جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
557

«وَ السّارِقُ» (1) و هذا صادق، فمن أسقط القطع عنه فقد أسقط حدا من حدود الله بغير دليل، بل بالقياس و الاستحسان، و هذا من تخريجات المخالفين و قياساتهم على المجتاز، و أيضا فلو كنا عاملين بالقياس ما ألزمنا هذا، لأن المجتاز ما هتك حرزا و لا نقب فكيف يقاس الناقب عليه، و أيضا فلا يخلو الداخل من أنه أخرج المال من الحرز أو لم يخرجه، فأن كان أخرجه فيجب عليه القطع، و لا أحد يقول بذلك، فما بقي إلا أنه لم يخرجه من الحرز و أخرجه الخارج من الحرز الهاتك له، فيجب عليه القطع، لأنه نقب و أخرج المال من الحرز، و لا ينبغي أن تعطل الحدود بحسن العبارات و تزويقها و صقلها و توريقها، و هو قوله: ما أخرجه من كمال الحرز أي شيء هذه المغالطة؟! بل الحق أن يقال: أخرجه من الحرز أو من غير الحرز، و لا عبارة عند التحقيق سوى ذلك، و ما لنا حاجة إلى المغالطات بعبارات كمال الحرز» انتهى.

و نوقش بأن الإخراج إنما يتحقق بفعله، لكونه تمام السبب لا السبب التام، و فرق بين الأمرين، و لعله لذا قال في المختلف: «و التحقيق أن نقول: إن المقدور الواحد إن امتنع وقوعه من القادرين فالقطع عليهما معا لأنه لا فرق حينئذ بين أن يقطعا كمال المسافة دفعة و أن يقطعاها معا على التعاقب، فإن الصادر من كل منهما ليس هو الصادر عن الآخر، بل وجد المجموع منهما، و إن سوغناه فالقطع على الخارج، لظهور الفرق حينئذ بين وقوع القطع منهما دفعة أو على التعاقب».

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 38.

558

و في كشف اللثام «يعني لا خلاف في أنه إن أخرجاه دفعة من كمال الحرز قطعا، فإن امتنع وقوع مقدور واحد من قادرين كان لكل منهما فعل غير فعل الآخر، و بمجموع الفعلين كمل الإخراج من الحرز و كذا في المسألة، فعليهما القطع كما عليهما هناك، و إن ساغ أمكن الفرق بأنهما إذا أخرجاه دفعة فعل كل منهما كمال الإخراج بخلافهما هنا».

و فيه أن ذلك ليس تحقيقا، مضافا إلى ما في المسالك من رده بأنه لا يخفى ضعف هذا البناء في الأمرين معا فان المعتبر في الإخراج المتعارف لا الواقع في اصطلاح المتكلمين الذي يرجع مدركه إلى مجرد الظن.

و في كشف اللثام بعد أن حكى ما سمعته من المختلف قال: «إن الخروج من الحرز آني، و هو نهاية الحركة، فلا فرق بين امتناع وقوع مقدور واحد لقادرين و جوازه في أن الخروج في المسألة إنما تحقق بفعل الآخر و أما ما يفعله من الحركة فلا عبرة بها، كما إذا نقلاه معا من موضعه إلى النقب ثم استقل أحدهما بالإخراج فكما لا عبرة بالحركة إلى النقب فكذا هنا».

و فيه منع كون الإخراج آنيا، ضرورة كونه في العرف مركبا و إنما الآتي الجزء الأخير منه، كما في غيره من المسميات.

و كيف كان فقد تحصل مما ذكرنا القول بالانتفاء، و بالقطع للخارج خاصة، و احتمال القطع لكل منهما كما في القواعد و في كشف اللثام و قيل النقب خارج عن الحرز، فالقطع على الأول، و قد يقال إن الوضع في النقب لا يخلو من أحوال ثلاثة: أحدها أن يكون على حال لا تخرج به عن صدق البقاء في الحرز، و لا ريب في أن القطع حينئذ

559

على الخارج الذي أخذه من المشارك في الهتك، و الثاني أن يكون على حال خرج به عن ذلك، و لا ريب في أن القطع حينئذ على الداخل المخرج له عن الحرز الواضع له في خارج الحرز، و الثالث أن يكون في حال يشك فيه، و المتجه فيه عدم القطع على أحد منهما كما سمعته من الشيخ، للشبهة و للشك في الشرط الذي هو الإخراج من الحرز المقتضي للشك في المشروط، و الله العالم.

و لو هتك الحرز صبيا أو مجنونا ثم كمل فأخرج قبل اطلاع المالك و إهماله ففي القطع نظر من أنه الآخذ و الهاتك، و من خروجه عن التكليف حين الهتك، و حين التكليف إنما أخذ من حرز منهتك، و القطع إنما يترتب عليهما، لأنه المتيقن من النص و الفتوى، فإذا وقع أحدهما حين عدم التكليف لم يترتب عليه عقوبة، و لعله الأقوى، إذ لا أقل من الشبهة الدارئة، و الله العالم.

[المسألة السادسة لو أخرج قدر النصاب دفعة من الحرز وجب القطع]

المسألة السادسة:

لو أخرج قدر النصاب دفعة من الحرز وجب القطع بلا خلاف و لا إشكال و أما لو أخرجه مرارا متعددة ففي وجوبه تردد من العموم، و من الأصل و عدم صدق السرقة من الحرز في الثانية بعد الهتك في الأولى، و لكن أصحه عند المصنف وفاقا للمحكي عن المبسوط و السرائر و الجواهر وجوب الحد طال الزمن أم قصر لأنه أخرج نصابا، و اشتراط المرة

560

في الإخراج غير معلوم.

و فيه منع صدق سرقة النصاب من الحرز مع عدم قصر الزمان بحيث يعد الجميع في العرف سرقة واحدة، إذ هو المدار مع عدم علم المالك و إهماله، و لا أقل من أن يكون ذلك هو المتيقن، و غيره شبهة يسقط معها الحد، و لذا كان المحكي عن أبي الصلاح اعتبار ذلك، بل هو خيرة الفاضل في القواعد و إن فرق بين قصر الزمان و عدمه إلا أن ذلك منه لتحقق الاتحاد، و اليه يرجع ما عن التحرير من أنه إن لم يتخلل اطلاع المالك و لم يطل الزمان بحيث لا يسمى سرقة واحدة عرفا بل في المسالك و هذا قوي، و أما ما عن المختلف «لا يقطع إن اشتهر بين الناس بالدفعة الأولى انهتاك الحرز، لخروجه عن مسمى الحرز، و إلا قطع» فهو لا حاصل له إن لم يرجع إلى ما ذكرنا من عدم القطع مع عدم الدفعة العرفية، و خصوصا مع تعدد الحرز كما عن ظاهر الشيخ و الفاضل و غيرهما، بل ربما جعل الوجهان المزبوران في الحرز المتحد دون المتعدد و إن قيل: لا فرق بينهما للعمومات، لكن فيه أن المدار على صدق السرقة منه دفعة عرفا.

نعم لو أخرج المسروق على التواصل كالطعام و نحوه فهو كالدفعة، إذ الإخراج إنما يتم بإخراج جميعه، و هو إنما يقع دفعة، فما عن بعض من احتمال إخراج نحو الطعام على التواصل أن يكون من إخراج النصاب دفعات لا يخلو من نظر، و لو جمع من البذر المبثوث في الأرض قدر النصاب بناء على أنها حرز لمثله قطع، لأنها كحرز واحد له، فهو كأخذ أمتعة منفرقة في جوانب بيت واحد.

و لو أخرج النصاب من حرزين فصاعدا لم يقطع بناء على ما

561

ذكرنا من اعتبار الاتحاد عرفا إلا أن يكونا في حكم الواحد، بأن يشملهما ثالث كبيتين في دار، فإن إخراجهما من الدار سرقة واحدة، و الله العالم.

[المسألة السابعة لو نقب فأخذ النصاب ثم أخذ قبل إخراجه من الحرز لم يقطع]

المسألة السابعة:

لو نقب فأخذ النصاب ثم أخذ قبل إخراجه من الحرز لم يقطع، للأصل و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر إسحاق (1): «لا قطع على السارق حتى يخرج بالسرقة من البيت، و يكون فيها ما يجب فيه القطع»

و في خبر السكوني (2) «في السارق إذا أخذ و قد أخذ المتاع و هو في البيت لم يخرج بعد قال: ليس عليه القطع حتى يخرج به من الدار».

و كذا إذا أخذه و أحدث فيه حدثا تنقص به قيمته عن النصاب ثم أخرجه مثل أن خرق الثوب أو ذبح الشاة فلا قطع للأصل بعد عدم الصدق و إن كان هو ضامنا لما أحدثه به.

نعم لو أخرج نصابا فنقصت قيمته بفعله أو بغيره بعد الإخراج قبل المرافعة فضلا عما بعدها ثبت القطع لتحقق الشرط، خلافا لأبي حنيفة فلا قطع إن نقصت قيمته قبل القطع للسوق و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد السرقة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

562

[المسألة الثامنة لو ابتلع داخل الحرز ما قدره نصاب فان كان يتعذر إخراجه فهو كالتالف فلا حد]

المسألة الثامنة:

لو ابتلع داخل الحرز ما قدره نصاب فان استهلكه الابتلاع كالطعام لم يقطع، و إن بقيت قيمته بحالها أو غير ناقصة عن النصاب كاللؤلؤة و نحوها فان كان يتعذر إخراجه عادة كالطعام فهو كالتالف فلا حد على المبتلع لعدم الشرط و لو اتفق خروجها بعد خروجه ضرورة عدم صدق الإخراج عن الحرز بعد عدم القصد إلى ذلك و لكن هو ضامن للمال عينا إن اتفق الخروج، و إلا فبالمثل أو القيمة للحيلولة.

و إن كان خروجها مما لا يتعذر و لو بالنظر إلى عادته فخرج و هي في جوفه قطع لأنه يجري مجرى إيداعها في الوعاء و إلا فلو اتفق فساده على خلاف العادة قبل القطع ففي المسالك لم يقطع، قال: «و يظهر من العبارة جواز تعجيل قطعه قبل الخروج في الفرض، و الأولى الصبر إلى أن يخرج دفعا للاحتمال» قلت: لا بأس بالتعجيل مع العلم بأنه خرج مع كونه في جوفه من الحرز، و هو بالغ للنصاب، إذ الفساد بعد ذلك غير قادح في ترتب القطع بعد حصول سببه، نعم لو خرج فاسدا بحيث لا يبلغ النصاب و لم يعلم بحاله قبل الخروج أو بعده أمكن عدم القطع للشبهة التي لا تجدي الأصول هنا في ارتفاعها.

