جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
157

و أربع في الرجم (1) و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (2): «إذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان لم تجز في الرجم»

و إن كان فيه ما فيه لما عرفت، و الصحيح المزبور قد حمله الشيخ على التقية أو فقد شرط من شروط القبول، و هو جيد.

نعم غير الزنا من اللواط و السحق باق على مقتضى ما دل على اعتبار الأربعة رجال، مؤيدا ب

صحيح جميل و ابن حمران (3) قالا للصادق (عليه السلام): «هل تجوز شهادة النساء في الحدود، قال: في القتل وحده»

و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر غياث بن إبراهيم (4): «لا تجوز شهادة النساء في الحد و لا في القود»

و نحوه في خبر موسى ابن إسماعيل (5) و بابتناء الحدود على التخفيف و درئها بالشبهات، فإطلاق المحكي عن علي بن بابويه تقبل في الحدود إذا شهد امرأتان و ثلاثة رجال منزل على الزنا، كخبر عبد الرحمن (6) المتقدم سابقا، و كذا كلام ولده في المحكي عن مقنعه، بل عنه في المختلف إبدال الحدود بالزنا، نعم في محكي الوسيلة إضافة السحق إلى الزنا في ثبوته بامرأتين و ثلاثة رجال، لكنه في الجنايات قال: «إن كلا من اللواط و السحق يثبت بما يثبت به الزنا» إلا أنه نسب فيها ثبوت الزنا بثلاثة و امرأتين أو رجلين و أربع إلى القيل، و في الغنية «لا تقبل في الزنا إلا شهادة أربعة رجال أو ثلاثة و امرأتين، و كذا حكم اللواط و السحق بدليل إجماع الطائفة» و في الدروس عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 10 و الباب- 30- من أبواب حد الزنا- الحديث 1 من كتاب الحدود.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 28.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث- 1.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث- 29.

(5) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث- 30.

(6) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث- 21.

158

ظاهر ابن الجنيد مساواة اللواط و السحق للزنا في الثبوت بشهادة الزنا».

و على كل حال هو نادر، بل مما ذكرنا يعلم ما في إجماعه و إن كان يشهد له إطلاق خبر عبد الرحمن (1) المتقدم سابقا، و كون اللواط كالزنا، و أن السحق في الزنا كاللواط في الرجال، الا أنه معارض بما هو أرجح منه من النصوص السابقة و لو لاعتضادها بالشهرة العظيمة.

و على كل حال فقد ظهر لك أنه لا يثبت الزنا بل و لا شيء من الثلاثة بغير ذلك الذي عرفته حتى شهادة رجل و ست نساء في الزنا و إن حكي عن الخلاف ثبوت الجلد به، إلا أن الأصل و ظاهر الأدلة السابقة المعتضد بالشهرة العظيمة أو الإجماع ينفيه، و لكن لا يخفى عليك ما في عبارة المتن من السماجة، و كان الأولى عد اللواط و السحق قسما و الزنا قسما آخر، كما صنع في الدروس، و الأمر سهل بعد وضوح المقصود.

و منه أي ما هو حق لله تعالى ما يثبت بشاهدين عدلين و هو ما عدا ذلك من الجنايات الموجبة للحدود كالسرقة و شرب الخمر و الردة و القذف و إن كان في الأول حق الناس أيضا، كالقذف و غيرها مما لا حد فيه، كالزكاة و الخمس و الكفارات و النذور و الإسلام، بل قيل:

و كذا ما يشتمل على الحقين كالبلوغ و الولاء و العدة و الجرح و التعديل و العفو عن القصاص، لإطلاق ما دل على قبولهما من الكتاب (2) و السنة (3) و في خبر مسمع بن عبد الملك (4) عن أبي عبد الله (ع)

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 21.

(2) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(3) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات.

(4) الوسائل- الباب- 51- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

159

«أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان و شهد له ألف بالبراءة يجيز شهادة الرجلين و يبطل شهادة الألف، لأنه دين مكتوم»

و في خبر عمرو بن خالد (1) عن زيد ابن علي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): قال: «سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الناصب فقال: إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حل دمه»

إلى غير ذلك من النصوص بالخصوص و العموم، مع أصالة عدم الثبوت بغير ذلك.

و حينئذ ف لا يثبت شيء من حقوق الله تعالى بشاهد و امرأتين و لا بشاهد و يمين و لا بشهادة النساء منفردات و إن كثرن بلا خلاف أجده فيه، للنصوص المتقدمة سابقا في بحث الشاهد و اليمين من كتاب القضاء (2) و قد ذكرنا تحقيق الحال هناك فلاحظ و تأمل، هذا كله في حقوق الله تعالى.

[أما حقوق الآدمي]

و أما حقوق الآدمي فثلاثة:

[الأول منها ما لا يثبت إلا بشاهدين]

الأول منها ما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين فلا يجزئ فيه النساء منضمة فضلا عن الانفراد، و لا اليمين مع الشاهد، و في الدروس ضبط الأصحاب ذلك بكل ما كان من حقوقهم ليس مالا و لا المقصود منه المال» و في كشف اللثام «و هو ما يطلع عليه الرجال غالبا و ما لا يكون مالا و لا المقصود منه المال» و لكن لم أقف في النصوص على ما يفيده، بل فيها ما ينافيه.

و كيف كان فالذي عده المصنف من ذلك كغيره هو الطلاق بل عن الغنية الإجماع عليه، لكن عن المبسوط أنه قوى ثبوته

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من كتاب الشهادات- الحديث 2 و فيه «الساحر» بدل «الناصب» كما في التهذيب ج 6 ص 283- الرقم 780.

(2) راجع ج 40 ص 272- 273.

160

بشهادة النساء منضمات، بل في المسالك نسبته إلى جماعة أيضا و إن كنا لم نتحقق منهم إلا ما يحكى عن أبي علي أنه قال: «لا بأس بشهادتهن مع الرجال في الحدود و الأنساب و الطلاق».

و على كل حال لا ريب في ضعفه، للأصل و النصوص الكثيرة

كصحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن شهادة النساء في النكاح فقال: يجوز إذا كان معهن رجل و كان علي (عليه السلام) يقول: لا أجيزها في الطلاق».

و خبر إبراهيم الحارثي (2) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه و يشهدوا عليه، و تجوز شهادتهن في النكاح، و لا تجوز في الطلاق و لا في الدم».

و خبر محمد بن الفضيل (3) «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال:

تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه و ليس معهن رجل، و تجوز شهادتهن في النكاح إذا كان معهن رجل، و تجوز شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و لا تجوز شهادة رجلين و أربع نسوة في الزنا و الرجم و لا تجوز شهادتهن في الطلاق و لا الدم»

إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى كونه مقطوعا به منها إن لم يمكن دعوى تواترها، و مع ذلك سالمة عن المعارض بالخصوص.

نعم في كشف اللثام احتمال كون المراد شهادتهن حين الطلاق، و هو مع بعده فيها ما لا يقبله، كالمروي عن العلل و العيون بأسانيده إلى

محمد بن سنان (4) عن الرضا (عليه السلام) في ما كتب إليه من

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 50.

161

العلل «و علة ترك شهادة النساء في الطلاق و الهلال لضعفهن عن الرؤية و محاباتهن النساء في الطلاق، فلذلك لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة، مثل شهادة القابلة، و ما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه»

و غيره.

و في خبر داود بن الحصين (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن- إلى أن قال-:

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الإنكار، و لا يجيز في الطلاق إلا شاهدين عدلين، فقلت: أتى ذكر الله تعالى فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ (2) فقال: ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل و امرأتان و رجل واحد و يمين المدعي إذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده عندكم»

و غيرهما، و من الأخير يستفاد عدم الاجتزاء فيه أيضا بالشاهد و اليمين، و قد تقدم الكلام فيه في كتاب القضاء (3).

و أما الخلع فظاهر المصنف و الأكثر على ما في كشف اللثام بل المشهور في المسالك أنه كالطلاق في اعتبار الشاهدين فيه و إن كان المدعى به الزوج، لأنه حينئذ و إن تضمن مالا إلا أنه طلاق، و في المسالك متضمن أيضا البينونة، و الحجة لا تتبعض، و المقصود منه بالذات البينونة و المال تابع كما في كشف اللثام، نعم قال فيه: «لا بد من النزاع في البينونة أو الطلاق، فلو اتفقا على الطلاق و اختلفا في أنه بالخلع أو لا فلا شبهة في أنه نزاع في المال إلا أن تكون المرأة هي المدعية له لتبطل رجعته»

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 35.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(3) راجع ج 40 ص 272- 275.

162

قلت: قد عرفت تحقيق ذلك في كتاب القضاء في بحث الشاهد و اليمين (1) بل عن بعض ثبوته إن ادعاه الزوج بشاهد و امرأتين، لثبوت المال بهم، و المال هنا ليس إلا عوضا للطلاق، فيتبعه في الثبوت.

و أما الوكالة و الوصية إليه و النسب و رؤية الأهلة و إن استلزم الأخيران الإرث و حلول آجال الديون فالمشهور فيها أيضا ذلك، بل عن الغنية الإجماع عليه في الأهلة، كما أن النصوص في الأهلة مستفيضة، منها

قول الصادق (عليه السلام) في خبر حماد بن عثمان (2): «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، و لا يقبل في الهلال إلا رجلان عدلان»

و قول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح العلاء (3): «لا تجوز شهادة النساء في الهلال».

نعم

قال الصادق (عليه السلام) في خبر داود بن الحصين (4): «لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، و لا بأس في الصوم بشهادة النساء و لو امرأة واحدة»

و لا دلالة فيه على ثبوت الهلال بذلك، بل أقصاه جواز الصوم استظهارا. هذا و لكن عن المبسوط أنه قوى قبول الشاهد و الامرأتين في جميع ذلك، و قد سمعت كلام أبي علي السابق، كما أنك قد سمعت ما تقدم لنا في كتاب القضاء في بحث الشاهد و اليمين (5) فلاحظ و تدبر.

بل منه يعلم الحال في العتق و القصاص و النكاح و إن قال المصنف هنا فيها تردد، أظهره كما في القواعد أيضا ثبوته بالشاهد و المرأتين وفاقا للمحكي عن المبسوط في الأول و الثاني و للمحكي عن المقنع و الاستبصار في الثاني، و يلزمه القول أيضا بالثبوت بالشاهد

____________

(1) راجع ج 40 ص 276- 277.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 17.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 18.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 36.

(5) راجع ج 40 ص 276- 277.

163

و اليمين، لاتحاد ما يثبت بهما، أما العتق فلأنه مالي أو من حقوق الآدميين التي هي موضوع الشاهد و اليمين في النصوص (1) و يندرج فيها حينئذ النكاح و القصاص، مضافا إلى ما فيهما من النصوص بالخصوص المتقدمة سابقا في النكاح.

مضافا إلى

خبر زرارة (2) سأل الباقر (عليه السلام) «عن شهادة النساء تجوز في النكاح، قال: نعم و لا تجوز في الطلاق- إلى أن قال-:

قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم، قال: لا»

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الكناني (3): «شهادة النساء تجوز في النكاح- و قال فيه أيضا-: تجوز شهادتهن في الدم مع الرجال»

و في صحيح جميل و ابن حمران (4) سألا الصادق (عليه السلام) «أ تجوز شهادة النساء في الحدود؟ قال: في القتل وحده، إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم»

و في مضمر زيد الشحام (5) «قلت:

أ فتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: نعم»

و في خبر أبي بصير (6) المضمر «سألته عن شهادة النساء، فقال: تجوز شهادة النساء وحدهن على ما لا يستطيع الرجال النظر إليه، و تجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهن رجل»

إلى غير ذلك من النصوص.

