جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
507

إنما الإشكال في إطلاق عدم القطع بالأول الذي مقتضاه ذلك حتى مع الإحراز بغلق و نحوه بقوة انصراف الإطلاق نصا بل و فتوى إلى ما هو الغالب من عدم الحرز لها في حال كونها على الشجرة، و من هنا قال في القواعد و تبعه ولده: «و لو كانت الشجرة في موضع محرز كالدار فالأولى القطع بسرقة ثمرها مطلقا» و ربما يؤيده مضافا إلى عموم الأدلة خصوص

خبر إسحاق (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل سرق من بستان عذقا قيمته درهمان، قال: يقطع»

بناء على أنهما ربع دينار و قد سرق من الحرز، مضافا إلى ضعف سند النصوص المطلقة، و لا شهرة محققة جابرة على وجه يخص بها إطلاق ما دل على القطع بسرقة ما في الحرز كتابا (2) و سنة (3) فالأولى حينئذ التفصيل كما في المسالك و الروضة و غيرهما، و أما ما عن الصدوق من أنه إذا أكل الرجل من بستان غيره بقيمة ربع دينار أو أكثر لم يكن عليه قطع ما لم يحمل منه شيئا، فلعله لأنه مع الإحراز إنما أتلف في الحرز.

و كذا لا قطع على من سرق مأكولا في عام مجاعة بلا خلاف أجده كما عن بعضهم الاعتراف به، بل عن الغنية و السرائر نسبته إلى روايات الأصحاب، و هو كذلك، ففي

خبر السكوني (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يقطع السارق في عام مسنت، يعني عام مجاعة»

و في مرسل عاصم بن حميد (5) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا يقطع السارق في أيام المجاعة»

و في مرسل زياد القندي (6)

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد السرقة- الحديث 7.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 38.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السرقة.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

508

«لا يقطع السارق سنة المحل في شيء يؤكل مثل اللحم و الخبز و أشباهه».

و لعل الاختصاص بالمجاعة لأنه مظنة الاضطرار المسوغ أو الموجب للسرقة الذي لا إشكال في عدم القطع فيه مع العلم بكون السرقة له مع عدم إمكان إرضاء صاحبه بعوضه، فيكون حينئذ كالشبهة الدارية.

و عن المبسوط «إن سرق في عام المجاعة و القحط فان كان الطعام موجودا و القوت مقدورا عليه و لكن بالأثمان الغالية فعليه القطع، و إن كان القوت متعذرا لا يقدر عليه فسرق سارق فأخذ الطعام فلا قطع عليه» و بعينه حكي في محكي الخلاف عن الشافعي، قال: «روى أصحابنا أن السارق إذا سرق في عام المجاعة لا قطع عليه، و لم يفصلوا و قال الشافعي:

إذا كان الطعام موجودا مقدورا عليه و لكن بالثمن الغالي فعليه القطع، و إن كان القوت متعذرا لا يقدر عليه فسرق سارق طعاما فلا قطع عليه، دليلنا ما رواه أصحابنا

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) «لا قطع في عام مجاعة»

إلى آخره.

و على كل حال فلا ريب في اقتضاء إطلاق النص و الفتوى الأعم من ذلك، نعم في المسالك «حملوا ما في إطلاق الروايتين من المسروق على المقيد في الآخر و هو المأكول» و فيه أنه لا يتأتى على وجه يقتضي التقييد، اللهم إلا أن يدعى الاتفاق على ذلك كما ادعاه في الرياض محتجا به على ذلك و بظاهر الخبر المزبور قال: و أظهر منه آخر

مروي (2) في الفقيه «لا يقطع السارق في عام مجدبة يعني في المأكول دون غيره».

قلت: الظاهر أن ذلك من الصدوق لتخيل كونه المستفاد من النصوص لا أنه رواية عن الامام (عليه السلام) و حينئذ فالتعميم أولى، بل قيل: إن مقتضى إطلاق المصنف و غيره بل و النصوص عدم الفرق

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

509

بين المضطر و غيره و إن كان قد يناقش بعدم انسياق الثاني منه، نعم يدخل فيه المشتبه حاله، كعدم انسياق غير المأكول فعلا من الخبز لو قلنا بالتقييد به كالحبوب و نحوها بدعوى كون المراد الصالح للأكل قوة أو فعلا كما في المسالك و غيرها، بل ظاهر قوله (عليه السلام) «كالخبز و اللحم و أشباهه» خلافه، و الأصل في ذلك أن الحكم مخالف لإطلاق الأدلة، فالمناسب الاقتصار فيه على المتيقن، و ما في الروضة من دعوى تنبيه التمثيل في الخبر على إرادة الأعم يمكن منعه.

و من سرق إنسانا صغيرا لا تمييز له بحيث يعرف سيده من غيره فان كان مملوكا قطع بلا خلاف بل و لا إشكال مع جمعه ما سمعته من الشرائط السابقة كالحرز و نحوه، ضرورة كونه كغيره من الأموال.

و لو كان كبيرا مميزا ففي القواعد و المسالك و غيرها لا قطع، لأنه متحفظ بنفسه إلا أن يكون نائما أو في حكمه، أو لا يعرف سيده من غيره، فإنه حينئذ كالصغير، بل في الرياض بعد نسبته إلى جماعة «لم أجد فيه خلافا إلا من إطلاق العبارة» قلت: لعله المتجه بعد فرض صدق اسم السرقة و لو بإكراهه خصوصا في المميز المزبور، و دعوى أن الصغير المذكور يسرق بخلاف الكبير فإنه يخدع يمكن منع إطلاقها.

و لا فرق في ذلك بين القن و المدبر و أم الولد و المبعض بل و المكاتب و إن استشكل فيه الفاضل في القواعد، و لعله من عدم خروجه عن المالية و من عدم تمامية ملك السيد له، لانقطاع تصرفه عنه، و لا يملك منافعه و لا استخدامه و لا أرش الجناية عليه، و هو يملك ما يكتسبه لكن يمكن منع الأخير، بل عنه في التحرير القطع بكون المشروط كالقن، مع أنه لا فرق بينه و بين المطلق بالنسبة إلى الملكية، و من الغريب قوله بلا فصل

510

عما سمعت: «و لو سرق من مال المكاتب قطع إن لم يكن سيده، و لو سرق نفس المكاتب فلا قطع عليه، لأن ملك سيده ليس بتام عليه، فإنه لا يملك منافعه و لا استخدامه و لا أخذ أرش الجناية عليه، إذ هو على فرض إرادته المطلق لا فرق بينه و بين المشروط في ذلك.

و لو كان المسروق حرا فباعه لم يقطع حدا قطعا، لعدم كونه مالا يبلغ النصاب و قيل و القائل الشيخ في النهاية و جماعة، بل في التنقيح أنه المشهور يقطع دفعا لفساده لا حدا للسرقة، ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل قد باع حرا فقطع يده»

و خبر عبد الله بن طلحة (2) «سأله عن الرجل يبيع الرجل و هما حران فيبيع هذا هذا و هذا هذا، و يفران من بلد إلى بلد يبيعان أنفسهما، و يفران بأموال الناس، قال: تقطع أيديهما، لأنهما سارقا أنفسهما و أموال الناس»

و خبري سنان بن طريف (3) «سأله عن رجل باع امرأته، قال:

على الرجل أن يقطع يده».

و خبر طريف بن سنان (4) «سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن رجل سرق حرة فباعها، فقال:

فيها أربعة حدود: أما أولها فسارق تقطع يده».

و من المعلوم إرادة حكم السرقة من إطلاقها عليه في النصوص المزبورة كما أن ظاهر الأول منها عدم الفرق بين الصغير و الكبير، بل صريح غيره الكبير، لكن عن الشيخ تقييد ذلك بالصغير، بل في المسالك تبعه

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد الزناء- الحديث 1 و 2. لكن الأول عن ظريف بن سنان.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب حد السرقة- الحديث 1 و هو بسند الشيخ و الصدوق (قدس سرهما).

511

على ذلك الأكثر معللين له بأن الكبير غالبا متحفظ على نفسه لا يمكن بيعه، إلا أنه كما ترى، و لذا نص على عدم الفرق في محكي التحرير، إذ لا فرق بينهما بعد أن كان القطع للفساد لا للسرقة و إن استدل في محكي المبسوط عليه بآيتها، لكنه في غير محله، و من هنا قال في محكي خلافه:

«لا قطع عليه، للإجماع على أنه لا قطع إلا في ما قيمته ربع دينار فصاعدا، و الحر لا قيمة له، و قال مالك: عليه القطع، و قد روى ذلك أصحابنا» و إن كان قد يناقش بأن القطع للنصوص المزبورة لا للسرقة و إن وجه بأن القطع في سرقة المال إنما جاء لحراسته، و حراسة النفس أولى، إلا أنه لا يوافق مذهبنا، خصوصا بعد تعليق الحكم بسرقة المال على وجه مخصوص لا يتم في الحر على وجه تتحقق به الأولوية المزبورة بحيث تصلح مدركا للحكم، و دعوى ضعف النصوص المزبورة- و لا جابر لها سوى الشهرة المحكية و في حصوله بها نوع مناقشة، سيما مع رجوع الشيخ الذي هو أصلها عما في النهاية- واضحة الفساد بعد تحقق الشهرة المزبورة على القطع، كوضوح فساد المناقشة بأن القطع المزبور إن كان للفساد لا للسرقة فالمتجه جريان الحكم المفسد عليه لا خصوص القطع المزبور، ضرورة كونها كالاجتهاد في مقابلة النص الذي ذكرنا أن وجه الحكمة فيه ذلك، على أنه قابل لتخصيص ذلك الإطلاق، و حينئذ فالتردد الظاهر من المصنف و غيره في الحكم المزبور في غير محله.

و لو سرقه و لم يبعه أدب بما يراه الحاكم، للأصل بعد اختصاص النصوص بالبيع، خلافا للمحكي عن ظاهر المبسوط و السرائر.

و لو كان عليه ثياب أو حلي يبلغ النصاب لم يقطع و إن كان صغيرا لثبوت يده عليها، و لذا يحكم بأن ما في يد اللقيط له، نعم لو فرض سرقته للمال معه على وجه لم تكن يده عليه اتجه حينئذ القطع.

512

و لو كان الحر كبيرا نائما على متاع فسرقه و متاع قطع لسرقة المتاع بناء على أن نوم الكبير عليه حرز له و لسرقة الحر إن باعه، للنصوص السابقة، بل في القواعد و كذا السكران و المغمى عليه و المجنون، و لعله لعدم خروجهم بذلك عن الإحراز، إذ ليسوا كالجماد، لكنه لا يخلو من نظر.

و لو أعار بيتا مثلا فنقبه المعير فسرق منه مالا للمستعير قطع بلا خلاف أجده، بل و لا إشكال، للعمومات و إن ذكر في المسالك وجها للعدم باعتبار عدم لزوم العارية، فلا يحصل الإحراز، و لكن فيه أن له الدخول إذا رجع، مع أن عليه حينئذ أن يمهل المعير بقدر نقل أمتعته لا مطلقا.

و كذا لا إشكال و لا خلاف في القطع لو آجر بيتا و سرق منه مالا للمستأجر المالك للمنفعة بعقد الإجارة التي منها الإحراز، فما عن أبي حنيفة من عدم القطع واضح الفساد، خصوصا بعد المحكي عنه من القطع لو آجر عبده لحفظ متاع ثم سرق المؤجر من المتاع الذي كان يحفظه العبد و إن ضعف احتمال عدم القطع فيه باعتبار أن الإحراز فيه بملاحظة العبد لا بنفس العبد المملوك للسارق، فنفس الحرز ليس بمملوك له.

