جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
57

الكلام فيها مفصلا هناك (1) أيضا فلاحظ و تأمل.

[المسألة العاشرة لا ترد شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة كالصياغة و بيع الرقيق]

المسألة العاشرة:

لا ترد شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة كالصياغة و بيع الرقيق بلا خلاف أجده بيننا بل و لا من أرباب الصنائع الدنية كالحجامة و الحياكة و لو بلغت في الدناءة، كالزبال و الوقاد، لأن الوثوق بشهادته مستند إلى تقواه التي لا ينافيها ذلك، بل و لا تنافي مروته لأنها صنعة من الصنائع و إن نافت مروة من لم يتخذها صنعة أو خصوص بعض الناس في بعض الأحوال المخصوصة.

و إنما خالف في ذلك بعض العامة محتجا بأن اشتغالهم بهذه الحرف و رضاهم بها يشعر بالخسة و قلة المروة، خصوصا الحياكة، لاذراء الناس بهم، و عد الحياكة فضلا عن غيرها من صفات النقص، بل عن بعضهم إلحاق الصبغ و الصياغة بها، و عن ثالث الفرق بين من يليق به هذه الحرف و كانت صنعة آبائه و غيره، فترد شهادة الثاني دون الأول و مرجع الجميع إلى اعتبارات لا تصلح معارضة لإطلاق أدلة قبول شهادة العدل كتابا (2) و سنة (3).

ثم لا يخفى عليك أن المصنف و غيره ممن تعرض لذكر بعض ما يقدح في العدالة ليس غرضه حصر ذلك في ما ذكره، ضرورة عدم انحصار الأمر في ما ذكره، لمعلومية حرمة أمور كثيرة لم يذكروها كمعلومية

____________

(1) راجع ج 22 ص 109.

(2) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(3) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات.

58

كونها من الكبائر، بل قد ذكر في كتب الأخلاق أمور كثيرة تقتضي القدح في العدالة لم تذكر في كتب الأصحاب، مع أن فيها روايات كثيرة مشتملة على المبالغة في نفي الايمان معها.

و قد ذكر الأردبيلي جملة منها، و من أخبارها، كهجر المؤمن، و ضرب الحجاب بينه و بينه و عدم الخروج إليه مع المجيء إلى منزله (1).

و (منها) عدم إعانة من استعان به من إخوانه، و منعه الحاجة التي أرادها منه مع تمكنه من ذلك (2). و (منها) إخافة المؤمن (3).

و (منها) النميمة (4). و (منها) إذاعة سره (5). و (منها) مجالسة أهل المعاصي (6). و (منها) قطيعة الرحم (7). و (منها) خلف الوعد (8). و (منها) عدم بذل الجهد في قضاء حاجة المؤمن (9).

و (منها) الشماتة به (10). و (منها) إطاعة من عصى الله تعالى (11).

____________

(1) الوسائل- الباب- 144 و 130- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب فعل المعروف من كتاب الأمر بالمعروف.

(3) الوسائل- الباب- 162- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(4) الوسائل- الباب- 164- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(5) الوسائل- الباب- 157- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(6) الوسائل- الباب- 38- من أبواب الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف.

(7) الوسائل- الباب- 149- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(8) الوسائل- الباب- 49- من أبواب جهاد النفس- الحديث 4 و 6 و 11 من كتاب الجهاد.

(9) الوسائل- الباب- 25- من أبواب فعل المعروف- الحديث 5 و 9 و 10 من كتاب الأمر بالمعروف.

(10) الكافي ج 2 ص 359.

(11) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف.

59

و (منها) سباب المؤمن (1). و (منها) سوء الظن (2). و (منها) الغيبة و البهتان (3). و (منها) طلب عثرات المؤمنين و عوراتهم (4).

و (منها) إيذاء المؤمنين و احتقارهم و الاستهزاء و السخرية بهم (5).

و (منها) التهاون في حقوق الوالدين (6). و (منها) المكر و الغدر و الخديعة و ترك النصيحة (7). و (منها) كون الرجل ذا وجهين و لسانين (8). و (منها) الرياء (9). و (منها) العجب (10).

و (منها) الكذب (11). و (منها) الظلم (12). و (منها) الفخر و الكبر (13)

____________

(1) الوسائل- الباب- 158- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 و 4 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 161- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 152 و 153- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(4) الوسائل- الباب- 150- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(5) الوسائل- الباب- 145 و 146 و 147- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج و البحار ج 75 ص 144 و سورة البراءة: 9- الآية 79.

(6) البحار- ج 74 ص 22- 86.

(7) الوسائل- الباب- 137- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج و الباب- 36- من أبواب فعل المعروف من كتاب الأمر بالمعروف و الباب- 21- من أبواب جهاد العدو من كتاب الجهاد.

(8) الوسائل- الباب- 143- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(9) الوسائل- الباب- 11- من أبواب مقدمة العبادات.

(10) الوسائل- الباب- 23- من أبواب مقدمة العبادات.

(11) الوسائل- الباب- 138- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(12) الوسائل- الباب- 77- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(13) الوسائل- الباب- 59 و 75- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

60

و (منها) سوء الخلق (1). و (منها) حب الدنيا (2). و (منها) حب الرئاسة (3). و (منها) الطمع (4). و (منها) التحكر (5).

و (منها) التعصب (6). و (منها) الغضب (7). و (منها) التدليس (8). و (منها) ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (9) إلى غير ذلك مما لم يشبع الكلام فيه الأصحاب، و إنما ذكر الكلام فيه مفصلا في كتب الأخلاق للعامة و الخاصة.

و لكن من المعلوم كون جملة من ذلك إنما هو لبيان تفاوت مراتب الناس في درجاتهم، و أن جامع ذلك هو الفرد الكامل، لا أن المراد انتفاء وصف العدالة منه إلا في ما علم حرمته من الكذب و الظلم و الغيبة و نحوها، و الله العالم.

[الوصف الخامس ارتفاع التهمة]

الوصف الخامس: ارتفاع التهمة في الجملة بلا خلاف أجده فيه نصا و فتوى، بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص فيه مستفيضة أو متواترة.

قال عبد الله بن سنان (10): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل- الباب- 69- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل- الباب- 61- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 49- من أبواب جهاد النفس- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 67- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب آداب التجارة من كتاب التجارة.

(6) الوسائل- الباب- 57- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

(7) الوسائل- الباب- 49- من أبواب جهاد النفس- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(8) الوسائل- الباب- 86- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(9) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف.

(10) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

61

ما يرد من الشهود؟ فقال: الظنين و المتهم، قلت: فالفاسق و الخائن قال: ذلك يدخل في الظنين».

و سأله (عليه السلام) أيضا سليمان بن خالد (1) «عن الذي يرد من الشهود، فقال: الظنين و الخصم، قلت: فالفاسق و الخائن، قال:

كل هذا يدخل في الظنين».

و سأله (عليه السلام) أبو بصير (2) أيضا «عن الذي يرد من الشهود، فقال: الظنين و المتهم و الخصم، قلت: فالفاسق و الخائن، قال: كل هذا يدخل في الظنين»

و نحوه خبر الحلبي (3) عنه (عليه السلام) أيضا.

و في موثق سماعة (4) «سألته عما يرد من الشهود، فقال: المريب و الخصم و الشريك و دافع مغرم و الأجير و العبد و التابع و المتهم، كل هؤلاء ترد شهادتهم».

و الظاهر أن المراد بالظنين هنا المتهم في دينه بقرينة إدخال الخائن و الفاسق فيه و عطف المتهم عليه و إن حكي عن الصحاح تفسيره بالمتهم، و حينئذ يكون المراد بالمتهم المعطوف على الظنين المتهم في خصوص الواقعة، و حينئذ فعطف «الخصم» عليه في خبر أبي بصير و غيره من عطف الخاص على العام.

و على كل حال فلا خلاف في عدم قدح مطلق التهمة، لاستفاضة النصوص (5) في قبول شهادة الزوج لزوجته و بالعكس و الصديق لصديقه و غيرهما مما هو محل للتهمة، بل في كشف اللثام «وقع الاتفاق على أنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- ا لباب- 30- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 25 و 26- من كتاب الشهادات.

62

لا ترد بأي تهمة كانت» و في الدروس «ليس كل تهمة تدفع الشهادة بالإجماع، فإن شهادة الصديق لصديقه مقبولة» إلى آخره.

و حينئذ فلا بد من ضابط للتهمة التي ترد بها الشهادة، و حصرها في القواعد بستة، و لعله إلى نحو ذلك أشار المصنف بقوله: «و يتحقق المقصود ببيان مسائل» ضرورة إرادة انحصار ردها فيها.

و في الرياض «التحقيق في المسألة يقتضي الرجوع إلى إطلاق الأخبار المتقدمة نظرا إلى أنها بالإضافة إلى ما دل على قبول شهادة العدل عموما أو إطلاقا إما خاصة فيقيد بها أو عامة فيصير التعارض بينهما تعارض العموم و الخصوص من وجه، و حيث لا مرجح لأحدهما على الآخر من إجماع و غيره ينبغي الرجوع إلى حكم الأصول، و هو هنا عدم القبول مطلقا إلا أن يتردد في التهمة في بعض الأفراد أنها هل هي تهمة أو داخلة في إطلاق التهمة في النصوص المانعة عن قبول الشهادة معها كما سيأتي من شهادة الوصي أو الوكيل في ما لهما الولاية فيه مع عدم نفع لهما إلا خصوص التصرف فيه، فان قبول الشهادة في مثله أوفق بالأصل من حيث العموم الدال عليه على الإطلاق مع سلامته عن معارضة عموم هذه الأخبار لما عرفت من التأمل إما في أصل حصول التهمة أو دخولها في إطلاق التهمة المذكورة فيها، و إلى ما ذكرناه يشير كلام الفاضل الأردبيلي في مسألة شهادة الوصي و الوكيل حيث إنه- بعد أن حكى القول بعدم قبول شهادتهما للتهمة قال-:

و فيه تأمل، إذ لا نص فيهما بخصوصهما، و العقل لا يدرك التهمة فيهما، بل الولاية في مثل ذلك ضرر و تعب إلا أن تكون بجعل بحسب مقدار المال فتأمل، و لا إجماع، إذ نقل عن ابن الجنيد عدم رد شهادتهما في ما ذكر و عموم أدلة الشهادة يدل على القبول و العدالة تمنع، بل ظاهر حال المسلم يمنع من شهادة الزور، بل من التهمة الممنوعة، و وجوب الحمل على

63

الصحة، و يؤيده

مكاتبة الصفار (1) الصحيحة قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع (عليه السلام) إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعي اليمين»

انتهى. ثم قال-: و قريب منه كلام الشهيد في الدروس حيث قال: و لو شهد الوصي بمال اليتيم فالمشهور الرد، و قال ابن الجنيد:

تقبل، و دفع بأن الوصي متهم بالولاية على المال، و في تأثير هذه التهمة نظر، و خصوصا في ما لا أجرة له على حفظه أو إصلاحه انتهى- ثم قال-: و هو في غاية الجودة و المتانة، و عليك بمراعاة هذه القاعدة، فإنها تنفعك في مواضع».

قلت: لعل التأمل في كلام الأردبيلي بل و الدروس يقتضي قبول الشهادة مع التهمة التي لم ينص على المنع منها بالخصوص، بل هو صريح كلامه في مسألة المختبئ، و هو خلاف ما ذكره من قاعدته المقتضية عدم القبول إلا مع الشك في أصل موضوع التهمة أو في اندراجها في الإطلاق.

