جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
607

بها كالكافر المستضعف.

و على كل حال فلا داعي إلى تنزيل عموم نفي التوبة في النص و الفتوى و معقد الإجماع على خصوص الأحكام المزبورة، و الإجماع على قضاء زمان الردة و لو عن فطرة إنما هو في مقام بيان أن الكفر الارتدادي لا يسقط القضاء لو تعقبه الإسلام بخلاف الكفر الأصلي، و يكفي في المثال للفطري المرأة التي تقبل توبتها و لو كانت عن فطرة كما ستعرف.

و كأن ما ورد في كفر الغلاة و المفوضة بجميع أقسامهم و نحوهم مبني على ذلك و لكنهم غير معذورين في اعتقاد ما نفته الضرورة، أو مبني على أن ذلك بنفسه كفر كإنكار المعاد لا من حيث انه إنكار ضروري،

قال الرضا (عليه السلام) في خبر يزيد بن عمر الشامي (1): «من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، و من زعم أن الله فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، و القائل بالجبر كافر و القائل بالتفويض مشرك»

و نحوه غيره في التصريح بكفرهم المبني على ما ذكرنا، أو على أنهم ممن أنكر الضروري، و هو كفر تعبدا لا استلزاما، و تخرج النصوص حينئذ شاهدا لذلك.

نعم لا يخفى على من لاحظها و غيرها مما جاء (2) في الواقفية و غيرهم ممن هم محكوم بكفرهم قبول التوبة منهم، بل في بعضها (3) التصريح بقبول توبة الغالي، و الغالب في ارتداد فرق الشيعة كونه

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المرتد- الحديث 4 عن يزيد بن عمر.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المرتد.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد المرتد.

608

عن فطرة. فيكون ذلك مؤيدا لعموم قبولها في الدنيا، بل ملاحظة ما جاء في عموم التوبة (1) تفيد الظن بشموله للفرض.

لكن قد يقال بعد أن عرفت: أن القبول على الوجه المزبور- بمعنى عوده على ما كان من الطهارة و غيرها، بل له العقد جديدا على زوجته بعد العدة أو في أثنائها على ما صرح به ثاني الشهيدين- سمعي لا عقلي، فالعمدة ترجيح ما جاء في خصوص الفطري من نفي التوبة في غير واحد من النصوص (2) و ما جاء من عموم التوبة (3) و هو إن لم يكن للأول للشهرة المحكية و غيرها فلا أقل من الشك، و الأصل يقتضي عدم القبول، و تمام الكلام في أطراف المسألة قد تقدم في كتاب الطهارة (4) حتى ما يحكى عن الإسكافي من أن الارتداد قسم واحد و أنه يستتاب، فان تاب و إلا قتل، نحو المحكي عن العامة على خلاف بينهم في مدة إمهاله.

و كأنه مال إليه في المسالك حيث قال بعد حكايته: «و عموم الأدلة المعتبرة يدل عليه، و تخصيص عامها أو تقييد مطلقها برواية عمار (5) لا يخلو من إشكال، و رواية علي بن جعفر (6) ليست صريحة في التفصيل» و إن كان هو كما ترى لا ينبغي أن يسطر بعد استقرار مذهب الإمامية على خلافه، و نحو ذلك ما وقع له من الاضطراب في قبول توبة المرتد الفطري باطنا، و جعل من ذلك عود زوجته اليه بعقد جديد بعد العدة أو فيها في احتمال كالمطلقة بائنا، مع أن بينونة الزوجة

____________

(1)- سورة طه: 82- الآية 20 و سورة التوبة: 9- الآية 104.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد.

(3)- سورة طه: 82- الآية 20 و سورة التوبة: 9- الآية 104.

(4) راجع ج 6 ص 293- 298.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 5.

609

أحد أحكام الثلاثة التي قد عرفت الإجماع على عدم قبول التوبة بالنسبة إليها، بل مقتضى إطلاق البينونة و اعتدادها منه عدة الوفاة خلاف ذلك أيضا.

نعم يشترط في الارتداد بقسميه البلوغ و كمال العقل و الاختيار بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى معلومية اعتبارها في نحو ذلك، فلا عبرة به من الصبي و ان كان مراهقا لحديث رفع القلم (1) و غيره، و لكن يؤدب بما يرتدع به، خلافا للمحكي عن خلاف الشيخ، فاعتبر إسلام المراهق و ارتداده و الحكم بقتله إن لم يتب،

للخبر (2): «الصبي إذا بلغ عشر سنين أقيمت عليه الحدود التامة و اقتص منه و تنفذ وصيته و عتقه»

و لكن شذوذه و عدم صراحته و معارضته بما هو أقوى منه من وجوه يمنع من العمل به.

و لا عبرة أيضا بردة المجنون حال جنونه مطبقا أو أدواريا، و لا بردة المكره الذي هو أحد من رفع عنه التكليف، و قد قال الله تعالى (3) «إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ».

و حينئذ فلو أكره كان نطقه بالكفر لغوا فلا ارتداد حينئذ حقيقة، لأن له إظهار الأفعال الدالة على الكفر و الكلمات الصريحة فيه حتى البراءة و إن ورد النهي عنها في بعض الأخبار (4) المحمولة على

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(2) لم أعثر عليه عاجلا.

(3) سورة النحل: 16- الآية 106.

(4) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف.

610

على ضرب من التأويل أو المطرحة للمعارضة بالأقوى من وجوه، خصوصا بعد قوله تعالى (1) «إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً» بل الظاهر وجوبه مع الخوف على النفس أو الطرف، نعم ينبغي له التورية مع إمكانها.

و كذا لا عبرة بما يقع من الغافل و الساهي و النائم و المغمى عليه من الأقوال و الأفعال المقتضية للكفر لو وقعت من غيرهم، بل لو ادعى عدم القصد الى ما تلفظ به و انما سبق به اللسان أو لغفلة عن معناه أو عن أدائه الى ما يقتضي الكفر أو السهو عن ذلك أو الحكاية عن الغير صدق بلا يمين إذا لم يعلم كذبه للأصل و الاحتياط و الشبهة، بل لعل من ذلك ما يصدر عند الغضب الذي لا يملك نفسه معه، و في خبر علي بن عطية (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: كنت جالسا عنده و سأله رجل عن رجل يجيء من الشيء على حد الغضب يؤاخذه الله، فقال: الله أكرم من أن يستغلق عبده»

و ما ورد (3) من أن الغضب يفسد الإيمان

محمول على ما يقع منه مختارا لأجل الغضب لا ما يشمل الفرض المزبور، و الله العالم.

و لو ادعى الإكراه مع وجود الامارة على ذلك كالأمر عند الكفار قبل ترجيحا لحقن الدم، و استصحابا للإسلام و درء للحد بالشبهة.

و إن لم تظهر علامة الإكراه ففي القواعد في القبول نظر أقر به العدم، لكن فرض المسألة في ما لو شهد بردته اثنان، و لعله مما

____________

(1) سورة آل عمران 3- الآية 28.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 53- من أبواب جهاد النفس- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

611

عرفت، و من أنه تكذيب للبينة بلا مؤيد، إذ لا ردة مع الإكراه، و من هنا قال متصلا بما سمعته منه: و لو نقل الشاهد لفظا فقال:

صدق و لكني كنت مكرها قبل منه، أي سواء ظهرت أمارة الإكراه أم لا ما لم يعلم انتفاؤه أو ثبت بينة، إذ ليس فيه حينئذ تكذيب للبينة، و الأصل و الاحتياط و الشبهة تمنع من التهجم على قتله، بخلاف ما لو شهد عليه بها، فإنه لا تقبل منه دعوى الإكراه مع عدم الأمارة المقاومة للبينة على الاشكال السابق، بل قد يقوى قبوله مع فرض عدم التكذيب لها بأن أسند الإكراه إلى سبب خفي لم تعلم به البينة، و كان مستند شهادتها الأخذ بظاهر الحال.

و لا يفتقر المكره على الارتداد إلى تجديد الإسلام، و لا يجب عرضه عليه، لما عرفت من عدم الردة بما وقع منه، بل لو امتنع من تجديده حيث يعرض عليه لم يحكم بكفره كالمسلم، لكن في القواعد «دل ذلك على اختياره في الردة» و فيه منع ضرورة عدم الفرق بينه و بين المسلم بعد فرض لغوية ما وقع منه من الارتداد، و الله العالم.

و لا تقتل المرأة بالردة إجماعا بقسميه و نصوصا، بل تحبس دائما و إن كانت مولودة على الفطرة، و تضرب أوقات الصلاة

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (1): «لا يخلد في السجن إلا ثلاثة: الذي يمسك على الموت، و المرأة ترتد عن الإسلام، و السارق بعد قطع اليد و الرجل»

و في صحيح حماد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرتدة عن الإسلام: لا تقتل، و تستخدم خدمة شديدة، و تمنع الطعام و الشراب إلا ما تمسك نفسها، و تلبس

____________

(1)- الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المرتد- الحديث 3.

(2)- الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المرتد- الحديث 1.

612

خشن الثياب، و تضرب على الصلوات»

و في مرسل ابن محبوب عن غير واحد من أصحابنا (1) عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) «في المرتد يستتاب، فإن تاب و إلا قتل، و المرأة إذا ارتدت استتيبت، فإن تابت و رجعت و إلا خلدت السجن، و ضيق عليها في حبسها»

و نحوه خبر عباد بن صهيب (2) إلى غير ذلك من النصوص.

نعم إن تابت عفي عنها، كما صرح به غير واحد و إلا فعل ذلك بها دائما، لكن في المسالك «ليس في هذه الأخبار ما يقتضي قبول توبتها في الحالين، و الخبر الأخير كما تضمن قبول توبتها تضمن قبول توبة المرتد الذكر، و حمله على المرتد الملي يرد مثله فيها، فيمكن حمل الأخبار الدالة على حبسها دائما من غير تفصيل على الفطرية بأن يجعل ذلك حدها من غير أن تقبل توبتها كما لا تقبل توبته، و في التحرير لو تابت فالوجه قبول توبتها و سقوط ذلك عنها و إن كانت عن فطرة، و هو يشعر بخلاف في قبول توبتها إذا كانت فطرية، و هو المناسب بحال هذه النصوص» و فيه أن الأنسب منه حملها على عدم التوبة بقرينة الخبرين المزبورين المجبورين بالعمل، و لا ينافي اشتمالهما على قبول توبة المرتد الذكر المحمول على الملي كغيرهما من النصوص المعتضدة بالعمل أيضا.

و أما الخنثى المشكل فقد يقال: إن مقتضى درء الحد و غيره الإلحاق بالمرأة كما جزم به بعض الأفاضل، و لا ينافي ذلك تعليق الحكم على الولادة على الفطرة المعلوم عدم سياقها لنحو ذلك، و الله العالم.

[القسم الثاني المرتد الملي]

القسم الثاني: من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب، فإن

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المرتد- الحديث- 6.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المرتد- الحديث 4.