و لو كان الحرز مغصوبا منه لم يقطع بسرقة مالكه الذي له هتكه، فلا يكون المال في حرز، بل في القواعد و المسالك و محكي المبسوط أن الدار المغصوبة ليست حرزا عن غير المالك، لأنه إحراز بغير حق فكان كغير المحرز، لكن قد يقال بصدق العمومات.

و لو كان في الحرز مال مغصوب للسارق فهتكه و أخذ ماله خاصة لم يقطع قطعا، بل هو كذلك و ان اختلط المالان بحيث لا يتميزان من

513

نحو الطعام و الدهن فلم يأخذ إلا قدر ماله أو أزيد بما لا يبلغ النصاب.

و إن أخذ غير المغصوب المميز عنه وحده أو معه بقدر النصاب، فعن المبسوط إطلاق قطعه، و الأقرب القطع إن هتك لغير المغصوب خاصة بل أولهما، للعمومات بعد حرمة الهتك المزبور المراد به السرقة.

و إن هتك لأخذ ماله فلا قطع، للرخصة فيه و بعد يكون أخذ مالا غير محرز، و لو جوزنا للأجنبي انتزاع المغصوب حسبة فهتك الحرز و أخرجه فلا قطع، و لو سرق معه بقدر النصاب من مال الغاصب ففيه التفصيل المزبور، و لو لم نجوز ذلك له قطع بسرقة المغصوب فضلا عن غيره و المطالب به الغاصب كما عن المبسوط أو المالك.

و يقطع من سرق مالا موقوفا على محصور مع مطالبة الموقوف عليه لأنه مندرج في العموم بناء على أنه مملوك له بل و غير المحصور بناء على أنه المالك أيضا، للعموم فضلا عن سرقة ثمرته التي لا شك في أنها للموقوف عليه، نعم لو قلنا إن المالك فيه الله تعالى شأنه أمكن عدم القطع، بل في المسالك أنه الأظهر بعد أن احتمله لو طالب به الحاكم لكن قد عرفت سابقا أن مقتضى العموم القطع أيضا، بل قد يؤيده خبر محمد بن قيس (1) المتقدم المشتمل على قطع السارق من مال الله تعالى.

و لو كان السارق بعض الموقوف عليهم فالحكم فيه ما سمعته حتى لو كان فقيرا و كان الوقف على الفقراء، إلا أنه مع فرض كونهم مصرفا يشكل مراعاة الزائد على نصيبه لعدم النصيب له حينئذ اللهم إلا أن يراد به ما يعم ذلك كما سمعته في الزكاة و بيت المال و نحوهما.

و لا تصير الجمال مثلا محرزة بمراعاة صاحبها و لا الغنم

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

514

بإشراف الراعي عليها كما تقدم الكلام فيه سابقا و لكن فيه قول آخر للشيخ (رحمه الله) في محكي الخلاف و المبسوط إنها تكون محرزة بذلك، و تبعه عليه غير واحد ممن تأخر عنه، و لكن قد عرفت ضعفه قال في الأخير: «الإبل إن كانت راتعة فحرزها أن ينظر الراعي إليها مراعيا لها و إن كان ينظر إلى جميعها مثل أن كان على نشر أو مستو من الأرض فهي في حرز، لأن الناس هكذا يحرزون أموالهم عند الراعي، و إن كان لا ينظر إليها أو كان ينظر إليها فنام عنها فليست في حرز، و إن كان النظر إلى بعضها دون بعض فالتي ينظر إليها في حرز و التي لا ينظر إليها في غير حرز، و إن كانت باركة ينظر إليها فهي في حرز و إن كان لا ينظر إليها فهي في حرز بشرطين: أن تكون معقولة و أن يكون معها نائما أو غير نائم لأن الإبل الباركة هكذا حرزها، و إن كانت مقطرة فإن كان سائقا ينظر إليها فهي في حرز، و إن كان قائدا فإنما تكون في حرز بشرطين: أن تكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها و أن يكثر الالتفات إليها مراعيا لها، و كذا البغال و الخيل و الحمير و البقر و الغنم، فإذا أوت إلى حظيرة كالمراح و الدين و الإصطبل، فإن كان في البر دون البلد فما لم يكن صاحبها معها في المكان فليس بحرز، و إن كان معها فيه فهو حرز، فان كان الباب مفتوحا فليس بحرز إلا أن يكون معها مراعيا لها غير نائم، و إن كان الباب مغلقا فهو حرز نائما كان أو غير نائم، و لو كانت في جوف البلد فالحرز أن يغلق الباب سواء كان معها صاحبها أو لا» و هو كما ترى خصوصا فرقه بين الراتعة و السائرة و إن كان الأصح عدم كون المراعاة من أصلها حرزا عرفا.

و لو سرق باب الحرز أو شيئا من أبنيته المثبتة فيه قال في المبسوط و تبعه غيره يقطع، لأنه محرز بالعادة، و كذا

515

إذا كان الإنسان في داره و أبوابها مفتحة، و لو نام زال الحرز و لكن فيه تردد للتردد في أن الحرز هو ما ليس لغير المالك دخوله، أو أنه ما كان السارق منه على خطر و خوف من الاطلاع عليه، أو أنه عرفي و قلنا بأن مثل ذلك محرز فيه فيقطع حينئذ أو هو ما كان مغلقا أو مقفلا أو مدفونا فلا يقطع لانتفائه، و لو قلنا بأن منه المراعاة بنى على حصولها و عدمه، و قد عرفت سابقا أن الحرز عرفا الشيء المعد لحفظ الشيء في نفسه، فلا قطع في شيء من ذلك لا أقل من الشبهة الدارأة، و حينئذ فيسقط البحث عن سرقة باب المسجد و عن سرقة دقاقة الباب و نحو ذلك، ضرورة عدم الحرز في الجميع بناء على ما ذكرناه، نعم لو كان باب الحرز على بيت داخل في الدار التي لها باب مغلق على ذلك أو داخل في بيت آخر كذلك كباب الخزينة اتجه حينئذ القطع بسرقتها، لكونها حينئذ في حرز.

و يقطع سارق الكفن من القبر و لو بعض أجزائه المندوبة لأن القبر حرز له إجماعا في صريح المحكي عن الإيضاح و الكنز و التنقيح و ظاهر الديلمي، و ما عن المقنع و الفقيه من عدم القطع على النباش إلا أن يؤخذ و قد نبش مرارا مع شذوذه يمكن حمله كمستنده على النباش غير السارق، لا على أن القبر غير حرز كما استظهره منه في المسالك تبعا لغاية المراد، و على تقديره فهو محجوج بما عرفت و بالعرف و ظاهر النصوص حتى

خبر حفص البختري (1) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حد النباش حد السارق»

باعتبار ظهوره في كونه منه، و خبر الجعفي (2) «كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) و جاءه كتاب هشام ابن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها و نكحها فان الناس قد

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

516

اختلفوا علينا، طائفة قالوا: اقتلوه و طائفة قالوا: أحرقوه فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) إن حرمة الميت كحرمة الحي، تقطع يده لنبشه و سلبه الثياب، و يقام عليه الحد في الزناء، إن أحصن رجم، و إن لم يكن أحصن جلد ماءة»

و خبر أبي الجارود (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الأحياء»

و خبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أخذ نباش في زمن معاوية فقال لأصحابه: ما ترون؟

فقالوا: تعاقبه و تخلي سبيله، فقال رجل من القوم: ما هكذا فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: و ما فعل؟ قال: فقال: يقطع النباش، و قال: هو سارق هنالك للموتى»

و من قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) المروية مسندة في الفقيه (3) «أنه قطع نباش القبر، فقيل له: أ تقطع في الموتى؟ فقال: إنا لنقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا»

قال (4): «و أتي بنباش فأخذ بشعره و جلد به الأرض، و قال: طئوا عباد الله، فوطئ حتى مات»

و نحوه في الأول خبر إسحاق بن عمار (5) كل ذلك مضافا إلى الإجماع في محكي الغنية و السرائر على القطع بسرقته، و إلى ما تسمعه من إطلاق النصوص الآتية في قطع النباش، فالحكم حينئذ مفروغ منه.

و إنما الكلام في أنه هل يشترط بلوغ قيمته نصابا؟

قيل و القائل المفيد و سلار و ابنا زهرة و حمزة، بل نسب إلى الأكثر نعم يشترط ذلك، لإطلاق ما دل عليه بعد ما سمعته من ظهور النص و الفتوى في كونه من السارقين من الحرز، فيشترط فيه حينئذ ما

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 12.

517

يشترط فيه، و عليه ينزل إطلاق القطع بسرقته فيها، بل لعله الظاهر منهما مضافا إلى الأصل و درء الحد بالشبهة.

و قيل و القائل ابن إدريس في أول كلامه يشترط في المرة الأولى لما سمعته من الأدلة دون الثانية و الثالثة فإنه لا يشترط بل يقطع مطلقا، لأنه مفسد، و لكنه لم نجده لغيره، بل هو قد رجع عنه في آخر كلامه، على أنه كما ترى غير واضح الوجه و لا المستند.

و قيل كما عن الشيخ و القاضي و ابن إدريس في آخر كلامه و الفاضل في الإرشاد لا يشترط فيقطع مطلقا، لإطلاق الأدلة الذي عرفت تنزيله على المقيد، و قيل كما سمعته عن الصدوق: لا يقطع مطلقا إلا مع النبش مرارا، و لعله لما ورد من قطع النباش الذي تكرر منه الفعل.

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (1): «يقطع النباش و الطرار، و لا يقطع المختلس».

و سأله (عليه السلام) أيضا عيسى بن صبيح (2) «عن الطرار و النباش و المختلس فقال: يقطع الطرار و النباش، و لا يقطع المختلس».

و في خبر عبد الرحمن العزرمي (3) عنه (عليه السلام) أيضا «أن عليا (عليه السلام) قطع نباشا».

بل

سأله (عليه السلام) علي بن سعيد (4) أيضا عن النباش فقال:

«إذا لم يكن النبش له بعادة لم يقطع و يعزر».

و في خبره الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته عن رجل أخذ و هو ينبش، قال: لا أرى عليه قطعا إلا أن يؤخذ و قد نبش

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 13.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 11.

518

مرارا فأقطعه».

و في خبر الفضيل (1) عنه (عليه السلام) أيضا «النباش إذا كان معروفا بذلك قطع».

و في مرسل ابن بكير (2) عنه (عليه السلام) أيضا «في النباش إذا أخذ أول مرة عزر، فان عاد قطع»

بناء على أن المراد منه العود مكررا.

و كذا

خبر علي بن إبراهيم عن أبيه (3) المروي عن كتاب الاختصاص قال: «لما مات الرضا (عليه السلام) حججنا فدخلنا على أبي جعفر (عليه السلام) و قد حضر خلق من الشيعة- إلى أن قال-: فقال أبو جعفر (عليه السلام) سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: يقطع يمينه للنبش، و يضرب حد الزناء فإن حرمة الميتة كحرمة الحية، فقالوا: يا سيدنا تأذن لنا أن نسألك؟ قال: نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها و له تسع سنين»

بناء على إرادة النبش المعتاد منه إلى غير ذلك مما يمكن الاستدلال به لما سمعته من الصدوق.

