جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
207

بشهادة الفرع لو طرأ غير الفسق، و لعلهما تسامحا في العبارة.

نعم قد يشكل الفرق بين طرو الجنون و الإغماء بعد الإقامة قبل الحكم و بين طرو الفسق مثلا بعدها، لأن المانع في الأخير إن كان صدق الحكم بشهادة فاسق حينئذ فهو متحقق فيهما أيضا، اللهم إلا أن يقال:

إن ظاهر الأدلة كون الفسق مقتضيا لعدم القبول بخلافهما، فان أقصاهما عدم قبول شهادتهما فتأمل جيدا.

و على كل حال فالأقوى عدم اعتبار تجديد التحمل مع طرو الموانع المزبورة إذا فرض زوالها بعد ذلك، لعدم اقتضاء طروها حصولها في السابق الذي منه حال التحمل شرعا و لا عرفا و المفروض كونه جامعا حال التحمل، فلا يقدح طرو الأمور المزبورة بعد في حال فرض زوالها في ما قبله لإطلاق أدلة القبول.

و تقبل شهادة النساء على الشهادة و لو الرجال و لكن في ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات كالعيوب الباطنة و الاستهلال و الوصية في ظاهر المحكي عن الإسكافي و المبسوط، لإطلاق ما دل على قبول شهادتهن فيه الشامل لذلك أصلا و فرعا، بل الثاني منهما أولى بالقبول من الأول، بل في محكي الخلاف و المختلف جواز شهادتهن في ما يقبل فيه النساء مع الرجال من الديون و غيرها، لنحو ما سمعته أيضا، بل في الأول منهما الاستدلال بالأخبار و الإجماع، و زاد في الثاني منهما «أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل، فإذا شهد رجلان على رجل جاز أن تشهد أربع نسوة على ذلك الرجل قضية للتساوي» بل قد يستدل له أيضا بأنه قد ثبت قبول شهادتهن مع الرجال في ما يقصد به المال، و المقصود من شهادة الأصل المال.

و لكن مع ذلك كله فيه تردد بل أشبهه المنع

208

وفاقا للمشهور، خصوصا المتأخرين، بل لم أقف فيهم على مخالف و إن تردد فيه بعضهم، لكنه في غير محله للأصل بعد ظهور النصوص (1) السابقة في اعتبار الرجلين في الشهادة على الشهادة السالم عن معارضة الإطلاق المزبور الظاهر في قبول شهادتهن عليه نفسه الذي لا تطلع عليه الرجال غالبا، لا الشهادة عليه التي هي عكس ذلك، و الأولوية الواضحة المنع، بل و الإجماع المزبور المتبين خلافه. و لذا قال في كشف اللثام:

«دون ثبوته خرط القتاد» و وهنه في الرياض بندرة القائل بمضمونه عدا الناقل و نادر و الأخبار المرسلة التي لم نقف منها على خبر واحد، كما اعترف به أيضا بعضهم. و من هنا يقوى إرادة ما دل على قبول شهادة رجل و امرأتين منهما لكن كان عليه ضم الكتاب معها أيضا، إلا أنه لا يخفى عليك ظهورها في ما لا يشمل الشهادة على الشهادة، و التساوي المزبور لم يثبت عمومه للمفروض بوجه يقطع العذر شرعا، خصوصا بعد عدم حجية كل ظن للمجتهد و القياس و الاستحسان، و كذا الكلام في الأخير، ضرورة عدم ثبوته على وجه يشمل الفرض أيضا و إلا لأجزأ الشاهد و اليمين الثابت في النصوص (2) إثباتهما لجميع حقوق الآدميين، فهما أولى من النساء في ذلك، و لا أظن أحدا يقول به، خصوصا بعد التصريح بعدم الاجتزاء به في الخبر السابق في إحدى النسختين.

ثم الفرعان العدلان إن سميا الأصل و عدلاه قبل حال التحمل و الأداء عندنا، لإطلاق الأدلة، نعم للعامة قول بالعدم بناء على أنه نائب عن الأصل، فتعديله بمنزلة تعديل نفسه و إن سمياه و لم يعدلاه سمعها الحاكم و بحث عن الأصل، و حكم مع ثبوت ما يقتضي

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

209

القبول، و طرح مع ثبوت ما يمنع لو حضر و شهد بل يطرحه لو ثبت فسقه حال الشهادة ما لم يعلم بقاؤه على الشهادة حال عدالته، بل يقوى اعتبار تجديد التحمل، هذا كله لو سمياه.

أما لو عدلاه و لم يسمياه لم تقبل بلا خلاف أجده فيه بيننا، نعم يحكى عن ابن جرير الاكتفاء بذلك، و لا ريب في ضعفه، لأن الحاكم قد يعرفهم بالجرح، و لأنهم قد يكونون عدولا عند قوم و فساقا عند آخرين، إذ العدالة مبنية على الظاهر، و لأن ذلك يسد باب الجرح على الخصم، و من ذلك يعرف الوجه في ما قدمناه من وجوب تسمية شهود التعريف، فلاحظ.

و على كل حال فليس على شهود الفرع أن يشهدوا على صدق شهود الأصل و لا أن يعرفوا صدقهم، كما ليس عليهم تعديلهم أو معرفتهم بعدالتهم، لكن عن المفيد أنه قال: «لا يجوز لأحد أن يشهد على شهادة غيره إلا أن يكون عدلا عنده مرضيا» و لا أعرف له وجها، نعم لا يجوز له ذلك إذا علم الكذب، لأنه إعانة على الإثم.

و لو أقر باللواط أو بالزناء بالعمة و الخالة أو بوطء البهيمة ثبت بشهادة شاهدين لإطلاق الأدلة و تقبل في ذلك الشهادة على الشهادة لإطلاق الأدلة أيضا و إن كان لا يثبت بها حد و لكن يثبت انتشار حرمة النكاح على المقر و غيرها من الأحكام المترتبة على إقراره.

و كذا لا يثبت التعزير بناء على أنه من الحدود في وطء البهيمة بالشهادة على الشهادة على إقراره و لكن يثبت تحريم الأكل في المأكولة على المقر و في الأخرى وجوب بيعها عليه في بلد آخر بناء على أن ذلك حكمها، كما قدمنا الكلام في ذلك.

210

و لكن تخصيص المصنف الحكم هنا بالإقرار قد يشعر بالفرق بينه و بين نفس الفعل الذي هو سبب الحد لا الإقرار به الذي هو أعم من وقوعه منه و إن جعله الشارع طريقا مثبتا له لكن على وجه مخصوص، إلا أنه ذكر غير واحد أن الأصح عدم الفرق، لأن علل الشرع معرفات، و لذا ثبت بالشاهد و اليمين الغرم بالسرقة دون القطع.

و فيه إن كان المراد إثبات الزناء نفسه بالشاهدين بالنسبة إلى الأحكام دون الحد أن ذلك لا يقتضي إلا جواز وروده من الشرع، أما مع فرض عدمه- و ليس إلا الأدلة المزبورة- فالمتجه عدم تبعض أحكام الموضوع الواحد خصوصا بعد قوله تعالى (1) «فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» الظاهر في عدم ثبوت الموضوع أصلا بدونهم، لا أنهم كاذبون بالنسبة إلى الحد دون غيره، نعم قد يقال بنحو ذلك في ما نحن فيه، لظهور الأدلة في إثبات شهادة الفرع شهادة الأصل في غير الحد، فيتجه حينئذ التبعيض فيها لا في أصل الزناء لو فرض حصول شاهدين، فتأمل جيدا.

و على كل حال فالأصح عدم اعتبار الأربعة في الفرع و إن اعتبرت في الشهادة على الزناء، فيكفي حينئذ الاثنان في ثبوت شهادتهم لإطلاق الأدلة و إن توقف فيه الفاضل في القواعد كما عرفت البحث فيه، و الله العالم.

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 13.

211

[الطرف الخامس في اللواحق]

الطرف الخامس في اللواحق و هي قسمان:

[القسم الأول في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد]

القسم الأول في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد، و تترتب عليه مسائل:

[المسألة الأولى توارد الشاهدين على الشيء الواحد شرط في القبول]

الأولى:

توارد الشاهدين على الشيء الواحد شرط في القبول بلا خلاف و لا إشكال فإن اتفقا معنى حكم بهما و إن اختلفا لفظا ضرورة عدم العبرة به بعد اتفاقهما في المعنى إذ لا فرق بين أن يقولا مثلا:

غصب و بين أن يقول أحدهما: غصب و الآخر انتزع قهرا ظلما.

و كذا لا إشكال و لا خلاف في أنه لا يحكم بهما لو اختلفا معنى، مثل أن يشهد أحدهما بالبيع و الآخر بالإقرار بالبيع، لأنهما شيئان مختلفان و الفرض عدم شهادة غير الواحد بكل منهما، بل و كذا لو شهد أحدهما أنه غصبه من زيد أو أقر بغصبه منه و شهد الآخر أنه ملك زيد ثم تكمل الشهادة، لأعمية الغصب من كونه ملكا له، و كذا الكلام في البيع و الصلح و غيرهما من الأفعال المختلفة، نعم للشاهدين في غير مقام التدليس تصحيح الشهادة على وجه تكون مثمرة عند الحاكم،

212

كما أشارت إليه النصوص (1) بعد أن تكون على حق فيشهد شاهد البيع و الصلح مثلا على الملك من دون ذكر السبب و هكذا، فالمراد حينئذ عدم قبول شهادتهما لو اتفق إيرادهما لها عند الحاكم مختلفة كما هو واضح، و حينئذ مع الاختلاف لا يثبت شيء منهما.

نعم لو حلف مع أحدهما ثبت ما شهد به تكاذبا أم لا، و إن نسب الاجتزاء باليمين في صورة التكاذب في الدروس إلى القيل مشعرا بتمريضه، لكنه في غير محله، لأن التكاذب المقتضي للتعارض الذي يفزع فيه للترجيح و غيره إنما يكون بين البينتين الكاملتين لا بين الشاهدين كما هو واضح.

[المسألة الثانية لو شهد أحدهما أنه سرق نصابا غدوة و شهد الآخر أنه سرق عشية لم يحكم]

المسألة الثانية:

لو شهد أحدهما أنه سرق نصابا غدوة و شهد الآخر أنه سرق نصابا عشية لم يحكم بالقطع بها، لأنها شهادة على فعلين لم يثبت أحدهما و كذا لو شهد الآخر أنه سرق ذلك النصاب بعينه عشية لتحقق التعارض مع اتفاقهما على اتحاد الفعل أو لتغاير الفعلين مع عدمه، لاحتمال رجوع النصاب منه ثم سرقه منه عشية مرة أخرى. و من ذلك يعلم ما في المسالك من توهم كون الأمرين علتين للمسألتين، فقال: «إن في العبارة لفا و نشرا مشوشا، فإن الأول للأخير و الأخير للأول» مع ظهور العبارة بل صريحها كون الأخيرين علتين للأخيرة على التقديرين، إذ الأولى قد فرغ منها و ذكر تعليلها ثم ابتدأ بالثانية بقوله: «و كذا» كما هو واضح.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الشهادات.

213

و على كل حال ليس للحاكم العمل على القدر المشترك بين الشاهدين بعد اختلافهما في القيد المقوم له و إن اتفقا على وحدته كما هو ظاهر كلام الأصحاب في القتل و غيره من الأفعال التي لا تقبل التعدد، و الله العالم.

[المسألة الثالثة لو قال أحدهما سرق دينارا و قال الآخر درهما يجوز أن يحكم مع يمين المدعي]

المسألة الثالثة لو قال أحدهما: سرق دينارا و قال الآخر: درهما أو قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض و قال الآخر: أسود و بالجملة إذا كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمانه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما ففي كل واحد يجوز أن يحكم الحاكم مع يمين المدعي و لو الجميع لكن يثبت له الغرم و لا يثبت القطع الذي قد عرفت عدم ثبوته به.