563

و على كل حال فلا ريب في ثبوت القطع في الفرض على ما ذكرناه، خلافا لما عن العامة في أحد القولين من عدم القطع مطلقا، لانه متلف بالابتلاع، و لأنه مكره على الإخراج، فإنه لا يمكنه الخروج لا معها، بل عن الشيخ احتماله، إلا أنه كما ترى واضح الضعف، و الله العالم.

564

[الباب السادس في حد المحارب]

الباب السادس في حد المحارب المحارب كل من جرد السلاح أو حمله لإخافة الناس و لو واحد لو احد على وجه يتحقق به صدق إرادة الفساد في الأرض و في كشف اللثام «المسلمين» و لعله الذي أراده المفيد و سلار حيث قيدا بدار الإسلام، و فيه أن التقييد بها يشمل المسلمين فيها و غيرهم من أهل الذمة و الأمان و نحوهم، كما أن التقييد بالمسلمين يشمل من كان فيها منهم و غيرهم ممن هو في غيرها، و لعل الموافق لعموم الكتاب (1) و السنة (2) و معقد الإجماع تحققه بإخافة كل من يحرم عليه إخافته من الناس من غير فرق بين المسلم و غيره و في بلاد الإسلام و غيرها، و لعله لذا قال في الدروس: «هو من جرد السلاح للاخافة».

و محاربة الله و رسوله تصدق بالاخافة المزبورة لكل من حرم الله

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 33.

(2) الوسائل- الباب- 1 و 2- من أبواب حد المحارب.

565

إخافته كصدقها على ما كان منها في بر أو بحر ليلا أو نهارا في مصر و غيره

قال الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): «من شهر السلاح في مصر من الأمصار فعقر اقتص منه و نفي من تلك البلد، و من شهر السلاح في مصر من الأمصار و ضرب و عقر و أخذ المال و لم يقتل فهو محارب فجزاؤه جزاء المحارب، و أمره إلى الإمام إن شاء قتله و صلبه، و إن شاء قطع يده و رجله، قال: و إن ضرب و قتل و أخذ المال فعلى الامام إن يقطع يده اليمنى بالسرقة ثم يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه، فقال له أبو عبيدة: أ رأيت إن عفا عنه أولياء المقتول؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن عفوا عنه كان على الامام أن يقتله، لأنه قد حارب و قتل و سرق، فقال أبو عبيدة: أ رأيت إن عفا عنه أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدية و يدعونه أ لهم ذلك؟ قال: لا، عليه القتل»

و قال في خبر ضريس (2): «من حمل السلاح بالليل فهو محارب إلا أن يكون رجلا ليس من أهل الريبة»

و قال أيضا في خبر جابر (3): «من أشار بحديدة في مصر قطعت يده، و من ضرب بها قتل»

و قال سورة بن كليب (4): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل يخرج من منزله يريد المسجد أو يريد الحاجة فيلقاه رجل و يستعقبه فيضربه و يأخذ ثوبه، قال: أي شيء يقول فيه من قبلكم؟ قلت:

يقولون هذه دغارة معلنة، و إنما المحارب في قرى مشركة، فقال:

أيهما أعظم حرمة دار الإسلام أو دار الشرك؟ فقلت: دار الإسلام،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب- الحديث 2.

566

فقال: هؤلاء من أهل هذه الآية إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ» الآية (1).

و في خبر علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد «سألته عن رجل يشهر إلى صاحبه بالرمح و السكين، فقال: «إن كان يلعب فلا بأس».

بل صرح غير واحد أنه لا فرق في السلاح بين العصا و الحجر و غيرهما، و لعله لظاهر الآية (3) و إلا ففي تناول السلاح لهما مطلقا خصوصا الأخير نظر أو منع، لكن في خبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «قال في رجل أقبل بنار يشعلها في دار قوم فاحترقت و احترق متاعهم: إنه يغرم قيمة الدار و ما فيها ثم يقتل».

و منه بعد اعتضاده بما عرفت يقوى التعميم المزبور و لو على إرادة المجاز منه، بل في كشف اللثام «أن اختصاص السلاح بالحديد كما في العين و نحوه ممنوع، بل الحق ما صرح به الأكثر من أنه كل ما يقاتل به، و عن أبي حنيفة اشتراط شهر السلاح من الحديد، و يظهر احتماله من التحرير» إلى آخره و لا ريب في ضعفه، بل في الروضة الاكتفاء في المحاربة بالأخذ بالقوة و إن لم يكن عصا أو حجر و هو لا يخلو من وجه.

و على كل حال فلا ريب في دخول البندق و نحوه بآلاته الصغار و الكبار فيه، و المدار على قصد الإخافة الذي يتحقق به الفساد في الأرض، فلو اتفق خوفهم منه من غير أن يقصده فليس بمحارب،

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 33.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب- الحديث- 4.

(3) سورة المائدة: 5- الآية- 33.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المحارب- الحديث 1.

567

كما أنه محارب مع القصد المزبور و إن لم يحصل معه خوف منه أو أخذ مال، و لكن في الروضة قصد الإخافة أم لا على أصح القولين و إن كنا لم نجده قولا صريحا لأحد، و على تقديره فلا ريب في شذوذه و إن كان قد يستدل له بإطلاق الأدلة إلا أنه منزل و لو بقرينة الفتاوى و الغلبة و درء الحد و الانسياق و غير ذلك على الأول، و الله العالم.

و هل يشترط كونه من أهل الريبة؟ فيه تردد بل و خلاف و لكن أصحه أنه لا يشترط مع العلم بقصد الإخافة وفاقا للأكثر لعموم الآية (1) و الرواية (2)] و الاستناد إلى خبر ضريس (3) لا يقتضي الاشتراط المزبور، بل أقصاه عدم الحكم بكونه محاربا إذا كان كذلك لا أن من قصد الإخافة و تحقق فيه وصف المحاربة ليس بمحارب إذا لم يكن من أهل الريبة، و درء الحد بالشبهة لا يتم في الفرض المزبور المتحقق فيه الوصف، فما عن ظاهر النهاية و القاضي و الراوندي من الاشتراط بل هو صريح الدروس و إن اكتفى بظن الريبة واضح الضعف، بل من المستبعد جدا إرادة من عرفت ذلك ضرورة صدق المحاربة مع القصد المزبور، سواء كان من أهل الريبة أم لا، نعم يمكن أن يكون الحكم بالمحاربة بمجرد شهر السلاح مع عدم العلم بالقصد المزبور و لم يكن من أهل الريبة محلا للنظر و الخلاف، فيحكم بها حينئذ، إلا أن يكون من غير أهل الريبة كما هو مقتضى الخبر المزبور، بل و غيره، أو يقال فيتوقف الحكم بذلك على كونه من أهل الريبة، بل لعله لا يخلو من وجه، و الله العالم.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 33.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب- الحديث- 1.

568

و يستوي عند الأكثر بل المشهور في هذا الحكم الذكر و الأنثى إن اتفق بل قيل فيه و في سابقه و لاحقه: إن على عدم الاشتراط عامة من تأخر، بل في كنز العرفان نسبته إلى القدماء مشعرا بالإجماع عليه، كل ذلك لعموم النصوص المزبورة الذي لا يقدح فيه اختصاص الآية (1) بالذكور خلافا للمحكي عن الإسكافي، فاعتبر الذكورة.

و من الغريب ما في السرائر من حكاية التعميم المزبور مع التمسك عليه بعموم الآية عن الخلاف و المبسوط، ثم قال: «و هذان الكتابان معظمهما فروع المخالفين، و هو قول بعضهم اختاره (رحمه الله) و لم أجد لأصحابنا المصنفين قولا في قتل النساء في المحاربة، و الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن لا يقتلن إلا بدليل قاطع، فأما تمسكه بالآية فضعيف، لأنها خطاب للذكور دون الإناث، و من قال تدخل النساء في خطاب الرجال على طريق التبع فذلك مجاز، و الكلام في الحقائق، و المواضع التي دخلن في خطاب الرجال فبالإجماع دون غيره، فليلحظ ذلك» ثم قال بعد ذلك بما يزيد على الصفحة يسيرا في ما حضرني من نسختها:

«قد قلنا إن أحكام المحاربين تتعلق بالنساء و الرجال سواء على ما تقدم من العقوبات، لقوله تعالى «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ» الآية (2) و لم يفرق بين الرجال و النساء، فوجب حملها على العموم، و لعل ذلك و نحوه منه عقوبة على سوء أدبه مع الشيخ و غيره من أساطين الطائفة، و من هنا قال في محكي المختلف بعد نقل ذلك عنه: «و هذا اضطرب منه و قلة تأمل و عدم مبالاة بتناقض كلاميه».

____________

(1) سورة المائدة- 5- الآية 33.

(2) سورة المائدة- 5- الآية 33.

569

بقي الكلام في شيء: و هو اعتبار قصد الإخافة من حيث أنها كذلك لإرادة الفساد في تحقق المحاربة، فلا يكفي حينئذ قصد إخافة شخص خاص لعداوة أو لغرض من الأغراض و إن لم يكن شرعيا، أو لا يعتبر ذلك، كما هو مقتضى إطلاق التفسير المزبور، بل قد يشعر به خبر قرب الاسناد (1) و خبر السكوني (2) فيتحقق حينئذ صدق المحاربة بما هو في مثل زماننا من محاربة جماعة خاصة لجماعة أخرى كذلك لأغراض خاصة في ما بينهم فاسدة، لم أجد تنقيحا لذلك في كلام الأصحاب. و الحد يدرأ بالشبهات، و لكن التحقيق جريان الحكم على الجميع مع فرض صدق المحاربة التي يتحقق بها السعي في الأرض فسادا.

و كيف كان ف في ثبوت هذا الحكم للمجرد سلاحه بالقصد المزبور مع ضعفه عن الإخافة تردد أشبهه و أقربه كما في القواعد الثبوت للعمومات المزبورة و حينئذ ف يجتزأ بقصده الإخافة و لكن قد يمنع اندراج مثل ذلك مع فرض الضعف عن الإخافة مطلقا أي لكل أحد في إطلاق الآية (3) و نحوها خصوصا بعد ما في القواعد من اعتبار الشوكة المعلوم انتفاؤها في مثل الفرض المعتضد بدرأ الحد بالشبهة و غيره، اللهم إلا أن يكون إجماعا، كما عساه يظهر من بعض. نعم قد يقال: إن ضعفه عن الإخافة لمعظم الناس لا ينافي قوته عليها لما هو أضعف منه و لمن لا يعقل الخوف كالطفل و المجنون و نحوهما، و من هنا اتجه منع اعتبار الشوكة

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المحارب- الحديث- 4.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المحارب- الحديث- 1.