بل لا أجد لها معارضا في النكاح إلا

خبر السكوني (7) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «أنه كان يقول: شهادة النساء لا تجوز في نكاح و لا طلاق و لا في حدود إلا في الديون و ما لا يستطيع الرجال النظر إليه»

و هو- مع قصوره عن معارضة الأخبار السابقة من وجوه-

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 25.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 32.

(6) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 42.

164

محتمل لإرادة شهادتهن منفردات، كما في خبر إسماعيل بن عيسى (1) «سألت الرضا (عليه السلام) هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهن رجل؟ قال: لا هذا لا يستقيم».

نعم هي متعارضة في الدم كما سمعته في النصوص السابقة، مضافا إلى ما في خبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في غلام شهدت عليه امرأة أنه دفع غلاما في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة»

و عن الصدوق روايته بإسقاط قوله: «بحساب» و في خبر عبد الله بن الحكم (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة شهدت على رجل انه دفع صبيا في بئر فمات، فقال: على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة»

و ما في خبر محمد بن مسلم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا تجوز شهادة النساء في القتل»

و ما في خبر غياث (5) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «لا تجوز شهادة النساء في الحدود و لا في القود»

و ما في خبر موسى بن إسماعيل بن جعفر (6) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «لا تجوز شهادة النساء في الحدود و لا في القود».

و عن الشيخ الجمع بينها بعدم قبول شهادتهم و لو مع الرجال في القصاص، أما الدية فتثبت بشهادتهن، و نسبه المصنف في كتاب القصاص إلى الندرة، لكن في المسالك نسبته إلى جمع كثير و إن كنا لم نتحققه مع شدة مخالفته للقواعد، ضرورة كون المفروض شهادتهن بما يقتضي القصاص، نعم لا بأس بقبول شهادتهن بالقتل المقتضي للدية، و إذا أمكن الجمع بين النصوص بذلك كان أولى، و إلا كان الترجيح للنصوص النافية

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 39.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 26.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 33.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 28.

(5) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 29.

(6) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 30.

165

قبول شهادتهن فيه، و أما الجمع بينها بحمل النافية على شهادتهن منفردات و المثبتة على صورة الانضمام مع رجل فلا يقبله ظاهر بعضها أو أكثرها.

هذا و في المسالك «و اعلم أن محل الاشكال شهادتهن منضمات إلى الرجال، أما على الانفراد فلا تقبل شهادتهن قطعا، و شذ قول أبي الصلاح بقبول شهادة امرأتين في نصف دية النفس و العضو و الجراح و المرأة الواحدة في الربع» قلت: و هو كذلك إذا كان المراد بالانفراد حتى عن اليمين» أما معه فالظاهر قبول المرأتين في ما يوجب الدية كالرجل مع اليمين، لما عرفته سابقا و تعرفه عن قريب إن شاء الله.

ثم إنه لا يخفى عليك أنا قد ذكرنا في كتاب القضاء (1) أن المستفاد من النصوص ثبوت كل حق من حقوق الآدميين بالشاهد و اليمين إلا ما خرج بأدلة مخصوصة من إجماع أو غيره، و من ذلك ينفتح لك باب عظيم في جميع محال الخلاف، و الظاهر قيام المرأتين مع اليمين مقامه في ذلك كقيام المرأتين مع الشاهد مقامه في موضوعه، كما تسمع تحرير ذلك إن شاء الله.

[الثاني ما يثبت بشاهدين و بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين]

و الثاني منها أي حقوق الآدمي ما يثبت بشاهدين و بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين، و هو الديون و الأموال، كالقرض و القراض و الغصب، و عقود المعاوضات. كالبيع و الصرف و السلم و الصلح و الإجارة و المساقاة و الرهن و الوصية له و الجناية التي توجب الدية كالخطإ و شبه العمد و قتل الحر العبد و الأب الولد و المسلم الذمي و الصبي و المجنون و غيرهما، و المأمومة و الجائفة و كسر العظام و غير ذلك مما كان متعلق الدعوى فيه مالا أو مقصودا منه المال، فان ذلك هو الضابط عندهم لهذا القسم.

____________

(1) راجع ج 40 ص 274.

166

قال الله تعالى (1) «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ» و في صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) «تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين، قال:

نعم»

و في خبر محمد بن خالد الصيرفي (3) «كتبت إلى الكاظم (عليه السلام) في رجل مات و له أم ولد و قد جعل لها سيدها شيئا في حياته ثم مات، فكتب: لها ما أتاها سيدها في حياته معروف ذلك لها، يقبل على ذلك شهادة الرجل و المرأة و الخدم غير المتهمين»

و قال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (4): «لو كان الأمر إلينا أخذنا بشهادة الرجل الواحد إذا علم منه خبر مع يمين الخصم في حقوق الناس»

و قال الصادق (عليه السلام) في خبره (5) أيضا: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمين صاحب الدين»

و في خبر أبي بصير (6): «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقضي بشاهد واحد و يمين»

و قد سمعت ما في خبر داود بن الحصين عن الصادق (عليه السلام) (7) إلى غير ذلك من الأدلة المعتضدة بفتوى الأصحاب قديما و حديثا.

نعم عن الخلاف و موضع من المبسوط منع قبول امرأتين و رجل في الوديعة، و حمله الفاضل- على ما قيل- على دعوى الودعي لا المالك، و فيه

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 47 عن يحيى بن خالد الصيرفي و في الفقيه ج 3 ص 32 الحسين بن خالد الصيرفي.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 12 من كتاب القضاء.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 1 من كتاب القضاء.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 5 من كتاب القضاء.

(7) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 35.

167

أن الودعي ينفى عنه الضمان و هو مال، و عن النهاية أنه لم يذكر إلا الدين، و عن المقنع إلا قبول شهادتهن في الدين، و عن المراسم و الغنية و الإصباح ضم اليمين إلى الشاهد في الدين خاصة و امرأتين في الديون و الأموال، لكن عن المختلف أنه لا منافاة بين ما في النهاية و ما في غيرها، لأن مقصوده من الدين المال، و هذا جار في غيرها أيضا، نعم عن الإصباح منها و يقضي بشهادة الواحد مع يمين المدعي في الديون خاصة، و قيل:

كل ما كان مالا أو المقصود منه المال، و لا ريب في ضعفه، بل قد عرفت سابقا ظهور النصوص في إثبات جميع حقوق الآدميين به.

نعم قد يناقش في ثبوت غير الدين بالشاهد و المرأتين، لاختصاص الأدلة المزبورة حتى الآية (1) بذلك، خصوصا بعد ما سمعته من خبر داود بن الحصين (2) الوارد في تفسيرها، و خبر محمد بن خالد (3) الوارد في الوصية ظاهر في إرادة ثبوتها بشهادة جنس الرجل و جنس الامرأة، لأنها وصية.

لكن قد يدفع بظهور ما في ذيل الآية (4) من الاشهاد على البيع في إرادة الاشهاد السابق الذي كان منه الرجل و المرأتان متمما بعدم القول بالفصل، و بظهور خبر محمد بن خالد (5) المزبور في أن الشاهد و اليمين قائم مقام الشاهد و المرأتين، و حينئذ فهما أولى من اليمين مع الرجل، و بما ورد (6) من إثبات الحق بالامرأتين مع اليمين.

بل الظاهر ثبوت ذلك كله بهما مع اليمين وفاقا للمشهور شهرة

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 35.

(3) المتقدم في ص 166.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(5) المتقدم في ص 166.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

168

عظيمة، بل عن الشيخ في الخلاف الإجماع عليه، ل

صحيح منصور بن حازم (1) قال: «حدثني الثقة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

إذا شهد لصاحب الحق امرأتان و يمينه فهو جائز»

و نحوه صحيحه الآخر (2) من دون إرسال، و يمكن أن يكون قد سمعه مشافهة تارة و بواسطة الثقة أخرى، و المناقشة في صحتهما بعد التسليم لا تقدح، للانجبار بما سمعت مؤيدا في الجملة بما في صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) «أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أجاز شهادة النساء في الدين و ليس معهن رجل»

بعد الإجماع إلا النادر على عدم قبولهن بدون اليمين في الدين كما ستعرف، و حسنه عنه (عليه السلام) أيضا (4) «أن رسول الله (ص) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين أن حقه لحق»

و بغير ذلك مما يدل بإطلاقه على قيام الامرأتين مقام الرجل.

فما في النافع كما هو صريح المحكي عن السرائر و التنقيح و قضاء التحرير و إن رجع عنه في الشهادات و ظاهر سلار و الغنية من العدم لا يخلو من منع و إن كان الحلي منهم معذورا على أصله، و لذا قال: «جعلهما بمنزلة رجل يحتاج إلى دليل و ليس، و حملهما على الرجل قياس، و الإجماع غير منعقد، و الأخبار غير متواترة، فإن وجدت فهي نوادر شواذ، و الأصل براءة الذمة، فمن أثبت بشهادتهما حكما شرعيا فإنه يحتاج إلى أدلة قاهرة، أما إجماع أو تواتر أخبار أو قرآن و جميع ذلك خال منه» أما على أصولنا فلا يأتي ذلك، لما عرفت، و لأن الشارع قد أقام في الديون كلا من المرأتين و اليمين مقام الرجل، فيقوم المجموع مقام رجلين، لاشتماله على كلا البدلين، و هذا و إن لم يكن قاطعا لاحتمال استناد القبول في الموضعين

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 4 من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 1 من كتاب القضاء.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 20.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 3- من كتاب القضاء.

169

إلى وجود أقوى شطري الحجة، لكن لا يخلو من التأييد في الجملة.

و من الغريب ما سمعته من ابن إدريس و تبعه المقداد من دعوى ندرة النصوص المزبورة و شذوذها مع أنه لم نر لها رادا قبله و لا من تأخر عنه إلا النادر، لاختلاف فتوى المصنف، و الفاضل في التحرير قد رجع عن ذلك فيه فضلا عن قطعه بالحكم في باقي كتبه، و من هنا يمكن دعوى تحصيل الإجماع على ذلك، بل قد يستفاد من الأدلة المزبورة أن موضوعهما موضوع الشاهد و اليمين، و هو كل حق، لإطلاق الخبر المزبور.

و تنقح من جميع ما ذكرنا اتحاد موضوع الثلاثة أي الشاهد و اليمين و الشاهد و المرأتين مع اليمين، و هو كل حق آدمي أو المالي منه خاصة على البحث الذي قدمناه في الشاهد و اليمين، نعم لا تقبل شهادة النساء منفردات في شيء من ذلك و إن كثرن بلا خلاف محقق أجده و إن أرسله في محكي السرائر لصحيح الحلبي (1) السابق الذي لا دلالة فيه على الانفراد عن اليمين، و عن الحسن قد روي عنهم (عليهم السلام) «أن شهادة النساء إذا كن أربع نسوة في الدين جائز»

ثم ذكر أنه لم يقف على حقيقته، و أنه لم يصح عنده من طريق المؤمنين.

و كيف كان فقد بان لك مما ذكرناه الوجه في قول المصنف:

و في الوقف تردد، أظهره وفاقا للمحكي عن المبسوط و ابن إدريس و البراج أنه يثبت بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين إن كان على محصور، و لكونه من حقوق الناس قطعا، بل تجري عليه جميع أحكام الملك عدا الامتناع عن نقله، و ذلك لا يخرجه عن الملكية كأم الولد، على أنه قد يجوز بيعه في بعض الأحوال، خلافا للمحكي عن الخلاف بناء على عدم الانتقال سواء قلنا بالانتقال إليه تعالى أو البقاء على ملك الواقف،

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 20.

170

و احتمل القبول عليه أيضا، خصوصا على البقاء على ملك الواقف بناء على أن المقصود من الوقف المنفعة، و هي مال.

و لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما قلناه هنا و بما أسلفناه في كتاب الوقف (1) من انتقال الموقوف إلى الموقوف عليه إن عاما فعام و إن خاصا فخاص.

