتلاف، و لكن ينبغي تقييده بقصده القتل أو كون ذلك مما يقتل غالبا ف يقتص منه إن اختار الولي ذلك مع دفع نصف الدية إليه أو بحساب الأسواط، و إن كان الأخير ضعيفا، كما ستعرف، و إلا كان النصف من الدية أو بحساب الأسواط على الحداد في ماله لأنه بقصده الفعل دون القتل صار شبيه عمد.

و لو زاد سهوا فالدية التي هي النصف على عاقلته و احتمل في المسالك إرادة مجموع الدية نظرا إلى كونه عاديا فيحال الضمان عليه، كما لو ضرب مريضا مشرفا على التلف أو ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها، و إلى استناد الموت إلى الزيادة المزبورة، و فيه أنه مخالف للأول، و من هنا احتمل ذلك في القواعد في الجميع، قال: «و يمكن إيجاب الجميع- أي جميع الدية- على بيت المال أو مال العامد أو عاقلة الساهي، لأنه قتل حصل من مجموع فعله تعالى و عدوان الضارب أو الآمر فيحال الضمان كله على العادي، كما لو ضرب مريضا مشرفا على التلف أو ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها».

و فيه إمكان الفرق بصدق استقلال الأخير بالتلف دون الأول الذي لا ريب في استناد التلف إليهما عرفا كالضربتين من الشخصين، فالمتجه حينئذ النصف، لاستناد الموت إلى سببين: سائغ، و هو الحد، و غيره، و هو الزيادة من غير اعتبار تعدد شيء منهما كما صرح به في محكي السرائر لأن القود و الدية على عدد الجانين لا الجنايات، و عليه إن حصلت زيادتان إحداهما من الحاكم عمدا أو سهوا و الأخرى من الحداد انقسمت الدية أثلاثا، و يسقط ثلثها بإزاء الحد، و ربما احتمل التنصيف و إسقاط النصف

475

ثم تنصيف الباقي بين الحاكم و الحداد.

و على كل حال ف فيه أي الفرض الأخير احتمال آخر و هو تقسيط الدية على الأسواط التي حصل بها الموت و هي جميع ما ضرب بها من أسواط الحد و الزيادة، فيسقط من الدية ما قابل السائغ، فلو زاد على الثمانين واحدا مثلا لم يلزمه إلا جزء من أحد و ثمانين جزء من الدية، و هكذا. لكن عن الفاضل في التحرير القطع بعدمه و هو الموافق لما تسمعه منهم في كتاب القصاص، و من هنا كان حمله على إرادة احتمال تمام الدية إن كان المراد بها أولا النصف أو بالعكس أولى، و ربما احتمل إرادة ذلك مع ثبوت القصاص عليه مع التعمد مطلقا مع رد نصف الدية عليه أو بحساب الأسواط، و لكنه كما ترى في غاية البعد، فتأمل جيدا، و الله العالم بحقائق أحكامه.

[الباب الخامس في حد السرقة]

الباب الخامس في حد السرقة و تمام الكلام فيه يحصل بالبحث في السارق و المسروق و الحجة و الحد و اللواحق.

476

[الأول في السارق]

الأول في السارق و لا خلاف نصا و فتوى في أنه

[يشترط في وجوب الحد عليه شروط]

يشترط في وجوب الحد عليه شروط ذكر المصنف منها ثمانية و لعلها عشرة بزيادة الاختيار و كون المال في حرز، بل أزيد مع ملاحظة الإخراج منه، و الأمر سهل بعد وضوح الحال.

[الشرط الأول البلوغ]

الأول: البلوغ، فلو سرق الطفل لم يحد و إن كان يؤدب بما يراه الحاكم و لو تكررت سرقته إلى الخامسة فما فوق وفاقا للمشهور، للأصل و حديث رفع القلم (1) المؤيد بما سمعته في ما تقدم من السقوط في الحدود السابقة.

و لكن في النهاية يعفى عنه أولا فإن عاد أدب، فإن عاد حكت أنامله حتى تدمى، فإن عاد قطعت أنامله، فإن عاد قطع كما يقطع الرجل و تبعه عليه القاضي و الفاضل في محكي المختلف ناسبا له إلى الأكثر و إن كنا لم نتحققه، نعم بهذا في الجملة روايات كثيرة فيها الصحيح و غيره، بل ربما قرب من التواتر مضمونها في الجملة، إلا أنها على كثرتها لم نقف فيها على خبر مشتمل على تمام التفصيل المزبور كما اعترف به في كشف اللثام و غيره.

و لكن في صحيح ابن سنان (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصبي يسرق قال يعفى عنه مرة أو مرتين، و يعزر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك».

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

477

و في صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الصبي يسرق، قال: إذا سرق مرة و هو صغير عفي عنه، فان عاد عفي، فان عاد قطع بنانه، فان عاد قطع أسفل من بنانه، فان عاد قطع أسفل من ذلك».

و في حسن الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا سرق الصبي عفي عنه، فان عاد عزر، فان عاد قطع أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك، و قد أتي علي (عليه السلام) بغلام يشك في احتلامه فقطع أطراف الأصابع»

و عن يحيى بن سعيد في الجامع العمل به.

و في صحيح ابن سنان (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في الصبي يسرق قال: يعفى عنه مرة، فإن عاد قطعت أنامله أو حكت حتى تدمى فإن عاد قطعت أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك»

و عن الصدوق في المقنع العمل به.

و في خبر إسحاق بن عمار (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) «الصبي يسرق، قال: يعفى عنه مرتين، فان عاد الثالثة قطعت أنامله، فإن عاد قطع المفصل الثاني، فإن عاد قطع المفصل الثالث، و تركت راحته و إبهامه»

قيل: و لعل إليه أشار في الغنية، قال: قد روى أصحابنا أن الصبي إذا سرق هدد، فان عاد ثانية أدب بحك أصابعه في الأرض حتى تدمى، فإن عاد ثالثة قطعت أطراف أنامله الأربع من المفصل الأول، فإن عاد رابعة قطعت من المفصل الثاني، فإن عاد خامسة قطعت من أصولها، و هو كما ترى، مع أن أكثر النصوص يخالف هذا التفصيل، بل الخبر المزبور مشتمل على العفو عنه مرتين و هو غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 2 و 3.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 15.

478

التهديد أولا و التعزير بالحك ثانيا، و عبارة الغنية و إن أشعرت بالإجماع إلا أنه موهون بمخالفة الأكثر بل الكل، كما يظهر من نقل الأقوال في المسألة.

و في خبره الآخر (1) «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام):

الصبيان إذا أتي بهم على قطع أناملهم من أين يقطع؟ فقال: من المفصل: مفصل الأنامل».

و في صحيح زرارة (2) «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

أتي علي (عليه السلام) بغلام قد سرق فطرف أصابعه ثم قال: أما لئن عدت لأقطعنها، ثم قال: أما أنه ما عمله إلا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أنا»

و المراد بتطريف أصابعه خضبها بادمائها.

و في خبر البصري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا سرق الصبي و لم يحتلم قطعت أطراف أصابعه، و قال علي (عليه السلام): لم يصنعه إلا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أنا».

و في مضمر سماعة (4) «إذا سرق الصبي و لم يبلغ الحلم قطعت أنامله، و قال أبو عبد الله (عليه السلام): أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بغلام قد سرق و لم يبلغ الحلم فقطع من لحم أطراف أصابعه ثم قال: فان عدت قطعت يدك».