و لعل التحقيق الاقتصار في منع التهمة للشهادة على ما ذكروه مما يرجع بها الشاهد إلى كونه مدعيا أو منكرا أو غير ذلك من الأمور المنصوصة المخصوصة، و ذلك للقطع من النص و الإجماع بعدم إرادة العنوانية في نصوص المتهم على وجه يراد أن المانع مصداقه إلا ما خرج مما هو أضعاف الداخل، بل المراد تهمة خاصة شرعية لا عرفية، فيقتصر على ما ذكر في النص و الفتوى، لأصالة عدم غيره فيبقى عموم قبول شهادة العدل بحاله.

و من هنا ذكر المصنف و غيره أفردا خاصة لها مع التصريح من بعضهم بعدم مانعيتها في غير ذلك، بل ظاهر المصنف أيضا ذلك حيث

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

64

إنه بعد أن ذكرها قال

[مسائل]

و يتحقق المقصود في مسائل:

[المسألة الأولى لا تقبل شهادة من تجر شهادته نفعا]

الأولى:

لا تقبل شهادة من تجر شهادته نفعا محققا إليه على وجه يكون في الحقيقة مدعيا كالشريك في ما هو شريك فيه بحيث تقتضي الشهادة المشاركة له فيه كما في الدروس و الروضة و الرياض، و ذلك بأن يقول: هو بيننا، أما لو شهد بأن له نصفه قبلت، كما صرح به بعض الشافعية، بل هو مقتضى التقييد في الكتب السابقة، بل هو أيضا مقتضى تعليل المنع في كشف اللثام و غيره بأنه مدع، ضرورة عدم جر النفع له في الفرض المزبور، و عدم كونه مدعيا.

بل هو مقتضى

قوله (عليه السلام) (1) في الخبر الآتي: «إلا في شيء له فيه نصيب»

بل هو مقتضى

قوله (عليه السلام) في الخبر الآخر (2): «في ما هو بينهما»

فمقتضى ذلك قبول شهادة كل من الشريكين للآخر و لو كانا وارثين، و هو موافق لمرسل أبان (3) الآتي على ما رواه في التهذيب، نعم هو مناف له على رواية الكافي له

«لا يجوز» (4).

و يمكن حمله حينئذ على ما إذا كانت الشهادة تقتضي الشركة بأن قالا: هو لنا أجمع، فإن ذلك هو الممنوع من شهادة الشريك التي مرجعها

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) المستدرك- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(4) لم يتعرض الكليني (قده) لمرسل أبان في الكافي، و قوله (عليه السلام):

«لا يجوز» إنما ورد في موثق عبد الرحمن البصري الآتي في ص 66.

65

إلى كونه مدعيا، كما سمعت التعليل به في كشف اللثام، و كذا لو شهد مثلا أن زيدا أتلف من عمرو كذا أو استقرض منه كذا أو غصب منه كذا و كان المال مشتركا بين الشاهد و المشهود له.

بل ظاهر النص و الفتوى حينئذ بطلانها حتى بالنسبة إلى حصة الشريك و إن قلنا بتبعيض الشهادة في غيره، فيكون هذا الفرد خارجا منه حينئذ.

هذا و قد يقال: إن الممنوع شهادة الشريك لشريكه و لو بحصته المشاعة مع فرض خروج العين عنهما معا للتهمة شرعا، للنصوص (1) بناء على أن المراد منها عدم قبول شهادته و لو بحصته في ما هو بينهما أو في شيء للشاهد فيه نصيب لو ثبت أنه لهما، و ذلك لاشتراك الدعوى بينهما فيه و إن تقدم أحدهما و بقي الآخر على دعواه بحصته.

و منه يعلم حينئذ بطلان شهادة الاثنين لواحد من الشركاء و لو بحصته، كما هو مقتضى رواية الكافي لمرسل أبان الآتي (2).

بل لعل المغروس في ذهن كل من له في الفقه أدنى نصيب أنه لا يصح إثبات المال الذي يدعي به الثلاثة بشهادة الاثنين منهم لكل واحد، ضرورة كون الدعوى مشتركة بين الجميع، فلا تصح شهادة بعضهم لبعض، فتأمل جيدا فاني لم أر المسألة محررة، و ظاهر كلامهم الأول.

و صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه بمال يتعلق دينه به بخلاف غير المحجور عليه فإنه تقبل شهادته له و إن كان معسرا، لأن الحق متعلق بذمته لا بعين ماله، و احتمل بعضهم العدم، لأن المعسر لا مطالبة عليه، فإذا أثبت له شيئا أثبت المطالبة لنفسه، و ضعفه واضح.

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات.

(2) لم يتعرض الكليني (قده) لمرسل أبان في الكافي، و قوله (عليه السلام):

«لا يجوز» إنما ورد في موثق عبد الرحمن البصري الآتي في ص 66.

66

و السيد لعبده المأذون فإن ما في يده لمولاه عندنا، نعم في المنع من شهادته لعبده المكاتب قولان، من انتفاء سلطنته عنه، و ظهور التهمة بعجزه، و خصوصا المشروط، و بالأول قطع الفاضل في القواعد، و بالثاني في محكي التحرير، و في المسالك و لعله أقوى.

و الوصي في ما هو وصي فيه ليدخل في ولايته، و عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «أنه نهى أن تجاز شهادة الخصم و الظنين و الجار إلى نفسه منفعة»

و قد سمعت خبر سماعة (2).

و عن علي (عليه السلام) (3) «لا تجوز شهادة الشريك لشريكه في ما هو بينهما، و تجوز في غير ذلك مما ليس فيه شركة».

و في مرسل أبان (4) المجمع على تصحيح ما يصح عنه، مع أنه في الفقيه من غير إرسال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه، قال: تجوز شهادته إلا في شيء له فيه نصيب».

و في موثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثلاثة شركاء شهد اثنان على واحد، قال: لا تجوز شهادتهما»

بناء على إرادة معنى اللام من لفظ «على» أو أن المراد على أمره، لكن رواه

في التهذيب (6) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثلاثة شركاء ادعى واحد و شهد الاثنان، قال: تجوز»

و يمكن حمله على ما إذا شهدا بحصته المشاعة التي لم تكن بينهما شركة بناء على قبول

____________

(1) المستدرك- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) المستدرك- الباب- 22- من كتاب الشهادات الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

67

شهادة الشريك لشريكه بنحو ذلك كما عرفت و إن كان الانصاف عدم خلو ذلك عن إشكال كما سمعت، خصوصا مع ملاحظة خبر اللصوص (1) الآتي.

و أما الوصي بل و الوكيل فالمشهور عدم قبول شهادتهما في ما لهما الولاية عليه، بل في الرياض أنها شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا كما هو ظاهر جماعة، بل ربما توجب المصير إليه، و لذا صار إليه أكثر من تأمل فيه بما تقدم، و منهم الشهيد المتقدم ذكره، فقد أفتى به في اللمعة.

و كذا في الدروس، فإنه بعد تنظيره السابق قال: «فلنذكر أسباب التهمة المضرة، فمنها ما تجر شهادته نفعا كالشريك- إلى أن قال-:

و الوصي في متعلق وصيته و غرماء المفلس و الميت و السيد لعبده، و منها أن يدفع ضررا، كشهادة العاقلة بجرح شهود جناية الخطأ، و شهادة الوكيل و الوصي بجرح الشهود على الموكل و الموصى» إلى آخر ما ذكره.

قلت: لا ينبغي التأمل في ذلك مع فرض الأجرة لهما على التصرف في المشهود عليه، بل و مطلقا إذا كانا هما المدعين، لمعلومية قيام الوصي و الوكيل مقام الموصى و الموكل المانع ذلك من صحة شهادتهما كالولي الإجباري للمولى عليه، ضرورة اندراجهما في قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «البينة على المدعي».

لكن قد سمعت مكاتبة الصفار (3) السابقة،

و في مكاتبته الأخرى (4) إلى أبي محمد (عليه السلام) أيضا «أ يجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيرا أو كبيرا بحق له على الميت أو على غيره و هو القابض للوارث الصغير و ليس للكبير بقابض؟ فوقع (عليه السلام) نعم و ينبغي للوصي أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 1- 5 من كتاب القضاء.

(3) الوسائل- الباب- 28- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 28- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

68

يشهد بالحق و لا يكتم شهادته»

و في كشف اللثام «ليس فيها إلا أن عليه الشهادة، و أما قبولها فلا» لكنه كما ترى.

و يمكن حملهما على قبول شهادة الوصي إذا كان المدعى للميت أحد ورثته، لما عرفته سابقا أن كل واحد منهم يقوم مقام الميت في ذلك، فليس الوصي حينئذ مدعيا، بل الوارث و إن كان بعد الثبوت يتعلق به حق الوصاية، و ربما يشهد لذلك

قوله (عليه السلام) في الأولى: «فعلى المدعي اليمين»

الظاهر في كون المدعى غيره، و لعل اليمين المزبورة استحبابا للاستظهار، نحو ما ورد في غيره من وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (1) أو يفرض كون المدعى عليه بدين ميتا فيكون اليمين للاستظهار.

و لو فرض تعدد الأوصياء فادعى أحدهم و شهد الآخر مثلا فيمكن القبول أيضا، و أقوى منه قبول الوكيل مع فرض عدم كونه مباشرا للدعوى، بل و لا هو وكيل فيها، و لكنه وكيله على بيع المال مثلا الذي عليه الدعوى، بل لو فرض تعدد الوكلاء على الدعوى و قام بذلك أحدهم و شهد الآخرون كان القبول أيضا لا يخلو من قوة.

و بالجملة قد عرفت أن مطلق التهمة و جر النفع غير مانع من الشهادة، بل مرجعه إلى ما ثبت في الأدلة المخصوصة أو رجع إلى الممنوع بعموم غيرها من كونه مدعيا و نحوه، و الوكيل بل الوصي ليس كذلك في جميع أحوالهما، فينبغي قبول شهادتهما، لعموم أدلة القبول، نعم في ما يكونان فيه مدعيين عرفا لا تقبل، بل ينبغي الجزم بقبول شهادة الوصي مثلا إذا فرض شهادته بما لا يرجع إلى ولايته، كما لو شهد بحق الوارث و كان وصيا على الثلث مثلا و فرض استيفاؤه له أو لم يشهد به، نحو

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب آداب القاضي- الحديث 1 من كتاب القضاء.

69

ما سمعته في الشريك.

و بالجملة ليس لهم كلام منقح في المقام، و ظاهر ما حضرني من نسخة نهاية الشيخ قبول شهادة الوصي مطلقا، و الانصاف عدم خلو القول حينئذ بالقبول مطلقا من إشكال واضح، و المكاتبتان لا يصلحان مع الاعراض عنهما في بعض الأفراد لمعارضة غيرهما مما يقتضي المنع، على أنه قد يدعى ظهورهما خصوصا الأولى منهما في كون المدعي غير الوصي فتأمل جيدا.

و كذا لا تقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا كشهادة أحد العاقلة بجرح شهود الجناية، و كذا الوصي و الوكيل بجرح شهود المدعي على الموصى و الموكل ضرورة كون الجارح في الجميع هو المدعى عليه، فلا وجه لقبول شهادته في دفع الدعوى عنه، كما هو واضح.