613

امتنع قتل بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا الى النصوص (1) التي تقدم بعضها و حينئذ فلا إشكال كما لا خلاف في أن استتابته واجبة للأمر بها (2) و الاحتياط في الدماء، خلافا لأبي حنيفة و الشافعي في أحد قوليه، فاستحبها ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (3): «من بدل دينه فاقتلوه».

و فيه أنه مقيد بأمر الاستتابة، إنما البحث في أنه كم يستتاب؟ قيل و إن كنا لم نتحقق القائل ثلاثة أيام نعم هو

مروي بطريق ضعيف (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «المرتد يعزل عن امرأته، و لا تؤكل ذبيحته، و يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب و إلا قتل يوم الرابع».

و قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط و الخلاف و تبعه عليه غيره: يمهل القدر الذي يمكن معه الرجوع لإطلاق الأدلة الذي لا يقيده الخبر المزبور بعد ضعفه.

و لكن مع ذلك الأول أحوط كما في المبسوط، لأنك قد عرفت أنه مروي بل في المتن و هو حسن لما فيه من التأني لإزالة عذره إذ ربما عرضت له شبهة، و لو قال:

حلوا شبهتي ففي القواعد «احتمل الإنظار إلى أن تحل شبهته و إلزامه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 3- من أبواب حد المرتد.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المرتد- الحديث- 5.

(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المرتد- الحديث.

614

التوبة في الحال ثم تكشف له» و لعل الأول لوجوب حل الشبهة، و كون التكليف بالايمان معها من التكليف بما لا يطاق، و الثاني لوجوب التوبة على الفور، و الكشف و إن وجب كذلك، لكن يستدعي مهلة، و ربما طال زمانه، و يكفي في الحكم بإسلامه التوبة ظاهرا و إن كانت الشبهة تأبى الاعتقاد، و أيضا ربما لا تأبى الاعتقاد تقليدا، و فيه أن ذلك كله مناف لإطلاق ما دل على قتله مع عدم التوبة نصا و فتوى، و لعله لعدم معذوريته في الشبهة.

بل ربما ظهر من

خبر أبي الصيقل (1) عدم الالتفات إلى ذلك، قال فيه: «إن بني ناجية قوم كانوا يسكنون الأسياف، و كانوا قوما يدعون في قريش نسبا، و كانوا نصارى، فأسلموا ثم رجعوا عن الإسلام، فبعث أمير المؤمنين (عليه السلام) معقل بن قيس التميمي فخرجنا معه، فلما انتهينا إلى القوم جعل بيننا و بينه أمارة، فقال:

إذا وضعت يدي على رأسي فضعوا فيهم السلاح، فأتاهم فقال: ما أنتم عليه؟ فخرجت طائفة فقالت: نحن نصارى فأسلمنا لا نعلم دينا خيرا من ديننا فنحن عليه، و قالت طائفة: نحن كنا نصارى ثم أسلمنا ثم عرفنا أنه لا خير من الدين الذي كنا عليه فرجعنا إليه، فدعاهم إلى الإسلام ثلاث مرات فأبوا فوضع يده على رأسه، قال: فقتل مقاتليهم و سبى ذراريهم قال: فأتي بهم عليا (عليه السلام) فاشتراهم مصقلة بن هبيرة بمائة ألف درهم فأعتقهم و حمل الى علي (عليه السلام) خمسين ألفا فأبى أن يقبلها، قال: فخرج بها فدفنها في داره. و لحق بمعاوية، قال: فأخرب أمير المؤمنين (عليه السلام) داره و أجاز

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المرتد- الحديث 6.

615

عتقهم»

و هو ظاهر فيما ذكرناه.

هذا و في كشف اللثام «و قيل: إن اعتذر بالشبهة أول ما استتيب قبل انقضاء الثلاثة الأيام أو الزمان الذي يمكنه فيه الرجوع أمهل إلى دفعها، و إن أخر الاعتذار عن ذلك لم يمهل، لأدائه إلى طول الاستمرار على الكفر، و لمضي ما كان يمكنه فيه إبداء العذر و إزالته و لم يبديه فيه» و لم أجده لأحد من أصحابنا، و لعله لبعض العامة، و لا ريب في وضوح ضعفه بمنافاته لإطلاق الأدلة، ضرورة اقتضائه الإمهال و لو سنين على الأول، و يمكن دعوى القطع بأنه خلاف النص و الفتوى، فالتحقيق حينئذ ما عرفت من استتابته، و الأحوط الانتظار ثلاثة أيام، فان لم يتب قتل ذكر شبهة أو لم يذكر.

و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال في أنه لا تزول عنه أملاكه بل تكون باقية عليه أي على ملكه للأصل و غيره نعم ينفسخ العقد بينه و بين زوجته لعدم جواز نكاح الكافر مسلمة ابتداء و استدامة و لكن يقف نكاحها على انقضاء العدة لأنه مقبول التوبة، فإذا تاب فيها كان أحق بزوجته، كما مر في كتاب النكاح (1) ذلك و أنها هي أي العدة كعدة الطلاق (المطلقة خ ل) و كذا لا خلاف و لا إشكال في أنه و إن كان محجورا عليه في التصرف في ماله كما ستعرف يقضى من أمواله أي يؤدى ديونه و ما عليه من الحقوق الواجبة كنفقة الزوجة و غيرها! و تؤدى منها أيضا نفقة الأقارب ما دام حيا ضرورة بقائه مخاطبا، إلا أن الذي يباشر

____________

(1) راجع ج 30 صفحة 49.

616

ذلك الحاكم، و كذا تؤدى له نفقته إلى أن يموت أو يقتل، لكن عن الخلاف أن لأصحابنا قولين: يعني القول ببقاء ملكه و القول بأنه مراعى، فإن تاب علم بقاؤه و إلا علم زواله من حين الردة، و حينئذ يشكل أداء نفقته له، بل و كذا أداء ما يتجدد عليه من الحقوق إلا أن القول المزبور مع أنه غير معروف القائل واضح الضعف، ضرورة منافاته لجميع الأدلة من الاستصحاب و غيره.

و كذا لا خلاف في أنه بعد قتله أو موته تقضى ديونه و ما عليه من الحقوق الواجبة كنفقة الزوجة دون نفقة الأقارب التي هي مجرد مواساة فلا قضاء لها.

و لو قتل أو مات كانت تركته لورثته المسلمين دون غيرهم فان لم يكن له وارث مسلم فهو للإمام دون أقربائه الكفار، كما تقدم الكلام فيه في الميراث (1).

و ولده قبل الارتداد بحكم المسلم استصحابا لحاله السابق الذي لا دليل على تغيره بارتداد الأب بل لو انعقد بإسلام أحد أبويه حكم بإسلامه، و لذا لو ماتت الأم مرتدة و هي حامل به تدفن في مقابر المسلمين فإن بلغ مسلما فلا بحث و إن اختار الكفر بعد بلوغه استتيب فإن تاب و إلا قتل لكونه بحكم المرتد عن ملة و إن انعقد أو ولد و أبواه مسلمان بناء على اعتبار وصف الإسلام بعد البلوغ في الردة عن فطرة و الفرض عدمه، بل في كشف اللثام الظاهر أن ولد المسلم و المسلمين أيضا إذا بلغ كافرا استتيب و لو ولد هو و أبواه على الفطرة، و قد نص عليه في لقطة المبسوط، لكن في المسالك «هذا

____________

(1) راجع ج 39 صفحة 17.

617

لا يوافق القواعد المتقدمة من أن المنعقد حال إسلام أحد أبويه يكون ارتداده عن فطرة و لا تقبل توبته، و ما وقفت على ما أوجب العدول عن ذلك هنا، و لو قيل بأنه يلحقه حينئذ حكم المرتد عن فطرة كان وجها، و هو الظاهر من الدروس، لأنه أطلق كون الولد السابق على الارتداد مسلما، و لازمه ذلك» و عن التذكرة نحو ما سمعته من المسالك من الحكم بفطرية المنعقد من مسلمين أو أحدهما إذا بلغ كافرا.

لكن قد عرفت سابقا أن ما حضرنا من النصوص ظاهر في الحكم بردة من وصف الإسلام عن فطرة، بل هو الموافق لمعنى الارتداد الذي هو الرجوع، و لا دليل يدل على الاكتفاء بالإسلام الحكمي، بل ظاهر

المرسل (1) في الفقيه عن علي (عليه السلام) «إذا أسلم الأب جر الولد إلى الإسلام، فمن أدرك من ولده دعي إلى الإسلام، فان أبى قتل، و ان أسلم الولد لم يجر أبويه، و لم يكن بينهما ميراث»

ذلك أيضا بناء على شموله للمنعقد، بل و كذا

خبر عبيد بن زرارة (2) عن الصادق (عليه السلام) «في الصبي يختار الشرك و هو بين أبويه.

قال: لا يترك، و ذاك إذا كان أحد أبويه نصرانيا»

و مرسل أبان (3) عنه (عليه السلام) «في الصبي إذا شب و اختار النصرانية و أحد أبويه نصراني أو بين مسلمين، قال: لا يترك، و لكن يضرب على الإسلام»

بناء على أن المراد منهما وصف الكفر بعد البلوغ، و من عدم الترك الاستتابة و إن كان فيهما معا منع و لا أقل من الشك، و الأصل عدم ثبوت أحكام الفطري مضافا إلى درء الحد بالشبهة و الاحتياط في

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المرتد- الحديث- 7.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المرتد- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد المرتد- الحديث 2.

618

الدم، و الله العالم.

و كيف كان ف لو قتله قاتل قبل وصفه الكفر قتل به و إن كان مسلما، بل في القواعد و محكي كتاب المرتد من المبسوط سواء قتله قبل بلوغه أو بعده لأنه مسلم حكما ما لم يصف الكفر، لكن قد يشكل الثاني بعدم الدليل على حكمية الإسلام فيه، و الأصل بعد انقطاع التبعية بالبلوغ غير أصيل، و أصالة الطهارة لا تقتضي إسلامه الذي هو أمر وجودي، و الكفر عدمه أو وجود غيره.

و بذلك يظهر لك الحال في من علم منه التردد فلا يصف أحدهما و في من جهل حاله و الفرض عقله و بلوغه.

أما المتصل جنونه بصغره المحكوم بإسلامه فيه فالمتجه بقاؤه على حكم إسلامه، و لعله لذلك كله كان المحكي عن لقطة المبسوط عدم قتل المسلم به، بل عن التذكرة أنه استظهره أيضا، و ربما بنى الخلاف على أنه إذا وصف الكفر فهل هو مرتد أو كافر أصلي؟ فيقتص من قاتله على الأول دون الثاني، و فيه أن كونه بحكم المرتد في الجملة للدليل لا يقتضي ثبوت القصاص له في حال عدم الحكم بإسلامه، و الله العالم.