و في المرسل عن العلاء عن ابن مسلم (5) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسرق فقال: إن كان له تسع سنين قطعت يده، و لا يضيع حد من حدود الله».

و في خبره الآخر (6) «سألته أيضا عن الصبي يسرق، فقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 14.

(5) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 10.

(6) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 12.

479

إن كان له سبع سنين أو أقل دفع عنه، فان عاد بعد السبع سنين قطعت بنانه أو حكت حتى تدمى، فإن عاد قطع أسفل من بنائه، فإن عاد بعد ذلك و قد بلغ تسع سنين قطع يده، و لا منه يضيع حد من حدود الله تعالى»

و رواه في الفقيه صحيحا.

و في خبر ابن عبد الله القسري (1) قال: «كنت على المدينة فأتيت بغلام قد سرق، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عنه قال: سله حيث سرق كان يعلم أن عليه في السرقة عقوبة، فإن قال: نعم، قلت له: أي شيء تلك العقوبة؟ فان لم يعلم أن عليه في السرقة قطعا فخل عنه، قال: فأخذت الغلام و سألته و قلت له: أ كنت تعلم أن في السرقة عقوبة؟ قال: نعم، قلت: أي شيء هو؟ قال: الضرب فخليت عنه».

و في خبر السكوني (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال: «أتي علي بجارية لم تحض قد سرقت، فضربها أسواطا و لم يقطعها».

و هي كما ترى ليس في شيء منها تمام التفصيل المزبور، و احتمال أخذه من مجموعها بعد الجمع بينها و طرح ما في بعضها أو تأويله لو سلم إمكانه لا داعي له و لا شاهد عليه، بل لم أجد العمل بشيء منها عدا من عرفت، و قد حملها غير واحد من الأصحاب بسبب اختلافها و اشتمالها على الترديد و غيره على إرادة التأديب بنظر الحاكم إلا أنه لا ينبغي القطع من أصول الأصابع إلا في الخامسة، و ليس هذا من التكليف للصبي، بل هو من التأديب المخاطب به الحاكم لاستقامة النظام إلا أن الانصاف عدم الجرأة لغير المعصوم (عليه السلام) في الوصول في التأديب إلى القطع و لو الأنملة فضلا عن القطع كما في الكبير الذي لا يوافق ما دل على كون

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد السرقة- الحديث 6.

480

التعزير دون الحد، و لذا

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لم يصنعه إلا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أنا»

و لعله لأنهما يحيطان بما لم يحط به غيرهما.

و قال المصنف في النكت «و الذي أراه تعزير الصبي و الاقتصار على ما يراه الحاكم أردع له، و قد اختلفت الأخبار في كيفية حده، فيسقط حكمها، لاختلافها و عدم الوثوق بإرادة بعضها دون بعض، و ما ذكره الشيخ خبر واحد لا يحكم به في الحدود، لعدم إفادته اليقين، و الحد يسقط بالاحتمال».

و لا يخفى عليك بعض ما فيه، بل لا تنقيح في كلامه لجواز تأديب الحاكم له و لو بالقطع كما يقطع الرجل و عدمه.

و مما ذكرنا يعلم ما في الرياض من «أنه ينبغي حمل هذه النصوص على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الحاكم لا حدا، كما ذكره شيخنا في المسالك قال: و مقتضاه جواز بلوغ التعزير الحد هنا و لو في بعض الصور و لا بأس به، لاتفاق أكثر النصوص في الدلالة عليه، و لكن لا يلائم ما أطلقه المتأخرون بناء على ما قرروه من اشتراط التعزير بعدم بلوغه الحد و في جريانه في محل البحث نظر لما مر، لكن ينبغي الاحتياط بعدم القطع إلا في ما اتفقت في الدلالة عليه و هو في الخامسة» انتهى.

و قد سبقه إلى بعض ذلك في كشف اللثام إلا أن النصوص المزبورة بعد شدة تعارضها و إعراض المشهور عنها لا يجسر بها على التأديب بالقطع المزبور، و لعل المنتهى الإدماء بالحك أو بقطع اللحم من الأنامل شيئا فشيئا بمنقاش و نحوه كما يومئ إليه قطع أمير المؤمنين (عليه السلام) من لحم الأنامل، بل يمكن حمل القطع في بعضها على ذلك، فإن التأديب عرفا بهذا و نحوه، و لا يصل إلى قطع الأنملة فضلا عن القطع كما يقطع البالغ.

481

[الشرط الثاني العقل]

الثاني: العقل، فلا يقطع المجنون و لو أدوارا إذا سرق حاله بلا خلاف أجده فيه، بل هو إجماع كما عن بعض، للأصل و حديث رفع القلم (1) و نحوه و لكن يؤدب إذا كان في حال يعقله و إن تكررت السرقة منه و لا يقاس ذلك على ما سمعته في الصبي بعد حرمته عندنا، بل عن التحرير نسبة التأديب فيه إلى القيل مشعرا بالتردد فيه، و هو في محله إذا كان ممن لا يعقله بخلاف ما لو عقله، فإنه يمكن القطع باستفادة ذلك و نحوه من النصوص حسما لمادة الفساد و نظما لأمور العباد في البلاد.

[الشرط الثالث ارتفاع الشبهة]

الثالث: ارتفاع الشبهة المقتضية لسقوط الحد الذي لا خلاف في أن القطع منه، كما لا خلاف و لا إشكال في درئه بالشبهة كغيره من الحدود، و حينئذ فلو توهم الملك فبان غير مالك لم يقطع للشبهة بل قد لا يعد فعله سرقة و كذا لا يقطع لو كان الملك مشتركا فأخذ ما يظن أنه قدر نصيبه بتوهم ان له ذلك بدون إذن الشريك، فإنه شبهة حتى لو فرض زيادته عن نصيبه بما يبلغ نصاب السرقة، من غير فرق بين كون المال مما يجري فيه الإجبار على القسمة كالحبوب و غيره كالثياب و نحوها، ضرورة تحقق الشبهة على التقديرين.

نعم لو فرض علمه بعدم جواز استبداد الشريك بدون إذن شريكه مطلقا و مع ذلك قد سرق منه مبلغ النصاب من حصة الشريك اتجه القطع مطلقا لعدم الشبهة، فيندرج حينئذ في العموم، لكن في صحيح عبد الله بن سنان (2) سأل الصادق (عليه السلام) «رجل يسرق من المغنم أي شيء يجب عليه؟ فقال: ينظركم الذي يصيبه، فان كان الذي

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

482

أخذ أقل من نصيبه عزر و دفع إليه تمام ماله، و إن كان أخذ مثل الذي له فلا شيء عليه، و إن كان أخذ فضلا بقدر ثمن مجن و هو ربع دينار قطع»

و في خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قضى علي (عليه السلام) في رجل أخذ بيضة من المغنم، و قالوا:

قد سرق اقطعه فقال: إني لم أقطع أحدا له في ما أخذ شرك»

و خبر مسمع بن عبد الملك (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) «أتي برجل سرق من بيت المال، فقال: لا تقطعه فان له فيه نصيبا»

و لكن الصحيح منها لا عموم فيه و غيره لا جابر له.