هذا و في القواعد «أن من الشهادة الممنوعة أيضا أن يشهد أن فلانا جرح مورثه» و في كشف اللثام «فإنه يثبت الدية لنفسه أو القصاص إن شهد بعد الموت أو قبله و الجراح لم تندمل مع احتمال السريان عادة أو نص الشاهد باحتمال السريان و إن لم يسر و لم يستوعب الدين تركته التي منها الدية إن قلنا بتعلق حق الديان بأعيانها» و فيه نظر.

و لو شهد بمال لمورثه المجروح و لو جراحة سارية عادة أو المريض مرضا يعلم موته فيه قبل ما لم يمت قبل الحكم، لعموم الأدلة، و لا يقدح الانتقال إليه بعد الموت، و الفرق بين هذا و سابقه أن أثر الشهادة في الأول في ما بعد الموت، فليس هو إلا مدعيا لنفسه الدية أو القصاص بخلاف المفروض، فان المال فعلا للمورث.

70

[المسألة الثانية العداوة الدينية لا تمنع القبول أما الدنيوية فإنها تمنع]

المسألة الثانية:

العداوة الدينية لا تمنع القبول قطعا فان المسلم تقبل شهادته على الكافر، أما الدنيوية فإنها تمنع بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص السابقة المتضمنة لرد شهادة الخصم (1) بناء على أن المراد منه العدو، كما فسره به بعضهم، و إلى

خبر السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «لا تقبل شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين»

فان الشحناء هي العداوة، و المروي عن معاني الأخبار (3) «لا تجوز شهادة خائن و لا خائنة و لا ذي غمز على أخيه»

إلى آخره و من ذلك يعلم اندراج العدو في المتهم أيضا، فتكون النصوص السابقة (4) دالة عليه أيضا، و على كل حال فلا إشكال في عدم قبول شهادته.

بل قال المصنف و غيره سواء تضمنت فسقا أو لم تتضمن و مقتضى ذلك تحققها مع العدالة، و لذا صرح غير واحد بقبول شهادته له و لغيره و عليه، بل عن آخر دعوى الإجماع عليه.

و لكن قد يشكل ذلك بناء على ما ذكروه من أنها تتحقق العداوة بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الآخر و المساءة بسروره، أو يقع بينهما تقاذف بأن ذلك مقتض للفسق لما عرفت من حرمة الحسد و بغض المؤمن.

و من هنا قال في المسالك: «لا يخفى أن الفرح بمساءة المؤمن

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات.

71

و الحزن بمسرته معصية، فإن كانت العداوة من هذه الجهة و أصر على ذلك فهو فسق، و ظهور الفسق مع التقاذف أوضح، فالجمع بين العداوة و قبول الشهادة لا يخلو من إشكال إلا أن يفسر الإصرار بالإكثار من الصغائر لا بالاستمرار على واحدة بخصوصه».

لكن في التحرير بعد أن ذكر تحقق العداوة بأن يعلم أن كل واحد منهما يفرح بمساءة صاحبه و يغتم بمسرته و يبغى له الشر قال: «و هذا القدر لا يوجب فسقا و ترد به الشهادة» و كأنه اعتبر في إيجاب ذلك الفسق الإظهار لا مطلقا.

و إليه يرجع ما في كشف اللثام حيث إنه قال: «في المتضمنة فسقا كما إذا قذف المشهود عليه أو ضربه أو اغتابه بلا سبب مبيح لذلك أو أظهر البغضة له و في غير المتضمنة فسقا كما إذا قذفه المشهود عليه أو ضربه أو آذاه بحيث علمت عداوته له و إن لم يظهرها» بل قال في ما لو وقع بينهما تقاذف: «هو لا يوجب إلا فسق البادي».

و في مجمع البرهان بعد أن ذكر الاشكال المزبور قال: «إلا ان تفرض العداوة لغير المؤمن من الكفار و المخالفين أيضا لو جوز بغضهما من حيث الدنيا أيضا، أو يقال قد لا تكون العداوة بالمعنى المذكور حراما، مثل أن تكون بعد حصول ضرر و أذاه منه له، مثل قتله و شتمه و أخذ ماله أو قتل أبيه و ولده و هتك عرضه و أمثال ذلك أو يكون القذف و السب بغير الزنا، بل بما هو نقص موجود فيه و لم يكن القاذف دائما عاصيا، مثل من أتى به مكافأة لا ابتداء، أو يقال إن البغض ليس بكبيرة بل صغيرة، فلا تضر بالشهادة و العدالة إلا مع الإصرار، و الفرض عدم الإصرار بأن تكون الشهادة في ابتداء وجودها من غير استمرار أو معه و لكن مع القول بأن

72

الإصرار إنما يحصل بتكرر الذنب لا بالاستمرار أو يقال بعد التوبة، فتأمل فيه».

قلت: لا يخفى عليك التأمل في الجملة مما ذكره، خصوصا دعوى كونها من الصغائر مع تصريحه سابقا بأن الحسد و البغضة من الكبائر، و كذا الشهيد الثاني و غيره، بل أدلتهما ظاهرة في ذلك أيضا، و لعل الأولى القول بأعمية العداوة الدنيوية للمؤمن من الفسق، إذ يمكن تحققها من دون الحكم بالفسق حملا لفعله على الوجه الصحيح الذي منه اعتقاد مظلوميته، أو القول بأن التظاهر بها محرم و العمل على مقتضاها من سب و شتم و نحو ذلك فسق، كما عرفته أولا، و الأمر سهل.

و لو اختصت العداوة بأحدهما دون الآخر اختص بالرد.

و لو قذف المشهود عليه الشاهد قبل شهادته أو آذاه أو نحو ذلك ليتوصل إلى رد شهادته عليه و لم يعلم منه ما يقتضي عداوته بذلك قبلت شهادته عليه، بل في المسالك «و إن عاداه من يريد شهادته عليه و بالغ في خصومته فلم يجب و سكت ثم شهد قبلت شهادته عليه، و إلا اتخذ الخصماء ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات» و يمكن تنزيله على ما ذكرنا لا على ما لو علم عداوته بذلك و لكن لم يظهر منه، فإن الأقوى حينئذ الرد، لما عرفت من أنها و إن كانت بحق توجب عدم القبول شرعا، و الله العالم.

و كذا لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق، لتحقق التهمة بتحقق مقتضى العداوة الدنيوية وفاقا للمشهور، ل

خبر محمد بن الصلت (1) المنجبر بالشهرة قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق فأخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض، قال: لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

73

اللصوص أو بشهادة من غيرهم عليهم»

و مقتضى إطلاقه كالفتاوى عدم الفرق بين تعرض الشهود في الشهادة لما أخذ منهم و عدمه، و ليس ذلك إلا لتحقق العداوة عرفا بالحال المزبور.

بل في كشف اللثام «أن الخبر و عبارة المصنف- التي هي نحو عبارة المتن- بإطلاقهما يشملان تعرضهم للشاهدين و عدمه، و تعرض الشاهدين لتعرضهم لهم و عدمه» و إن كان فيه أنه خلاف المنساق، بل في التحرير و عن غيره التصريح بأنه لو قالوا عرضوا لنا و أخذوا أولئك سمعت، نعم لا ريب في اقتضائهما عدم القبول في ما فرضناه.

لكن مع ذلك كله قال في الدروس: «و كذا تقبل شهادة رفقاء القافلة على اللصوص إذا لم يكونوا مأخوذين، و لو أخذ الجميع فشهد بعضهم لبعض و لم يتعرضوا لذكر ما أخذ لهم في شهادتهم قيل: لا يقبل، و القبول قوي، و ما هو إلا كشهادة بعض غرماء المديون لبعض، و كما لو شهدا لاثنين بوصية من تركة و شهد المشهود لهما للشاهدين بوصية منها أيضا» و مال إليه بعض من تأخر عنه.

بل مقتضى قبوله الشهادة المبعضة القبول هنا لو تعرضوا في الشهادة إلى ما أخذ منهم، فترد حينئذ في ما يتعلق بهم و تقبل في الآخر، و لذا حكاه عنه في المسالك في الفرض المزبور و إن لم يذكره في مفروض المسألة «و لو شهد لاثنين بصيغة واحدة يتهم في أحدهما ففي تبعيض الشهادة نظر، من أنها واحدة، و من تحقق المقتضي في أحد الطرفين و المانع في الآخر و هو أقرب، و كذا كل شهادة مبعضة».

و على كل حال ففيه- مع أنه كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به- أن الفرق بين المقامين واضح، ضرورة تحقق العداوة في الأول بخلاف المثالين، بل قد يقال: إن الأول بعد اتحاد السبب صار الجميع فيه

74

بمنزلة الواحد في الدعوى المتحدة، فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض، نعم ما ذكره من تبعيض الشهادة لا يخلو من قوة، ضرورة أنها كباقي الأسباب التي جاز فيها التبعيض، و قد يستثنى من ذلك شهادة الشريك، كما أومأنا إليه سابقا، فتأمل. هذا كله في شهادة العدو على عدوه.

أما لو شهد العدو لعدوه قبلت قطعا مع فرض بقاء وصف العدالة لانتفاء التهمة حينئذ فيبقى على عموم قبول شهادة العدل، و كذا شهادته لغير عدوه و عليه، و الله العالم.

[المسألة الثالثة النسب و إن قرب لا يمنع قبول الشهادة]

المسألة الثالثة:

النسب و إن قرب لا يمنع قبول الشهادة كالأب لولده و عليه، و الولد لوالده، و الأخ لأخيه و عليه بلا خلاف أجده في شيء من ذلك نصا (1) و فتوى، بل الإجماع بقسميه عليه مضافا إلى عموم الأدلة و إطلاقها المقتضيين عدم الفرق بين الضميمة و عدمها، خلافا للمحكي عن الشيخ في النهاية فاعتبرها و لا دليل عليه.

نعم في قبول شهادة الولد على والده بمال أو حق خلاف المشهور نقلا و تحصيلا شهرة عظيمة عدم القبول، بل عن موصليات المرتضى و الخلاف و الغنية و السرائر الإجماع عليه، بل في الخلاف نسبته أيضا إلى أخبار الفرقة، و في النهاية و في خبر (2) «لا تقبل شهادة الولد على والده»

و نحو ذلك عن الفقيه، و هذه بعد انجبارها بما عرفت صالحة للحجية أيضا، مضافا إلى ما قيل من ظاهر قوله تعالى (3):

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل- الباب- 26- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

(3) سورة لقمان: 31- الآية 15.

75

«وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» فإنه ليس من المعروف الشهادة عليه و الرد لقوله و إظهار تكذيبه، بل ارتكاب ذلك عقوق مانع من قبول الشهادة.

خلافا لظاهر المرتضى و المحكي عن الإسكافي و إن كنا لم نتحققه، بل قيل: لا ظهور أيضا في كلام الأول كما تسمعه إن شاء الله، و حينئذ فلا خلاف محقق، و لكن مع ذلك كله قوى في الدروس الجواز، قال:

«عاشرها: انتفاء توهم العقوق، فلو شهد الولد على والده ردت عند الأكثر، و نقل الشيخ فيه الإجماع و الآية (1) و خبر داود بن الحصين (2) و علي بن سويد (3) يعطى القبول، و اختاره المرتضى، و هو قوي، و الإجماع حجة على من عرفه، و في حكمه الجد و إن علا على الأقرب».