و يقرب منه ما عن المصنف في النكت من أنه «لا قطع عليه حتى يصير ذلك عادة له و قد أخذ كل مرة نصابا فما فوقه، لاختلاف الأخبار و حصول الشبهة» و كأنه أشار باختلاف الأخبار إلى ما سمعته و إلى خصوص

خبر الفضيل (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «عن الطرار و النباش و المختلس قال: لا يقطع»

لكن فيه أن الأخبار النافية للحد إنما نفته عن النباش، فلعله من لم يأخذ شيئا، كما أن في ما سمعته من

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 15.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 14.

519

الصدوق قصور دليله عن معارضة إطلاق النصوص المزبورة و غيرها مما دل على القطع بسرقة الكفن. و من هنا قال في الرياض: «قد حملها الأصحاب على مجرد النبش الخالي عن أخذ الكفن جمعا بينها و بين النصوص السابقة بحملها على سرقة الكفن كما هو ظاهرها، و لا سيما الأخبار المشبهة منها بالسرقة بناء على ما سبق، و حمل هذه على ما عرفته» و الجمع بينها و إن أمكن بما يوافق قوله إلا أن كثرة تلك الأخبار و شهرتها شهرة قريبة من الإجماع المحتمل الظهور المصرح به في ما مر من الكتب يرجح الجمع الأول، فالقول به متعين و إن كنت لم أتحقق ما نسبه إلى الأصحاب من القطع باعتبار النبش المجرد، نعم احتمله في المسالك جمعا بين الأدلة و جزم به في كشف اللثام، و إلا فالمصنف و غيره على التعزير كما ستسمعه.

و على كل حال فلا ريب في أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها درء الحد بالشبهة و احترام دماء الناس، و الأصل عدم القطع، و منها إطلاق قطع السارق للنصاب من الحرز، و غير ذلك مما سمعته على وجه يرجح على غيره، فيجب إرجاع ما نافاه إليه أو طرحه.

و لا يشكل بعدم ملك الميت له، لإمكان كونه باقيا على حكم ماله أو لعدم توقف القطع على ذلك، بل يكفي فيه القول بكونه ملكا للوارث بل يمكن القطع مع عدم القول بكونه ملكا لأحد و إن كان المطالب به على الأولين الوارث و الحاكم على الأخير أو غيره حسبة، و لو كان الميت عبدا فالكفن للسيد فيطالب به، و لو قلنا بعدم ملكه لأحد كان المطالب به الحاكم، و لو مات و لم يخلف شيئا و كفنه الامام من بيت المال فعن المبسوط لا يقطع بلا خلاف، و لكن لا يخلو من نظر و لو كفنه أجنبي فالمطالب هو، و عن التحرير الوارث، و فيه منع.

520

و لو نبش و لم يأخذ الكفن عزر كما سمعته في المرسل (1) و غيره (2) و لو تكرر منه الفعل و فات السلطان كما عن المقنعة و المراسم و النهاية أو و أقيم عليه الحد كما عن التهذيب و الاستبصار و الجامع كان له قتله للردع لغيره عن الفساد، و لكن لم أقف عليه كذلك في شيء مما حضرني من النصوص، نعم قد سمعت المروي عن قضايا علي (عليه السلام) من قتل نباش بالوطء بالأقدام (3) و نحوه

مرسل ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا (4) قال: «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل نباش فأخذ بشعره فضرب به الأرض ثم أمر الناس أن يطؤوه بأرجلهم فوطؤوه حتى مات»

و مرسل أبي يحيى الواسطي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بنباش فأخر عذابه إلى يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة ألقاه حتى تحت أقدام الناس فما زالوا يتوطؤونه بأرجلهم حتى مات»

و لكن ليس في شيء منها فوت السلطان، و أما التكرار فلعله استفيد من الصيغة، كما أن عدم وجوب القتل على ما هو ظاهر المتن و غيره بل هو المحكي عن المفيد و سلار للتخيير في المفسد بينه و بين غيره و عن الشيخ إيجابه، و لعله للاقتصار على ما سمعته من النصوص.

و ليس القبر حرزا لغير الكفن إذا لم يكن في حرز آخر كدار عليها غلق مثلا للعرف، فلو ألبس الميت من غير الكفن أو وضع معه شيء فسرق لم يقطع، بل في القواعد و كذا العمامة بناء منه على أنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 16 إلا انه ليس نص فيما ذكره.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 13 إلا انه ليس نص فيما ذكره.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 17.

521

ليست من الكفن، و إن كان فيه ما تقدم في كتاب الطهارة (1) من انها منه و إن لم تكن واجبة و لذا نفيت عنه في بعض النصوص (2).

[الثالث في ما يثبت به]

الثالث في ما يثبت به و لا خلاف بل و لا إشكال في أنه يثبت القطع بشهادة عدلين لإطلاق ما دل (3) عليها، و خصوص ما تسمعه و بالإقرار مرتين لعموم ما دل (4) على حجية الإقرار، و في مرسل جميل (5) عن أحدهما (عليهما السلام) «لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة، و لم يقطع إذا لم يكن شهود»

و روي (6) «ان سارقا أقر عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فانتهره، فأقر ثانيا، فقال أقررت به مرتين فقطعه»

و خبر أبان بن عثمان (7) عن الصادق (عليه السلام) قال: «كنت عند عيسى بن موسى فأتي بسارق و عنده رجل من آل عمر، فأقبل يسألني، فقلت: ما تقول في السارق إذا أقر على نفسه أنه سرق؟ قال: يقطع، قلت فما تقولون في الزناء إذا أقر على نفسه أربع مرات قال: نرجمه، قلت: فما يمنعكم من السارق إذا أقر على نفسه مرتين أن تقطعوه فيكون بمنزلة الزاني»

بتقريب أن المراد و لو

____________

(1) راجع ج 5 ص 207- 208.

(2) الوسائل- باب- 2 من أبواب الكفن- الحديث 1 و 10 و 12 من كتاب الطهارة.

(3) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(6) المستدرك- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

522

بملاحظة انطباق صدره مع ذيله ما المانع من اعتبار المرتين في السارق ليكونا بمنزلة الشاهدين كالإقرار أربعا في الزناء المنزل منزلة الشهود أربعا؟

و منه يعلم حينئذ الوجه في ما ذكرناه سابقا من اعتبار الإقرار مرتين في جملة من الحدود السابقة التي تثبت بالشاهدين.

كما أن منه حينئذ و سابقيه (1) المنجبرين بما سمعت مع قوة سند أحدهما يعلم أنه لا تكفي المرة في القطع و إن ثبت المال كغيره مما يثبت به من الرجل و الامرأتين و اليمين المردودة و إن قلنا إنها كالبينة، لكنه بالنسبة للمال دون القطع نحو ما نحن فيه من الإقرار مرة الذي لا يثبت به القطع كما هو المعروف بين الأصحاب، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطعهم، بل عن الخلاف الإجماع عليه، بل لم أجد فيه خلافا محققا و إن حكي عن المقنع الاجتزاء بها فيه عند الإمام أيضا.

لكن في الكشف لم أره في ما حضرني من نسخته نعم في صحيح الفضيل (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أقر على نفسه بالسرقة مرة واحدة قطع»

معتضدا بإطلاق ما دل على القطع به أو على مطلق الحد و بعموم ما دل على حجيته، إلا أنه قاصر عن مقاومة ما عرفت خصوصا بعد عدم تقييده بكون الإقرار عند الإمام كما هو المحكي عن القائل و موافقته للمحكي عن العامة كما أشعر به خبر عثمان ابن عيسى (3) و بعد احتمال

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة الحديث 1 و المستدرك- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 3 و فيه «إن أقر الرجل الحر على نفسه مرة واحدة عند الامام قطع».

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 4 و هو خبر أبان بن عثمان المتقدم في ص 521.

523

تعلق الظرف بالسرقة، فيكون مجملا في عدد الإقرار، و يقر به إمكان توهم المخاطب أو بعض الحاضرين في المجلس أنه لا قطع ما لم تتكرر السرقة أو يكون بمعنى القطع عن الإقرار ثانيا، كل ذلك مع بناء الحدود على التخفيف، و لذا تدرأ بالشبهات فما عساه يظهر من بعض الناس من الميل إلى العمل بالصحيح المزبور في غير محله.

و أبعد من ذلك ما عن المختلف من احتمال مخالفة الإقرار عند الإمام الإقرار عند غيره، لأن الإنسان يحترز عند الإمام و يتحفظ من الإقرار بما يوجب العقوبة، بل غالبا إنما يقر عنده إذا أقر عند غيره، فلهذا يقطع بالإقرار مرة واحدة عنده، و أما

المروي عن كتاب التحصين للسيد رضى الدين بن طاوس (رحمه الله) عن كتاب نور الهدى للحسن ابن أبي طاهر عن الأصبغ (1) «أنه أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) جماعة بعبد أسود موثق كتافا فقالوا: جئناك بسارق، فقال له: يا أسود أنت سارق؟ فقال نعم يا مولاي ثم قال ثانية: يا أسود أنت سارق فقال:

نعم يا مولاي، قال إن قلتها ثالثة قطعت يمينك يا أسود أنت سارق؟

قال نعم فقطع يمين الأسود»

فلم أجد عاملا به، مضافا إلى ما تسمعه من عدم حجية إقرار العبد و لو عشرا في العبد، لأنه إقرار في حق الغير.

و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال في أنه يشترط في المقر البلوغ و كمال العقل فلا عبرة بإقرار الصبي و إن قلنا بالقطع بسرقته، و المجنون لسلب عبارتهما.

و الحرية بلا خلاف بل عن الخلاف الإجماع على ذلك،

____________

(1) المستدرك- الباب- 33- من أبواب حد السرقة- الحديث 11 عن الخرائج للراوندي.

524

مضافا إلى قاعدة عدم نفوذ الإقرار في حق الغير الموافقة لخصوص

صحيح الفضيل (1) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أقر العبد على نفسه بالسرقة لم يقطع، و إذا شهد عليه شاهدان قطع»

و به مع الإجماع المزبور يخص

صحيح الفضيل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام).

«من أقر على نفسه عند الإمام بحق من حدود الله تعالى مرة واحدة حرا كان أو عبدا حرة أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد على الذي أقر على نفسه كائنا من كان إلا الزاني المحصن»

الموافق للمحكي عن العامة و المنافي لما دل (3) على تخير الامام بين الحد و عدمه إذا كان بالإقرار و لغيره مما دل (4) على اعتبار المرتين أو الأربع في ما تقدم من الحدود، كما أنه يجب لما عرفت حمل

حسن ضريس الكناسي (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «العبد إذا أقر على نفسه عند الإمام أنه سرق قطعه، و إذا أقرت الأمة عند الإمام بالسرقة قطعها»

على تصديق السيد، فإن الأقرب حينئذ قطعه، كما في القواعد لأن الحق لا يعدوهما على ما قيل من إضافة الشهادة عليها، أو على أن المراد عبد الله أو أمته، أو على أن المراد قطعه من جري اسمه من العامة في مجلسه على معنى أنه يذهب إلى قطع المملوك بإقراره، أو غير ذلك مما هو أولى من الطرح في مقابل ما عرفت.

