جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
107

محصور، و لأن المصلحة إذا عمت عدول المؤمنين بأجمعهم كانت الشهادة منهم دعوى، فلو توقفت على دعوى غيرهم كان ترجيحا من غير مرجح مع لزوم الدور، بل قيل: و لأن الشهادة بحقوق الله تعالى نوع من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هما واجبان، و الواجب لا يعد تبرعا، قيل: و للجمع بين ما مر من الخبرين (1) و قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «أ لا أخبركم بخير الشهود؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد».

و لكن مع ذلك كله قال و فيه تردد مما عرفت و من التهمة المزبورة، بل في الرياض «ليس في شيء مما ذكر ما يفيد تقييد الأدلة المانعة عن قبول الشهادة مع التهمة بعد حصولها كما هو فرض المسألة بحقوق الآدميين خاصة و مجرد عدم المدعي لحقوق الله تعالى لا يدفع التهمة و لا يفيد التقييد المزبور، إذ لا دليل على إفادته له من إجماع أو رواية، و أداء عدم القبول فيها إلى سقوطها لا دلالة فيه على أحد الأمرين أصلا، و لا محذور في سقوطها مع عدم قبولها، بل هو مطلوب، لبناء حقوق الله تعالى على التخفيف اتفاقا نصا و فتوى، و لو سلم فإنما يؤدى إلى السقوط لو رد مطلقا، سواء كان في مجلس الشرع أو غيره، أما لو خص الرد بالأول كما هو رأي بعض في حقوق الآدميين فلا يؤدي إلى السقوط، لإمكان قبوله لو أدى في مجلس آخر من غير تبرع ثانيا و النبوي الأخير بعد الإغماض عن سنده غير دال على القبول هنا خاصة، بل هو عام لما سبق من حقوق الآدميين و لم يقل به- كما مضى- أحد، و تقييدها بالمقام

____________

(1) المشار إليه هو

قوله (صلى الله عليه و آله): «ثم يفشو الكذب.»

و

«تقوم الساعة على قوم.»

المتقدمان في ص 106.

(2) سنن البيهقي ج 10 ص 159 مع اختلاف يسير.

108

فرع وجود دليل عليه أو قرينة، و ليسا» إلى غير ذلك مما ذكره في هذا المبحث من غرائب الكلام، و منشأه دعوى ظهور إطلاق الأدلة في منع مطلق التهمة لقبول الشهادة، و الأردبيلي الذي هو الأصل في هذا الكلام قد اعترف في مسألة شهادة المختبئ أن المدار على ما ثبت من النص أو الإجماع من أفراد التهمة لا مطلقها، و من أنصف و تأمل رأى أن أكثر ما ذكره السيد في الرياض هنا ساقط لا يوافق فتاوى الأصحاب، بل و لا قواعد الباب، و التحقيق ما عرفت من القبول في المقام، لعدم الإجماع، بل مظنته في العكس، بل على احتمال كون مبنى المنع في التبرع عدم الاذن من صاحب الحق يتجه القبول هنا، لعدم مدع بالخصوص.

و بالجملة فالمسألة مفروغ منها، بل ما كان للمصنف التردد في ذلك.

و مما ذكرنا تعرف الوجه في الحق المشترك بين الله تعالى و بين الآدمي، و أنه القبول في حق الله تعالى و الرد في حق الآدمي، فيقطع بالسرقة بشهادة المتبرع و لا يغرم، اللهم إلا أن يقال: إن محل الإجماع الرد في حق الآدمي الخالص دون المشترك، فيبقى على عموم أدلة القبول خصوصا في الحق المشترك الذي لا يقبل التوزيع، هذا.

و لكن في كشف اللثام «و الظاهر الرد في الحق المشترك و القطع في السرقة دون الغرم، و يحتمل القبول في الطلاق و العتاق و الرضاع و الخلع و العفو عن القصاص و النسب، لغلبة حق الله تعالى فيها، و لذا لا تسقط بالتراضي، و في شراء الأب إذا ادعاه هو أو ابنه وجهان، من أن الفرض عتقه و حق الله فيه غالب، و من توقفه على العوض الذي لا يثبت، و يقوى الثبوت إذا ادعاه الابن، للاعتراف بالعوض، و الفرق بينه و بين الخلع أن العوض غير مقصود في الخلع بخلافه في الشراء، فيمكن ثبوت

109

الطلاق دون العوض، و يحتمل ثبوت العوض فيهما تبعا لحق الله تعالى شأنه» انتهى.

و لا يخفى عليك الوجه في جميع ذلك بعد الإحاطة بجميع ما ذكرناه، خصوصا بناء على أن المنع من التبرع لعدم الاذن ممن له الحق، فإن الأمر حينئذ سهل، ضرورة إمكان عود الشهادة بالإذن كعود اليمين مع الإذن، إذ لا بطلان للشهادة من رأس، بل هو كذلك أيضا على الوجه الآخر إذا لم نقل إن المانع التهمة العرفية، بل الإجماع المزبور المقتصر فيه على المورد المتيقن.

كما لا يخفى عليك إمكان المناقشة في بعض ما ذكره من أفراد الحق المشترك بأن الظاهر في بعضها كونه من حق الآدميين، و عدم السقوط بالتراضي لا ينافي ذلك من حيث حكم الإيقاع الذي لا يقبل الفسخ به مثلا أو غير ذلك، و لذا لو أقر أحدهما أو تصادقا عليه جرى عليه حكم الإقرار و التصادق، و الله العالم.

[المسألة الخامسة المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته لا تقبل]

المسألة الخامسة:

المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته و لو المردودة الوجه أنها لا تقبل حتى يستبان استمراره على الصلاح و إن لم يكن فيه تهمة التعبير برد الشهادة، بل لأن المفروض عدم توبة حقيقة، ضرورة كونها الندم على ما وقع من المعصية و العزم على عدم الوقوع في ما يأتي و أن ذلك امتثالا لأمر الله تعالى شأنه، إذ الظاهر كونها من العبادات المعتبر فيها النية و الإخلاص، بل عن التجريد اعتبار كون الترك لقبح الذنب فيها، بل عنه أيضا اعتبار كون ذلك عن الجميع لا البعض خاصة و إن

110

كان الأقوى خلافه في الأخير، و أما الأول فالظاهر أنه قريب مما ذكرنا، و إلا كان الأقوى خلافه أيضا.

و على كل حال فالتوبة لقبول الشهادة ليست توبة حقيقة، بل يمكن أن تكون هي فسقا آخر باعتبار منافاة ذلك للإخلاص المعتبر فيها، و لكن مع ذلك قال الشيخ و ابن سعيد في المحكي عن جامعه يجوز أن يقول الحاكم للفاسق تب أقبل شهادتك و في القواعد بعد أن حكاه عنه: «و ليس بجيد نعم لو عرف استمراره على الصلاح قبلت» و في كشف اللثام «أو أنه تاب حين تاب بإخلاص النية و تصميم العزم» و تبع بذلك الشهيد في الدروس، حيث إنه بعد أن حكى ذلك عن الشيخ قال: «و هذا يتم إذا علم منه التوبة بقرائن الأحوال».

و في المسالك بعد أن حكى المشهور قال: «و ذهب الشيخ في موضع من المبسوط إلى الاكتفاء بإظهار التوبة عقيب قول الحاكم له: تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل، و أجيب بمنع اعتبار توبته حينئذ، لأن التوبة المعتبرة هو أن يتوب عن القبيح لقبحه، و هنا ظاهرها أنها لا لقبحه بل لقبول الشهادة، و فيه نظر، لانه لا يلزم من قوله: تب أقبل شهادتك كون التوبة لأجل ذلك، بل غايته أن تكون التوبة علة في القبول أما أنه غاية لها فلا، و أيضا فالمأمور به التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة، فالمغياة بقبول شهادته ليست كذلك، نعم مرجع كلامه إلى أن مضى الزمان المتطاول ليس بشرط في ظهور التوبة، و الأمر كذلك إن فرض غلبة ظن الحاكم بصدقه في توبته في الحال و إلا فالمعتبر ذلك».

قلت: و مرجع ذلك إلى كون النزاع مع الشيخ لفظيا، و هو خلاف ما فهمه المصنف و غيره، و ظني أن الشيخ يجتزئ لأصل الصحة بمجرد

111

إظهار التوبة في تحققها المقتضي لإجراء الأحكام عليها التي منها قبول الشهادة، للنصوص المستفيضة (1) التي تقدم سابقا جملة منها في توبة القاذف الدالة على قبول شهادة الفاسق إذا تاب، بل لا خلاف فيه في الظاهر. و فيه أن التوبة لما كانت من الأمور القلبية- ضرورة كونها الندم و العزم و هما معا قلبيان و إخباره بحصولهما لا دليل على الاجتزاء به، بل ظاهر الأدلة خلافه- فليس حينئذ إلا تعرفهما بالآثار الدالة على ذلك، نحو غيرهما من الأمور الباطنة، و لا يجدى أصل الصحة في حصول التوبة، ضرورة كون مورده الفعل المحقق في الخارج المشكوك في صحته و فساده كالبيع و الصلاة و نحوهما لا الأفعال القلبية التي لم يعلم حصولها، كما هو واضح. و بذلك ظهر لك وجه البحث على أحسن وجه فتأمل.

و على كل حال فقد عرفت حقيقة الحال في التوبة، لكن ذكر غير واحد أن المعصية التي يتاب عنها إن لم يكن فيها حق لله و لا للعباد كالاستمتاع بما دون الوطء و كالوطء في الحيض و نحو ذلك فلا شيء عليه سوى الندم و العزم المزبورين على الوجه الذي عرفت.

و إن كان تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة و الخمس و الغصب و نحوها مما يتعلق بأموال الناس فيجب مع ذلك براءة الذمة منه بأن يؤدي الزكاة و يرد أموال الناس إن بقيت و يغرم بدلها إن لم تبق أو يستحل من المستحق فيبرؤه منها، و لو كان معسرا نوى الغرامة له إذا قدر.

و إن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي كما لو زنى أو شرب فان لم يظهر فيجوز أن يظهره و يقربه فيقام عليه الحد، و يجوز أن يستره و هو الأولى، فإن ظهر فقد فات الستر فيأتي الحاكم ليقيم عليه الحد إلا أن يكون ظهوره قبل قيام البينة عليه عند الحاكم، كما سيأتي من سقوط الحد بالتوبة قبل

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات.

112

قيام البينة مطلقا.

و إن كان حقا للعباد كالقصاص و القذف فيأتي المستحق و يمكنه من الاستيفاء، فان لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يخبره، و يقول:

أنا الذي قتلت أباك فلزمني القصاص، فإن شئت فاقتص و إن شئت فاعف.

و في القذف و الغيبة إن بلغه فالأمر كذلك، و إن لم يبلغه فوجهان من أنه حق آدمي فلا يزول إلا من جهته- و في المسالك و إليه ذهب الأكثر- و من استلزامه زيادة الأذى و وغر القلوب، و على الأول فلو تعذر الاستحلال منه بموته أو امتناعه فليكثر من الاستغفار و الأعمال الصالحة عسى أن تكون عوضا عما يأخذه يوم القيامة من حسناته إن لم يعوضه الله عنه، و لا اعتبار فيه بتحليل الوارث و إن ورث حد القذف، أما الحق المالي إذا مات مستحقه فإنه ينتقل إلى وراثه و يبرأ بدفعه إليهم و بابرائهم منه و هكذا، فينتقل من وارث إلى آخر، و متى دفع هو أو أحد من ورثته أو بعض المتبرعين إلى الوارث في بعض الطبقات برئ منه و إن بقي إلى يوم القيامة ففي مستحقه حينئذ أوجه.

قلت: الظاهر عدم اعتبار الخلوص من توابع الذنب في التوبة منه التي قد عرفت أنها الندم على وقوعه منه و العزم على عدم إيقاعه، و دعوى أن الندم على ذلك لا يتحقق إلا بالخلاص مما تبعه و منه واضحة الفساد، ضرورة كون ذلك واجبا آخر، نعم لو فرض كون التابع من أفراد الذنب الذي فرض التوبة عنه اتجه حينئذ ذلك، لعدم تحققها حينئذ بدونه، كما لو تاب عن ظلم الناس و الفرض وجود ما لهم عنده، فلا توبة في الحقيقة عن ذلك إلا مع الخروج عما في يده و إرجاعه إليهم بطريقه الشرعي، و إلا هو باق على الظلم، بخلاف ما لو تاب عن قتل الناس مثلا و إن قصر ببذل القصاص من نفسه، إذ هو ذنب آخر، و قلنا

113

بجواز التبعيض في التوبة، و يمكن تنزيل كلام من أطلق على ذلك.