و لو ولد أو علق بعد الردة و كانت أمه مسلمة كان حكمه كالأول لأن الإسلام يعلو و لا يعلى عليه، فهو يتبع أشرف الأبوين، نعم إن كانت مرتدة و الحمل بعد ارتدادهما كان بحكمهما، لا يقتل المسلم بقتله مع عدم وصفه الإسلام و هو كامل إلا إذا أسلم الأبوان أو أحدهما من بعد العلوق إلى البلوغ، فان مقتضى التبعية الحكم بإسلامه حينئذ.

619

و على كل حال فمع عدم الإسلام و لو التبعي هل يجوز استرقاقه؟ تردد الشيخ في ذلك بمعنى أنه اختلف كلامه فتارة يجيز كما هو المحكي عنه في كتاب المرتد من المبسوط و الخلاف و لو في دار الإسلام أو الحرب لأنه كافر بين كافرين فيندرج في العمومات المقتضية لاسترقاق ذلك و تارة يمنع كما هو المحكي عنه في كتاب قتال أهل الردة من المبسوط لأن أباه لا يسترق، لتحرمه بالإسلام و كذا الولد للتبعية، فيلزم حينئذ إذا بلغ بالتوبة أو القتل، و في كتاب قتال أهل الردة من الخلاف يسترق ان ولد في دار الحرب، و لا إن ولد في دار الإسلام، و استدل بالإجماع و الأخبار، و بأنه إذا ولد في دار الإسلام فهو في حكم الإسلام، بدلالة أن أبويه يلزمان الرجوع إلى الإسلام، و إن لم يرجعا قتلا.

و فيه أنا لم نتحقق الإجماع و الأخبار المزبورين، و إلزام أبويه بالرجوع لا يقتضي ثبوت أحكام الإسلام له، بل في سابقه أيضا و إن قال المصنف هذا أولى و في الدروس الحكم به أنه لا دليل على التبعية في الوصف المزبور، و أضعف منه ما عن أبي علي من جواز استرقاقه إن حضر مع أبيه وقت الحرب، إذ هو مجرد اعتبار، كاحتمال كونه مسلما لبقاء علاقة الإسلام، و حديث الولادة على الفطرة (1).

و من ذلك كله يظهر لك قوة الأول، فلو لم يسترق و بلغ يؤمر بالإسلام أو الجزية إن كان من أهلها.

و أما ولد المعاهد إذا تركه عندنا فإنه يبقى بعد البلوغ بوصفه الإسلام

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب جهاد العدو- الحديث- 3- من كتاب الجهاد.

620

أو قبول الجزية أو يحمل إلى مأمنه ثم يصير حربيا، فإن معاهدة الأبوين لا تؤثر بعد البلوغ، كما هو واضح.

و كيف كان فقد عرفت أنه لا إشكال عندنا في بقاء مال المرتد عن ملة على ملكه ما دام حيا حتى يموت أو يقتل و لكن لا خلاف أجده بيننا في أنه يحجر الحاكم على أمواله أي يمنعه من التصرف فيها حتى ما يتجدد له باحتطاب أو اتهاب أو اتجار أو غير ذلك لئلا يتصرف فيها بالإتلاف و نحوه مما فيه ضرر على وارثه المسلم و لو الامام، فهو حينئذ موقوف أو بحكم الموقوف للوارث فان عاد إلى الإسلام فهو أحق بها و ان التحق بدار الكفر بقيت على الاحتفاظ عينا أو قيمة و يباع منها ما يكون له الغبطة في بيعه كالحيوان و ما يفسد، و ما عن أبي حنيفة من تنزيل الالتحاق بدار الحرب منزلة الموت في انتقال المال إلى التركة لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه، و لكن يكفي في ذلك حصول الردة أو يحتاج إلى إنشاء الحجر من الحاكم؟ وجهان أقواهما الأول.

بقي شيء: و هو مضي تصرفه في ذمته بأن ضمن عن شخص مثلا أو اشترى شيئا محاباة و غير ذلك مما هو تصرف في الذمة لا في المال و إن عاد إليه بالأخرة فقد يقال: إن مقتضى الإطلاقات جواز ذلك.

و لكن قد يشكل بأنه مناف لحكمة الحجر، ضرورة إمكان التوصل له بذلك الى إتلاف المال، و من هنا يتجه القول بعدم مضيه.

لكن قد يناقش بخلو النصوص و الفتاوى عن ذكر مانعية الردة عن مثل هذا التصرف، ضرورة اقتصارهم في سائر الأبواب على ذكر البلوغ و الرشد و غيرهما، اللهم إلا أن يكون ذلك من لوازم الحجر

621

عليه المذكور في غير المقام.

و قد يحتمل بقاؤه مراعى بعوده إلى الإسلام و عدمه، فينفذ على الأول دون الثاني، نحو ما ذكره غير واحد في تصرفه بماله بهبة و نحوها الا العتق المشترط فيه التنجيز، ضرورة عدم نقصانه عنه، بل لو قلنا بالبطلان فيه- كما هو ظاهر محكي التحرير قال: «و لو تصرف بعد حجر الحاكم فإنه باطل»- أمكن الفرق بينهما بما عرفت و إن كان قد يناقش بعدم الدليل على بطلانه، و الحجر أعم من ذلك.

و في محكي الخلاف أن في تصرفه أقوالا: يعني الصحة و البطلان و الوقف، و فيه أنه لا وجه للصحة بناء على الحجر عليه بالردة، و كذا بعد حجر الحاكم، اللهم الا أن يراد بها أنه لا حجر عليه أصلا، و إن كان هو كما ترى، لم نعرفه قولا لأحد، نعم هي متجهة قبل حجر الحاكم بناء على توقفه عليه و أنه لا تكفي الردة، و أما بعده أو قلنا بكفاية الردة فالمتجه الوقف لا البطلان كما عرفت.

هذا كله في التصرف المالي أما غيره فلا يمنع منه، و كذا ما يتجدد عليه من الحقوق أو ما تشتغل ذمته به من إتلاف أو غصب، فان المتجه ضمانه و أداؤه عنه، و في القواعد أنه لا يمكن من قضاء المتجدد عليه من الحقوق، و قد يشعر بأنه لا يمنع من قضاء الحقوق السابقة على الارتداد، و في كشف اللثام و لعله كذلك، لأنه أداء حق سبق لزومه، و فيه أنه لا فرق بين قضاء الحقوق السابقة و المتجددة بعد وجوب قضاء الجميع من ماله كما هو واضح، فان كان هو تصرفا ممنوعا منه ففي الجميع، و إلا جاز مباشرته فيهما، و الله العالم.

622

[مسائل من هذا الباب]

مسائل من هذا الباب

[المسألة الأولى إذا تكرر الارتداد يقتل في الرابعة]

الأولى:

إذا تكرر الارتداد قال الشيخ في الخلاف يقتل في الرابعة مستدلا عليه بإجماع أصحابنا على أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة، و عن المبسوط روي عنهم (عليهم السلام) أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة، و عن الشيخ أيضا أنه قال: و روى أصحابنا يقتل في الثالثة أيضا و لكن لم أعثر عليها بالخصوص، نعم قد سمعت فيما سبق الرواية (1) الدالة على أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، و عن علي بن حديد «أنه قيل لجميل بن دراج ما تقول في المرتد إن تاب ثم رجع ثم تاب ثم رجع؟ فقال: لم أسمع في هذا شيئا، و لكن عندي بمنزلة الزاني الذي يقام عليه الحد مرتين ثم يقتل بعد ذلك»

و هي ليست رواية خاصة، و عن جابر (2) عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنه قال لمسلم تنصر ثم رجع قد قبلت منك رجوعك هذه المرة فلا تعد فإنك إن رجعت لم أقبل منك رجوعا بعده»

و لم أجد بها عاملا، فهي مطرحة أو محمولة على سبق رجوع منه، فالتحقيق اتحاد حكم ما نحن فيه مع حكم ذوي الكبائر الذي قد عرفت تحقيقه سابقا، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المرتد- الحديث 4.

623

[المسألة الثانية الكافر إذا أكره على الإسلام فإن كان ممن يقر على دينه لم يحكم بإسلامه]

المسألة الثانية الكافر إذا أكره على الإسلام فإن كان ممن يقر على دينه لم يحكم بإسلامه لعدم صحة إكراهه المقتضي لرفع حكم المكره عليه كغيره مما يكره عليه بغير حق و ان احتمل مقارنة التصديق تقديما للظاهر.

و إن كان ممن لا يقر على ما هو عليه من الدين حكم به لأنه المعهود من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و سيرة المسلمين إلا أنه قد يقال بتقييد ذلك بما إذا لم يعلم صدور ذلك لسانا من غير قصد للمعنى اقتصارا على المتيقن في ما خالف عمومات الأدلة، و احتمال أن الإسلام القول باللسان و إن علم عدم القصد الى مدلوله بعيد، و قبوله من المكره أعم من ذلك، ضرورة احتمال مقارنة الإكراه للقصد، و لعل قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأسامة لما قتل الأعرابي الذي أظهر الإسلام مقارنا للخوف مدعيا أنه كان ذلك منه خوفا: «هلا شققت عن قلبه» ظاهر في ما قلناه، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب الطلاق (1).

[المسألة الثالثة إذا صلى بعد ارتداده أو كفره الأصلي لم يحكم بعوده]

المسألة الثالثة:

إذا صلى بعد ارتداده أو كفره الأصلي لم يحكم بعوده

____________

(1) راجع ج 32 صفحة 12- 16.

624

إذا لم يسمع منه الشهادتان أو كان كفره بغير إنكارهما سواء فعل ذلك في دار الحرب أو دار الإسلام كما عن المبسوط التصريح به و إن كان احتمال التقية في الأول منتفيا، الا أن غيره من الاحتمال كاف، فما عن القواعد- من الإشكال في ذلك بل عن بعض العامة الجزم بذلك- ضعيف، بل في المسالك «أن المشهور ذلك أيضا مع سماع الشهادتين منه فيها و كون المطلوب من إسلامه ذلك، لأن الصلاة لم توضع دليلا على الإسلام، و لا توبة للمرتد، و إنما وضعت الشهادتان دليلا عليه مستقلتين لا جزء من غيرهما، و فيه نظر» قلت: لعله من إطلاق أو عموم ما دل على الحكم بإسلام قائلهما و إن كان فيه منع واضح، لأن المنساق من ذلك كون الشهادتين بمنزلة الصيغة للإسلام، فلا بد من قولهما مظهرا لإرادة ذلك بهما كصيغة البيع.

[المسألة الرابعة السكران يحكم بإسلامه و ارتداده]

المسألة الرابعة قال الشيخ في المبسوط: إن مقتضى المذهب القول بأن السكران يحكم بإسلامه و ارتداده لإلحاقه بالصاحي عندنا في ما عليه من الجنايات و القذف و الزناء و غيرها و هذا يشكل أولا بأن الحكم بإسلامه شيء له لا عليه، و ثانيا بمنع اندراج الارتداد في ذلك مع اليقين بزوال تمييزه الذي هو شرط في التكاليف عقلا و شرعا و لعله لذا قد رجع عنه في الخلاف و لكن قد يدفع الأخير بأن المراد جريان حكم المرتد عليه، لإطلاق

625

ما دل على أنه بحكم الصاحي، اللهم إلا أن يمنع وقوع ما يحصل به الارتداد من قول أو فعل، لعدم قصد الإنكار و الاستخفاف، و هو كما ترى، ضرورة كونه مما يكون ارتدادا للصاحي، و لا ينقص ذلك عن إلزامه بالطلاق الواقع منه المصرح به في كلام بعضهم.