لكن هذا كله بالنسبة إلى القطع، أما المال فيثبت بالمرة و يتبع به بعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب حد الزناء- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

525

العتق، و هل يقطع بعده لو كان أقر به مرتين قبله؟ اشكال من الأصل و سبق درأ الحد المستصحب، و من عموم ما دل على حجيته بعد ارتفاع المانع، بل لعل الأخير لا يخلو من قوة لانقطاع الأصل بالعموم المزبور المقتضي ثبوت الإقرار على النفس حين صدوره و إن لم يجز القطع، لحق المولى، فلا درأ حينئذ حتى يستصحب كالاعتراف بما يوجب القصاص، و لو أقر المحجور عليه لسفه أو فلس بسرقة عين مرتين قطع، و لا يقبل في المال و إن تبع الأخير بالعين بعد زوال الحجر.

و كذا يعتبر في المقر الاختيار بلا خلاف و لا إشكال، فلا قطع على المكره و الساهي و الغافل و النائم و المغمى عليه، و حينئذ فلو أقر العبد مرارا لم يقطع لما عرفت مما يتضمن من إتلاف مال الغير و غيره و كذا لو أقر مكرها، و لا يثبت به حد و لا غرم بخلاف العبد، فإنه يثبت به الغرم الذي يتبع به بعد العتق بل و الحد كذلك في أحد الوجهين.

و على كل حال ف لورد السرقة بعينها بعد الإقرار بالضرب قال في النهاية و محكي المهذب و الجامع و المختلف يقطع لأن ردها قرينة على فعلها كالقيء و حسن سليمان بن خالد أو صحيحه (1) سئل الصادق (عليه السلام) «عن رجل سرق سرقة فكابر عنها فضرب فجاء بها بعينها أ يقطع؟ قال نعم، و إذا اعترف و لم يأت بها فلا قطع، لأنه اعتراف على العذاب».

و قال بعض الأصحاب و هو الحلي، و تبعه جميع من تأخر عنه لا يقطع لتطرق الاحتمال إلى الإقرار إذ من الممكن أن يكون المال

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد السرقة الحديث 1.

526

في يده من غير جهة السرقة، و هذا حسن لعدم العبرة بالإقرار الناشئ عن الإكراه، و أعمية الرد من كونه سارقا، و ظهور الفرق بينه و بين القيء الذي هو مع ذلك منصوص، كظهور الحسن المزبور في معلومية السرقة و أن الضرب على الرد لا على الإقرار، أو ظهوره في الغالب من الضرب للمتهم المعروف بذلك، فيقر و يرد على وجه يعلم من القرينة أنه سارق، و إلا كان شاذا لا قائل به، ضرورة اقتضائه ترتب القطع على ردها بعينها من دون إقرار، و الأولوية تتوقف على ثبوت الأصل، و لم نجد قائلا به، و دعوى أن الرد من دونه لا دلالة فيه على السرقة و قياسه على القيء إنما هو بمعونته لا مطلقا لا تجدي بعد فرض ظهور الخبر المزبور في ذلك، فالتحقيق حينئذ حمل الصحيح المزبور على ما ذكرناه، و يبقى الحكم على مقتضى الضوابط من عدم القطع حينئذ.

و لو أقر مرتين و رجع لم يسقط وجوب الحد و تحتمت الإقامة و لزمه الغرم بأول مرة فضلا عنهما، كما عن الشيخ و الحلي و الفاضل و الشهيدين و غيرهم، بل ربما نسب إلى الأكثر للأصل و عموم ما دل على حجية الإقرار المزبور و صحيحي الحلبي (1) و محمد بن مسلم (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أقر الرجل على نفسه أنه سرق ثم جحد فاقطعه و أرغم أنفه»

مؤيدين ب

خبر سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له، فإذا رفع إلى إمام قطعه، فإن قال الذي سرق منه: ألا أهبه له لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفعه إليه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) أشار إليه في الوسائل في الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود الحديث 1 و ذكره في التهذيب ج 10 ص 126.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

527

و إنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام و ذلك قول الله عز و جل (1):

وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ، فإذا انتهى إلى الامام فليس لأحد أن يتركه».

و لكن عن النهاية و كتابي الحديث و القاضي و التقي و ابن زهرة و الفاضل في المختلف سقوط القطع، بل قيل: لعله الأشهر بين القدماء، بل عن الغنية الإجماع عليه ل

مرسل جميل (2) السابق «لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فإن رجع ضمن السرقة و لم يقطع إذا لم يكن شهود».

و عن الخلاف و موضع آخر من النهاية يخير الامام بين قطعه و العفو عنه مدعيا في الأول الإجماع عليه ل

خبر طلحة بن زيد (3) عن الصادق (عليه السلام) «حدثني بعض أهلي أن شابا أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) أقر عنده بالسرقة، فقال له: إنى أراك شابا لا بأس بهيئتك فهل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك بسورة البقرة، قال: و إنما منعه أن يقطعه لأنه لم تقم عليه بينة»

و خبر أبي عبد الله البرقي عن بعض أصحابه (4) عن بعض الصادقين (عليه السلام) «جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقر عنده بالسرقة، فقال أ تقرأ شيئا من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم سورة البقرة، قال قد وهبت يدك بسورة البقرة، فقال الأشعث: أ تعطل حدا من حدود الله تعالى؟ قال: و ما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البينة فليس

____________

(1) سورة التوبة- 9- الآية 112.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

528

للإمام أن يعفو، و إذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام ان شاء عفا، و إن شاء قطع».

إلا أنهما ضعيفان و لا جابر لهما، و محتملان للإقرار مرة، و لم يتضمنا رجوعا بعد إقرار، و الإجماع المزبور موهون بعدم مصير غيره إليه و بما سمعته سابقا، فليس حينئذ إلا الأولان، و لعل أولهما لا يخلو من قوة، لما عرفت من قوة دليله، و احتمال المرسل الرجوع بعد الإقرار مرة مع عدم الجابر له فانا لم نتحقق النسبة المزبورة إلى الأشهر، و لا إجماع الغنية، و يمكن أن يكون وجه النسبة المزبورة بناء حاكيها على عدم الفرق بين مسألتي التوبة و الرجوع، و قد صرح جماعة من المزبورين بالسقوط معها، و لكن فيه منع واضح و ستعرف الكلام في التوبة إن شاء الله.

هذا كله في الرجوع بعد الإقرار مرتين و أما لو أقر مرة خاصة فقد عرفت أنه لم يجب عليه الحد و وجب عليه الغرم.

[الرابع في الحد]

الرابع في الحد و هو قطع الأصابع الأربع من اليد اليمنى و يترك الراحة و الإبهام بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، و ليتمكن بهما من غسل وجهه و الاعتماد في الصلاة، كما تسمعه في خبر هلال (1) عن الصادق

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

529

(عليه السلام) و في المرسل عن الحرث بن الحظيرة (1) قال: «مررت بحبشي و هو يستقي بالمدينة فإذا هو قطع، فقلت: من قطعك؟ قال:

خير الناس إنا أخذنا في سرقة و نحن ثمانية نفر فذهب بنا إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقررنا بالسرقة، فقال: لنا أ تعرفون أنها حرام؟

فقلنا: نعم، فأمر بنا فقطعت أصابعنا من الراحة و خليت الإبهام، ثم أمر بنا فحبسنا في بيت- فجلسنا يطعمنا من السمن و العسل حتى تربت أيدينا، ثم أمر بنا فأخرجنا فكسانا فأحسن كسوتنا، ثم قال لنا إن تتوبوا و تصلحوا فهو خير لكم يلحقكم الله بأيديكم في الجنة، و إلا تفعلوا يلحقكم الله بأيديكم في النار»

و في خبر محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوم لصوص قد سرقوا فقطع أيديهم من نصف الكف و ترك الإبهام لم يقطعها، و أمرهم أن يدخلوا إلى دار الضيافة، و أمر بأيديهم أن تعالج، فأطعمهم السمن و العسل و اللحم حتى برؤوا فدعاهم، فقال إن أيديكم سبقتكم إلى النار، فإن تبتم و علم الله منكم صدق النية تاب عليكم و جررتم أيديكم إلى الجنة، فإن لم تتوبوا و لم تفعلوا عما أنتم عليه جرتكم أيديكم إلى النار»

إلى غير ذلك من النصوص التي ستسمع بعضها أيضا المستفاد منها مع ذلك جملة من الآداب.

بل عن المبسوط «فإذا قدم السارق للقطع أجلس، و لا يقطع قائما، لأنه أمكن له و أضبط حتى لا يتحرك فينحني على نفسه، و تشديده بحبل، و تمد، حتى يبين المفصل، و يوضع على شيء لوح أو نحوه، فإنه أسهل و أعجل لقطعه، ثم يوضع على المفصل سكين حادة، و يدق من فوقه

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

530

دقة واحدة حتى ينقطع بأعجل ما يمكن، قال: و عندنا يفعل مثل ذلك بأصول الأصابع أو يوضع على الموضع شيء حاد، و يمد عليه مدة واحدة، و لا يكرر القطع فيعذبه، لأن الغرض إقامة الحد من غير تعذيب، فان علم قطع أعجل من هذا قطع به» و لا بأس بذلك و إن لم أجده في ما حضرني من النصوص.

و لو كان له إصبع زائدة خارجة عن الأربع متميزة أثبتت، و إن لم تتميز على وجه يكونا أصليين ثبت الخيار، و إلا أشكل مع فرض العلم بزيادة أحدهما و عدم تمييزه، لحرمة قطع الزائدة و كذا الكلام في الكفين اللذين لم يميز أصليهما من زائدهما كذلك، نعم قد يقال بالقرعة.

و لو كانت له إصبع زائدة متصلة بأحد الأربع و لم يمكن قطع الأربع إلا بها ففي القواعد قطع ثلاث، و لعله إبقاء للزائدة مقدمة لحرمة إتلافها، و إن أمكن قطع بعض الإصبع الملتصقة اقتصر عليه، و ربما يحتمل عدم المبالاة بالزائدة، فيقطع الأربع إذا لم يمكن قطعها بدونها و لكنه ضعيف.

و لو كانت يده ناقصة اجتزئ بالثلاث حتى لو لم يبق سوى إصبع غير الإبهام قطعت دون الراحة و الإبهام، لظاهر النص و الفتوى.

و كيف كان ف لو سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى بل الإجماع بقسميه عليه، نعم في بعض كتب الفاضل بل عن جميعها عدا التلخيص و المقنعة و النهاية و النافع و مجمع البيان و المراسم و الروضة نحو ما هنا من كون القطع من مفصل القدم، و يترك له العقب يعتمد عليها و هو ظاهر في أنه من أصل الساق أي المفصل بين الساق و القدم حتى لا يبقى من عظام القدم إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة.

531

عظم العقب و ما بينه و بين عظم الساق، و تسميته الأطباء كعبا، و لعله ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): «القطع من وسط الكف، و لا يقطع الإبهام، و إذا قطعت الرجل ترك العقب و لم يقطع»

و قول أبي إبراهيم (عليه السلام) في خبر إسحاق (2) «تقطع يد السارق و يترك إبهامه و صدر راحته، و تقطع رجله و يترك عقبه يمشي عليها»

و المحكي عن

فقه الرضا (عليه السلام) (3) «يقطع الرجل من المفصل و يترك العقب يطأ عليه».