و بذلك كله يظهر لك أن ما في القواعد لا يخلو من نظر، قال:

«و لو كان الشيء قابلا للقسمة و لم يزد المأخوذ على مقدار حقه حمل أخذه على قسمة فاسدة على إشكال أقربه ذلك إن قصدها، و إلا قطع» فان دعوى أن ذلك شبهة و إن علم فسادها واضحة المنع، فتأمل جيدا، كما أنه ظهر لك من جميع ما ذكرناه أن الشرط المزبور إن أريد به عدم القطع مع تحقق الشبهة الدارئة فلا يخص المقام، ضرورة سقوط كل حد بها، و إن أريد به أن الشركة شبهة شرعية و إن تحقق موضوع السرقة لمال غيره على وجه يتحقق فيه مقدار النصاب مع العلم بفساد الاستبداد و القسمة بدون إذن الشريك كان محلا للنظر، ضرورة قصور الأخبار المزبورة عن إثباته بعد عدم تحقق شهرة يجبرها.

و حينئذ فلا فرق بين كون المسروق قدر النصيب أو أزيد أو أنقص بعد فرض بقائه على الإشاعة و علم السارق بعدم جواز الاستبداد به بقصد القسمة و بدونها بدون إذن الشريك و بعد بلوغ حصة شريكه في ما أخذه النصاب الموجب للقطع.

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

483

[الشرط الرابع ارتفاع الشركة]

بل و مما ذكرنا يظهر لك الحال في الشرط الرابع الذي عنونه المصنف ب ارتفاع الشركة إن كان مراده به العموم لكل مال مشترك كما يقضي به آخر كلامه لا خصوص ما فرعه عليه أولا بقوله:

فلو سرق من مال الغنيمة فيه روايتان: إحداهما لا يقطع و هي رواية محمد بن قيس (1) المتقدمة و رواية السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أربعة لا قطع عليهم: المختلس و الغلول و من سرق من المغنم و سرقة الأجير، لأنها خيانة»

بل عن المفيد و سلار و فخر الدين و المقداد و غيرهم العمل بها و الأخرى و هي صحيحة عبد الله بن سنان (3) المتقدمة إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدر النصاب قطع.

و القول بما تضمنته من التفصيل حسن وفاقا للمحكي عن الإسكافي و الشيخ و القاضي و الفاضل في التحرير و غيرهم، بل في المسالك نسبته إلى الأكثر قال فيها: «و العمل على هذه الرواية أولى، لصحتها و موافقتها للقواعد الشرعية و عمل أكثر الأصحاب بمضمونها، و فيها دلالة على أن الغانم يملك نصيبه من الغنيمة بالحيازة أو على أن القسمة كاشفة عن سبق ملكه بها» إلى آخره و إن كان لا يخلو بعضه من نظر.

و على كل حال فلا ينافيها

صحيح عبد الرحمن (4) «سأل الصادق (عليه السلام) عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: هي بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه»

لإمكان حمله على زيادتها على نصيبه بما يقتضي القطع، أو على أن السارق من غير أهل المغنم، على أنه قضية في واقعة، فلا ينافي شيئا من القولين.

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

484

و على كل حال فالصحيحة أوضح سندا و دلالة و عملا، بل يمكن تنزيل السابقة عليها أيضا، فالتردد الظاهر من جماعة في غير محله، و إن وجه بوحدتها و تعدد المقابل و قوة دلالته بما فيه من التعليل، و إمكان اعتبار سنده، لسهولة الأمر في سهل، بل ربما قيل بوثاقته و قوة السكوني و صاحبه، بل ربما قيل: إن الأولى مروية في الكافي (1) صحيحا، و لعله في كتاب الجهاد و لا أقل من حصول الشبهة الدارئة من ذلك، إذ جميعه كما ترى لا يصلح مخصصا للعموم فضلا عن معارضة الصحيح المزبور، فيتجه الحكم المذكور في خصوص الغنيمة و إن لم تكن شبهة.

لكن في القواعد «و كذا البحث في ما للسارق فيه حق كبيت المال و مال الزكاة و الخمس للفقير و العلوي أي إن سرق منها ما زاد على نصيبه بقدر النصاب قطع و إلا فلا» و عن الخلاف نقل الإجماع على القطع في بيت المال إذا زاد المسروق على نصيبه بقدر النصاب.

قلت: قد سمعت خبر مسمع (2) المقتضي لعدم القطع في السرقة من بيت المال، بل في القواعد «الأقرب عدم القطع في هذه الثلاثة، لعدم تعين شيء منها لمالك بعينه أو ملاك بأعيانهم، و لا تقدير لنصيب أحد من الشركاء فيها و لا أقل من الشبهة» و إن كان قد يناقش بصدق السرقة الموجبة للاندراج في إطلاق الأدلة، بل في خبر علي بن أبي رافع (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «في عقد لؤلؤ استعارته ابنته من خازن بيت المال عارية مضمونة، قال: لو كانت أخذت العقد على غير عارية مضمونة لكانت إذن أول هاشمية قطعت يدها في سرقة»

و هو مروي في

____________

(1) الكافي ج 7 ص 223- كتاب الحدود لا الجهاد- بسند علي بن إبراهيم.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

485

نهج البلاغة (1) أيضا و مؤيد بما تسمعه في خبر السكوني (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من قطع من سرق من مال الله، و لكن في كشف اللثام «هو مع الضعف يحتمل أن لا تكون ابنته (عليها السلام) ممن له شركة في بيت المال» قلت: هو موافق للعمومات، فلا يقدح ضعفه.

هذا كله في الغنيمة، و أما غيرها من المال المشترك بين ملاك بأعيانهم فهو الذي أشار إليه المصنف بقوله و لو سرق من المال المشترك قدر نصيبه لم يقطع، و لو زاد بقدر النصاب قطع و ظاهره أو صريحه اتحاد الحكم فيه مع الغنيمة، و أنه لا فرق في ذلك بين الشبهة و عدمها، بل مقتضاه حتى لو أخذه بعنوان السرقة عن شريكه لا بعنوان اقتطاع حصته بدون إذن الشريك.

بل في المسالك «إنما ذكرها مرتين لمناسبة الأولى اشتراط ارتفاع الشبهة بتقدير عروضها للشريك و إن زاد عن نصيبه، و مناسبة هذه لشرط انتفاء الشركة على تقدير انتفاء الشبهة إلى أن قال و وجه عدم القطع مع أخذه بقدر حقه و ثبوته مع الزيادة بقدر النصاب يظهر من الروايات المذكورة في السرقة من الغنيمة لأن شركة الغانم أضعف من شركة المالك الحقيقي، للخلاف في ملكه، فإذا قيل بعدم قطع الغانم فالشريك أولى».

____________

(1) لم ينقل مضمون خبر علي بن أبي رافع في نهج البلاغة، و انما المروي في نهج البلاغة هو مضمون خبر محمد بن قيس الوارد في السارقين من مال الله الذي نسبه في الجواهر أبي السكوني.

(2) الخبر الآتي فيما ذكره و ان نسبه الى السكوني هناك أيضا و لكن ليس للسكوني في ذلك رواية أبدا و انما هو صحيح محمد بن قيس المروي في الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

486

و فيه منع الأولوية المزبورة بالنسبة إلى المسروق منه في عدم القطع مع سرقته قدر النصيب مع فرض بلوغ حصة الشريك فيه نصاب السرقة كمنع استفادة حكم مطلق المال المشترك مما سمعته في الغنيمة، و خبر محمد بن قيس (1) و مسمع (2) قد عرفت عدم الجابر لهما في الفرض، بل لو سلم صحة الأول لكنه لا يصلح مخصصا للعمومات بعد إعراض المشهور و غيره، كما هو واضح.

[الشرط الخامس أن يهتك الحرز منفردا أو مشاركا]

الخامس: أن يهتك الحرز منفردا أو مشاركا و منه يعلم شرط سادس و هو كون المال محرزا كما سيذكره المصنف، فلو لم يكن محرزا فلا قطع بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما تسمعه من النصوص (3) الدالة عليه.