(3) سورة المائدة: 5- الآية- 33.

570

المنافي لإطلاق الأدلة إلا أن يراد ما يرجع إلى ما ذكرنا.

و بالجملة فالمدار على التجاهر بالسعي في الأرض بالفساد بتجريد السلاح و نحوه للقتل أو سلب المال و الأسر و نحو ذلك مما هو بعينه محاربة لله و رسوله بخلاف الأخذ خفية أو اختطافا ثم الهرب بعده و غير ذلك مما لا يعد محاربة بل هو سرقة أو نهب و إن جرحوا أو قتلوا حين اختطفوا أو سرقوا للتخلص من القبض و نحوه، قال في القواعد: «و إنما يتحقق لو قصدوا أخذ المال قهرا مجاهرة، فإن أخذوه خفية فهم سارقون، و إن أخذوه اختطافا و هربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم» و في كشف اللثام «و إن جرحوا و قتلوا حين اختطفوا، و على التقديرين لا قطع عليهم كما يقطع المحارب أو السارق، لأن شيئا منهما لا يصدق عليهم» و فيه أيضا قبل ذلك «و إنما يتحقق لو قصدوا أخذ البلاد أو الحصون أو أسر الناس و استعبادهم أو سبي النساء و الذراري أو القتل أو أخذ المال قهرا مجاهرة» إلى آخره.

و ستسمع ما في المتن من عدم عد المستلب من المحارب، لكن قد يناقش في بعض الأفراد يصدق تجريد السلاح بقصد الإخافة و إن خاف هو ممن هو أقوى منه، إذ ذلك لا ينافي صدق محاربته لمن جرد عليه سلاحه لاخافته كي يسلب ماله أو يقتله أو يجرحه، و من ذلك يعلم أن كلامهم في المقام لا يخلو من تشويش، و التحقيق التعميم على الوجه الذي سمعته في النصوص و كان إطلاق المصنف و غيره هنا اتكالا على معلومية اعتبار البلوغ في الحد، فلا يجري في غير البالغ و إن جرد السلاح بالقصد المزبور مع احتماله، بل ظاهر الروضة أنه مراد المطلق و كيف كان ف لا يثبت عندنا هذا الحكم في

571

مثل قطاع الطريق للطليع منهم الذي هو المراقب للمارة مثلا ليخبر من يقطع الطريق عليهم و لمن يخاف عليه منه ليحذره و لا الردء الذي هو المعين لضبط الأموال و نحوه، للأصل و الاحتياط و الخروج عن النصوص، خلافا لأبي حنيفة فسوى بين المباشر و غيره، و فساده واضح بعد عدم حصول وصف المحاربة في الثاني، نعم لو كان المدار على مطلق مسمى الإفساد اتجه ذلك، لكن قد عرفت اتفاق الفتاوى على اعتبار المحاربة على الوجه المزبور، و النصوص و إن لم يكن فيها ما يقتضي حصر المفسد في ذلك صريحا إلا أنه بمعونة الاتفاق المزبور مع الانسياق و ملاحظة بعض المفاهيم فيها يتجه ما ذكره الأصحاب من جعل المدار على صدق المحاربة على الوجه الذي ذكرناه.

و كيف كان فلا خلاف أجده هنا في أنه تثبت هذه الجناية بالإقرار و لو مرة للعموم، لكن قد تقدم سابقا عن المراسم و المختلف ان كل حد يثبت بشهادة عدلين يعتبر فيه الإقرار مرتين، بل ذكرنا له بعض المؤيدات إلا أن ذلك قد كان لحصول الفتوى به في بعض الحدود، و لم نجد هنا من اعتبر التعدد بالخصوص و حينئذ فالمتجه البقاء على مقتضى العموم المزبور كبقاء ثبوتها بشهادة رجلين عدلين على مقتضى العموم أيضا و غيره نعم لا تقبل فيها شهادة النساء منفردات و لا مع الرجال نحو غيرها من الحدود، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الشهادات و لو شهد بعض اللصوص على بعض لم تقبل للفسق و كذا في عدم القبول لو شهد المأخوذون بعضهم لبعض بأن قالوا جميعا تعرضوا لنا و أخذوا

572

منا جميعا، للتهمة بالعداوة، و ل

خبر محمد بن الصلت (1) سأل الرضا (عليه السلام) «عن رفقة كانوا في الطريق قطع عليهم الطريق فأخذوا اللصوص فشهد بعض لبعض، فقال لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار اللصوص أو شهادة من غيرهم عليهم»

كما مر الكلام فيه في كتاب الشهادات أيضا.

أما لو قالوا عرضوا لنا و أخذوا هؤلاء و لم يتعرضوا لأنفسهم قبل قطعا إذا لم يكن قد شهد المشهود لهم عليهم بذلك للشهود لأنه لا ينشأ من ذلك تهمة تمنع الشهادة بل في كشف اللثام «و كذا إن انعكس بأن قال المشهود لهم أيضا أنهم عرضوا لنا و أخذوا هؤلاء في وجه، كما إذا شهد بعض المديونين لبعضهم و بالعكس، و الوجه الآخر عدم السماع حينئذ، لحصول التهمة و إطلاق الخبر، بل الشهادتان حينئذ من القسم الأول نفسه، فإنه لا شهادة إلا مع الدعوى، فلا تسمع شهادة الأولين إلا إذا كان الآخرون ادعوا الأخذ، و لا شهادة الآخرين إلا إذا ادعى الأولون الأخذ و هو كاف في حصول التهمة إن سلمت، و لا مدخل فيها لخصوص الذكر في الشهادة إلا أن يدعى أن التهمة حينئذ أظهر».

و في الرياض اختيار عدم القبول مطلقا، فإنه بعد أن حكاه عن الأشهر و حكى التفصيل المزبور قولا محتجا بما سمعت من التشبيه بالدين قال: «و هو على تقدير تسليمه اجتهاد في مقابلة النص المعتبر و لو بعمل الأكثر، بل الأشهر، كما صرح به بعض من تأخر، فلا يعبأ به، نعم لو لم يكن الشاهد مأخوذا احتمل قبول شهادته، لعدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

573

التهمة مع خروجه عن مورد الفتوى و الرواية، لظهورها و لو بحكم التبادر في صورة كونه مأخوذا، و بالقبول هنا صرح جمع من غير أن يذكروا خلافا» قلت: قد تقدم لك في كتاب الشهادة ما يعلم منه تحقيق الحال.

و منه يعلم ما في الرياض هنا، حتى نسبة الإطلاق إلى الأشهر مع تصريح الفاضلين و غيرهما هنا بالقبول الذي هو الموافق لإطلاق الأدلة و عمومها، و الخبر المزبور بعد عدم تحقق الجابر له في الفرض بل لعله ظاهر في غيره لا يصلح مقيدا و مخصصا لهما، و من الغريب ذكره القبول احتمالا في الأخير مع انه ينبغي القطع به، بل لو تغاير المشهود عليه كأن شهد اثنان على بعض اللصوص أنهم أخذوا جماعة أو اثنين و شهد هؤلاء الجماعة المشهود لهم أو الاثنان على بعض آخر غير الأول أنهم أخذوا الشاهدين حكم بشهادة الجميع قطعا، لانتفاء التهمة، كما هو واضح، و الله العالم.

و أما حد المحارب فهو كتابا (1) و سنة (2) و إجماعا بقسميه القتل أو الصلب أو القطع مخالفا بأن تقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى كما في السارق أو النفي و لكن قد تردد فيه الأصحاب و اختلفوا في أنه على الترتيب أو لا فقال المفيد و الصدوق و الديلمي و الحلي بالتخيير بل قيل: عليه أكثر المتأخرين، لأنه الأصل في كلمة «أو» بل قال الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 33.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب.

574

«أو» في القرآن له حيث وقع» و خصوص

حسن جميل (1) سأله أيضا عن الآية «أي شيء عليهم من هذه الحدود التي سمى الله تعالى؟

قال: ذاك إلى الامام إن شاء قطع و إن شاء صلب، و إن شاء قتل»

و نحوه خبر سماعة (2) عنه (عليه السلام) أيضا.

و قال الشيخ أبو جعفر بالترتيب بل في كشف اللثام نسبته إلى أكثر الكتب، بل في نكت الإرشاد بعد نسبته إلى الشيخ و الإسكافي و التقي و ابن زهرة و أتباع الشيخ أنه ادعى عليه الإجماع، ل

صحيح بريد (3) «أنه سأل الصادق (عليه السلام) رجل عن الآية قال: لا و ذلك إلى الامام يفعل ما يشاء، قلت: فمفوض إليه ذلك، قال: و لكن بحق الجناية»

بناء على أن المراد من حقها فيه ما تسمعه من النصوص (4).

الآتية مؤيدا باستبعاد اتحاد عقوبة القاتل و آخذ المال مع عقوبة من شهر السلاح و لم يقتل و لم يجرح و لم يأخذ مالا.

نعم اختلفوا في كيفيته، فعن النهاية و المهذب و فقه الراوندي و التلخيص يقتل إن قتل قصاصا إن كان المقتول مكافئا له و لم يعف الولي و لو عفا ولي الدم أو كان غير مكافئ قتله الامام حدا و لو قتل و أخذ المال استعيد منه عينا أو بدلا و قطعت يده اليمنى و رجله اليسرى ثم قتل و صلب، و إن أخذ المال و لم يقتل قطع مخالفا و نفي، و لو جرح و لم يأخذ المال اقتص منه أو أخذ الدية أو الحكومة و نفي، و لو اقتصر على شهر السلاح

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث- 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث- 9 و فيه عن بريد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، إلا أن الموجود في الكافي ج 7 ص 246 و التهذيب ج 10 ص 133 كالجواهر.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب.

575

نفي لا غير.

و في محكي التبيان و المبسوط و الخلاف إن قتل قتل، و إن قتل و أخذ المال قتل و صلب، و إن اقتصر على أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله من خلاف، و إن اقتصر على الإخافة فإنما عليه النفي، بل عن الأخيرين أنه ينفى على الأخيرين بل عن أولهما أنه يتحتم عليه القتل إذا قتل لأخذ المال، و إن قتل لغيره فالقود واجب غير متحتم، و يجوز لولي المقتول العفو عنه مجانا و على مال.