لكن عن الصدوق في المقنع «إنما يقطع من وسط القدم» و عن الخلاف و المبسوط و التلخيص «يقطع من عند معقد الشراك من عند الناتي على ظهر القدم» و في محكي السرائر «من مفصل المشط ما بين قبة القدم و أصل الساق: و يترك بعض القدم الذي هو الكف يعتمد عليها في الصلاة و عن الكافي و الغنية و الإصباح أنه من عند معقد الشراك، و يترك له مؤخر القدم و العقب» و عن الانتصار «و يقطع من صدر القدم، و يبقى له العقب» قيل: و الاقتصار على العقب على الناتي كاقتصار ابن حمزة، و عن الجامع أنه من الكعب، و أنه يبقى له عقبه، و فسر الكعب في الطهارة بقية القدم، فالظاهر انه كذلك، إلى غير ذلك من العبارات التي يمكن اتحاد المراد منها أجمع، و هو القطع من الكعب الذي قد عرفت تحقيقه في كتاب الطهارة (4) فيكون المقطوع من عظامها الأصابع

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(3) البحار- ج 79 ص 192 عن نوادر الحسين بن سعيد راجع النوادر المطبوع ذيل فقه الرضا ص 77 و قد تعرض له في الجواهر في بحث الوضوء ج 2 ص 219 و ذكرنا هناك في التعليقة أنه لم نعثر عليه.

(4) راجع ج 2 ص 215- 224.

532

و المشط، و يبقى الرسغ و العظم الزورقي و الزوي و العقب و ما بينه و بين الساق، و على ذلك يكون هو معقد إجماع ما سمعته من الانتصار و الغنية، و هو الحجة بعد

قول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1): «فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم»

و في خبر عبد الله بن هلال (2) «إنما يقطع الرجل من الكعب، و يترك له من قدمه ما يقوم به و يصلي و يعبد ربه»

بناء على أن المراد من الكعب فيه ما عرفت، و حينئذ فيدل عليه أيضا الصحيح (3) المشتمل على تحديد القطع منه مؤيدا ذلك بأنه أخف من الأول، و قد عرفت مكررا درأ الحد بالشبهة، و لمعلومية كون الحكمة في بقاء ذلك التمكن من القيام و المشي و نحوهما.

بل قد سمعت ما يقتضي تعليله بذلك،

قال هلال (4): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن السارق لم تقطع يده اليمنى و رجله اليسرى، و لا تقطع يده اليمنى و رجله اليمنى؟ فقال: ما أحسن ما سألت، إذا قطعت رجله اليمنى و يده اليمنى سقط على جانبه الأيسر و لم يقدر على القيام، فإذا قطعت يده اليمنى و رجله اليسرى اعتدل و استوى قائما، قلت: جعلت فداك كيف يقوم و قد قطعت رجله، فقال (ع) إن القطع ليس حيث رأيت يقطع الرجل من الكعب و يترك له من قدمه ما يقوم عليه و يصلي و يعبد الله تعالى، فقلت له: من أين تقطع اليد؟ قال: تقطع الأربع الأصابع و يترك الإبهام يعتمد عليها في الصلاة فيغسل بها وجهه للصلاة قلت: و هذا القطع من أول من قطع فقال: قد كان عثمان حسن ذلك لمعاوية»

و نحوه غيره في تضمن الحكمة المزبورة، و لا ريب في عدم بقائها مع بقاء العقب

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد السرقة- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 8 و هو عن محمد بن عبد الله بن هلال عن أبيه.

533

خاصة، بل إنما يحصل به و بما يتصل به إلى الكعب من عظام القدم، فينبغي أن يصرف به لفظ «العقب» عما هو ظاهر فيه من التجرد إلى ما يوافق الأول بأن يراد منه ما يقابل صدر القدم من الأصابع و المشط إلى وسط القدم، خصوصا بعد ملاحظة وجود التعليل المزبور في كلام أهل القول الأول.

و منه ينقدح احتمال حمل كلامهم أيضا على ذلك كالنصوص فيرتفع الخلاف كما عساه يشهد له عدم معروفية تحريره في كلام الأصحاب عدا ما يحكى عن الفاضل في المختلف حيث نقل القولين و رجح الثاني منهما و يقوى في الذهن أن الكلام في الكعب هو بعينه ما سمعته من البحث فيه في الطهارة (1) و أن المعروف بين الأصحاب إلا النادر في المقامين أنه هو العظم الناتي على ظهر القدم، كما عرفت الحال فيه سابقا. كل ذلك مضافا إلى تأيد ما ذكرنا بمخالفته للعامة الذين جعل الله الرشد بخلافهم بخلاف الأول، و إلى غير ذلك، فلا محيص حينئذ عن القول به.

و من الغريب ما عن التبيان «فأما الرجل فعندنا تقطع الأصابع الأربع من مشط القدم، و يترك الإبهام و العقب» فاني لم أجده قولا لأحد من العامة و الخاصة فضلا عن أن يكون مجمعا عليه بيننا كما هو ظاهر عبارته و إن كان مناسبا لكيفية قطع اليد و بقاء المسجد.

و كيف كان فان سرق ثالثة حبس دائما حتى يموت أو يتوب و أنفق عليه من بيت المال إن لم يكن له مال، و لا يقطع شيء منه بلا خلاف أجده في شيء من ذلك نصا و فتوى؟ بل يمكن دعوى القطع به من النصوص.

____________

(1) راجع ج 2 ص 215.

534

و في بعضها

عن أبي جعفر (1) (عليه السلام) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في السارق إذا سرق قطعت يمينه، ثم إذا سرق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة أخرى سجن و تركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط و يده اليسرى يأكل بها و يستنجي بها، و قال (عليه السلام): إني لأستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشيء و لكن أسجنه حتى يموت في السجن، و قال: ما قطع رسول الله (صلى الله عليه و آله) من سارق بعد يده و رجله».

و في آخر (2) عن الصادق (عليه السلام) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا سرق الرجل أولا قطع يمينه، فان عاد قطع رجله اليسرى، فان عاد ثالثة خلد في السجن، و أنفق عليه من بيت المال»

و عن الباقر (عليه السلام) في الصحيح (3) «الأشل إذا سرق قطعت يمينه على كل حال شلاء كانت أو صحيحة، فإن عاد فسرق قطعت رجله اليسرى، فان عاد خلد في السجن و أجري عليه من بيت مال المسلمين، و كف عن الناس»

و عن الصادق (عليه السلام) (4) «لا يخلد في السجن إلا ثلاثة الذي يمثل، و المرأة ترتد عن الإسلام، و السارق بعد قطع اليد و الرجل»

إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى تواترها أو القطع بمضمونها.

و لو سرق بعد ذلك من السجن أو غيره قتل بلا خلاف أجده فيه أيضا كما في المرسل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5)

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

(5) المستدرك- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

535

و في خبر سماعة (1) عن الصادق (عليه السلام) «إذ أخذ السارق قطع يده من وسط الكف، فان عاد قطعت رجله من وسط القدم، فان عاد استودع في السجن، فان سرق من السجن قتل»

و عن الفقيه روي (2) أنه «إن سرق في السجن قتل»

إلى غير ذلك مما دل عليه مؤيدا بما دل على قتل ذوي الكبائر في الرابعة.

و لو تكررت منه السرقة و لم يظفر به ثم ظفر به فالحد الواحد كاف سواء اتحد المسروق منه أو اختلف بلا خلاف أجده فيه بين العامة و الخاصة، كما اعترف به غير واحد، للأصل بعد اختصاص نصوص تعدد القطع في غير الفرض، و خصوص

الصحيح (3) «في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرة أخرى فلم يقدر عليه و سرق مرة أخرى فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الأولى و الأخيرة، فقال:

تقطع يده بالسرقة الأولى، و لا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة، فقيل له: و كيف ذلك؟ قال: لأن الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الأولى و الأخيرة قبل أن يقطع بالسرقة الأولى».

و ظاهره أن القطع للسرقة الأولى، و سيأتي تمام الكلام فيه إن شاء الله.

و لا تقطع اليسار مع وجود اليمين الصحيحة إجماعا و نصوصا بل تقطع اليمين و لو كانت شلاء بل و كذا لو كانت اليسار شلاء خاصة بل أو كانتا شلاوين قطعت اليمين على التقديرين وفاقا للمشهور، بل عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه، لإطلاق الأدلة

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السرقة- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

536

و خصوص

صحيح عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق، قال: تقطع يده اليمنى على كل حال»

و في آخر (2) و غيره «إن الأشل إذا سرق قطعت يمينه على كل حال شلاء كانت أو صحيحة»

نعم عن المبسوط و الوسيلة «إن قال أهل العلم بالطب: إن الشلاء متى قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة كانت كالمعدومة، و إن قالوا: تندمل قطعت» و نحو ذلك عن القاضي، بل و الفاضل في المختلف مراعاة للاحتياط في الحدود، حيث لا يراد منها القتل، و الغرض حصول الخطر عليه بذلك، و استحسنه في المسالك و هو كذلك تنزيلا لإطلاق النصوص على غير الفرض، بل يمكن تنزيل إطلاق الفتوى و معقد الإجماعين عليه، خصوصا الأول بقرينة كلامه في المبسوط، فلا يكون حينئذ خلاف في المسألة، نعم قد يقال إنه مع عدم العلم بالحال له القطع و إن خيف ذلك، للإطلاق و لأن سراية الحد غير مضمونة و إن أقيم في حر أو في برد، هذا و عن الإسكافي عدم القطع على من كانت يساره شلاء أو معدومة بل يخلد في الحبس، لأن القطع يؤدي إلى فقد اليدين، إذ الشلاء كالمعدومة، و المعهود من حكمة الشارع إبقاء إحدى اليدين له، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في مرسل المفضل ابن صالح (3) «إذا سرق الرجل و يده اليسرى شلاء لم تقطع يمينه و لا رجله»

و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (4) «سأله (عليه السلام) لو أن رجلا قطعت يده اليسرى في قصاص فسرق ما يصنع به؟ فقال:

لا يقطع و لا يترك بغير ساق»

إلا أن الأول غير جامع لشرائط الحجية،

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

537

فضلا عن صلاحيته للمعارضة، كقصور الثاني عنها من وجوه، فيطرح أو يحمل على إظهاره التوبة.

و لو لم يكن له يسار قال في المبسوط و تبعه الأكثر بل المشهور قطعت يمينه بل لم أجد فيه خلافا إلا ما سمعته من المحكي عن أبي علي للعمومات و غيرها إلا أنك قد سمعت ما في رواية عبد الرحمن ابن الحجاج الصحيحة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المعتضدة بمرسل المفضل (2) و العلة السابقين من أنها لا تقطع بل في المسالك هنا «لو قيل بمضمونها- و خص الحكم بقطعها في القصاص كما دلت عليه ليخرج ما لو قطعت في السرقة فإنه لا يمنع حينئذ من قطع اليمين- كان وجها».

و لكن مع ذلك الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، باعتبار شذوذ القائل بالصحيح المزبور، خصوصا بعد احتماله ما عرفت مما لا بأس به بعد رجحان المعارض المقتضي للطرح، و بعد إجمال ما فيه من

قوله (عليه السلام): «و لا يترك بغير ساق»

و إن قيل إن الساق في اللغة الأمر الشديد فلعل المراد بقوله (عليه السلام): «و لا يترك بغير ساق» أنه لا يقطع و لا يترك أيضا من دون أمر آخر شديد مكان القطع، بل يفعل به ما يقوم مقام قطع اليد.