و كذا الكلام في حقوق الأموال كالأجل و الخيار اشتراطا و انقضاء و الشفعة و فسخ العقد المتعلق بالأموال و قبض نجوم الكتابة أو غيرها من الأموال، لأن جميعها حق آدمي، بل المقصود منها أجمع ثبوت مال أو زواله، بل و كذا النجم الأخير من الكتابة و إن توقف فيه الفاضل في القواعد، لكنه في غير محله، خصوصا بناء على ما ذكرناه.

[الثالث ما يثبت بالرجال و النساء منفردات و منضمات]

و الثالث من حقوق الآدمي ما يثبت بالرجال و النساء منفردات و منضمات، و هو الولادة و الاستهلال و عيوب النساء الباطنة كالقرن و نحوه لا الظاهرة كالعرج و نحوه، و ضابطه ما يعسر اطلاع الرجال عليه غالبا بلا خلاف أجده في ثبوت ذلك بشهادتهن منفردات كما اعترف به في كشف اللثام، لمسيس الحاجة و للمعتبرة المستفيضة.

كصحيح العلاء (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته هل تجوز شهادتهن وحدهن؟ قال: نعم في العذرة و النفساء»

و خبر داود بن سرحان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أجيز شهادة النساء في الغلام صاح أو لم يصح، و في كل شيء لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه»

و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (4): «تجوز شهادة النساء وحدهن في كل ما لا يجوز للرجال النظر إليه،

____________

(1) راجع ج 28 ص 88.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 18.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 12.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 10.

171

و تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر السكوني (1): «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرن إليها فقلن هي عذراء، فقال: ما كنت لأضرب من عليها خاتم من الله تعالى، و كان يجيز شهادة النساء في مثل هذا»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبره الآخر (2) «في امرأة ادعت أنها قد حاضت ثلاث حيض في شهر واحد: كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها كان في ما مضى على ما ادعت، فان شهدن صدقت، و إلا فهي كاذبة»

و في مضمر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) «سألته عن المرأة يحضرها و ليس عندها إلا امرأة أ تجوز شهادتها أم لا تجوز؟

فقال: تجوز شهادة النساء في المنفوس و العذرة»

و في صحيح الحلبي و حسنه (4) «تجوز شهادة النساء في المنفوس و العذرة»

و في خبر ابن بكير (5) «تجوز شهادة النساء في النفاس و العذرة»

و في خبره الآخر (6) «تجوز شهادة النساء في العذرة و كل عيب لا يراه الرجال»

و في خبر زرارة (7) عن أحدهما (عليهما السلام) «في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا، فقالت: أنا بكر، فنظرن إليها النساء فوجدنها بكرا، فقال: تقبل شهادة النساء»

إلى غير ذلك من النصوص التي مر جملة منها، و يمكن دعوى القطع بها بالنسبة إلى ذلك أو تواترها.

و أما الثبوت بهن منضمات أو بالرجال فهو المشهور كما في كشف اللثام، للعمومات و معلومية كون الرجال هم الأصل في الشهادة، بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 13.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 37.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 21.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 2 و 46.

(5) لم أعثر على هذا الخبر في كتب الأخبار مع التتبع في مظانه.

(6) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 9.

(7) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات الحديث 44.

172

لم أتحقق فيه خلافا و إن حكي عن القاضي أنه قال: لا يجوز أن يكون معهن أحد من الرجال، لكن يمكن أن يريد الحرمة بدون الضرورة على الأجانب فإن تعمدوا ذلك خرجوا عن العدالة، لا أنه لا يجوز لهم الاطلاع مع الضرورة أو لا تقبل شهادتهم و إن اتفق اطلاعهم عليه لحلية أو من غير عمد أو قبل عدالتهم، و على تقديره فلا ريب في ضعفه، ضرورة ظهور النصوص المزبورة في جواز شهادتهن بذلك المشعر بجواز غيره كما هو واضح.

و كيف كان ف في قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف أقربه الجواز أيضا كما في القواعد و غيرها، بل هو المحكي عن المفيد و سلار و ابن حمزة أيضا، لاندراجه في النصوص السابقة، ضرورة كونه من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء غالبا و ما لا يجوز للرجال النظر إليه، مؤيدا بإطلاق

قول الباقر (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور (1): «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كن مستورات»

و بالمفهوم في مرسل ابن بكير (2) عن الصادق (عليه السلام) «في امرأة أرضعت غلاما و جارية قال: يعلم ذلك غيرها؟ قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها».

فما عن الأكثر من العدم بل ظاهر المبسوط و صريح الخلاف الإجماع عليه للأصل و إمكان اطلاعهم عليه، بل عن الأول منهما عن أصحابنا أنهم رووا لا يقبل شهادة النساء في الرضاع لا يخلو من نظر، ضرورة انقطاع الأصل بما عرفت، و منع الإجماع المزبور، بل مظنة في العكس كما هو ظاهر المحكي عن ناصريات السيد، بل الشيخ نفسه رجع عن القول بالمنع إلى القول بالقبول في المحكي من شهادات المبسوط الذي هو كما قيل

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 20.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب ما يحرم بالرضاع- الحديث 3 من كتاب النكاح.

173

متأخر عن الخلاف و الشهادات فيه متأخرة عن الرضاع، و أما الرواية فمع إرسالها غير موجودة في الأصول و لا مقبولة عند الشيخ في الموضع الذي نقلها، فإنه حكاها في شهادات المبسوط، و قد عرفت أنه أفتى فيها بالقبول.

بل لعل مبنى الرواية المزبورة بل و الإجماع على خروج الرضاع عما يعسر اطلاع الرجال عليه، إذ لا ريب في أن ظاهر الأصحاب و الأخبار عدم قبول شهادة النساء حتى في ما هو كذلك بمعنى أن ذلك هو الأصل فيه، و العمدة تحقق الموضوع و بيان أن الرضاع مما يعسر اطلاع الرجال عليه أو لا يعسر، و لكن قد عرفت سابقا شهادة الوجدان على تعسر اطلاع الرجال عليه خصوصا بعد تحريم نظر الرجال إلى مثل ذلك من النساء، فلا ريب في أن الأقوى القبول، و الله العالم.

هذا و في ما حضرني من نسخ الشرائع متصلا بذلك و يقبل شهادة امرأتين مع رجل في الديون و الأموال و شهادة امرأتين مع اليمين، و لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات و لو كثرن إلا أنه لا يخفى عليك عدم مناسبته للعنوان، و لعله لذا لم يشرحها في ما حضرني من نسخة المسالك، لسقوط ذلك من نسخته، و على فرض صحتها فقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا.

و تقبل شهادة المرأة الواحدة بلا يمين في ربع ميراث المستهل و في ربع الوصية و الاثنين في النصف و الثلاثة في الثلاثة أرباع و الأربعة في تمام المال بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف و السرائر الإجماع عليه، و قد تقدم في الوصية (1) النصوص الدالة على ذلك فيها.

و في صحيح عمر بن يزيد (2) «سألته عن رجل مات و ترك امرأته و هي حامل فوضعت بعد موته غلاما ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض

____________

(1) راجع ج 28 ص 352- 353.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

174

فشهدت المرأة التي قبلتها أنه استهل و صاح حين وقع إلى الأرض ثم مات، قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام»

و في رواية ابن سنان (1) عنه (عليه السلام) قال: «و إن كانتا امرأتين قال:

تجوز شهادتهما في النصف من الميراث»

و عن الفقيه بعد ما حكى صحيح عمر بن يزيد قال و في رواية أخرى (2): «إن كانت (كانتا خ ل) امرأتين تجوز شهادتهما في نصف الميراث، و إن كن ثلاثة نسوة جازت شهادتهن في ثلاثة أرباع الميراث، و إن كن أربعا جازت شهادتهن في الميراث كله»

و عليه يحمل ما سمعته في النصوص (3) من قبول شهادة القابلة وحدها في المنفوس. لكن عن ابن إدريس و ابن حمزة اشتراط عدم الرجال، و إطلاق النص حجة عليهما.

و لا تقبل عندنا شهادة الواحدة في غير ذلك، نعم عن الكافي و الغنية و الإصباح ثبوت ربع الدية بشهادتها أيضا لخبري (4) ابني قيس و الحكم المتقدمين سابقا اللذين لم يجمعا شرائط الحجية، فالأصل حينئذ و غيره بحاله، كما هو واضح.

و قد تقدم الكلام في كتاب الوصية (5) في قيام الرجل مقام المرأة أو الاثنتين أو لا يثبت بشهادته شيء، و أن أضعف الوجوه الأخير على ما هو الظاهر من بعضهم، بل في القواعد لم يذكره احتمالا، و الثاني لا يخلو من قوة كما اعترف به العلامة الطباطبائي في مصابيحه و إن لم نجد به قائلا، و لكن الإنصاف أن الأخير أقواها بعد حرمة القياس و الاستحسان و عدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 45.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 48.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 2 و 10 و 45 و 46.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 26 و 33.

(5) راجع ج 28 ص 353.

175

إحاطة العقل بمصالح الأحكام، كما ذكرناه في الوصية.

و هل للمرأة مثلا تضعيف المشهود به؟ وجهان، أقواهما العدم، و ربما يؤيده أنه

سئل الصادق (عليه السلام) في مرسل يونس (1) «عن الرجل يكون له على الرجل حق فيجحد حقه و يحلف عليه إذ ليس عليه شيء و ليس لصاحب الحق على حقه بينة يجوز له إحياء حقه بشهادة الزور إذا خشي ذهاب حقه، قال: لا يجوز ذلك لعلة التدليس».

لكن في كشف اللثام «الأقوى الحل و إن حرم التزوير لكونه إقرارا بالقبيح، و في مرسل عثمان بن عيسى (2) قيل للصادق (عليه السلام):

«يكون للرجل من إخواني عندي شهادة و ليس كلها يجيزها القضاة عندنا، قال: إذا علمت أنها حق فصححها بكل وجه حتى يصح له حقه»

- ثم قال-: و لعله إشارة إلى ما ذكرنا من التورية».

و فيه أنه لا دلالة له على ذلك، بل أقصاه أنه ك

خبر داود بن الحصين (3) أنه سمعه يقول: «إذا شهدت على شهادة فأردت أن تقيمها فغيرها كيف شئت و رتبها و صححها ما استطعت حتى يصح الشيء لصاحب الحق بعد أن لا تكون تشهد إلا بحق، فلا تزيد في نفس الحق ما ليس بحق، فإنما الشاهد يبطل الحق و يحق الحق، و بالشاهد يوجب الحق، و بالشاهد يعطى، و إن للشاهد في إقامة الشهادة بتصحيحها بكل ما يجد إليه السبيل من زيادة الألفاظ و المعاني و التغيير في الشهادة مما به يثبت الحق أو يصححه و لا يؤخذ به زيادة على الحق مثل أجر الصائم القائم المجاهد بسيفه في سبيل الله تعالى».

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

176

نعم لا بأس بدفع الباطل عنه بباطل آخر، ل

خبر الحكم أخي أبي عقيلة (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي خصما تتكثر علي بالشهود الزور و قد كرهت مكافأته مع أني لا أدري أ يصلح لي ذلك أم لا؟ قال: فقال: أما بلغك ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقول: لا توروا أنفسكم و أموالكم بشهادات الزور؟ فما على امرئ من وكف في دينه و لا مأثم من ربه أن يدفع ذلك عنه، كما أنه لو دفع بشهادته عن فرج حرام أو سفك دم حرام كان ذلك خيرا له، و كذلك مال المرء المسلم».

و لو شهدت الخنثى المشكل في الوصية و الاستهلال ثبت الربع بناء على ثبوته بالرجل، و إلا لم يثبت بشهادتها شيء.

و إذا اجتمع في الشيء حقان كان لكل حكمه، فلو شهد على السرقة مثلا رجل و امرأتان ثبت المال دون القطع، بل في القواعد «و لو علق العتق بالنذر على الولادة فشهد أربع نساء بها ثبت الولادة و لم يقع النذر» بل في محكي التحرير «و لو شهد رجل و امرأتان بالنكاح فان قبلنا فيه شهادة الواحد و المرأتين فلا بحث، و إلا ثبت المهر دون النكاح» و هو كما ترى لا يخلو من بعد.