و عن الوسيلة «لم يخل إما جنى جناية أو لم يجن، فإذا جنى جناية لم يخل إما جنى في المحاربة أو في غيرها، فإن جنى في المحاربة لم يجز العفو عنه و لا الصلح على مال، و إن جنى في غير المحاربة جاز فيه ذلك، و إن لم يجن و أخاف نفي عن البلد، و على هذا حتى يتوب، و إن جنى و جرح اقتص منه و نفي عن البلد، و إن أخذ المال قطع يده و رجله من خلاف و نفي، و إن قتل و غرضه في إظهار السلاح القتل كان ولي الدم مخيرا بين القود و العفو و الدية، و إن كان غرضه المال كان قتله حتما، و صلب بعد القتل، و إن قطع اليد و لم يأخذ المال قطع و نفي، و إن جرح و قتل اقتص منه ثم قتل و صلب، و إن جرح و قطع و أخذ المال جرح و قطع للقصاص أولا إن كان قطع اليد اليسرى ثم قطع يده اليمنى لأخذ المال و لم يوال بين القطعين، و إن كان قطع اليمنى قطعت يمناه قصاصا و رجله اليسرى لأخذ المال».

قلت: لكن في الرياض «لم أجد حجة على شيء من هذه الكيفيات من النصوص و إن دل أكثرها على الترتيب في الجملة لكن

576

شيء منها لا يوافق شيئا منها، فهي شاذة مع ضعف أسانيدها جملة».

و قد سبقه إلى ذلك المصنف فإنه بعد أن حكى عن أبي جعفر ما سمعته أولا قال و استند في التفصيل إلى الأحاديث (1) الدالة عليه، و تلك الأحاديث لا تنفك من ضعف في إسناد بعبد الله و عبيدة و محمد بن سلمان و غيرهم أو اضطراب في متن بسبب اختلافها في الأحكام المشتملة عليها أو قصور في دلالة، فالأولى العمل بالأول تمسكا بظاهر الآية (2) و فيه أن الشهرة و الإجماع المحكي السابقين و التعاضد و الاستفاضة و المخالفة للعامة- كما في الثلاث و يومئ اليه بعض النصوص و غير ذلك- يجبر ذلك، نعم هي مختلفة في كيفية الترتيب ف

خبر أبي عبيدة (3) منها يوافق الأول في الجملة سأل الصادق (عليه السلام) و قال «إن الناس يقولون إن الامام مخير فيه أي شيء صنع، قال ليس أي شيء صنع، و لكنه يصنع على قدر جناياتهم فقال من قطع الطريق فقتل و أخذ المال قطعت يده و رجله و صلب، و من قطع الطريق و قتل و لم يأخذ المال قتل، و من قطع الطريق و أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله، و من قطع الطريق و لم يأخذ مالا و لم يقتل نفي من الأرض».

بل يستفاد المراد من حسن جميل (4) السابق بل قد يستفاد منهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب.

(2) سورة المائدة- 5- الآية 33.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث- 5- عن عبيد ابن بشر الخثعمي و في الكافي ج- 7- ص 247 و التهذيب ج- 10- ص 132 عبيد بن بشير الخثعمي إلا أن الموجود في الاستبصار ج 4 ص 257 عن أبي عبيدة بن بشير الخثعمي.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث- 3.

577

أيضا أن المراد من نصوص الترتيب ذلك أيضا.

و يقرب منه

قول أبي جعفر الثاني (عليه السلام) في المروي عن تفسير العياشي عن أحمد بن فضل الخاقاني عن آل رزين (1) عنه (عليه السلام) قال «فإن كانوا أخافوا السبيل فقط و لم يقتلوا أحدا و لم يأخذوا مالا أمر بإيداعهم الحبس فان ذلك معنى نفيهم من الأرض بإخافتهم السبيل، و إن كانوا أخافوا السبيل و قتلوا النفس أمر بقتلهم، و إن كانوا أخافوا السبيل و قتلوا النفس و أخذوا المال أمر بقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و صلبهم بعد ذلك».

كما أنه يوافق الثاني في الجملة

قول الصادق (عليه السلام) لعبيد الله المدائني (2) «خذها أربعا بأربع إذا حارب الله و رسوله و سعى في الأرض فسادا فقتل قتل، و إن قتل و أخذ المال قتل و صلب، و إن أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله من خلاف، و من حارب الله و رسوله و سعى في الأرض فسادا و لم يقتل و لم يأخذ من المال نفي من الأرض»

و نحوه خبر عبيد بن إسحاق المدائني (3) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

و في مرسل داود الطائي (4) «فإذا ما هو قتل و أخذ المال قتل و صلب، و إذا قتل و لم يأخذ قتل، و إذا أخذ و لم يقتل قطع، و إن هو فر و لم يقدر عليه ثم أخذ قطع إلا أن يتوب، فان تاب لم يقطع».

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 8.

(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 4 و ذكره في التهذيب ج- 10- ص 131 و الاستبصار ج 4 ص 256.

(3) الوسائل الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 6.

578

و قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر علي بن حسان (1) «من حارب الله و أخذ المال و قتل كان عليه أن يقتل و يصلب، و من حارب فقتل و لم يأخذ المال كان عليه أن يقتل و لا يصلب، و من حارب و أخذ المال و لم يقتل كان عليه أن يقطع يده و رجله من خلاف، و من حارب و لم يأخذ المال و لم يقتل كان عليه أن ينفى»

نعم ليس فيها بل و لا في غيرها من النصوص ما سمعته من المبسوط و الخلاف من النفي في الأخيرين.

و في مرسل الفقيه عن الصادق (2) (عليه السلام) «إذا قتل و لم يحارب و لم يأخذ المال قتل، و إذا حارب و قتل قتل و صلب، فإذا حارب و أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله من خلاف، فإذا حارب و لم يقتل و لم يأخذ المال نفي»

فأوجب فيه الصلب إذا قتل محاربا و هو يعم ما إذا أخذ المال أو لم يأخذه، و قد سمعت صحيح محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) المشتمل على كيفية أخرى من التفصيل.

إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن حمل ما فيها من الاختلاف على إرادة بيان مراعاة المرجحات لأفراد التخيير المختلفة زمانا و مكانا و حالا، و الظاهر أن المدار على ذلك و لا يقدح فيه الاقتصار في بعض الأحوال على النفي و إن قتل و أخذ المال لوجود مرجحات تقتضي ذلك، كما أنه يقتل و يصلب بمجرد الإخافة لها أيضا، و من هنا لم يستقص فيها جميع الصور الممكنة.

و بذلك يظهر لك ما في جملة من الكتب حتى ما في الرياض فإنه مال إلى اعتبار الترتيب و توقف في كيفيته، ثم مال إلى ما في النهاية و قال أيضا و على التخيير هل هو مطلق حتى في صورة ما إذا قتل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب الحديث 1.

579

المحارب فللإمام فيها أيضا الاقتصار على النفي مثلا كما هو ظاهر المتن و غيره أم يتعين فيه اختيار القتل كما صرح به المفيد و كثير؟ وجهان أجودهما الثاني لكن قصاصا لا حدا، فلو عفا و لي الدم أو كان المقتول ممن لا يقتص له من القاتل سقط القتل قصاصا و ثبت حدا مخيرا بينه و بين باقي الافراد، و لعله إلى هذا نظر شيخنا في روضته حيث تنظر في ما أطلقه الجماعة من تعين القتل في تلك الصورة فقال بعد نقل القول بالتخيير «نعم لو قتل المحارب تعين قتله و لم يكتف بغيره من الحدود سواء قتل مكافئا أم لا و سواء عفا الولي أم لا على ما ذكره جماعة من الأصحاب و في بعض أفراده نظر» انتهى و لكن الأحوط ما ذكروه بل لعله المتعين كما في الصحيح» بل لا يخفى عليك النظر فيه من وجوه منها ما ذكره من الوجهين على التخيير، و من المعلوم أنه لا وجه لتعين القتل معه فتأمل و الله العالم.

[مسائل]

و كيف كان ف هنا مسائل:

[المسألة الأولى إذا قتل المحارب غيره طلبا للمال تحتم قتله قودا إن كان المقتول كفوا]

الأولى:

إذا قتل المحارب غيره طلبا للمال تحتم قتله قودا إن كان المقتول كفوا لعموم أدلته، بل ظاهر الفتاوى تقدمه على الحد و مع عفو الولي و لو على مال ففي المتن و محكي الخلاف و المبسوط و الوسيلة و الجامع قتل حدا كما في صحيح ابن مسلم (1) السابق سواء

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 1.

580

كان المقتول كفوا أم لم يكن فيؤخذ حينئذ الدية للأول من تركته لو كان ولدا أو ذميا مثلا، و القيمة لو كان عبدا مثلا، و هو متجه بناء على الترتيب، أما على التخيير الذي قد سمعت من المصنف اختياره فالمتجه التخيير بينه و بين غيره من الأفراد، لا تعين القتل حدا.

و أشكل من ذلك ما في الكتب المزبورة أيضا من أنه لو قتل لا طلبا للمال كان كقاتل العمد، و أمره الى الولي إن شاء قتل و إن شاء عفا، فارقين بينه و بين القتل طلبا للمال، إذ هو غير متجه على القولين في ما لو عفا الولي، لإطلاق ما سمعته من الآية و النصوص، و ليس في شيء منها الفرق بين القتل للمال و غيره، و لعله لذا أطلق في محكي المقنعة و النهاية و غيرهما قتله و إن عفا الولي، هذا كله في القتل.

و أما لو جرح فلم يفرقوا بين كونه طلبا للمال و بين غيره، بل قالوا كان القصاص إلى الولي، و لا يتحتم القصاص في الجرح حدا كما تقدم في القتل بتقدير ان يعفو الولي على الأظهر بينهم، خلافا للمحكي عن بعضهم من تحتمه حدا على نحو ما سمعته في القتل و إن كنا لم نتحققه، نعم قيل في التحرير إشارة إلى احتمال مساواته القتل، و لعله للأولوية، و هو أحد قولي الشافعي، و لكنه على كل حال واضح الضعف على إطلاقه، ضرورة عدم الدليل عليه، نعم لو فرض كون الجرح قطع يد يسرى مثلا أو رجل يمني مع أخذ المال فعفا الولي أو اقتص منه و قلنا بالترتيب اتجه حينئذ تحتم القطع حدا، و كذا لو كان القصاص في أحد عضوي الحد، فإنه يكمل الحد حينئذ بقطع الآخر في الفرض المزبور

581

كفا قد أحد العضوين، و كيف كان فلا يخفى عليك الحكم هنا بعد الإحاطة بما ذكرناه سابقا من إطلاق الأدلة، و من الغريب ما في المسالك، حيث شرح المتن المزبور للمصنف من غير إشارة إلى شيء مما ذكرناه، بل في آخر كلامه في الجرح تناف في الجملة، و تبعه في شرح المسألة على ما فيها في مجمع البرهان، و الله العالم بحقيقة الحال.