و قد سبقه الفاضل في التحرير إلى التردد فيه حيث نسب القول بالمنع إلى الأشهر، و أما من تأخر عنه فأكثرهم قد مال إليه أيضا، و ذلك لإطلاق الأدلة و عمومها، و خصوص قوله تعالى (4) «كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» و المناقشة بأعمية الإقامة من القبول واضحة الفساد.

و خبر داود بن الحصين (5) أنه سمع الصادق (عليه السلام) يقول:

«أقيموا الشهادة على الوالدين و الولد، و لا تقيموها على الأخ في الدين الضير، قلت: و ما الضير؟ قال: إذا تعدى فيه صاحب الحق الذي يدعيه قبله خلاف ما أمر الله به و رسوله، و مثل ذلك أن يكون لرجل على آخر دين و هو معسر و قد أمر الله بانظاره حتى ييسر، قال:

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 135.

(2) الوسائل- الباب- 19- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(4) سورة النساء: 4- الآية 135.

(5) الوسائل- الباب- 19- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

76

فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ (1) و يسألك أن تقيم الشهادة و أنت تعرفه بالعسر، فلا يحل لك أن تقيم الشهادة في حال العسر».

و خبر علي بن سويد (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

«كتب إلى في رسالته و سألت عن الشهادة لهم: فأقم الشهادة لله و لو على نفسك أو الوالدين و الأقربين في ما بينك و بينهم، فان خفت على أخيك ضيما فلا».

مضافا إلى وضوح ضعف الحجة المزبورة أخيرا، ضرورة أن قول الحق و رده عن الباطل و تخليص ذمته من الحق عين المعروف، كما بينه

النبي (صلى الله عليه و آله) (3): بقوله «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقيل: يا رسول الله كيف أنصره ظالما؟ قال: ترده عن ظلمه، فذلك نصرك إياه»

و حينئذ فالشهادة عليه و تخليص ذمته من الصحبة بالمعروف أيضا، و إلا لاقتضى عدم قبولها على الوالدة، بل إطلاق النهي عن عصيان الوالد يستلزم وجوب طاعته عند أمره له بارتكاب الفواحش و ترك الواجبات، و هو معلوم البطلان، خصوصا بعد

قوله (صلى الله عليه و آله) (4): «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»

الذي هو مقدم على كل أحد.

و الإجماعات المزبورة محل شك، إذ المحكي عن الإسكافي القول بالجواز،

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 280.

(2) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الجامع الصغير للسيوطي- ج 1 ص 109.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 7 و 10 من كتاب الأمر بالمعروف.

77

بل في الانتصار «و مما انفردت به الإمامية القول بجواز شهادة ذوي الأرحام و القرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا من غير استثناء لأحد إلا ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمدا على خبر يرويه (1) أنه لا يجوز شهادة الولد على الوالد و إن جازت شهادته له».

لكن قد يناقش بتخصيص العموم و الإطلاق بما عرفت، و بأن الآية (2) و الخبر (3) ليس شيء منهما نصا في الشهادة على الحي، و لا خلاف في قبولها على الميت كما عن ابن زهرة الإجماع على ذلك، بل هو مقتضى الاستدلال بآية الصحبة (4) بل ظاهرهم المفروغية منه في ما يأتي أيضا من كون العبرة في موانع الشهادة حال الأداء لا التحمل و المراد من الآية على الظاهر تقديم حقوق الله على النفس و الوالدين فضلا عن غيرهم، لا خصوص الشهادة بالمعنى الأخص.

و بضعف الخبرين اللذين سياقهما النهي عن إقامة الشهادة على الأخ في الدين إذا كان معسرا، و المبالغة فيه بأنه تجوز إقامتها على الوالدين و الأقربين و لا تجوز عليه، و لو سلم دلالتهما فلا جابر لهما، بل الموهن متحقق، بل من حكى الخلاف عنهم لم نتحققه، بل المحكي في المختلف و المسالك عن الإسكافي أنه لم يتعرض للمسألة، و المرتضى قد سمعت دعواه الإجماع في الموصليات، و عبارة الانتصار غير صريحة في الخلاف، بل قيل: و لا ظاهرة، فانحصر التشكيك في المسألة في الشهيد و من تأخر عنه، بل الشهيد هو قد اختار المنع في شرح الإرشاد، للإجماع المنقول المعتضد

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

(2) سورة النساء: 4- الآية 135.

(3) الوسائل- الباب- 19- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(4) سورة لقمان: 31- الآية 15.

78

بما عرفت و بأصالة عدم القبول، بل قد سمعت تبين صحته (حجته خ ل) فمن الغريب قوله في الدروس: هو حجة على من عرفه» ضرورة اقتضاء ذلك إنكار حجيته و المعهود منه خلاف ذلك.

و على كل حال فلا ريب حينئذ في أن المنع أظهر سواء شهد بمال أو بحق متعلق ببدنه كالقصاص و الحد خلافا للشافعية من جواز شهادته عليه في الأول دون الثاني، و ضعفه واضح، نعم ينبغي الاقتصار على المتيقن، و هو الأب الأدنى دون الجد و دون الأم فضلا عن الأب الرضاعي.

و كذا تقبل شهادة الزوج لزوجته و عليها من دون ضميمة وفاقا للمشهور بين الأصحاب خصوصا المتأخرين، بل هو إجماع في ما بينهم، لإطلاق الأدلة و عمومها و خصوص

صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «تجوز شهادة الرجل لامرأته و المرأة لزوجها إذا كان معها غيرها»

و خبر عمار بن مروان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أو قال: سأله بعض أصحابنا عن شهادة الرجل لامرأته، قال: إذا كان خيرا جازت شهادته لامرأته»

و موثق سماعة (3) «سألته عن شهادة الرجل لامرأته، قال: نعم، و المرأة لزوجها، قال: لا إلا أن يكون معها غيرها».

و من الأول و الأخير يعلم الوجه في أنه يعتبر في قبول شهادة الزوجة لزوجها أن تكون مع غيرها من أهل العدالة كما عن جماعة من القدماء، بل في التحرير نسبته إلى الأصحاب و منهم كالشيخ في النهاية و القاضي و ابن حمزة على ما حكي عنهم من شرط في قبول شهادة الزوج الضميمة كالزوجة، و لا وجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 25- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 25- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

79

له لما سمعته من النصوص المصرحة بالفرق بينهما على وجه لا يصح قياسه عليها، و احتمال كون المراد بالصحيح إذا كان مع الشهادة غيرها لا خصوص الزوجة بعيد، بل مناف للتصريح بالتفصيل في الموثق، إلا أن يجعل «نعم» فيه ليس جوابا للسؤال الأول، بل هو مجرد خطاب كما هو متعارف الآن في المخاطبة، فيكون الجواب لهما معا

قوله (عليه السلام): «لا إلا أن يكون معها- أي الشهادة- غيرها»

لكنه كما ترى، فلا محيص عن ظهورهما في التفصيل، خصوصا بعد ملاحظة خبر ابن مروان.

و لعل وجه الفرق بينهما إنما هو اختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج أن تجذبه دواعي الرغبة بخلافها، فإنها ليس لها هذه الرتبة غالبا و إن كانت على العدالة، بل لا يبعد القول بعدم اعتبارها فيها أيضا كما هو المحكي عن المتأخرين كافة و ظاهر أكثر القدماء، لقوة احتمال ورود الشرط في الخبرين (1) مورد الغالب و من عدم ثبوت الحق بالامرأة منفردة و لو مع اليمين إلا نادرا في الوصية بخلاف الزوج الذي قد يثبت الحق بشهادته مع اليمين، فلا يصلحان حينئذ مخصصين لعموم الأدلة.

بل يمكن جريان الاحتمال المزبور في عبارة المخالف، فيرتفع الخلاف حينئذ من البين، خصوصا النهاية قال: «لا بأس بشهادة الوالد لولده مع غيره من أهل الشهادة، و لا بأس بشهادة الولد لوالده، و لا تجوز شهادته عليه، و لا بأس بشهادة الأخ لأخيه و عليه إذا كان معه غيره من أهل الشهادات، و لا بأس بشهادة الرجل لامرأته و عليها إذا كان معه غيره من أهل العدالة، و لا بأس بشهادتها له و عليه في ما تجوز قبول

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من كتاب الشهادات- الحديث 1 و 3.

80

شهادة النساء فيه إذا كان معها غيرها».

قال في كشف اللثام: «و هي مسوية بين الزوجين و غيرهما، فلو كان مراده اشتراط الانضمام لاشتراطه في الباقي، فلعله إنما ذكره بناء على الغالب و اكتفاء بانضمام الشاهد عن انضمام اليمين» بل ما حضرني من نسخة الوسيلة ظاهر أو صريح في قبول شهادة كل منهما للآخر من دون ضميمة، فمن الغريب ما سمعته من التحرير.

و كيف كان ف الفائدة بين القولين تظهر لو شهد الزوج لها في ما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين فإنه على القول بعدم اعتبار الضميمة يكفي يمينها في تناول المشهود عليه، و على القول باعتبارها لا يكفي، بل لا بد من غيره و تظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصية فإنه على الأول يثبت الربع، و على الثاني لا يثبت بشهادتها منفردة شيء.

و لا خلاف بيننا في قبول شهادة الصديق لصديقه (1) و إن تأكدت بينهما الصحبة و الملاطفة و المهاداة و غيرها من أنواع الموادة و التحاب، بل الإجماع بقسميه عليه لأن العدالة تمنع التسامح فتبقى حينئذ على عموم الأدلة و إطلاقها، خصوصا بعد ما عرفت أن المانع تهمة خاصة لا مطلق التهمة، خلافا لمالك و بعض الشافعية فردها مع الملاطفة و المهاداة، و ضعفه واضح.

____________

(1) و في الشرائع: «و تقبل شهادة الصديق لصديقه».

81

[المسألة الرابعة لا تقبل شهادة السائل في كفه]

المسألة الرابعة:

لا تقبل شهادة السائل في كفه إذا اتخذ ذلك صنعة و حرفة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، ل

صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سأله عن السائل الذي يسأل بكفه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي (ع) لا يقبل شهادته إذا سأل في كفه».

و في خبره المروي عن قرب الاسناد (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) «عن السائل بكفه أ تجوز شهادته؟ فقال: كان أبي (عليه السلام) يقول: لا تقبل شهادة السائل بكفه».

و صحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «رد رسول الله (صلى الله عليه و آله) شهادة السائل الذي يسأل بكفه، قال أبو جعفر (عليه السلام): لأنه لا يؤمن على الشهادة، و ذلك لأنه إن أعطي رضي، و إن منع سخط» و عن الشيخ روايته بسنده أنه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): شهادة السائل الذي يسأل بكفه لا تقبل»

إلى آخر الحديث السابق.

و إلى ما سمعته أشار المصنف بقوله لأنه يسخط إذا منع، و لأن ذلك يؤذن بمهانة النفس، فلا يؤمن على المال لاحتمال انخداعه، نعم قد يتجه الاقتصار في مخالفة إطلاق الأدلة و عمومها على المتيقن من النصوص المزبورة، و هو ما ذكرناه من متخذ ذلك حرفة و حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 35- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 35- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

82

ف لو كان ذلك منه مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته كما صرح به جماعة، بل قيل: إنه الأشهر بين المتأخرين.