إنما الكلام في أن ذلك في خصوص السكران الآثم بسكره أو مطلقا، قد يتوهم من الإطلاق هنا الثاني، إلا أن الظاهر الأول اقتصارا على المتيقن في مخالف القواعد، و من ذلك ينقدح الشك في الفرض، إذ لم يعلم القول به إلا من الشيخ، و قد رجع عنه، مع أنه لم يحضرنا من النصوص ما يقتضي عموم التنزيل المزبور، و الآثم بالسكر لا يقتضي ذلك، و ربما يأتي لذلك مزيد تحقيق عند تعرض المصنف للسكران في القصاص، و الله العالم.

[المسألة الخامسة كل ما يتلفه المرتد بقسميه على المسلم يضمنه في دار الحرب أو دار الإسلام حالة الحرب و بعد انقضائها]

المسألة الخامسة:

كل ما يتلفه المرتد بقسميه على المسلم نفسا أو طرفا أو مالا يضمنه لعموم الأدلة سواء أتلفه في دار الحرب أو دار الإسلام، حالة الحرب و بعد انقضائها خلافا للمحكي عن أبي حنيفة و الشافعي، فلم يضمناه ما أتلفه في حالة الحرب، نعم تظهر فائدة ضمان المال في الفطري في الآخرة أو في الدنيا إذا تبرع عنه متبرع بناء على عدم قبول توبته و أنه لا يملك شيئا بعد الردة، و حينئذ فلو قتل المرتد الملي مسلما عمدا قتل به، و قدم على قتل الردة، و إن كان شبيه

626

عمد فالدية في ماله، و كذا لو صولح على مال، و إن كان خطأ فعن الشيخ في ماله أيضا، و أشكله في الدروس بأن ميراثه لهم، و يقتل المرتد على فطرة بالمسلم قطعا مع العمد مقدما له على قتل الردة، و خطأه و شبه العمد لا أثر له في ماله، و لو قتل مرتدا عن ملة قبل الاستتابة قتل به، و بعدها مع الإباء لا أثر له، لأنه غير محترم الدم، كما لو قتل المرتد عن ملة مرتدا عن فطرة عمدا فضلا عن الخطأ و شبه العمد.

و على كل حال ف ليس كذلك الحربي فإنه إن أتلف في دار الحرب لم يضمن و إن أتلف في دار الإسلام ضمن كما صرح به غير واحد، بل هو العمل المعهود في أهل الذمة و غيرهم ممن كان في دار الإسلام، بل في كشف اللثام ضمن اتفاقا إذا أسلم و إن كان قد يناقش أولا بأن مقتضى العموم المزبور الضمان مطلقا، كما أن ظاهر المحكي عن الشيخ عدم الفرق بين الدارين، و سواء أسلم أولا، قال في المسالك: إنه أطلق عدم ضمانه و إن أسلم ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «الإسلام يجب ما قبله».

و في غاية المراد، أما الحربي ففي المبسوط لا ضمان عليه، لعدم التزامه الأحكام الإسلامية، ذكره في فصل المرتد، و في فصل البغاة ادعى الإجماع على عدم ضمانه بعد إسلامه، و الشيخ نجم الدين احتمل ضمانه في دار الإسلام و الحرب، لحصول سبب الغرم، و هو الإتلاف للمال المعصوم بغير حق، و عدم التزامه لا ينفي عدم إلزامه، و المصنف في غير هذا الكتاب لم يتردد في ضمانه في دارنا، بل في دارهم،

____________

(1) المستدرك- الباب- 15- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 2 من كتاب الصوم.

627

و وجهه ظاهر، لأنه بدخوله دارنا التزم أحكامنا بخلاف دارهم، و مما ذكر نشأ الأشكال، و حاصله عدم الالتزام بالأحكام الإسلامية، و ادعى الشيخ الإجماع و حصول سبب التغريم، ثم اعلم أن وقوع مضمنه إما بعد الإسلام أو بعد الاستيمان و يبعد من دونهما».

قلت: لا يخفى عليك عدم مدخلية الالتزام و عدمه في الحكم الشرعي المقتضي للضمان سواء ألزم بذلك أم لا، و من هنا قال المصنف:

و ربما خطر بالبال اللزوم في الموضعين، لتساويهما في سبب الغرم و هو إطلاق ما دل على الضمان، بل في القواعد أنه الأقرب، و نحوه في حاشية الكركي و مجمع البرهان، و خبر جب الإسلام ما قبله- (1) مع أنه يقتضي عدم الفرق بين الدارين- لا جابر له، و خصوصا في دار الإسلام بناء على ما سمعته من كشف اللثام من الاتفاق، و عن فخر المحققين التفصيل، فأسقط عنه ضمان ما أتلفه في حال الحرب مع إسلامه، نفسا كان المتلف أم مالا إذا لم تكن العين موجودة، و ضمنه في غير الحرب مطلقا سواء كان ذلك في دار الحرب أم دار الإسلام، و في المسالك أنه لا يخلو من تحكم، و ستعرف أن له وجها واضحا.

و من ذلك كله ظهر لك أن الأقوال ثلاثة، و لا ريب أن الموافق لعموم الأدلة الضمان مطلقا لو لا دعوى الإجماع المزبورة المؤيدة بالسيرة على عدم القصاص من الحربي بعد إسلامه فضلا عن ضمانه المال، بل هو المحكي من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) بالنسبة إلى قاتل حمزة (2)

____________

(1) المستدرك- الباب- 15- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 2 من كتاب الصوم.

(2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 76.

628

و غيره، بل ربما كان في ذلك نوع نفرة للكفار عن الإسلام، و لعله لذا لم يجزم المصنف بالضمان مطلقا، بل ذكره احتمالا بالعبارة المزبورة، بل ربما قيل: إن محل البحث في المال دون النفس، و إن كان فيه أن صريح بعضهم و ظاهر الاستدلال عدم الفرق.

و التحقيق الضمان في الدارين في حال الحرب و عدمها، نعم إذا أسلم و كان ما أتلفه نفسا أو مالا من حيث الكفر و الإسلام و خصوصا حال الحرب أشكل الضمان، للإجماع المزبور المؤيد بخبر (1) جب الإسلام و لمعلومية ذلك من السيرة، و الله العالم.

[المسألة السادسة إذا جن المرتد الملي بعد ردته لم يقتل]

المسألة السادسة:

إذا جن المرتد الملي بعد ردته قبل استتابته لم يقتل، لأن قتله مشروط بالامتناع عن التوبة، و لا حكم لامتناع المجنون نعم لو طرأ الجنون بعد الامتناع المبيح لقتله قتل كما يقتل الفطري على كل حال، لعدم سقوط قتله بالتوبة.

[المسألة السابعة إذا تزوج المرتد لم يصح]

المسألة السابعة:

إذا تزوج المرتد لم يصح سواء كان تزوج بمسلمة أم

____________

(1) المستدرك- الباب- 15- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 2 من كتاب الصوم.

629

كافرة، لتحرمه بالإسلام المانع من التمسك بعقد الكافرة و اتصافه بالكفر المانع من نكاح المسلمة و إليه يرجع ما في الدروس من التعليل بأنه دون المسلم و فوق الكافر، لكنه لا يتم في الكتابية بناء على جواز تزويج المسلم بها مطلقا أو متعة، ضرورة أن الإسلام لا يمنع من التمسك بعقدها على هذا الوجه فأولى أن لا يمتنع ما دونه، و من هنا لم يقتصر عليه في الدروس، قال: «و لا يصح تزويج المرتد و المرتدة على الإطلاق، لأنه دون المسلم و فوق الكافرة، و لأنه لا يقر على دينه و المرتدة فوقه، لأنها لا تقتل» الى آخره، بل مقتضاه انفساخ النكاح بينهما تساويا في الارتداد جنسا و وصفا أو اختلفا فيه، بل لعل الانفساخ يدل على عدم جواز الابتداء الذي هو أضعف من الاستدامة، و لكن مع ذلك كله لا يخلو من نظر في الجملة إن لم يكن إجماعا أو نصا.

[المسألة الثامنة لو زوج المرتد بنته المسلمة لم يصح]

المسألة الثامنة لو زوج المرتد فطريا أو مليا فضلا عن الكافر الأصلي بنته المسلمة لم يصح بلا خلاف أجده فيه ل لأصل و قصور ولايته عن التسلط على المسلم الذي لم يجعل الله له سبيلا عليه و أما لو زوج الملي أمته ففي صحة نكاحها تردد، أشبهه عند المصنف الجواز كما عن التحرير، للأصل و لقوة الولاية المالكية، و من ثم يملك الكافر المسلم و إن أجبر على

630

بيعه، و يقدم اختياره المشتري على اختيار الحاكم، و لكن مع ذلك الأقوى العدم، لانتفاء السبيل و للحجر عليه و إن كان قد يناقش بعدم عموم يقتضي ذلك، و الله العالم.

[المسألة التاسعة كلمة الإسلام أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله]

المسألة التاسعة:

كلمة الإسلام نصا و فتوى أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله أو ما في معناهما، بل إن ترك لفظ الشهادة ففي كشف اللثام حكم بإسلامه ما لم يظهر منه ما ينافيه و لا بأس به إذا كان ذلك منه لإرادة الإسلام، و لو قال: أشهد أن النبي رسول الله ففي القواعد لم يحكم بإسلامه، لاحتمال أن يريد غيره، و فيه احتمال الاكتفاء بظاهر إرادته العهد.

و على كل حال ف إن قال مع ذلك: و أبرأ من كل دين غير الإسلام كان تأكيدا لأن الإقرار بما يقتضي الإسلام يوجب ذلك و حينئذ ف يكفي الاقتصار على الأول عندنا، خلافا لبعض العامة و هو واضح، نعم لو كان مقرا ب وحدة الله سبحانه و تعالى و بالنبي (صلى الله عليه و آله) جاحدا عموم نبوته أو وجوده زاعما أنه سيبعث من بعد و أنه غير الذي بعث أو جاحدا فريضة علم ثبوتها من دين الإسلام أو أصلا من أصول الدين كالمعاد الجسماني احتاج إلى زيادة تدل على رجوعه عما جحده من برائته من كل دين خالف دين الإسلام أو غيرها، بل لو كان

631

جاحدا فريضة أو أصلا فتوبته الإقرار بذلك من دون إعادة الشهادتين.