و لو تعارض في ذلك بينتان على عين واحدة كما لو شهد اثنان على سرقة شيء معين في وقت و آخران على سرقته في غيره على وجه يتحقق التعارض بينهما بأن لا يمكن بقاء العين من الوقت الأول إلى الثاني حتى يمكن أن تسرق أولا ثم ينتقل إلى مالكه ثم يسرق في الثاني سقط القطع للشبهة الناشئة من اختلافهما على الوجه المزبور و لكن لم يسقط الغرم بلا خلاف لثبوت سرقة العين باتفاق البينتين عليه.

و في محكي المبسوط تعارضت البينتان و تساقطتا و عندنا تستعمل القرعة و في كشف اللثام «أنه لا فائدة للقرعة هنا».

قلت: يمكن أن يكون مبنى كلام الشيخ على وجوب كون الحكم عن واحدة منهما، لعدم صلاحيتهما بعد التعارض لأن يكونا مستند حكمه،

214

و لا يعلم ذلك إلا بالقرعة، و الفائدة حينئذ تظهر في الرجوع و غيره من الأحكام التي تلحق الشاهد، بل هو متجه إن لم يمنع وجوب اعتبار ذلك في حكم الحاكم، بل يجوز استناده إلى الجميع في ما اتفقا عليه من سرقة الثوب و إن اختلفا في وقت السرقة مثلا فتأمل جيدا.

و لو كان تعارض البينتين أي تواردهما لا على عين واحدة كما لو شهدت إحداهما على الثوب الأبيض مثلا و الأخرى على الثوب الأسود و لو في وقت واحد أو إحداهما على درهم و الأخرى على درهم آخر كذلك ثبت الثوبان و الدرهمان إذ لا تعارض بينهما و ثبت القطع أيضا، إذ لا شبهة، بل لو فرض اتحاد العين و أمكن التعدد بسرقتها مرتين في الوقتين كان الحكم كذلك أيضا بلا إشكال و لا خلاف، لكن عن القاضي إذا شهد اثنان أنه سرق هذا الحمار غدوة يوم بعينه و آخران أنه سرقه عشية ذلك اليوم تعارضتا و استعمل القرعة، و الحق أنه لا تعارض إلا أن يفرض الاتفاق على اتحاد الفعل، و حينئذ يتجه سقوط القطع للشبهة بالاختلاف و ثبوت الغرم المتفق عليه للبينتين، و على كل حال فلا قرعة، لأنها لا تفيد شيئا كما في كشف اللثام، و فيه الكلام السابق.

[المسألة الرابعة لو شهد أحدهما أنه باعه هذا الثوب غدوة بدينار و شهد الآخر أنه باعه ذلك الثوب بعينه في ذلك الوقت بدينارين لم يثبتا]

المسألة الرابعة لو شهد أحدهما أنه باعه هذا الثوب غدوة بدينار و شهد الآخر أنه باعه ذلك الثوب بعينه في ذلك الوقت بدينارين لم يثبتا، لتحقق التعارض في شهادة الشاهدين، ضرورة عدم جواز البيع في وقت واحد بثمنين و لكن كان له المطالبة بأيهما شاء مع اليمين و لا يكفيه الشاهد إن ادعى الدينار و لو شهد له مع كل واحد شاهد

215

آخر ثبت الديناران إن ادعاهما و لغت البينة الأخرى، و لكن في محكي المبسوط و الجواهر أن البينتين متعارضتان فيقرع، و هو إنما يتم إذا كان لكل من الثمنين مدع، كأن يدعي المشتري أنه اشتراه بدينار و البائع بدينارين و على كل حال ف لا كذلك لو شهد واحد بالإقرار بألف و الآخر بألفين و لو في وقت واحد فإنه يثبت الألف بهما و الآخر بانضمام اليمين إلى الثاني، لعدم التعارض بين المشهود بهما و إن امتنع التلفظ بلفظين مختلفين في وقت واحد، فإن الشهادة بدينار لا تنفي الزائد، فيجوز أن لا يكون الشاهد سمع إلا دينارا، أو لم يقطع إلا به و تردد في الزائد، أو رأى أن لا يشهد إلا به لمصلحة يراها أو لا لها، بخلاف نحو البيع بدينار و بدينارين، فان العقد بدينار ينافي العقد بدينارين و إمكان فرض الإقرار على وجه ينافي الآخر غير قادح، ضرورة كون الكلام في عدم المنافاة بين الشاهدين فيه من حيث نفسه بخلاف البيع لا من حيث انضمام أمور خارجة فتأمل.

و لو شهد بكل واحد من الإقرارين شاهدان ثبت ألف بشهادة الجميع و الألف الآخر بشهادة اثنين كما هو واضح.

و كذا لو شهد أحدهما أنه سرق ثوبا قيمته درهم و شهد الآخر أنه سرقه و قيمته درهمان ثبت الدرهم بشهادتهما و الآخر بالشاهد و اليمين لانتفاء التنافي و إن امتنع كون قيمة الشيء في الوقت الواحد دينارا و دينارين جميعا، لجواز أن لا يعرف أحدهما من قيمته إلا دينارا.

و لو شهد بكل صورة شاهدان ثبت الدرهم بشهادة الجميع و الآخر بشهادة الشاهدين بهما نحو ما سمعته في الإقرار، و للعامة قول بأنه لا يثبت إلا الدينار.

و لو شهد أحدهما بالقذف غدوة و الآخر عشية أو بالقتل كذلك

216

لم يحكم بشهادتهما، لأنها شهادة على فعلين لم يكمل على شيء منهما النصاب، بل في القتل هما متكاذبان.

أما لو شهد أحدهما بإقراره بالعربية و الآخر بالعجمية و أطلقا أو وقتا بوقتين مختلفين قبل لأنه إخبار عن شيء واحد فيجوز أن يخبر تارة بالعربية و بالعجمية أخرى، أما لو وقتا بوقت واحد فلا يثبت شيء للتكاذب، كما تقدم الكلام فيه سابقا.

و لو شهد أحدهما أنه أقر عنده أنه استدان أو باع أو قتل أو غصب يوم الخميس و آخر أقر أنه فعل ذلك يوم الجمعة لم يحكم إلا مع اليمين أو شاهد آخر ينضم إلى أحدهما، لأن المشهود به فعلان، بل هما في القتل متكاذبان، نعم يحكم بهما إن اختلف ظرف الإقرار مع اتفاق ظرف الأفعال أو الإهمال إلا أن يتعارضا كأن يقول أحدهما: أقر أول هذا الشهر ببغداد بكذا و قال الآخر: أقر به ثاني هذا الشهر بمصر.

و لو شهد اثنان بفعل و آخران على غيره من جنسه أو لا ثبتا إن أمكن الاجتماع، و ادعاهما، و إن لم يمكن الاجتماع أو أمكن و لم يدعه كان للمدعي أن يدعي أحدهما و يثبت بينته و يلغو الآخر، مثل أن يشهد اثنان بالقتل غدوة و آخران به عشية و كذا ما لا يمكن أن يتكرر كالولادة و الحج عن اثنين في سنة، و في محكي المبسوط إذا لم يمكن الاجتماع استعمل القرعة.

و في كشف اللثام «لا معنى لها إن كان الفعل مثل القتل و الولادة من أم واحدة و الاختلاف في الزمان و المكان، فإن القرعة لا تفيد شيئا، نعم إن كان الفعل مثل الولاة من أمين و اختلف المدعي فادعت هذه أنها ولدته و شهد به اثنان ثبتت القرعة و إن اتحد المدعي فلا بد من أن يعين هو الدعوى، و الشيخ إنما فرض المسألة في القتل و اختلافه زمانا أو

217

مكانا و أثبت القرعة».

قلت: قد يظهر وجه كلام الشيخ مما ذكرناه في صورة ما لو كانت دعوى المدعي القتل مثلا و جاء بالأربعة شهود و اختلف كل اثنين منهم في الزمان أو المكان، و قلنا بوجوب تعيين إحدى البينتين في مستند الحكم لفائدة الغرم و الرجوع بعد ذلك و غيرهما، فإنه لا طريق حينئذ إلا القرعة، كما أشرنا إليه سابقا.

[القسم الثاني في الطواري]

القسم الثاني في الطواري، و هي مسائل:

[المسألة الأولى لو شهدا عند الحاكم و لم يحكم فماتا حكم بهما]

الأولى:

لو شهدا عند الحاكم و لم يحكم فماتا أو أحدهما أو جنى أو أغمي عليهما أو أحدهما حكم ب شهادت هما السابقة بلا خلاف أجده، لأصالة بقاء صحتها بعد عدم ما يدل على بطلانها بذلك، بل مقتضى إطلاق الأدلة خلافه، بل ظاهر النص و الفتوى عدم الفرق في ذلك بين الحد و غيره.

و كذا لو شهدا ثم زكيا بعد عروض العوارض السابقة من الموت و نحوه، إذ التزكية كاشفة عن صحة شهادتهما السابقة التي هي مستند الحكم السابق.

218

[المسألة الثانية لو شهدا ثم فسقا قبل الحكم حكم بهما]

المسألة الثانية:

لو شهدا ثم فسقا و لو بالكفر قبل الحكم حكم بهما وفاقا للمحكي عن الحلي و أحد قولي الشيخ و الفاضل لأن مقتضى الأصل السابق كون المعتبر بالعدالة عند الإقامة و خلافا للمحكي عن الشيخ أيضا في القول الآخر و الفاضل في المختلف و الشهيدين و جماعة، بل قد سمعت تصريح المصنف سابقا بأنه لو طرأ فسق شاهد الأصل قبل الحكم بشهادة الفرع لم يحكم محتجا بأن الحكم مستند إلى شهادة الأصل، بل قيل: و هكذا فعل الشيخ في المبسوط و العلامة في التحرير، بل قد عرفت هناك عدم نقل خلاف في ذلك من أحد.

و لا يخفى عليك عدم الفرق بين المقامين، بل لعل عدم الحكم هنا أولى، نعم ما ذكروه دليلا للحكم في المقام من صدق الحكم بشهادة الفاسق، و كونه كما لو رجع عن الشهادة قبله، و كما لو كان وارثا و مات المشهود له قبل الحكم، و أن طرو الفسق يضعف ظن العدالة السابقة لبعد طروه دفعة واحدة كما ترى، ضرورة جريان مثل ذلك في الجنون و نحوه، نعم لو أمكن إثبات اقتضاء الفسق بطلان الشهادة ما لم يحكم بها اتجه ذلك لا أقل من الشك في قبولها في الفرض و لو من جهة انسياق غير الفرض من إطلاق الأدلة و الأصل العدم.

و ربما شهد لذلك استفاضة النصوص (1) برد شهادة الفاسق مثلا بخلاف المجنون و المغمى عليه الراجعين في الحقيقة إلى كونهما كالميت الذي ليس له شهادة حال موته، فيبقى حكم شهادته الأولى على حالها بخلاف الفاسق و غيره

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات.

219

مما ورد في النصوص رد شهادته الشامل لها بعد الإقامة قبل الحكم بها، و إلا لزم جواز الحكم بها قبل الإقامة لو فرض أنه حملها لغيره عدلا ثم فسق ثم بعد ذلك أقامها الفرع، و هو معلوم الفساد، و ليس إلا لاعتبار مقارنة جامعية العدالة و نحوها للشهادة حال الحكم، و لا يكفي الحال السابق فتأمل، هذا كله في حق الآدمي المحض.

و أما لو كان حقا محضا لله تعالى كحد الزناء و اللواط و شرب المسكر لم يحكم بشهادتهما بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك اتفاق الفريقين على ذلك لأنه مبني على التخفيف و ل لشبهة الدارئة للحد، ضرورة أنه نوع شبهة و ربما كان ذلك مؤيدا لما ذكرناه من الفرق بين الفسق مثلا و بين الجنون الذي قد عرفت ظهور اتفاقهم على عدم سقوط الحد فيه.