و كيف كان فقد يستفاد مما عرفت من توقف ثبوت تمام الحق بلا يمين في الوصية و ميراث المستهل على أربع أن كل موضع يقبل فيه شهادة النساء لا يثبت بأقل من أربع كما هو المشهور للأصل، بل يمكن دعوى القطع به من الكتاب (2) و السنة (3) أن المرأتين

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من كتاب الشهادات الحديث 2.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات.

177

يقومان مقام الرجل في الشهادة، و هو ظاهر قوله تعالى (1) «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى».

فما عن المفيد- من أنه تقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين في ما لا تراه الرجال كالعذرة و عيوب النساء و النفاس و الحيض و الولادة و الاستهلال و الرضاع و إذا لم يوجد على ذلك إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه، و نحوه في محكي المراسم، بل عن متاجر التحرير «لو اشترى جارية على أنها بكر فقال المشتري: أنها ثيب أمر النساء بالنظر إليها و يقبل قول امرأة في ذلك»- واضح الضعف و إن كان قد يشهد له ظاهر

قول الباقر (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2): «تجوز شهادة امرأتين في الاستهلال»

و صحيح الحلبي (3) سأل الصادق (عليه السلام) «عن شهادة القابلة وحدها في الولادة، قال: تجوز شهادة الواحدة»

و في صحيح عبد الله بن سنان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس».

إلا أنها لقصورها عن معارضة غيرها من وجوه يتجه حينئذ حملها على إرادة القبول في الجملة، لما عرفت من ثبوت بعض الحق بنسبة الشهادة في الاستهلال و الوصية.

و عن السيد في الناصرية «يجيز أصحابنا ان تقبل في الرضاع شهادة

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 41.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 10.

178

المرأة الواحدة تنزيها للنكاح عن الشبهة و احتياطا فيه» و احتج على ذلك بالإجماع و الحديث النبوي (1) «دعها، كيف و قد شهدت بالرضاع»

و عليه يرتفع الخلاف في الواحدة و إن بعد التنزيل. و عن أبي الصلاح و يحكم بشهادتهما منفردتين في ما لا يعاينه الرجال من أحوالهن، و يلزمه الحكم بهما في الرضاع أيضا لدخوله فيه» نعم ظاهره عدم الاكتفاء بالواحدة، و ربما يشهد له ظاهر

قوله (عليه السلام): «لا يصدق إن لم يكن» في مرسل ابن بكير (2)

المتقدم، لكن قد عرفت قصور ذلك و نحوه عن مقاومة ما سمعته من الأدلة، فلا بد من تنزيل ذلك و نحوه عليها أو على ما لا ينافيها، و الله العالم.

[مسائل ثلاث]

مسائل ثلاث:

[المسألة الأولى الشهادة ليست شرطا في شيء من العقود]

الأولى:

الشهادة ليست شرطا في صحة شيء من العقود و الإيقاعات عندنا إلا الطلاق و الظهار، للأصل المستفاد من إطلاق ما يقتضي الصحة من الكتاب (3) و السنة (4) كما تقدم ذلك في مواضعه و لكن يستحب في النكاح و الرجعة و كذا في البيع و الدين، و الخلاف في ذلك نادر، كما عرفت البحث فيه في محاله مفصلا.

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 463 و سنن الدارقطني ج 4 ص 177 مع اختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب ما يحرم بالرضاع- الحديث 3 من كتاب النكاح.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 1.

(4) الوسائل- الباب- 1 و 6- من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

179

[المسألة الثانية حكم الحاكم تبع للشهادة]

المسألة الثانية قد تقدم في كتاب القضاء (1) أن حكم الحاكم عندنا تبع للشهادة، فإن كانت محقة نفذ الحكم ظاهرا و باطنا و إلا نفذ ظاهرا لا باطنا و بالجملة الحكم ينفذ عندنا ظاهرا لا باطنا، و لا يستبيح المشهود له ما حكم له إلا مع العلم بصحة الشهادة أو الجهل بحالها

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) (2): «إنما أنا بشر، و إنكم تختصمون إلى، و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، و إنما أقضي على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ به، فإنما أقطع له قطعة من النار».

خلافا لأبي حنيفة فحكم باستباحة المحكوم له و إن علم بطلانه، من غير فرق بين المال و البضع، و قد خالف في ذلك ضرورة المذهب أو الدين، خصوصا في ما اقتضى نكاح المحارم و نحوها، و لا غرو فكم له من مثل ذلك.

و من الجهل بحال الشهادة ما لو شهد له شاهدا عدل بحق لا يعلم به، و حينئذ جاز له أخذه بحكم الحاكم، لأن شهادة العدلين طريق شرعي ما لم يعلم الفساد، نعم لو توقف الثبوت بهما على يمين- كما إذا كان المشهود عليه بدين ميتا- لم يجز له الحلف بشهادتهما، بناء على اعتبار العلم فيه حسا لا شرعا على نحو ما سمعته في الشهادة (3).

____________

(1) راجع ج 40 ص 113- 114.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 3 من كتاب القضاء.

(3) راجع ص 121- 131.

180

[المسألة الثالثة إذا دعي من له أهلية التحمل وجب عليه]

المسألة الثالثة:

إذا دعي من له أهلية التحمل لها مع عدم خوف الضرر وجب عليه وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة و قيل و القائل ابن إدريس خاصة في ما أجد كما اعترف به في الرياض! لا يجب، و الأول مع شهرته و مناسبته لحكم سياسة نظام العالم مروي (1) بل هو ظاهر قوله تعالى (2) «وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» خصوصا بعد

صحيح هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) فيه قال:

«قبل الشهادة» و في قوله تعالى (4) «وَ مَنْ يَكْتُمْها» قال: «بعد الشهادة»

و خبر داود بن سرحان (5) عنه (عليه السلام) أيضا أنه قال: «لا يأب الشاهد أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب»

و خبر محمد ابن الفضيل (6) عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عز و جل: «وَ لا يَأْبَ» إلى آخره، فقال: «إذا دعاك الرجل لتشهد له على دين أو حق لم يسع لك أن تتقاعس عنه»

و موثق سماعة (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «وَ لا يَأْبَ» إلى آخرها، فقال: «لا ينبغي لأحد إذا دعي على شهادة يشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم»

و نحوه

خبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(3) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات الحديث 1.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 283.

(5) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات الحديث 7.

(7) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات الحديث 5.

181

الكناني (1) عنه (عليه السلام) أيضا مع زيادة «و ذلك قبل الكتاب»

إلى غير ذلك.

فما عن ابن إدريس من أن المراد بالآية أداؤها لا تحملها لظهور لفظ المشتق في ذلك كأنه اجتهاد في مقابلة النص و إن كان ربما يشهد له ما عن

تفسير العسكري (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول «وَ لا يَأْبَ» إلى آخرها «من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لإقامتها، و ليقمها و لينصح فيها، و لا تأخذه فيها لومة لائم، و ليأمر بالمعروف و ينه عن المنكر»

لكن قال فيه أيضا و في خبر آخر (3): «إنها نزلت في ما إذا دعي لسماع الشهادة أبى، و أنزلت في من امتنع عن أداء الشهادة إذا كانت عنده «وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ، وَ مَنْ يَكْتُمْها إلى آخرها».

نعم قد يقال باحتمال الكراهة في الآية، لأنها على طولها مشتملة على الآداب، بل ملاحظة ما قبلها و ما بعدها- و إنها على مساق واحد، خصوصا ما كان منها مثل اللفظ المزبور، نحو قوله تعالى «وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ» فضلا عن قوله تعالى «وَ لا تَسْئَمُوا» إلى آخرها- يورث الظن القوي بكون ذلك منها أيضا، مؤيدا بإشعار لفظ «لا ينبغي» و نحوه في النصوص المزبورة بل إنفاق معظمها على هذا اللفظ و نحوه ظاهر في ذلك أيضا، بل شدة التوعد على كتمانها و زيادة المبالغة فيه مع تركه على التحمل فيه إشعار آخر أيضا، بل قد يظهر من الصدوق المفروغية من عدم الوجوب، حيث إنه بعد أن

روى في المحكي من فقيهه «قيل للصادق (عليه السلام) (4): إن شريكا يرد شهادتنا، فقال: لا تذلوا أنفسكم»

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات- الحديث 2 و لكن ليس فيه تلك الزيادة و هي موجودة في حسن الحلبي المروي في نفس الباب- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الشهادات- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 53- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

182

قال: «ليس يريد بذلك النهي عن إقامتها، لأن إقامة الشهادة واجبة، إنما يعني بها تحملها، يقول: لا تتحملوا الشهادة فتذلوا أنفسكم بإقامتها عند من يردها» بل هو فتوى المصنف في النافع قال: «و يكره أن يشهد لمخالف إذا خشي أنه لو استدعاه إلى الحاكم ترد شهادته» و لعل غيرها أيضا كذلك، إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة التي تظهر للفقيه الممارس بأدنى تأمل في نصوص المقام.

فالإنصاف عدم خلو القول بعدم وجوبه و أنه مستحب بل تركه مكروه من قوة و إن كان الفاضل في المختلف بعد أن حكى عن ابن إدريس عدم الوجوب و استدلاله بالأصل و ظهور الآية في الأداء و كون الوارد في ذلك من أخبار الآحاد قال: «و نسبة ذلك إلى أنه من أخبار الآحاد مع دلالة القرآن عليه و استفاضة الأخبار به و فتوى متقدمي علمائنا به جهل منه و قلة تأمل» اللهم إلا أن يريد ذلك بالنسبة إلى استدلاله، لما عرفت من ظهور الآية و لو بقرينة النصوص في إرادة التحمل.

نعم قد يحتمل أن يراد في الآية بناء على إرادة من تلبس بالشهادة منها الإشارة إلى مضمون النصوص المستفيضة (1) و هو أن من دعي إلى تحمل الشهادة فتحملها وجب عليه إقامتها و من تحملها بلا استدعاء لم يجب عليه إقامتها إلا في صورة خاصة، و هي إذا علم الظلم، و حينئذ فيكون المعنى و لا يأب الشهداء عن أداء الشهادة إذا دعوا إلى تحملها و إلا فلا يجب، فيتوافق حينئذ مضمون النصوص المزبورة مع الآية، إلا أنه خلاف ما تقدم في النصوص الواردة في تفسيرها.

و كيف كان ف الوجوب على القول به على الكفاية عند المتأخرين كافة للأصل و لأولويته بذلك من الإقامة التي

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات.

183

ستعرف استفاضة الإجماع على كفايتها و حينئذ ف لا يتعين إلا مع عدم غيره ممن يقوم بالتحمل كغيره من الكفائي، إلا أنه كما ترى، ضرورة انقطاع الأصل بظهور الأدلة كتابا (1) و سنة (2) في العينية، و لا قرينة على إرادة الكفائية نحو تغسيل الميت و دفنه اللذين لم يشرع فيهما التكرار حتى يراد وقوعه من كل مكلف، بل المراد إيجاد أصل الطبيعة من أي مكلف بخلاف المقام الذي لا مانع فيه من وجوب التحمل على كل من يدعى إلى الشهادة، كما هو ظاهر قوله تعالى (3) «وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ» و غيره من النصوص (4) السابقة، بل فائدته ظاهرة، لاحتمال الغفلة و النسيان و الغيبة و الفسق و الموت و غير ذلك، و القياس على الإقامة مع بطلانه عندنا ستعرف الكلام في المقيس عليه، و لعله لذا كان المحكي عن ظاهر المفيد و الحلبي و القاضي و الديلمي و ابن زهرة العينية.