و كذا لو جحد نبيا معلوما نبوته ضرورة من دين الإسلام أو آية كذلك من كتابه أو كتابا كذلك من كتبه أو ملكا من ملائكته أو استباح محرما لا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده، و لو قال:

أنا مؤمن أو مسلم ففي القواعد «الأقرب أنه إسلام في الكافر الأصلي أو جاحد الوحدانية بخلاف من كفره بجحد نبي أو كتاب أو فريضة و نحوه، لأنه يحتمل أن يكون اعتقاده أن الإسلام ما هو عليه» و فيه أنه لا صراحة في الأولين أيضا، لاحتمال إرادة الايمان بالنور و الظلمة و الاستسلام لهما و غير ذلك، و أن الأخير مبني على كفر منكر الضروري و إن كان معتقدا للجهل و إلا فهو غير كافر مع اعتقاده و لو جهلا فلا يحتاج إلى توبة.

هذا و في القواعد و شرحها للأصبهاني «أن الأقرب قبول توبة الزنديق الذي يستر الكفر و يظهر الايمان» و هو المحكي عن ابن سعيد معللا له في الأخير بأنه إنما كلفنا بالظاهر، إذ لا طريق إلى العلم بالباطن، و قد

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأسامة لما قتل الأعرابي الذي أظهر الإسلام و لم يقبل منه: «هلا شققت عن قلبه» (1)

و التهجم على القتل عظيم، و فيه منع العلم بحصول التوبة بإظهار ما كان معتادا له، و لذا كان المحكي عن الخلاف و ظاهر المبسوط عدم قبول توبته ناسبا له إلى رواية أصحابنا و الى إجماعهم على هذه الرواية، ثم قال: «و أيضا فإن قتله بالزندقة واجب بلا خلاف،

____________

(1) تفسير الدر المنثور- ج 2 ص 200 ذيل الآية 94 من سورة النساء.

632

و ما أظهره من التوبة لم يدل دليل على إسقاطه القتل عنه، و أيضا فإن مذهبه إظهار الإسلام و إذا طالبته بالتوبة طالبته بإظهار ما هو مظهر له، و كيف يكون إظهار دينه توبة».

قلت: لا يخفى عليك جودته إن كان المراد عدم الاكتفاء بما يظهره في الحكم بتوبته بخلاف ما إذا شهدت القرائن بها، و في خبر مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحكم في الزنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان و شهد له ألف بالبراءة جازت شهادة رجلين و أبطل شهادة الألف لأنه دين مكتوم»

و في خبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بزنديق فضرب علاوته، فقيل له: إن له مالا كثيرا فلمن يجعل ماله؟ قال: لولده و ورثته و لزوجته»،

و قد سمعت سابقا

مرفوع عثمان بن عيسى (3) الى أمير المؤمنين (عليه السلام) «أنه كتب إلى عامله: أما ما كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه و لا تستتبه، و من لم يولد منهم على الفطرة. فاستتبه، فان تاب و الا فاضرب عنقه».

[تتمة فيها مسائل]

تتمة فيها مسائل:

[المسألة الأولى الذمي إذا نقض العهد و لحق بدار الحرب فأمان أمواله باق]

الأولى الذمي إذا نقض العهد و لحق بدار الحرب فأمان أمواله باق

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المرتد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المرتد- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المرتد- الحديث 5.

633

بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك بعد نسبته إلى المصنف و غيره من الأصحاب قال: «و كأنه موضع وفاق، و عن الخلاف و المبسوط نفي الخلاف فيه، و لعله الحجة إن تم، لا ما فيهما من أنه عقد الأمان لكل منهما على حدته، أي نفسه و ماله و لم يحصل في المال ما يوجب نقض العهد، إذ هو كما ترى، ضرورة تبعيته له في الحل و الحرمة مع الإطلاق، نعم يصح له عقد الأمان لماله دون نفسه، كما إذا بعث بماله إلى دار الإسلام بأمان، و لنفسه دون ماله، و حينئذ إذا انتقض أحدهما لم ينتقض الآخر، أما مع الإطلاق فالمتجه ما ذكرناه، فالعمدة حينئذ ما عرفت.

و حينئذ فإن مات و لم يكن وارث مسلم ورثه وارثه الذمي و الحربي كغيره من الكفار، خلافا للشافعي فلم يورث الذمي بناء على عدم التوارث بينه و بين الحربي، و هو واضح الضعف و لكن إذا انتقل الميراث إلى الحربي زال الأمان عنه لصيرورته ملكا لمن لا حرمة له، و يكون للإمام (عليه السلام) من الأنفال التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، بل إن قتل الناقض في الحرب فالحكم كذلك أيضا عند الشيخ و الأكثر على ما في المسالك، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد من أنه يكون ماله للمقاتلة، لأنه من جملة مفتوحاته، و هو ممنوع، نعم قد يشكل أصل الحكم بارتفاع الأمان عن ماله بأن مقتضى العهد الأول وصول ماله إلى مستحقه و إن كان حربيا، كما إذا لم ينقض العهد و مات و كان وارثه حربيا، فان الظاهر بقاء أمانه، اللهم إلا أن يكون العهد على أمانه في نفسه و ماله على الوجه المزبور، و لعله لذا كان المحكي عن الشافعي في أحد قوليه بقاء

634

أمانه، و هو لا يخلو من وجه.

و أما الأولاد الأصاغر فهم باقون على الذمة لعدم الانتقاض بالنسبة إليهم و حينئذ مع بلوغهم يخيرون بين عقد الذمة لهم بأداء الجزية و بين الانصراف إلى مأمنهم كغيرهم من الكافرين المستقرين في بلاد الإسلام بالأمان كما هو واضح.

[المسألة الثانية إذا قتل المرتد مسلما عمدا فللولي قتله قودا و يسقط قتل الردة]

المسألة الثانية:

إذا قتل المرتد عن فطرة أو ملة مسلما مثلا عمدا فللولي قتله قودا و يسقط قتل الردة بلا خلاف أجده فيه بل و لا إشكال تقديما لحق الناس على حق الله تعالى و هو واضح، نعم لو عفا الولي أو صولح على مال قتل بالردة.

و لو قتل المرتد عن ملة خطأ كانت الدية في ماله مخففة مؤجلة إلى ثلاث سنين لا مغلظة، كما ستعرف ذلك في محله ان شاء الله لأنه لا عاقلة له من المسلمين الذين لا يعقلون الكفار و لا من الكفار الذين لا يرثونه على تردد من ذلك، و من أن المسلمين ورثة لهم، و من كان الإرث له كان العقل عليه، كما ستعرف تحقيق ذلك في محله ان شاء الله و على الأول لو قتل أو مات حلت كما تحل الأموال المؤجلة به كما هو واضح.

إنما الكلام في المرتد عن فطرة الذي مقتضى إطلاق المصنف و محكي المبسوط ذلك فيه أيضا بل عن القواعد التصريح بذلك، و يشكل بعدم المال له، نعم لو قلنا بملكه المتجدد بعد الردة أمكن ذلك حينئذ.

635

أما إذا تقدم الخطأ أو شبه العمد أو العفو بمال على الارتداد كانت الدية كسائر الديون التي تحل بارتداده، و منه ينقدح الإشكال أيضا في تعليق الحلول على القتل أو الموت بالنسبة إليه، اللهم إلا أن يفرق بين التأجيل قبل الردة و بعدها، فالأول يحل بها بخلاف الثاني، و ذلك كله كما ترى، و الأصل فيه إطلاق عنوان الأحكام المزبورة في محكي المبسوط و تبعه غيره، و يمكن حمل كلامه على الملي، لأنه على ما قيل ذكر هذه الأحكام له بعد ذكر قسميه، و الأمر سهل، و قد تقدم بعض الكلام في المسألة و بعض أفرادها أيضا، و الله العالم.

[المسألة الثالثة إذا تاب المرتد فقتله من يعتقد بقاءه على الردة]

المسألة الثالثة:

إذا تاب المرتد عن ملة فقتله من يعتقد بقاءه على الردة قال الشيخ في محكي المبسوط و الخلاف و ابن شهرآشوب في محكي متشابه القرآن يثبت القود ب سبب تحقق قتل المسلم ظلما و ذلك لأن الظاهر أنه لا يطلق عليه الارتداد بعد توبته بل هو كذلك قطعا و إن أطلقه عليه الجاهل بحاله، كل ذلك مضافا إلى ظهور إطلاقه من الحبس في توبته، و حينئذ فيندرج في عموم «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1) و غيره من أدلة القصاص.

و لكن مع ذلك كله في القصاص تردد لعدم صدق القصد الى قتل المسلم الذي هو عنوانه لا مجرد صدق قتل المسلم،

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 45.

636

فإن قوله تعالى (1) «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً» و نحوه ظاهر في إرادة العمد إلى متحقق الوصف، فيتجه حينئذ في الفرض أنه من شبيه العمد الذي فيه الدية في ماله مغلظة، و لعله لذا كان المحكي عن الشافعي في أحد قوليه العدم، بل عن الشيخ أنه في محكي كتاب زكاة الفطرة من الخلاف حكم بأن من قتل مسلما في دار الحرب بظن أنه كافر لم يكن عليه أكثر من الكفارة، بل يؤيده

«أن جمعا من الصحابة منهم أسامة بن زيد و جدوا أعرابيا في غنيمات فلما أرادوا قتله تشهد فقالوا:

ما تشهد إلا خوفا من أسيافنا فقتلوه و استاقوا غنيماته فنزل «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ: لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ» (2) الى آخرها، فغضب النبي (صلى الله عليه و آله) و قال لأسامة: «هلا شققت قلبه» (3)

و لكن لم يقتص منهم، بل ربما أيد أيضا بأن القصاص حد يدرأ بالشبهة المتحققة في الفرض بعد ما عرفت و إن كان فيه ما لا يخفى، لكن في ما سمعت كفاية، و الله العالم.

[الباب الثاني في إتيان البهائم و وطء الأموات و ما يتبعه]

الباب الثاني:

في إتيان البهائم و وطء الأموات و ما يتبعه.

[إتيان البهائم]

إذا وطئ البالغ العاقل المختار بهيمة ذكرا أو أنثى قبلا أو دبرا مأكولة اللحم عادة كالشاة و البقرة و نحوهما مما لا يراد ظهرها تعلق بوطئهما أحكام بخلاف صورة

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 93.

(2) سورة النساء: 4- الآية 94.

(3) تفسير الدر المنثور ج 2 ص 200.

637

العكس، فان الظاهر عدم تعلق حكم بها تعزير الواطئ، و إغرام ثمنها أي قيمتها حين الوطء إن لم تكن له، و تحريم لحم الموطوءة و نسلها و وجوب ذبحها و إحراقها على معنى أن مجموع الأحكام المزبورة التي منها التعزير لا تترتب إلا على وطء البالغ العاقل المختار، لانتفاء التعزير المراد هنا عن الصبي و المجنون و المكره، و إن أدب الأولان، و إلا فقد عرفت في كتاب الأطعمة (1) أن حرمة اللحم و اللبن و الذبح و الإحراق يترتب على مطلق وطء الإنسان صغيرا و كبيرا، عاقلا أو مجنونا، عالما أو جاهلا، حرا أو عبدا، مكرها أو مختارا للإطلاق،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر مسمع (2): «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن البهيمة التي تنكح فقال:

حرام لحمها، و كذلك لبنها»

مضافا إلى محكي الإجماع صريحا و ظاهرا، فيجب حينئذ في ذمتهما المال، و يدفع عنهما الولي إن كان لهما مال، و إلا أتبعا به بعد اليسار، و أما الذبح و الإحراق فينفذه الحاكم ان لم يقع من غيره، و لو كان المراد منها الظهر ففي الروضة «لا شيء على غير المكلف إلا أن يوجب نقص القيمة لتحريم اللحم أو لغيره فيلزمه الأرش» و فيه أن النص (3) و الفتوى متطابقان على ثبوت المال في ذمة الفاعل مطلقا، و لا ينافي ذلك بيعها في غير البلد.