نعم في الحكم بحد القذف و القصاص تردد من اشتراكهما بين الله تعالى شأنه و الآدمي أشبهه عند المصنف الحكم لتعلق حق الآدمي به و فيه أن الدرء في الأول للشبهة التي لا فرق في الدرء بها بين الحد المختص و المشترك حتى القصاص إن قلنا: إنه من الحدود، اللهم إلا أن يقال: إنه شبهة بالنسبة إلى حق الله تعالى و غير شبهة في حق الآدمي باعتبار بناء الأول على التخفيف بخلاف الثاني، بل قد يؤيده أيضا.

[المسألة الثالثة لو شهدا لمن يرثانه فمات قبل الحكم فانتقل المشهود به إليهما لم يحكم لهما بشهادتهما]

المسألة الثالثة: و هي لو شهدا لمن يرثانه فمات قبل الحكم فانتقل المشهود به إليهما فإنه لم يحكم به بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك اتفاق الجميع عليه معللين له باقتضاء ذلك الحكم لهما بشهادتهما و هو

220

باطل قطعا، مع أنه قد كان وقت الشهادة لغيرهما و الفرض عدم بطلانها بالطاري كالفسق، بل في القواعد لا يحكم لهما و لا لشركائهما في الميراث بشهادتهما، و ليس ذلك إلا لأنه لا يحكم للمدعي بشهادته و لا شهادة شريكه و إن احتمل في المسالك و كشف اللثام القبول في حصة الشريك بل و في حقه، إلا أنا لم نجد به قائلا كما اعترف به في المسالك.

[المسألة الرابعة لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم]

المسألة الرابعة:

لو رجعا أو أحدهما عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم بها و لو بعد الإقامة و لا غرم بلا خلاف أجده فيهما بيننا كما اعترف به غير واحد، بل في كشف اللثام الاتفاق على ذلك إلا من أبي ثور، للأصل بعد ظهور النصوص في كون ميزان الحكم غير المفروض، خصوصا بعد

مرسل جميل (1) عن أحدهما (عليهما السلام) الذي هو كالصحيح سيما بعد اعتضاده بما عرفت «في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم و قد قضي على الرجل ضمنوا ما شهدوا به و غرموه، و إن لم يكن قضي طرحت بشهادتهم و لم يغرم الشهود شيئا»

على أنه لا ترجيح لتقديم قولهم الأول على الثاني.

ثم إن اعترفوا بأنهم تعمدوا الكذب فهم فسقة و إن قالوا غلطنا أو أخطأنا فلا فسق، لكن في القواعد و المسالك لا تقل تلك الشهادة لو أعادوها، و لعله ل

حسن محمد بن قيس (2) عن الباقر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل شهد عليه رجلان

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

221

أنه سرق فقطع يده حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق و ليس الذي قطعت يده، إنما اشتبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية و لم يجز شهادتهما على الآخر»،

و ستسمع إطلاق النبوي (1) و المرتضوي (2) و إن لم أجد قائلا بإطلاقهما، و لذا كان الأولى تنزيلهما على ما بعد الحكم و الاستيفاء، فالعمدة حينئذ الحسن الأول إلا أنه مع ذلك و في كشف اللثام الأقوى القبول إذا كانا معروفين بالعدالة و الضبط، و لعله للعمومات التي يقصر الخبر المزبور عن تخصيصها. و لكن لا يخفى عليك إمكان منعه.

و لو كان المشهود به الزناء و اعترفوا بالتعمد حدوا للقذف، و لو قالوا:

غلطنا فعن المبسوط و الجواهر يحدان أيضا، و في المسالك وجهان أحدهما المنع، لأن الغالط معذور، و أظهرهما الوجوب، لما فيه من التغيير و كان من حقهم التثبت و الاحتياط، و على هذا فترد شهادتهم، و لو قلنا لأحد فلا رد، و يؤيده

مرسل ابن محبوب (3) عن الصادق (عليه السلام) «في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: إن قال الراجع: أو همت ضرب الحد و أغرم الدية، و إن قال:

تعمدت قتل».

لكن فيه أن تكليف الغافل قبيح، فلا ريب في المعذورية، كما لا ريب في سقوط الحد معها، ضرورة أولويتها من الشبهة التي يدرأ بها، و لذا اختار في كشف اللثام السقوط لها، و المرسل مع عدم الجابر ليس بحجة، على أنه يمكن حمله على المقصر فتأمل. ثم إن قوله: «و على هذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب القاضي- الحديث 3 من كتاب القضاء.

(3) الوسائل- الباب- 12- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

222

لا يكاد يظهر له معنى محصل» موافق لما ذكره أولا، فتأمل.

و لو رجعا بعد الحكم و الاستيفاء و تلف المحكوم به لم ينقض الحكم إجماعا بقسميه، مضافا إلى المرسل (1) السابق، و النبوي (2) الخاص «إن شهد عندنا بشهادة ثم غيرها أخذنا بالأولى و أطرحنا الأخرى»

و عن هشام بن سالم (3) عن الصادق (عليه السلام) «كان أمير المؤمنين (ع) يأخذ بأول الكلام دون آخره»

و استصحاب الصحة، و إطلاق ما دل على صحة ما لم يعلم فساده، و الرجوع لا يدل على فساد الشهادة الأولى، إذ يمكن كون الرجوع كذبا، بل هو كالإنكار بعد الإقرار. و لكن كان الضمان مثلا أو قيمة أو قصاصا أو دية أو نحو ذلك مما ستعرفه على الشهود الذين هم السبب في الإتلاف على وجه القوة على المباشر عرفا كما هو واضح.

و لو رجعا بعد الحكم و قبل الاستيفاء فان كان حدا لله تعالى نقض الحكم في المشهور للشبهة الموجبة للسقوط في الحد المبني على التخفيف، بل و كذا لو كان للآدمي كحد القذف أو مشتركا بينه تعالى و بين الآدمي كحد السرقة لاشتراك الجميع في السقوط بعروض الشبهة، بل لا أجد في شيء من ذلك خلافا محققا. نعم في القواعد عبر بلفظ الأقرب مشعرا باحتمال العدم، بل قال متصلا بذلك:

«و الاشكال في حدود الآدمي أقوى» و لعله لأنه حكم شرعي صدر عن أهله في محله، و لم يعلم له ناقض، و فيه أن ذلك لا ينافي الشبهة فتأمل.

نعم يقوى بقاء حكم التوابع التي لم يثبت بالشرع سقوطها بالشبهة

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب القاضي- الحديث 3 من كتاب القضاء.

223

نحو ما سمعته في شهادة الفرع، فيحرم أخت الغلام الموطوء و أمه و بنته، و أكل البهيمة الموطوءة المأكولة، و يجب بيع غيرها في بلد آخر، و كذا الحكم في المحكوم بردته إذا رجع الشهود قبل قتله، فإنه يسقط قتله للشبهة، لكن تبقى قسمة ماله و اعتداد زوجته، بل في القواعد لو رجعا قبل استيفاء القصاص لم يستوف.

و هل ينتقل إلى الدية إشكال، فإن أوجبناها رجع بها عليهما، مع أن في عد القصاص من الحدود التي تدرأ بالشبهة بحثا بل منعا، و لو سلم إلحاقه بها احتياطا في الدماء ففي الانتقال إلى الدية التي هي إنما تثبت في العمد صلحا و الفرض سقوطه بالشبهة منع آخر.

و من ذلك يظهر لك الحال في قول المصنف و في نقض الحكم في ما عدا ذلك من الحقوق تردد من المرسل (1) المزبور المعتضد باستصحاب الصحة و إطلاقها، بل ما قبل الاستيفاء مثل ما بعده بالنسبة إلى دلالة الدليل، و من إمكان التدارك بعد الشك بسبب الرجوع في حصول ميزان الحكم.

و لكن لا ريب في أن الأول أقوى حتى في العقوبات كالقتل و الجرح التي لا تدخل في الحدود عرفا و الفروج و إن احتمل في المسالك إلحاق هذه الثلاثة بالحدود، لعظم خطرها و عدم استدراك فائت البضع منها، لكنه كما ترى لا يصلح معارضا للدليل كما هو واضح.

و مما ذكرنا يظهر لك الحال أيضا في قوله أما لو حكم و سلم المال للمحكوم له فرجعوا و العين قائمة ف انه أولى بعدم النقض مما سمعت، و لذا كان الأصح وفاقا للمشهور أنه لا ينقض و لا تستعاد العين بل قيل: إن عليه عامة المتأخرين، بل و القدماء،

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

224

كما يفهم من المبسوط قال: «و إن رجعوا بعد الحكم و بعد الاستيفاء لم ينقض حكمه بلا خلاف إلا من سعيد بن المسيب و الأوزاعي، فإنهما قالا:

ينقض» إذ هو بإطلاقه شامل للمفروض، بل عن السرائر الإجماع عليه، و هو الحجة بعد الأدلة السابقة في صورة التلف التي لا يخفى عليك جريانها في المقام.

هذا و لكن في النهاية و محكي الوسيلة و الكافي و القاضي ترد العين على صاحبها و لا غرامة على الشهود، لا لما ذكروه لهم من الوجوه الواضحة الفساد، بل لما عن جامع المقاصد من الرواية بذلك، بل قيل: يمكن أن تكون هي

رواية جميل (1) عن الصادق (عليه السلام) «في شاهد الزور، قال: إن كان الشيء قائما بعينه رد على صاحبه، و إن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل»

و إن كان فيه ما لا يخفى، ضرورة أعمية الرجوع من شاهد الزور الذي في الرواية المزبورة المراد به المعلوم كونه شاهد زور و الراجع لو صرح بكونه كذلك لم يعلم أنه كذلك، إذ يمكن كذبه في ذلك، كما هو واضح.

و مما سمعت يعلم أن الأول كما قال المصنف:

أظهر كما أنه منه يعلم ما في كشف اللثام من اختياره لهذا القول معللا له بأن الرجوع كشف عن بطلان ما استند إليه الحكم من الشهادة، لظهور كذبهم في أحد القولين، و الأصل براءتهم من الغرامة، إذ هو كما ترى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

225

[المسألة الخامسة المشهود به إن كان قتلا أو جرحا فاستوفي ثم رجعوا فان قالوا تعمدنا اقتص منهم]

المسألة الخامسة:

المشهود به إن كان قتلا أو جرحا موجبا للقصاص فاستوفي ثم رجعوا فان قالوا تعمدنا اقتص منهم إن أمكن القصاص و إن قالوا: أخطأنا كان عليهم الدية في أموالهم لأنه شبيه عمد، و في كشف اللثام «لأنه لا يثبت بإقرارهم إلا أن تصدقهم العاقلة» و فيه تأمل و كان الوجه في التمسك بقولهم: عمدنا و أخطأنا أنه غالبا لا يعرف ذلك إلا من قبلهم.

و لو رجعوا و منع مانع من قول ذلك ففي الإلزام بالدية لأنه لا يبطل دم امرئ مسلم أو وقف الحكم حتى يعلم الحال و لو بأن ينتقل القصاص على فرضه إلى الدية بموت و نحوه وجهان لا يخلو أولهما من قوة.

و إن قال بعض: تعمدنا و بعض أخطأنا فعلى المقر بالعمد القصاص، و على المقر بالخطإ نصيبه من الدية، و لولي الدم قتل المقرين بالعمد أجمع ورد الفاضل عن دية صاحبه، و له قتل البعض و يرد الباقون قدر جنايتهم كل ذلك مع أنه لا خلاف في شيء منه، بل لعل الإجماع بقسميه عليه، لقاعدة قوة السبب على المباشرة، و عمومات القصاص و ما ورد في كتاب القصاص (1) من حكم المشتركين في القتل عمدا و خطأ، مضافا إلى خصوص نصوص المقام التي تقدم، منها مرسل ابن محبوب (2) عن الصادق (عليه السلام) و حسن محمد بن قيس (3) عن الباقر (ع)

____________

(1) راجع ج 42 ص 66- 81.