بل قد يظهر من البهائي في أربعينه المفروغية من ذلك، فإنه بعد أن ذكر جملة من الكلام في التوبة و الخروج من توابع الذنوب نحو ما سمعته منهم قال: «و اعلم أن الإتيان بما تستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت و أداء الحقوق و التمكين من القصاص و الحد و نحو ذلك ليس شرطا في صحة التوبة، بل هذه واجبات برأسها، و التوبة صحيحة بدونها، و بها تصير أكمل و أتم».

و هو صريح في ما قلناه، و لا ينافي ذلك ما ورد في بعض النصوص المحمولة على إرادة التوبة من سائر الذنوب، نحو

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) في تفسير قوله تعالى (2) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»: «إن التوبة تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، و للفرائض الإعادة، و رد المظالم، و استحلال الخصوم و أن تعزم على أن لا تعود، و أن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، و أن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي».

و قوله (عليه السلام) أيضا (3) و قد سمع قائلا يقول: استغفر الله تعالى شأنه: «ثكلتك أمك أ تدري ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين، و هو اسم واقع على ستة معان: أولها: الندم على ما مضى، الثاني العزم على ترك العود إليه أبدا، الثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة، الرابع:

أن تعمد إلى فريضة ضيعتها فتؤدي حقها، الخامس: أن تعمد إلى اللحم

____________

(1) لم أعثر عليه عاجلا في كتب الأخبار و التفاسير.

(2) سورة التحريم: 66- الآية 8.

(3) الوسائل- الباب- 87- من أبواب جهاد النفس- الحديث 3 من كتاب الجهاد.

114

الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد، السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية».

إذ لا يخفى عليك كون المراد التوبة من سائر الذنوب، بل الظاهر إرادة الفرد الكامل منها، ضرورة أنه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس و الأبخرة المسودة لوجهها بل لا بد من صقلها و إزالة ما حصل بجرمها من السواد كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي و كدوراتها مجرد تركها و عدم العود إليها، بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فإنه كما يرتفع إلى القلب من كل معصية ظلمة و كدورة كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور و ضياء، بل الأولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة تضادها، بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة و يطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة، فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع القرآن و الأحاديث و المسائل الدينية، و هكذا كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها، و قد تكفل علماء الأخلاق ببيان أمثال هذه المقامات، و على كل حال فهذه أمور أخر غير التوبة عن نفس الذنب التي هي الندم على فعله، بل في التحرير عن بعضهم عدم اعتبار العزم على عدم العود إليها و إن كان الظاهر خلافه، لأن العزم المزبور لازم لذلك الندم غير منفك عنه.

ثم إن ظاهر الكلام المزبور الخروج عن الحق المالي بالإيصال إلى صاحبه و لو الوارث البعيد، بل و إن كان من متبرع على وجه لم يبق عليه شيء. و فيه أن الظلم بحبس المال عن صاحبه لا يرتفع بالإيصال إلى الوارث، و إنما يفيد الوصول إلى الوارث ارتفاع الظلم عنه بنفس المال، و أما حق الحبس فالظاهر تعلقه به، اللهم إلا أن يقال إن التوبة تكفر ذلك، و فيه

115

ما فيه، فإنها لا ترفع حقوق الناس، و إنما هي ترفع عقاب الذنب من حيث التوعد عليه من الله تعالى شأنه عقلا أو سمعا على خلاف لهم في ذلك، و أما حق الناس فلا بد من وصوله إلى مستحقيه و لا طريق لهذا الحق و أمثاله مما ليس لأحد العفو عنه إلا صاحبه إلا التوسل إلى الله تعالى شأنه بتحمل ذلك عنه و الإلحاح عليه في ذلك و التضرع و الابتهال و نحوهما، فلعل الله تعالى يعوضه يوم القيامة بما يرضيه عن مظلمته كما هو الرجاء به، و إلى ذلك أشير في الأدعية المأثورة عنهم (عليهم السلام).

و من ذلك يظهر أن المال الذي لم يوصله إلى وارثه إلى آخر الأبد تصح مطالبة الجميع به و إن كان الأخير منهم يطالب بعينه و غيره يطالب به من حيث حبسه، و قاعدة العدل تقتضي الانتصاف منه للجميع.

و لكن في صحيح عمر بن يزيد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات ثم صالح ورثته على شيء فالذي أخذ الورثة لهم، و ما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الآخرة، و إن هو لم يصالحهم على شيء حتى مات و لم يقض عنه فهو للميت يأخذه به»

ما ينافي ما ذكرنا، و قد عمل به غير واحد، و لكن المسألة قليلة الجدوى، فإن الأمر ذلك اليوم إلى من لا يشتبه عليه الحال، و ينتصف للجماء من القرناء، و له كتاب على عبيده لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلّا أَحْصاها، و من يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، و في المقام أبحاث كثيرة ذكر جملة منها علماء الكلام، و أخرى علماء الأخلاق.

و قد ذكرنا نحن ما يتعلق في الغيبة و أنه لا بد فيها من الاستحلال

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الصلح- الحديث 4.

116

أو يكفي فيها الاستغفار في كتاب المكاسب (1) و منه يستفاد الحكم في غيرها، و النصيحة التامة للعبد الإكثار من الحسنات التي يرجى معها إذهاب السيئات و لو بتعويض الله تعالى شأنه و إرضائهم، فإنه المالك للجميع، و الله العليم الرؤوف الرحيم.

[المسألة السادسة إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول فان كان متجددا بعد الحكم لم يقدح]

المسألة السادسة:

إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول فان كان متجددا بعد الحكم لم يقدح بلا خلاف فيه بيننا بل و لا إشكال، و إن كان حاصلا بعد الإقامة قبل الحكم فسيأتي البحث فيه إن شاء الله و إن كان حاصلا قبل الإقامة على وجه يقتضي وجوده حال الشهادة التي فرض كون الحكم بها و خفي عن الحاكم نقض هو بل و غيره من الحكام الحكم ضرورة بيان فساد ميزان القضاء حينئذ، نعم لو فرض الاختلاف في الاجتهاد لم ينقضه هو لو فرض تغير رأيه فضلا عن غيره، هذا و في المسالك «و طريق ثبوت فسقهما سابقا بحضور جارحين لهما بأمر سابق على الشهادة».

قلت- بعد تنزيل كلامه على إرادة استمراره إلى حين الشهادة التي قد حكم بها من السابق-: قد يشكل ذلك بمنافاته لمشروعية القضاء الذي هو الفصل المبني على الدوام و التأبيد و أنه لا تجوز الدعوى عنده و لا عند حاكم آخر، ضرورة أن البينة المزبورة لا تقتضي العلم بفساد ميزان الحكم، خصوصا مع إمكان معارضتها بأقوى منها حال القضاء أو بالجرح لها أو بغير ذلك، فلا ينقض الحكم المحمول شرعا على الوجه الصحيح المبني على

____________

(1) راجع ج 22 ص 72.

117

الدوام و التأبيد الموافق للحكمة المزبورة بالبينة المفروضة، خصوصا بعد سؤال الحاكم الجرح للخصم فعجز عنه ثم إنه تيسر له بعد ذلك شاهدان، بل لو فرض بقاء حق الجرح له بعد الحكم لم تبق فائدة للحكم، بل ليس الفصل فصلا.

نعم لو بان الجرح على وجه يعلم خطأ الحاكم فيه لغفلة و نحوها اتجه ذلك، و يمكن تنزيل كلام الأصحاب على ذلك، بل لعل حكمهم بعدم النقض بالتغيير بالاجتهاد مما يرشد إلى ذلك، ضرورة كون السبب فيه عدم معلومية الخطأ المشترك في المقامين، و قد تقدم في كتاب القضاء (1) ما له نفع في المقام، فلاحظ و تأمل، و يأتي إن شاء الله، و الله العالم.

[الوصف السادس طهارة المولد]

الوصف السادس: طهارة المولد، فلا تقبل شهادة ولد الزنا أصلا على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في محكي الانتصار و الخلاف و الغنية و السرائر، لا للحكم بكفره شرعا و إن وصف بالإسلام و صار من عدوله، لعدم الدليل على ذلك بحيث يخص به ما دل على إسلام المسلم و صيرورته عدلا بما ذكر في الأدلة الشرعية، كما بينا ذلك في كتاب الطهارة (2) بل للنصوص المعتبرة المستفيضة المروية في الكتب الأربعة و غيرها التي فيها الصحيح و غيره المنجبر بما عرفت و بتعاضد الأدلة.

ك

صحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا و لا عبد».

و خبر أبي بصير (4) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ولد

____________

(1) راجع ج 40 ص 113- 114.

(2) راجع ج 6 ص 68- 71.

(3) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

118

الزنا أ تجوز شهادته؟ فقال: لا، فقلت: إن الحكم بن عيينة يزعم أنها تجوز، فقال: اللهم لا تغفر ذنبه، ما قال الله للحكم وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» (1) و عن بصائر الدرجات روايته مسندا إلى أبان بن عثمان، و كذا عن الكشي في كتاب الرجال مع زيادة «فليذهب الحكم يمينا و شمالا، فو الله ما يؤخذ العلم إلا من أهل بيت ينزل عليهم جبرئيل».

و خبر محمد بن مسلم (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تجوز شهادة ولد الزنا».

و خبر زرارة (3): «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لو أن أربعة شهدوا عندنا بالزنا على رجل و فيهم ولد الزنا لحددتهم جميعا، لأنه لا تجوز شهادته، و لا يؤم الناس».

و في المروي عن تفسير العياشي عن الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) «ينبغي لولد الزنا أن لا تجوز له شهادة، و لا يؤم الناس، لم يحمله نوح في السفينة و قد حمل فيها الكلب و الخنزير».

و في المرسل (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن نوحا حمل الكلب في السفينة و لم يحمل ولد الزنا»

إلى غير ذلك من النصوص.

و من الغريب ما في المسالك من المناقشة في سند النصوص إلا صحيح الحلبي منها ثم قال: «و لكن دلالته لا تخلو من قصور» ثم حكى عن ابن إدريس التعليل بالكفر، و عن المرتضى الاستدلال بما

ورد «أن

____________

(1) سورة الزخرف: 43- الآية 44.

(2) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث- 4.

(4) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث- 9.

(5) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث- 10.

119

ولد الزنا لا ينجب»

و عن ابن الجنيد «أنه شر الثلاثة» (1) و غير ذلك مما تكون المناقشة فيه واضحة. ثم ذكر بعد ذلك ما يقتضي الميل إلى قبول شهادته، إذ فيه ما لا يخفى من أنه لا حاجة إلى صحة السند بعد الانجبار و الاعتضاد بما عرفت، مع أنه أطنب بعض الأفاضل في فساد مناقشته في السند، فان كثيرا منها معتبر.

و أغرب من ذلك كله أنه بعد أن حكى عن الشيخ في المبسوط نقله عن قوم القبول و أنه قال: «هو قوي لكن أخبار أصحابنا تدل على أنه لا تقبل شهادته» قال: «و مجرد معارضة أخبار أصحابه لا تقتضي الرجوع عما قواه، و يجوز العدول عن الأخبار لوجه يقتضيه، فقد وقع له كثيرا، و وجه العدول واضح، فان عموم الأدلة من الكتاب (2) و السنة (3) على قبول شهادة العدل ظاهرا يتناول ولد الزنا، و من ثم ذهب إليه أكثر من خالفنا».

قلت: و هو دليل فساده، لأن الله قد جعل الرشد في خلافهم، و قد سمعت ما ذكره الامام (عليه السلام) في الحكم، بل لعل هذه النصوص إشارة إليهم، فإن كثيرا منهم فاقد طيب الولادة كما أومأت إليه نصوص تحليل الخمس (4) و الذي أوقعهم في الوهم إعراضهم عن أهل بيت الوحي (صلوات الله عليهم) كما أنك قد سمعت عن الشيخ الإجماع على عدم قبول شهادته، بل لعل قوله هنا: «أخبار أصحابنا» مشعر بكون الحكم مفروغا منه عندهم و العمومات قد خصصها من خرجت

____________

(1) البحار- ج 5 ص 285.