كما لا خلاف أجده أيضا في اعتبار كون الآخذ منه هو الهاتك له بالانفراد أو الاشتراك فلو هتك غيره و أخرج هو لم يقطع أحدهما و إن جاءا معا بقصد التعاون بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه بل و لا إشكال، ضرورة عدم صدق السرقة على الأول، و عدم الأخذ من الحرز على الثاني، نعم يجب على الأول إصلاح ما أفسد كما يجب المال على الثاني، فما عن بعض العامة- من ثبوت القطع على الثاني لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحد، و عن آخر ثبوت القطع على الأول لأنه ردء و عون للسارق- واضح الفساد بناء على أصولنا.

و لو تعاونا على النقب مثلا و انفرد أحدهما بالإخراج، فالقطع على المخرج خاصة، لأنه السارق دون الآخر، و لو انعكس فانفرد أحدهما بالهتك و شارك غيره في إخراج كل منهما نصابا قطع.

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة.

487

و لو أخرجا معا مقدار النصاب خاصة ففي المسالك «لا قطع على أحدهما، لأن كلا منهما لم يسرق نصابا، نعم لو أخرجا نصابين بالاشتراك أو انفرد كل منهما بنصاب قطعا» و يقرب منه ما في الرياض. و فيه أنه مناف لاعتبار كون الآخذ الهاتك، فان الفرض اختصاص أحدهما به، و أما الأول فهو أحد القولين و الآخر القطع على كل منهما، للصدق كما عن النهاية و الانتصار و المقنعة و الكافي و الغنية و الوسيلة و الإصباح و الجامع و لعله لا يخلو من قوة لإرادة الجنس من السارق لا خصوص الشخص.

[الشرط السادس أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا]

السادس: أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا من الحرز بلا خلاف فيه نصا (1) و فتوى، بل الإجماع بقسميه عليه.

و يتحقق الإخراج بالمباشرة و بالتسبيب الذي يسند الفعل فيه إلى ذيه عرفا مثل أن يشده بحبل ثم يجذبه من خارج أو يضعه على دابة من الحرز و يخرجها به بأن ساقها أو قادها بل أو سارت لنفسها حتى خرجت كما عن المبسوط خلافا للمحكي عن التحرير أو على جناح طائر من شأنه العود إليه و لو لم يكن من شأنه العود فهو كالمتلف في الحرز في عدم القطع و إن اتفق العود.

و لو أمر صبيا غير مميز بإخراجه تعلق بالآمر القطع، لأن الصبي كالآلة و كذا المجنون، أما مع التمييز ففي كشف اللثام لا قطع على الآمر لخروجه بتمييزه عن الآلية، و لا على المأمور لعدم تكليفه و لا يخلو من نظر.

[الشرط السابع أن لا يكون والدا من ولده]

السابع: أن لا يكون والدا من ولده بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى فحوى عدم قتله به، و قوله (ص) (2):

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

488

«أنت و مالك لأبيك»

و غيرهما بل في معقد إجماع المسالك الأب و إن علا.

و على كل حال فلا خلاف في أنه يقطع الولد إن سرق من الوالد لإطلاق الأدلة و كذا يقطع الأقارب عندنا خلافا لبعض العامة، لبعض وجوه اعتبارية لا تنطبق على أصولنا و نفي الحرج في الآية (1) عن الأكل من بيوت الآباء و الأبناء و غيرهم إنما هو في ما لم يحرز عنهم

قال أبو بصير (2): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رفقة في سفر فسرق بعضهم متاع بعض، فقال: هذا خائن لا يقطع، و كذلك إذا سرق من منزل أبيه، فقال: لا يقطع، لأن الابن لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن، و كذلك إذا سرق من منزل أخيه أو أخته إذا كان يدخل عليهما لا يحجبانه عن الدخول».

بل و كذا الأم لو سرقت من الولد خلافا للمحكي عن أبي الصلاح بل عن المختلف نفي البأس عنه، لأنها أحد الأبوين، و لاشتراكهما في وجوب الإعظام، إلا أنه كما ترى لا يصلح مخرجا عن عموم الأدلة التي مقتضاها ثبوت الحقية فيه لله تعالى شأنه، كالمحكي عن بعض العامة من إلحاق كل من تجب نفقته على الآخر لما بين الفروع و الأصول من الاتحاد، و لتوقع حاجة كل منهما إلى الآخر، و الجميع كما ترى لا يوافق أصول الإمامية.

[الشرط الثامن أن يأخذه سرا]

الثامن: أن يأخذه سرا، فلو هتك الحرز قهرا ظاهرا و أخذ لم يقطع لكونه غاصبا عرفا لا سارقا و كذا المستأمن لو خان بأخذه، لأنه ليس سارقا، إذ المال في يده من غير فرق بين الودعي و غيره، فهذه ثمانية شروط. و لكن قد عرفت أنها تسعة بضم

____________

(1) سورة الحج: 22- الآية 78.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

489

كونه في حرز، بل مع ضم الاختيار تكون عشرة، بل مع ضم الإخراج من الحرز تكون أحد عشر.

و كيف كان فلا خلاف في أنه يقطع الذمي السارق من مسلم كالمسلم الذي حكمه ذلك و إن سرق من ذمي، لاحترامه ظاهرا و الحكم بملكه شرعا، فيندرج سارقه تحت إطلاق الأدلة، و عدم القتل به لكون القصاص حقا للمقتول الذي يعتبر فيه المكافاة بخلاف القطع الذي هو حق لله تعالى شأنه، لاستقامة النظام، مضافا إلى معلومية أعظمية القتل من القطع.

نعم لو سرق المسلم مال حربي مستأمن ففي القواعد لم يقطع، و لعله لعدم احترامه، لكن يؤدب لخلاعة الإمام في الأمان.

و أما الذمي فضلا عن الحربي و لو المعاهد فقد عرفت أنه لا خلاف و لا إشكال في أنه يقطع إذا سرق مال المسلم بل أو مال ذمي أو معاهد إذا تحاكما إلينا و اخترنا الحكم أو اختلفا ملة و لم يرض المسروق إلا بحكمنا و إلا فلنا الاعراض عنهم و رفعهم إلى حكامهم كما في غير المقام، و الله العالم.

و المملوك كالحر مع قيام البينة لإطلاق الأدلة من غير فرق بين الآبق و غيره خلافا للمحكي عن الحنفية، بل عن الفقيه و المقنع أن العبد الآبق إذا سرق لم يقطع لأنه مرتد، و لكن يدعى إلى الرجوع إلى مواليه، فان أبى قطع ثم قتل، و به صحيح الحذاء (1) عن الصادق (عليه السلام) و ستعرف الحال في سرقة العبد من مال مولاه و عبد الغنيمة منها.

و حكم الأنثى في ذلك كله حكم الذكر بلا خلاف أجده فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

490

بل و لا إشكال، لعموم الأدلة و إطلاقها.

[مسائل]

مسائل:

[المسألة الأولى لا يقطع الراهن إذا سرق الرهن و إن استحق المرتهن الإمساك]

الأولى:

لا يقطع الراهن إذا سرق الرهن و إن استحق المرتهن الإمساك و لا المؤجر العين المستأجرة و إن كان ممنوعا من الاستعادة مع القول بملك المنفعة بلا خلاف و لا إشكال لأنه لم يتحقق إخراج النصاب من مال المسروق منه حالة الإخراج ضرورة عدم مالية استحقاق الإمساك و المنع من الاستعادة، و المنفعة غير موجودة و إن قلنا بملكها شرعا، لكن على معنى استحقاق الانتفاع و هو غير المنفعة، كل ذلك بعد المفروغية من اعتبار الملكية العينية في السرقة نصا و فتوى و للعرف.