(2) الوسائل- الباب- 12- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 14- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

226

و منها

خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال «في رجلين شهدا على رجل فقطعت يده ثم رجع أحدهما، فقال: شبه علينا غر ما دية اليد من أموالهما، و قال في أربعة شهدوا على رجل بأنهم رأوه مع امرأة يجامعها و هم ينظرون فرجم، ثم رجع واحد منهم، فقال:

يغرم ربع الدية إذا قال شبه علي، و إذا رجع اثنان و قال: شبه علينا غرما نصف الدية، و إن رجعوا كلهم و قالوا: شبه علينا غرموا الدية، فإن قالوا: شهدنا بالزور قتلوا جميعا»

و من قوله (عليه السلام) الثاني يعلم أن المراد من قوله الأول: «رجع أحدهما فقال» إلى آخره، رجوعهما معا و إن كان المتكلم أحدهما بقرينة قوله: «شبه علينا» و لذا حكم بغرامتهما معا الدية.

هذا و في المسالك بعد أن ذكر ما في المتن قال: «و كذا لو شهدوا بالردة فقتل أو على المحصن فرجم أو على غير المحصن فجلد و مات منه، لكن هنا يلزمهم الدية، لأنه عمد شبيه الخطأ، لقصدهم الفعل المؤدي إلى القتل» و الظاهر إرادته بما بعد «لكن» الأخير، و هو ما لو شهدوا بما يوجب حدا لا قتلا فحد فمات ثم رجعوا، إذ الظاهر كما في القواعد أنهم يضمنون حينئذ الدية، و لم يقتل أحدهم، بل في كشف اللثام «و إن تعمدوا الكذب، لأنهم لم يباشروا القتل و لا سببوا لما يقتل غالبا» و يكون المراد من تعليله غير المؤدي غالبا و إن اتفق القتل به في الفرض.

و على كل حال فمما ذكرنا ظهر لك الوجه في ما لو قال أحد شهود الزناء مثلا بعد رجم المشهود عليه: تعمدت فان صدقه الباقون أي قالوا: تعمدنا أيضا كان لأولياء الدم قتل الجميع و يردون ما فضل عن دية المرجوم، و إن شاؤوا قتلوا واحدا و يرد

____________

(1) الوسائل الباب- 14- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

227

الباقون تكملة ديته بالحصص بعد وضع نصيب المقتول، و إن شاؤوا قتلوا أكثر من واحد و يرد الأولياء ما فضل عن دية صاحبهم، و أكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين بلا إشكال في شيء من ذلك و لا خلاف، ضرورة كون الضابط أن الشهادة متى أوجبت القتل سواء كان ذلك بسبب الزناء أو بسبب القصاص أو الردة فالحكم ما عرفت من جواز قتل المتعمد و أخذ الدية من الخاطى، و حكم الرد مع زيادة المقتول على ما تسمع تفصيله إن شاء الله في بابه (1).

و كأن المصنف ذكر ذلك بالخصوص توطئة لذكر خلاف الشيخ فيه بخصوصه في الصورة التي أشار إليها بقوله اما لو لم يصدقه الباقون لم يمض إقراره إلا على نفسه فحسب فللولي حينئذ قتله و يرد فاضل الدية عليه و له أخذ ربع الدية منه، كما هو مقتضى العمومات و الأصول، مضافا إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني (2) السابق.

و لكن قال الشيخ في النهاية إن قال:

تعمدت يقتل و يرد عليه الباقون ثلاثة أرباع الدية و نحوه عن أبي علي و في القواعد «و ليس بجيد» بل في المتن لا وجه له.

قلت: لعله ل

حسن إبراهيم بن نعيم (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أربعة شهدوا على رجل بالزناء فلما قتل رجع أحدهم عن شهادته، قال: فقال: يقتل الراجع و يؤدي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية»

و لكن لقصوره عن معارضته القواعد التي منها عدم مؤاخذة

____________

(1) راجع: ج 42 ص 56.

(2) الوسائل- الباب- 14- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 12- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

228

أحد بإقرار غيره حمل على اعتراف الباقين بالخطإ، بل في المختلف حمل كلامهما على ذلك و إن كان فيه ما فيه، و كذا ينبغي حمل

خبر مسمع (1) عن الصادق (عليه السلام)- «في أربعة شهدوا على رجل بالزناء ثم رجع أحدهم فقال: شككت في شهادتي، قال: عليه الدية، قال: قلت:

فان قال: شهدت عليه متعمدا، قال: يقتل»

- على إرادة ربع الدية، و لو قال: تعمدت الكذب و ما ظننت قبول شهادتي في ذلك ففي القصاص إشكال، بل في القواعد كما عن المبسوط الأقرب العدم و لكنه شبيه عمد، فلا تجب إلا الدية مغلظة، قال فيها: «و كذا لو ضرب المريض لتوهمه أنه صحيح ما يحتمله الصحيح من الضرب دون المريض فمات على إشكال» خلافا للمحكي عن تحريره من اختيار القصاص فيهما، لاعترافه بتعمد ما يقتل غالبا، و في الإرشاد اختار الدية في الأول و القصاص في الثاني، و كأنه فرق بين المباشرة و التسبيب، و حاصل المسألتين أنه إذا باشر أو سبب عمدا ما يقتل غالبا بظن أنه لا يقتل فقتل فهل هو عمد أو شبيه عمد؟ و يأتي إن شاء الله في محله (2) تحقيق ذلك.

و لو صدق الباقون الراجع في كذبه بالشهادة أي أنه لم يشهد زناه لا في كذب الشهادة ففي القواعد اختص القتل به، و لا يؤخذ منهم شيء، بل في كشف اللثام «و إن اعترفوا بأنه لم يكن شهود الزناء بالحق متكاملة، بل على الولي رد فاضل الدية» قلت: لا يخلو من نظر مع علمهم بالحال من أول الأمر.

و لو شهدا بالعتق مثلا فحكم ثم رجعا لم يرجع رقا فهو بمنزلة التالف، و لكن ضمنا القيمة وقت الحكم للمولى،

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) راجع ج 42 ص 12- 13.

229

خلافا لبعض العامة، فرده في الرق، و لا وجه له، لأصالة صحة الحكم و لكن لما كانا سببا في تلفه باعترافهما ضمناه، سواء قالا شهدنا بغير الحق تعمدا أو خطأ، لأنهما أتلفاه على كل حال بشهادتهما و المال يضمن بالتفويت.

و لا فرق في المشهود بعتقه بين أن يكون قنا أو مكاتبا أو مدبرا أو أم ولد أو معلق العتق بصفة، خلافا لبعض العامة في أم الولد، حيث قال: لا غرم.

و لو شهدا على تدبيره ثم رجعا بعد الحكم لم يغرما في الحال، لأن الملك لم يزل، فإذا مات ففي الغرامة وجهان: من جواز الرجوع له متى شاء إلا أن يشهدا به منذورا، و من أنهما سببا العتق، و لا يجب على المولى الرجوع، و اختار الأخير في المسالك و في كشف اللثام الأول، و لعله الأقوى، نعم لو كان رجوعهما بعد موت المولى أغرما للورثة.

و لو شهدا بكتابة عبده ثم رجعا فان عجز ورد في الرق فلا شيء عليهما، لأنهما لم يفوتا شيئا، نعم في التحرير يحتمل أن يقال عليهما ضمان أجرة مدة الحيلولة إن ثبتت، و جزم به في المسالك، و إن أدى و عتق ضمنا جميع قيمته، لأنهما فوتاه بشهادتهما، و ما قبضه السيد من كسب عبده لا يحسب عليه، لأنه ماله، و يحتمل أن لا يضمنا إلا ما زاد من قيمته على النجوم إن زادت بناء على أن المكاتبة بيع للمملوك من نفسه بالنجوم و لو أراد تغريمهما قبل انكشاف الحال غرما ما بين قيمته سليما و مكاتبا، و لا يستفاد من المولى لو استرق، لزوال العيب بالرجوع، و هو فعل المولى لا فعلهما.

و كذا لو شهدا بالكتابة المطلقة ضمنا ما يعتق منه بإزاء ما يؤديه من النجوم أو ما زاد من قيمة الشقص على ما يؤديه منها و أجرة مدة

230

الحيلولة إن كانت، و إن أراد التغريم قبل أداء شيء منها غرما ما بين القيمتين.

و لو شهدا أنه أعتقه على مال هو دون القيمة فكالكتابة، لأنه يؤدي من كسبه.

و لو شهدا أنه وقف على مسجد أو جهة عامة فكالعتق، و لا يرد الوقف بالرجوع.

و لو شهدا باستيلاد أمته ثم رجعا في حياة المولى غرما ما نقصته الشهادة من قيمتها، و لا يستعاد إن مات الولد، لأنه ارتفاع عيب بفعله تعالى، أما لو قتلا ولدها فهل لهما الرجوع احتمال؟

[المسألة السادسة إذا ثبت أنهم شهدوا بالزور نقض الحكم]

المسألة السادسة:

إذا ثبت أنهم شهدوا بالزور و علم الحاكم بذلك و لو بالخبر المفيد له لا بالبينة لأنه تعارض و لا بالإقرار لأنه رجوع نقض الحكم لتبين اختلال ميزان الحكم، بل هو أولى بذلك من تبين الفسق و استعيد المال حينئذ فإن تعذر غرم الشهود كما سمعته في مرسل جميل (1) السابق، و في صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث إن كان شهد هذا و آخر معه»

فلا إشكال حينئذ في ذلك.

و لو كان المشهود عليه قتلا ثبت عليهم القصاص و كان

____________

(1) راجع ص 330 و لكنه ليس بمرسل.

(2) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

231

حكمهم حكم الشهود إذا رجعوا و أقروا بالعمد الذي قد عرفت عدم الاشكال فيه أيضا.

و لو باشر الولي القصاص و اعترف هو خاصة بالتزوير لم يضمن الشهود و كان القصاص على الولي كما عليه الدية لو اعترف بالخطإ، و لو رجع مع الشهود فوجهان: أجودهما أن القصاص أو الدية بكمالها عليه، لأنه المباشر، و هم معه كالممسك مع القاتل، و يحتمل كونه معهم كالشريك، لتعاونهم على القتل، و ليسوا كالممسك مع القاتل، فإنهم صوروه بصورة المحقين، و على هذا فعليهم جميعا القصاص أو الدية منصفة بالحساب، كما أنه ينبغي عليه أن لا يجب كمال الدية على الولي إذا رجع وحده، و هو واضح.

[المسألة السابعة إذا شهدا بالطلاق ثم رجعا لم ينقض الحكم]

المسألة السابعة:

إذا شهدا بالطلاق و حكم به الحاكم ثم رجعا لم ينقض الحكم، لما عرفته سابقا من الأصل و غيره ف لا إشكال حينئذ من هذه الجهة، نعم إن كان شهادتهما بعد الدخول من الزوج لم يضمنا شيئا خصوصا إذا كان الطلاق رجعيا و قد ترك الرجوع باختياره، للأصل، و لأنهما لم يفوتا عليه إلا منفعة البضع، و هي لا تضمن بالتفويت بلا خلاف معتد به أجده فيه، كما تقدم ذلك في كتاب النكاح، بل في الرياض هنا نسبته إلى جميع الأصحاب، و ربما يؤيده مضافا إلى ما ذكروه من عدم ضمانه بقتل الغير لها أو قتلها نفسها، و ما في كشف اللثام من أنه لو ضمن البضع بالتفويت لم ينفذ طلاق المريض إلا من الثلث، و لم ينفذ أصلا إذا أحاط الدين بالتركة و إن كان فيه ما فيه أنه

232

لا يضمن البضع قطعا لو حبس المرأة عن زوجها حتى مات أو ماتت و غير ذلك مما قدمناه هناك.