هذا و في المسالك تبعا للتحرير و الدروس «في حكم السائل الطفيلي- ثم قال-: و المراد بالسائل بكفه من يباشر السؤال و الأخذ بنفسه، و السؤال في الكف كناية عنه» و فيه ما لا يخفى من النظر في الأول مع فرض العدالة فيه، بل و الثاني، ضرورة كون المنساق منه من يدور على الأبواب و على الناس في سؤال الشيء اليسير من الخبز و نحوه، لا كل من سأل بنفسه و لو كان على طريق من الوقار و إن صرح بالحاجة و طلب الإعانة و نحو ذلك، كما يستعمله الآن أكثر أبناء الزمان من طلبة العلم و الخدمة و غيرهم.

ثم إنه قد يستفاد من النصوص المزبورة بل و الفتاوى عدم حرمة السؤال بالكف فضلا عن غيره، و إلا لكان المتجه فيه تعليل رد الشهادة به، اللهم إلا أن يحمل ذلك على عدم الحكم بفسقه بمجرد سؤاله بالكف الذي يمكن أن يكون لضرورة، إذ فعل المسلم محمول على الوجه الصحيح مع الإمكان، فترد شهادته لسؤاله و إن كان على ظاهر العدالة.

و لكن لا يخفى عليك أن هذا بعد فرض معلومية حرمة السؤال و لو بالكف مع فرض عدم التدليس به، كما لو صرح بغنائه عن ذلك، و هو و إن كان مغروسا في الذهن و النصوص مستفيضة بالنهي عن سؤال الناس (1) لكن كثيرا منها محمول على بعض مراتب الأولياء، و هو الغناء عن الناس و الالتجاء إلى الله تعالى و آخر محمول على المدلس بإظهار الحاجة و الفقر لتحصيل المال من الناس بهذا العنوان، و هم الذين يسألون الناس إلحافا عكس الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، و أما حرمة السؤال من

____________

(1) الوسائل- الباب- 31 و 32- من أبواب الصدقة- من كتاب الزكاة.

83

حيث كونه سؤالا و لو بالكف فلا دليل مطمئن به على حرمته و إن كان ذلك مغروسا في الذهن، فتأمل فإنه لم يحضرني كلام للأصحاب فيه منقح.

[المسألة الخامسة تقبل شهادة الأجير و الضيف و إن كان لهما ميل إلى المشهود له]

المسألة الخامسة:

تقبل شهادة الأجير و الضيف و إن كان لهما ميل إلى المشهود له لكن مجرد ذلك لا يقدح في شهادة العدل الدال على قبولها الكتاب و السنة و الإجماع، بل يرفع التهمة عنهما في ذلك تمسكهما بالأمانة التي هي من لوازم العدالة المزبورة، مع أنه لا خلاف بيننا في الثاني، كما اعترف به غير واحد، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى

موثق أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا، قال: و يكره شهادة الأجير لصاحبه، و لا بأس بشهادته لغيره، و لا بأس بها له عند مفارقته»

و بالجملة فالحكم في الثاني واضح.

إنما الكلام في الأول الذي جزم المصنف بقبول شهادته وفاقا للمشهور بين المتأخرين، بل في المسالك نسبته إليهم، لعموم الأدلة و إطلاقها و خصوص الموثق المزبور بناء على إرادة المعنى المتعارف من لفظ الكراهة، و لكن المحكي عن أكثر المتقدمين كالصدوقين و الشيخ في النهاية و الحلبي و القاضي و ابن حمزة و ابن زهرة عدم القبول، للنصوص المستفيضة التي (منها) موثق سماعة (2) السابق المشتمل على ذكر ما يرد من الشهود الذين منهم الأجير، و نحوه المرسل في الفقيه (3) أيضا، و نحوه

خبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

84

العلاء بن سيابة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يجير شهادة الأجير».

و (منها)

النبوي المروي عن معاني الأخبار (2) «لا تجوز شهادة خائن و لا خائنة، و لا ذي غمز على أخيه، و لا ظنين في ولاء و لا قرابة، و لا القانع مع أهل البيت»

بناء على ما عن الصدوق من أنه الرجل يكون مع قوم في حاشيتهم كالخادم لهم و التابع و الأجير.

و (منها)

الصحيح (3) «عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثم فارقه أ تجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال: نعم، و كذلك العبد إذا أعتق جازت شهادته»

الظاهر- بسبب التشبيه و التقرير- في ذلك أيضا.

و لا معارض لهذه النصوص المعتبر بعضها في نفسه فضلا عن الانجبار بما عرفت إلا العمومات المخصصة بها، و خبر أبي بصير (4) السابق الممنوع إرادة الكراهة منه بالمعنى المصطلح، خصوصا بعد كثرة استعمالها في النصوص في غيره، على أنه لا وجه لإرادته منه هنا، ضرورة وجوب قبوله عينا مع اتحاده و كفاية مع غيره.

و منه يعلم أنه لا وجه لحمل النصوص المزبورة عليها إلا على إرادة الإشهاد الذي لا يوافقه خبر أبي بصير السابق الظاهر في شهادته لا إشهاده، بل و لا سياق النصوص المزبورة التي قد ذكر الأجير فيها مع غيره مما هو معلوم فيه المنع من قبول شهادته، بل حملها على إرادة الكراهة يقتضي خللا في نظم الكلام و استعمال اللفظ في الحقيقة و المجاز و لو بإرادة عموم المجاز.

و من هنا أشكل الحال على بعض الأفاضل، بل ظاهر الدروس ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

85

أيضا حيث نقل الخلاف في المسألة مقتصرا عليه من دون ترجيح، بل في الرياض «و هو حسن إلا أن مقتضى الأصول حينئذ عدم القبول، كما مر نظيره» و فيه ما عرفته سابقا من أنه مع الشك ينبغي الرجوع إلى عموم أدلة القبول، لعدم تحقق التهمة المانعة حينئذ.

نعم يتجه العدم مع فرضها، كما إذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر، كما لو شهد بدفع الثوب لمن استأجره على قصارته أو خياطته، بل في التنقيح تقييد ذلك أيضا ببقاء الأجرة، و إن كان قد يناقش بعدم قبول شهادته مطلقا، ضرورة رجوعها إلى دعوى، لأن الفرض كونه الخياط و القصار، و يمكن حمل النصوص المزبورة على ذلك، كما صرح به بعضهم.

بل يمكن حملها أيضا على الكراهة بمعنى مرجوحية العمل بشهادته مع وجود غيره، بل ينبغي القطع بذلك أو غيره إن كان المراد مطلق الأجير بأي عمل من الأعمال، كما هو ظاهر إطلاقهم، لا خصوص الملازم و الخادم الذي يؤجر جميع منافعه الذي سمعته من الصدوق، بل لعله الظاهر من الخبر (1) المزبور، بل و من الصحيح (2) بقرينة قوله (عليه السلام):

«فارقه» و حينئذ يكون ما في النصوص أخص من المدعي.

كما أنه بناء على ما سمعته من الصدوق من التفسير لا بد من التزام القدر المشترك، لعدم قائل منا معتد به بعدم جواز شهادة التابع غير الأجير، بل لا بد من ذلك أيضا في موثق سماعة (3) و المرسل (4) المذكور فيهما التابع مع الأجير، و قد عرفت أنه لا قائل معتد به بعدم قبول شهادته و بذلك تضعف دلالة الخبرين المزبورين، لكون المراد بالرد فيهما حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

86

الأعم من الرد الواجب و المرجوح.

بل قد يقوى بقرينة خبر أبي بصير (1) المنجبر بفتوى المتأخرين تعيين إرادة الرد الكراهي بالمعنى الذي ذكرناه، و من هنا يقوى ما عليه المتأخرون، لقوة إرادة الكراهة في النصوص المزبورة، خصوصا مع عدم الجابر لها في الحقيقة، لتعارض شهرة المتقدمين مع شهرة المتأخرين الموهنة لها، بل هي أرجح، كما أن من ذلك يعرف النظر في ما أطنب به في الرياض من ترجيح القول بعدم القبول، فتأمل جيدا.

[لواحق هذا الباب]

لواحق هذا الباب: و هي ست:

[المسألة الأولى الصغير و الكافر و الفاسق المعلن]

الأولى الصغير و الكافر و الفاسق المعلن و غيرهم ممن لا تجوز شهادته إذا عرفوا شيئا و تحملوه و هم في تلك الحال ثم زال المانع عنهم فأقاموا تلك الشهادة قبلت بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه لاستكمال شرائط القبول حينئذ، فيندرج في عموم الأدلة، مضافا إلى خصوص ما ورد من ذلك في الصغير و اليهودي و النصراني و غيرهم من المعتبرة المستفيضة أو المتواترة، نعم في صحيح جميل (2) منها سأل الصادق (عليه السلام) «عن نصراني أشهد على الشهادة ثم أسلم بعد أ تجوز شهادته؟ قال: لا»

و هو مع شذوذه حمله الشيخ على التقية، و غيره على إرادة رد الشهادة التي شهدها حين الكفر أو غير ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 39- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

87

و كذا الحال لو أقامها أحدهم في حال المانع فردت ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت أيضا، ضرورة أن ردها للمانع لا ينافي قبولها بعد زواله، إذ كل منهما قد كان لأدلته.

و كذا الحال في العبد لو ردت شهادته على مولاه ثم أعادها بعد عتقه، أو الولد على أبيه فردت ثم مات الأب و أعادها ضرورة اتحاد المدرك في الجميع من العمومات و الإجماع و خصوص النصوص (1) حتى لو كان عتق العبد للشهادة و إن كان في خبر السكوني (2) «قال علي (عليه السلام): و إذا أعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته»

إلا أنه غير جامع لشرائط الحجية كي يصلح معارضا لغيره من الأدلة، و كذا

خبر إسماعيل بن مسلم (3) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «إن شهادة الصبيان إذا شهدوا و هم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، و كذا اليهود و النصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، و العبد إذا شهد على شهادة ثم أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق»

و يمكن حمله على ما إذا صدر الحكم من الحاكم، فإنه لا ينقض حينئذ، فتأمل.

أما الفاسق المستتر إذا أقام فردت بجرحه ممن له خبرة بباطن أمره ثم تاب فلا إشكال و لا خلاف في قبول شهادته.

و لكن تلك الشهادة لو أعادها ف قد يقال: إن هاهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه لاهتمامه بإصلاح الظاهر و دفع عار الكذب عنه بخلاف المتجاهر بالفسق و الكفر و غير البالغ و العبد و نحوهم ممن لا عضاضة عليهم في رد شهادتهم، بل ربما حكي ذلك قولا

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 13.

(3) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 13.

88

و إن لم نعرف قائله.

و لكن لا ريب في أن الأشبه بأصول المذهب و قواعده القبول لما سمعته من الأدلة التي لا تصلح لمعارضتها نحو هذه الاعتبارات التي لا توافق أصولنا، خصوصا بعد ما عرفت من أن المانع التهمة الخاصة لا مطلقا، و في المسالك قد استحسن ذلك، و لكن قال:

«مع ظهور صدق توبته و الثقة بعدم استنادها إلى ما يوجب التهمة» و كأنه غير راجع إلى محصل.

و لو كان الكافر مستترا بكفره ثم أسلم و أعادها فالوجهان.

و كذا لو شهد على إنسان فردت شهادته لعداوة بينهما ثم زالت العداوة فأعاد تلك الشهادة، فإن كان مسرا للعداوة فالوجهان، و إلا لم يمنع، لأن الرد بالسبب الظاهر لا يورث عارا.