[المسألة الثانية إذا تاب قبل القدرة عليه سقط الحد]

المسألة الثانية:

إذا تاب قبل القدرة عليه سقط الحد كغيره من الحدود قال الله تعالى (1) «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» و قد سمعت ما في مرسل داود الطائي (2)،

و في آخر «ان حارثة ابن زيد خرج محاربا ثم تاب فقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) توبته».

و لكن لم يسقط بالتوبة ما يتعلق به من حقوق الناس كالقتل و الجرح و المال بلا خلاف و لا إشكال، بل لعل التوبة يتوقف صحتها على أداء ذلك كما تقدم الكلام في تحقيقه.

و لو تاب بعد الظفر به لم يسقط عنه حد و لا قصاص و لا غرم بلا خلاف و لا إشكال في الأخيرين كما عرفت، بل و الأول، للأصل و مفهوم الآية (3) بعد وضوح الفرق بين الحالتين بالتهمة

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 34.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 6.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 34.

582

و عدمها، نعم لو تاب عن ذلك بأن كان كافرا ثم أسلم أمكن سقوط الحد بها حينئذ بناء على جب الإسلام مثل ذلك و إن كان فيه بحث ستعرفه، بل ظاهرهم العدم، و الله أعلم.

[المسألة الثالثة اللص محارب]

المسألة الثالثة اللص بكسر اللام بل و ضمها في لغة واحد اللصوص محارب إذا تحقق فيه معناه السابق بلا خلاف و لا إشكال بل عن ظاهر السرائر إجماعنا عليه، لكن قال: «حكمه حكم المحارب» و في الرياض ظاهره الفرق بينهما، و عدم كونه محاربا حقيقة، و عليه نبه شيخنا في المسالك و الروضة، فقال في ما بعد قول المصنف:

«و اللص محارب» «بمعنى أنه بحكم المحارب في أنه يجوز دفعه و لو بالقتال، و لو لم يندفع إلا بالقتل كان دمه هدرا، أما لو تمكن الحاكم منه لم يحده حد المحارب مطلقا، و إنما أطلق عليه اسم المحارب تبعا لإطلاق النصوص، نعم لو تظاهر بذلك فهو محارب مطلقا و بذلك قيد المصنف في الدروس و هو حسن» انتهى و هو كذلك لما ذكره في المسالك من قصور النصوص سندا عن إفادة الحكم مطلقا مع اختصاص النصوص الواردة في حكم المحارب بمن جرد سلاحا أو حمله فيرجع في غيره إلى القواعد المقررة، و يعضده عدم عمل الأصحاب بما فيها من جواز القتل و إن دمه هدر مطلقا بل قيدوه بما إذا روعي فيه مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيتدرج في الدفع من الأدنى إلى الأعلى.

583

قلت: لا يخفى أن مراد المصنف و غيره ممن ذكر المسألة هنا اللص المحارب حقيقة بقرينة التفريع عليه بقوله فإذا دخل دارا متغلبا كان لصاحبها محاربته فإن أدى الدفع إلى قتله كان دمه ضائعا لا يضمنه الدافع، و لو جنى اللص عليه ضمن ضرورة عدم إرادة غير المحارب من المتغلب، و كيف كان فقد أطلق المصنف و غيره هنا محاربته على الوجه المزبور من غير تقييد بمراعاة الأسهل فالأسهل على الوجه الذي ذكره، و لعلهم حملوا عليه

خبر منصور (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «اللص محارب لله و رسوله فاقتلوه، فما دخل عليك فعلي»

و خبري غياث بن إبراهيم (2) و وهب (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)

قال في الأول منهما: «إذا دخل عليك اللص يريد أهلك و مالك، فان استطعت أن تبدره فابدره و اضربه، و قال: اللص محارب لله و رسوله فاقتله فما عليك منه فهو علي»

و في آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له: اللص يدخل في بيتي يريد نفسي و مالي قال: اقتله فأشهد الله و من سمع أن دمه في عنقي»

و في خبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «أنه أتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين ان لصا دخل على امرأتي فسرق حليها فقال: أما أنه لو دخل على ابن صفية لما رضي ذلك حتى يعمه بالسيف»

و غير ذلك من النصوص التي تسمع بعضها أيضا.

إلا أني لم أجده قولا صريحا لأحد في المحارب الأصلي فضلا عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المحارب- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المحارب- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 3 من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 1 من كتاب الجهاد.

584

اللص المحارب، و لو لا ذلك لأمكن القول به و لو

للمرسل كالموثق أو كالصحيح (1) «إذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله فما أصابك فدمه في عنقي»

و خبر أيوب (2) المروي عن المجالس «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من دخل على مؤمن داره محاربا له فدمه مباح في تلك الحال للمؤمن و هو في عنقي».

و من ذلك و غيره يعلم الحال في مدافعة قطاع الطريق و إباحة دمائهم، و في المرسل عن عبد الله بن عامر (3) قال: «سمعته يقول و قد تجارينا ذكر الصعاليك: حدثني أحمد بن إسحاق أنه كتب الى أبي محمد (عليه السلام) يسأله عنهم، فكتب إليه اقتلهم»

و في آخر عن أحمد بن أبي عبد الله و غيره (4) «أنه كتب إليه يسأله عن الأكراد فكتب إليه لا تنبهوهم إلا بحر السيوف».

بل إن لم يكن إجماعا أمكن أن يقال بجواز قتل اللص غير المحارب أيضا حال دفاعه ابتداء، للأخبار المزبورة.

مضافا إلى

خبر السكوني (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن الله ليمقت العبد يدخل عليه اللص في بيته فلا يقاتل».

و الصحيح أو الحسن (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) «إن الله ليمقت الرجل يدخل عليه اللص في بيته فلا يحارب».

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 7 من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المحارب الحديث 3 عن أبي أيوب.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الدفاع- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الدفاع- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 2 و هو بسند الكليني (قده).

585

و خبر الفتح بن زيد الجرجاني (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل دخل دار آخر للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار يقتل به، قال: اعلم أن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه، و لا يجب عليه شيء».

و خبر الحسين بن مهران (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن امرأة دخل عليها اللص و هي حبلى فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت المرأة على اللص فقتلته، فقال أما المرأة التي قتلت فليس عليها شيء، و دية سخلتها على عصبة المقتول السارق»

و رواه في الفقيه بسنده إلى الحسين بن سعيد عن محمد بن الفضل (3) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لص دخل على امرأة»

الحديث على اختلاف في ألفاظه.

و فيه أيضا

عن محمد بن الفضيل (4) عن الرضا (عليه السلام) «سألته عن لص دخل على امرأة و هي حبلى فقتل ما في بطنها فعمدت المرأة إلى سكين فوجئته به فقتلته، قال: هدر دم اللص».

و خبر أبي حمزة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له «لو دخل رجل على امرأة و هي حبلى فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت عليه فقتلته، قال: ذهب دم اللص هدرا، و كان دية ولدها على

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب العاقلة- الحديث 1 من كتاب الديات.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب العاقلة- الحديث 2 من كتاب الديات.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 6 من كتاب القصاص.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب العاقلة- الحديث 3 من كتاب الديات.

586

المعقلة».

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على هدر دم اللص المؤيدة بما دل على هدر دم الداخل إلى دار غيره بغير إذنه (1) و على فقأ عين الناظر.

ففي

خبر العلاء بن الفضيل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا اطلع رجل على قوم يشرف عليهم أو ينظر من خلل شيء لهم فرموه فأصابوه فقتلوه أو فقؤوا عينه فليس عليهم غرم، و قال: إن رجلا اطلع من خلل حجرة رسول الله (صلى الله عليه و آله) فجاء رسول الله بمشقص ليفقأ عينه فوجده قد انطلق، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) أي خبيث أما و الله لو ثبت لي لفقأت عينك»

و نحوه خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام).

و في خبر عبيد بن زرارة (4) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اطلع رجل على النبي (صلى الله عليه و آله) من الجريد فقال له النبي: لو أعلم أنك تثبت لي لقمت إليك بالمشقص حتى أفقأ به عينك قال فقلت له: أذلك لنا؟ فقال: ويحك أو ويلك أقول لك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فعل تقول ذلك لنا».

و في خبره الآخر (5) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

____________

(1) الوسائل الباب- 3 و 5 و 6- من أبواب الدفاع.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 6 من كتاب القصاص.

(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 25- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1 و ذكره في الفقيه ج 4 ص 74- الرقم 227.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 4 من كتاب القصاص.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القصاص في النفس- الحديث- 5 من كتاب القصاص.

587

بينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في حجراته مع بعض أزواجه و معه مغازل يقلبها إذ بصر بعينين تطلعان، فقال: لو أعلم أنك تثبت لقمت حتى أنحسك، فقلت نفعل نحن مثل هذا إن فعل مثله بنا؟

فقال: إن خفي لك فافعله»

و لعل المراد بالخفاء له عدم الاطلاع عليه كي لا يقاد به.

و في خبر حماد (1) عنه أيضا «بينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في بعض حجراته إذ اطلع رجل من شق الباب و بيد رسول الله (صلى الله عليه و آله) مدأرة فقال له: لو كنت قريبا منك لفقأت به عينك»

إلى غير ذلك من النصوص، و لا ينافي ذلك أن حده القطع في غير الحال المزبور، إلا أنه لم أجد مصرحا بالعمل بها على الوجه المزبور، بل ستسمع من غير واحد ما يقضي بتقييد النصوص الأخيرة بما إذا لم يندفع بالزجر و نحوه و إلا كان ضامنا، و ربما يأتي هناك نوع زيادة تحقيق للمسألة.

و لكن الذي يظهر منهم هنا و هناك أنه لا فرق بين دفاع المحارب و اللص و غيرهما من الظالمين و إن اختلفت الحدود، إلا أن الجميع متحدة في كيفية الدفاع الذي ذكروا فيه التدرج فلاحظ و تأمل.

بل قد يقال بوجوب القصاص على من قتل المحارب بعد أن كف عنه و إن كان هو مفسدا و من حده القتل، و لكن بناء على ما ذكرناه من التخيير لم يكن القتل متعينا، فلا يكون مباح الدم، نعم على القول الآخر و الفرض أنه قتل يكون كذلك و إن أثم غير الحاكم بمباشرته.

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1 من كتاب القصاص.

588

و قد يحتمل الإطلاق.