و إن كان قبل الدخول ضمنا له نصف المهر المسمى لها إن كان، بناء على أن السبب في ذلك الطلاق لأنهما لا يضمنان إلا ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة بلا خلاف أجده في شيء من ذلك إلا ما يحكى عن الشيخ في النهاية «إن شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته فاعتدت و تزوجت و دخل بها ثم رجعا وجب عليهما الحد، و ضمنا المهر للزوج الثاني، و ترجع المرأة إلى الأول بعد الاستبراء بعدة من الثاني» و تبعه القاضي في ما حكي عنه.

و لعله ل

صحيح محمد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) «في رجلين شهدا على رجل غائب عن امرأته أنه طلقها فاعتدت المرأة و تزوجت ثم إن الزوج الغائب قدم فزعم أنه لم يطلقها و أكذب نفسه أحد الشاهدين فقال: لا سبيل للأخير عليها، و يؤخذ الصداق من الذي شهد و رجع، فيرد على الأخير، و يفرق بينهما، و تعتد من الأخير، و ما يقربها الأول حتى تنقضي عدتها»

أو موثق إبراهيم بن عبد الحميد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها فتزوجت ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: يضربان الحد و يضمنان الصداق الزوج، ثم تعتد ثم ترجع إلى زوجها الأول».

إلا أن الأخير منهما كما ترى خال عن رجوع الشاهدين أو أحدهما، و حينئذ يشكل ضربهما الحد، كما أنه يشكل نقض الحكم بمجرد إنكار الزوج فهو حينئذ شاذ غير موافق لما سمعته من الشيخ و لا من غيره، و حمله على ما ذكره الشيخ ليس بأولى من حمله على تزويجها بشهادتهما من دون حكم

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 13- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

233

حاكم، ثم لما جاء الزوج رجعا عن الشهادة و اعترفا بأنهما شهدا زورا، فلا يكون به دلالة حينئذ على ما ذكره، بل في محكي المختلف لا بأس بحمل قول الشيخ على أنها تزوجت بمجرد الشهادة من غير حكم حاكم بذلك» و إن كان فيه ما فيه.

و أما الأول فهو مع خلوه عن الحد الذي ذكره الشيخ و الرجوع عن الشهادة أعم من إيجاب الحد، إذ لعله خطأ و المفروض فيه غيبة الزوج، كما هو ظاهر الثاني، بل في كشف اللثام «يمكن حمل الخبرين على أن الزوج كان غائبا كما نص عليه فيهما فلما حضر أنكر و أظهر فسق الشاهد أو ما يخرجه عن الأهلية» قلت: بل قد يقال: إن الرجوع في الحكم على الغائب ينقض الحكم، لعدم تمامية الحكم قبل حضور الخصم، فيحمل أحدهما حينئذ على الآخر، و يكونان مستند الحكم في ذلك، مؤيدا بإمكان كون ذلك من بقاء الغائب على حجته التي منها رجوع الشاهد عن شهادته، كمعارضة البينة ببينة أخرى، إذ معناه أن كل ما هو حجة له مع فرض عدم الحكم فهو باق عليها، و منها ذلك، و السبب عدم الفصل التام قبل حضوره، بل هو إجراء حكم الشهادتين، و لا ينافي ذلك إطلاقهم عدم نقض الحكم برجوع الشاهد المنصرف إلى غير المفروض.

و على كل حال فالخروج بهما في مفروض المتن عما تقتضيه القواعد المحكمة الدالة على عدم نقض الحكم التام و عدم الضمان مع الدخول مناف لأصول المذهب و قواعده، خصوصا مع ندرة العامل بهما حتى الشيخ، فإن المحكي عن خلافه و مبسوطة في صورتي الدخول و عدمه موافقة المشهور و إن حكى في المسالك عن موضع من المبسوط اختيار ضمان مهر المثل مع الدخول و نصفه مع عدمه، و عن موضع آخر منه اختيار أن المهر إن كان مقبوضا بيدها غرم الشاهدان جميع مهر المثل، لأن الزوج لا يتمكن

234

من استرداد شيء لزعمه أنها زوجته و أنها تستحق جميع الصداق، و إن كان قبل التسليم غرما النصف خاصة، لأنها لا تطالبه إلا بالنصف، و أنه مال إليه في التحرير أولا ثم أفتى بالمشهور إلا أنه لم نتحققه، نعم قواه و لكن مختاره المشهور.

قال في ما حكي عنه: «و إذا شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا فان الحكم لم ينقض، و عليهما الضمان عند قوم، و ما يضمنان؟ قال قوم:

كمال المهر مهر المثل، و قال آخرون: نصف المهر، و هو الأقوى، و من قال بهذا منهم قال بنصف مهر المثل، و منهم من قال: نصف المسمى و هو الأقوى عندنا، و منهم من قال: إن كان المهر مقبوضا لزمهما كمال المهر، و إن لم يكن مقبوضا لزمهما نصف المهر، و الفصل بينهما إذا كان مقبوضا غرمه كله لا يسترد منه شيئا، لأنه معترف لها ببقاء الزوجية بينهما، فلما حيل بينهما رجع بكله عليهما، و ليس كذلك إذا كان قبل القبض، لأنه لا يلزمه إلا إقباض نصفه، فلهذا رجع عليهما بالنصف، و هو قوي».

و في التحرير بعد أن حكى عن الشيخ ما سمعت قال: «و عندي في هذه المسألة إشكال ينشأ من كون الرجوع إنما يثبت على الشاهد في ما يتلفه بشهادته، و وجوب نصف المهر قبل الدخول و المهر بعده لم يتلف من الزوج شيئا، لأنه واجب عليه، سواء طلق أو لم يطلق، فالحاصل أن شهادتهما بالطلاق قبل الدخول لم يتلفا نصف المهر، لأنه واجب عليه بعد العقد، و بعد الدخول لم يتلفا المهر، لاستقراره في ذمته بالدخول، و إنما أتلفا بشهادتهما البضع عليه، فيجب عليهما ضمانه، و إنما يضمن بمهر المثل، فيجب مهر المثل مع الدخول، لأنهما أتلفا البضع عليه، و نصفه قبل الدخول، لأنه إنما ملك نصف البضع، و لهذا إنما يجب عليه نصف

235

المهر، و يحتمل ما ذكرناه أولا من تضمين نصف المسمى إن كان قبل الدخول، لأنهما ألزماه الزوج بشهادتهما و قراره عليه، فكان بمعرض السقوط بالردة و الفسخ من قبلهما، و عدم التضمين إن كان بعد الدخول، لأن المهر تقرر عليه بالدخول، فلم يفوتا عليه شيئا، و البضع غير متقوم فإنها لو ارتدت أو أسلمت أو قتلت نفسها أو فسخت نكاحها قبل الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحها لم تغرم شيئا، و هذا هو الأقوى عندي».

و في كشف اللثام «و فيه أيضا أنا إن قلنا بالضمان بعد الدخول فلا ضمان إن كان الطلاق رجعيا، لتمكن الزوج من الرجعة، و لا يعجبني قولهم: إنهما قررا عليه النصف إذا شهدا قبل الدخول لأنه كان في معرض السقوط فكما كان في معرض السقوط قبل الدخول بما ذكر فهو في معرضة بعده بالإبراء أيضا، بل بعد التفويت أيضا، و لا ما استدلوا به على أن البضع غير متقوم، إذ بعد تسليم الجميع فوجوب مهر المثل على من استوفاه معارض قوي، و لا قوله (رحمه الله): إنه إنما ملك قبل الدخول نصف البضع، و إنما سقط عنه نصف المهر، لأنه لم يستوف العوض، و إنما وجب عليه النصف بالنص و الإجماع، و يحتمل أن تكون الحكمة فيه تنفير الناس عن الطلاق و أن يكون لانتهاك من عرضها بالعقد، و لعل الصواب أن لمسمى البضع قيمة لا تختلف بمرة أو مرات، و هي المسمى مع التسمية، و مهر المثل لا معها، فمن عقد على امرأة بمهر فكأنه اشترى مسمى بضعها به، فمن فوته عليه و قد استوفى فردا من أفراده لم يكن عليه شيء، لأنه تسلم المثمن، و قد دخل حين تزوج بها على أن يكون لها تمام المهر و إن لم يطأها إلا مرة، و من فوته عليه و لم يستوف منه شيئا فقد فوت عليه المثمن بتمامه و لم يسلم له شيء، مع أنه يجب عليه نصف المسمى بالنص و الإجماع، فهو غرامة يغرمها بلا عوض،

236

فعلى مفوت العوض الغرامة».

قلت: قد يقال- بعد الإغضاء عن جملة من مناقشاته-: إن المتجه عدم ضمان شيء إن لم يكن إجماعا بناء على أن الطلاق لم يسبب استحقاق شيء، بل هو على فرض حصوله من الفواسخ و كان المهر كله واجبا بالعقد، و ليس هو معاوضة حقيقة، و لذا يجب جميعه على الأصح في صورة الموت، و لكن الدليل في الطلاق سقط نصفه و بقي النصف الآخر مستحقا بالعقد، و حينئذ فلم يغرماه بشهادتهما شيئا، إلا أنه كان له حبس المهر على التمكن من البضع و قد فات بالشهادة المزبورة، و هو أمر غير متقوم، مع أنه لا يتم في ما إذا كانت شهادتهما بعد دفعه المهر لها و إسقاط حقها من الحبس المزبور، و هذا وجه إشكال الفاضل في التحرير، إلا أنه لم أجده قولا لأحد من أصحابنا، نعم قد تشعر عبارة المبسوط السابقة بوجود قائل بعدم الضمان أصلا، و لعله الاتفاق المزبور كاف في الفتوى بضمان النصف الذي هو مستحق عليه باعترافه بالزوجية المقتضية وجوب النصفين عليه، نعم لو قلنا بأن الطلاق سبب في غرامة مقدار نصف المهر اتجه حينئذ تغريمهما ذلك، لفرض بقاء المهر في ذمته مستحقا عليه باعترافه، و هذا غرامة حدثت بسبب شهادة الطلاق، و قد عرفت في كتاب النكاح تحقيق الحال في ذلك فلاحظ و تأمل.

و لو لم يكن لها مسمى وجب نصف المتعة بناء على وجوبها.

و لو شهدا بنكاح امرأة فحكم به الحاكم ثم رجعا فان طلقها قبل الدخول لم يغرما شيئا، لأنهما لم يفوتا شيئا عليها، و إن دخل بها ثم طلقها أو لا و كان المسمى بقدر مهر المثل أو أكثر و وصل إليها فلا شيء لها عليهما، لأنها قد أخذت عوض ما فوتاه عليها من البضع بناء على ضمانه و إن كان المسمى دونه أي مهر المثل فعليهما التفاوت، و إن لم يصل إليها

237

المسمى ففي القواعد عليهما ضمان مهر مثلها، لأنه عوض ما فوتاه عليها، و فيه نظر.

هذا إذا كان المدعي للنكاح الرجل، و لو كان المدعي هو المرأة فإن طلق الزوج قبل الدخول بأن قال: إن كانت زوجتي فهي طالق ضمنا للزوج نصف المسمى، و إن كان الطلاق بعد الدخول فان كان المسمى الذي شهدا به أزيد من مهر المثل ضمنا الزيادة للزوج، و لا ضمان إن ساواه أو نقص، و لا يشكل ذلك بعدم جواز الدخول له لإنكاره الزوجية لأنه يمكن فرض دعوى الامرأة ذلك مع عدم علمه بالحال، فإنه يجوز له الدخول حينئذ بحكم الحاكم، فإذا فرض رجوع الشاهدين عما شهدا به من النكاح بمهر معلوم ضمنا له التفاوت بينه و بين المسمى على الوجه الذي عرفت.

و لو شهدا بعتق الزوجة فحكم الحاكم ففسخت النكاح ثم رجعا غرما القيمة للمولى- خلافا لبعض العامة- و مهر المثل للزوج إن جعلنا البضع مضمونا و إلا فلا.

