جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
257

النصوص كدرء الحد بالشبهة (1) و عدم اليمين في الحد (2) و عدم الكفالة فيه (3) و للإمام العفو عن الحد الثابت بالإقرار دون البينة (4) و عدم الشفاعة في الحد (5) و غير ذلك و عدم اندراجه، يحتمل ذلك لإطلاقه على مطلق العقوبة في كثير من النصوص نحو

«إن الله جعل لكل شيء حدا و لمن جاوز الحد حدا» (6)

و يحتمل العدم كما هو ظاهر الأصحاب هنا و في ما لو اعترف بحد و لم يبينه، لظهور لفظ الحد عرفا في المحدود، و لنحو

خبر حماد بن عثمان (7) «قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحد، قلت له: دون ثمانين، قال: لا، و لكن دون أربعين، فإنها حد المملوك، قلت: و كم ذاك؟ فقال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل و قوة بدنه»

و خبر معاوية بن عمار (8) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الامرأتان ينامان في ثوب واحد فقال: يضربان، قلت: حدا؟ فقال: لا، قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد، قال: يضربان، قلت: الحد؟ قال: لا»

و غير ذلك مما يدل على مغايرة التعزير للحد في المفهوم، بل فيها ما هو كالصريح في ذلك، نعم لا ينكر إطلاق الحد على ما يشمل التعزير أيضا، فلعل الاقتصار في الأحكام المخالفة للأصول و العمومات على الحد بالمعنى الأخص دون غيره

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب مقدمات الحدود.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود.

(6) الوسائل- الباب- 2 و 3- من أبواب مقدمات الحدود.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الحدود و التعزيرات- الحديث 3.

(8) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء الحديث 16.

258

إلا ما يفهم من فحوى أو غيرها لا يخلو من قوة، و من هنا يقوى عدم اندراج القصاص في إطلاق الحد، و الله العالم.

[القسم الأول ما كان له عقوبة مقدرة]

[الباب الأول في الزناء]

الباب الأول في الزناء الذي يقصر فيكتب بالياء، و يمد فيكتب بالألف المجمع على تحريمه في كل ملة حفظا للنسب، و لذا كان من الأصول الخمسة التي يجب تقريرها في كل شريعة، و هو من الكبائر المعلومة قطعا من الكتاب و السنة و الإجماع إن لم يكن ضرورة من الدين.

و كيف كان ف النظر في الموجب و الحد و اللواحق

[النظر الأول في الموجب]

أما الموجب فهو تحقق حقيقته مع الشرائط المشار إليها بقول المصنف:

«و يشترط» إلى آخره، و مقتضاه تحقق ماهية الزناء التي هي الموجب بمعنى السبب المصطلح ب إيلاج الإنسان ذكره في فرج امرأة محرمة أصالة لا لحيض و نحوه من غير عقد و لا شبهة عقد و لا ملك للعين أو المنفعة و لا شبهة ملك لهما، فما في المسالك من أنه «يدخل في الحد الإنسان الكبير و الصغير و العاقل و المجنون، فلو زاد فيه «المكلف»

259

كان أجود، و يمكن تكلف إخراجهما بقوله في فرج امرأة محرمة، فإنه لا تحريم في حقهما، و كذا يدخل فيه المختار و المكره، و يجب إخراج المكره إلا أن يخرج بما خرج به الأولان»- في غير محله، لأنها على التقدير المزبور شرائط في الحد لا في تحقق حقيقة الزناء.

و كذا لا يدخل فيه إيلاج ذكر الخنثى المشكل، لعدم العلم بكون ذكرها ذكرا، و في المسالك لعدم مبادرة المعنى عند إطلاقه إليه و جواز سلبه عنه، و فيه نظر، و ربما زيد الأصلي لإخراجه، و لا بأس به توضيحا و إلا فالمنساق من التعريف الذكر من الإنسان.

و كذا الكلام في فرجها الذي لم يعلم كونه فرج امرأة و ربما زيد أيضا أصلي أو يقينا لإخراجها، و لا بأس به أيضا.