و على كل حال فقد عرفت أن المفروض في المتن و القواعد و الإرشاد و غيرها من كتب المتأخرين اللص الذي يندرج في المحارب، بل بينه تقييدهم الدخول بالتغلب و غيره تبعا لما في النصوص، و إلا فلا ثمرة معتد بها لذلك بعد فرض تقييد دفاع المحارب و اللص المحارب و غيره بمراعاة الأدنى فالأدنى كغيرهم من المدافعين، و حينئذ فإذا قتله مع توقف الدفع عليه لا ضمان عليه، للأصل و الخبرين و غيرهما بل الإجماع بقسميه عليه بخلاف جناية اللص، فإنها باقية على عمومات الضمان حتى لو وقعت عنه مدافعة عن نفسه التي أسقط الشارع احترامها في الحال المزبور.

و لكن يجوز الكف عنه حيث يكون إرادته المال الذي لم يجب الدفع عنه لتوقف حفظ النفس عليه مثلا

قال أبو بصير (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقاتل عن ماله، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال من قتل دون ماله فهو بمنزلة شهيد، فقلنا له: أ يقاتل اللص؟ فقال: إن يقاتل فلا بأس، أما لو كنت أنا لتركته»

و المراد من الشهيد كما في غيره من النصوص (2) المبالغة في مساواة أجرة له لا أن أحكامه تجري عليه، و هو واضح كوضوح عدم الفرق في ذلك بين ماله و بين كونه أمانة في يده و إن قيل بوجوب الدفع عن الأخير من باب النهي عن المنكر، بل في الرياض هو حسن مع عدم التعزير بالنفس و إلا فلا يجب

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الدفاع- الحديث- 2- مع اختلاف يسير.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو من كتاب الجهاد.

589

بل لا يجوز.

أما لو أراد نفس المدخول عليه أو غيره ممن في الدار ممن يضعف عنه فالواجب الدفع مع ظن السلامة، بل أو عدم العلم بالحال لإطلاق النصوص و لا يجوز الاستسلام و الحال هذه، و لو عجز عن المقاومة و أمكن الهرب الذي تتوقف النجاة عليه وجب عينا إن انحصر أو تخير بينه و بين غيره من أسباب النجاة إن حصل، فان لم يفعل أثم، و لو لم يمكنه الهرب و لا غيره من أفراد النجاة دافع بما يمكن إذ هو أولى من الاستسلام المفروض عدم احتمال النجاة معه، و الله العالم.

[المسألة الرابعة يصلب المحارب حيا على القول بالتخيير]

المسألة الرابعة:

يصلب المحارب حيا على القول بالتخيير لأنه أحد أفراد التخيير القسيم للقتل و مقتولا على القول الآخر الذي قد عرفت أن ذلك مقتضى النص الدال عليه، ثم على تقدير صلبه حيا إن مات بالصلب قبل الثلاثة فذاك، و إلا ففي المسالك و كشف اللثام أجهز عليه بعدها، و لم أجد ما يدل عليه، و لعله بناء على ما تسمعه من حرمة إبقائه بعد الثلاثة لكن يمكن منع انسياقه إلى الفرض المزبور، و لعله لذا قال في الرياض: «يصلب حيا حتى يموت» و لا ينافي ذلك ما في.

590

[المسألة الخامسة لا يترك على خشبة أكثر من ثلاثة أيام]

المسألة الخامسة التي ذكرها المصنف و غيره بل ظاهر المسالك الإجماع عليها، بل عن الخلاف التصريح به، و هي لا يترك المصلوب على خشبة أكثر من ثلاثة أيام ثم ينزل و يغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن إن كان مسلما ضرورة ظهور ذلك في حرمة إبقائه أكثر من الثلاثة كظهور النهي في خبر السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل فيدفن»

في ذلك أيضا و في آخر له (2) عنه (عليه السلام) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلب رجلا بالحيرة ثلاثة أيام ثم أنزله يوم الرابع و صلى عليه و دفنه»

و في الفقيه بإسناده عنه أيضا (3) قال الصادق (عليه السلام) قال: «المصلوب ينزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيام و يغسل و يدفن و لا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام»

لما عرفته من إمكان تنزيل ما في النص و الفتوى على غير الفرض الذي هو الصلب حيا خصوصا بعد ما سمعته من الدفن و نحوه.

و كيف كان فلا أجد خلافا بيننا في الحكم المزبور، نعم عن العامة قول بتركه حتى يسيل صديدا و عن آخر منهم حتى يسيل صليبه، و هو الورك، لأنه لذلك سمي صليبا، و لا ريب في ضعفهما، كضعف المحكي عنهم من عدم تغسيله و الصلاة عليه، لما سمعته من النصوص

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المحارب الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المحارب الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المحارب الحديث 3.

591

و الفتاوى.

نعم في المتن و النافع و القواعد من لا يصلب إلا بعد القتل لا يفتقر إلى تغسيله، لأنه يقدمه أمام القتل كما في نظائره و إن أشكل ذلك بعدم الفرق بينه و بين من أريد قتله بصلبه في التقديم المزبور بل ظاهر الأدلة الأعم، و لذا كان المحكي عن جماعة الإطلاق و هو الأقوى، و أما الكلام في وجوب ذلك و عدمه فقد تقدم في محله و مع فرض الإخلال به يجب تغسيله بعد الانزال كما هو واضح هذا و في المسالك «كأن المصنف فصل بينهما من حيث أن الصلب لا يستلزم القتل مطلقا فلا يدخل في العموم، قلت: و كأنه مناف لما سمعته منه سابقا من الإجهاز عليه لو لم يمت في الثلاثة ضرورة عدم الدليل عليه بناء على ذلك.

ثم المنساق كون الثلاثة من يوم صلبه لا من يوم موته و في المسالك «أن المعتبر من الأيام النهار دون الليل، نعم تدخل الليلتان المتوسطتان تبعا» قلت قد سمعت ما في خبر السكوني (1) من تنزيل أمير المؤمنين (عليه السلام) إياه اليوم الرابع المقتضي لدخول الثالثة، بل ينبغي القطع بها إذا توقف عليها تمام المنكسر بناء على تلفيقه، ضرورة كونها حينئذ كالمتوسطتين بل قد يحتمل ذلك في غيره أيضا بناء على دخول الليالي في مفهومها، فيعتبر حينئذ ثلاثة أيام بلياليها، كما تكرر الكلام في نظائره إلا أن الاحتياط هنا لا ينبغي تركه مع فرض عدم تحتم الصلب ثلاثة و حرمته بعدها، و لا فرق بين الأيام الطويلة و القصيرة و الحارة و الباردة و إن اقتضى بعض ذلك المثلة به لإطلاق الأدلة.

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المحارب- الحديث 1.

592

و لو مات المحارب قبل استيفاء الحد لم يصلب، لفوات محل العقوبة و إن قلنا بصلبه بعد القتل، لأن المقصود هو الصلب بعد القتل للإعلان و الاعتبار، و لا يتحقق ذلك في الصلب إذا مات حتف أنفه، و الله العالم.

[المسألة السادسة ينفى المحارب عن بلده]

المسألة السادسة المشهور بين الأصحاب بل عن بعض الإجماع أن المراد من النفي هو أن ينفى المحارب عن بلده، و يكتب إلى كل بلد يأوي إليه بالمنع من مؤاكلته و مشاربته و مجالسته و مبايعته ففي

خبر المدائني (1) عن الرضا (عليه السلام) «قلت كيف ينفى؟ و ما حد نفيه؟ قال: ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر آخر غيره، و يكتب إلى أهل ذلك المصر بأنه منفي، فلا تجالسوه و لا تبايعوه و لا تناكحوه و لا تؤاكلوه و لا تشاروه، فيفعل ذلك به سنة فأن خرج من ذلك المصر الى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة قلت: فان توجه إلى أرض الشرك ليدخلها، قال: «إن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها»

و في خبره الآخر (2) عن الصادق (عليه السلام) «قلت: و ما حد نفيه؟ قال: سنة إلى أن قال: فلا يزال هذه حاله سنة، فإذا فعل به ذلك تاب و هو صاغر».

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 2.

(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 4- و ذكره في التهذيب ج 10 ص 131 و الاستبصار ج 4 ص 256.

593

لكن المصنف و غيره بل الأكثر على عدم التقييد بالسنة، بل لم يحك إلا عن ابن سعيد، كما أنه لم يحك العمل بما في حسن جميل (1) «سأل الصادق (عليه السلام) النفي إلى أين؟ قال: من مصر الى مصر آخر، و قال: إن عليا (عليه السلام) نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة»

إلا عن الصدوق في المقنع، بل: قيل هو لا ينافي ما في غيره من النفي من كل مصر يقصده إلى آخر و هكذا.

و على كل حال فالنفي من الأرض هو ما عرفت، بل لعله المنساق منه عرفا لكن في محكي الفقيه ينبغي أن يكون نفيا شبيها بالصلب و القتل تثقل رجلاه و يرمى في البحر، و لعله ل

خبر عبد الله بن طلحة (2) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «يحكم على المحارب بقدر ما يعمل و ينفى: يحمل في البحر ثم يقذف به حتى يكون حدا يوافق القطع و الصلب»

و لم نعرفه قولا لغيره نعم عن الجامع «نفي من الأرض بأن يغرق على قول أو يحبس على آخر أو ينفى من بلاد الإسلام سنة حتى يتوب و كوتبوا أنه منفي محارب، فلا تؤوه و لا تعاملوه فإن أبوا قوتلوا» و لعله للعامة كالقول بالحبس الموجود في بعض نصوصنا المحمول عليه.

قال في محكي المبسوط: «إذا شهر السلاح و أخاف السبيل بقطع الطريق كان حكمه متى ظفر به الامام التغريب، و هو أن ينفى عن بلده و يحبس في غيره، و منهم من قال لا يحبس في غيره، و هذا مذهبنا، غير أن أصحابنا رووا أنه لا يقر في بلد، و ينفى عن بلاد

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 5.

594

الإسلام كلها، فان قصد بلاد الشرك قيل لهم لا تمكنوه، فأن أمكنوه قوتلوا عليه حتى يستوحش فيتوب- ثم قال- تفيهم أن يتبعهم أينما حلوا كان في طلبهم ماذا قدر عليهم أقام عليهم الحدود، و قال:

و أما قوله تعالى (1) «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ» معناه إذا وقع منهم في المحاربة ما يوجب شيئا من هذه العقوبات يتبعهم الامام أبدا حتى يحدهم و لا يدعهم في مكان هذا هو النفي من الأرض عندنا، و عند قوم المنفي من قدر عليه بعد أن شهر السلاح و قبل أن يعمل شيئا، و النفي عنده الحبس، و الأول مذهبنا، إلى آخره، لكن فيه أنه خلاف المنساق من الآية (2) و الرواية (3) بل هو خلاف صريح الفتاوى و لو لا ذلك لكان في غاية الحسن، بل في خبر أبي بصير (4) الآتي شهادة له.