و لو شهدا برضاع محرم بعد النكاح ففرق الحاكم بينهما ثم رجعا ضمنا مهر المثل على القول بضمان البضع و إلا فلا، و لا فرق في هذه الضمانات بين تعمد الشاهدين و خطأهما.

[فروع]

فروع:

[الفرع الأول إذا رجعا معا ضمنا بالسوية]

الأول قد ظهر لك مما ذكرناه نصا (1) و فتوى أن الشاهدين على ما يثبت

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الشهادات.

238

بهما إذا رجعا معا عن شهادتهما بعد الحكم بها و استيفاء المال ضمنا بالسوية لتساويهما في التسبب المقتضي لذلك فان رجع أحدهما ضمن النصف، و لو ثبت المشهود به بشاهد و امرأتين فرجعوا ضمن الرجل النصف و ضمنت كل واحد الربع لأنهما معا بمنزلة رجل، و لو كان ثبوته بشاهد و يمين ضمن الشاهد النصف، لأن الظاهر ثبوت الحق بهما معا و لو قيل بثبوته باليمين لا غرم عليه، كما أنه لو قيل بثبوته به وحده و اليمين شرط ضمن الكل، و ربما احتمل التنصيف على كل تقدير، إذ لا شك أن لكل منهما مدخلا في الثبوت، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب القضاء.

و لو أكذب الحالف نفسه اختص بالضمان، سواء رجع الشاهد أو لا، و كذا كل مقام يرجع فيه المدعي يختص بضمان ما استوفاه و لا غرم على الشاهد.

هذا كله لو كان الشاهد أقل عدد يثبت به المشهود عليه، أما لو شهد أكثر من العدد الذي يثبت به الحق كثلاثة مثلا في المال و القصاص و ستة في الزناء فرجع الزائد قبل الحكم أو بعده قبل الاستيفاء لم يمنع ذلك الحكم و لا الاستيفاء، و لا ضمان على أحد إن كان الرجوع قبل الحكم، و إن رجع بعد الاستيفاء أو بعد الحكم ضمن بقسطه وفاقا للمحكي عن الشيخ و يحيى بن سعيد، لثبوت الحكم بالجميع، و لصحيح ابن مسلم (1) السابق الذي منه يعلم أنه لو رجع الثالث في الشهادة بالمال يضمن الثلث، و ربما احتمل عدم الضمان للاستغناء عنه في الحكم إلا أن يكون مرجحا بكثرة الشهود في صورة التعاوض للاحتياج إليه حينئذ في الحكم.

و لو شهد بالزناء ستة و رجع اثنان بعد القتل معترفين بالتعمد فعليهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الشهادات الحديث 1.

239

القصاص بناء على المختار بعد رد ثلثي الدية عليهما، و لو قالا: أخطأنا فعليهما ثلث الدية، و إن رجع واحد فالسدس أو القصاص بعد رد خمسة أسداس الدية، و على الاحتمال لا شيء عليهما.

و إن رجع ثلاثة مخطئين فعلى الأول يضمنون نصف الدية، و على الاحتمال ربعها بالسوية، لاشتراك العلة بينهم من غير مرجح، مع احتمال القرعة.

و إن رجع أربعة فالثلثان على المختار و النصف على الاحتمال.

و إن رجع خمسة فخمسة أسداس على الأول، و ثلاثة أرباع على الاحتمال.

و إن رجع الستة فلكل واحد السدس على القولين، بل منه يستفاد تأييد المختار، ضرورة أن المتجه على الاحتمال حينئذ الإقراع في الخارج عن الزائد على الحجة، فتأمل.

و مما ذكرنا يعلم الحال في ما لو كان الشاهد عشر نسوة مع شاهد رجل في ما لا يثبت بالنساء منفردات فرجع الرجل إذ المتجه بناء على ما ذكرنا أنه إذا رجع ضمن السدس لما عرفت من ثبوت الحكم بالجميع، لكن عن أبي يوسف و محمد أنه يضمن النصف لأنه نصف البينة و عليهن النصف، لأن الفرض توقف الثبوت على الرجل، و لا فرق فيهن بين اثنين و ألف، و لعله لذا قال المصنف:

و فيه تردد لكنه في غير محله، لما عرفت.

و لو رجعت امرأة واحدة منهن معه فعلى الراجع مثل ما عليه لو رجع الجميع، فعليه على المختار السدس و عليها نصف السدس، و على قول أبي يوسف عليه النصف و عليها نصف العشر، و على ما ذكرناه من الاحتمال لا شيء عليها، بل و لا على كل من يرجع منهن مما زاد على الاثنين.

240

و كذا مما ذكرناه يعلم لك الحال في:

[الفرع الثاني لو كان الشهود ثلاثة ضمن كل واحد منهم الثلث]

الفرع الثاني: و هو لو كان الشهود ثلاثة مثلا في المال مثلا ضمن كل واحد منهم الثلث و لو رجع منفردا لما عرفت و ربما خطر في بال المصنف أنه لا يضمن الراجع وحده، و هو ما ذكرناه سابقا من الاحتمال لأن في الباقي ثبوت الحق، و لا يضمن الشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له و قد عرفت أن الأول اختيار الشيخ و ابن سعيد، بل لم نعرف قائلا منا بما خطر في بال المصنف، كما أنه لم نعرف له وجها إلا ما ذكره، و فيه ما عرفت من صدق الثبوت بالجميع و الصحيح (1) السابق.

و كذا الكلام في ما لو شهد رجل و عشر نسوة فرجع ثمان منهن قيل و القائل من عرفت و هو المختار كان على كل واحدة منهن نصف السدس، لاشتراكهم في نقل المال، و الاشكال فيه بناء على ما خطر في بال المصنف كما في الأول الذي هو رجوع واحد من الثلاثة.

[الفرع الثالث لو حكم فقامت بينة بالجرح مطلقا لم ينقض الحكم]

الفرع الثالث لو حكم فقامت بينة بالجرح مطلقا غير معينة له بوقت لم ينقض الحكم الموافق لأصل الصحة و استصحابها بذلك لاحتمال

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

241

التجدد بعد الحكم و هو غير ناقض له و لو تعين الوقت و هو متقدم على الشهادة نقض بناء على ظهور اختلال ميزان الحكم بذلك، كما تقدم الكلام فيه سابقا و كذا تقدم الكلام في ما لو كان الفسق بعد الشهادة و قبل الحكم و أنه لم ينقض الحكم بذلك عند بعض.

و كيف كان ف إذا نقض الحكم و قد استوفي المحكوم به فان كان حدا قتلا أو جرحا فلا قود على الحاكم قطعا و لا على من وكله في إقامته و إنما تكون للمحدود الدية في بيت المال لأن خطأ الحاكم في ذلك فيه، كما هو المروي عندنا،

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): في خبر الأصبغ «إن ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين»

و ما روي من تضمين أمير المؤمنين (عليه السلام) عاقلة عمر بن الخطاب لأنه ليس حاكم شرع، إذ الكلام في حاكم العدل أو المنصوب من قبله الذي هو كالوكيل عن المسلمين بل وليهم، و خطأ الوكيل في حق موكله عليه، فخطأ الوكيل عن المسلمين في حقهم على بيت مالهم المعد للمصالح التي لا ريب في أن ذلك منها، و إلا لأدى إلى ترك الحكم بالشهادة تحرزا عن ضرر الدرك، فما عن ظاهر الحلبي من أن الضمان في ماله واضح الضعف، بل مناف لقاعدة الإحسان و غيرها و لو كان المحكوم به القصاص و كان المباشر ل ه أي القصاص هو الولي ففي ضمانه أي الولي تردد من مباشرته للفعل، و من قوة سببية حكم الحاكم في ذلك و الأشبه عند المصنف

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب آداب القاضي- الحديث 1 من كتاب القضاء.

242

و تبعه الفاضل أنه لا يضمن مع حكم الحاكم و إذنه و لكن لو قتل بعد الحكم و قبل الاذن ضمن الدية فضلا عما لو كان قبل الحكم.

و قد يناقش أولا بعدم ما يدل على اعتبار الاذن في الاستيفاء بعد الحكم، بل لعل ظاهر الأدلة كتابا (1) و سنة (2) عدمه، و قياس القصاص على الحد أو دعوى أنه منه كما ترى، و لو سلم فلا مدخلية لها في قوة المباشرة على التسبيب، بل لو سلم تساويهما كان الضمان على المباشر، لأنه هو القاتل حقيقة، و لعله لذا يحكى عن قول للعامة بأن على الولي الدية و إن كان مأذونا، بل هو ظاهر إطلاق تردد المصنف أيضا و إن اختار التفصيل بعده، و هو لا يخلو من قوة إن لم يكن إجماعا.

بل قد يؤيده ما ذكره المصنف (رحمه الله) و غيره في حكم المال قال أما لو كان المحكوم به مالا فإنه يستعاد إن كانت العين باقية، و إن كانت تالفة فعلى المشهود له و إن قال لأنه ضمن بالقبض بخلاف القصاص مشيرا بذلك إلى ما يحكى عن الشيخ من الفرق بينه و بين الدية بأن الحكم إن كان بالمال حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد، و ضمان الإتلاف ليس بضمان اليد، فلهذا كان الضمان على الامام، لكنه كما ترى، إذ الإتلاف و إن لم يكن ضمان يد لكنه ضمان لمباشرة الإتلاف المندرج في قاعدة من أتلف و من قتل مؤمنا خطأ و غير ذلك.

و على كل حال ف لو كان المشهود له المتلف للمال معسرا قال الشيخ: ضمن الامام، و يرجع به على المحكوم له

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 178 و 179 و 194 و سورة المائدة: 5- الآية 32 و 45 و سورة الأنعام: 6- الآية 151 و سورة شورى: 42- الآية 40 و سورة النحل: 16- الآية 126.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب القصاص في النفس من كتاب القصاص.

243

إذا أيسر لأنه تسبب إلى إتلافه، و للزوم الحرج على المشهود عليه بالصبر.

و لكن فيه إشكال من حيث القول السابق ب استقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده فلا وجه مع ذلك لضمان الحاكم الذي فرضنا تقديم المباشر عليه في أصل الضمان على وجه لم يكن لصاحب المال رجوع عليه، بل المتجه إنظاره لعموم أدلته، مضافا إلى أصالة عدم الانتقال إلى ذمة الحاكم أو بيت المال، كما هو واضح.

[مسائل]

مسائل:

[المسألة الأولى إذا شهد اثنان أن الميت أعتق أحد مماليكه المعين و قيمته الثلث]

الأولى إذا شهد اثنان أن الميت أعتق أحد مماليكه المعين و قيمته الثلث و شهد آخران أو جميع الورثة أن العتق لغيره المعين و قيمته الثلث أيضا على وجه لا يقتضي نفي العتق عن الأول فإن قلنا: المنجزات من الأصل عتقا معا بلا خلاف و لا إشكال و إن قلنا: تخرج من الثلث كما هو الأصح فقد انعتق أحدهما قطعا فان عرفنا السابق بتأريخ البينتين صح عتقه و بطل الآخر إن لم يجز الوارث و إن جهل لإطلاق البينتين أو إحداهما و لم نقل بتأخر مجهول التأريخ عن معلومه استخرج بالقرعة و إن احتمل التقارن و ذلك لأنه لو اتفق عتقهما في حالة واحدة قال الشيخ:

يقرع بينهما و يعتق المقروع فالمحتمل أولى بذلك، و الأصل فيه فعل النبي (صلى الله عليه و آله) بالعبيد الذين أعتقهم الأنصاري و لا يملك

244

سواهم (1) كما سمعته في كتاب الوصايا (2) و أولى من ذلك بالقرعة ما لو علم سبق أحدهما و لكن لم يعلم عينه ضرورة أنها لإخراج المشتبه.