[المسألة الثانية لا يقطع عبد الإنسان بسرقة ماله]

المسألة الثانية:

لا يقطع عبد الإنسان بسرقة ماله بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه صريحا و ظاهرا، كما عن المبسوط نفي الخلاف فيه- إلا حكاية عن داود، و ظاهره بين المسلمين، كل ذلك للمعتبرة المستفيضة ك

صحيح محمد بن قيس (1) «سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا سرق عبد أو أجير من مال صاحبه فليس عليه قطع»

و خبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد سرق و اختان من مال مولاه قال: ليس عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

491

قطع»

و خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «عبدي إذا سرقني لم أقطعه، و إذا سرق قطعته، و عبد الإمارة إذا سرق لم أقطعه، لأنه فيء»

و فحوى التعليل الذي تسمعه في عبد الامارة و كذا لا يقطع عبد الغنيمة بالسرقة منها بلا خلاف أجده فيه أيضا ل خبر السكوني (2) السابق، و ل

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبره الآخر (3) «في رجلين سرقا من مال الله تعالى أحدهما عبد من مال الله و الآخر من عرض الناس:

أما هذا فمن مال الله ليس عليه شيء، مال الله أكل بعضه بعضا، و أما الآخر فقدمه و قطع يده»

كل ذلك مضافا إلى ما في المتن من الإشارة إلى حكمة ذلك ب أن فيه زيادة إضرار و الحد شرع لحسم الجرية و دفع الضرر، و لا يدفع الضرر بالضرر و إن قال في المسالك: «هو تعليل للنص بعد ثبوته أما كونه علة برأسه فموضع نظر» و تبعه في الرياض بل في كشف اللثام «لا يعجبني، فإنه إنما يقطع إذا طالب المولى و رضي بهذا الضرر» و الأمر في ذلك سهل خصوصا بعد احتمال رجوعه إلى الأخير، فيكون إشارة إلى التعليل الذي سمعته في النص بأنه فيء، و بأن مال الله أكل بعضه بعضا.

و كيف كان فلا قطع عليه نعم يؤدب بما يراه الحاكم أنه يحسم الجرأة كما هو المستفاد من استقراء النصوص في أمثاله.

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 4 عن محمد بن قيس و ليس للسكوني بهذا المضمون رواية في المقام.

492

[المسألة الثالثة يقطع الأجير أحرز المال من دونه]

المسألة الثالثة:

يقطع الأجير إذا سرق من مال المستأجر و كان قد أحرز المال من دونه على المشهور بين الأصحاب للعمومات و لكن في رواية سليمان (1) عن الصادق (عليه السلام) لا يقطع

قال: «سألته عن الرجل استأجر أجيرا فسرق من بيته هل تقطع يده؟

قال: هذا مؤتمن، و ليس بسارق، هذا خائن»

و حسنة الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن»

و رواية سماعة (3) «سألته عمن استأجر أجيرا فأخذ الأجير متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن، ثم قال: الأجير و الضيف أمينان ليس يقع عليهما حد السرقة»

و عن الشيخ في النهاية العمل بهما و لا ريب في ضعفه إذ هي محمولة على حال الاستئمان كما أشعر به حسن الحلبي منها، فلا تصلح معارضته للعمومات، خصوصا بعد عدم الجابر للضعيف منها، بل الموهن متحقق.

و كذا يقطع الزوج إذا سرق من زوجته ما أحرزته دونه أو الزوجة إذا سرقت من الزوج ما أحرزه دونها بلا خلاف و لا إشكال للعموم، نعم لا بأس بسرقة الزوجة مقدار النفقة إذا منعها منها كما يرشد إليه

خبر هند (4) «حين قالت للنبي (صلى الله عليه و آله) إن أبا سفيان رجل شحيح و أنه لا يعطيني و ولدي إلا ما آخذ منه سرا و هو لا يعلم فهل علي فيه شيء؟ فقال: خذي ما يكفيك و ولدك

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(4) سنن البيهقي- ج 7 ص 466.

493

بالمعروف»

مؤيدا بما تسمعه من عدم القطع في عام المجاعة، بل و ب

خبر يزيد بن عبد الملك و المفضل بن صالح (1) «إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر فلا قطع عليه، إنما أخذ حقه، فإذا كان من إمام عادل عليه القتل»

و الظاهر إبدال القطع بالقتل من النساخ، بل في القواعد كل مستحق للنفقة إذا سرق من المستحق عليه مع الحاجة لم يقطع و يقطع بدونها إلا مع الشبهة و إن كان لا يخلو من نظر.

و كيف كان ف في الضيف قولان: أحدهما لا يقطع مطلقا من غير فرق بين المحرز دونه و غيره و هو المحكي عن الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و الصدوق و ابن إدريس و المروي صحيحا

عن الباقر (عليه السلام) (2) «الضيف إذا سرق لم يقطع و إذا أضاف الضيف ضيفا فسرق قطع ضيف الضيف»

بل في السرائر الإجماع على ذلك و أن الرواية متواترة.

و القول الآخر يقطع إذا أحرز من دونه و هو أشبه بأصول المذهب و عموماته بل و أشهر، بل المشهور، بل لم نتحقق الخلاف فيه إلا من الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، و قد رجع عنه في المحكي عن مبسوطة و خلافه، إذ المحكي عن الإسكافي أنه قال: «و سرقة الأجبر و الضيف و الزوجة في ما ائتمنوا عليه خيانة لا قطع عليهم، فان سرقوا مما لم يؤتمنوا عليه قطعوا» و عن الصدوق في الفقيه و المقنع ليس على الأجير و لا على الضيف قطع، لأنهما مؤتمنان» و ظاهر تعليله التفصيل المزبور.

و أما ابن إدريس فقد أطنب في السرائر، و لكن كلامه مضطرب

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

494

فإنه و إن قال فيها: «إن التخصيص بالمحرز لا بد له من دليل و أنه إن أريد ذلك لم يكن للخبر و لا لإجماعهم على وفقه معنى، لأن غير الضيف مثله في ذلك» لكن قال قبل ذلك متصلا به: «إذا سرق من حرز قطع، و من غيره لم يقطع، للدخول في عموم الآية و من أسقط الحد عنه فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى لغير دليل من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع- إلى أن قال-: فأما الإجماع على ظاهر الرواية فقد وفينا الظاهر حقه، يعني التخصيص بغير المحرز عنه، و الفرق بين الضيف و غيره أن غيره إن سرق من الموضع الذي سرق منه الضيف قطع للإحراز عنه دون الضيف، فانحصر الخلاف في الشيخ، و هو شاذ، كخبره الذي يمكن حمله على التفصيل المزبور، بل هو احتمال ظاهر خصوصا بعد مضمر سماعة (1) السابق الأجير و الضيف أمينان ليس يقع عليما حد السرقة».