و كيف كان ففي المتن و غيره لو قصد بلاد الشرك منع منها و لو مكنوه من دخولها قوتلوا حتى يخرجوه و قد سمعت ما في مرسل المبسوط و خبر المدائني (5)

و في آخر له (6) عنه (عليه السلام) «فإن أم أرض الشرك يدخلها قال: يقتل»

و في خبر سماعة عن أبي بصير (7) «سألته عن الإنفاء من الأرض كيف هو؟

قال: ينفى من بلاد الإسلام كلها فان قدر عليه في شيء من أرض الإسلام قتل و لا أمان له حتى يلحق بأرض الشرك»

إلا أنه ضعيف و مضمر و مجمل في سبب النفي.

و ربما أشكل الحكم المزبور على قواعد أحكام الكفار بأنهم إن كانوا

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 33.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 33.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المحارب.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المحارب- الحديث 7.

595

أهل حرب فمقاتلتهم لا تتوقف على ذلك، و إن كانوا أهل هدنة و ذمة فلا يقدح ذلك بمجرده في عهدهم إلا مع شرطه، و إثباته من مجرد هذا الخبر لا يتم خصوصا عند المصنف و غيره ممن لم يعتبر أصل الخبر نظرا إلى ما تقدم.

قلت: لا بأس بالعمل به بعد انجباره و اعتضاده بما عرفت مضافا إلى ما قلناه سابقا من إيكال ذلك الى نظر الامام على حسب ما يراه من المصلحة في الأفراد و كيفياتها و الله العالم.

[المسألة السابعة لا يعتبر في قطع المحارب أخذ النصاب]

المسألة السابعة:

لا يعتبر في قطع المحارب أخذ النصاب كما لا يعتبر في قتله لو قتل المكافاة لإطلاق الأدلة الذي لا يعارضه إطلاق اسم اللص و السارق عليه بعد ظهور الأدلة في اشتراط ذلك في غيره كاشتراط المرافعة و نحوها مما سمعته في السرقة و لكن في الخلاف يعتبر النصاب ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «القطع في ربع دينار»

و لأنه مجمع عليه و لا دليل فيما دونه، و هو كما ترى و كذا لا يعتبر انتزاعه من حرز للإطلاق المزبور.

هذا كله على القول بالتفصيل و أما على ما قلناه من التخيير فلا فائدة في هذا البحث أصلا و لا وجه للشرط المزبور و ذلك لأنه عليه يجوز قطعه و إن لم يأخذ مالا

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 254.

596

فضلا عن كونه بقدر النصاب و من حرز كما هو واضح.

و كيفية قطعه أن تقطع يمناه ثم تحسم ثم تقطع رجله اليسرى و تحسم و لو لم تحسم في الموضعين جاز.

و كذا لا إمهال في قطع عضويه لأنه حد واحد، بل لو استحق قطع يمناه بالقصاص ثم قطع الطريق قدم القصاص ثم قطعت رجله اليسرى بلا إمهال كما في القواعد، و لعله لأنهما و إن كانا حدين لكن لو لم يكن الحق في يمناه بالقصاص لقطعت مع الرجل بلا إمهال و الحاصل أن الإمهال تخفيف له و اتقاء عليه و هو بقطع الطريق لا يستحقه، نعم من استحق يمناه بالسرقة و يسراه بالقصاص قدم القصاص لأنه حق الناس خاصة، و يمهل حتى يندمل ثم يقطع بالسرقة لأنهما حدان فلا توالي بينهما و الله العالم.

و لو فقد أحد العضوين اقتصرنا على قطع الموجود و لم ينتقل إلى غيره.

[المسألة الثامنة لا يقطع المستلب و لا المختلس و لا المحتال على الأموال بالتزوير]

المسألة الثامنة:

لا يقطع المستلب و لا المختلس و لا المحتال على الأموال بالتزوير و الرسائل الكاذبة بل يستعاد منه المال و يعزر بما يراه الحاكم لعدم صدق المحارب على شيء من الثلاثة بناء على إرادة نهب المال من الأول و الهرب من دون محاربة بتجريد سلاح و نحوه فهو حينئذ منتهب و مختطف لا محارب، فإنه إنما يتحقق كما في القواعد لو قصد أخذ المال قهرا

597

مجاهرة، فإن أخذوا خفية فهم سارقون و إن أخذوه اختطافا و هربوا فهم منتهون، بل في كشف اللثام و إن جرحوا أو قتلوا حين اختطفوا و إن كان قد يشكل بأن الهرب مخافة مجيء الأقوى منه بعد الإخافة و القتل و الجرح لا ينافي المحاربة كما هو الموجود في قطاع الطريق في زماننا، نعم لو اختطف و هرب بلا إخافة بتجريد سلاح و اجتماع و نحو ذلك لم يكن محاربا، و لعله المراد لهما و إلا كان مشكلا، و على ذلك يحمل ما في النصوص من عدم القطع على الذي يستلب.

و أما المختلس المفسر في محكي النهاية و المهذب و السرائر بالذي يأخذ المال ظاهرا من غير إشهار سلاح أو قهر فهو راجع إلى المستلب الذي سمعت الكلام فيه، و لعلهم أخذوه مما في الصحاح «خلست الشيء و اختلسته و تخلسته إذا استلبته و التخالس التسالب» و في مختصر النهاية «و الخلسة ما يؤخذ سلبا و مكابرة» لكن في المسالك تفسير المستلب بأنه الذي يأخذ المال جهرا و يهرب مع كونه غير محارب، و المختلس بأنه الذي يأخذ المال خفية كذلك، و لعل المنساق منه أخذ المال من صاحبه عند صدور غفلة منه، قال في مختصر النهاية «و وعدنا خالسا أي يختلسك على غفلة».

و في خبر أبي بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) «لا أقطع في الدغارة المعلنة و هي الخلسة و لكن أعزر»

و في خبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اختلس ثوبا من السوق فقالوا قد سرق هذا الرجل فقال: لا أقطع في الدغارة المعلنة و لكن أقطع من يأخذ ثم يخفى»

و في خبر السكوني (3) عن الصادق (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل اختلس درة من إذن جارية، فقال هذه

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد السرقة- الحديث 4.

598

الدغارة المعلنة فضربه و حبسه»

إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على عدم القطع بالاختلاس و الدغارة المعلنة و قد سمعت الكلام في الأول و أما الدغارة ففي الصحاح أخذ الشيء اختلاسا و في الحديث (1) «لا قطع في الدغرة»

و أصل الدغر الدفع، و في مختصر النهاية «و لا قطع في الدغرة و هي الخلسة» و على كل حال فلا قطع على ذلك نصا و فتوى.

و كذا لا قطع في الثالث لعدم اندراجه في ما ثبت القطع فيه من السارق و المحارب فيبقى على مقتضى الأصل بلا خلاف أجده فيه لكن في صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أتى رجلا و قال أرسلني فلان إليك لترسل إليه بكذا و كذا فأعطاه و صدقه و قال له: إن رسولك أتاني فبعثت إليك معه بكذا و كذا، فقال:

ما أرسلته إليك و ما أتاني بشيء، فزعم الرسول أنه قد أرسله و قد دفعه اليه، فقال: إن وجد عليه بينة أنه لم يرسله قطع يده- و معنى ذلك أن يكون الرسول قد أقر مرة أنه لم يرسله، و إن لم يجد بينة فيمينه بالله ما أرسلته، و يستوفي الآخر من الرسول المال- قلت:

أ رأيت إن زعم أنه حمله على ذلك الحاجة، فقال: يقطع، لانه سرق مال الرجل»

و عن الشيخ حمله على قطعه لإفساده لا لسرقته، مع أن الرواية تضمنت التعليل بها لا به، و الأولى حمله على قضية في واقعة اقتضت المصلحة فيها ذلك، كما أن ما عن المقنعة و النهاية و السرائر و الوسيلة و التحرير من شهر المحتال ليحذر منه الناس محمول على ما

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 280.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب حد السرقة- الحديث 1.

599

إذا رأى الحاكم ذلك لمصلحة.

و كذا لا قطع على المبنج و من سقى غيره مرقدا للأصل و غيره، و إنما يعزر بما يراه الحاكم و لكن إن جنى ذلك و هو من أعطى البنج و أسقي المرقد شيئا مالا أو غيره ضمن الجناية باعتبار قوة السبب على المباشر، و في القواعد و المبنج و المرقد يضمنان ما يجنيه البنج و المرقد، و في كشف اللثام على المتناول من نقص في عقل أو حس أو عضو و ما احتالا بذلك في أخذه من المال و ما يجنيه المتناول بسكره أو رقاده، و الله العالم.

600

[القسم الثاني ما ليس له عقوبة مقدرة]

(القسم الثاني) من كتاب الحدود، و فيه أبواب:

[الباب الأول في المرتد]

الباب الأول في المرتد، و هو الذي يكفر بعد الإسلام سواء كان الكفر سبق إسلامه أم لا، و يتحقق بالبينة عليه و لو في وقت مترقب أو التردد فيه، و بالإقرار على نفسه بالخروج من الإسلام أو ببعض أنواع الكفر، سواء كان ممن يقر أهله عليه أو لا، و بكل فعل دال صريحا على الاستهزاء بالدين و الاستهانة به و رفع اليد عنه، كإلقاء المصحف في القاذورات و تمزيقه و استهدافه و وطئه و تلويث الكعبة أو أحد الضرائح المقدسة بالقاذورات، أو السجود للصنم و عبادة الشمس و نحوها و ان لم يقل بربوبيتهما.

قال الصادق (عليه السلام) في خبر الفضيل بن يسار (1) «إن رجلين من المسلمين كانا بالكوفة فأتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد أنه رآهما يصليان لصنم، فقال: ويحك لعله بعض من يشتبه

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد المرتد- الحديث 1.

601

عليه أمره، فأرسل رجلا فنظر إليهما و هما يصليان لصنم فأتى بهما، فقال لهما: ارجعا فأبيا فخذ لهما في الأرض خدّاً فأجج نارا و طرحهما فيه».