(2) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(3) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأنفال من كتاب الخمس.

120

منهم، و ما كنا لنؤثر أن يقع من مثله التشكيك في هذا الحكم المعروف بين قدماء الإمامية و متأخريهم.

نعم قيل و القائل الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار و ابن حمزة في المحكي عنه تقبل شهادته في اليسير من المال مع تمسكه بالصلاح، و به رواية نادرة هي

رواية عيسى بن عبد الله (1) المشترك- كما قيل-: بين الثقة و غيره عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز إلا في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحا»

التي أجاب عنها في المختلف بالقول بالموجب، فان قبول شهادته باليسير يعطى المنع من قبول اليسير من حيث المفهوم، إذ لا يسير إلا و هو كثير بالنسبة إلى ما دونه، فإذا لا نقبل شهادته إلا في أقل الأشياء و ليس بكثير بالنسبة إلى ما دونه، إذ لا دون له و مثله لا يملك، و إن كان لا يخلو من مناقشة إلا أنه لا بأس به، خصوصا إذا كان غرض الامام (عليه السلام) التخلص بذلك عن التقية، فيكون رمزا منه إلى ما صرح به في غير هذا الخبر، فإن التقية توجب أعظم من ذلك.

بل في المروي عن قرب الاسناد عن علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) «سأله عن ولد الزنا هل تجوز شهادته؟ قال: نعم تجوز شهادته و لا يؤم، و ليس لك إلا لها»

لكن في الوسائل أنه رواه

علي بن جعفر في كتابه (3) عن أخيه (عليه السلام) «لا تجوز شهادته و لا يؤم»

و على كل حال فالمسألة مفروغ منها.

نعم ذلك لا يقتضي عدم إجراء حكم الإسلام بل و الايمان بل و العدالة عليه في غير مورد النص و الفتوى، بل قد يحتمل صحة الطلاق مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 31- من كتاب الشهادات- الحديث 8.

121

حضوره و حضور عدل و إن كان لا تقبل شهادته به، لكن قد يمنع باعتبار ظهور صحيح الحلبي و غيره في عدم جواز شهادته مطلقا و أنه ناقص عن مرتبة الشهادة في كل ما اعتبرها الشارع فيه، بخلاف غير موضوع الشهادة من رواية أو غيرها، فلا بأس، هذا كله في المعلوم حاله و لو شرعا أنه ابن زنا.

و أما لو جهلت حاله قبلت شهادته و إن نالته بعض الألسن بلا خلاف لا إشكال، لإطلاق الأدلة و عمومها، نعم في الرياض يحتمل العدم في صورة النسبة عملا بالإطلاق من باب المقدمة، و فيه أنه لا وجه لها مع أصل شرعي كالفراش و نحوه يقتضي خلافها، بل و لو لم يكن فراش على الأصح في نحوه مما جاء النهي فيه على طريق المانعية الظاهرة في اختصاص المعلوم دون المشكوك فيه الداخل في العمومات، هذا إن لم نقل بظهور أصل شرعي في الحكم بطهارة مولد كل من لم يعلم أنه ابن زنا، و الله العالم.

[الطرف الثاني في ما به يصير الشاهد شاهدا]

الطرف الثاني في ما به يصير الشاهد شاهدا و الضابط العلم إلا ما خرج مما تسمعه من الشهادة بالاستفاضة لقوله تعالى (1) «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» و قوله تعالى (2):

____________

(1) سورة الإسراء: 17- الآية 36.

(2) سورة الزخرف: 43- الآية 86.

122

«إِلّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ»

و ل قوله (صلى الله عليه و آله) (1) و قد سئل عن الشهادة:

«هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع»

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر علي بن غياث (2): «لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك»

و في خبر السكوني (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا تشهد بشهادة لا تذكرها، فإنه من شاء كتب كتابا و نقش خاتما»

و خبر الحسين بن سعيد (4) قال: «كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أنهم أشهدوني على ما فيه و في الكتاب اسمي بخطي قد عرفته و لست أذكر الشهادة و قد دعوني إليها فأشهد لهم على معرفتي أن اسمي في الكتاب و لست أذكر الشهادة أو لا تجب الشهادة علي حتى أذكرها كان اسمي في الكتاب أو لم يكن؟

فكتب (عليه السلام): لا تشهد»

و قد سمعت

قول الصادق (عليه السلام) (5): «العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة صريحا و ظاهرا على اعتبار العلم في الشهادة.

بل هو الظاهر من معناها عرفا أيضا، و لذا نفى الخلاف عن اعتبار ذلك فيها غير واحد، و المراد أنه بالعلم يكون متحملا للشهادة فيجب عليه إقامتها و يجري عليه جميع الأحكام، و هذا معنى قوله في الدروس:

«و الضابط في تحمل الشهادة العلم بالسماع أو الرؤية أو بهما، فيكفي الاستفاضة في تسعة: النسب و الملك المطلق و الوقف و النكاح و الموت و الولاية و الولاء و العتق و الرق، و المراد بها إخبار جماعة يتاخم قولهم العلم، و قيل:

يحصله، و قيل: يكفي شاهدان بناء على اعتبار الظن».

____________

(1) المستدرك- الباب- 15- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الشهادات- حديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الشهادات- حديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الشهادات- حديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشهادات- الحديث 9.

123

لكن في كشف اللثام «خلافا للشيخين و سلار و الصدوقين و ابني الجنيد و البراج كما سلف و عملوا ب

خبر عمر بن يزيد (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يشهدني على شهادة فأعرف خطي و خاتمي و لا أذكر من الباقي قليلا و لا كثيرا قال: فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة و معه رجل ثقة فاشهد له»

و استضعفه الشيخ في الاستبصار أولا ثم ذكر أنه إذا كان الشاهد الآخر يشهد و هو ثقة جاز له أن يشهد إذا غلب على ظنه صحة خطه لانضمام شهادته، و روى الصدوق هذه الرواية ثم قال:

«و روي (2) أنه لا تكون الشهادة إلا بعلم، من شاء كتب كتابا و نقش خاتما».

و في الدروس نسبته إلى الأكثر، قال: «و لا تجوز الإقامة إلا مع الذكر، و لا عبرة بالخط و إن أمن التزوير عند الحلبيين، و قال الأكثر:

إذا كان المدعي ثقة و شهد آخر ثقة أقامها، لرواية عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام)» بل عن المختلف نسبته إلى المشهور بين القدماء.

لكن مع ذلك كله لا يخفى عليك قصوره عن معارضة ما عرفت و إن كان صحيحا مرويا في الكتب الأربعة مع إمكان حمله على حصول العلم من ذلك بحقية المشهود عليه و إن لم يذكره تفصيلا، بل يمكن تنزيل كلام بعضهم على ذلك، على أنه لم نتحقق نسبته إلى الأكثر.

قال في الرياض: «يمكن التأمل في شهرة الصحيحة المزبورة بين القدماء كما هي، لدلالتها على اعتبار كون المدعي أيضا ثقة و لم يعتبره من الجماعة غير والد الصدوق (رحمهما الله) خاصة، فالعامل بها على هذا نادر، فطرحها أو تقييدها بصورة حصول العلم كما فعل في المختلف فيها و في أقوال العاملين بها أيضا متعين، فالمصير إلى ما عليه المتأخرون

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 43 الرقم 146.

124

متجه، سيما مع كونه أحوط، كما صرح به الشيخ في الاستبصار و القاضي».

قلت: مع أنه قد يقال: إن التعارض بين الصحيح المزبور و بين الأدلة السابقة تعارض العموم من وجه، لأنه و إن كان خاصا صريحا من وجه لكنه عام لصورتي حصول العلم بالمشهود به بشهادة الثقة و إخبار المدعي الثقة و عدمه، و الأدلة المتقدمة و إن كانت عامة لهذين الصورتين لكنها خاصة باشتراط العلم، و لعله لذا كان ظاهر ما سمعته من الدروس التردد بل و المصنف في النافع لتعارض الشهرتين إلا أنه لا ريب في ترجيح تلك الأدلة عليها لكثرتها، بل عن السرائر أنها أكثر من أن تحصى و أنها متواترة، و الإجماع على مضمونها، على أن الشهرة المتأخرة أرجح من الشهرة المتقدمة، بل قد عرفت قوة الظن بإرادة بيان جواز الشهادة مع العلم و إن لم يذكر التفصيل، لا أن المراد جواز الشهادة من دون علم و لا تذكر، فالأقوى حينئذ بقاء الضابط فيه على حاله.

نعم قد يستفاد من صحيحة معاوية بن وهب (1) و غيره جواز الشهادة بالاستصحاب،

قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الرجل يكون في داره ثم يغيب عنها ثلاثين سنة و يدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه و نحن لا ندري ما أحدث في داره و لا ما أحدث له من الولد، إلا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا و لا حدث له ولد و لا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان بن فلان مات و تركها ميراثا بين فلان و فلان، أو نشهد على هذا؟ قال: نعم، قلت: الرجل يكون له العبد و الأمة فيقول:

أبق غلامي و أبقت أمتي فيؤخذ في البلد، فيكلفه القاضي البينة أن هذا غلام فلان لم يبعه و لم يهبه أ فنشهد على هذا إذا كلفناه و نحن لم نعلم أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

125

أحدث شيئا؟ فقال (عليه السلام): كل ما غاب من يده المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به».

لكن في خبره الآخر (1) «قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثا و أنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: اشهد بما هو علمك»

قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس، فقال: احلف إنما هو على علمك، و يمكن أن يريد بعلمه الحاصل له من الاستصحاب بقرينة الخبر السابق كما أنه يمكن حمل الأول على إرادة حصول هذا العلم باعتبار خلطته و اطلاعه كما أومأ إليه الفاضل هنا في التحرير، و تقدم سابقا كلام المصنف و غيره في الشهادة بنفي الوارث و تفصيلهم بين البينة الكاملة و غيرها، و ذكرنا نحن بعض الكلام هناك، فلاحظ و تأمل.

لكن في التنقيح هنا «يكفي حصول العلم بالمشهود به حين التحمل و إن جوز حصول النقيض في ما بعد في كثير من الصور، كالشاهد بدين مع تجويز رده، و الشاهد بملك مع تجويز انتقاله، و الشاهد بزوجية امرأة مع تجويز طلاقها، بل يكفيه الاستصحاب» و في وسائل الحر «باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك و عدم المشارك في الإرث» ثم نقل الروايات المزبورة، و ربما توهم من هذا و نحوه أن العلم معتبر في الشهادة حال التحمل لا حال الأداء، و قد سمعت عبارة الدروس.

لكن لا يخفى عليك إجمال هذا الكلام، ضرورة أن من الواضح اعتبار الجزم و العلم في الشهادة كتابا (2) و سنة (3) كما عرفت، بل قد عرفت تعريفها بذلك، فلا يكون الشاهد شاهدا و هو غير عالم، و حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) راجع ص 121 و 122.

(3) راجع ص 121 و 122.

126

فالمراد بالشهادة بالاستصحاب إن كان بالمستصحب فهي شهادة بعلم لا بالاستصحاب، إذ لا ريب في أن من شهد اليوم بأن عمرا استقرض مثلا من زيد كذا عام أول، أو فلانة قد تزوجت فلانا، أو فلانا قد غصب من فلان كذا درهما فهو شاهد بما علم مثل الشمس و مثل كفه، و لا مدخلية للاستصحاب في ذلك، و ليست الشهادة به، و تجويز النقيض بل ظنه به لا ينافي الشهادة المزبورة، بل علمه كذلك.