أما لو كان له يمين حين حصول موجب القطع فذهبت لم تقطع اليسار مطلقا من الرجل و اليد قولا واحدا، كما في المسالك و الظاهر انتفاء الخلاف فيه في كشف الكلام، و لعله لتعلق القطع حينئذ بالذاهبة فيذهب بذهابها نحو جناية العبد المتعلقة برقبته، إذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

538

لا دليل على الانتقال لغير ذلك على وجه يصلح قاطعا للأصل الذي مقتضاه عدم القطع و غيره.

نعم لو سرق و قد كان لا يمين له لخلقة أو لقصاص أو غيرهما مما هو غير القطع لسرقة قال في النهاية و محكي الوسيلة و الكامل قطعت الأخرى أي يساره لعموم الآية (1) في الأيدي المقتصر في تقييدها باليمنى على حال وجودها كالاقتصار في قطع الرجل اليسرى على السرقة الثانية.

و قال في المبسوط عندنا ينتقل إلى رجله اليسرى و إن كان الأول قد روي أيضا و تبعه في محكي المهذب و لعله لأنها ثبتت محلا للقطع في الجملة بخلاف يسرى اليدين.

و لو سرق و لم يكن له يد لا يمني و لا يسار فعن المبسوط أيضا قطعت رجله اليسرى لما عرفت، و في كشف اللثام في النهاية اليمنى، و لعله لأنه أقرب إلى اليد اليمنى.

و لو سرق و لا يد له و لا رجل أصلا ففي النهاية حبس دائما، و لعله لثبوته عقوبة للسرقة في الجملة، هذا و الموجود في ما حضرني من نسخة معتبرة للنهاية «و إن سرق و ليس له اليمنى فان كانت قد قطعت في القصاص أو غير ذلك و كانت له اليسرى قطعت يسراه، فان لم تكن أيضا اليسرى قطعت رجله، فان لم تكن له رجل لم يكن عليه أكثر من الحبس على ما بناه».

و على كل حال ف في الكل اشكال من حيث انه تخط عما عينه الشارع من موضع القطع و الحبس فيقف على

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 38.

539

إذن الشرع، و هو مفقود إذ الآية (1) بعد تفسيرها في النص و الفتوى باليمنى لا وجه للتمسك بعمومها، كما أنه لا وجه لقطع الرجل اليسرى بعد تقييد قطعها فيهما أيضا بالسرقة الثانية فضلا عن اليمنى التي لم يثبت لها قطع أصلا، و الحبس الدائمي إنما هو للثالثة على الوجه الذي عرفت، و لعله لذا كان المحكي عن ابن إدريس التعزير في الأخير، بل عن المختلف نفي البأس عنه، بل عن نكت المصنف اختياره أيضا، بل عن الحلبيات للشيخ «المقطوع اليدين و الرجلين إذا سرق ما يوجب القطع وجب أن نقول الامام مخير في تأديبه و تعزيره أي نوع أراد يفعل، لأنه لا دليل على شيء بعينه، و إن قلنا يجب أن يحبس أبدا- لانتفاء إمكان القطع و غيره ليس بممكن، و لا يمكن إسقاط الحدود- كان قويا.» قلت لا يخفى عليك ما في الأخير الذي جعله قويا، فالمتجه حينئذ سقوط الحد بسقوط موضوعه الثابت من الأدلة، خصوصا بعد درئه بالشبهة، فيبقى التعزير المنوط بنظر الحاكم في ذلك كله و في من سرق و لا يدين له و لا رجل يسرى أو لا يمني، إذ احتمال الانتقال إلى الثانية أو الحبس دائما قد عرفت ما فيه، بل قد يقال بثبوت التعزير حتى لو سرق ثانيا أو ثالثا و إن كان المحل موجودا إلا أنه مترتب على حصول القطع أولا و الفرض عدمه.

و يسقط الحد خاصة بالتوبة قبل ثبوته كغيره من الحدود بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه،

و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2) «السارق إذا جاء من قبل نفسه تائبا إلى الله عز و جل ورد سرقته على صاحبها فلا قطع عليه»

و أحدهما

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 38.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

540

(عليهما السلام) في مرسل جميل (1) «في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه و لم يؤخذ حتى تاب و صلح: إذا صلح و أصلح و عرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد»

و هو واضح.

نعم يتحتم لو تاب بعد البينة بلا خلاف محقق أجده فيه، و إن قيل أطلق الحلبيان جواز عفو الإمام إذا تاب بعد الرفع، لكن على تقديره محجوج بالاستصحاب و إطلاق

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) للأشعث «إذا قامت البينة فليس للإمام أن يعفو»

و غير ذلك مما عرفته سابقا و إطلاق الخبرين السابقين ظاهر سيما الثاني منهما في التوبة قبل قيام البينة، مع أن مقتضاهما تحتم السقوط لا تخير الإمام كدعوى أولوية سقوط عقاب الدنيا من سقوط عقاب الآخرة لو سلمت. و لو تاب بعد الإقرار عند الحاكم مرتين قيل و القائل ابن إدريس يتحتم القطع للأصل و عموم ما دل على حجية الإقرار و خصوص صحيحي ابن مسلم و الحلبي المتقدمين سابقا في مسألة الرجوع.

و قيل كما عن النهاية و الجامع و إطلاق الكافي و الغنية، بتخير الإمام في الإقامة و العفو اعتمادا على إسقاط التوبة عقاب الآخرة الذي هو أعظم، و على رواية فيها ضعف بالإرسال و غيره كما سمعته في مسألة الرجوع، بل مقتضاهما تخيير الإمام في الإقرار مع التوبة و عدمها، و لم يقل به الخصم، و عالم الآخرة لا يقاس على عالم الدنيا، و إلا كان مقتضاه السقوط حتما لا تخييرا، و كذا لا يقاس ما نحن فيه على ما تقدم من التخيير في الإقرار بما يوجب الجلد أو الرجم خصوصا مع إمكان الفارق، فالمتجه حينئذ عدم السقوط، هذا و لم نتحقق هنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

541

من أحد إلحاق الرجوع بالتوبة في التخيير المزبور إلا ما سمعته من الخلاف مدعيا الإجماع عليه، و قد عرفت الحال فيه سابقا، و من ذلك يعلم ما في نقل بعض الأفاضل من اتحاد القائل في المسألتين كما سمعته سابقا.

و لو قطع الحداد يساره مع العلم فعليه القصاص لعموم الأدلة إلا مع الإذن من السارق له بذلك بناء على أنها تسقط القصاص، و على كل حال ف لا يسقط قطع اليمين بالسرقة بلا خلاف بل و لا إشكال، للأصل و إطلاق الأدلة و تعلق الحق نعم لو ظنها اليمين فعلى الحداد الدية لأنها من شبيه العمد الذي مقتضاه ذلك.

و هل يسقط قطع اليمين قال في المبسوط و تبعه الفاضل في محكي التحرير لا يسقط للأصل و إطلاق الأدلة و لتعلق حق القطع بها قبل ذهابها و لكن في رواية محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) قال: لا تقطع يمينه و قد قطعت شماله و لفظ

الخبر المزبور «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أمر به أن يقطع يمينه فقدموا شماله فقطعوها و حسبوها يمينه، فقالوا: إنما قطعنا شماله أ نقطع يمينه؟ فقال: لا تقطع يمينه و قد قطعت شماله»

بل عن الفقيه و المختلف اختياره، بل زاد في الأخير

«أنه قطع من مساوي اليمين للسرقة فيسقط، لاستيفاء مساوي الحق منه»

و فيه منع مساواته للحق، و ضعف الخبر المزبور و لا جابر، و ما في كشف اللثام من أن الخبر و حصول الشبهة به دليل تنزيل اليسرى منزلة اليمنى لا حاصل له كما أن ما في غيره أيضا من أنه يصبر حينئذ كفا قد اليسرى كذلك أيضا بعد ما عرفت سابقا قطع اليمنى على كل حال، و لعله

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد السرقة- الحديث 1- 0.

542

لذا اقتصر المصنف على نقل القول و الرواية مؤذنا بتردده في الحكم، بل المتجه الجزم بالعدم خصوصا بعد أخذه الدية من الحداد.

و إذا قطع السارق استحب حسمه بالزيت المغلي نظرا له كما هو المحكي من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) (1) و أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) بل

روي عنه (صلى الله عليه و آله) (3) «أنه أتي بسارق، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثم احسموه»

و قد سمعت ما في خبر ابن مسلم (4) السابق من الأمر بالمعالجة و إطعام السمن و العسل و اللحم إلى البرء، و في خبر منصور (5) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بسراق فقطع أيديهم، ثم قال: يا قنبر، ضمهم إليك فداو كلومهم، و أحسن القيام عليهم، فإذا برؤوا فأعلمني، فلما برؤوا أتاه فقال:

يا أمير المؤمنين القوم الذين أقمت عليهم الحدود قد برئت جراحاتهم، قال: اذهب فاكس كل واحد ثوبين و آتني بهم، فكساهم ثوبين ثوبين و أتى بهم في أحسن هيئة مشتملين كأنهم قوم محرمون، فمثلوا بين يديه قبالا فأقبل على الأرض ينكتها بإصبعه مثليا ثم رفع رأسه إليهم، فقال:

اكشفوا أيديكم، ثم قال: ارفعوا إلى السماء فقولوا اللهم إن عليا قطعنا ففعلوا فقال: اللهم على كتابك و سنة نبيك، ثم قال يا هؤلاء إن تبتم سلمت أيديكم و إن لا تتوبوا ألحقتم بها، يا قنبر خل سبيلهم، و أعط كل واحد منهم ما يكفيه إلى بلده».

____________

(1) كنز العمال ج 5 ص 322 الرقم 2165 الطبع الحديث.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد السرقة.

(3) سنن البيهقي ج 8 ص 271.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد السرقة- الحديث 3 و هو عن حذيفة بن منصور.

543

و على كل حال ف ليس ذلك بلازم للإمام عندنا للأصل، فان أهمل فعله المقطوع استحبابا، كمداواة غيره من كلومه و أمراضه، و حينئذ فمئونته عليه دون الحاكم أو بيت المال للأصل خلافا لبعض العامة فجعله من تتمة الحد، لان فيه مزيد إيلام، و لا زال الولاة يفعلون ذلك، و هو كما ترى، و في قول المصنف: «نظرا له» تعريض به، نعم إن لم يقدر على ذلك كان على بيت المال نحو غيره.

و من السنة تعليق اليد المقطوعة في رقبة السارق

للمروي (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه أتي بسارق فأمر به فقطعت يده ثم علقت في رقبته»

و لما فيه من التنكيل و الزجر له و لغيره، نعم تقدير المدة راجع إلى الامام، لعدم النص عليه.

و سراية الحد ليست مضمونة و إن أقيم في حر أو برد و المستحب تحري خلافهما بل كان حقا للناس أو لله تعالى شأنه لأنه استيفاء سائغ و لانه محسن، كما تقدم الكلام في ذلك و في الخلاف فيه.

[الخامس في اللواحق]

الخامس في اللواحق و هي مسائل:

[المسألة الأولى يجب على السارق إعادة العين المسروقة]

الأولى لا خلاف بيننا في أنه يجب على السارق و ان قطع إعادة

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 275.