و بالقول الدال صريحا (1) على جحد ما علم ثبوته من الدين ضرورة، أو على اعتقاده ما يحرم اعتقاده بالضرورة من الدين، و قيده في كشف اللثام هذا بما إذا علم ذلك، قال: «بل العمدة ما يدل على إنكار ما اعتقد ثبوته أو اعتقاد ما اعتقد انتفاءه، لأنه تكذيب للنبي (صلى الله عليه و آله) و إن كان بزعمه» و نحوه ما تقدم له في كتاب الطهارة (2) و لكن قلنا هناك: إنه مخالف لإطلاق الفتاوى و النصوص المتفرقة في الأبواب الدالة على الحكم بكفر كل من صدر منه ما يقتضي إنكار الضروري، منها

ما ورد (3) في من أفطر في شهر رمضان «من أنه يسأل فإن قال حلال يقتل،»

بل لعل اقتصار لأصحاب على الضروري كالصريح في الكفر به مقيدا، خصوصا بعد قولهم: سواء كان القول عنادا أو اعتقادا أو استهزاء، فما في كشف اللثام- من أنه لا ارتداد بإنكار الضروري أو اعتقاد ضروري الانتفاء إذا جهل الحال- واضح الضعف، و لعل منشأه الغفلة عن اقتضاء ظاهر النصوص الكفر به نحو الفعل المزبور لا أنه من جهة الاستلزام لإنكار النبي (صلى الله عليه و آله) الذي هو منفي مع الجهل، و قد أطلنا الكلام معه في كتاب الطهارة (4) فلاحظ و تأمل.

____________

(1) عطف على قوله: «بالبينة».

(2) راجع ج 6 ص 47.

(3) الوسائل- الباب- 2 من أبواب أحكام شهر رمضان من كتاب الصوم.

(4) راجع ج 6 ص 47.

602

بل الظاهر حصول الارتداد بإنكار ضروري المذهب كالمتعة من ذي المذهب أيضا لأن الدين هو ما عليه، و لعل منه إنكار الإمامي أحدهم (عليهم السلام)

قال محمد بن مسلم (1): «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ رأيت من جحد إماما منكم ما حاله؟ فقال: من جحد إماما من الأئمة (عليهم السلام) و برأ منه و من دينه فهو كافر و مرتد عن الإسلام، لأن الإمام من الله، و دينه من دينه، و من بريء من دين الله فدمه مباح في تلك الحالة إلا أن يرجع و يتوب إلى الله مما قال»

و قال أحمد بن مطهر (2): «كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد (عليه السلام) يسأله عمن وقف على أبي الحسن موسى (عليه السلام) فكتب: لا تقرهم على عمل، و تبرأ منه، أنا إلى الله منه برآء، فلا تتولهم، و لا تعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، و لا تصل على أحد منهم مات أبدا، من جحد إماما من الله أو زاد إماما ليست إمامته من الله تعالى كان كمن قال: إن الله ثالث ثلاثة، إن الجاحد أمر آخرنا جاحد أمر أولنا»

إلى غير ذلك من النصوص المحمولة على ما ذكرنا، و الله العالم.

[القسم الأول المرتد الفطري]

و كيف كان ف له أي المرتد قسمان: الأول من ولد على الإسلام لأبويه أو أحدهما، و هو المسمى بالفطري، و في كشف اللثام المراد به من لم يحكم بكفره قط لإسلام أبويه أو أحدهما حين ولد و وصفه الإسلام حين بلغ، و ظاهره كغيره اعتبار الولادة على الإسلام، بل اعتبار وصف الإسلام لو بلغ، فلو بلغ كافرا لم يكن مرتدا عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المرتد- الحديث 38.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المرتد- الحديث 40 و هو عن أحمد بن محمد بن مطهر.

603

فطرة، و كأنه أخذ القيد الثاني مما تسمعه في بعض النصوص (1) من الرجل و المسلم و نحوهما مما لا يصدق على غير البالغ، بل ليس في النصوص إطلاق يوثق به في الاكتفاء بصدق الارتداد مع الإسلام الحكمي، و لعله لا يخلو من قوة.

و لكن في المسالك تبعا لما عن القواعد تفسير الفطري بمن انعقد و أبواه أو أحدهما مسلم بل ربما نفى الخلاف فيه، بل ظاهره في ما يأتي المفروغية من ذلك من غير اعتبار وصف الإسلام عند البلوغ، و هو مع أنه مناف لحقيقة المرتد لغة ليس في ما حضرنا من النصوص دلالة عليه حتى الإطلاق.

قال الصادق (عليه السلام) في موثق الساباطي (2): «كل مسلم بين مسلمين- و في بعض النسخ بين مسلم- ارتد عن الإسلام و جحد محمدا (صلى الله عليه و آله) نبوته و كذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه و امرأته بائنة منه يوم ارتد، فلا نقربه و يقسم ماله على ورثته، و تعتد أسرته عدة المتوفى عنها زوجها، و على الامام أن يقتله و لا يستتيبه».

و في صحيح الحسين بن سعيد (3) قال: «قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) رجل ولد على الإسلام ثم كفر و أشرك و خرج عن الإسلام هل يستتاب أو يقتل و لا يستتاب؟ فكتب (عليه السلام): يقتل».

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 6.

604

و في مرفوع عثمان بن عيسى (1) «كتب عامل أمير المؤمنين (عليه السلام) اليه اني أصبت قوما من المسلمين زنادقة و قوما من النصارى زنادقة فكتب اليه أما ما كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه و لا تستتبه، و من لم يولد على الفطرة فاستتبه، فان تاب و إلا فاضرب عنقه، و أما النصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة».

و في مرسل عثمان بن عيسى (2) «من شك في دينه بعد تولده على الفطرة لم يفيء إلى خير أبدا»

إلى غير ذلك من النصوص.

و بالجملة فلا خلاف و لا إشكال في فطرية من انعقد و ولد و وصف الإسلام عند بلوغه و أبواه مسلمان بل أو أحدهما و لو الأم ثم ارتد، حتى لو ارتد أبواه بعد انعقاده، نعم لو انعقد منهما كافرين لم يكن فطريا و إن أسلم أبواه أو أحدهما عند الولادة، فإن له حالا سابقا محكوما بكفره، فلم تكن فطرته عن الإسلام بخلاف الأول، فإنهما و إن ارتدا حال الولادة بعد الانعقاد منهما أو من أحدهما يبقى على حكم الإسلام و لا يجره كفرهما.

و من الغريب ما في رسالة الجزائري من أن المدار على الولادة لا الانعقاد، و لعل منشأ الوهم النصوص المزبورة المراد منها أصل الخلقة لا خصوص التولد المذكور فيها المبني على غلبة اتحاد الولادة مع الانعقاد أو على غلبة تولده بعد انعقاده، فهو حينئذ ولد حال الانعقاد و لو مجازا، و حينئذ فيكفي في فطريته ذلك و إن ارتد أبواه عند الولادة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المرتد- الحديث 5.

(2) أصول الكافي ج 2 ص 400.

605

كما أنه لا يكون فطريا مع انعقاده منهما كافرين و إن أسلما عند الولادة، إنما الكلام في اعتبار وصف الإسلام عند البلوغ و عدمه، و قد عرفت ظهور ما حضرنا من النصوص و تعرف ان شاء الله زيادة ترجيح له أيضا، و الله العالم.

و كيف كان ف هذا أي المرتد عن فطرة لا يقبل إسلامه لو تاب و رجع إلى الإسلام و يتحتم قتله، و تبين منه زوجته، و تعتد منه عدة الوفاة، و تقسم أمواله بين ورثته و إن التحق بدار الحرب أو اعتصم بما يحول بين الامام و قتله بلا خلاف معتد به أجده في شيء من الأحكام المزبورة، بل الإجماع بقسميه عليها للنصوص المذكورة، مضافا إلى

صحيح ابن جعفر (1) سأل أخاه (عليه السلام) «عن مسلم ارتد، قال: يقتل و لا يستتاب، قال:

فنصراني أسلم ثم ارتد عن الإسلام، قال: يستتاب، فان رجع و إلا قتل»

و غيره خصوصا المطلق المشتمل على الأحكام المزبورة المحمول بقرينة غيره و الإجماع على الفطري.

إنما الكلام في قبول توبته بالنسبة إلى غير ذلك من الأحكام، و قد أطنبنا في ذلك في كتاب الطهارة (2) و حكينا القول بالقبول عن جماعة، لاقتضاء عدم القبول تكليف ما لا يطاق و نحوه مما هو مناف لقواعد العدلية، أو سقوط التكليف عن البالغ العاقل، و هما معا ممتنعان، فيجب تنزيل عموم نفي التوبة في النص و الفتوى على الأحكام المزبورة دون غيرها من عباداته و نحوها، بل لعله المراد مما وقع من بعضهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 5.

(2) راجع ج 6 ص 292- 298.

606

من عدم قبولها ظاهرا و قبولها باطنا، لا أن المراد به مجرد سقوط العقاب عنه في الآخرة و إن حكم بنجاسته في الدنيا و ببطلان عباداته، و لا أن المراد به قبولها في ذلك بالنسبة إليه خاصة دون غيره ممن يباشره، إذ هما معا كما ترى.

مؤيدا ذلك كله بما وقع من غير واحد في بحث القضاء من الصلاة أن المرتد يقضي زمان ردته و إن كان عن فطرة، بل لا خلاف معتد به فيه عندهم، بل حكى غير واحد الإجماع عليه، بل في ناصريات المرتضى إجماع المسلمين على ذلك، و هو لا يتم إلا على قبول توبته في غير الأحكام المزبورة.

و بظهور (1) التقييد في قوله تعالى (2) «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ» في أن من لم يمت كذلك لم يكن له الجزاء المزبور بعد إطلاق المرتد بقسميه، و بقوة (3) عمومات التوبة المؤيدة بالعقل و بغير ذلك.

و لكن قد ذكرنا المناقشة في ذلك كله و قلنا: لا مانع عقلا من عدم القبول و إن عوقب عقاب المكلفين على ما وقع من سوء اختياره، خصوصا بعد أن تقدم إليه في ذلك، بل لو سلم اقتضاء العقل ذلك أمكن أن يخذلهم الله عن التوفيق لها، كما أنه لو سلم القبح في مثل الفرض أمكن التزام سقوط التكليف باعتبار تنزيله منزلة الميت، و لذا تعتد زوجته منه، و تقسم أمواله، بل لو سلم امتناع ذلك أمكن رفع العقاب الأخروي بها دون إجراء أحكام الكفار ظاهرا و إن عذر

____________

(1) عطف على قوله:

«بما وقع من غير واحد»

. (2) سورة البقرة: 2- الآية 217.

(3) عطف على قوله:

«بما وقع من غير واحد»