و لو شهد لمكاتبه بمال أو لعبده بنكاح فردت شهادته فأعادها بعد عتقهما، أو شهد اثنان من الشفعاء بعفو شفيع ثالث قبل أن يعفوا فردت شهادتهما ثم أعاداها بعد ما عفوا، أو شهد اثنان يرثان من رجل عليه بجراحة غير مندملة فردت شهادتهما ثم أعاداها بعد اندمال الجراحة قبلت في الجميع، و ربما جاء احتمال المنع من حيث التهمة بالرد، و هو ممنوع، لظهور هذه الموانع، فلا عار بالرد بها.

89

[المسألة الثانية لا تقبل شهادة المملوك أصلا]

المسألة الثانية قيل و القائل ابن أبي عقيل منا و أكثر العامة لا تقبل شهادة المملوك أصلا ل

صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام):

«العبد المملوك لا تجوز شهادته»

و صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام): «سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا و لا عبد»

و موثق سماعة (3) السابق المذكور فيه العبد ممن يرد من الشهود، و مفهوم الشرط في الصحيح السابق (4) المذكور في الآخر إلى غير ذلك من النصوص.

على أن الشهادة من المناصب الجليلة التي لا تليق بحال العبد كالقضاء، و لاستغراق وقته بحقوق المولى على وجه يقصر عن أدائها و عن تحملها، كما أومأ إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المروي من تفسير العسكري (5) الذي هو أحد أدلة المسألة أيضا قال: «كنا عند رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو يذكرنا بقوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ (6) قال: أحراركم دون عبيدكم، فان الله تعالى شغل العبيد بخدمة مواليهم عن تحمل الشهادة و أدائها»

و لأن نفوذ القبول على الغير نوع ولاية فيعتبر فيها الحرية، كما في سائر الولايات.

و قيل و القائل جماعة من الأصحاب على ما حكي منهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 15.

(6) سورة البقرة: 2- الآية 282.

90

نجيب الدين يحيى بن سعيد تقبل مطلقا على مولاه و غيره للعموم و الإطلاق و خصوص

صحيح ابن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام):

«تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم»

و لكن في نسخة «لا تجوز» و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»

و خبر بريد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن المملوك تجوز شهادته، قال: نعم إن أول من رد شهادة المملوك لفلان»

و خبر محمد بن مسلم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في شهادة المملوك إذا كان عدلا فإنه أجاز الشهادة، إن أول من رد شهادة المملوك عمر بن الخطاب، و ذلك أنه تقدم إليه مملوك في شهادة، فقال: إن أقمت الشهادة تخوفت على نفسي و إن كتمتها أثمت بربي، فقال: هات شهادتك، أما إنا لا نجيز شهادة مملوك بعدك».

و قيل: تقبل مطلقا إلا على مولاه كما عن الأكثر، و منهم الشيخان و المرتضى و سلار و القاضي و ابن إدريس جمعا بين الأدلة بمعلومية مناسبة المنع فيه للمنع في الولد بعد اشتراكهما في وجوب الطاعة و حرمة العصيان، و لما في المختلف من

صحيح الحلبي (5) عن الصادق (عليه السلام): «في رجل مات و ترك جارية و مملوكين تورثهما أخ له فأعتق العبدين و ولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما أشهدهما أنه كان يقع على الجارية، و أن الحمل منه، قال: تجوز شهادتهما، و يردان عبدين كما كانا».

و قيل- كما في القواعد و إن لم نعرف قائله نحو قول المصنف و منهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

91

من عكس-: لا تقبل مطلقا إلا على المولى للجمع بين الأدلة أيضا.

و قيل- و القائل ابن الجنيد-: تقبل على مثله و على الكافر دون الحر المسلم للجمع بين النصوص أيضا، و شاهده مفهوم الوصف في قول الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (1) على إحدى النسختين «لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم»

و صحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام): «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب، و قال: العبد المملوك لا تجوز شهادته»

و المرسل (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «إنه كان يقبل شهادة بعضهم على بعض، و لا يقبل شهادتهم على الأحرار».

و قيل- و القائل أبو الصلاح-: تقبل لغير مولاه و عليه، و ترد له و عليه، جمعا أيضا بين الأخبار، لأن في شهادته لمولاه تهمة، و عليه عقوقا و عصيانا.

و قيل- و القائل ابنا بابويه-: لا بأس بشهادة العبد إذا كان عدلا لغير سيده، قال في المسالك: «و هو يعطي المنع مما عدا ذلك من حيث حيث المفهوم لا المنطوق و إطلاق شهادته لغير سيده يشتمل على شهادته له على سيده، و يخرج بمفهومها شهادته لسيده على غيره» و في رواية ابن أبي يعفور (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه، فقال: تجوز في الدين و الشيء اليسير»

و في صحيح جميل (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكاتب تجوز شهادته، فقال: في القتل وحده».

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 10.

(3) ذكره الشيخ (قده) في الخلاف ج 3 ص 332 (مسألة 19 من كتاب الشهادات).

(4) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 9.

92

و لكن لا يخفى عليك مما ذكرنا أن الأشهر من بين الأقوال المزبورة القبول مطلقا إلا على المولى بل هو المشهور، بل عن الانتصار و الغنية و السرائر الإجماع عليه، كما عن الخلاف أيضا الإجماع على قبوله لمولاه و لغيره و على غيره.

و من ذلك يعلم ضعف القول الأول الذي لم يعرف قائل به منا عدا العماني الذي قد انعقد الإجماع على خلافه، و نصوصه و إن كثرت- و فيها الصحيح و غيره- محمولة على الشهادة على المولى أو على الكراهة أو على التقية التي قد أومأ إليها في النصوص السابقة، بل قيل: إنه مذهب الفقهاء.

بل و الثاني فإنه و إن حكي عن جماعة إلا أنه لم نتحقق ذلك إلا ما حكاه ثاني الشهيدين عن نجيب الدين، مع أنه لم ينسبه غيره إليه، بل في الرياض نسبته إلى الندرة، قال: «بل يستفاد من كثير مجهولية القائل به، و عدم معروفيته، بل لم يسمه أحد منهم عداه، فما هذا شأنه يكاد يقطع بمخالفته الإجماع».

نعم مال إليه هو مع جماعة من المتأخرين عنه، لعدم دليل صالح لإخراج شهادته على مولاه عن إطلاق الأدلة و عمومها بعد حمل النصوص المانعة على التقية و نحوها، و القياس على الولد- مع أنه ليس من مذهبنا- مبني على ثبوت الحكم في المقيس عليه.

و فيه أن الإجماعات المزبورة تكفي في الشهادة على ذلك، خصوصا مع تأيده بما أرسله عن كنز العرفان حيث قال: «و اختلف في شهادة العبد- إلى أن قال-: و عن أهل البيت (عليهم السلام) روايات أشهرها و أقواها القبول إلا على سيده خاصة، فتقبل لسيده و غيره و على غيره» و بأولويته من الولد بعدم القبول بناء على أن المنع فيه للعقوق،

93

و بصحيح الحلبي (1) السابق الذي مر الكلام فيه في كتاب الوصية (2) و إن كان قد يناقش بأن لفظ العتق لم يقيد به الامام (عليه السلام) ليكون دليلا على اعتباره في القبول، بل هو في لفظ الراوي بيانا للواقع، على أنه من مفهوم الصفة الذي في حجيته ما فيها، إلا أن ذلك لا ينافي التأييد به و لو للإشعار بتقرير السائل على سؤاله.

كما أنه قد يؤيد أيضا بالمعلوم المقطوع به عقلا و نقلا من عدم قبول إقرار العبد على نفسه باعتبار كونه إقرارا في حق المولى، و لو أن شهادته مقبولة عليه لقبل إقراره عليه بأنه باعه من زيد أو وهبه إياه مثلا أو غير ذلك، ضرورة كونه من الشهادة على المولى، و إن سمي إقرارا فإنه لا مائز بينهما بالنسبة إلى ذلك، و دعوى خروج الفرض عن محل النزاع واضحة الفساد، بل مقتضى إطلاق كلامهم عدم الفرق في ذلك بين الجميع، و لذا استدل الفاضل بصحيح الحلبي (3) المزبور الذي هو في الحقيقة إقرار في حق المولى لو لم يكونا معتقين، و منه يعلم حينئذ عموم الدعوى للجميع، و حينئذ فلو قبلت شهادته على مولاه لقبل إقراره عليه في ما يتعلق بنفسه، لأنه شهادة في المعنى، و هو معلوم الفساد، و لا قائل بالفصل بالنسبة إلى ذلك، فتأمل جيدا.

و بذلك كله يظهر لك أيضا ضعف القول المزبور و إن مال إليه ثاني الشهيدين و بعض أتباعه إلا أن الظاهر مسبوقيتهم بالإجماع و استقرار مذهب الإمامية على خلافه لا أقل من ذلك كله يحصل الشك في إرادة هذا الفرد من إطلاق أدلة القبول، فيبقى على أصالة المنع، كما هو واضح.

و منه يعلم وضوح بطلان القول بعكس المشهور الذي لم يعرف قائله،

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

(2) راجع ج 28 ص 355- 356.

(3) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

94

ضرورة اقتضائه طرح كل من النصوص المجوزة و المانعة مطلقا و دعوى الجمع بينها بذلك فرع التكافؤ المفقود قطعا، كالقطع بعدم الشاهد، بل صريح جملة من النصوص القبول للمولى.

و يقرب منه في الضعف أو الفساد قول ابن الجنيد، إذ لا دليل له إلا مفهوم الوصف في إحدى نسختي الصحيح (1) المعارضة بالنسخة الأخرى، و أما صحيح ابن مسلم (2) فهو من مفهوم اللقب المعلوم عدم حجيته، كمعلومية عدم الحجية في المرسل (3) الذي لا جابر له و غير دال على تمام الدعوى، فدعوى الجمع بين النصوص المزبورة المعلوم وجهها عند الإمامية- بل فيها ما يرشد إلى وجه الجمع بينها- بالتقية كما ترى.

و كذا قول أبي الصلاح المنافي لخصوص ما تضمن من النصوص قبول شهادته لمولاه، و قد عرفت أن المدار في التهمة المانعة ما دل عليها الدليل الشرعي لا كل تهمة عرفية، و الدليل هنا يقتضي العكس لا عدم القبول للمولى، كما هو واضح.

بل و كذا ما عن ابني بابويه بناء على إرادتهما من العبارة المزبورة القبول و لو على مولاه و عدم القبول له، إذ قد عرفت ما يدفع كلا منهما.

و من الغريب أن الأقوال المفصلة بأجمعها قد ذكر السيد لها دعوى الجمع بين الأخبار، و لا ريب أن المشهور أولى منها و من غيرها، كما عرفته مفصلا.

و كيف كان ف لو أعتق العبد قبلت شهادته و لو على مولاه بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، بل و لا إشكال أيضا، لارتفاع المانع حينئذ كما استفاضت به

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 10.

(3) المتقدم في ص 91.

95

النصوص: منها ما مر في الأجير (1) و منها

الصحيح (2) «عن الذمي و العبد يشهدان على شهادة ثم يسلم الذمي و يعتق العبد أ تجوز شهادته على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم إذا علم منهما خير بعد ذلك جازت شهادتهما»

إلى غير ذلك من النصوص.