544

العين المسروقة و أنه إن تلفت أغرم مثلها أو قيمتها إن لم يكن له مثل مؤسرا كان أو معسرا و أيسر بعد ذلك بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص العامة و الخاصة، ك

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1).

«السارق يتبع بسرقته و إن قطعت يده، و لا يترك أن يذهب بمال امرئ مسلم»

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر سلمان بن خالد (2) «إذا سرق السارق قطعت يده و غرم ما أخذ»

و في مرفوع صالح بن سعيد (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن رجل يسرق فتقطع يده بإقامة البينة عليه و لم يرد ما سرق كيف يصنع به في مال الرجل الذي سرق منه.؟ أو ليس عليه رده؟ و إن ادعى أنه ليس عنده قليل و لا كثير و علم ذلك منه، قال: يستسعى حتى يؤدي آخر درهم سرقة»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة عليه، بل هو كالضروري من المذهب، خلافا لما عن أبي حنيفة «لا أجمع بين القطع و الغرم للعين التالفة، فان غرم له سقط القطع، و إن سكت المالك حتى قطع سقط الغرم» و قال في العين الباقية: «إن صنع فيها فأبدلها و جعلها كالمستهلكة لم يردها، كما إذا صبغ الثوب أسود لا أحمر، فان السواد بمنزلة استهلاكه، و كما إذا صنع من الحديد أو النحاس آلة أو آنية لا من أحد النقدين، فإن الصنعة فيهما غير متقومة و لذا لا يرفع عنهما حكم الربا» و قد تقدم في كتاب الغصب بعض مذاهبه التي خالف فيها إجماع المسلمين أو الضرورة من الدين، و لذا

قال الصادق (عليه السلام) (4) مشيرا إلى فتواه في البغل المغصوب

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد السرقة- الحديث- 4.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد السرقة- الحديث- 1 و هو عن سليمان بن خالد.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد السرقة- الحديث- 2.

(4) الوسائل- الباب- 17- من كتاب الإجارة- الحديث 1.

545

المعروفة: «من هذه و شبهها تحبس السماء قطرها»

و نحوه ما عن مالك من أنه «إن تلفت العين غرمها السارق إن كان مؤسرا، و لم يغرمها إن كان معسرا و لو أيسر بعد ذلك» و الحمد لله الذي عافانا ببركة محمد و أهل بيته (صلوات الله عليهم) من كثير مما ابتلى به خلقه.

و على كل حال فالمسروق بحكم المغصوب في ما سمعت و في أنه إن نقصت العين عنده بفعله أو بغير فعله فعليه أرش النقصان و لو زادت فالزائد للمالك و إن كانت منفعة لأنها تابعة للعين في الملك، و لو كان لها أجر فعليه الأجرة.

و لو مات صاحبها دفعت إلى ورثته، و إن لم يكن له وارث فإلى الإمام (عليه السلام) كغيره مما هو كذلك بلا خلاف و لا إشكال، بل هو كالضروري من مذهب الإمامية عن أئمتهم (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) عن جبرائيل عن الله تعالى، و في خبر حمزة بن حمران (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سارق عدا على رجل من المسلمين فعقره و غصب ماله، ثم إن السارق بعد تاب، فنظر إلى مثل المال الذي كان غصبه و حمله إليه و هو يريد أن يدفعه إليه و يتحلل منه مما صنع منه، فوجد الرجل قد مات فسأل معارفه هل ترك وارثا؟ فقالوا لا، و قد سألني أن أسألك عن ذلك حتى ينتهي إلى قولك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن كان الرجل الميت توالى إلى أحد من المسلمين فضمن جريرته و حدثه و أشهد بذلك على نفسه فان ميراث الميت له، و إن كان الميت لم يتوال إلى أحد حتى مات فان ميراثه لإمام المسلمين، فقلت: فما حال الغاصب؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

546

فقال: إذا هو أوصل المال إلى إمام المسلمين فقد سلم، و أما الجراحة فإن الجراح تقتص منه يوم القيامة».

[المسألة الثانية إذا سرق اثنان نصابا ففي وجوب القطع قولان]

المسألة الثانية:

إذا سرق اثنان نصابا بأن أخرجاه معا بوضع أيديهما عليه بعد أن هتكا الحرز أما لو أخرج كل منهما نصف نصاب على حدته فلا خلاف في عدم القطع، إنما الخلاف في الأول ففي وجوب القطع قولان: قال في النهاية يجب القطع كما عن المفيد و المرتضى و جميع أتباع الشيخ بل عن الانتصار و الغنية الإجماع عليه لصدق سرقة النصاب على مجموعهما المستلزم لسقوط الحد مع ترك قطعهما بعد وجود شرائطه، و أحدهما دون الأخر ترجيح بلا مرجح، فليس إلا قطعهما، مضافا إلى ما عن الخلاف من أنه روى أصحابنا أنه إذا بلغت السرقة نصابا و أخرجوها بأجمعهم وجب عليهم القطع و لم يفصلوا، بل في الصحيح (1) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في نفر نحروا بعيرا فأكلوه فامتحنوا أيهم نحر فشهدوا على أنفسهم أنهم نحروه جميعا لم يخصوا أحدا دون أحد فقضى أن تقطع أيمانهم»

و لم يستفصل عن بلوغ نصيب كل منهم نصابا.

و قال في الخلاف و محكي المبسوط إذا نقب ثلاثة فبلغ نصيب كل واحد نصابا قطعوا و إن كان دون ذلك فلا قطع كما

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

547

عن ابني الجنيد و إدريس و الفاضل، بل نسب إلى عامة المتأخرين، بل عن الخلاف الإجماع عليه للأصل المؤيد بما قيل من ان موجب القطع هو إخراج النصاب و لم يحصل من كل منهما، و لا يصح إسناد المعلول الشخصي إلى علل متعددة، و البعض الصادر عن كل منهما ليس موجبا للقطع و إن كان لا يخلو من مناقشة، إلا أنه هو الأقوى على كل حال، ضرورة كون المنساق من النص بل كاد يكون صريحه غير الفرض الباقي على مقتضى الأصل بعد تعارض المحكي من الإجماع و الشهرة و إن تعدد الأول منهما، و ضعف الثاني بعدم الموافق له من القدماء غير الإسكافي و كون الصحيح المزبور قضية في واقعة، و المرسل لم يعرف من أحد نقله، و جبره بالشهرة المتقدمة معارض بوهنه بالشهرة المتأخرة، و لا أقل من ذلك كله حصول الشبهة الدارئة، و حينئذ ف التوقف أحوط بل الظاهر اعتبار القطع في بلوغ قدر النصاب، فلا يكفي اجتهاد المجتهد للدرء أيضا و عن العامة وجه بالاكتفاء باجتهاد المجتهد، و لكنه واضح الضعف و الله العالم.

[المسألة الثالثة لو سرق و لم يقدر عليه ثم سرق ثانية قطع]

المسألة الثالثة:

لو سرق و لم يقدر عليه ثم سرق ثانية فأخذ و رفع و أقيمت عليه البينة بهما معا دفعة واحدة أو أقر بهما كذلك قطع بالأولى كما في القواعد و عن المقنع و الفقيه و الكافي لتقدمها في السببية و ثبوت القطع بها و لم يطرأ مسقط، و ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر بكير

548

ابن أعين (1) بل حسنه القريب من الصحيح أو الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرة أخرى فأخذ فجائت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الأولى و السرقة الأخيرة، فقال: تقطع يده بالسرقة الأولى و لا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة فقال كيف ذاك؟ فقال لأن الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الأولى و الأخيرة قبل أن تقطع بالسرقة الأولى، و لو أن الشهود شهدوا عليه بالسرقة الأولى ثم أمسكوا حتى تقطع يده ثم شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة قطعت رجله اليسرى،»

و هو نص في المطلوب.

لا ب السرقة الأخيرة كما هو خيرة المصنف لأنه قد أخذ فيها، قيل و تظهر فائدة القولين لو عفا من حكم بالقطع لأجله مع تعدد المسروق منه، و في المسالك «و الحق أنه يقطع على كل حال حتى لو عفا أحدهما قطع بالأخرى لأن كل واحدة سبب تام في استحقاق القطع مع المرافعة، و تداخل الأسباب على تقدير الاستيفاء لا يقتضي تداخلها مطلقا لأنه على خلاف الأصل» و فيه منع كون الثانية سببا تاما في استحقاق القطع بعد فرض ثبوتهما دفعة واحدة، بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص.

و من ذلك يظهر لك ما في كشف اللثام حيث انه بعد أن ذكر فائدة الخلاف المزبورة قال: «و عندي انه لا أثر له فان الخلاف في الظاهر لو طولب بالسرقتين، فإنه لو طولب بإحداهما تعين القطع لها، أولة كانت أو ثانية كما نص عليه في المختلف، و لا عفو بعد المطالبة كما عرفت، و لذا أطلق الشيخ و جماعة أن عليه قطعا واحدا» إذ فيه إمكان

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

549

فرض العفو من أحدهما عن القطع قبل الثبوت عند الحاكم ثم رفعه لإرادة المال فأثبتا سرقته له دفعة، فمع كون الأول الذي عفا لم يكن عليه قطع بناء على القطع بسرقته في الفرض، و احتمال تعين القطع للثاني يدفعه أنه خلاف ظاهر النص المزبور، و يمكن فرضه بالإقرار بهما عند الحاكم مرتين بلا رفع من المسروقين فعفا الأول منهما مثلا، و كذا لو ثبت بينة الحسبة ثم عفا الأول مثلا.

و على كل حال أغرم المالين لهما لعدم مدخلية القطع بالأولى أو الثانية في ذلك كما هو واضح، و لعله على نحو ذلك يحمل

خبر عيسى (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): السارق يسرق العام فيقدم إلى الوالي ليقطعه فيوهب، ثم يؤخذ في قابل و قد سرق الثانية فيقدم إلى السلطان فبأي السرقتين يقطع؟ قال يقطع بالأخيرة و يستسعى بالمال الذي سرقه أولا حتى يرده على صاحبه».

و لو قامت الحجة بالسرقة ثم أمسكت حتى قطع بها ثم شهدت هي أو غيرها عليه بأخرى ثانية قال في النهاية و الخلاف قطعت يده بالأولى و رجله بالثانية استنادا إلى الرواية السابقة (2) بل هو المحكي عن الصدوق أيضا و ابني حمزة و سعيد بل عن الخلاف الإجماع عليه.

و توقف بعض الأصحاب فيه بل عن الشيخ في المبسوط و ابن إدريس الجزم بالعدم، بل هو خيرة الفاضل في محكي المختلف و التحرير، بل عن الخلاف الاعتراف بقوته، بل في المتن و هو أولى للأصل و للشبهة لضعف الخبر و اختصاص دليل قطع الرجل بما سرق بعد قطع اليد اليمنى و إن كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

550

قد يناقش فيه بأصالة عدم التداخل في الفرض، فلا شبهة حينئذ، مضافا إلى عدم ضعف الخبر المزبور في الكافي بل هو حسن كالصحيح أو صحيح، لعدم الاختصاص على وجه الشرطية، و لذا تقطع يمناه بالثانية مع فرض العفو عن الأولى، و لو سلم فهو مقيد بالخبر المزبور، فالعمل به حينئذ متجه.