و كأن قول المصنف: و غيره «من غير عقد» إلى آخره، تفسير للمحرمة، و لعله لذا ترك قول «محرمة» في النافع، و هو المناسب للتعريف، و كأنه في ذكره تبع به ما تسمعه من عبارتي المقنعة و التهذيب المحتمل لتعليق «من» فيه بمحرمة و إن كان يشكل بصدقه على الزوجة حينئذ أو المراد بالتحريم ما يعم العرضي، و هذا قيد يخرجه.

هذا و في الرياض «أما الزناء الموجب للحد فهو إيلاج الإنسان، و إدخاله فرجه و ذكره الأصلي في فرج امرأة محرمة عليه أصالة من غير عقد نكاح و لو متعة بينهما و لا ملك من الفاعل القابل و لا شبهة دارئة، و ضابطها ما أوجب ظن الإباحة بلا خلاف أجده، و به صرح في الغنية، و لعله المفهوم منه عرفا و لغة، و إطلاق العبارة و إن شمل غير المكلف إلا أنه خارج مما ذكرناه من قيد التحريم، مع احتمال أن يقال: إن التكليف من شرائط ثبوت الحد بالزناء لا أنه جزء من مفهومه، فلا يحتاج إلى ازدياد التحريم من هذا الوجه و إن احتيج إليه لتحقيق معنى الزناء لعدم

260

تحققه عرفا و لغة إلا به، و إلا فدخول المجنون بامرأة مثلا لا يعد فيهما زناء ما لم تكن المدخول بها محرمة عليه أصالة».

و فيه أن ذلك لا يوجب الزيادة المزبورة، ضرورة تحقق الإيلاج بامرأة بلا عقد و لا ملك و لا شبهة و إن لم يكن في ذلك حرمة عليه، لعدم التكليف الذي فرض عدم مدخليته في تحقق معنى الزناء الذي هو على التقدير المزبور وطء الأجنبية التي هي غير الزوجة و المملوكة عينا أو منفعة، و مقتضاه أن وطء الشبهة زناء لغة و عرفا لكنه لا يوجب الحد و هو مناف لمقابلته به في النكاح المقتضية لكونه وطء الأجنبية على أنها أجنبية، و ربما يظهر بذلك ثمرة في غير الحد من الأحكام المعلقة على الزناء كالعرف و نحوه» إن لم يكن قرينة على إرادة الخاص منه، و لعل إيكاله إلى العرف أولى من التعرض لكشف مفهومه كغيره من الألفاظ، ضرورة تحقق وصف الزناء في المرأة و الرجل على وجه يتحقق في أحدهما دون الآخر، و لا ريب في عدم صدق التعريف المزبور على إيلاج المرأة ذكر الغير فيها مع تحقق وصف الزناء فيها، و لعل ذكر الأصحاب بعض القيود في التعريف من حيث ثبوت الحد به و عدمه و لو للشرائط الشرعية لذلك لا لكشف مفهومه، و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لماعز بعد إقراره بالزناء أربعا (1): «أ تعرف الزناء؟ فقال: هو أن يأتي الرجل حراما كما يأتي أهله حلالا».

و كيف كان ف يتحقق ذلك عرفا بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا كما نص عليه غير واحد بل هو المشهور كما عن المختلف، بل لم أجد فيه خلافا، كما اعترف به في الرياض، نعم في الوسيلة في الوطء في دبر المرأة قولان: أحدهما أن يكون زناء و هو

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 227.

261

الأثبت. و الثاني أن يكون لواطا و لعله أراد ما في المقنعة: «الزناء الموجب للحد وطء من حرم الله تعالى وطأه من النساء بغير عقد مشروع إذا كان الوطء في الفرج خاصة دون ما سواه» و في النهاية: «الزناء الموجب للحد هو وطء من حرمه الله من غير عقد و لا شبهة عقد، و يكون في الفرج خاصة» و فيه أن الظاهر منه الأعم كما عن ابن إدريس التصريح به. كل ذلك مضافا إلى الإطلاق فتوى و رواية ف

في الصحيح (1) و غيره (2) «إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم».