و إن أريد الشهادة بالاستصحاب بمعنى الشهادة الآن بشغل ذمته و كونها زوجته و إن لم يكن عالما بذلك بل كان مستند ذلك علمه السابق فلا ريب في عدم صدق تعريف الشهادة عليه، بل هو شاهد بما لا يعلم، و خصوصا إذا قال: أشهد الآن بشغل ذمته الآن و لكن لا أدري وفاه أم لا، فإنه متناقض قطعا، و ليس بشهادة كذلك، فان الاستصحاب و إن قلنا بحجيته شرعا لكنه ليس حجة في جواز الشهادة به الظاهرة لغة و عرفا في الجزم بالمشهود به و كونه مثل الشمس، نعم هو يشهد بالمعلوم عنده كذلك، و الحاكم يجري حكم الاستصحاب مع فرض عدم المعارض، لا أنه حجة شرعا يسوغ له الكذب، فان ظاهر عبارة الشاهد بل صريحها كونه معلوما لديه حسا لا شرعا، و من هنا لم تجز الشهادة بشهادة العدلين إلا على طريق التحمل و كونها شهادة فرع لا أصل.

و حينئذ فلا بد من حمل الخبر المزبور على جواز الشهادة لحصول ضرب من العلم، أو لأن الاستصحاب كاف و لكن القضاة لا يكتفون إلا بالشهادة على الوجه المزبور، فسوغ له ذلك استنقاذا لمال المسلم أو على غير ذلك، كما أنه يجب إرادة ما يكون به الشاهد شاهدا من التحمل المزبور، لا أن المراد به الفرق بين الشهادة حال الأداء و حال التحمل، إذ هو واضح الفساد، لأن الشهادة حال واحد و معنى واحد كما هو واضح.

127

و أما ما روي من جواز الشهادة على إقرار المرأة إذا حضر من يعرفها فمبني على استثناء مسألة التعريف من الضابط المزبور، ففي

خبر ابن يقطين (1) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) «لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة و ليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها، فأما إذا كانت لا تعرف بعينها و لا يحضر من يعرفها فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها و على إقرارها دون أن تسفر و ينظرون إليها» و رواه الصدوق إلى قوله (عليه السلام): «من يعرفها» ثم زاد «و لا يجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر فينظر إليها».

و لكن في صحيح الصفار (2) قال: «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها محرم هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر و يسمع كلامها و إذا شهد رجلان عدلان أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك و هذا كلامها أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبرز و يثبتها بعينها؟ فوقع (عليه السلام): تتنقب و تظهر للشهادة»

و عن الصدوق أن هذا التوقيع عندي بخطه (عليه السلام) و هو محمول على التقية المستفادة من

قوله (عليه السلام) في الأول «و لا يجوز عندهم»

و ربما يأتي لذلك تتمة إن شاء الله في مسألة اجتزاء الأعمى بالتعريف.

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الاستبصار- ج 3 ص 19- الرقم 58 و الفقيه ج 3 ص 40- الرقم 132 عن أبي محمد الحسن بن علي (ع) و من الغريب أنه لم يرو في الوسائل في المشار إليه إلا خبر علي بن يقطين، و من المحتمل قويا أن يكون ذلك ساقطا عند الطبع، فان الشيخ الحر (قده) ذكر في الفهرس بعد عنوان الباب أن فيه ثلاثة أحاديث و قد جاء في الكتاب حديث واحد.

128

و كيف كان ففي المتن و غيره أن مستندها أي الشهادة إما المشاهدة أو السماع أو هما، فما يفتقر إلى المشاهدة الأفعال، لأن آلة السمع لا تدركها، كالغصب و السرقة و القتل و الرضاع و الولادة و الزنا و اللواط، فلا يصير شاهدا بشيء من ذلك إلا مع المشاهدة و من هنا يقبل فيه شهادة الأصم كما هو المشهور، لعدم مدخلية السمع فيه.

و لكن في رواية جميل (1) يؤخذ بأول قوله لا بثانيه و هي مع الطعن في سندها نادرة لم يعرف القول بها إلا من الشيخ في النهاية و تلميذه القاضي و ابن حمزة،

قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة الأصم بالقتل، فقال: يؤخذ بأول قوله، و لا يؤخذ بالثاني»

بل عن بعضهم الجواب عنها بالقول بالموجب، فان قوله الثاني إن كان منافيا للأول رد رأسا، لأنه رجوع عما شهد به أولا فلا يقبل، و إن لم يكن منافيا لم يكن ثانيا، بل شهادة أخرى مستأنفة، و إن كان فيه ما فيه، بل قد يقال إن اختلاف قوليه مناف للضبط و العدالة المعتبرين في الشاهد، اللهم إلا أن يفرض افتراق زماني القولين طويلا بحيث لا ينافي الضبط المعتبر في الشهادة، و كيف كان فالأمر سهل.

إنما الكلام في اشتراط العلم بالمشاهدة الظاهرة بالابصار، فلو علم حينئذ شيء من ذلك بالتواتر أو بالخبر المحفوف بالقرائن أو بغير ذلك من طرق العلم لم تجز له الشهادة، مع أنك قد عرفت أن الضابط العلم الذي لا ينحصر طريقه بذلك مع عموم أدلة القبول، و من هنا توقف فيه الأردبيلي و الخراساني، و في كشف اللثام «و لعله يمكن استناد الشهادة فيها إلى التواتر، فإنه يفيد العلم كالمشاهدة، و يجوز أن يكون مراد

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

129

بجواز العلم بهذه الأمور بالسماع من الجماعة الكثيرة بقرائن أو غيرها بحيث تيقن و لم تبق عنده شبهة أصلا كسائر المتواترات و المحفوفات بالقرائن فلا مانع من الشهادة حينئذ لحصول العلم قال: «و نحوه صاحب الكفاية و هو في محله، إلا أن ظاهر كلمة الأصحاب الإطباق على الحكم المزبور، فان تم حجة و إلا فالرجوع إلى العموم أولى، إلا أن يمنع بتخيل أن ما دل عليه متضمن للفظ الشهادة، و هي لغة الحظور، و هو بالنسبة إلى العالم الغير المستند علمه إلى الحس من مثل البصر و غيره مفقود. إذ قد يقال له عرفا و لغة: إنه غير حاضر للمشهود، و اشتراط العلم المطلق في ما مر من الفتوى و النص غير مستلزم لكفاية مطلقه بعد احتمال أن يكون المقصود من اشتراطه التنبيه على عدم كفاية الحظور الذي لم يفد غير الظن، بل لا بد من إفادته العلم القطعي، و محصله حينئذ أنه لا بد مع الحظور من العلم لا أن مطلقه يكفي، هذا و ربما كان في النبوي و نحوه اشعار باعتبار الرؤية و نحوها مما يستند إلى الحس الظاهري مع أن القطع المستند إلى الحس الباطني ربما يختلف شدة و ضعفا، و لذا يختلف كثيرا، فلعل الشاهد المستند علمه إليه يظهر عليه خلاف ما شهد به، فكيف يطمئن بشهادته، و هذا الخيال و إن اقتضى عدم الاكتفاء بالعلم المستند إلى التسامع و الاستفاضة في ما سيأتي إلا أن الإجماع كاف في الاكتفاء به فيه، مضافا إلى قضاء الضرورة و مسيس الحاجة إليه اللذين استدلوا بهما للاكتفاء به فيه، و هذا أوضح شاهد على أن الأصل في الشهادة عندهم القطع المستند إلى الحس الظاهري اعتبارا منهم فيها للمعنى اللغوي مهما أمكنهم، و هذا الوجه من الخيال و إن كان ربما لا يخلو عن نظر إلا أن غاية الإشكال الناشي منه و من الفتاوى و العمومات الرجوع إلى حكم الأصل و مقتضاه، و لا ريب أنه عدم القبول، فإذا الأجود ما قالوه لكن مع تأمل».

130

و هو من غرائب الكلام، ضرورة اقتضائه عدم صحة الشهادة لنا الآن لأمير المؤمنين (عليه السلام) بنصب النبي (صلى الله عليه و آله) له إماما يوم غدير خم، لأنه واصل إلينا بطريق التواتر و لم نكن حاضرين وقت النصب، و لا على أبي بكر و عمر بغصب فدك من الزهراء البتول (سلام الله عليها) بل و لا غير ذلك مما وصل إلينا بالتواتر أو بالأخبار المحفوفة بالقرائن، بل و ليست شهادتنا أن لا إله إلا الله تعالى شأنه و أن محمدا (ص) عبده و رسوله شهادة حقيقة، لعدم الحضور فيها.

و بالجملة لا ريب في سقوط الكلام المزبور خصوصا مع ملاحظة ما ورد (1) من صحة شهادة الأعمى إذا أثبت زيادة على ما عرفت من كون المدار على العلم، بل لعل الأصحاب لا يخالفون في ذلك، و إنما غرضهم في الكلام المزبور استثناء ما يثبت بالسماع و إن لم يصل إلى حد العلم في الأمور السبعة أو الأزيد كما تعرف، لا اعتبار كون الشهادة بطريق البصر بحيث لا يجوز غيره و إن حصل العلم القطعي حتى بالتواتر و نحوه مما ينتهي إلى المشاهدة أيضا بالواسطة، و قد عرفت سابقا أن الشهادة عرفا هي الاخبار الجازم على الوجه المزبور من غير مدخلية للحضور فيها، كما أنك عرفت في الأصول استفادة العلم الضروري من المتواتر الذي هو كعلم المشاهدة، بل من المعلوم أيضا عدم اختصاص الشهادة عندهم بالرؤية و السماع اللذين ذكروهما، ضرورة صدقها على المعلوم بغيرهما من الحواس الخمس كالذوق في المذوقات و الشم في المشمومات و اللمس في الملموسات.

و من الغريب قوله: «و هذا أوضح» إلى آخره، ضرورة أن من اعتبر العلم بالاستفاضة لم يخرجه عن الضابط المزبور حتى يحتاج إلى إجماع أو غيره، نعم من اكتفى فيها بمطلق الظن أو الظن المتآخم للعلم أخرجها

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من كتاب الشهادات.

131

عن الضابط المزبور، للأدلة التي ذكروها، كما أن من المعلوم عندهم خروج الشهادة عن المعنى اللغوي الذي هو بمعنى الحضور، إذ قد عرفت تعريفهم لها بالاخبار الجازم، بل الظاهر عدم اعتبار كون العلم بالحواس الخمس فيها، ضرورة صدق العلم المعتبر فيها مع الحاصل منها و من غيرها فالتحقيق حينئذ كونه هو الضابط فيها.

نعم قد يشتبه على بعض المتسرعين معرفته، فيتخيل الظن الغالب علما، كما أنه قد يقطع مما لا يفيد القطع، و هذا الذي أشار إليه أنه غالبا يتخلف، خصوصا إذا انضم إليه بعض الأغراض النفسانية بخلاف العلم الحاصل بالأمور المفيدة له عرفا عند المستقيمين الخالين عن الأغراض الذين لهم قابلية النقد و التمييز بين المراتب، فإنه لا يتخلف غالبا، و اتفاق تخلصه غير قادح، كما أنه قد يتخلف العلم بالحس لاشتباه و نحوه، و الله العالم.

و أما ما يكفي فيه السماع ف في المتن هنا النسب و الموت و الملك المطلق، لتعذر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب، و يتحقق كل واحد من هذه بتوالي الأخبار من جماعة لا يضمهم قيد المواعدة أو يستفيض ذلك حتى يتاخم بحد العلم، و في هذا عندي تردد ثم ذكر بعد ذلك النكاح و الوقف، و نحوه غيره.

لكن فيه أن المراد بالسماع هنا التسامع المسمى بالشياع تارة و بالاستفاضة أخرى، و هو غير الذي جعله قسيما للمشاهدة بقوله: «و مستندها إما المشاهدة أو السماع أو هما» ضرورة كون المراد به ما يعلم بالسمع الذي تجوز فيه شهادة الأعمى كما هو ظاهره في القسم الثالث، فلا إشكال في سماجة العبارة و ما شابهها، و أسمجها عبارة الدروس المزبورة، نعم أحسنها عبارة الإرشاد، حيث قال في ذكر شرائط الشاهد «العلم، و هو شرط في جميع ما يشهد به إلا النسب و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف

132

و العتق و الولاء، فقد اكتفى في ذلك بالاستفاضة بأن يتوالى الأخبار من جماعة من غير مواعدة، أو يشتهر حتى يقارب العلم» إلى آخره، و الأمر سهل.