نعم في القوى (3) «أن شهادة الصبيان إذا شهدوا و هم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، و كذلك اليهود و النصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، و العبد إذا شهد على شهادة ثم أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق، و قال علي (عليه السلام): إن أعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته»

و ظاهره اعتبار عدم الرد قبل العتق في القبول بعده و لم يقل به أحد، فوجب حمله على الرد بفسق و نحوه، كما عن الشيخ و الصدوق، أو على إرادة افتقار عودها بعد العتق إذا ردت قبله و لو للعبودية.

و أما

قوله (عليه السلام): «و قال علي (عليه السلام)»

إلى آخره فقد يشعر بكونه شاهدا لسيده، و منه يستفاد عدم قبول شهادته له قبل العتق للتهمة، لكنه قاصر عن معارضة عموم الأدلة و خصوصها سنة و إجماعا محكيا و غيرهما، بل قد سمعت دعوى الشيخ في الخلاف الإجماع على قبول شهادته للمولى فلا بأس بحمله على التقية خصوصا و الراوي له السكوني الذي هو أحد قضاة العامة، و يمكن حينئذ عدم القبول على مذهب العامة باعتبار فساد العتق الفاقد للإخلاص، لكون الفرض أنه قد كان لموضع الشهادة فهو في الحقيقة باق على عبوديته، و الفرض عدم قبولها له حال

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل- الباب- 39- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 13.

96

الرقية، فتأمل فقد بان لك بحمد الله تعالى الكلام في جميع المسألة.

و كذا بان لك حكم المدبر و المكاتب المشروط إذ هما كالقن في جميع ما عرفت، ضرورة عدم خروجهما بذلك عن المملوكية، فيندرجان في الأدلة المزبورة كأم الولد.

أما المطلق الذي لم يؤد شيئا فكذلك أيضا، أما إذا أدى من مكاتبته شيئا قال في النهاية: تقبل على مولاه بقدر ما تحرر منه، و فيه تردد، أقربه عند المصنف المنع وفاقا للمشهور بين من تعرض له، لما في كشف اللثام من صدق العبد و المملوك عليه، و لأن الرق مانع، فما لم يزل بتمامه لم يقبل، و لأنه لا تهتدي عقولنا إلى القبول في بعض المشهود فيه دون بعض، فلا نقول به إلا في ما أجمع عليه أو دل فيه دليل قاطع.

إلا أن الجميع كما ترى كما اعترف به الشهيد في نكت الإرشاد، حيث إنه بعد أن حكى الاستدلال بنحو ذلك مع زيادة الأصل قال:

«و في الجميع نظر» و هو كذلك، إذ الأولان مصادرة واضحة، و الأخير أقصاه أن عدم القبول على وفق قاعدة عدم جواز تبعيض السبب التي لا تنافي الدليل على جوازه، كما في كثير من أفراد المبعض في الميراث و غيره، و كذا دعوى استصحاب عدم القبول و غيره مما لا يصلح لمعارضة الدليل المخصوص الذي هو

خبر ابن مسكان عن أبي بصير (1) «سأله عن شهادة المكاتب كيف تقول فيها؟ فقال: تجوز على قدر ما أعتق إن لم يكن اشترط عليه أنك إن عجزت رددناك، فان كان اشترط عليه ذلك لم تجز شهادته حتى يؤدي أو يستيقن أنه قد عجز، قال: قلت:

كيف يكون حساب ذلك؟ قال: إذا كان قد أدى النصف أو الثلث

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 14.

97

فشهد لك بألفين على رجل أعطيت من حقك بحساب ما أعتق النصف من الألفين».

لكنه- مع إضماره و عدم الوجه الظاهر ل

قوله: «أو يستيقن أنه قد عجز»

- معرض عنه بين الأصحاب، بل ظاهر في التفريع على مقتضى قول العامة القائلين بعدم القبول حال الرقية و مشروعية القياس على غيره من أفراد المبعض، ضرورة ظهوره في كون الشهادة على غير مولاه التي قد عرفت قبولها عندنا، و هو رق فضلا عن كونه مكاتبا قد أدى نصف ما عليه، بل قد يشهد كون ذلك من الامام (عليه السلام) للتقية

صحيح الحلبي و محمد بن مسلم و أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) «في المكاتب يعتق نصفه هل تجوز شهادته في الطلاق؟ قال: إذا كان معه رجل و امرأة»

إذ من المعلوم أن المرأة لا تقبل شهادتها في الطلاق عندنا، فليس ذكرها حينئذ إلا للتقية، كما اعترف به الشيخ و غيره.

و على كل حال فالقول بكونه كالقن حينئذ هو الأقوى، للأصل و قاعدة عدم تبعيض السبب بعد وضوح قصور الخبر المزبور عن تخصيصهما و حرمة القياس على حكم غيره من أفراد المبعض في الإرث و نحوه.

ثم لا يخفى عليك أن مقتضى الخبر الأول قبول شهادته على مقدار ما فيه من الحرية، لكن على نحو غيره مما يقبل فيه ذلك باليمين أو بشاهد آخر معه.

و أما الثاني فقد قيل: إن مقتضاه كون شهادته مع عتق نصفه شهادة امرأة، و حينئذ فلا يثبت مع اليمين بشهادته شيء، بل و لا مع الرجل أيضا، لأن الامرأة ليست حجة مع الرجل و لا مع اليمين.

و فيه أنه لا دلالة في الصحيح المزبور على كونه كالامرأة مطلقا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من كتاب الشهادات- الحديث 11.

98

بل أقصاه في مفروض السؤال، بمعنى أنه تتم البينة في الطلاق مع شهادته بشهادة رجل و امرأة، و هذا لا يقتضي كونه كالامرأة في جميع الأحوال فتأمل.

و منه يظهر لك ما في التفريع على ذلك و على مقتضى الخبر الأول في غاية المراد، حيث إنه بعد أن ذكر خبري أبي بصير قال: «و يتفرع على ظاهر الرواية و ظاهر الفتاوى فروع: الأول: لو شهد معه عدل آخر بمائة مثلا يثبت بشهادتهما خمسون، و له أن يحلف مع الشاهد الآخر على الخمسين الأخرى، و ظاهر الرواية يدل على جعله كالمرأة، فحينئذ لا يثبت بشهادتهما شيء أصلا، كما لو شهد رجل و امرأة خاصة، و لو انضم إليهما امرأة ثبت المال، و على ظاهر الفتاوى تثبت الخمسون بشهادة الثلاثة و له الحلف على الخمسين الأخرى، لأن الخمسين الأخرى لم يشهد بها في الحقيقة سوى رجل و امرأة، و تظهر الفائدة في الرجوع. الثاني: لو شهد وحده بمال على السيد فللمشهود له الحلف على نصفه، و على مفهوم الرواية لا حكم لشهادته، لأنه كالمرأة الواحدة. الثالث: لو شهد بالوصية بالمال ثبت ربع ما يشهد به على مفهوم الرواية، و على الآخر يثبت نصفه، و له أن يحلف معه إن قلنا باليمين هنا، و هو الأقرب. الرابع: لو شهد على مولاه بالقتل عمدا أو شبهه أو الخطأ في احتمال مع شاهد آخر فعلى مفهوم الرواية لا يثبت القتل، بل يكون لوثا، و على ظاهر كلام الأصحاب يحتمل ثبوت نصف القتل على معنى ثبوت نصف الدية أو القود بعد رد ما قابل الباقي، و يحتمل الانتفاء أصلا، و أشد إشكالا منه الشهادة في الحدود» و لا يخفى عليك ما في بعضه أيضا.

و كذا ما في كشف اللثام قال: «ثم على تقدير السماع بقدر الحرية يحتمل اشتراطه بانضمام رجل إليه، و هو الأحوط، و يحتمل العدم، و على

99

الأول يحتمل القبول بعين ذلك القدر كما هو الظاهر من الخبر، حتى إذا انضم إلى من تحرر نصفه رجل كامل الحرية لم يسمع إلا في النصف، لأنه الذي اجتمع عليه شاهدان، و هو الأحوط، و يحتمل تقسيم المشهود به بحسب ما في الشاهدين من الحرية، فيسمع في المثال في ثلاثة أرباع، و يحمل الخبر على انضمام مثله إليه، أو على أنه يثبت نصف الألفين بما فيه من الحرية و ما بإزائه من حرية الآخر، و إن كان يثبت ربعهما أيضا بما في الآخر من باقي الحرية، و على الثاني يحتمل السماع بإزاء الحرية مطلقا، حتى إذا تحرر منه عشر سمعت شهادته في العشر، فإذا تحرر تسعة أعشاره سمعت في تسعة أعشاره، و يحتمل أن لا تسمع ما لا يتحرر ربعه فما زاد، و لا تسمع إلا في الربع إلى النصف، و على كل فلا بد من قصر السماع على ما تسمع فيه شهادة امرأة واحدة خصوصا ما ذكره من الاحتمال، و الله العالم.

[المسألة الثالثة إذا سمع الإقرار مثلا صار شاهدا و إن لم يستدعه المشهود عليه]

المسألة الثالثة:

إذا سمع الإقرار مثلا صار شاهدا و إن لم يستدعه المشهود عليه أو المشهود له، فيندرج حينئذ في ما دل على وجوب أدائها عينا أو كفاية على حسب غيره من الشهود، ضرورة عدم اعتبار الاشهاد في صدق اسم الشهادة، و الأمر الإرشادي بالإشهاد أعم من ذلك.

و كذا لو سمع اثنين يوقعان عقدا كالبيع و الإجارة و النكاح، و كذا لو شاهد الغصب أو الجناية، و كذا لو قال له الغريمان أو أحدهما:

لا تشهد علينا فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما بل و كذا لو خبأ فنطق المشهود عليه مسترسلا خلافا لشريح فقط،

100

كما عن المبسوط و السرائر، و عن الخلاف زيادة النخعي و الشعبي و مالك، إلا أنه إنما رد شهادته إذا كان المشهود عليه مغفلا يخدع مثله، و ضعف الجميع واضح.

و في غاية المراد «لا خلاف عندنا أن المختبئ شهادته مقبولة لوجود المقتضي، و ليس من باب الحرص على الشهادة المقتضي للرد، لأن الحاجة ربما مست إلى ذلك، و لدخولها تحت قوله تعالى (1) «إِلّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» و لأن الحرص هنا ليس على الإقامة بل على التحمل، و ذهب شريح إلى عدم قبولها، و هو منقول عن مالك، و يقال: إنه قول ضعيف للشافعي- إلى أن قال-: و يظهر من كلام ابن الجنيد ذلك، حيث قال: أو كان من خدع فستر عنه لم يكن له أن يشهد عليه، و قد سبقه الإجماع أو تأخر عنه».

قلت: هذا هو العمدة بناء على ما ذكرناه سابقا من أنه ليس المانع مطلق التهمة، بل هي التهمة الخاصة التي يكشف عنها الأدلة، و إلا فهذا و مثله يبقى على عموم الأدلة، و أما دعوى عدم التهمة فيه عرفا مطلقا ففيه أن بعض أفراده ليس بأقل منها في المتبرع بالشهادة الذي ستسمع الإجماع على عدم قبول شهادته، و الاحتياج إلى ذلك لو سلم كونه دليلا لمشروعية مثله فلا يقتضي الصحة مطلقا حتى إذا لم تدع الحاجة، فالعمدة حينئذ ما عرفت.