و كيف كان فالمراد تفصيل الأحكام المذكورة أما التعزير

____________

(1) راجع ج 36 ص 284.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم.

638

بمعنى العقوبة على الفاعل المستحق ف لا خلاف أجده فيه نصا و فتوى، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، و المشهور أن تقديره الى الامام كغيره مما ثبت فيه التعزير، للأصل و النصوص التي منها قول الصادق (عليه السلام) في خبري الفضيل (1) و ربعي (2) أو صحيحهما: «ليس عليه حد، و لكن يضرب تعزيرا»

و نحوه ما في المروي عن قرب الاسناد (3) «لا رجم عليه و لا حد، و لكن يعاقب عقوبة وجعة»

و منها ما في موثق سماعة (4) «يجلد حدا غير الحد ثم ينفى من بلاده إلى غيره»

و منها

حسن سدير (5) «يجلد دون الحد»

الى آخره مؤبدا ذلك كله بأنه ليس للبهيمة حرمة كحرمة الناس، و لا وطؤها يعرضها للولادة من زناء.

و لكن في رواية

إسحاق بن عمار (6) عن الكاظم (عليه السلام)

يضرب خمسة و عشرين سوطا

و يمكن حملها على بيان أحد الأفراد و في أخرى الحد

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (7) «في الذي يأتي البهيمة فيولج: عليه حد الزاني،»

و عن الشيخ احتمال أن يكون عليه الحد إذا عاد بعد التعزير، و الفرق بين الإيلاج و عدمه، فيحد حد الزاني في الأول رجما و قتلا أو جلدا دون الثاني، و هما معا كما ترى، و أولى من ذلك حملهما على التقية.

و في أخرى

صحيحة رواها جميل (8) عن الصادق (عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 5.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 5.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 11.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 2.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 4.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 1.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 8.

(8) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 6.

639

السلام)

يقتل

و في خبر سلمان بن هلال (1) عنه (عليه السلام) «يقام قائما يضرب بالسيف أخذ السيف عنه ما أخذ، قال: قلت:

هو القتل، قال: هو ذلك»

و يمكن حملهما على من تكرر منه التعزير إلى الثالثة أو الرابعة لما عرفته من أن المشهور بل لم نعرف فيه خلافا الأول الذي عليه العمل، و النفي المذكور في موثق سماعة (2) محمول على ما إذا رآه الحاكم في التعزير.

و أما التحريم فيتناول لحمها و لبنها و نسلها تبعا لتحريمها قال الباقر و الصادق (عليهما السلام) في أخبار عبد الله بن سنان (3) و الحسين بن خالد (4) و إسحاق بن عمار (5): «ذبحت و أحرقت بالنار، و لم ينتفع بها»

و قال أبو جعفر (عليه السلام) في حسن سدير (6) «في الرجل يأتي البهيمة يجلد دون الحد و يغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنه أفسدها عليه، و تذبح و تحرق و تدفن إن كانت مما يؤكل لحمه»

الحديث. و في خبر سماعة (7) عن الصادق (عليه السلام) «و ذكروا أن لحم تلك البهيمة محرم و لبنها»

الى آخره، و المراد نسلها المتجدد بعد الوطء لا الموجود حالته، بل في الروضة و إن كان حملا على الأقوى، و في حكمه ما يتجدد من الشعر و الصوف و اللبن و البيض.

و على كل حال فالوجه في الذبح إما تلقيا و تعبدا

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 عن الصادق (ع).

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 عن الرضا (ع).

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1 عن الكاظم (ع).

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 2.

640

من الشارع أو لما لا يؤمن من شياع نسلها و تعذر اجتنابه و في بعض النصوص السابقة (1) «قلت: و ما ذنب البهيمة؟ قال:

لا ذنب لها، و لكن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فعل هذا و أمر به لكيلا يجتزئ الناس بالبهائم و ينقطع النسل».

و لئلا يعير بها الفاعل، و عن بعض العامة لئلا تأتي بخلقة مشوهة، و عن الشيخ أنه حدس، لأنه ما جرت العادة بهذا، بل قال: ينبغي أن نقول هذا غباوة. و لعل إحراقها لئلا تشتبه بعد ذبحها بالمحللة لكن قد عرفت الأمر بالدفن في الخبر السابق (2) هذا كله في البهيمة التي يراد لحمها.

و إن كان الأمر الأهم فيها ظهرها لا لحمها كالخيل و البغال و الحمير لم تذبح عندنا كما عن المبسوط و إن حرم لحمها على الأقوى، كما صرح به الفاضل و غيره و أغرم الواطئ إن كان غير المالك ثمنها لصاحبها و أخرجت من بلد الواقعة، و بيعت في غيره، إما عبادة من الشارع لا لعلة مفهومة لنا، أو لئلا يعير بها صاحبها

قال الباقر (عليه السلام) في حسن سدير (3): «و إن كانت مما يركب ظهره أغرم قيمتها، و جلد دون الحد، و أخرجت من المدينة التي فعل بها إلى بلاد أخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كي لا يعير بها»

و عن بعض العامة أنها تذبح، و هو باطل، نعم عن بعض اشتراط بعد البلد بحيث لا يظهر له خبرها فيه عادة، و في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث- 4- و الدفن موجود في الكافي ج 7 ص 204.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4.

641

الروضة أن ظاهر التعليل يدل عليه، و إن كان فيه أنه يقتضي عدم معرفتها بذلك لا خصوص البعد، و لعله لذا أو لأنه حكمة لا علة أطلق المعظم.

ثم إن المنساق من النص و الفتوى فورية الأمور المزبورة عرفا، و الظاهر عدم وجوب مباشرة الحاكم ذلك إلا مع الامتناع، و لو بيعت فعلم المشتري بها احتمل قويا جواز الفسخ مع استلزامه نقص القيمة بالنسبة إلى العالم، لأنه حينئذ عيب و لو لحرمة لحمها أو لغيره.

و ما الذي يصنع بثمنها؟ قال بعض الأصحاب و هو المفيد:

يتصدق به عقوبة و رجاء لتكفير الذنب- و لكونه- إذا لم يكن المالك الواطئ- غير مال لهما أما المالك فلأخذه القيمة، و الواطئ لكونه غير مالك لها و لكن مع ذلك قال المصنف لم أعرف المستند و لعله لأن العقوبة بالتعزير و التكفير بالتوبة، و المال المملوك لا يكون لغير مالك.

و قال آخرون: يعاد إلى المغترم، و إن كان الواطئ هو المالك دفع اليه، و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده، كما قد عرفت تحقيق ذلك، بل المسألة بجميع أطرافها في كتاب الأطعمة (1).

و لو بيعت في غير البلد بأزيد من الثمن الذي غرمه الواطئ ففي رد الزيادة للمالك أو الصدقة بها أو كونها للغارم وجوه، أقواها الأخير بناء على ملكه لها بدفع القيمة أو باستحقاقها عليه.

و لو كان الفاعل معسرا ففي القواعد «رد الثمن على المالك بل في كشف اللثام قولا واحدا و هو الحجة إن تم إجماعا و إلا كان فيه

____________

(1) راجع ج 36 صفحة 284- 289.

642

نظر، فان نقص من القيمة كان الباقي في ذمته يطالب به مع المكنة، و النفقة عليها إلى وقت بيعها على الفاعل و إن لم نقل بانتقالها إليه للحيلولة، فإن نمت فله إن دفع القيمة إلى المالك و قلنا بالانتقال، و إلا فللمالك على إشكال ينشأ من الانتقال إليه بنفس الفعل، لوجوب الانتزاع من المالك بمجرده أو بدفع القيمة للأصل و من عدم الانتقال مطلقا، للأصل و الشك في موجبه.

و لو ادعى المالك الفعل و أنكر المدعى عليه كان له الإحلاف للعموم و ليس هذا من اليمين في الحد المنفي في النصوص (1) بل من اليمين في المال، و حينئذ فلو رد اليمين لم يثبت التعزير بناء على أنه من الحد، دون غيره من الأحكام خصوصا على ما حققناه في محله من عدم كونها بمنزلة البينة أو الإقرار، بل هي أصل برأسها.

و على كل حال فلا إشكال في حرمة المأكولة أخذا على المالك بإقراره، و ينجس رجيع المأكولة كسائر المحرمات، و ربما يشعر به ما سمعته في الخبر (2) من أنه لا ينتفع به، و يحرم استعمال جلدها بعد الذبح في ما يستعمل فيه جلد غير المأكول على إشكال من الأصل و من كونه من الانتفاع المنفي و وجوب إحراقه مع الجلد، و إن كان فيه منع واضح.

و يثبت هذا بشهادة رجلين عدلين بلا خلاف محقق أجده فيه للعموم، نعم في كشف اللثام كلام المبسوط يعطي اشتراط أربعة رجال أو ثلاثة مع امرأتين، و على تقديره لا دليل له سوى القياس

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1 و 4.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1.

643

على الزناء الذي ليس من مذهبنا، لكن في الرياض جعله استقراء ثم قال: لا بأس به إن أفاد ظنا معتمدا، و يحتمل مطلقا، لا أنه الشبهة الدارئة لا أقل منها، فتأمل و لا يخفى عليك ما فيه.

و لا يثبت بشهادة النساء انفردن أو انضممن للأصل و الشبهة و العموم.

و كذا يثبت عند المشهور بالإقرار و لو مرة إن كانت الدابة له للعموم (1) أيضا و إلا ثبت التعزير حسب و إن تكرر الإقرار لأنه في غيره إقرار في حق الغير و قيل و القائل ابنا حمزة و إدريس و ظاهر محكي المختلف لا يثبت إلا بالإقرار مرتين، و هو غلط و إن ذكرنا سابقا وجها لنحوه في الحد، اللهم إلا أن يقال: ان التعزير نوع منه.

و لو كان الفعل بينه و بين الله و كانت الموطوءة مأكولة اللحم و ملكا له وجب عليه فعل ذلك بها، أما إذا كان المراد منها ظهرها ففي الروضة «في وجوب بيعها خارج البلد وجهان أجودهما العدم، للأصل و عدم دلالة النصوص عليه، و للتعليل (2) بأن بيعها خارجه ليخفى خبرها و هو مخفي هنا، و من أن ذلك حكمة و ظاهر النص و الفتوى عدم الفرق في تعلق أحكام الموضوعين».