[المسألة الرابعة لو أخرج متاعا فقال صاحب المنزل سرقته و قال المخرج وهبتنيه أو أذنت في إخراجه سقط الحد للشبهة]

المسألة الرابعة لو حصلت الشبهة للحاكم سقط القطع كما يسقط بالشبهة للسارق كما لو أخرج متاعا لشخص من حرزه في منزله فقال صاحب المنزل: سرقته، و قال المخرج: و هبتنيه أو أذنت في إخراجه سقط الحد للشبهة و في حسن الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن رجل أخذوه و قد حمل كارة من ثياب، فقال: صاحب البيت أعطانيها، فقال: يدرأ عنه القطع إلا أن تقوم عليه البينة، فإن قامت

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

495

عليه البينة قطع»

لكن عن الصدوق «إذا دخل السارق بيت رجل فجمع الثياب فيوجد في الدار و معه المتاع فيقول دفعه إلى رب الدار فليس عليه قطع، فإذا خرج بالمتاع من باب الدار فعليه القطع أو يجيء بالمخرج منه» و ظاهره الفرق بين الإخراج و عدمه، و لا وجه له.

و التحقيق ما عرفت من سقوط القطع بالادعاء المزبور مع احتماله.

و إن كان القول قول صاحب المنزل مع يمينه في المال نفسه دون السرقة، إذ يمينه لا تقطع الشبهة، بل لم يثبت موضوع السرقة حتى إذا لم يدع المخرج ذلك، ضرورة أعمية الإخراج منها كما هو واضح.

و منه ينقدح النظر في نحو عبارة المصنف و الفاضل في القواعد اللهم إلا أن بفرض موضوع المسألة في المحكوم بأنه سارق لشاهد الحال و غيره لو لا الدعوى المزبورة، أو يقال بمنع اعتبار احتمالها ما لم يدعها فتأمل.

و كذا لو قال المال لي و أنكر صاحب المنزل، ف ان القول قوله مع يمينه لأنه ذو اليد بعد اعتراف الآخذ أنه أخذه من منزله و حينئذ ف يغرم المخرج و لكن لا يقطع لمكان الشبهة الدارئة كما عرفت.

[الثاني في المسروق]

الثاني في المسروق و لا خلاف في اعتبار النصاب فيه بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المقطوع به من السنة و المشهور بين الأصحاب أنه لا قطع في ما ينقص عن ربع دينار، و يقطع في ما بلغه ذهبا خالصا مضروبا عليه السكة أو ما قيمته ربع دينار بل عن الخلاف و الاستبصار و الغنية و السرائر و كنز العرفان الإجماع عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المروية من

496

طرق العامة و الخاصة: (منها)

النبوي (1) «لا قطع إلا في ربع دينار»

و (منها)

صحيح محمد بن مسلم (2) عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: في كم يقطع السارق؟ فقال: في ربع دينار، قال: قلت له: في درهمين، فقال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ، قال:

فقلت له: أ رأيت من يسرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين يسرق اسم السارق؟ و هل هو عند الله تعالى سارق في تلك الحال! فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه و أحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، و هو عند الله السارق، و لكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر، و لو قطعت يد السارق في ما هو أقل من ربع الدينار لألفيت عامة الناس مقطعين»

و في الصحيح الآخر (3) «لا تقطع يد السارق إلا في شيء يبلغ قيمته مجنا و هو ربع دينار»

إلى غير ذلك من النصوص.

خلافا للمحكي عن الصدوق من القطع بخمس دينار فصاعدا، ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (4): «أدنى ما ما يقطع فيه السارق خمس دينار»

و الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (5): «يقطع السارق في كل شيء بلغ قيمته خمس دينار»

بل و خبر إسحاق بن عمار (6) عنه (عليه السلام) أيضا «عمن سرق من بستان عذقا قيمته درهمان، قال: يقطع به»

المحمولة على التقية أو اختلاف الدنانير أو على من رأى الامام (عليه السلام) المصلحة في قطعه أو غير ذلك بعد رجحان المعارض عليه من وجوه، منها الشهرة العظيمة و الإجماعات المزبورة.

____________

(1) سنن البيهقي- ج 8 ص 254.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 12.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 14.

497

و كذا المحكي عن العماني من اعتبار الدينار و إن كان يشهد له

صحيح الثمالي (1) «سأل أبا جعفر (عليه السلام) في كم يقطع السارق؟ فجمع كفيه و قال: في عددها من الدراهم»

لكنه موافق لبعض العامة، و محتمل لكونها حينئذ قيمة ربع دينار، و للقطع به لا عدم القطع بغيره، و لغير ذلك مما لا بأس به بعد رجحان المعارض عليه من وجوه، منها الاعتضاد بإطلاق السارق كتابا (2) و سنة (3) المقتصر في تقييده على المتيقن و هو الأقل من الربع أو الخمس كما عرفت.

و أضعف منهما القول بالقطع بدرهمين و إن كنا لم نتحقق القائل به نعم قد سمعت خبر إسحاق بن عمار (4) الذي حملناه على الخمس، و أما ما في خبر سماعة (5) من أن «أدناه ثلث دينار»

فلم نجد عاملا به مع احتماله اختلاف الدنانير أو غير ذلك و إلا كان مطرحا في مقابلة ما سمعت فلا ريب في أن الأصح ما عرفت عليه المشهور.

ثوبا كان المسروق أو طعاما أو فاكهة أو ملحا أو ماء أو كلاء أو ثلجا أو ترابا أو طينا أو حيوانا أو غيره و سواء كان أصله الإباحة لجميع المسلمين أو الناس أو لم يكن أو مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة و الأطعمة الرطبة أولا و ضابطه كل ما يملكه المسلم لإطلاق الأدلة، خلافا لأبي حنيفة في ما أصله الإباحة أو يسرع إليه الفساد، فلا قطع في الخضروات و الفواكه الرطبة و البطيخ و اللحم الطري و المشوي و نحو ذلك، و لا في الماء و التراب و الطين و ما يعمل منه من الأواني و غيرها، و القصب و الخشب

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 9.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 38.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد السرقة.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 14.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة- الحديث 11.

498

إلا الساج، و ما يعمل من سائر الخشب من الأواني و الأبواب و نحوها و لا في الصيود و لا في الجوارح معلمة و غير معلمة، و لا في المعادن كلها كالملح و الزرنيخ و القير و النفط و نحوها إلا الذهب و الفضة و الياقوت و الفيروزج و عنه في الزجاج روايتان.

نعم في الطير و حجارة الرخام رواية من طرقنا بسقوط الحد لكنها ضعيفة لا عامل بها، و هي

رواية السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) «انه قال النبي (صلى الله عليه و آله):

لا قطع على من سرق الحجارة يعني الرخام و أشباه ذلك»

و قال (صلى الله عليه و آله) (2): «لا قطع في ثمر و لا كثر، و الكثر شحم النخل»

و انه

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (3): «لا قطع في ريش يعني الطير كله»

و في خبر غياث (4) عنه (عليه السلام) أيضا «ان عليا (عليه السلام) أتي بالكوفة برجل سرق حماما فلم يقطعه، و قال: لا قطع في الطير»

و في خبر الأصبغ (5) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا يقطع من سرق شيئا من الفاكهة و إذا مر بها فليأكل و لا يفسد»

و هي متروكة عندنا أو محمولة على عدم الأخذ من الحرز كما عساه يومئ إليه

خبر الفضيل (6) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أخذ الرجل من النخل و الزرع قبل أن يصرم فليس عليه قطع، فإذا صرم النخل و أخذ و حصد الزرع فأخذ قطع».