نعم عن أبي علي و الحلبي التخيير في المسألة الأولى بين الإقامة و عدمها إذا لم يستدع للشهادة من المشهود له أو المشهود عليه، و لعله للأصل و ل

صحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا سمع الرجل

____________

(1) سورة الزخرف: 43- الآية 86.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات الحديث 1.

101

الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت»

و صحيح هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت، و قال:

إذا أشهد لم يكن له إلا أن يشهد»

و خبر محمد بن مسلم (2) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما، قال: ذلك إليه إن شاء شهد و إن شاء لم يشهد، و إن شهد شهد بحق قد سمعه، و إن لم يشهد فلا شيء، لأنهما لم يشهداه».

و فيه- مع فرض كون المراد عدم وجوب إقامتها حتى مع توقف الحق عليها- أن الأصل مقطوع بما دل عليه العقل المقطوع به من النقل كتابا (3) و سنة (4) بل و إجماعا من إيجاب إقامة الشهادة على من هي عنده، و إنها بمنزلة الأمانة التي يجب على من عنده أداؤها و إن لم يستأمنه إياها صاحبها نحو الثوب الذي أطارته الريح و غيره، و النصوص محمولة على عدم التوقف عليه.

كما أومأ إلى ذلك

موثق ابن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت إلا إذا علم من الظالم فيشهد، و لا يحل له إلا أن يشهد»

و مرسل يونس (6) عن الصادق (عليه السلام) «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت إلا إذا علم من الظالم

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات الحديث 5.

(3) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(4) الوسائل- الباب- 1 و 2- من كتاب الشهادات.

(5) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات الحديث 10.

102

فيشهد، و لا يحل له أن لا يشهد»

مؤيدا ذلك ب

خبر ابن أشيم (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طهرت امرأته من حيضها، فقال: فلانة طالق و قوم يسمعون كلامه لم يقل لهم أشهدوا أ يقع الطلاق عليها؟ قال: هذه شهادة أ فيتركها معلقة؟! قال: و قال الصادق (عليه السلام): العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما».

و لعله إلى ذلك يرجع ما في نهاية الشيخ قال: «و من علم شيئا من الأشياء و لم يكن قد أشهد عليه ثم دعي إلى أن يشهد كان بالخيار في إقامتها و في الامتناع منها، اللهم إلا أن يعلم أنه إن لم يقمها بطل حق مؤمن، فحينئذ يجب عليه إقامة الشهادة» و نحوه ما عن جامع ابن سعيد.

بل و المحكي عن الصدوق أيضا، فإنه بعد أن روى أخبار الخيار في الفقيه قال: «هو إذا كان على الحق غيره من الشهود، فمتى علم أن صاحب الحق المظلوم و لا يجيء حقه إلا بشهادته وجب عليه إقامتها، و لم يحل له كتمانها، فقد

قال الصادق (عليه السلام) (2): «العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما».

بل يمكن أن يكون غيرهم ممن لم يصل إلينا كلامهم كذلك أيضا كما هو ظاهر المحكي عنهم في الدروس، فلاحظ و تأمل.

و لعل الفرق حينئذ بين من أشهد و من لم يشهد الوجوب على الأول إلا أن يعلم قيام الغير على حسب غيره من الواجب الكفائي الذي قد يكون عينيا بالعرض، و عدم الوجوب أصلا على الثاني إلا أن يعلم ظلم المشهود عليه المشهود له بإنكار حقه مثلا. و بذلك يظهر لك قوة القول بالتفصيل المزبور عملا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات- الحديث 8 و 9 و الظاهر أن ذيله مرسلة الصدوق (قده).

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات- الحديث 9.

103

بالنصوص المزبورة.

و لكن في كشف اللثام قد احتمل تنزيل النصوص المذكورة على عدم الوجوب العيني لوجود ما يثبت به الحق المشهود به و غيره، و استشهد على ذلك بما سمعته من النهاية و جامع المقاصد ثم قال:

«فقولهما (عليهما السلام) (1): «و لم يشهد عليها»

بمعنى أنه لم يشهد عليها للاكتفاء عنه بغيره، و قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني (2): «فيطلبان منه الشهادة»

بمعنى أنهما يطلبانها منه مع الاستغناء عنه بغيره، ل

قوله (عليه السلام) أخيرا: «لأنهما لم يشهداه»

أي استغنيا عنه بغيره، و احتمل في النصوص الثلاثة الأول أن يراد بسماع الشهادة سماعها و هي تقام عند الحاكم، بل هو الظاهر، فيكون الاستغناء عنه أظهر، و يكون المعنى أنه إذا سمع الشهود يشهدون بحق و لم يشهد عليه أي لم يطلب منه الشهادة للاكتفاء بغيره كان بالخيار- ثم قال-: و يحتمل أن يراد بسماع الشهادة سماع الاشهاد و التحمل، أي إذا سمع الرجل يشهد على حق و الشهود يتحملون الشهادة و لم يدع هو إلى التحمل كان بالخيار بين التحمل و عدمه- ثم قال-: و يحتمل الثاني- أي خبر ابن مسلم الأخير (3)- أن يراد أنهما يطلبان منه تحمل الشهادة، فهو بالخيار بين التحمل و العدم بناء على وجود الغير أو عدم وجوب التحمل على الخلاف، فان شهد شهد بحق، أي إن تحمل لزمه الأداء و إلا فلا، لأنهما لم يشهداه أي لم يتحمل الشهادة لهما فأشهدا غيره و اكتفيا به، فلم يجب عليه الأداء عينا للاستغناء عنه- ثم قال-: و نفى النزاع المعنوي في المختلف تنزيلا لكلام غير الشيخ على كلامه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات- الحديث 1 و 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

104

قلت: لا يخفى عليك ما في جميع ذلك، بل و لا ما في دعوى لفظية النزاع، بل قد عرفت أن كلام الشيخ ظاهر أو صريح في ما ذكرناه في النصوص التي يمكن أيضا تنزيل كلام ابن الجنيد، و الصدوق و الحلبي عليه، و ما أدرى ما الذي دعاه إلى هذه الاحتمالات الواهية في النصوص المزبورة المذكور وجهها فيها؟! كما أني لا أدري وجه دعوى لفظية النزاع و النصوص مصرحة بالفرق في الحكم بين الموضوعين، و كلام المفتي بها أصرح منها في ذلك.

و مما ذكرنا يعلم النظر في ما أطنب فيه في الرياض، بل و ما في المسالك، بل و ما في غيرها من الكتب كما تسمع تمام التحقيق في ذلك في ما يأتي إن شاء الله و إن كان ما ذكرناه هنا تاما لا غبار فيه، و الله هو العالم.

[المسألة الرابعة التبرع بالشهادة قبل السؤال يطرق التهمة فيمنع القبول]

المسألة الرابعة:

التبرع بالشهادة في حقوق الآدميين قبل السؤال من الحاكم في مجلس الحكومة يطرق التهمة إلى الشاهد أنه شهد للمدعي زورا بسبب حرصه على ذلك فيمنع القبول بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل في كشف اللثام أنه مما قطع به الأصحاب سواء كان قبل دعوى المدعي أو بعدها، و لعله العمدة في الحكم المزبور، لا التعليل بالتهمة الواقع من كثير، إذ قد عرفت أن المدار فيها على ما يثبت من الأدلة شرعا لا كل تهمة عرفية، ضرورة أن المختبئ لسماع الشهادة بلا استدعاء أقرب من المتبرع بتطرق التهمة، مع أنك

105

قد عرفت قبول شهادته عندنا، لعدم الدليل على اعتبار هذه التهمة و إن كانت متحققة في العادة، كما صرح به الأردبيلي هنا، و هو مؤيد لما ذكرناه سابقا في أول البحث ردا على من اعتمد على إطلاق التهمة في النصوص إلا ما خرج، حتى جعل ذلك أصلا يرجع إليه، على أن ظاهر كلامهم أو صريحه رد المتبرع بشهادته و إن انتفت التهمة عنه بقرائن الأحوال، ككون المشهود له عدوا له و المشهود عليه صديقا له أو غير ذلك، أو علم منه أن ذلك كان منه جهلا بالحكم الشرعي، و غير ذلك.

و من الغريب التزام فاضل الرياض قبول شهادة المتبرع في هذه الفروض مدعيا انصراف إطلاق الأصحاب إلى الغالب الذي تحصل معه التهمة لا ما يشمل هذه الأفراد.

نعم قد يقال: إن دليل كون التبرع تهمة شرعية الإجماع المزبور، فيمنع و إن فقد التهمة عرفا كالشريك و العدو و نحوهما ممن ردت شهادته، أو يقال إن مبنى المنع هنا اعتبار الاذن ممن له الحق في سؤال الشهود، كما تقدم سابقا في كتاب القضاء (1) و حينئذ تكون الشهادة قبل ذلك نحو اليمين ممن عليه قبل الاذن من صاحب الحق.

و ربما يرشد إلى ذلك أن غير واحد من الأصحاب ذكر احتمال قبول شهادة المتبرع في المجلس الآخر، بل في المسالك و غيرها اختياره، و لو أن المانع التهمة كان المتجه الرد مطلقا، أما بناء على أن المانع ما ذكرناه يتجه القبول حينئذ، بل يتجه في ذلك المجلس أيضا بعد الاذن من صاحب الحق بسؤالهم، و هذا جيد جدا إلا أنه ينافيه تعليل المصنف و غيره بالتهمة، فالأولى القول إنه تهمة شرعا بدليل الإجماع المزبور المؤيد

بالنبوي

____________

(1) راجع ج 40 ص 191- 192.

106

المذكور في معرض الذم و إن لم يكن من طرقنا (1) «ثم يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها»

و آخر (2) «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد»

و ثالث (3) «تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا»

مع ما

ورد (4) «من أنها تقوم على شرار الخلق»

إلا أن المتجه حينئذ الاقتصار على ما علم كونه موردا للإجماع.

أما غيره الذي منه القبول في المجلس الآخر و منه أيضا كون المشهود به من حقوق الله تعالى كشرب الخمر أو الزنا بل منه أيضا الشهادة للمصالح العامة كالقناطر و المدارس و نحوها فلا يمنع التبرع بالشهادة القبول فيها وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة أيضا، بل لم يعرف الخلاف في ذلك إلا ما يحكى عن الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، مع أن المحكي عنه في المبسوط موافقة المشهور، و لا ينافي ذلك قول المصنف: «و فيه تردد»، كما ستسمع إشكال الفاضل فيه في بعض كتبه، إذ هو لا ينافي استقرار المذهب على الأول، بل هو الأقوى إذ لا مدعي لها بالخصوص، لاختصاص الحق به تعالى أو لاشتراكه بين الكل.

على أنه لو جعل التبرع بالشهادة فيها مانعا لتعطلت الأولى. بل في كشف اللثام «و كذا الثانية، لاشتراك أهل تلك المصلحة كلهم فيها، فلو شرطنا الابتداء بالدعوى لم يبتدئ بها إلا بعضهم، و الشهادة لا تثبت حينئذ إلا قدر نصيبهم، و هو مجهول، لتوقفه على نسبة محصور إلى غير

____________

(1) مسند أحمد- ج 4 ص 426.

(2) سنن ابن ماجه ج 2 ص 64.

(3) دعائم الإسلام ج 2 ص 506.

(4) البحار ج 6 ص 18 و صحيح مسلم ج 6 ص 54.