إنما الكلام في أصل المسألة، و هو الاكتفاء بالتسامع، و ظاهرهم الإنفاق عليه في الجملة و إن حكي عن الإسكافي الاقتصار فيه على النسب خاصة، و عن الإصباح ثلاثة: النسب و الموت و الملك المطلق، و النافع و التبصرة أربعة بحذف الموت و زيادة النكاح و الوقف، و في القواعد و محكي المبسوط و الوسيلة و جامع المقاصد و الاقتصاد و التلخيص سبعة، بزيادة العتق و ولاية القاضي على ما في المتن، و عن الوسيلة و جامع المقاصد «الولاء» بدل «الولاية» و في التحرير ثمانية بزيادة الولاء و عن غيره زيادة تاسع، و هو الرق، و في شرح الصيمري عشرة بزيادة العدالة، بل قال:

«هذا هو المحقق من فتاوى الأصحاب» بل قيل بزيادة سبعة عشر إليها، و هي العزل و الرضاع و تضرر الزوجة و التعديل و الجرح و الإسلام و الكفر و الرشد و السفه و الحمل و الولادة و الوصاية و الحرية و اللوث و الغصب و الدين و الإعسار و لم نعثر في شيء من النصوص الواصلة إلينا على ما يستفاد منه حكم ذلك إلا

مرسل يونس (1) «خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ بها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و الشهادات و الأنساب»

و الخبر المشتمل على قضية إسماعيل و إعطائه الدراهم لشارب الخمر (2) و قد ذكرناهما في كتاب القضاء (3) و ذكرنا الكلام فيهما، و قد اشتمل الأول منهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الوديعة- الحديث 1.

(3) راجع ج 40 ص 55- 56.

133

على غير ما ذكره الأصحاب. و كيف كان فقد اتفق الجميع على ثبوت النسب به.

نعم في المسالك و بعض أتباعه التشكيك في ثبوته بالنسبة إلى الأم و الجدات، لإمكان رؤية الولادة، و فيه أن ذلك و إن كان ممكنا إلا أنه لا يطلع عليه غالبا إلا النساء بالأقاويل منهن، و لذا اكتفى بشهادتهن، فهو في الحقيقة مما لا يمكن رؤيته في العادة، على أنه بالنسبة إلى الجدات العاليات غير ممكن، لأن شهادة الفرع في الثالثة غير مسموعة، و التواتر بحيث يرجع إلى محسوس في الطبقة الأولى متعذر أو متعسر، و من هنا أطلق الأصحاب النسب من غير فرق بين الأب و الأم.

هذا و لكن في المسالك «و صفة التسامع في ذلك أن يسمع الشاهد الناس ينسبون المشهود بنسبه إلى ذلك الرجل أو القبيلة، و لا يعتبر التكرار و لا امتداد مدة السماع و إن كان الحكم به آكد، بل لو حضر جماعة لا يرتاب في صدقهم فأخبروه دفعة واحدة على وجه أفاد الفرض جاز له الشهادة، و يعتبر مع انتساب الشخص و نسبة الناس أن لا يعارضهم ما يورث التهمة و الريبة، فلو كان المنسوب إليه حيا فأنكر لم تجز الشهادة، و لو كان مجنونا جازت كما لو كان ميتا، و فيه وجه بالمنع، لاحتمال أن يفيق فينكر، و هل يقدح في ذلك طعن من يطعن في النسب؟

وجهان أظهرهما مراعاة الشرط، و هو الظن المتآخم أو العلم».

قلت: بناء على أن الشياع من الطرق الشرعية لإثبات ما يثبت به لا يجدى معه إنكار المنكر و لا طعن الطاعن، بل ليس ذكر الأصحاب له هنا و في كتاب القضاء إلا لإرادة القضاء به مع تحققه على المنكر كالبينة، و ستسمع كثيرا من كلامهم المتضمن للإثبات به على من ينكر مضمونه، و لو لا ذلك لأمكن القول بكونه طريقا لإجراء الأحكام عليه في يد الناس،

134

بمعنى الاذن للناس في إجراء أحكام الواقع على المشاع، فيعامل ولد زيد المشاع معاملة غيره، و كذا الموت و غيرهما مما جرت السيرة و الطريقة على استعماله بالشياع المزبور غير ملتفتين إلى كونه موافقا للواقع و عدمه، لا أنه طريق للقضاء و التخاصم على وجه بحيث لو أنكر المنسوب إليه مثلا الولد يحكم عليه بالشياع، و كذا لو أنكر أحد الورثة موت المورث يحكم عليه بالشياع إلا أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على أنه في ما يثبت به طريق للحاكم أيضا كالبينة و غيرها من الموازين الشرعية بل يمكن أيضا استفادته من المرسل المزبور (1) و حينئذ فإذا ثبت الشياع في ما يثبت به و لو ببينة عادلة أنفذ الحاكم الحكم على مقتضاه.

نعم قد يقال إن الشياع المسمى بالتسامع مرة و بالاستفاضة أخرى معنى وحداني و إن تعددت أفراده بالنسبة إلى حصول العلم بمقتضاه و الظن المتآخم له و مطلق الظن إلا أن الكل شياع و تسامع و استفاضة، فمع فرض قيام الدليل على حجيته من سيرة أو إجماع أو ظاهر المرسل (2) أو خبر إسماعيل (3) أو غير ذلك لم يختلف الحال في أفراده المزبورة التي من المقطوع عدم مدخليتها فيه، بل هي في الحقيقة ليست من افراده، و إنما هي أحوال تقارن بعض أفراده كما نجده بالوجدان بملاحظة أفراده.

و لكن على كل حال فإثبات حجيته و القضاء به و إجراء الأحكام عليه لا يقتضي جواز الشهادة بمضمونه و إن لم يقارنه العلم، لما عرفته من اعتبار العلم في الشهادة و كونه كالشمس و الكف، نعم يشهد الشاهد بوجوده و الحاكم ينفذ الحكم على مقتضاه إلا في صورة إفادته العلم، فللشاهد أن يشهد بمقتضاه حينئذ بناء على الاكتفاء به فيها من أي طريق يحصل

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 1 من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 1 من كتاب القضاء.

(3) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الوديعة- الحديث 1.

135

و لذا لم تجز الشهادة بمقتضى الاستصحاب من الملك الآن أو مقتضى البينة الشرعية بناء على عموم حجيتها.

و بذلك كله يظهر لك سقوط البحث في أنه هل يعتبر فيه الظن المتآخم أو العلم و أن في ذلك قولين، بل في الرياض جعل الأقوال ثلاثة بزيادة مطلق الظن و نسبة كل قول إلى قائل و ذكر الأدلة لذلك، إذ قد عرفت أن هذه الأحوال لا مدخلية لها في حجية الشياع.

كما أنه ظهر لك منه أن الشياع و التسامع و الاستفاضة على أحوال ثلاثة: أحدها استعمال الشائع المستفيض و إجراء الأحكام عليه، و الثاني القضاء به، و الثالث الشهادة بمقتضاه، أما الأول فالسيرة و الطريقة المعلومة على أزيد مما ذكره الأصحاب فيه، فان الناس لا زالت تأخذ الفتوى بشياع الاجتهاد، و تصلى بشياع العدالة، و تجتنب بشياع الفسق، و غير ذلك مما هو في أيدي الناس، و أما القضاء به و إن لم يفد العلم فالأولى الاقتصار فيه على السبعة بل الخمسة بل الثلاثة بل النسب خاصة، لأنه هو المتفق عليه بين الأصحاب، و أما الشهادة به فلا تجوز بحال إلا في صورة مقارنته للعلم بناء على الاكتفاء به في الشهادة مطلقا.

و ظني أن من يقف على كلامنا هذا يستبشعه و يستنكره، لخلو كلام الأصحاب عن تحريره على الوجه المزبور، و إنما فيها الاطناب بذكر المناسبات التي لا تصلح دليلا شرعيا، و إنما هي أشبه شيء بالعلل النحوية التي تذكر بعد السماع، بل جملة منها حقيقة بأن لا تسطر لما فيها من تشويش الذهن، و منعه عن الوصول إلى الحق، خصوصا الأذهان المعتادة على التقليد و إثبات عصمة لغير المعصوم و نسأل الله تعالى التأييد و التسديد.

و لعله لما عرفت قال الشيخ: لو شهد عدلان فصاعدا صار السامع متحملا و شاهد أصل، لا شاهدا على شهادتهما، لأن

136

ثمرة الاستفاضة الظن المنافي للشهادة العرفية، و مع ذلك جازت الشهادة به، و ليس إلا لكونه معتبرا شرعا في إثبات المظنون بها، إذ لا دليل بالخصوص على جواز الشهادة بها إلا دليل ثبوت هذه الأمور بها إن كان و هو بعينه حاصل بهما ضرورة كونه ظنا معتبرا شرعا في إثبات المشهود به، فإذا كان ذلك كافيا في جواز الشهادة به اتجه جوازها به من غير فرق بين الاستفاضة و الشهادة.

و هو ضعيف لا لأن الظن يحصل الواحد الفاسق، لما عرفت أن ذلك ليس مبنى كلامه، بل ضعفه لما عرفت من منع جواز الشهادة بالأصل الذي هو الاستفاضة فضلا عن الفرع، إذ الإثبات بذلك شيء و الشهادة بمقتضاه شيء آخر، و كون ذلك علما شرعيا لا يقتضي تحقق مسماها المعتبر فيه العلم العرفي لا ما جعله الشارع بحكم العلم بالنسبة إلى إجراء الأحكام كما هو واضح، و منه يظهر لك النظر في جملة من الكلام هنا.

[فرع]

فرع لو سمعه يقول الكبير: هذا ابني مثلا و هو ساكت أو قال: هذا أبي و هو ساكت قال الشيخ في المبسوط: صار متحملا، لأن سكوته في معرض ذلك رضا بقوله عرفا، و هو جيد إن انضم إلى ذلك قرائن أفادت العلم بالحال، أنما السكوت من حيث إنه سكوت ف- بعيد كونه دالا على الرضا عرفا، بل ممنوع لاحتماله غير الرضا قطعا احتمالا مساويا لاحتمال الرضا، و ليس في الأدلة الشرعية ما يقتضي

137

الحكم برضاه، نحو ما ورد (1) في سكوت البكر، مع أن الأقوى في ذلك اعتماد القرائن أيضا.

[تفريع على القول بالشهادة بالاستفاضة]

تفريع على القول بالشهادة بالاستفاضة و إن لم تفد العلم.

[الأول الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب]

الأول: الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب مثل البيع و الهبة و الاستغنام، لأن ذلك لا يثبت بالاستفاضة التي هي طريق لإثبات أمور مخصوصة فلا يعزي الشاهد الملك إليه مع فرض إثباته بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة و إلا كان كاذبا في النسبة المزبورة التي لا طريق له شرعي و لا عرفي إلى تحققها كي يشهد بها.

أما لو عزاه إلى الميراث مثلا صح، لأنه يكون عن الموت الذي يثبت بالاستفاضة بلا خلاف و إن احتمل عدم ثبوته بها، لإمكان المشاهدة فيه، لكن لا يخفى عليك تعسره غالبا، و لكن لو عزاه في الأول و كان على وجه لم يخرج به عن العدالة ففي قبول شهادته بالملك دونه وجه قوي، و ذلك لأن الفرق حينئذ بينه و بين الثاني بالنسبة إلى ذلك تكلف، لأن الملك إذا فرض صحة ثبوته بالاستفاضة (2) لم تقدح الضميمة إليه بكونه عن بيع مع حصول ما يقتضي جواز الشهادة خصوصا بعد ما تقدم من جواز التبعيض في الشهادة، بل ينبغي الجزم بذلك إذا فرض كون الشهادة بالملك و أنه عن شراء مثلا، أما إذا كانت بلفظ الشراء فقد يشكل ثبوت الملك بها لصدق كونها شهادة واحدة، و لأن عدم ثبوت الفصل يقتضي عدم ثبوت الجنس الذي في ضمنه، و الفرض عدم استفاضته إلا به، اللهم إلا أن يقال: إن ذلك من قبيل إثبات السرقة بالنسبة إلى المال دون القطع، و مرجعه إلى إجراء

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب عقد النكاح من كتاب النكاح.

(2) و في الشرائع «لأن الملك إذا ثبت بالاستفاضة.

138

الأحكام صرفا لا إثبات موضوع فتأمل جيدا.