[المسألة الرابعة قطع السارق موقوف عندنا على مطالبة المسروق]

المسألة الرابعة:

قطع السارق موقوف عندنا على مطالبة المسروق برفعه إلى الحاكم للأصل الذي لا يقطعه الإطلاق بعد تقييده بالنص المعتضد بالفتوى، و حينئذ فلو لم يرافعه لم يرفعه الامام و إن قامت عليه البينة حسبة أو علم به الحاكم أو أقر به عنده مرتين،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر الحسين بن خالد (1) «الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، و لا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، و إذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره و ينهاه و يمضي و يدعه، قال كيف ذاك؟ قال:

لأن الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، و إذا كان للناس فهو للناس»

مؤيدا بما سمعته في سرقة قميص صفوان (2) الصريح بالسقوط بالعفو قبل الرفع و غير ذلك، فما عن الخلاف و المبسوط- من أنه يقطع إذا ثبت بالإقرار، لعموم

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

551

النصوص، و لأنه إنما كان لا يقطع بدون مطالبة المالك، لاحتمال الشبهة أو الهبة أو الملك، و ينتفي مع الإقرار، و لأنه إنما كان لا يقطع نظرا له و إبقاء عليه، فإذا أقر فكأنه الذي أقدم بنفسه على إقامة الحد عليه- واضع الضعف، و إن نفى عنه البأس في كشف اللثام، ضرورة إطلاق النص المزبور المعتضد بفتاوى الأصحاب التي مقتضاها تغليب حق الآدمي على حق الله تعالى في المقام بخلافه في الزناء الذي لا يسقط بإباحة الوطء و لا بالعفو دون السرقة، و لذا لو كان المسروق منه غائبا أخر إلى أن يحضر و يرافع بخلاف ما إذا شهد الأربعة على الزناء بجارية الغائب، فإنه يقام الحد على المشهود عليه، و لا ينتظر حضور الغائب، و ليس إلا للفرق بينهما بما عرفت، بل في المسالك «و لأن السقوط إلى القطع أسرع منه إلى حد الزناء ألا ترى أنه لو سرق مال ابنه لا يقطع، و لو زنى بجاريته يحد».

قلت قد تقدم للمصنف و غيره في كتاب النكاح (1) أنه لا حد على الوالد بالزناء بجارية ولده دون العكس، إلا أنه لم يحضرني التصريح باستثناء ذلك في كتاب الحدود، بل مقتضى إطلاقهم فيه ما سمعته من المسالك، و على كل حال فما عن بعض العامة من القطع ببينة الحسبة في غير محله، كما عن آخر من إيقاف حد الزناء على حضور المالك.

و حينئذ ف لو وهبه المال المسروق قبل الرفع إلى الامام سقط الحد، و كذا لو عفا عن القطع بلا خلاف أجده فيه،

قال الصادق (عليه السلام) (2) في خبر سماعة:

____________

(1) راجع ج 29 ص 355.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

552

«من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له، فإذا رفع إلى الامام قطعه، فان قال الذي سرق منه أنا أهب له لم يدعه الإمام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، و إنما الهبة قبل أن يرفع الى الامام، و ذلك قول الله عز و جل «وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ» (1) فإذا انتهى إلى الامام فليس لأحد أن يتركه»

و سأله الحلبي (2) أيضا «عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه فقال: إن صفوان بن أمية كان مضطجعا في المسجد فوضع رداءه و خرج يهريق الماء فوجد رداءه سرق حين رجع، فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال النبي اقطعوا يده، فقال: صفوان تقطع يده لأجل ردائي يا رسول الله، قال نعم، قال: فأنا أهبه له، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلى؟ قلت: فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه، قال نعم، و سئلته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الامام، فقال: حسن»

و نحوه خبر الحسين ابن أبي العلاء (3) عنه (عليه السلام) و في صحيح ضريس (4) عن الباقر (عليه السلام) «لا يعفى عن الحدود التي لله دون الإمام، فأما ما كان من حقوق الناس فلا بأس أن يعفى عنه دون الامام»

و في خبر السكوني (5) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا تشفعن في

____________

(1) سورة التوبة 9- الآية 112.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(3) أشار إليه في الوسائل في الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود الحديث 2 و ذكره في الكافي ج 7 ص 252.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

553

في حد إذا بلغ الإمام، فإنه لا يملكه، و أشفع في ما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الدم» و عن الكافي و الفقيه «إذا رأيت الندم»

إلى غير ذلك، و الظاهر إرادة العفو عن القطع من العفو و هبة المال من الهبة و إن احتملت الأول أيضا و يحتملهما معا الشفاعة، و على كل حال فالعفو و الهبة قبل الأخذ للحاكم.

فأما بعد المرافعة إليه فإنه لا يسقط بهبة و لا عفو بلا خلاف أجده فيه، لما سمعته من النصوص، و للأصل و غير ذلك.

و من ذلك كله يعلم الوجه في قول المصنف

[فرع لو سرق مالا فملكه قبل المرافعة سقط الحد]

فرع: لو سرق مالا فملكه بشراء و نحوه قبل المرافعة سقط الحد لما سمعته من النص على الهبة التي لا فرق بينها و بين غيرها من وجوه التملك المقتضي لعدم توجه دعوى صاحب المال عليه بحيث يستحق أخذه إلى الحاكم و مرافعته إليه، نعم لو ملكه بعد المرافعة و ثبوت السرقة عليه لم يسقط الحد للأصل و غيره: و الله العالم.

[المسألة الخامسة لو أخرج المال من حرزه و أعاده إلى الحرز لم يسقط الحد]

المسألة الخامسة:

لو أخرج السارق المال من حرزه و أعاده إلى الحرز فعن المبسوط و الخلاف لم يسقط الحد، لحصول السبب التام للقطع، و هو إخراج النصاب و لكن فيه تردد كما في القواعد من حيث أن القطع موقوف على المرافعة، فإذا دفعه إلى محل حرزه فكأنه دفعه إلى صاحبه ف لم تبق له مطالبة

554

يستحق بها القطع، و إنما تمكن المطالبة لو أعاده و لم يعلم المالك و لا أظهره السارق إذا رفع أو تلف في الحرز قبل الوصول إلى المالك.

و ربما وقع النظر بأن عبارة المبسوط كذا «فإن نقبا معا فدخل أحدهما فأخذ نصابا فأخرجه بيده إلى رفيقه و أخذه رفيقه و لم يخرج هو من الحرز كان القطع على الداخل دون الخارج، و هكذا إذا رمى به من داخل فأخذه رفيقه من خارج، و هكذا لو أخرج يده إلى خارج الحرز و السرقة فيها ثم رده إلى الحرز فالقطع في هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج، و قال قوم: لا قطع على واحد منهما.

و الأول أصح» و نحوها عبارة الخلاف، و ظاهره تلف المال بعد الرد إلى الحرز قبل الوصول إلى المالك كما في المسألتين الأولتين و أنه إنما ذكر المسألة لبيان أن القطع على الداخل أو الخارج أو لا قطع، و لو أراد العموم أمكن أن يريد أنه لا يسقط منه القطع و إن لم يقطع لعدم المطالبة، كما قال بعيد ذلك: «إذا سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة أو شراء لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها قبل الرفع إلى الحاكم أو بعده، إلا أنه إن ملكها قبل الرفع لم يقطع، لا لأن القطع يسقط، لكن لأنه لا مطالب له بها، و لا قطع بغير مطالبة بالسرقة» و نحوه في الخلاف.

و فيه أنه لا إشعار في كلامه بتلف المال بعوده إلى الحرز فضلا عن الظهور، و أبعد منه ما ذكره أخيرا على فرض إرادة العموم خصوصا بعد قوله: «إن القطع في المسائل الثلاثة على الداخل دون الخارج» مضافا إلى ما في كلام الشيخ نفسه من المنافاة لظاهر الأدلة السابقة المقتضية عدم ثبوت القطع بعدم استحقاق المطالبة لهبة المال أو بيعه أو

555

نحو ذلك كما عرفت.

بل و كذا ما في المسالك، فإنه بعد أن ذكر إشكال الفاضلين في ذلك و وجهه قال: «و فيه نظر، لأن مجرد رده إلى الحرز لا يكفي في براءة السارق من الضمان من دون أن يصل إلى يد المالك، و من ثم لو تلف قبل وصوله إليه ضمنه، فله المرافعة حينئذ، و يترتب عليها ثبوت القطع، نعم لو وصل إلى يد المالك ضعف القول بالقطع جدا، و بهذا يصير النزاع في قوة اللفظي، لأنه مع وصوله إلى المالك لا يتجه القطع أصلا، و بدونه لا يتجه عدمه، و التعليلان مبنيان على هذا التفصيل».

قلت: قد يقال بعدم القطع و إن تلف في الحرز بعد العود، للشك في ثبوت القطع بمثل السرقة المزبورة، و كونه في ضمانه لا يقتضي القطع كالذي لم يخرجه عن الحرز، بل هو واضح في مفروض المبسوط الذي سمعته، ضرورة عدم إخراجه من الحرز بمجرد إخراج يده من الحرز و السرقة فيها، و لعل الفاضل أراد الإشكال في ما ذكره بخصوصه و إن حكيا عنه الأعم من ذلك، و الله العالم.

و لو هتك الحرز جماعة فأخرج المال من الحرز أحدهم ف قد عرفت سابقا أن القطع عليه خاصة بلا خلاف أجده فيه بيننا لانفراده بالموجب الذي هو إخراج المال من الحرز بعد هتكه و لو بالاشتراك مع غيره على السوية أو مع التفاوت، فهو السارق حينئذ دون شركائه بالهتك، فما عن أبي حنيفة- من توزيع السرقة عليهم، فإن أصاب كل منهم قدر النصاب قطعهم- واضح الفساد.

و لو قربه أحدهم من النقب مثلا و أخرجه الآخر فالقطع

556

على المخرج له من الحرز لذلك أيضا، ضرورة عدم صدق السرقة على الأول بالتقريب، إذ هو كرفع المال في الحرز من مكان إلى مكان آخر، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من عدم القطع على أحد منهما، لعدم صدق الإخراج من الحرز على كل منهما، و هو كما ترى، ضرورة اختصاص الصدق بالأخير منهما بعد فرض بقائه في الحرز و إن قربه الأول.

و كذا لو وضعها الداخل في وسط النقب و أخرجها الخارج وفاقا للسرائر محتجا بالصدق المزبور و أطنب في بيان ذلك قال فيها:

«قال و قال خ ل شيخنا «أبو جعفر في مبسوطة في المبسوط خ ل و قلده ابن البراج في جواهر فقهه إذا نقبا معا و دخل أحدهما فوضع السرقة في نفس النقب فأخذها الخارج قال قوم لا قطع على واحد منهما، و قال آخرون عليهما القطع لأنهما اشتركا في النقب و الإخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل أنهما لو نقبا معا و دخلا و أخرجا معا كان عليهما الحد كالواحد، و لأنا لو قلنا لا قطع كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة، لأنه لا إنسان إلا و يشارك غيره فيسرقا و هكذا، و لا يقطع و الأول أصح لأن كل واحد منهما لم يخرجه عن كمال الحرز فهو كما لو وضعه الداخل في بعض البيت فاجتاز مجتاز فأخذه من النقب، فإنه لا قطع على واحد منهما، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطة، قال محمد ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن القطع على الآخذ الخارج، لأنه نقب و هتك الحرز و أخرج المال منه، و لقوله تعالى