لكن في المسالك جعل فيه وجهين، هذا أحدهما، و الثاني أنه بعتق من كل واحد نصفه، لأنه لو أقرعنا لم يؤمن خروج الرق على السابق، و للسابق حق الحرية، فيلزم منه إرقاق حر و تحرير رقيق.

و هو من غرائب الكلام، ضرورة جريانه في كثير من موارد القرعة التي استفاضت بها النصوص (3) المصرحة بعدم خطأها لو فوض القارع فيها الأمر إلى الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، و لذا لم يحتمله أحد من أصحابنا، نعم هو أحد قولي الشافعية كما حكاه الرافعي.

و كذا قال الشيخ لو اختلفت قيمتها بأن كانت قيمة أحدهما السدس و الآخر الثلث أو أزيد و قد أعتقهما معا أو جهل السابق أعتق المقروع أيضا فإن كان بقدر الثلث صح و بطل الآخر، و إن كان أزيد صح العتق منه في القدر الذي يحتمله الثلث، و إن نقص أكملنا الثلث من الآخر.

و كأنه أشار بذلك إلى ما ذكروه تفريعا على القولين في ما لو قامت البينتان كذلك لكن أحد العبدين سدس المال و الآخر ثلثه، فان قلنا بالقرعة و أخرجت للعبد الخسيس عتق و عتق نصف من الآخر ليكمل الثلث و إن أخرجت للنفيس انحصر العتق فيه.

و أما على القول الثاني فقد ذكروا فيه وجهين أحدهما أنه يعتق من كل واحد ثلثاه لأن ما زاد على الثلث من المتبرع ينسب إلى جميع التبرع

____________

(1) سنن البيهقي ج 10 ص 285.

(2) راجع ج 28 ص 359.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

245

و ينقص بتلك النسبة من كل واحد منهم، و إذا نسبنا الزائد على الثلث و هو السدس هنا إلى جميع التبرع و هو النصف كان ثلثه، فيرد العتق في ثلث كل واحد منهما و ينفذ في ثلثيه. و بعبارة أخرى أنه كما لو أوصى لرجل بثلث ماله و لآخر بسدسه فإنه يعطى كل واحد ثلثي ما أوصى له به، و ذلك لأن نسبة السدس مع الثلث ثلثان و ثلث، فيقسم الثلث حينئذ بينهما ثلثان منه لمن أوصى له بالثلث، و ثلث منه لمن أوصى له بالسدس لأن النقص الحاصل عليه على نسبة مالهما من الوصية، كما هو واضح.

و ثانيهما عتق ثلاثة أرباع النفيس و من الخسيس نصفه، لأنه إن سبق إعتاق النفيس فجميعه حر، و إن سبق إعتاق الآخر فنصفه حر، فنصفه على التقديرين حر، و إنما النزاع و الازدحام في النصف الثاني الذي هو قدر سدس المال، فيقسم بينهما، فيعتق من النفيس ربعه مضافا إلى النصف، و من الخسيس نصفه.

إلا أنه كما ترى لا ينطبق على قاعدة قسمة ما تعارضت فيه البينتان من الأعيان بين المتخاصمين، ضرورة عدم كون العتق كذلك، و من هنا قال الرافعي: إن الصحيح و به قطع الأكثرون الوجه الأول.

هذا و في المسالك و نبه المصنف بقوله: و شهد آخران أو الورثة إلى آخره على أنه لا فرق هنا بين شهادة الوارث و غيره، إذ لا تهمة للوارث تمنع شهادته هنا و إن كانت واردة في غير هذه الصورة، كما سيأتي في ما لو شهدوا بالرجوع عن الأول، و يزيد الورثة عن الأجانب أنه لا يشترط هنا كونهم عدولا، لأن شهادتهم بعتق الثاني مع عدم تعرضهم للأول بمنزلة الإقرار بعتقه مضافا إلى ما ثبت بالبينة، نعم يشترط كون الشاهد جميع الورثة، كما يرشد إليه قول المصنف: أو الورثة، و قال في المسألة الثانية: و شهد من ورثته عدلان، و لو كانوا عدولا كفى

246

منهم اثنان كالأجانب».

قلت: لا تهمة في المسألتين، لكن إشكال المصنف في الثانية يأتي هنا، ضرورة كون الورثة هم المدعى عليهم في المسألتين، و إقرارهم في أحدهما لا يعارض البينة في الآخر، فلا تحمل عليه عبارة المصنف المتضمنة للقرعة، نعم الوجه في عبارة المصنف أنه ذكرها على مذهب الشيخ على معنى عدم الفرق بين كون الشاهدين من الورثة أو أجنبيين لعدم التهمة فتتجه حينئذ القرعة، و الله العالم.

[المسألة الثانية إذا شهد شاهدان بالوصية لزيد و شهد من ورثته عدلان أنه رجع عن ذلك و أوصى لخالد تقبل شهادة الرجوع]

المسألة الثانية:

إذا شهد شاهدان بالوصية لزيد و شهد من ورثته عدلان أنه رجع عن ذلك و أوصى لخالد بعين ما أوصى به للأول أو بغيره قال الشيخ: تقبل شهادة الرجوع، لأنهما لا يجران نفعا لأنهما أثبتا للرجوع عنه بدلا يساويه فارتفعت التهمة، فلا فرق حينئذ بين الوارث و غيره، و هو المحكي عن الشافعية.

و لكن فيه إشكال من حيث أن المال يؤخذ من يدهما فهما غريمان للمدعي فلا تقبل شهادتهما عليه، إذ البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه فلا وجه لقبول شهادته عليه، مع أن الخصومة معه في المشهود عليه، فترد شهادتهم من هذه الجهة.

قال في المسالك: «و إنما اعتبر كون الورثة عدلين ليثبت بهما الرجوع على تقديره، و لو كانا فاسقين لم يثبت بقولهما الرجوع، و يحكم بالأولى بشهادة الأجنبيين، لأن الثلث يحتملها كما هو المفروض، و يصح من الثانية قدر ما يحتمله ثلث الباقي من المال بعد الأول، و بهذا افترق

247

حكم العدالة و عدمها في هذه المسألة و السابقة، لأن الوارث لو لم يتعرض للسابقة كان الحكم كالمسألة الأولى».

قلت: و فيه ما ذكرناه من الاشكال مع فرض المزاحمة كما في المسألة السابقة و إلا فمع فرض عدم المزاحمة يعمل بمقتضى البينة و بمقتضى الإقرار، بل لو فرض تكذيب الورثة للبينة التي شهدت بعتق سالم و قالوا: إنما أعتق غانما و فرض أن كل واحد منهما قدر الثلث أعتق الأول بالبينة و الثاني بالإقرار الذي لا يصلح معارضا للبينة الأولى و ليس شهادة، لأن الفرض فسقهم، و لو قالوا: لا نعلم أنه أعتق سالما و لكنه أعتق غانما فعن بعض الشافعية القرعة و فيه منع واضح بعد الإحاطة بما ذكرنا، بل منه يعلم ما في جملة من كلماتهم المحكية في الروضة للرافعي.

[المسألة الثالثة إذا شهد شاهدان لزيد بالوصية و شهد شاهد بالرجوع و أنه أوصى لعمرو كان لعمرو أن يحلف مع شاهده]

المسألة الثالثة:

إذا شهد شاهدان لزيد بالوصية و شهد شاهد بالرجوع و أنه أوصى بما أوصى به أولا لعمرو كان لعمرو أن يحلف مع شاهده و إن قلنا سابقا: إن الشاهد و اليمين لا يعارض البينة لكن ذلك مع اتحاد المشهود به بخلاف الفرض لأنها شهادة منفردة لا تعارض الأولى فيعمل بكل منهما في مورده، كما هو واضح.

[المسألة الرابعة لو أوصى بوصيتين منفردتين فشهد آخران أنه رجع عن إحداهما لا يقبل]

المسألة الرابعة:

لو أوصى بوصيتين منفردتين فشهد آخران أنه رجع عن إحداهما قال الشيخ: لا يقبل، لعدم التعيين الذي هو شرط في صحة الشهادة

248

و لو للشك في حجيتها مع عدمه، كنفس الدعوى إذا لم تكن محررة فهي حينئذ كما لو شهدت البينة بدار لزيد أو عمرو و يحتمل الرجوع إلى القرعة التي هي لكل أمر مشكل، إذ المستحق في نفس الأمر أحدهما، و نسبته إليهما على السواء، و قد تعذر علمه بموت الموصى، و الفرض حجية شهادة العدلين، لإطلاق دليلها، و يحتمل القسمة بينهما، لأنه مال قد انحصر فيهما و نسبتهما إليه على السواء، فيقسم بينهما، و يجعل كأنه رد كل وصية إلى نصفها، و الوسط لا يخلو من قوة، كما مال إليه في المسالك.

[المسألة الخامسة إذا ادعى العبد العتق و أقام بينة تفتقر إلى البحث]

المسألة الخامسة:

إذا ادعى العبد العتق و أقام بينة تفتقر إلى البحث عن التزكية مثلا و سأل العبد التفريق بينه و بين المولى حتى تثبت التزكية قال في المبسوط يفرق.

و وجهه في المسالك بأن العبد قد فعل ما هو الواجب عليه حيث أتى ببينة كاملة، و ليس عليه البحث عن حالها لأن الظاهر العدالة حتى يثبت الجرح، و إنما البحث وظيفة الحاكم، و لأن المدعي ربما كان أمة فلو لا التفرقة لم يؤمن أن يواقعها، و هو ضرر عظيم.

و فيه أن المحكي عن الشيخ في المتن الافتقار إلى البحث عن التزكية لا الجرح، فليس وجهه إلا الاكتفاء بما يمكن صحته، كما يشهد له قوله و كذا لو أقام مدعي المال شاهدا واحدا و ادعى أن له شاهدا آخر و سأل حبس الغريم، لأنه متمكن من إثبات حقه باليمين، و لكن في الكل إشكال، لأنه تعجيل العقوبة قبل ثبوت الدعوى كما

249

تقدم الكلام فيه في كتاب القضاء و لا مانع من تمكينه من النظر إلى الأمة بل المواقعة لأن الناس مسلطون على أموالهم، نعم قد تحصل مصلحة في بعض المقامات تقتضي جواز الحبس للحاكم.

[المسألة السادسة لا فرق في الضمان بين شهود الشيء و شهود التزكية]

المسألة السادسة:

لا فرق في الضمان بين شهود الشيء و شهود التزكية، كما صرح به الفاضل و غيره، فلو زكى اثنان شهود الزناء كذبا فالضمان عليهما، لأنهما السبب في الحكم بالقتل، لكن في التحرير تردد فيه من ذلك و من كون التزكية شرطا لا سببا، بل السبب هو الحكم، و فيه أنها سبب عرفا كالشهادة، نعم إنما يكون عليهما الدية، لاحتمال حقية المشهود به، و كذا لو رجعوا عن التزكية سواء قالوا تعمدنا أو أخطأنا، لأنهم إنما تعمدوا الكذب في التزكية، و هو ليس من الكذب في الشهادة، بل قد يقال بضمانهما نصف الدية، لجريانهما مجرى شاهد واحد بالنسبة إلى الحكم المستند إلى شهادة الشهود و إلى التزكية، و لو فرض علمهم بكذب الشهود و قد كذبوا في التزكية أمكن القول بالقصاص عليهم، لاشتراكهم حينئذ مع الشهود في سبب القتل، و لو ظهر فسق المزكين فالضمان على الحاكم في بيت المال كظهور فسق الشهود حتى أثر الضرب في الجلد.