و كيف كان فلا فرق فيه بين عين الذهب و غيره، فلو بلغ العين ربع دينار وزنا غير مضروب و لم يبلغ قيمة المضروب فلا قطع، لأن

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

499

الدينار حقيقة في المسكوك منه، فيحمل عليه إطلاقه الوارد في النصوص خلافا للمحكي عن الخلاف و المبسوط، فلم يعتبر السكة، و هو شاذ، و لو انعكس بأن كان سدس دينار مصوغا قيمته ربع دينار مسكوكا قطع على الأقوى.

و كذا لا فرق بين علمه بقيمته أو شخصه و عدمه، فلو ظن المسروق فلسا فظهر دينارا أو ثوبا قيمته أقل من النصاب فظهر مشتملا على ما يبلغه و لو معه قطع على الأقوى للصدق و لو مع عدم القصد إليه، إذ لا دليل على اعتبار قصد النصاب في القطع بسرقته أصلا.

و على كل ف من شرطه أن يكون محرزا بقفل أو غلق أو دفن أو نحوها مما يعد في العرف حرزا لمثله، إذ لا تحديد في الشرع للحرز المعتبر في القطع نصا و فتوى، بل إجماعا بقسميه، و في خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا يقطع إلا من ثقب ثقبا أو كسر قفلا»

و نحوه مرسل جميل (2) عن أحدهما (عليهما السلام) و في خبر طلحة (3) عنهم عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «ليس على السارق حتى يخرج السرقة من البيت».

و قيل و القائل الشيخ في النهاية: هو كل موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلا بإذنه بل عن المبسوط و التبيان و الغنية و كنز العرفان نسبته إلى أصحابنا، بل عن الأخير الإجماع عليه صريحا، لكن فيه عدم الصدق عرفا على الدار التي لا باب لها أو غير مغلقة و لا مقفلة بل عن السرائر نفي الخلاف عن عدم القطع بالسرقة منها و إن كان لا يجوز

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة- الحديث 3 و فيه «من نقب بيتا.».

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

500

لأحد الدخول إليها إلا بالاذن من المالك، و لعله لذا كان المحكي عن ابن حمزة ضبطه بأنه كل موضع لا يجوز لغير مالكه الدخول فيه و التصرف فيه بغير إذنه و كان مغلقا أو مقفلا، و عن المختلف يجوز أن يكون مراد الشيخ بقوله: «ليس لغير المتصرف الدخول فيه» سلب القدرة لا الجواز الشرعي، و هو كما ترى.

نعم في الرياض «ربما كان في النصوص إيماء إلى القول المزبور، منها الصحيح (1) المتقدم المشتمل على تعليل قطع الرجل بسرقة مال أبيه و أخته و أخيه بعدم حجبه عن الدخول إلى منزلهم، إذ ظاهره إرادة الإذن له من عدم الحجب، فمفهوم التعليل حينئذ يقتضي القطع مع عدم الاذن، و أظهر منه

القوي (2) بالسكوني و صاحبه «كل مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه»

قال الراوي: يعني الحمام و الأرحية» و قريب منهما النصوص (3) المتقدمة بعدم قطع الضيف و الأجير معللة بالاستئمان، و ليس إلا من حيث الاذن في الدخول».

و فيه أن عدم القطع من هذه الجهة لا يقتضي عدمه أيضا من جهة أخرى، و هو اعتبار كون المال في حرز، و لا ريب في عدم صدقه عرفا بمجرد المنع الشرعي عن الدخول كما هو واضح.

و نحوه المحكي عن خلافه من أن كل موضع حرز لشيء من الأشياء، بل عن الحلي و الفاضل في التحرير اختياره، إذ لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة اختلاف الحرز عرفا باختلاف المحرز، فحرز الذهب و الفضة غير حرز الدابة و الحطب و التبن و نحوها، كما هو واضح.

و على كل حال فما ليس بمحرز لا يقطع سارقه كالمأخوذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 14 و 17- من أبواب حد السرقة.

501

من الأرحية و الحمامات و المواضع المأذون في غشيانها كالمساجد وفاقا للفاضل في جملة من كتبه و المحكي عن الحلي و الديلمي و ابن حمزة و ظاهر المفيد.

و قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط و الخلاف إذا كان المالك مراعيا له كان محرزا، كما قطع به النبي (صلى الله عليه و آله) سارق مئزر صفوان في المسجد (1) و لكن فيه تردد بل منع ضرورة عدم صدق الحرز عرفا على ذلك، بل لعله من المختلس الذي لا يقطع كما سمعته في النصوص (2) السابقة و لا أقل من الشك في كونه سارقا أو مختلسا فيدرأ الحد عنه، مضافا إلى خبر السكوني (3) السابق و إلى ما قيل من أن السارق إن أخذ المال مع نظر المالك إليه لتحقق المراعاة لم يحصل الشرط، و هو أخذه سرا، و إنما يكون مستلبا غاصبا، و هو لا يقطع، و ان كان مع الغفلة عنه لم يكن محرزا بالمراعاة.

و لا ينافي ذلك قصة صفوان المحكية بطرق عديدة (منها)

حسن الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه قال: إن صفوان بن أمية كان مضطجعا في المسجد الحرام فوضع رداءه و خرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي، فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: اقطعوا يده، فقال صفوان:

تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأنا أهبه

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد السرقة.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

502

له، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلى؟ قلت: فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم»

و هو صريح في غيبة صفوان لا مراعاته، و (منها) أن صفوان نائم فأخذ من تحته (1) و هو كالأول في عدم المراعاة و إن كان النوم عليه أقرب إلى المراعاة من الغيبة عنه، و يمكن حمله على أنه قد أحرزه حال خروجه لإراقة الماء (و منها) أنه نام و جعله تحت رأسه و سرق منه و قد كان متوسدا له (2) و من هنا كان المحكي عن المبسوط فرض المسألة على هذا الوجه و الاكتفاء في حرز الثوب بالنوم عليه أو الاتكاء عليه أو توسده.

نعم رواية صفوان على الوجه المروي تصلح دليلا للمحكي عن ابن أبي عقيل من قطع السارق في أي موضع سرق من بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك محتجا عليه بالرواية المزبورة، لكن فيه أنه مناف لاعتبار الحرز نصا و فتوى.

و عن الصدوق لا قطع في المواضع التي يدخل إليها بغير إذن كالحمامات و الأرحية و المساجد و إنما قطعه النبي (صلى الله عليه و آله) لأنه سرق الرداء فأخفاه، و لا خفائه قطعه و لو لم يخفه لعزره.

و في الرياض «و هو راجع إلى التفسير الأخير، أي ما عن بعض العلماء من تفسير الحرز بما على سارقه خطر، لكونه ملحوظا غير مضيع إما بلحاظ دائم أو بلحاظ معتادة» و فيه أن ذلك لا مدخلية له في الإخفاء بل الظاهر أن ذلك عملا بما في جملة من نصوص الدغارة المشتملة على عدم القطع بها، و إنما هو على من أخذ ما خفي و إن لم أجد العمل بها لأحد غيره.

و أما التفسير المزبور فأجنبي عن ذلك، نعم بعد أن ذكره في

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 265.

(2) سنن البيهقي ج 8 ص 265.

503

المسالك قال: «و على هذا يتوجه الحكم في الرواية بقطع السارق لأن سارقه في المسجد على خطر من أن يطلع عليه أحد، و هذا التفسير متوجه و مناسب لما يقتضيه النظر من كون المراعاة بالعين حرزا في مجامعته لإمكان سرقته بمغافلة المالك، إذ لا يشترط فيه دوام النظر، بل المعتاد منه المجامع للغفلة على وجه يمكن سرقته منه، و إلى هذا ذهب الشيخ في موضع من المبسوط و إن اختار الأول في مواضع» قلت: هو مختلس عرفا لا سارق بقطع.