و استبعاد التزام الوجوب بدعوى المائة و المائتين إلى التحمل عليهم أجمع لا يقتضي القول بالكفائية التي هي ليست أولى من التزام الندبية حينئذ فرارا من الاستبعاد المزبور، بل لعل الأخيرة أولى، لما عرفته سابقا.

و لعل هذا أيضا من مؤيدات الندب، بل قد يؤيده أيضا أنه على القول بالوجوب يتجه التزامه على كل من دعي إليه و إن لم يكن له أهلية التحمل لفسق مثلا، لإطلاق الأدلة، و لاحتمال الفائدة بتحصيل الشياع و تجدد العدالة له، و غير ذلك. هذا كله في التحمل.

أما الأداء فلا خلاف في وجوبه بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب و السنة كقوله تعالى (5) «وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ»

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(4) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الشهادات.

(5) سورة البقرة: 2- الآية 283.

184

و في خبر جابر (1) المروي بعدة طرق في كتب متعددة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم أو ليزوي مال امرئ مسلم أتى يوم القيامة و لوجهه ظلمة مد البصر، و في وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ألا ترى إن الله تعالى يقول وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ (2)»

و في حديث المناهي (3) «نهى عن كتمان الشهادة، قال: و من كتمها أطعمه الله تعالى لحمه على رؤوس الخلائق، و هو قول الله عز و جل وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ (4)»

و في حديث النص على مولانا الرضا (عليه السلام) (5) أنه قال: «و إن سئلت عن الشهادة فأدها، فإن الله تعالى يقول إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (6) و قال وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً (7)»

إلى غير ذلك من النصوص، إلا أنها أجمع كما ترى ظاهرة في الوجوب عينا.

إلا أن ظاهر الأصحاب الإطباق على الكفائية بل استفاض في عباراتهم نقل الإجماع و نفي الخلاف على ذلك، مؤيدا بظهور كون الحكمة في وجوب الأداء و حرمة الكتمان ضياع الحق، و من المعلوم عدم توقف ذلك على شهادة الجميع، و أنه يكفي فيه ما يقوم به من الشهود دون ما زاد، و هذا معنى الكفائي.

نعم ظاهر الأكثر عدم الفرق في ذلك بين كون تحمل الشهادة بالاستدعاء و عدمه، لصدق اسمها على وجه تندرج في ما سمعته من الأدلة

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(5) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(6) سورة النساء: 4- الآية 58.

(7) سورة البقرة: 2- الآية 140.

185

على وجوب الأداء و حرمة الكتمان، خلافا للمحكي عن جماعة كالشيخ و ابن الجنيد و أبي الصلاح و القاضي و ابني زهرة و حمزة، فلم يوجبوا الأداء مع عدم الاستدعاء للتحمل إلا إذا علم فوات الحق، للنصوص التي قدمناها سابقا في مسألة صيرورة الشاهد شاهدا لو سمع الإقرار و إن لم يدع للشهادة (1) و ذكرنا تحقيق الحال هناك و أن ما ذكره الفاضل في المختلف من لفظية النزاع في غير محله، كالاحتمالات المذكورة في كشف اللثام للنصوص المزبورة.

و منه يعلم ما في الذي أطنب به في الرياض هنا، حيث إنه بعد أن ذكر النصوص المزبورة دليلا للكفائية التي حكي الإجماعات المتعددة عليها و بها خرج عن مقتضى العينية التي هي مفاد الأدلة السابقة قال: «و بالجملة دلالة هذه النصوص بعد ضم بعضها إلى بعض على عدم الوجوب و كونه كفاية لا عينا في ما زاد عدد الشهود على العدد المعتبر شرعا واضحة، و لا إشكال فيها من هذه الجهة، بل الاشكال فيها إنما هو من حيث دلالتها على التفصيل بين صورتي الاستدعاء للتحمل للشهادة فيجب الإقامة عينا مطلقا و لو زاد عددهم عن المعتبر شرعا، و عدمه فيجب كفاية مع الزيادة و عينا مع عدمها، و هو مخالف لما عليه جمهور أصحابنا المتأخرين حيث حكموا بوجوب الإقامة كفاية مطلقا و لو في الصورة الأولى مع الزيادة، و ادعوا إجماعاتهم المتقدمة على ذلك كذلك، إلا أن جمهور قدماء الأصحاب كالشيخ في النهاية و الإسكافي و القاضي و الحلبي و ابني زهرة و حمزة على التفصيل المتقدم إليه الإشارة، و استدل لهم زيادة على ذلك بأنه مع عدم الاستدعاء لم يؤخذ منه التزام، بخلاف ما إذا تحمل قصدا فإنه يكون ملتزما كضمان الأموال، و المسألة عند العبد محل تردد- إلى أن

____________

(1) راجع ص 99- 104.

186

قال-: إن الأقرب الأول» أي التفصيل المزبور ثم ذكر ما ذكر.

و لا يخفى عليك ما فيه من النظر من وجوه، حتى تحريره للخلاف على الوجه الذي ذكره، فإنك قد عرفت تصريح النهاية و غيرها بعدم الوجوب أصلا إلا مع العلم بالظلم في صورة عدم الاستدعاء للتحمل، كما هو مضمون النصوص، و ليس هو من الوجوب الكفائي قطعا، و إلا كان مقتضاه الوجوب إلا إذا علم قيام الغير مقامه، فيسقط كما هو ضابط الوجوب الكفائي.

و أغرب من ذلك حمله في ما تركناه من كلامه الإجماعات المحكية على الكفائية على صورة عدم الاستدعاء للتحمل التي هي إن لم تكن مرجوحة الاندراج في إطلاق كلامهم فهي مساوية للصورة الأخرى، ثم قال بعد ذلك: «و من هنا يظهر جواب آخر عن الإجماعات المحكية على وجوب الإقامة كفائية على الإطلاق، لوضوح كون المدعى فيها كفائية في نفسه المجامعة للعينية بالعرض، و لا مانع في كون الاستدعاء من العوارض».

و هو من غرائب الكلام، فالتحقيق في المسألة ما عرفت، و هو الوجوب كفاية في صورة الاستدعاء للتحمل و عدم الوجوب أصلا في صورة عدم الاستدعاء إلا إذا علم الظلم كما أوضحناه سابقا و نقول هنا زيادة على ذلك: يمكن أن يكون محل كلامهم في المقام خصوص الشهادة في صورة المخاصمة التي تقام عند الحاكم، و أما الشهادات في غيرها كالشهادة بالاجتهاد و العدالة و نحوها مما لا ترجع إلى مخاصمة عند الحاكم و لا يراد إثباتها عنده فلا يبعد القول بوجوبها عينا على كل من كانت عنده، و لا مدخلية لكيفية التحمل فيها، لظهور الأدلة السالمة عن المعارض بالنسبة إلى ذلك بعد تنزيل الإجماعات المزبورة على غير هذه الصورة التي لا غرض بمقدار مخصوص منها، بل ربما كان الغرض تعدد الشهادة فيها لكونه أتم

187

للمقصود، فتأمل جيدا.

و كيف كان فلا يخفى عليك الحال في حكم الكفائي في صورة وجوبه ف ان من المعلوم وجوبه على المكلف به و أنه إن قام به غيره سقط عنه، فان امتنعوا عنه أجمع لحقهم الذم و العقاب و أنه لو عدم الشهود إلا اثنان تعين عليهما بل لو بقي واحد تعين عليه أيضا و إن لم يقم به تمام الحجة إن كان الحق مما يثبت بالشاهد و اليمين و إلا فلا إن لم يحتمل وجوب (وجود ظ) من يتم معه العدد، بل قد يقال بوجوب الأداء عليه و إن لم يحتمل، لإطلاق الأدلة، و ربما كان للمشهود له به نفع.

هذا و في الرياض «قالوا: و لو لم يعلم صاحب الحق بشهادة الشاهد وجب عليه تعريفه إن خاف بطلان الحق بدون شهادته و لا بأس به».

قلت: المتجه فيه بناء على ما عرفت أنه إن كان متحملا لها باستدعاء و لكن نسيه مثلا صاحب الحق وجب عليه الشهادة بطلب صاحب الحق لها ممن كانت عنده ما لم يعلم قيام الغير بها على نحو غيرها، نعم لو خاف سقوطها بالتبرع بها عرف صاحب الحق ذلك ليدعوه لها بالخصوص، و إن لم يكن تحمله لها باستدعاء لم يجب عليه إلا إذا علم الظلم بدونها.

هذا و في الرياض «و لو لم يكن الشهود عدولا فإن أمكن ثبوت الحق بشهادتهم و لو عند حاكم الجور وجب الاعلام أيضا للعموم، و إلا فوجهان، أجودهما الوجوب لذلك مع إمكان حصول العدالة بالتوبة».

قلت: كان الأجود أيضا وجوب الشهادة عليهم إذا دعوا إليها و لو عند حاكم العدل.

و على كل حال ف لا يجوز لهما أي الشاهدين التخلف عن أداء الشهادة حيث تجب عليهما إلا أن تكون

188

الشهادة مضرة بها ضررا معتدا به أو بأحد المؤمنين أو المشهود عليه أو له غير مستحق فإنها لا تجب حينئذ بلا خلاف أجده فيه، لقاعدة لا ضرر و نفي العسر و الحرج،

و في الخبر (1) «أقم الشهادة- إلى أن قال-: و إن خفت على أخيك ضيما فلا»

و في آخر (2) «قلت له:

رجل من مواليك عليه دين لرجل مخالف يريد أن يعسره و يحبسه و قد علم الله تعالى أنه ليس عنده و لا يقدر عليه و ليس لغريمه بينة هل يجوز له أن يحلف له ليدفعه عن نفسه حتى ييسر الله تعالى له و إن كان عليه الشهود من مواليك قد عرفوه أنه لا يقدر هل يجوز أن يشهدوا عليه؟ قال؟ لا يجوز أن يشهدوا عليه و لا ينوى ظلمه؟»

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي لا يعارضها ما في بعض نسخ الخبر الأول بدون «فلا». و بالجملة إقامة الشهادة كغيرها من الواجبات التي تسقط مع الضرر.

و احترز بالمستحق عما لو كان للمشهود عليه حق على الشاهد يطالبه عليه على تقدير الشهادة و يمهله به أو يسامحه بدونها، فلا يعد ذلك عذرا، لأنه مستحق عليه مع فرض قدرته على الوفاء به كما هو واضح.

هذا و في المسالك «و اعلم أن إطلاق الأصحاب و الأخبار يقتضي عدم الفرق في التحمل و الأداء بين كونه في بلد الشاهد و غيره مما يحتاج إلى مشقة، و لا بين السفر الطويل و القصير مع الإمكان، هذا من حيث السعي أما المئونة المحتاج إليها في السفر من الركوب و غيره فلا يجب على الشاهد تحملها، بل إن قام بها المشهود له و إلا سقط الوجوب، فان الوجوب في الأمرين مشروط بعدم توجه ضرر على الشاهد غير مستحق، و إلا سقط الوجوب» قلت: قد يقال إن السفر الطويل و نحوه من المشقة و العسر أيضا فتأمل جيدا، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 19- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

189

[الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة]

الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة و هي مقبولة عندنا في الجملة بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل لعل المحكي منه على ذلك متواترة، كما أنه يمكن دعوى القطع به من مجموع النصوص المستفاد منها ذلك صريحا و فحوى، ك

خبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الشهادة على شهادة رجل و هو بالحضرة في البلد، قال: نعم، و لو كان خلف سارية يجوز ذلك إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعلة تمنعه من أن يحضر و يقيمها فلا بأس بإقامة الشهادة على شهادته»

و غيره من النصوص التي تسمعها في الأثناء العاضدة له مضافا إلى ما عرفته من الإجماع و غيره التي منها يعلم أن لا وجه لوسوسة بعض الناس في سنده.