و على كل حال ففي المسالك «تظهر الفائدة في ما لو كان هناك مدع آخر و له شهود بالملك و سببه من غير استفاضة، فإن بينته تترجح على بينة هذا الذي لم تسمع إلا في المطلق المجرد عن السبب، و في القسم الأول- أي الذي يثبت فيه السبب بها- يتكافئان، و لو كانت بينة الآخر شاهدة له بالملك المطلق رجحت بينة ذي السبب الذي يثبت بالاستفاضة عليه و كافأت بينة الآخر الذي لم يثبت سببها بالاستفاضة».

و هو جيد لكنه مبني على مساواة بينة الاستفاضة لغيرها، و قد يناقش فيه بما تعرفه من عدم معارضتها لليد فضلا عن بينة الملك، و بأنه مع فرض كون المستفاد منها ظنا و لو المتآخم للعلم لا تعارض الجازمة، و الله العالم.

[الثاني إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة لا يفتقر إلى مشاهدة اليد و التصرف]

الثاني: إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة هل يفتقر سماعها إلى مشاهدة الشاهد بها اليد و التصرف بالبناء و الهدم مثلا ممن استفاض له الملك لإمكان الاطلاع على ذلك فيضم إليها و يقوم مقام ذكر السبب أو يفتقر الشاهد بالملك بها إلى مشاهدة اليد و التصرف لضعف دلالتها عليه بدونهما بخلاف ما إذا اجتمعت الثلاثة فإنه أقصى الممكن؟

و على كل حال ف الوجه أنه لا يشترط، لإطلاق ما دل على قبول شهادة العدل، و اليد و التصرف ليسا من الأسباب، فلو فرض اشتراط الاطلاع على السبب لم يقوما مقامه، كما أن الملك المستفاد منها بناء على أنها طريق من طرقه لا يفتقر الشهادة به بعد إلى شيء آخر زائد عليها نحو الملك المستفاد من كل واحد منهما.

و أما لو كان لواحد يد و للآخر سماع مستفيض احتمل

139

ترجيح السماع لأنه يفيد الملك الحالي، و قد تقدم في القضاء (1) أن البينة بالملك مقدمة على اليد، لأن اليد تحتمل غير الملك من العارية و الإجارة بل و الغصب بخلاف الملك ف انه صريح في معناه.

و لكن الوجه عند المصنف ترجيح اليد، لأن السماع قد يحتمل إضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره، فلا تزال اليد بالمحتمل.

و فيه أنه إنما يتم كما في المسالك «إذا كان محصله أن الدار لفلان مثلا، فان اللام تحتمل الملك و الاختصاص الذي هو أعم منه، أما إذا كان محصله أن الدار ملك فلان لم يتم، لأنه صريح في المقصود بخلاف اليد، ثم قال: و لا بد من فرض المسألة على الوجه الأول ليتم التعليل، و يناسب الحكم المتقدم من ترجيح الملك على اليد و إن كان إطلاق البينة المستند إلى الاستفاضة أعم من ذلك».

قلت: صريح كلامه الأول الشهادة بالملك، و حينئذ يكون ما ذكره من الاحتمال على تقديره بمعنى أنه و إن اشتهر الملك لكن يمكن كون الواقع الاختصاص و شاع الملك، أو أن المراد بالملك الشائع الاختصاص و إن كان هو كما ترى، ضرورة ضعف الاحتمال المزبور بالنسبة إلى احتمال اليد، نعم لو فرض كون الشياع على وجه النسبة و الإضافة أمكن دعوى قوة الاحتمال فيه بالنسبة إلى احتمال اليد، بل قد يتوقف في أصل حجيته فضلا عن معارضة اليد، لأنه إنما يثبت الملك، و الفرض عدم شيوعه بل شيوع شيء ظاهر فيه، و هو غير شيوعه، و لم يثبت حجية الشياع في ما يظهر منه الملك، بل هو أشبه شيء بالشيوع الإطلاقي في إثبات النسب كما يقال سيد فلان و لم يشع فلان سيد، و فلان الخزاعي دون فلان من خزاعة.

____________

(1) راجع ج 40 ص 444.

140

[مسائل ثلاث]

مسائل ثلاث:

[المسألة الأولى لا ريب في أن التصرف بالبناء و الهدم و الإجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق]

الأولى لا ريب بل لا خلاف كما في الكفاية في أن التصرف بالبناء و الهدم و الإجارة و نحو ذلك بعنوان الملك بغير منازع ينازعه في ذلك يشهد له بالملك المطلق إذا كان مع ذلك استفاضة أيضا، بل في المسالك و عن الشيخ الإجماع عليه، بل المشهور ذلك و إن لم يكن معه استفاضة، بل لعل ظاهر نفي الريب فيه في المتن مع ذكره الإشكال في اليد دونه كونه مجمعا عليه، بل عن الخلاف التصريح به، بل عن المبسوط نسبته إلى روايات الأصحاب مشعرا به أيضا و إن كنا لم نعثر منها إلا على

خبر حفص بن غياث (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل أ يجوز لي أن اشهد أنه له؟

قال: نعم، قال الرجل: إنه في يده و لا أشهد أنه له فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فيحل الشراء منه؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): فلعله لغيره من أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد ذلك الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟! ثم قال الصادق (عليه السلام): لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق».

بل ظاهره الاكتفاء باليد فضلا عن التصرف المزبور الذي هو المشهور أيضا على ما قيل، بل قيل: لا خلاف فيه محقق و إن استشكل فيه المصنف في ما تسمع و لم يستشكل في التصرف، و هو و إن كان ضعيف

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 2 من كتاب القضاء.

141

السند إلا أنه منجبر بما عرفت، بل في المسالك «أنه موافق للقوانين الشرعية و لكن لم نعثر على غيره من النصوص».

نعم في الرياض «قريب منه

الصحيح المروي في الوسائل عن علي ابن إبراهيم في تفسيره في حديث فدك (1) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر: تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين، قال: لا، قال: فان كان يد المسلمين على شيء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البينة؟ قال: إياك أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و بعده و لم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوه علي كما سألتني البينة على ما ادعيته عليهم»

الخبر.

و لو لا أن لليد أثرا في إفادة الملك لما كان لذكره وجه، فتدبر. و قريب منها النصوص الكثيرة الواردة في تعارض البينات (2) الدالة على ترجيح بينة ذي اليد أو الخارج إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في دلالة اليد على الملكية».

و فيه ما لا يخفى من كون محل البحث الشهادة على ما يقتضيه ظاهر اليد و هو الملك، لا اقتضاء نفس اليد الملك، فان ذلك لا إشكال فيه و لا بحث، ضرورة عدم التلازم بين كونها طريقا شرعيا ظاهريا للحكم بالملك و بين الشهادة على الملك التي قد عرفت اعتبار العلم فيها لغة و عرفا، و إجراء حكم الملك المعلوم للأمارة الشرعية لا يقتضي العلم بكونه ملكا و إلا لاقتضى الاستصحاب و شهادة العدلين و غيرهما ذلك أيضا، و هو معلوم البطلان.

و في المسالك «و اعتبر في التصرف التكرر، لجواز صدور غيره من

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 2 من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

142

غير المالك كثيرا، و كذلك عدم المنازع، إذ لو وجد لم يحصل الظن الغالب بملك المتصرف».

و لا حد للمدة التي يتصرف فيها و يضع يده على الملك، بل ضابطها ما أفادت الأمر المطلوب من الاستفاضة، بل عن الخلاف التصريح بعدم الفرق بين الطويلة و القصيرة، و عن المبسوط جعل القصيرة نحو الشهر و الشهرين غير كاف، و نقل قولين في الطويلة كالسنة فقيل: يجوز، و قيل: لا تجوز الشهادة بالملك، لوقوع ذلك من غير المالك كالوكيل و المستأجر و الغاصب، فإنهم أصحاب يد و تصرف و خصوصا الإجارة، لأنها و إن تكررت فقد تصدر من المستأجر مدة طويلة، و من الموصى له بالمنفعة، و كذا الرهن قد يصدر من المستعير متكررا، و اقتصر على نقل القولين و لم يرجح أحدهما، و في كشف اللثام «و قطع في التبصرة بالعدم (1) بناء على أن مثل ذلك يتفق كثيرا في الزمان القصير من غير المالك» و في التحرير احتمال الفرق بين الإجارة المتكررة و بين التصرف بالبناء و الهدم و البيع و الرهن.

إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تخلو من تشويش، ضرورة أنه إذا كان المدار على التصرف الذي يجوز الشراء منه معه و الحلف عليه بعد الشراء منه لو وقعت فيه مخاصمة كما هو ظاهر الخبر المزبور، فاليد فضلا عن التصرف المزبور كاف في ذلك، حتى لو ظن عدم الملكية له، و إن كان المراد من ذلك حصول العلم بالملك من ذلك أو مرتبة

____________

(1) و في كشف اللثام المطبوع «و قطع في القصيرة بالعدم» تتمة لما ذكره الشيخ (قده) في المبسوط حيث نقل عنه و قال: «و فرق في المبسوط بين المدة الطويلة و القصيرة، فحكى في الطويلة قولين: جواز الشهادة و عدمه و لم يرجح، و قطع في القصيرة بالعدم.».

143

خاصة من الظن كما يظهر مما سمعته من المسالك فلا حاجة إلى هذه الكلمات، بل يكون ذلك هو الضابط، و أفراده مختلفة، و من ذلك يظهر لك عدم صحة الإجماع المزبور، بل لعله لذا توقف في الحكم المزبور جماعة، بل عرفت أنه ظاهر الشيخ أيضا، حيث اقتصر على نقل القولين من غير ترجيح، بل في النافع الأولى الشهادة بالتصرف دون الملكية، لأنه دلالة على الملك و ليس بملك.

و في المتن أما من في يده دار فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد، و هل يشهد له بالملك المطلق؟ قيل: نعم، و هو المروي (1) و فيه إشكال من حيث إن اليد لو أوجبت الملك لم يسمع دعوى من يقول الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي.

و لا يخفى عليك أن مثله جار في التصرف فلا وجه للفرق بينهما، و لقد أطنب في الرياض بما لا محصل له عند التأمل، ضرورة أن مرجعه الاستناد إلى الخبر المزبور المجبور بدعوى الشهرة العظيمة، بل عدم الخلاف بل الإجماع بل و بإطلاق النصوص (2) القاضية بدلالة اليد على الملكية المعتضدة بالضرورة بين المسلمين، و قد عرفت أن الأخير لا مدخلية له في ما نحن فيه.

و منه يعلم أن مراد حاكي الإجماع ذلك أيضا بل و نافي الخلاف، بل إذا أمكن حمل كلام المشهور عليه كان من حسن الظن المأمور به المؤمن، ضرورة أن المعنى المزبور غير قابل لمجيء الخبر به، لرجوعه إلى جواز التدليس و الكذب في أخذ أموال الناس، إذ قد عرفت سابقا أن بينة الملك لا تعارضها بينة التصرف، لأن الأولى نصة و الثانية ظاهرة، و النص لا يعارض بالظاهر، فإذا فرض في ما نحن فيه أن للخصم بينة بملك

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 2- من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

144

العين و الآخر بينة بالتصرف يجوز لبينته أن تشهد بالملك و الفرض أن لا علم لها إلا بالتصرف كي تعارض البينة الأخرى و يفزع إلى الترجيح، و هل هو إلا تدليس محض و كذب واضح و تطرق لأخذ المال بغير الطرق الشرعية؟ و مثله لا يقبل فيه خبر الواحد، فلا بد من حمل الخبر المزبور (1) على صورة حصول العلم بالملك من ذلك، أو على الشهادة مسندا له إلى اليد، أو على إرادة الشهادة به اتكالا على علم الحاكم بأن مأخذه من ذلك، أو على إرادة النسبة بأنه له التي هي من توابع الملك بمعنى الإطلاق المتعارف لا الشهادة عند الحاكم التي يختلف الحكم باختلافها، بل ظاهر

قوله (عليه السلام) في الآخر: «لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق»

أو صريحه كون العمل على ملك ذي اليد الذي لا منازع له، لا الشهادة التي ذكرناها، فإنه لا مدخلية لسوق المسلمين فيها، بل الشهادة بالواقع الذي يعلمه لا ينافي قيام السوق، و لا يتوقف قيامه على الكذب و التدليس، بل قوله (عليه السلام) أخيرا: «و لا يجوز أن تنسبه» كالصريح في إرادة هذا المعنى من الشهادة المزبورة لا التي تقام عند الحاكم و يختلف الحكم باختلافها.