و فيها أيضا «لو كانت لغيره فهل يثبت عليه الغرم و يجب عليه التوصل إلى إتلاف المأكولة بإذن المالك و لو بالشراء منه؟ الظاهر العدم، نعم لو صارت ملكه بوجه من الوجوه وجب عليه إتلاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4.

644

المأكولة، لتحريمها في نفس الأمر، و في وجوب كونه بالذبح ثم الإحراق وجه قوي» و لا يخفى عليك ما فيه بعد ظهور النص و الفتوى بثبوت المال في ذمة الفاعل بمجرد الفعل، فيجب عليه التوصل إلى إيصاله كما يجب عليه تنفيذ الأحكام المزبورة، و لو لم يتمكن فذبحها المالك لم يحل للفاعل الأكل من لحمها و كذا نسلها و لبنها، و الله العالم.

و لو تكرر مع تخلل التعزير ثلاثا، قتل في الرابعة أو الثالثة على البحث السابق، لكن قد عرفت ورود القتل هنا بخصوصه، و هو يؤيد الثاني، و لكن الاحتياط يؤيد الأول، و الله العالم.

[وطء الأموات]

و وطء الميتة من بنات آدم كوطء الحية في تعلق الإثم و الحد رجما أو قتلا و اعتبار الإحصان و عدمه بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الإجماع فضلا عن محكيه في بعض العبارات و عما عن الانتصار و السرائر من الإجماع على تحقق الزناء بوطء الميتة الأجنبية بلا شبهة، و قال عبد الله بن محمد الجعفي (1) «كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) و جاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها، و نكحها فان الناس قد اختلفوا علينا في هذا، فطائفة قالوا: اقتلوه و طائفة قالوا: أحرقوه فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) إن حرمة الميت كحرمة الحي، حده أن تقطع يده لنبشه و سلبه الثياب، و يقام عليه الحد في الزناء إن أحصن رجم و إن لم يكن أحصن جلد مائة»

و نحوه غيره (2) من النصوص.

بل هنا الجناية أفحش فتغلظ العقوبة زيادة عن الحد بما يراه

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد السرقة- الحديث 6.

645

الامام بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه،

قال الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن أبي عمير (1) «في الذي يأتي المرأة و هي ميتة: و زره أعظم من ذلك الذي يأتيها و هي حية»

بل قد يحتمل ثبوت الزيادة المزبورة في صورة القتل قبله كما يقتضيه إطلاق النصوص و الفتوى.

و لو كان زوجته أو أمته اقتصر في التأديب على التعزير كما عن الأكثر القطع به، بل لم أجد خلافا فيه، كما اعترف به في الرياض و سقط الحد بالشبهة شرعا و بقاء علقة الزوجية و إن عزر لانتهاك الحرمة، أو لكونه محرما إجماعا و إن لم يكن زناء لغة و عرفا و لا بحكمه شرعا، و ربما حمل عليه إطلاق

الخبر (2) «عن رجل زنى بميتة، قال: لا حد عليه»

و إن كان بعيدا، و يحتمل فيه الإنكار أو ما دون الإيلاج كالتفخيذ و نحوه.

و كيف كان ف في عدد الحجة على ثبوته خلاف، قال بعض الأصحاب كالشيخين و ابني حمزة و سعيد يثبت بشاهدين و عن المختلف اختياره للعموم و لأنه شهادة على فعل واحد بخلاف الزناء بالحية فإنه شهادة على اثنين،

قال إسماعيل بن أبي حنيفة (3): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف صار القتل يجوز فيه شاهدان و الزناء لا يجوز فيه إلا أربعة شهود و القتل أشد من الزناء؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب دعوى القتل- الحديث 1 من كتاب القصاص عن إسماعيل بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة.

646

فقال: لأن القتل فعل واحد و الزناء فعلان، فمن ثم لا يجوز إلا أربعة شهود: على الرجل شاهدان و على المرأة شاهدان»

لكنه قاصر السند، بل الظاهر إرادة الحكمة فيه لا التعليل المنتقض بالإكراه و المجنونة و النائمة و غيرها مع اشتراط الأربعة، بل في بعض النصوص (1) الاستدلال بذلك على بطلان القياس، مضافا إلى معلومية سماع شهادة الاثنين على الألف فصاعدا.

و قال بعضهم كابن إدريس لا يثبت إلا بأربعة رجال ل ما عرفت من أنه زناء بل أفحش، و هو لا يثبت إلا بها و ل ما قيل من أن شهادة الواحد قذف فلا يندفع الحد إلا بتكملة الأربعة و إن كان فيه أن الآية (2) مخصوصة بقذف النساء و إلا فشهادة الشاهد قذف مع عدم كمال العدد المعتبر، و هو محل النزاع.

و لكن مع ذلك هو الأشبه بأصول المذهب التي منها درء الحد بالشبهة و الأشهر، بل قيل إنه المشهور، بل لعله لا خلاف فيه بين المتأخرين، نعم الظاهر كفاية الأربع و لو ثلاثة رجال مع امرأتين كما في الزناء، لكن في القواعد الإشكال في ذلك، و لعله من ابتناء الحدود على التخفيف، و أن الأصل و النص (3) و الفتوى عدم قبول شهادتهن في الحدود، خرج الزناء بالحية بالنص (4) و الإجماع،

____________

(1) علل الشرائع ص 40.

(2) سورة النور 24- الآية 4.

(3) الوسائل- الباب- 24 من كتاب الشهادات- الحديث 29.

(4) الوسائل- الباب- 24 من كتاب الشهادات.

647

و من كونه زناء أو أضعف منه إن ثبت بشاهدين و إن كان لا وجه للأول بعد فرض كونه زناء لغة و عرفا و شرعا، نعم يتجه القول بثبوته بالشاهدين في وطء الرجل زوجته و أمته، لعموم البينة و إن لم أجد تصريحا به، بل ظاهر إطلاقهم عدم الفرق إلا مع ملاحظة التعليل. هذا كله في ثبوته بالبينة.

أما الإقرار فتابع للشهادة بلا خلاف فمن اعتبر في الشهود أربعة اعتبر في الإقرار مثله، و من اقتصر على شاهدين قال في الإقرار كذلك.

[مسألتان]

مسألتان:

[المسألة الأولى من لاط بميت كان كاللائط بالحي]

الأولى من لاط بميت كان كاللائط بالحي في الحد للصدق و يزيد بأن يعزر تغليظا بزيادة الحرمة بالموت لو وجب الجلد بعدم الإيقاب، بل و به قبل القتل نحو ما سمعته سابقا، نعم ربما احتمل عدم التغليظ من أصله لعدم الدليل.

[المسألة الثانية من استمنى بيده عزر]

المسألة الثانية:

من استمنى بيده أو بغيرها من أعضائه عزر لأنه فعل محرما بل كبيرة، ففي

خبر أحمد بن عيسى المروي عن نوادر

648

ولده (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الخضخضة، فقال:

إثم عظيم قد نهى الله عنه في كتابه، و فاعله كناكح نفسه، و لو علمت بمن يفعله ما أكلت معه، فقال السائل: بين لي يا ابن رسول الله من كتاب الله فيه، فقال: قول الله فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ، الآية (2) و هو مما وراء ذلك، فقال الرجل: أي أكبر الزناء أو هي؟

فقال: هو ذنب عظيم».

و في الصحيح (3) «عن الخضخضة، فقال: من الفواحش»

و في الموثق (4) «في الرجل ينكح البهيمة أو يدلك، فقال: كل ما أنزل به الرجل ماءه من هذا و شبهه زناء»

و المراد بحكمه إثما، و قال أبو بصير (5): «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم: الناتف شيبة، و الناكح نفسه و المنكوح في دبره».

و ما في خبر ثعلبة بن ميمون و حسين بن زرارة (6)- «سألته عن الرجل يعبث بيديه حتى ينزل، قال: لا بأس به، و لم يبلغ به ذاك»

و نحوه غيره- شاذ محمول على نفي الحد، أو على السؤال عمن عبث بيديه مع زوجته أو أمته لا مع ذكره أو غير ذلك، أو مطرح للاتفاق ظاهرا على الحرمة المستفادة مما عرفت و من قوله تعالى (7):

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 4.

(2) سورة المؤمنون: 23- الآية 7.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب النكاح المحرم- الحديث- 5 من كتاب النكاح.

(4) الوسائل- الباب- 26- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 1 من كتاب النكاح.

(5) الوسائل- الباب- 28- من أبواب النكاح المحرم- الحديث- 7 من كتاب النكاح.

(6) الوسائل- الباب- 3- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 3.

(7) سورة المؤمنون: 23- الآية 5.

649

الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ» الآية و من

لعن النبي (صلى الله عليه و آله) «الناكح كفه» (1)

و من غير ذلك.

نعم الظاهر عدم البأس به في تفخيذ الزوجة و الأمة و نحوه من الاستمناء بين إليتيها و نحوهما، للأصل و قوله تعالى (2) «إِلّا عَلى أَزْواجِهِمْ» و غيره و إن كان الأولى تركه أيضا.

و على كل حال فليس فيه إلا التعزير و تقديره كغيره من أفراد التعزير منوط بنظر الامام و إن كان في رواية

زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام)

ان عليا (عليه السلام) ضرب يده

بالدرة

حتى احمرت

إذ هو أحد الأفراد قال:

و لا أعلمه إلا قال

و زوجه من بيت المال

و نحوه خبر طلحة بن زيد (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) إلا أنه لم ينص فيه على الاستمناء.

و على كل حال فما في الخبر من التزويج إنما هو تدبير استصلحه في ذلك الحال لا أنه من اللوازم كما عن التحرير التصريح به، و الله العالم.

و يثبت بشهادة عدلين كاللواط للعموم و الإقرار و لو مرة له أيضا و قيل و القائل ابن إدريس لا يثبت بالمرة و له وجه و إن قال المصنف هو و هم نعم لا يثبت بشهادة النساء مطلقا، و الله العالم.

____________

(1) المستدرك- الباب- 23- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(2) سورة المؤمنون: 23- الآية 6.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب نكاح البهائم- الحديث 1.

650

[الباب الثالث في الدفاع]

الباب الثالث: في الدفاع لا خلاف و لا إشكال في أنه للإنسان أن يدفع المحارب أو اللص أو غيرهما عن نفسه و حريمه و ماله ما استطاع للأصل و الإجماع بقسميه، و ما تقدم من النصوص في المحارب (1) بل و عن غيره، للأصل و عموم الإعانة على البر و غير ذلك،

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الأصبغ (2) «يضحك الله تعالى إلى رجل في كتيبة يعرض لهم سبع أو لص فحماهم حتى يجوزوا»

و في خبر السكوني (3) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم»

و قال الصادق (عليه السلام) في الصحيح (4) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): عونك الضعيف من أفضل الصدقة»

الى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك حتى فحوى

قول أمير المؤمنين (5) (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من رد عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة»

فلا إشكال حينئذ في جواز الدفاع مطلقا، بل في كشف اللثام «و لو قدر على الدفع عن غيره فالأقوى كما

____________

(1) الوسائل- الباب- 3 و 5 من أبواب الدفاع.