فما في خبر غياث بن إبراهيم (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) قال: لا تقبل شهادة رجل على رجل حي و إن كان باليمين»

شاذ أو محمول على التقية، كما قيل و إن كان فيه ما فيه، لما ستعرف من ظهور الخبرين الآتيين في اكتفاء أبي حنيفة بالواحد، فالأولى حمله على ما في خبره الآخر (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان لا يجيز شهادة رجل

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

190

على شهادة رجل إلا شهادة رجلين على شهادة رجل»

و خبر طلحة بن زيد (1) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «انه كان لا يجيز شهادة رجل على رجل إلا شهادة رجلين على رجل»

و في الفقيه (2) قال الصادق (عليه السلام): «إذا شهد رجل على شهادة رجل فان شهادته تقبل، و هي نصف شهادة، و إن شهد رجلان عدلان على شهادة رجل فقد ثبت شهادة رجل واحد».

و كيف كان ف هي مقبولة في حقوق الناس غير الحد منها عقوبة كانت كالقصاص، أو غير عقوبة كالطلاق و النسب و العتق، أو مالا كالقراض و القرض و عقود المعاوضات، أو ما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء و الولادة و الاستهلال و غير ذلك مما هو حق آدمي غير الحد بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع أيضا بقسميه عليه، لإطلاق نصوص المقام المعتضد بعموم ما دل (3) على قبول شهادة العدلين في ما يشهدان به الشامل لمفروض البحث، و بقضاء الضرورة إلى ذلك، فان شهود الواقعة قد يتفق المانع من الحضور بموت و غيبة و غيرهما.

نعم لا تقبل في الحدود المبنية على التخفيف و الدرء بالشبهة، و ل

خبر طلحة بن زيد (4) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «إنه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حد»

و خبر غياث بن إبراهيم (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام):

لا تجوز شهادة على شهادة في حد».

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

(3) سورة الطلاق: 65- الآية 2 و الوسائل- الباب- 51- من كتاب الشهادات.

(4) الوسائل- الباب- 45- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 45- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

191

بل مقتضاهما عدم الفرق فيها سواء كانت لله محضة كحد الزناء و اللواط و السحق أو مشتركة بينه تعالى و بين الآدمي كحد السرقة و القذف و إن كان المجمع عليه نقلا و تحصيلا الأولى منها، و أما الأخيران و نحوهما ف على خلاف فيهما إلا أن المشهور كما اعترف به غير واحد ذلك أيضا، لعموم الخبرين السابقين المعتضدين بما عرفت.

خلافا للمحكي عن المبسوط و ابن حمزة و فخر الإسلام و الشهيد في النكت، و اختاره في المسالك قال: «لعدم دليل صالح للتخصيص بعد ضعف الخبرين المزبورين» و فيه ما لا يخفى من انجبار الضعف بما عرفت فلا ريب في أنه الأقوى، نعم يقوى جريانها في حقوق الله غير الحد كالزكاة و أوقاف المساجد و الجهات العامة و الأهلة كما نص عليه في المسالك، للإطلاق المؤيد بإشعار الاقتصار على الحد بالقبول في غيره.

لكن قد يتوهم من المتن و غيره عدم جريانها في ذلك، بل في كشف اللثام «و كذا لا تثبت في سائر حقوق الله تعالى كما قطع به الأصحاب، و منه الأهلة» و لذا قال في التذكرة: «لا يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة عند علمائنا، لأصالة البراءة و اختصاص ورود القبول بالأموال و حقوق الآدميين».

و لكن لا يخفى عليك أن عموم الأدلة و إطلاق خصوصها يقتضي ثبوتها، و يمكن إرادة المصنف و غيره من حقوق الآدمي ما يشمل ذلك كله، خصوصا بعد اقتصارهم في المنع على الحد، بل قد عرفت القول بثبوتها في الحد المشترك تغليبا لحق الآدمي و إن كان الأصح ما عرفت، كما أنه يقوى ثبوت غير الحد من الأحكام المترتبة على موضوع الحد بها، كنشر الحرمة بأم الموطوء و أخته و بنته و بنت العمة و الخالة بالزناء بهما، و كثبوت المهر للمزني بها المكرهة و غير ذلك، ضرورة أنك قد عرفت غير مرة

192

عدم التلازم بين سقوط الحد المبني على التخفيف و الدرء بالشبهة و بين سقوطها، فتبقى على مقتضى عموم الأدلة، و كون الجميع معلول علة واحدة لا يقتضي ذلك بعد ما عرفت من سقوط أحدها بالشبهة التي لا تنافي الثبوت ظاهرا بالنسبة إلى غيره، خصوصا في مثل العلل الشرعية التي هي معرفات.

نعم الظاهر عدم ثبوت التعزير بها في ما يوجبه، لاحتمال كون المراد بالحد هنا ما يشمله، لاشتراكه معه في البناء على التخفيف، بل صريح المصنف في ما يأتي ذلك.

و كذا لا تقبل الشهادة الثالثة فصاعدا بلا خلاف أجده فيه، بل حكى غير واحد الإجماع عليه في بحث الشياع، بل في الرياض منافي ظاهر التحرير و المسالك و صريح الغنية و المحكي عن الماتن و المقدس الأردبيلي و غيرهم الإجماع عليه أيضا، و هو الحجة، مضافا إلى الأصل بعد اختصاص ما دل على قبول الشهادة على الشهادة بالثانية دون ما زاد، و خصوص

الخبر (1) المنجبر بما عرفت «و لا تجوز شهادة على شهادة على شهادة».

و كيف كان ف لا بد في شهادة الفرع أن يشهد اثنان بلا خلاف و لا إشكال لما سمعته من النصوص و لأن المراد إثبات شهادة الأصل، و هو لا يتحقق بشهادة الواحد الذي هو نصف البينة و حينئذ لو شهد على كل واحد اثنان صح بلا خلاف فيه بيننا و بين من أجاز شهادة الفرع من العامة.

و كذا في الصحة عندنا لو شهد اثنان على شهادة كل واحد من شاهدي الأصل بل و كذا لو شهد شاهد أصل و هو مع آخر على شهادة أصل آخر إذ كونه شاهد أصل لا ينافي كونه مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

193

ذلك شاهد فرع و كذا لو شهد اثنان على جماعة كفى شهادة الاثنين على كل واحد منهم، و كذا لو كان شهود الأصل شاهدا و امرأتين فشهد على شهادتهم اثنان أو كان الأصل نساء أربعا في ما تقبل فيه شهادتهن منفردات كفى شهادة اثنين عليهن كل ذلك و غيره لعموم الأدلة المقتضية قبول شهادة العدلين اتحد المشهود به أو تعدد، و كذا المشهود عليه.

خلافا للمحكي عن الشافعي في أحد قوليه فاعتبر المغايرة في شهود كل فرع، و حينئذ يعتبر شهود أربعة على الشاهدين، و على الرجل و المرأتين ستة، و على الأربع نساء ثمانية و هكذا.

و ضعفه واضح حتى على ما قيل من أن مبنى الخلاف في جواز كون الأصل فرعا و عدمه، على أن الإشهاد على الشهادة هل هو لإثبات الشهادة أو لحكم النيابة عنها؟ فعلى الأول الذي هو مذهب الأصحاب يجوز أن يكون الأصل فرعا، لا على الثاني الذي احتمله في الدروس، لأنه لا يصح أن يكون نائبا عن نفسه و غيره، لأن قيامه بنفسه يستدعي استغناءه عن الغير، و نيابته تقتضي افتقاره، فلا يجتمعان، إذ قد يقال بكفاية التغاير الاعتباري عليه نحو ما سمعته في اتحاد الموجب و القابل، و الأمر سهل بعد وضوح الحال عندنا، لكن في الرياض بعد أن ذكر الإطلاق دليلا للأصحاب حاكيا له عن جمع قال: «و في التمسك به لو لا الإجماع نظر» و لا أعرف وجه النظر الذي أضمره في نفسه، كما أني لم أعرف أحدا سبقه إلى ذلك.

نعم في القواعد الإشكال في الاجتزاء باثنين في شهود الزناء بالنسبة إلى ترتب نشر الحرمة و المهر لا الحد من أن المقصود حق الآدمي من المهر و غيره، و من أنه تابع للزناء و نحوه فلا يثبت إلا بثبوته و لا يثبت

194

إلا بأربعة، و أنه لا بد في الأصل من أربعة، و هو لا يكون أسوأ حالا من الفرع، أو من أن الفرع نائب عن الأصل فيشترط الأربعة، أو لا يثبت به إلا شهادة الأصل فيكفي الاثنان.

و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرنا، على أن الذي سمعته من العامة هو أحد قولي الشافعي، و إلا فالذي يظهر من خبري البزنطي (1) و ابن هلال (2) عن الرضا (عليه السلام) اكتفاؤهم بالواحد على شهادة المائة،

قال في الأول: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله (عليه السلام): تجيزون شهادة و يمين، قال:

نعم قضى به رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قضى به علي (عليه السلام) بين أظهركم بشاهد و يمين، فتعجب أبو حنيفة فقال أبو عبد الله (عليه السلام): العجب من هذا أنكم تقضون بشاهد واحد في مائة شاهد، فقال: لا نفعل، فقال: بلى تبعثون رجلا واحدا فيسأل عن مائة شاهد فتجيزون شهادتهم بقوله، و إنما هو رجل واحد»

و قال في الثاني: «إن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال له أبو حنيفة: كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد؟ فقال جعفر (عليه السلام): قضى به رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قضى به علي (عليه السلام) عندكم، فضحك أبو حنيفة، فقال له جعفر (عليه السلام): أنتم تقضون بشهادة واحد على شهادة مائة، فقال: ما نفعل، فقال: بلى، يشهد مائة فترسلون واحدا يسأل عنهم تجيزون شهادتهم بقوله»

و منه يعلم ما في حمل الخبر الأول على التقية، اللهم إلا أن يراد منهما الاجتزاء بالواحد في التعريف، لكنه مع أنه خلاف ظاهرهما خلاف المعهود منهم، بل ظاهر ما سمعته من نصوص الشهادة على الامرأة عدم اجتزائهم بشهود التعريف

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 17- من كتاب القضاء.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 13- من كتاب القضاء.

195

مع التعدد فضلا عن الاتحاد، و الله العالم.

و كيف كان ف للتحمل مراتب مأخوذة من معنى الشهادة على الشهادة، و إلا فليس في النصوص لها أثر، نعم في خبر عمر بن جميع (1) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال:

«اشهد على شهادتك من ينصحك، قال: أصلحك الله كيف؟ يزيد و ينقص، قال: لا و لكن يحفظها عليك، و لا تجوز شهادة على شهادة على شهادة»

و في المسالك و غيرها «أنه لا يجوز للفرع التحمل إلا إذا عرف أن عند الأصل شهادة جازمة بالمشهود عليه» بل في الرياض نفي الخلاف فيه، لأنه المتبادر و المعنى الحقيقي للشهادة على الشهادة، قلت:

لكن طريقه إلى ذلك لفظ الأصل و لو بأن يؤديه بعنوان أنه شهادة، أو يعتبر مع ذلك أمر آخر، و ستعرف تحقيق الحال فيه.

و على كل حال ف أتمها أي المراتب أن يقول شاهد الأصل: اشهد أو أشهدتك على شهادتي أني أشهد على فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا، و هو الاسترعاء أي التماس شاهد الأصل رعاية شهادته و الشهادة بها، أو يقول: إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد، و ربما قيل: إن الاسترعاء هو أن يقول: أشهدك عن شهادتي، و الفرق بين «عن» و «على» أن قوله: «أشهدك على شهادتي» تحميل، و قوله: «عن شهادتي» إذن في الأداء، فكأنه يقول: أدها عني، إذ لإذنه أثر في ذلك، ألا تراه لو قال له بعد التحميل: «لا تؤد عني تلك الشهادة» امتنع عليه الأداء، و من هنا يحكى عن بعضهم ترجيح «عن» على «على» بل ناقش في «على» بأنها تقتضي كون الشهادة مشهودا عليها، و إنما هي مشهود بها، و المشهود

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 6 عن عمرو بن جميع.