هذا و قد صرح غير واحد باعتبار غيبوبة قدر الحشفة من مقطوعها و قد يحتمل اعتبار دخوله أجمع، بل في كشف اللثام أنه أحد الوجهين، لكن فيه أن العرف على خلافه، ضرورة صدق اسم الإدخال، اللهم إلا أن يقال: إن

قوله (عليه السلام) في الصحيح «إذا أدخله»

ظاهر في الجميع، لكن خرجنا عنه في ذي الحشفة، لما (3) ورد من ترتب الحكم على التقاء الختانين، فيبقى غيره. و فيه أن الظاهر كون التحديد الشرعي بالتقائهما لبيان التحقق في العرف بدخول المقدار المزبور من غير فرق بين الحشفة و غيرها منه.

و كيف كان فلا خلاف في أنه يشترط في تعلق الحد بالزاني و الزانية العلم بالتحريم عليه حين الفعل أو ما يقوم مقامه من الاجتهاد و التقليد، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه فضلا عن محكيه، مضافا إلى الأصل و خبر (4) درء الحد بالشبهة و غير ذلك.

و منه يعلم الوجه في اشتراط العقل، ضرورة عدم العلم للمجنون

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الجنابة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 54- من أبواب المهور- من كتاب النكاح.

(3) الوسائل- الباب- 54- من أبواب المهور- من كتاب النكاح.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

262

بذلك، بل لا حرمة عليه حتى يعلم بها.

و كذا يشترط فيه الاختيار منهما أيضا على الأصح كما ستعرف من تحقق الإكراه في الرجل و المرأة.

و أما البلوغ فالإجماع بقسميه عليه لحديث (1) رفع القلم و غيره، بل يمكن إغناء الشرط الأول بناء على إرادة العلم بالتحريم فعلا عليه، ضرورة عدمها على غير البالغ.

و يشترط في تعلق الرجم بهما الذي هو حد الله الأكبر كما أن الجلد حده الأصغر مضافا إلى ذلك الإحصان في كل منهما بلا خلاف نصا (2) و فتوى بل الإجماع بقسميه عليه، و ستعرف إن شاء الله تحقيق الحال فيه.

و على كل حال ف لو تزوج امرأة محرمة كالأم و المرضعة و المحصنة و زوجة الولد و الأب فوطأ مع الجهل بالتحريم فلا حد للشبهة الدارئة له الملحقة له بالنكاح الصحيح، و ضابطها على ما سمعته من الرياض «ما أوجبت ظن الإباحة» و في المسالك «ضابطها توهم الفاعل أو المفعول أن ذلك الفعل سائغ له» قلت: قد تقدم في كتاب النكاح (3) تحقيق وطء الشبهة الذي عن كثير تعريفه بأنه الوطء الذي ليس بمستحق مع ظن الاستحقاق، بل عن آخر تعريفه بأنه الوطء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم، و مقتضى الأول الاكتفاء بالظن و إن لم يكن معتبرا شرعا، كما أن مقتضى الثاني حصولها بمجرد الاحتمال

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 10 و الباب- 8- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الحدود.

(3) راجع ج 29 ص 248- 247.