(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب جهاد العدو- الحديث 3 من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب جهاد العدو- الحديث 1 من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 59- من أبواب جهاد العدو- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(5) الوسائل- الباب- 60- من أبواب جهاد العدو- الحديث 1 من كتاب الجهاد.

651

في التحرير الوجوب مع أمن الضرر و إن كان لا يخلو من نظر.

نعم قالوا من غير خلاف يعرف فيه بينهم يجب اعتماد الأسهل فلو اندفع الخصم بالتنبيه و لو بالتنحنح فعله، و إن لم يندفع إلا بالصياح اقتصر عليه إن كان في موضع يلحقه المنجد مثلا و إن لم يندفع بالصياح عول على اليد فان لم تغن فبالعصا فان لم تكف فبالسلاح إلى غير ذلك من أفراد الترقي من الأسهل إلى الصعب ثم إلى الأصعب، و لكن قد ذكرنا سابقا أن مقتضى إطلاق النصوص عدم الترتيب المزبور، خصوصا في المحارب و اللص المحارب و المطلع على عيال غيره، بل مطلق الدفاع، فان لم يكن إجماعا أمكن المناقشة فيه، بل لعل السيرة على خلافه.

و على كل حال ف يذهب دم المدفوع هدرا جرحا كان أو قتلا فضلا عن ماله إذا لم يندفع إلا بذلك بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى بل الإجماع بقسميه عليه و يستوي في ذلك الحر و العبد و المسلم و الكافر و الليل و النهار بمثقل أو محدد خلافا لأبي حنيفة، فضمنه مع القتل بمثقل إن قتله نهارا.

و لو قتل الدافع و لو دون ماله كان كالشهيد في الأجر كما سمعته في النصوص (2) السابقة، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (3): «من قتل دون مظلمة فهو شهيد»

و نحوه

قول الباقر (عليه السلام) في خبر أبي مريم (4) قال: «يا أبا

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الدفاع.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 8- من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 9- من كتاب الجهاد.

652

مريم هل تدري ما دون مظلمة؟ قلت: جعلت فداك الرجل يقتل دون أهله و دون ماله و أشباه ذلك، فقال: يا أبا مريم إن من الفقه عرفان الحق»

و الظاهر أنه أقره على ما فسره به.

نعم قيده غير واحد في المال بما إذا ظن السلامة و إطلاق النصوص ينافيه، بل في مرسل البرقي (1) عن الرضا (عليه السلام) «عن الرجل يكون في السفر و معه جارية له فيجيء قوم يريدون أخذ جاريته أ يمنع جاريته من أن تؤخذ و إن خاف على نفسه القتل؟ قال نعم، قلت:

و كذلك إن كان معه امرأة قال: نعم و كذلك الأم و البنت و ابنة العم و القرابة يمنعهن و إن خاف على نفسه القتل، قال: نعم و كذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه و إن خاف القتل قال: نعم».

و على كل حال فلا إشكال في أنه يضمنه المدفوع نفسا و طرفا و مالا للعمومات، نعم قد تقدم سابقا الفرق بين النفس و المال بالنسبة إلى وجوب الدفاع و عدمه فيجب في الأول مع انحصار الأمر فيه و لا يجوز الاستسلام بخلاف المال الذي لا يتوقف حفظ النفس عليه بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه للنصوص (2) السابقة، بل لو علم تلف النفس حرم عليه ذلك لأهمية حفظ النفس و إن كان قد يتوهم من إطلاق النصوص جوازه أيضا.

و أما العرض ففي الرياض هو محل نظر، بل الظاهر جواز الاستسلام كما صرح به في التحرير و غيره، لأولوية حفظ النفس من حفظ العرض كما يستفاد من جملة من الأخبار الواردة (3) في درء الحد عن المستكرهة

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث- 12- من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد الزنا.

653

على الزناء معللة بقوله تعالى (1) «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ».

و فيه أن أهمية حفظ النفس من العرض بعد تسليمها مع التعارض لا في الدفاع المعلوم فيه النجاة أو المظنون فيه ذلك، و المفروض وجوب حفظ العرض كالنفس، و لا دليل على الاذن في الاستسلام كالمال، و الاخبار الواردة في سقوط الحد عن المستكرهة المعللة بما ذكر مساقة لبيان حكم الإكراه الذي لا يتمكن معه من الدفع كما لو قيد الامرأة مثلا، و المراد هنا أن العرض كالمال في جواز الاستسلام و إن تمكن من الدفاع فتأمل جيدا.

و لعله لذا قال في المسالك: «و الأقوى وجوب الدفع عن النفس و الحريم مع الإمكان، و لا يجوز الاستسلام، فان عجز و رجا السلامة بالكف و الهرب وجب، إما المدافعة عن المال فان كان مضطرا إليه و غلب على ظنه السلامة وجب و إلا فلا» و إن كان قد يناقش بأنه مع الاضطرار إليه للنفس يجب عليه الدفع و إن لم يظن السلامة، لأنه من الدفاع عنها، و في قواعد الفاضل «يجب الدفاع عن النفس و الحرم ما استطاع، و لا يجوز الاستسلام».

و في كشف اللثام «لوجوب دفع الضرر عقلا، و النهي عن المنكر بمراتبه، و قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر غياث (2) «إذا دخل عليك اللص يريد أهلك و مالك فان استطعت أن تبدره و تضربه فابدره و اضربه»

و أجاز الشافعي الاستسلام في أحد قوليه و إن لم يمكن

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 173.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الدفاع- الحديث 1.

654

و أمكن الهرب وجب، و كذا يجوز مع إمكان الدفع» و إن كان قد يناقش بأن ما ذكره من التعليل يأتي في المال أيضا، و كذلك الخبر المنساق من الأمر فيه الإباحة لكونه في مقام توهم الحظر و لذا جمع فيه بين النفس و المال.

ثم قال في القواعد: «و للإنسان أن يدافع عن المال كما يدافع عن نفسه و إن قل و لكن لا يجب» و وافقه عليه في كشف اللثام نعم قال:

«إلا مع الاضطرار و التضرر بفقده ضررا يجب دفعه عقلا أو كان المال لغيره أمانة في يده، و ربما وجب الدفع عنه مطلقا من باب النهي عن المنكر، ثم في جواز القتل أو الجرح للدفع عن المال له أو لغيره إن لم يندفع إلا به مع القطع بأنه لا يريد سواه من نفس أو عرض تأمل، و قد مر في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر التردد في جواز القتل أو الجرح إن لم ينته بدونه بغير إذن الامام، و لكن أطلق الأصحاب ثم ذكر جملة من النصوص الدالة على جواز القتال عن المال و ان من قتل دون ماله و لو عقال فهو شهيد (1)».

قلت: و منه يعلم أن ما ذكره من التأمل و التردد كالاجتهاد في مقابلة النصوص و الفتاوى. نعم لو علم القتل مع المدافعة اتجه حينئذ الحرمة، لما سمعته من الإجماع منهم على الظاهر، بل قد يظهر من غير واحد إلحاق الظن به و إن كان لا يخلو من نظر، و ما ذكره من الأمانة في يده يمكن منع وجوب الدفاع عنها مع خوف الضرر، لعدم صدق التعدي و التفريط، كما أن ما ذكره من احتمال وجوب الدفع عن المال مطلقا لا وجه له بعد النص و الفتوى بالإذن في الاستسلام، و النهي عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 13 و 5 من كتاب الجهاد.

655

المنكر لا يقتضي وجوب الدفع المشتمل على الخوف على النفس و غيرها، و كذا الكلام في ما ذكره من التأمل في جواز القتل و الجرح إلى آخره فإنه لا وجه له بعد النصوص و الفتاوى باهدار دم المدفوع، و ما ذكره في كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر غير مسألة الدفاع التي لا إشكال في إباحة دم الظالم فيها بخلاف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما هو واضح، و أما العرض فان له المدافعة عنه و إن خاف القتل، ضرورة كونه أهم من المال.

إنما الكلام في وجوبها ما لم يعلم القتل، يحتمل ذلك، ل

قول الصادق (عليه السلام) في الحسن أو الصحيح (1) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله ليمقت الرجل يدخل عليه اللص في بيته فلا يحارب»

و نحوه خبر السكوني (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) و خروج المال بالتصريح بالرخصة في ما سمعته في النصوص لا يقتضي إلحاق غيره به، بل قد يشعر الاقتصار فيها على المال بعدم ذلك في غيره من النفس و العرض، مضافا إلى وجوب دفع الأقل ضررا بالأعظم، و لا ريب في أهمية العرض من النفس عند ذوي النفوس الأبية، نعم لو علم القتل و أنه لا يدفع عنه شيء احتمل القول حينئذ بالحرمة حفظا للنفس مع احتمال المدافعة عنه جوازا و وجوبا كالنفس.

أما المدافعة عن النفس فالظاهر وجوبها بما يتمكن و إن علم عدم الدفع عنها إلا أن الساعة و الساعتين بل الأقل منهما تكفي في ذلك.

و لعله بملاحظة ما ذكرناه هنا و ما تقدم في اللص المحارب يظهر لك الحكم في جميع صور المسألة المتصورة في المقام المتعلقة بالنفس و العرض

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد العدو- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

656

و المال من حيث العلم بالقتل و الجرح له أو للمدفوع و الظن أو الاحتمال و حصول الدفع و عدمه و غير ذلك بعد ضبط الميزان، و هو أنه يجب حفظ النفس و العرض، و الاذن في الاستسلام قد جاء في المال، و الله العالم.

و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال في أنه لا يجوز للمدافع أن يبدؤه أي المدفوع ما لم يتحقق قصده إليه أو إلى عرضه أو ماله و لو بالطريق الظني الذي يتحقق به مثله عرفا و إن ضمنه بعد ذلك لو بان خطاؤه، بل الظاهر اعتبار إمكان تسلطه عادة لو لم يدفع مع ذلك، فلو قصده من وراء حائل من نهر أو حائط أو حصن يحول عادة بينه و بين التسلط على ما يريده كف عنه، كما صرح به في كشف اللثام.

و على كل حال فمع تحقق القصد ف له دفعه ما دام مقبلا مراعيا الترتيب المزبور مع إمكانه و إلا سقط عنه و يتعين وجوب الكف عنه مع إدباره معرضا عن ظلمه، إذ لا يجوز الضرب إلا للدفع و لا دفع مع الادبار المزبور.

و لو ضربه فعطله عنه أو ربطه كذلك لم يجز له أن يدفف عليه لاندفاع ضرره عنه بذلك، فلو تعدى عليه حينئذ ضمن و لو ضربه مقبلا فقطع يده فلا ضمان على الضارب في الجرح و لا في السراية مع توقف الدفع عليه بلا خلاف و لا إشكال نصا و فتوى نعم لو ولى معرضا عما كان عليه فضربه أخرى فالثانية مضمونة لأنها ظلم فتندرج في العمومات.