و في الرياض بعد أن حكى التفسير للحرز بما سمعت قال: «و عليه يختلف الحرز باختلاف الأموال وفاقا للأكثر، فحرز الأثمان و الجواهر الصناديق المقفلة و الأغلاف الوثيقة في العمران، و حرز الثياب و ما خف من المتاع و آلات النحاس الدكاكين و البيوت المقفلة في العمران و خزائنها المقفلة و إن كانت هي مفتوحة، و الاسطبل حرز للدواب مع الغلق، و حرز الماشية في المرعى عين الراعي على ما تقرر، و مثله متاع البائع في الأسواق و الطرقات».

قلت: هو بعينه ما في الروضة لكن يمكن منع الحرز لكل شيء بحيث يترتب عليه القطع، فلا حرز للماشية و لا للثمرة على الشجرة مثلا و إن كان لها مراقب و حافظ، فإنه لا يعد لها حرزا عرفا، إذ هو الشيء المعد لحفظ الشيء في نفسه، و المراقبة و نحوها إنما هي حراسة للشيء لا حرز له عرفا، و هو الذي أشير إليه في النصوص (1) السابقة بكسر القفل و نقب البيت و حواه و أحرزه و نحو ذلك و لا أقل من الشك في تحقق شرط القطع بذلك، و الأصل عدمه، و لا يجدي إطلاق السارق بعد العلم بتقييده بالحرز، فيكون ذلك حينئذ شكا في حصول الشرط،

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد السرقة.

504

كما هو واضح.

هذا و قد أطلق الدفن هنا في المتن و قيده بعض بالعمران محترزا به عما لو دفن في خارجه لا يعد حرزا و إن كان في داخل بيت مغلق، لعدم قضاء العرف به مع عدم الخطر على سارقه، و فيه منع عدم الصدق عرفا مع عدم العلم بالدفن، فتأمل.

و هل يقطع سارق ستارة الكعبة؟ قال في المبسوط و الخلاف:

نعم بل عن ظاهر الأول الإجماع عليه، لإطلاق الأدلة و ل

ما رواه أصحابنا (1) «من أن القائم (عليه السلام) إذا قام قطع أيدي بني شيبة و علق أيديهم على البيت، و نادى مناديه هؤلاء سراق الله»

بل عن الخلاف لا يختلفون في ذلك يعني في الرواية.

و لكن فيه إشكال بل عن ابن إدريس الجزم بالعدم لأن الناس في غشيانها شرع كالحمامات، فلا تكون السرقة من حرز، و احتمال الرواية كون القطع لفسادهم لا للسرقة، بل في المسالك أن إحراز مال البيت من مبدإ الإسلام إلى يومنا هذا بأيديهم دائما، فهم حينئذ من الخائنين لا السارقين، بل قد يشك في ذلك من وجه آخر، و هو عدم كون الستارة لمالك معين، اللهم إلا أن يمنع اعتبار ذلك بإطلاق الأدلة، فيتجه حينئذ القطع مع فرض إحراز الشرائط التي يمكن فرضها في ستارة الكعبة و معلقات الحضرات المشرفة، بأن يهتك حرزها المغلق عليها أو يثقب أو يتسلق إليها، كما وقع في زماننا في روضة أمير المؤمنين و سيد الوصيين (عليه السلام).

و لا يقطع من سرق من جيب إنسان أو كمه الظاهرين، و يقطع لو كانا باطنين على المشهور بين الأصحاب، بل في كشف اللثام

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2 من كتاب الحج.

505

أنهم قاطعون بالتفصيل المزبور، كما عن غيره نفي الخلاف فيه، بل عن الشيخ و ابن زهرة الإجماع عليه، و لعله لصدق الحرز عرفا، مضافا إلى

قوي السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام): قد أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بطرار قد طر دراهم من كم رجل، فقال: إن كان طر من قميصه الأعلى لم أقطعه، و إن كان طر من قميصه الداخل قطعته»

و خبر مسمع بن سيار (2) عنه (عليه السلام) أيضا «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أتي بطرار قد طر من رجل، فقال: إن كان طر من قميصه الأعلى لم أقطعه، و إن كان طر من قميصه الأسفل قطعناه»

و بهما بعد انجبارهما و اعتضادهما بما سمعت يقيد إطلاق القطع و عدمه في غيرهما من النصوص.

نعم في المسالك «مقتضاهما أن المراد بالظاهر ما في الثوب الخارج سواء كان بابه في ظاهره أم باطنه، و سواء كان الشد على تقديره من داخله أو خارجه» و لعله الذي تسمعه من الخلاف.

و في كشف اللثام «و يظهر منهما أن المراد بالظاهر ما على الثوب الأعلى، و باطن ما على تحته، و لا يختلف الحال فيهما بأن يكون المال مشدودا أو لا، كان الشد من خارج أو داخل».

و قال الشيخ في الخلاف: «و قال جميع الفقهاء: عليه القطع، و لم يعتبروا قميصا فوق قميص، إلا أن أبا حنيفة قال: إذا شده فعليه القطع، و الشافعي لم يفصل».

و في المبسوط بعد التفصيل بالظاهر و الباطن «فإذا أدخل الطرار يده

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(2) أشرنا إليه في الوسائل- في الباب- 13- من أبواب حد السرقة- الحديث 2 و ذكره في الكافي ج 7 ص 227 و التهذيب ج 10 ص 115.

506

في جيبه فأخذه أو بط الجيب و الطرة معا فأخذه فعليه في كل هذا القطع و الكم مثله على ما قلناه إن أدخل يده فأخذه أو خرق الكم أو بطة فأخذه أو بط الخرقة و الكم فأخذه فعليه القطع، و أما إن شده في كمه كالصرة ففيه القطع عند قوم، سواء جعله في جوف كمه و شده كالصرة من خارج الكم أو شده من داخل حتى صارت الصرة في جوف كمه، و قال قوم:

إن جعلها في جوف الكم و شدها من خارج فعليه القطع، و إن جعلها من خارج و شدها من داخل فلا قطع، و هو الذي يقتضيه مذهبنا».

قلت: لعل من الباطن الجيب في باطن القميص الأعلى، و من هنا قال في الروضة: «و المراد بالجيب الظاهر ما كان في ظاهر الثوب الأعلى و الباطن ما كان في باطنه أو في ثوب داخل مطلقا» ثم حكى عن الخلاف و المبسوط ما سمعت في الكم و الجيب قال: «و الأخبار في ذلك مطلقة في اعتبار الثوب الأعلى و الأسفل فيقطع في الثاني دون الأول» و هو موافق للخلاف و مال إليه في المختلف، و جعله المشهور، و هو في الكم حسن، أما في الجيب فلا ينحصر الباطن منه في ما كان فوقه ثوب آخر، بل يصدق به و بما كان في باطن الثوب الأعلى كما قلناه.

قلت: قد يقال بنحو ذلك في الكم أيضا، بل قد يقال: إن معنى الخبرين إن طر الأعلى من قميصه فلا قطع، و إن طر الأسفل من قميصه قطع على جعل من الأعلى و الأسفل مفعولين لطر، و ربما يؤيد ذلك العرف.

و لا قطع في ثمرة على شجرها عند المشهور على ما في المسالك للنصوص المستفيضة (1) التي تقدم بعضها المصرحة بذلك و بأنه يقطع لو سرق بعد إحرازها الذي لا خلاف فيه و لا إشكال،

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد السرقة.