و لعل هذا المعنى المذكور في الرواية هو الذي أشار إليه في الرياض بأن الضرورة تقتضي الحكم بملكية اليد، و هو كذلك، لكنه غير الشهادة به، فإنها من الطرق الشرعية لإثبات حكم الملك كغيرها من الطرق التي منها إخبار المرأة بخلوها من الحيض و من الزوج و غيرهما مما يقبل فيه خبرها لكن لا تجوز الشهادة بذلك.

و من الغريب ما في كشف اللثام من تشبيه الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية بالشهادة على أثر الأسباب الشرعية، فإنها أيضا محتملة للفساد

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 2 من كتاب القضاء.

145

كما تحتمل الطرق التخلف.

و فيه أولا أن من الواضح الفرق بينهما، ضرورة أن الشارع قد جعل السبب في الظاهر سببا للأثر فيه على وجه لم يتخلف عن مقتضاه بخلاف الطريق، فإنه قد جعله طريقا مع تخلفه، إذ التصرف قد يجامع غير الملك بخلاف البيع الصحيح بحسب الظاهر، فإنه لا يتخلف عن أثره فيه كالسبب في الواقع، و إن أبيت عن ذلك و فرضت صورة يختلف فيها الشهادة بالسبب و بأثره لم تجوز الشهادة بالأثر أيضا، بل لا بد فيها إذا كانت عند الحاكم من الشهادة بالسبب نفسه.

و لعله لذا أوجب الأصحاب ذكر السبب في الشهادة بالجرح، و لم يجوزوا الشهادة بالأثر، لاحتمال كونه غير مسبب عند الحاكم، و ليس هو إلا للتجنب عن التدليس و التلبيس و نحوهما، و منه المقام حتى مع عدم المعارض أيضا، لأن الشهادة بالأثر تقطع معارضة الخصم لو أرادها، و الفرض أن واقع الشاهد غيره، أو على غير ذلك مما يوافق القوانين الشرعية.

و من ذلك يعرف أنه لا وجه لما في المسالك من دعوى موافقة الخبر المزبور للقوانين الشرعية، إذ من المعلوم أنها تقتضي كون الشاهد لا يشهد إلا بعلم و إلا على مثل الشمس و مثل الكف، و الفرض أنه يشهد بمشكوك فيه أو مظنون العدم و إن جوز الشارع شراءه ممن في يده كذلك، لكن ذلك لا يقتضي الشهادة بملكيته له، إذ من المعلوم أن الشارع لم تكن له حقيقة شرعية في الشهادة، بل و لا مراد شرعي، بل هي باقية على المعنى الذي هو الاخبار الجازم على الوجه المخصوص: فأي مدخلية للثبوت الشرعي في تحقق معناها العرفي، نعم إذا أراد الشهادة على مثل الشمس يشهد بالتصرف نفسه و باليد نفسها، فيحكم الحاكم بمقتضاها.

و من ذلك كله يظهر لك عدم الفرق بين اجتماع الاستفاضة و التصرف

146

و اليد و افتراقها مع فرض عدم حصول العلم و إن وقع في جملة من العبارات الإجماع على جواز الشهادة به مع اجتماع الثلاثة و أنها أقصى الممكن، لكن ذلك يجب حمله على صورة استفادة العلم أو غير ذلك مما سمعته في الخبر المزبور، و إلا فالمعنى المذكور لا يجدي فيه هذه الإجماعات المنافية للعقل و النقل بل لما هو كضروري المذهب و الدين، على أن الشهادة بخلاف ما عند الشاهد ليس أقصى الإمكان، ضرورة أن من الممكن الشهادة له بنفس الواقع، و هو التصرف و اليد و الاستفاضة، و ما رأيت أحدا تنبه لما ذكرناه إلا الأردبيلي، فإنه قد ذكر بعضا منه، بل قال في آخر كلامه لا تجوز الشهادة بدون العلم حتى مع اجتماع الثلاثة.

و يظهر أيضا من الشهيد في النكت في المقام أنه لا تجوز بالملك إلا مع استفادة العلم من طريقه، و قد سمعت عبارة المصنف في النافع و تعليله المقتضي لعدم جواز الشهادة حتى مع اجتماع الثلاثة، بل تعليل المصنف هنا يقتضي ذلك، و لا أظنك بعد التأمل في ما ذكرنا تغتر بنقل إجماع أو خبر منجبر أو غير ذلك.

اللهم إلا أن يقال: إنك بعد ما عرفت من أنه لا حقيقة شرعية للشهادة و لا مراد شرعي، بل هي باقية على المعنى العرفي، فكل ما صحت النسبة فيه عرفا من الطرق الشرعية و الأسباب الشرعية جازت الشهادة به لا من حيث كونها طريقا شرعيا كي ينقض بشهادة الشاهدين و نحوهما، بل لصدق النسبة عرفا، و هذا هو المراد بقولهم: إن الشهادة مع اجتماع الثلاثة أقصى الممكن، كما أنه يلوح من اعتبار التصرف طويلا و اليد كذلك و غير ذلك من الاعتبارات أن المراد ما به يتحقق النسبة العرفية من هذه الطرق الشرعية، فربما شك بعضهم في تحقق النسبة المزبورة بالتصرف القصير و بالإجارة و باليد المجردة و نحو ذلك، و حينئذ يكون المدار

147

في الشهادة بمقتضى الأسباب و الطرق على ما يتحقق بها النسبة العرفية، أي كونه مالا له و ملكا من أملاكه، و كذلك اليمين، أما ما كان من الطرق الشرعية ما لا يحصل معها النسبة العرفية و إن حكم شرعا من جهتها بالملك فلا يشهد بها كالاستصحاب و شهادة العدلين و نحوهما.

و هذا أقصى ما يمكن أن يقال في المقام، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه و إن جاز ذلك لكن في مقام خوف التدليس باعتبار تعارض البينات مثلا ينبغي المحافظة على بيان الواقع، و لا يخفى عليك جريان جميع ما ذكرنا في الشياع و غيره، و الله العالم.

[المسألة الثانية الوقف و النكاح يثبت بالاستفاضة]

المسألة الثانية: قال المصنف الوقف و النكاح يثبت بالاستفاضة، أما على ما قلناه أي من اعتبار العلم فيها فلا ريب فيه لأنه ليس وراءه شيء و أما على الاستفاضة المفيدة لغالب الظن فلأن الوقف للتأبيد، فلو لم يسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف مع امتداد الأوقات و فناء الشهود، و أما النكاح فلأنا نقضي بأن خديجة (عليها السلام) زوجة النبي (صلى الله عليه و آله) كما نقضي بأنها أم فاطمة (عليها السلام) و لو قيل إن الزوجية تثبت بالتواتر كان لنا أن نقول التواتر لا يتم إلا إذا استند السماع إلى محسوس، و من المعلوم أن المخبرين لم يخبروا عن مشاهدة العقد و لا عن إقرار النبي (صلى الله عليه و آله) بل نقل الطبقات مستند إلى الاستفاضة التي هي مستند الطبقة الأولى، و لعل هذا أشبه بالصواب.

و لكن لم يعلم غرض المصنف بهذا الكلام، إذ هو إن كان لبيان

148

ثبوت النكاح و الوقف بالاستفاضة بمعنى القضاء بهما بذلك فقد ذكر في كتاب القضاء (1) أنه يثبت بها السبعة، و احتمال اعتبار العلم في القضاء بها بغيرهما بخلافهما فيكفي الاستفاضة المفيدة لغلبة الظن لما ذكره من الدليل يصعب البرهان عليه، بل النسب أولى منهما بذلك، كما أنه يصعب إن كان المراد جواز الشهادة بمقتضاها فيهما خاصة و إن لم تفد العلم بخلاف غيرهما، فيعتبر في الشهادة بمقتضاها فيه العلم و إن كان هو الذي فهمه منه بعضهم.

و أورد على كلامه الأخير في المسالك بأن الطبقة الأولى السامعين للعقد المشاهدين للمتعاقدين بالغون حد التواتر و زيادة، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) كان ذلك الوقت من أعلى قريش، و عمه أبو طالب (ع) المتولي لتزويجه كان حينئذ رئيس بني هاشم و شيخهم و من إليه مرجع قريش، و خديجة أيضا كانت من أجلاء بيوتات قريش، و القصة في تزويجها مشهورة، و خطبة أبي طالب (ع) في المسجد الحرام بمجمع من قريش ممن يزيد عن العدد المعتبر في التواتر، فدعوى معلومية عدم استناد الطبقة الأولى إلى مشاهدة العقد و سماعه ظاهرة المنع، و إنما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر لاجتماع شرائطه، فلا يتم الاستدلال به على هذا المطلوب.

و فيه أن جلالتهم و شهرتهم و غير ذلك لا تقتضي معلومية مشاهدة العقد لعدد التواتر، كما نرى الآن بالوجدان في تزويج بنات السلاطين و أولادهم لا يبلغ المشاهدون للفظ العقد فيه ذلك، نعم يستفيض و يشتهر ذلك على وجه يحصل العلم بذلك، و إن لم يكن بطريق التواتر فلا أقل من احتمال كونه كذلك، فدعوى معلومية التواتر واضحة المنع أيضا، و لعل الأولى دعوى حصول العلم من الاستفاضة المزبورة و إن لم يحرز اجتماع

____________

(1) راجع ج 40 ص 55.

149

شرائط التواتر فيها، نحو غيرها من أفراد الاستفاضة في البلدان و الملوك و غير ذلك.

[المسألة الثالثة الأخرس يصح منه تحمل الشهادة]

المسألة الثالثة:

الأخرس يصح منه تحمل الشهادة لإطلاق الأدلة و أداؤها و حينئذ يبنى على ما يتحققه الحاكم من إشارته القائمة مقام اللفظ من غيره في إقرار و عقد و غيرهما و إن جهلها اعتمد فيها على ترجمة العارف بإشارته كغيره ممن لا يعرف لغته نعم يفتقر إلى مترجمين بناء على أن الترجمة من الشهادة المعتبر فيها التعدد، و قد ذكرنا الاشكال فيه سابقا (1).

و على كل حال لا يكون المترجمان شاهدين على شهادته بل يثبت الحكم بشهادته أصلا لا بشهادة المترجمين فرعا و ذلك لأن شهادته عبارة عن إشارته التي أبداها، كاللفظ التركي مثلا عن صاحبه و إنما فسره المترجمان، نعم لو لم تقع منه إشارة بمحضر الحاكم لم يصح شهادتهما بناء على عدم سماع شهادة الفرع مع حضور شاهد الأصل.

هذا و لكن في النافع و الرياض ما حاصله أنه لو أراد أن يشهد انسان على الأخرس بإقراره فليشهد بالإشارة التي رآها منه دالة عليه، و لا يقيمها بالإقرار الذي فهمه منها، لاحتمال خطائه في الفهم فيتحقق الكذب.

قال في الأخير: «و لعله مراد من علل المنع بنفس الإقرار بالكذب المطلق لاحتماله كالحلي و غيره، و إلا فيشكل الحكم بإطلاق الكذب، فقد يعلم

____________

(1) راجع ج 40 ص 106- 107.

150

الشاهد بإقراره و يحصل له القطع به من إشارته فلا يكون كذبا، فكيف يعلل به، اللهم إلا أن يكون المراد أن الإقرار حقيقة في الاخبار عن الحق باللفظ الدال عليه بحكم التبادر و غيره، فيكون بالإشارة مجازا و إرادته من الإقرار المطلق المنصرف إلى اللفظ بغير قرينة غير جائز، و إطلاقه من دونهما يعين كونه كذبا، و فيه نظر، فان خرسه قرينة حال واضحة على إرادته الاخبار بالإشارة من الإقرار دون الحقيقة، فلا كذب».

قلت: قد يقال: (أولا) أن إشارة الأخرس كاللفظ من غيره، فيكتفى بالظاهر منها كما يكتفى بالظاهر منه في جميع المواضع، و لكن الانصاف عدم خلو هذا عن النظر. و (ثانيا) لا ينبغي الإشكال في جواز الشهادة عليه بالإقرار بمعنى الالتزام مع القطع بالمراد من إشارته، بل لعله كذلك في غير الأخرس أيضا، على أن المفهوم من إشارة الأخرس غالبا يستند إلى قرائن الأحوال التي لا يمكن نقلها أو يتعسر، فتكليف الشاهد بنقلها متعذر أو متعسر، و قد عرفت أن مدار الشاهد على العلم، و مما ذكرنا يظهر لك الحال في الترجمة أيضا، فتأمل. و الله العالم.