و إذا رجع الشاهد أو المزكي اختص الضمان بالراجع دون الآخر، إذ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

و لو رجعا معا ضمنا، لما عرفت من أن الشهادة و التزكية معا سبب للحكم، و كل منهما جزء لسببه، لا أن السبب الشهادة و التزكية شرط أو

250

سبب بعيد مع احتماله، فيختص الضمان حينئذ بالشاهد، فان رجع الولي على الشاهد كان له قتله مع اعترافه بتعمد الكذب، و لو طالب المزكي لم يكن عليه القصاص بل الدية، لما سمعت إلا في صورة الاعتراف بالعلم بكون القتل عدوانا، و لكن ليس للولي جمعهما في الطلب و إلا اجتمع له القصاص و الدية، بل في كشف اللثام ليس له توزيعهما عليهما، حتى إن اقتص من الشاهد أعطاه نصف الدية و أخذه من المزكي، لأنهما و إن تساويا في سببية الحكم لكن تباينا في المشهود به، فكل منهما مستقل في جنايته، و الله العالم.

[المسألة السابعة لو شهد أربعة بالزناء و اثنان بالإحصان فرجم ثم رجعا دون شهود الزناء اقتص منهما خاصة]

المسألة السابعة:

لو شهد أربعة بالزناء و اثنان بالإحصان فرجم ثم رجعا دون شهود الزناء اقتص منهما خاصة إن اعترفا بالعمد، و إلا فالدية على الوجه الذي ستعرفه، نعم من اقتص منهم يرجع إليهما من الدية بقدر نصيب شهود الزناء من الغرم، و كذا لو رجع شهود الزناء خاصة لم يجب على شهود الإحصان شيء، بل يختصون بالضمان، فلو اقتص منهم يرجع إليهم من الدية بقدر نصيب شهود الإحصان.

و لو رجع الجميع ضمنوا أجمع، لاشتراكهم في التسبيب. و في التحرير احتمال سقوط ضمان شهود الإحصان، لنحو ما سمعته في التزكية من كون شهادتهم بالشرط دون السبب، و السبب للقتل هو الزناء، فتضمن شهوده خاصة، و فيه ما عرفت.

نعم في كيفية الضمان إشكال، فيحتمل ضمان شاهدي الإحصان النصف و شهود الزناء النصف، و يحتمل التوزيع عليهم بالسوية، و حينئذ

251

فلو شهد أربعة بالزناء و اثنان منهم بالإحصان فعلى الأول على شاهدي الإحصان ثلاثة أرباع: نصف للشهادة بالإحصان و نصف النصف الآخر الذي هو ربع، لأنهما نصف شهود الزناء، و على الثاني على شاهدي الإحصان الثلثان: ثلث منهما للشهادة بالزناء و الثلث الآخر للشهادة بالإحصان و على الآخرين الثلث، و يحتمل تساويهم في الغرم على كل تقدير، فلا يضمنان إلا النصف، لأن شاهدي الإحصان و إن تعددت جنايتهم فإنهم يساوون من اتحدت جنايته، لأن الدية تسقط على عدد الرؤوس لا الجناية، كما لو جرحه أحدهما مائة و الآخر واحد ثم مات من الجميع، و الله العالم.

[المسألة الثامنة لو رجع المعرفان ضمنا ما شهد به الشاهدان]

المسألة الثامنة:

لو رجع المعرفان ضمنا ما شهد به الشاهدان، و في تضمينهما الجميع أو النصف نظر، من أن التفويت حصل بأمرين: شهادة الشاهدين و تعريفهما المشهود عليه، و بعبارة أخرى بشهادتين شهادة بالشيء المشهود به و شهادة بالنسب، فكان عليهما نصف الغرم مع أصل البراءة، و من أنهما المثبتان لشهادة الشاهدين بحيث عينا المشهود عليهما.

[المسألة التاسعة لو ثبت الحكم بشهادة الفرع ثم رجع فإن كذبه شاهد الأصل في الرجوع فالأقرب عدم الضمان]

المسألة التاسعة:

لو ثبت الحكم بشهادة الفرع ثم رجع فإن كذبه شاهد الأصل في الرجوع فالأقرب عدم الضمان، و يحتمل أخذا بإقراره، نعم لو صدقه أو جهل حاله ضمن، فلو شهد اثنان على الاثنين ثم رجعا ضمن كل النصف، و يقتص منهما لو تعمدا، و لو رجع أحدهما ضمن نصيبه خاصة

252

و لو رجعا عن الشهادة على أحد الأصلين احتمل إلحاقهما برجوع شاهدي الأصل في ضمان الجميع و برجوع أحدهما، فعليهما جميعا نصف الضمان. و لو رجع أحدهما عن الشهادة على أحد الأصلين و الآخر عن الشهادة على الآخر ضمنا الجميع، لاختلال شهادتي الأصلين جميعا، فإنه لا يثبت أحدهما إلا بشهادة الفرعين جميعا. و لو رجع أحدهما عن الشهادة على أحد الأصلين احتمل تضمين النصف، لعدم الفرق بين الرجوع عن شهادة الأصلين كليهما أو عن شهادة أحدهما، لاختلال الشهادة بكل منهما من غير فرق، و احتمل ضمان الربع بناء على أنهما إن رجعا جميعا عن شهادة أحد الأصلين ضمنا النصف.

و لو شهد على كل شاهد اثنان و رجع الجميع ضمن كل الربع، و يقتص منهم لو اعترفوا بالعمد، و الله العالم.

[العاشرة يجب تعزير شاهد الزور]

المسألة العاشرة:

يجب تعزير شاهد الزور بلا خلاف أجده فيه بما يراه الحاكم من الجلد و النداء في قبيلته و محلته بأنه كذلك ليرتدع غيره بل هو فيما يأتي، قال الصادق (عليه السلام): في موثق سماعة (1) و خبر عبد الله بن سنان (2): «إن شهود الزور يجلدون جلدا ليس له وقت، و ذلك إلى الامام، و يطاف بهم حتى يعرفهم الناس»

و في خبر غياث بن إبراهيم (3) «إن عليا (عليه السلام) كان إذا أخذ شاهد الزور فان كان غريبا بعث به إلى حيه، و إن كان سوقيا بعث به إلى سوقه فطيف

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب بقية الحدود و التعزيرات- الحديث 2 من كتاب الحدود.

(2) الوسائل- الباب- 15- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 15- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

253

به، ثم يحبسه أياما ثم يخلي سبيله»

و قال أيضا في شاهدي زور فرا من يد علي (عليه السلام): «إن علي هذين حتى أنكلهما»

إلى غير ذلك، و ليس منه الغالط في شهادته و لا من ردت لمعارضة بينة أخرى بل و لفسقه.

[المسألة الحادية عشر الظاهر عدم الضمان بكتمان الشهادة و إن أثم]

المسألة الحادية عشر:

الظاهر عدم الضمان بكتمان الشهادة و إن أثم، للأصل و غيره، لكن في القواعد في التضمين بترك الشهادة مع ضعف المباشرة إشكال، كما لو علما ببيع المورث عينا من زيد فباع الوارث من عمرو و لم يعلم بذلك البيع و تعذر الرجوع على المشتري، و لعله من تسبيبه للتلف بكتمانها على وجه يقوى على المباشر الجاهل بالحال، و لكن الأقوى ما عرفت.

هذا و بقيت مسائل مذكورة في كتب العامة و الخاصة تركنا التعرض لها ترجيحا للاشتغال بالأهم منها و مخافة التطويل، و لكن الأمر فيها هين، لأن المرجع فيها القواعد العامة و لا نص فيها بالخصوص، و الله هو العالم و المؤيد و الموفق و المسدد.

254

بسم الله الرحمن الرحيم

[كتاب الحدود و التعزيرات]

كتاب الحدود و التعزيرات جمع حد و تعزير، و هما لغة كما في المسالك و غيرها المنع و التأديب، بل فيها «و منه الحد الشرعي، لكونه ذريعة إلى منع الناس عن فعل معصية خشية من وقوعه، و شرعا عقوبة خاصة تتعلق بإيلام البدن بواسطة تلبس المكلف بمعصية خاصة عين الشارع كميتها في جميع أفراده، و عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا» و نحوه في التنقيح و الرياض، إلا أنهما لم يذكر فيهما قيد الغلبة في الأخير. و لعله إلى ذلك يرجع قول المصنف كل ما له عقوبة مقدرة يسمى حدا، و ما ليس كذلك يسمى تعزيرا.

لكن في المسالك في شرحها «تقدير الحد شرعا واقع في جميع أفراده كما أشرنا إليه سابقا، و أما التعزير فالأصل فيه عدم التقدير، و الأغلب من أفراده كذلك، و لكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده و ذلك في خمسة مواضع: الأول: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان مقدر بخمسة و عشرين سوطا (1) الثاني: من تزوج أمة على حرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب بقية الحدود و التعزيرات.

255

و دخل بها قبل الاذن ضرب اثنا عشر سوطا و نصفا ثمن حد الزاني (1) الثالث: المجتمعان تحت إزار واحد مجردين مقدر بثلاثين إلى تسعة و تسعين على قول (2) الرابع: من افتض بكرا بإصبعه (3) قال الشيخ: يجلد من ثلاثين إلى سبعة و سبعين، و قال المفيد: من ثلاثين إلى ثمانين و قال ابن إدريس: من ثلاثين إلى تسعة و تسعين، الخامس: الرجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد و إزار مجردين يعزران من عشرة إلى تسعة و تسعين (4) قاله المفيد، و أطلق الشيخ التعزير، و قال في الخلاف: روى أصحابنا فيه الحد، و لقائل أن يقول: ليس من هذه مقدر سوى الأولين، و الباقي يرجع في ما بين الطرفين إلى رأي الحاكم، كما يرجع إليه في تقدير غيره و إن تحدد في طرفيه بما ذكر».

قلت: كأن الذي دعاه إلى تسمية المقدر المزبور تعزيرا مع أن له مقدرا هو اشتمال النص على إطلاق التعزير عليه، و فيه بعد تسليمه في الجميع إمكان منع إرادة ما يقابل الحد منه، و لعله لذا ذكرها بعضهم في الحدود، و الأمر سهل.

ثم قال المصنف و أسباب الأول ستة: الزناء، و ما يتبعه، و القذف، و شرب الخمر، و السرقة، و قطع الطريق، و الثاني أربعة:

البغي، و الردة، و إتيان البهيمة، و ارتكاب ما سوى ذلك من المحارم، فلنفرد لكل قسم بابا عدا ما يتداخل أو سبق و في المسالك في شرح

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب حد الزناء و الباب- 47- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 21 و 18.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب حد الزناء.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 3 و 18.

256

الأخير «جعل عقوبة الباغي- و هو المحارب و من في معناه و المرتد- تعزيرا غير معهود و المعروف بين الفقهاء تسميته حدا، و لا ينافي كون الحد مقدرا، لأن القتل أيضا مقدر بإزهاق الروح إما مطلقا أو على وجه مخصوص، و جعل ارتكاب المحارم قسيما للثلاثة نظرا إلى أن الثلاثة الأول منصوصة بخصوصها من الشارع، و الرابع داخل من حيث العموم، و الأولى جعل سبب التعزير أمرا واحدا و هو ارتكاب المحرم الذي لم ينصب الشارع له حدا مخصوصا».

قلت: قد ترك ذكر التعزير في عنوان الكتاب في القواعد و التحرير و اللمعة، بل جعل في الأول مقاصده ثمانية و السابع و الثامن المحارب و المرتد.

و في كشف اللثام «الحد في الأصل المنع، و منه الحديد، لامتناعه و صلابته، و يقال للبواب: حداد لمنعه الناس، سميت بها الأمور المقررة في الشرع لمنع الناس عن معاص معينة،

عن سدير (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): حد يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة و أيامها»

و عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) في قول الله عز و جل (3) «يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» قال: «ليس يحييها، و لكن يبعث الله رجلا فيحيون العدل، فتحيي الأرض لإحياء العدل، و لإقامة حد فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا».».

قلت: لا كلام في كون المقدرات المزبورة حدودا، إنما الكلام في اندراج ما لا مقدر له شرعا تحت اسم الحد الذي هو عنوان أحكام كثيرة في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2 و الأول عن حنان بن سدير.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3 و الأول عن حنان بن سدير.

(3) سورة الروم: 30- الآية 19.