196

عليه الشاهد، و لا بد من التمييز بين المشهود به و له و عليه.

لكن لا يخفى عليك ما في هذه الكلمات التي هي في الحقيقة من اللغو، و هي بالعامة أليق منها بالخاصة، ضرورة كون المراد واضحا و نصوص المقام مملوة من لفظ «الشهادة على الشهادة» و ليس هو إلا لظهور المراد بها، و الاذن لا مدخلية لها في ذلك، إلا أن يستفاد من عدمها الرجوع عن الشهادة، و هو خروج عما نحن فيه، فالمدار حينئذ على تحميل الأصل ذلك بعنوان أنها شهادة منه. و على كل حال فلا خلاف في جواز التحمل بالاسترعاء المزبور كما اعترف به غير واحد، بل في جملة من الكتب الإجماع عليه.

و أخفض منه أي الاسترعاء أن تسمعه يشهد عند الحاكم فإنه يجوز له التحمل به و إن لم يسترعه، كما صرح به جماعة، لصدق كونها شهادة على شهادة إذ لا ريب في تصريحه هناك بالشهادة بل إقامته إياها عند الحاكم العدل للحكم بها أقوى من التصريح الأول في الاسترعاء أو مساو له، بل للحاكم أن يشهد بها عند حاكم آخر، فما عن ظاهر ابن الجنيد- من منع التحمل بها لأنه خص القبول بالاسترعاء المزبور- واضح الضعف، ضرورة عدم اعتبار التحميل في صحة التحمل لإطلاق أدلة المقام و غيرها.

بل ذكر غير واحد- منهم الشيخ في المحكي من مبسوطة- أنه يليه أي يقرب من ذلك في جواز التحمل أن يسمعه يقول عند غير الحاكم أنا أشهد على فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا، أو يذكر السبب، مثل أن يقول: من ثمن ثبوت أو عقار، إذ هي صورة جزم و شهادة عرفا، فتندرج في ما دل من الشهادة على الشهادة، بل تندرج في جميع الأدلة.

197

و لكن قال المصنف و تبعه الفاضل فيه تردد من ذلك، و من اعتياد التسامح بأمثال ذلك في غير مجلس الحكومة، و احتمال الوعد و غيره، فلا يقين بإرادة المعنى الحقيقي للشهادة بذلك، خصوصا بعد استقراء حال كثير من القائلين نحو ذلك بطلب الشهادة منهم بما قالوه بعد المرافعة و المخاصمة و امتناعهم من ذلك، فلا يقين حينئذ بشهادة الأصل، و قد عرفت عدم الخلاف في اعتباره، هذا مع الكيفية المزبورة.

أما ما لو لم يذكر سبب الحق بل اقتصر على قوله:

أشهد لفلان على فلان بكذا فقد جزم غير واحد بأنه لم يصر متحملا بذلك لاعتياد التسامح بمثله و إن قال المصنف في الفرق بين هذه و بين ذكر السبب إشكال معترضا به على ما عن المبسوط باعتبار اشتمالها أيضا على الجزم الشهادي الذي ليس للعدل التسامح بمثله، فالواجب إما القبول فيهما أو الرد كذلك، و الأول بعيد، بل لم يقل به أحد، فتعين الثاني، لكن لم نجد ذلك لغيره، فإن الأصل في هذه المراتب الشيخ في محكي المبسوط، و من تأخر عنه قد وافقه على ذلك في ما حكي عنه إلا ما سمعته من تردد المصنف و الفاضل في الثالثة و إشكال المصنف خاصة في الأخيرة. و لا يخفى عليك ما في الجميع.

و من هنا أعرض جماعة من المتأخرين عن ذلك كله، و جعلوا المدار على ما عرفته سابقا من اعتبار علم الفرع بشهادة الأصل من دون فرق بين الصور كلها، حتى لو فرض عدمه في صورة الاسترعاء لقيام احتمال المزج و نحوه لم يجز التحمل، كما أنه لو فرض حصوله في الصورة الأخيرة صار متحملا.

قلت: لكن لا يخلو من إجمال أيضا، فإنه إن أريد العلم بذلك زيادة على ما يستفاد من العبارة الدالة عليه كان مطالبا بدليله، ضرورة معلومية

198

حجية المفهوم من الألفاظ في الإقرارات و الوصايا و نحوها، و إن أريد العلم و لو بمقتضى دلالة اللفظ كان المتجه جعل ذلك هو المدار لا العلم الموهم خلاف ذلك، بل يمكن دعوى صراحة بعض الكلمات فيه، و لذا فرقوا بين الإقرار و المقام بأن المقر مخبر عن نفسه و الشاهد مخبر عن غيره الذي قد يتساهل فيه، فيحتاج فيه إلى الاحتياط بخلاف المخبر عن نفسه، و لذا لم تقبل شهادة الفاسق و المغفل و غيرهما، و يقبل إقرارهما.

و التحقيق أن الإنشاء الشهادي الذي قد قدمنا في أول الكتاب الفرق بينه و بين المعنى الاخباري ذاتا متى تحقق و لو بعبارة دالة عليه جازت الشهادة عليه، إذ هو كغيره من الإنشاء الذي يكتفى في الشهادة عليه بإيجاده بالعبارة الدالة عليه كالبيع و الإجارة و الطلاق و غيرها، و حينئذ فالمتجه جعل المدار على هذا، إلا أن تنضم قرائن تقتضي الشك في إرادته من العبارة الدالة عليه كغيره من أفراد الإنشاء.

و من ذلك يظهر لك أنه إن كان مراد الجماعة ما ذكرناه فمرحبا بالوفاق و إلا كان محلا للنظر بل و المنع، لما عرفت من عدم الدليل بالخصوص على هذه المراتب، و إنما الموجود صدق الشهادة على الشهادة، فيدور الحال مدارها.

بل منه يظهر لك النظر في ما ذكره المصنف و غيره من تفصيل شاهد الفرع و كيفية تحمله قال ففي صورة الاسترعاء يقول: أشهدني فلان على شهادته، و في صورة سماعه عند الحاكم يقول: أشهد أن فلانا شهد عند الحاكم بكذا، و في صورة السماع لا عنده يقول: أشهد أن فلانا شهد على فلان لفلان بكذا بسبب كذا إن كان المراد من ذلك الوجوب كما صرح به في المسالك قال: «لأن الغالب في الناس الجهل بطريق التحمل، فربما استند إلى سبب لا يجوز التحمل به، و لما عرفته من

199

الاختلاف في المراتب، فربما أطلق الشهادة و كانت مستندة إلى سبب يجوز عنده و لا يجوز عند الحاكم» ضرورة عدم الدليل على ذلك، بل إطلاق الأدلة خصوصا نصوص المقام يقتضي خلافه، لما عرفت من كون المراد على صدق الشهادة على الشهادة، مضافا إلى ما عرفت من كون المقام على حسب غيره من أفراد الشهادة، فليس ما يشهد به الشاهد من الشهادة إلا كغيره مما يشهد به الذي لا يعتبر فيه شيء من ذلك كما هو واضح.

و لا تقبل شهادة الفرع إلا عند تعذر حضور شاهد الأصل عند المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل عن الخلاف الإجماع عليه، بل قيل: لا يكاد يتحقق فيه خلاف حتى من الخلاف و إن حكي فيه عن بعض الأصحاب، و قيل: مال إليه، لدعواه الإجماع على الاشتراط، و عدم وضوح ميلة إلى ما نقله عن البعض إلا من حيث ذكره دليله ساكتا عليه، و لعل وجهه اكتفاؤه في رده بالإجماع الذي قدمه، و لعل البعض الذي نقل الخلاف عنه هو والد الصدوق كما عن جماعة حكايته عنه، لكن عن مختلف الفاضل إنكاره بعد أن حكى نسبته إليه عن الحلي، و يحتمل أن يكون هو الإسكافي كما عن الدروس حكايته عنه إلى أن قال: «و كيف كان فلا ريب في ندرته و مخالفته الإجماع الظاهر و المحكي».

قلت: و لكن مع ذلك كله ففي كشف اللثام تبعا له «الأقوى عدم الاشتراط، كما يظهر من الخلاف الميل إليه، لضعف هذه الأدلة، و الأصل القبول، قال الشيخ: و أيضا روى أصحابنا أنه إذا اجتمع شاهد الأصل و الفرع و اختلفا فإنه تقبل شهادة أعدلهما، حتى أن في أصحابنا من قال:

إنه تقبل شهادة الفرع و تسقط شهادة الأصل» و مثله المقدس الأردبيلي حاكيا له عن الصدوق.

200

و فيه أنه يكفي في قطع الأصل خبر محمد بن مسلم (1) المتقدم المنجبر بالإجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة أو الإجماع المحصل و بما قيل من أن الفرع أضعف، و لا جهة للعدول إليه عن الأقوى إذا أمكن، و من الافتقار إلى البحث عن الأصل و الفرع جميعا، و هو زيادة مئونة و إن كانا هما كما ترى، و بما سمعته من الأدلة على وجوب الإقامة على شاهد الأصل و بغير ذلك مما هو إن لم يكن مثبتا للمطلوب فلا أقل من الشك منه في تناول دليل الاجتزاء بشهادة الفرع للفرض، و الأصل عدم القبول، و ما ذكره من رواية أصحابنا لا ينافي ذلك كما ستعرف، و خصوصا بعد إمكان كون إنكار الأصل أو نسيانه من أسباب التعذر كما في كشف اللثام.

و كيف كان ف يتحقق العذر بالمرض و ما ماثله و بالغيبة و لا تقدير لها عندنا خلافا لبعض العامة، فاعتبر مسافة القصر، و منهم من اعتبر تعذر الرجوع إلى منزله ليبيت فيه و إنما ضابطه أي العذر عندنا مراعاة المشقة على شاهد الأصل في حضوره بحيث تصلح لإسقاط وجوب الإقامة عنه، كما هو مقتضى

قول الباقر (عليه السلام) (2): «إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعلة تمنعه من أن يحضر و يقيمها»

فلا بد حينئذ في الاجتزاء بشهادة الفرع من العلم بتعذر الإقامة على شاهد الأصل، و لا يكفي تعذر إحضار صاحب الحق إياه.

و من هنا ينقدح إشكال بناء على ما سمعته من المسالك سابقا من أنه يجب على الشاهد السفر و لو طويلا لإقامة الشهادة، و هو عدم الاجتزاء حينئذ بشهادة الفرع بمجرد غيبة شاهد الأصل، لاحتمال تمكنه من الحضور، نعم يرتفع الاشكال بناء على ما قلناه من عدم وجوب ذلك على الشاهد، للضرر و العسر و الحرج، فتأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

201

ثم إن الظاهر مراعاة الشرط المزبور إلى حين إقامتها، فلو فرض ارتفاع العذر بعد إقامتها قبل حكم الحاكم لم يمنع ذلك من قبولها، نعم لو ارتفع قبل الإقامة لم يجز بها، كما تسمع تحقيق الحال فيه إن شاء الله.

و من ذلك يظهر الوجه في ما ذكره المصنف و غيره من أنه لو شهد شاهد الفرع فأنكر الأصل فالمروي العمل بشهادة أعدلهما، فإن تساويا أطرح الفرع ففي

الصحيح المروي في الكافي و التهذيب (1) و الفقيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: لم أشهده، فقال: تجوز شهادة أعدلهما» و زاد في الفقيه «و إن كانت عدالتهما واحدة لم تجز شهادته»

و كذا في صحيح ابن سنان (2) المروي في الكافي و التهذيب، لكن زاد في الأول عوض زيادة الفقيه في الخبر السابق «و لو كان عدلهما واحدا لم تجز الشهادة» و في الثاني «و لو كان عدلهما واحدا لم تجز شهادته».