[لا بأس في شهادة من اجتمع له الحاستان في ما يفتقر إلى السماع و المشاهدة كالنكاح و البيع]

الثالث من مستند علم الشاهد ما يفتقر غالبا إلى السماع و المشاهدة كالنكاح و البيع و الشراء و الصلح و الإجارة و غيرها من عقد أو إيقاع فإن حاسة السمع تكفي في فهم اللفظ و يحتاج إلى البصر لمعرفة اللافظ و حينئذ ف لا بأس في شهادة من اجتمع له الحاستان، أما الأعمى فتقبل شهادته في العقد قطعا، لتحقق الآلة الكافية في فهمه، فان انضم إلى شهادته معرفان جاز له الشهادة على العاقد مستندا إلى تعريفهما كما يشهد المبصر على تعريف غيره و يكون شاهد أصل لا فرع بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض، بل عن ظاهر السرائر الإجماع عليه، و في الكفاية قالوا: و لعله لإطلاق

خبر

151

محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن شهادة الأعمى، فقال: نعم إذا أثبت»

بناء على أن المراد من إثباته ما يشمل شهادة العدلين، مضافا إلى ما سمعته سابقا من النصوص (2) الدالة على جواز الشهادة على المرأة إذا حضر من يعرفها، و أن ما في بعضها (3) من وجوب كشفها عن وجهها و أنه لا يجزئ شهادة العدلين محمول على التقية.

و من هنا جزم في الرياض بأن شهادة التعريف مستثناة من ضابط الشهادة الذي هو العلم الذي قد عرفت عدم اندراج مثل هذا العلم الشرعي فيه.

نعم توقف الفاضل في القواعد في صورة من صوره، و هي ما لو شهد على شخص ثم اشتبه عليه مع آخر و شك في أنه تحمل الشهادة على أحدهما فشهد اثنان عنده بالتعيين، ففي إلحاقه بالتعريف حين التحمل حتى يجوز له الآن أداء الشهادة على العين إشكال من أن هذه الشهادة ليست إلا تعريفا للمشهود عليه، و من أن التعريف تعيين للاسم و النسب للشخص الحاضر المشهود عليه بخصوصه و هي ليست كذلك، و هو الأقوى كما في كشف اللثام، لعدم اندراجه في ما دل عليها.

هذا و لكن في الرياض «قد ذكر جماعة من الأصحاب و منهم الحلي في السرائر و الفاضل في التحرير و غيره أنه حيث ما أسند شهادته إلى شهادتهما لا يذكرها مطلقة، بل يقول: أشهد على فلان بتعريف فلان و فلان».

قلت: و لعله المراد مما في المتن أيضا، بل في كشف اللثام إرساله إرسال المسلمات، و مقتضاه عدم قبول الشهادة إذا لم تكن على الوجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) المتقدمة في ص 127.

(3) الوسائل- الباب- 43- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

152

المزبور، لما فيه من إيهام المعرفة بنفسه و قطع الطريق على الخصم لو أراد جرح شهود التعريف مثلا، بل هذا يومئ إلى أن شهادة التعريف من شهادة الفرع أو بحكمها الذي ستعرف أنه كذلك فيها، و حينئذ ينقدح من هذا أنه لا استثناء لهذه الصورة من ضابط العلم، بل أقصاه الاجتزاء بشهادة الشاهد هنا على تعريف غيره، بل استثناء ذلك من قاعدة اعتبار التعدد في شهادة الفرع، و عدم حضور المشهود عنه أولى من دعوى استثنائه من الضابط المزبور بعد فرض عدم جواز ذكرها له مطلقة، أو يقال: إن شهادة التعريف على تشخيص الموضوع، فهي أشبه شيء بالترجمة، إذ الشهادة إنما هي بالإقرار مثلا، فتأمل جيدا.

و كيف كان ف- لو لم يحصل ذلك أي المعرفان و عرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه قيل و القائل الشيخ في محكي الخلاف مستدلا عليه بالإجماع و الأخبار لا يقبل، لأن الأصوات تتماثل.

و الوجه وفاقا للمشهور كما في المسالك أنها تقبل، فان الاحتمال يندفع باليقين و لو بانضمام قرائن أخر إلى معرفة صوته فانا بتكلم على تقديره و به يندرج في عموم أدلة قبول شهادة العدل، و دعوى عدم إمكان حصوله تشكيك في الوجدان، و إلا لم يجز أن يطأ حليلته، و هو مناف للضرورة، و دعوى الاكتفاء في ذلك بالظن بخلاف الشهادة لا تستأهل جوابا كغيرها من الاعتبارات المحكية عن العامة القائلين بالمنع، و هم من عدا مالك و أحمد على ما في المسالك، و من الغريب تجويزهم الوطء لزوجته و عدم قبول شهادته عليها إذا أقرت و هي تحته بدرهم.

و بالجملة ف قد ظهر لك مما ذكرنا ان الأعمى تصح شهادته متحملا و مؤديا عن علمه و عن الاستفاضة في ما يشهد به

153

بالاستفاضة إذ هو حينئذ كالمبصر بعد فرض حصول عنوان شهادة المبصر له من أي طريق يكون، هذا و قد يستفاد من كلامهم و اجتزائهم باليقين في الأعمى و لو كان المشهود به من المبصرات حتى لو شهد على الهلال بعد حصول اليقين له بذلك قبل أن ما ذكروه من السمع و المشاهدة ليس شرطا في صحة الشهادة و إن كان يوهمه بعض عباراتهم السابقة التي اغتر فيها بعض الناس، بل مقصودهم أنها طرق للمشهود عليه غالبا، و إلا فالضابط العلم كما ذكروه في أول الباب و أوضحنا الحال فيه سابقا.

و لو تحمل شهادة و هو مبصر ثم عمى فان عرف نسب المشهود به أقام الشهادة عليه بلا خلاف و لا إشكال و إن شهد على العين و عرف الصوت يقينا جاز أيضا بناء على المختار، و كذا لو عرفه بغير الصوت على وجه اليقين، نعم في الاجتزاء هنا له بتعريف العدلين إشكال، أقواه العدم، لما عرفته في نظيره.

أما شهادته على المقبوض بيده حتى أدى الشهادة عليه فماضية قطعا حتى عند المانعين في الصورة السابقة. لكن في المسالك و ربما قيل باطراد المنع هنا، لأن التصوير المذكور فيه عسر، فاللائق حسم الباب كحسمها في قبول شهادة الفاسق، و إن غلب على الظن صدقه في بعض الموارد، و كأنه من خرافات العامة، ضرورة أن العسر لا يصلح مانعا بعد فرض حصوله، و الفرق بين الفاسق و الأعمى النهي (1) عن الركون إلى خبر الأول و إن ظن صدقه دون الأعمى، فإن المانع من قبول شهادته عدم علمه بالمشهود عليه و له، لا من حيث هو أعمى، فإذا فرض العلم المزبور لم يكن ثم مانع و لذا لا إشكال و لا خلاف في أنه تقبل شهادته إذا ترجم للحاكم عبارة إقرار أعجمي مثلا

____________

(1) سورة النبإ: 49- الآية 6 و الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات.

154

حاضر عنده لانتفاء المانع، إذ الفرض أن الحاكم يعرف المشهود عليه، فلا تتوقف شهادة الأعمى على ترجمة عبارته على البصر، كما هو واضح.

[الطرف الثالث في أقسام الحقوق]

الطرف الثالث في أقسام الحقوق المتكثرة و إن كانت هي على تكثرها قسمان: حق لله تعالى شأنه و حق لآدمي و لكن كل منهما أقسام و على كل حال

[أما حق الله]

فالأول منه ما لا يثبت إلا بأربعة رجال، كالزنا و اللواط و السحق بلا خلاف في ثبوت الثلاثة بذلك، قال الله تعالى (1):

«وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» و قال أيضا (2):

«لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» و قال (3) «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ»

و قال سعد: «يا رسول الله أ رأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم» (4).

و لم نعثر في النصوص على ما يدل على اعتبار الأربعة في الأخيرين، نعم فيها ثبوت اللواط بالإقرار أربعا (5) كما أن فيها كون المساحقة في النساء

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 4.

(2) سورة النور: 24- الآية 13.

(3) سورة النساء: 4- الآية 15.

(4) سنن البيهقي- ج 8 ص 230.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد اللواط من كتاب الحدود.

155

كاللواط في الرجال (1) و فيها أيضا تشديد أمرهما خصوصا الأول منهما، فان ظاهرها كونه أشد من الزنا، على أن إثباتهما بذلك لا خلاف فيه كما عرفت، بل لا خلاف معتد به في اعتبار ذلك فيهما كما ستعرف إن شاء الله، و الوجه في ذلك أنه تعبد محض، بل هو من الأدلة على بطلان القياس في الأحكام، ضرورة كون القتل أعظم منه، نعم قد يقال: إن حكمته طلب الستر مهما أمكن، و المحافظة على عدم الهتك.

و كيف كان ف- في إيتان البهائم قولان، أصحهما و أشهرهما بل المشهور ثبوته بشاهدين لإطلاق ما دل على الثبوت بهما خلافا للمحكي عن الشيخ، فلا بد من أربعة، للأصل المقطوع بما عرفت و مشاركة الزنا و نحوه في الهتك الذي هو كما ترى بعد حرمة القياس كما هو واضح.

و يثبت الزنا خاصة من بين الثلاثة بثلاثة رجال و امرأتين و برجلين و أربع نساء، غير أن الأخير لا يثبت به الرجم و يثبت به الجلد كل ذلك للمعتبرة المستفيضة التي لا يعارضها ظاهر الكتاب (2) إن كان، ك

صحيح عبد الله بن سنان (3) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، و لا يجوز في الرجم شهادة رجلين و أربع نسوة، و يجوز في ذلك ثلاثة رجال و امرأتان»

و حسن الحلبي (4) «سألته عن شهادة النساء في الرجم. فقال: إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، فإذا كان رجلان و أربع نسوة لم يجز في الرجم»

و قد

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد السحق و القيادة- الحديث 3 من كتاب الحدود.

(2) المتقدم في ص 154.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

156

يستشعر من التقييد بالرجم القبول في الجلد المصرح به في موثقه الآخر (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرجم، و إن شهد عليه رجلان و أربع نسوة فلا تجوز شهادتهم، و لا يرجم، و لكن يضرب حد الزاني»

مؤيدا ب

خبر عبد الرحمن (2) عن الصادق (عليه السلام) «تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال»

منضما إلى التصريح بنفي الرجم فيه في النصوص السابقة، و لا ينافيه إطلاق النصوص الآتية (3) المنزل على نفي ثبوت الحد بشهادتين في غير الصورتين في الزنا.

و حينئذ فيثبت الجلد بشهادة رجلين و أربع نسوة دون الرجم وفاقا للمحكي عن الشيخ و ابني إدريس و حمزة و اختاره الفاضل في القواعد، و خلافا للمحكي عن الصدوقين و أبي الصلاح و الفاضل في المختلف، فلا حد أصلا، للأصل، و لأنه لو ثبت بشهادتهن الزنا لثبت الرجم، و التالي باطل للأخبار الكثيرة الدالة على نفيه فالمقدم مثله، بيان الملازمة دلالة الإجماع على وجوب الرجم على المحصن الزاني، فإن ثبت هذا الوصف ثبت الحكم و إلا فلا، و استوجهه في المسالك، و هو كالاجتهاد في مقابلة النص.

و ما عن الخلاف أنه روى أصحابنا أنه يجب الرجم بشهادة رجل و أربع نسوة و ثلاثة رجال و امرأتين لم نتحققه في الأدلة، بل المتحقق خلافه كما سمعت، و لذا كان المحكي عن المقنع و الفقيه أنه لا تجوز فيه شهادة رجلين و أربع نسوة، بل عن ظاهر الحسن و المفيد و سلار رد شهادتهن في الزنا مطلقا للنصوص على ردها في الحدود (4) و رد شهادة رجلين

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد الزنا- الحديث 1 من كتاب الحدود.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 21.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 29.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 30.