و على كل حال ففي المتن و النافع و هو يشكل بما أن الشرط في قبول الفرع عدم الأصل و عن الشيخ في النهاية و القاضي و الصدوقين العمل بهما، بل و ابن حمزة لكن في ما إذا أنكر بعد الحكم، و أما قبله فيطرح الفرع، و قريب منه الفاضل في المختلف، و كأنهما لحظا بذلك الجمع بين ما دل على اشتراط تعذر حضور الأصل في سماع شهادة الفرع و بين الخبرين المزبورين بحملهما على ما بعد الحكم و السابقة على العكس، فيندفع حينئذ الإشكال الذي ذكره المصنف.

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من كتاب الشهادات الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 46- من كتاب الشهادات- الحديث 3 و الموجود في الكافي ج 7 ص 399

«و لو كان أعدلهما واحدا لم تجز شهادته عدالة فيهما»

و في التهذيب ج 6 ص 256

«و لو كان أعدلهما واحدا لم تجز شهادته»

202

لكن فيه أنه لا شاهد لهذا الجمع، بل ظاهر ما تسمعه من المصنف و غيره تقييد جميع الأدلة المزبورة بعكس ذلك معربين عن عدم الخلاف في عدم الالتفات إلى الإنكار بعد الحكم معللين بنفوذه، فيستصحب، بل نسبه الأردبيلي إلى الأصحاب مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، فلا إشكال حينئذ في فساده، و كذا ما عن الإسكافي من عدم الالتفات إلى إنكار الأصل و لو قبل الحكم مع أعدلية أحدهما أو تساويهما فيها، ضرورة منافاته لجميع الأدلة السابقة.

و من هنا تصدى المصنف لدفع الاشكال المزبور بقوله و ربما أمكن دفعه بفرض موضوع المسألة في ما لو قال الأصل: لا أعلم لا إذا كذب الفرع، و وافقه عليه الفاضل في القواعد و محكي التحرير و ولده في المحكي من شرحه.

لكنه كما ترى، إذ هو- مع منافاته للمشهور بين الأصحاب من عدم قبول شهادة الفرع مع حضور شاهد الأصل الذي هو أعم من إقامتها أو تركها لعدم العلم بها- لا شاهد له، بل لا وجه حينئذ للعمل بقول الأعدل إذا كان هو الأصل، ضرورة عدم شهادة له، فيتجه حينئذ العمل بشهادة الفرع و إن كان الأصل أعدل فضلا عن التساوي، بل قيل:

هو مناف لمنطوق الرواية، و هو «لم أشهده» و من هنا استوجه بعض الناس طرح الخبرين المزبورين ترجيحا لتلك الأدلة السابقة عليهما، خصوصا بعد اشتمال ظاهرهما على قبول شهادة الرجل الواحد على الواحد الذي هو مخالف لما عرفت من الإجماع و النصوص.

و في الرياض «هذا مذهب الشيخ في المبسوط و الحلي و ابن زهرة و الفاضلين و غيرهم. و بالجملة أكثر المتأخرين بل المشهور مطلقا كما في المسالك و غيرها، و زاد الأول فنسبه كالشهيد في النكت إلى عامة المتأخرين

203

معربين عن دعوى إجماعهم عليه- ثم قال-: و لعله أقرب، للشهرة المرجحة للأدلة المتقدمة على هذه الرواية، سيما مع ما هي عليه من الكثرة و الاعتضاد من أصلها بالشهرة، بل الإجماع كما عرفته».

و عن ابن إدريس زيادة الاشكال السابق (أولا) بأن الفرع إنما يثبت شهادة الأصل، فإذا كذبه الأصل حصل الشك في المشهود به، فكيف يحكم على وفقه!!. و (ثانيا) بأنه إذا كذبه صار فاسقا عنده فما الفائدة في إثبات شهادته، بل يثبت كذب أحدهما و أيهما كذب بطلت الشهادة، و (ثالثا) بأن الشاهد إذا رجع قبل الحكم لم يحكم. و (رابعا) بأن الأصل لا حكم و لا شهادة و بقاء الأموال عند أربابها، و هذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل.

و في غاية المراد دفع أصل الإشكال بأنه لا يلزم من أنه يشترط في إحضار شاهد الفرع تعذر الأصل أن يكون ذلك في السماع، سلمنا لكن المراد إذا كان الأصل و الفرع متفقين، فإنه حينئذ لا يحتاج إلى شهادة الفرع للاستغناء بالأصل، و زيادة الكلفة بالبحث عن الجرح و التعديل، أما مع التناكر فيمتنع تناول العبارة، و بالجملة لم يصرحوا بأن ذلك مناف لشهادة الفرع، بل ظاهر كلامهم أن سماع شهادة الفرع مشروط بتعذر شاهد الأصل إذا كان يشهد، و المنكر لم يشهد».

قلت: لا يخفى عليك جامعية الخبرين لشرائط صحة العمل بهما سندا و عملا، فإن الأصحاب بالجملة قد عملوا بهما و إن اختلفوا في كيفيته حتى المصنف هنا و الفاضل في القواعد و غيرهما في صورة قول الأصل:

«لا أعلم» بل الفاضل الأصبهاني اختار عدم اشتراط قبول شهادة الفرع بتعذر حضور الأصل حاكيا له عن ظاهر الشيخ في الخلاف لهذين لخبرين الصحيحين، و كذا المقدس الأردبيلي بعد أن أطنب في فساد الجمع بين

204

الصحيحين و بين الاشتراط المزبور. و بالجملة لا ريب في العمل بهما في الجملة من كثير من الأصحاب.

و المناقشة فيهما بظهورهما في الاجتزاء بشهادة الواحد في الفرع واهية، ضرورة إرادة الجنس من الرجل فيه، على أن مساقها لغير ذلك، بل الواحد فيها لا ينفي غيره.

و أما معارضة ما دل على اشتراط عدم حضور الأصل فعلى فرض كون الرجحان ينبغي الاقتصار فيه على مقدار المعارضة لا أزيد، و هو ما إذا كان قبل إقامة الشهادة، أما بعدها فليس في تلك الأدلة ما يقتضي اشتراطها أيضا بعدم حضور الأصل، بل ظاهر دليل الشرطية القبول حينئذ، فيبقى الخبران حينئذ سالمين عن المعارض في ذلك، فيعمل بمضمونهما.

و دعوى شمولهما أيضا لما بعد الحكم ممنوعة، على أنه يدفعها وقوع الحكم صحيحا فيستصحب، و لإطلاق ما دل على نفوذ حكم الحاكم ما لم يعلم بطلانه، و لا أقل من ترجيح ما دل على ذلك عليهما لو سلم تناولهما للحال المزبور بالشهرة العظيمة أو الإجماع ظاهرا كما سمعته من المقدس الأردبيلي (رحمه الله).

و أما ما ذكره ابن إدريس من الإشكالات السابقة فبعضها كالاجتهاد في مقابلة النص، و بعضها غير وارد، ضرورة عدم استلزام قوله: «لم أشهده» الكذب المقتضى للتفسيق، لاحتمال التوهم و النسيان و غيرهما، كما أن من المعلوم عدم كون ذلك رجوعا عن الشهادة كي يندرج في ما دل عليها، بل هي من مسائل التعارض التي يرجع فيها إلى الترجيح، بل لعل مراد المصنف بفرض المسألة في صورة «لم أعلم» هو عدم التكذيب و لو بقول: لم أشهده في ما أعلم، فلا يرد عليه حينئذ ما سمعت، بل يمكن على هذا أن يكون موافقا لما قلناه كما هو المحكي عن الشيخ

205

و الصدوقين و القاضي.

و بذلك ظهر لك ما في كلام الجميع و إن كان لكل منه وجه حتى ما حكيناه عن الشيخ و الصدوقين و القاضي مما هو ظاهر الموافقة لما قلناه، لكنهم لم يخصوه في الصورة التي فرضناها، بل مقتضى كلامهم عدم اعتبار تعذر الأصل في قبول شهادة الفرع مطلقا و لو قبل الإقامة، و لا ريب في منافاته لما دل على ذلك، فالمتجه حينئذ الجمع بما ذكرناه.

و من الغريب عدم تنبه أحد من الأصحاب لذلك مع ظهوره و لو فرض كفاية ذلك في رفع اليد عنه- مضافا إلى إمكان دعوى دليل يعذر في عدم الإمكان مطلقا- خرج ما بعد الحكم و بقي غيره، فلا محيص عن القول المشهور، إذ لا أقل من الشك حينئذ في قبول شهادة الفرع في الفرض، فيبقى على أصالة عدم الثبوت كما لا محيص حينئذ عن التزام طرح الخبرين المزبورين، و لكن الإنصاف قوة القول الأول لعدم تحقق شهرة معتد بها تقتضي رفع اليد عن الصورة المزبورة، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم و اطلع على تشويشها و عدم تنقيحها و ظهور الدليل المزبور في عدم الإمكان عند الإقامة، فلاحظ و تأمل.

ثم إنه بناء على العمل بالخبرين المزبورين يمكن دعوى الاستفادة من فحواهما جريان الترجيح بذلك في التعارض بين شهود الفرع أيضا، بمعنى أن كلا من شهود فرع عن أصل قد شهد بعكس الآخر عن الأصل و حينئذ فيقدم الأعدل، و مع التساوي يطرح، لعدم ثبوت شهادة الأصل نحو ما سمعته في السابق، ضرورة أولوية صورة تعارض الفروع من تعارض الأصل و الفرع بذلك، و لا قرعة بعد فرض عدم الإشكال حينئذ، لظهور الدليل في الطرح المقتضي هنا لعدم ثبوت شاهد الأصل كما لا ترجيح بالأكثرية، كما يومئ إليه الترجيح بالأعدلية في صورة تعدد الفرع و اتحاد

206

شاهد الأصل، نعم الظاهر اعتبار الأعدلية في أول الفرعين، فيجزئ حينئذ وجودها في واحد منهما على مقتضى ظاهر الخبرين، فتأمل جيدا.

و مما ذكرنا ظهر لك الحال في ما لو شهد الفرعان ثم حضر شاهد الأصل ف انك قد عرفت أنه إن كان حضوره بعد الحكم لم يقدح في الحكم وافقا أو خالفا لأصالة الصحة و لاستصحابها و غيرهما و إن كان قبله و قبل إقامة الشهادة سقط اعتبار الفرع و بقي الحكم لشاهد الأصل لما عرفت من اشتراط قبول شهادته بتعذر حضوره، بل مقتضى واقعية الشرائط السقوط أيضا في صورة عدم العلم بحضوره و إن وقع الحكم مع الجهل بالحال لاختلال الميزان حينئذ كاختلالها في ما لو حكم بشهادة من لا تقبل شهادته على المشهود عليه غفلة ثم بان الأمر بعد ذلك و إن كان بعد إقامة الفرع الشهادة فالمشهور على ما قيل السقوط أيضا، و فيه البحث السابق.

و لو تغيرت حال الأصل بفسق أو كفر أو عداوة للمشهود عليه أو عبودية له لم يحكم بالفرع كما لو طرأت عليه قبل الحكم بشهادته لأن الحكم مستند إلى شهادة الأصل حتى على قول العامة بالنيابة، فإنه إذا بطل حكم شهادة المنوب بنحو ذلك بطل حكم شهادة النائب.

نعم لو طرأ الجنون أو الإغماء لم يؤثر بناء على عدم قدح طرو ذلك في شاهد الأصل بعد إقامتها و كذا العمى و إن افتقر أداء الشهادة إلى البصر، للاستغناء هنا ببصر الفرع، ضرورة كون هذه الطواري كالموت، فالمدار حينئذ في إبطال الطاري و عدمه على إفساد شهادة الأصل بطروه عليه و عدمه بلا خلاف أجده في شيء من ذلك إلا ما سمعته من ابن حمزة و الفاضل في المختلف من الحكم بأعدلهما لو اختلف الأصل و الفرع بعد الحكم، و إلا ما يحكى عن الوسيلة و جامع المقاصد من إطلاق الحكم