263

و إن كان مساويا أو مرجوحا، لكن أطنب العلامة الطباطبائي في مصابيحه في كتاب النكاح في بيان فساد ذلك و عرف الوطء بالشبهة بأنه «الوطء الذي ليس بمستحق في نفس الأمر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق أو صدوره عنه بجهالة مغتفرة في الشرع أو مع ارتفاع التكليف بسبب غير محرم، و المراد بالجهالة المغتفرة أن لا يعلم الاستحقاق، و يكون النكاح مع ذلك جائزا، كما لو اشتبه عليه ما يحل من النساء بما يحرم منهن مع عدم الحصر أو عول على إخبار المرأة بعدم الزوج أو انقضاء العدة أو على شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته إلى غير ذلك من الصور التي لا يقدح فيها احتمال عدم الاستحقاق شرعا و إن كان قريبا أو مظنونا و بارتفاع- إلى آخره- الجنون و النوم و نحوهما دون ما كان بسبب محرم كشرب الخمر المسكر، فإنه بحكم الزاني في تعلق الحد و غيره كما ستعرفه» و مقتضاه كما صرح به عدم ترتب الشبهة على الظن الغير المعتبر شرعا لا في الموضوع و لا في الحكم إلا أن يعتقد الإباحة به جهلا منه و إلا كان زانيا و هو و إن كان صريح بعض المتأخرين كثاني الشهيدين و سبطه إلا أن جملة من عبارات الأصحاب مطلقة في الاكتفاء بالظن الشامل لما لا يعلم صاحبه الحل، و ربما لا يكون ملتفتا لذلك و لا متصورا لحكمه من هذه الجهة، و قد ذكرنا في كتاب النكاح (1) تفصيل الحال في ذلك و غيره، فلاحظ و تأمل.

و كيف كان ف لا ينهض العقد بانفراده شبهة في سقوط الحد عندنا مع علمه بالتحريم معه و أنه فاسد ف لو استأجرها للوطء لم يسقط بمجرده و كذا لو عقد على إحدى المحرمات و وطأ، بل الإجماع بقسميه عليه، بل يمكن دعوى الضرورة عليه،

____________

(1) راجع: ج 29 ص 247- 256.

264

خلافا لأبي حنيفة فدرأ الحد عنه بذلك و لو كان العقد على الأم، و كم له مثل ذلك مما هو مخالف لضرورة الدين في الأموال و الفروج و الدماء، و المحكي من كلامه لا يقبل الحمل على إرادة ما لا يعلم حرمته يقينا و إن كان هو حراما بمقتضى الاجتهاد، نحو ما صدر من الفاضل في النكاح من تخصيص الزناء بالمعلوم حرمته إجماعا كنكاح المحارم و نحوهن دون ما كان محل خلاف، مع أنه يجب حمل كلام الفاضل على إرادة عدم الحكم بالزناء على من نكح في المسائل الخلافية، لاحتمال تقليده من يرى الجواز لا أن المراد عدمه ممن هو مجتهد في الحرمة أو مقلد له.

و لو توهم الحل به على وجه اعتقده سقط الحد حينئذ للشبهة الدارئة له، كغيره مما هو كذلك، بل و إن كان ذلك لتقصير منه في المقدمات باختيار مذهب فاسد يقتضي ذلك أو باعراض عن أهل الشرع أو بغير ذلك مما يكون فيه مشتبها و إن كان هو اثما في وطئه كما حققنا ذلك في كتاب النكاح (1) فلاحظ و تأمل مع احتمال القول بأن نكاح أهل الأديان الفاسدة ليس من الشبهة، و إنما ألحقنا الأولاد ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «لكل قوم نكاح»

فتأمل.

و كذا يسقط في كل موضع يتوهم الحل، كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته أو أمته فوطأها فلا حد عليه، كما لا حد عليها أيضا لو ظنته زوجها أو سيدها.

و لو تشبهت له فعليها الحد دونه لأنها زانية و هو مشتبه و بالعكس العكس

و في رواية أبي روح (3) يقام عليها الحد

____________

(1) راجع ج 29 ص 255- 256.

(2) الوسائل- الباب- 83- من أبواب نكاح العبيد و الإماء- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(3) الوسائل- الباب- 38- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

265

جهرا و عليه سرا قال: «إن امرأة تشبهت بأمة رجل و ذلك ليلا فواقعها و هو يرى أنها جاريته فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي (عليه السلام) فقال: اضرب الرجل حدا في السر و اضرب المرأة في العلانية»

و هي مع عدم صحة سندها متروكة عند المعظم مخالفة للقواعد، بل عن نكت النهاية سمعت من بعض فقهائنا أنه أراد إيهام الحاضرين الأمر بإقامة الحد على الرجل سرا و لم يقم الحد عليه استصلاحا و حسما للمادة لئلا يتخذ الجاهل الشبهة عذرا، و هذا ممكن، فما عن القاضي من العمل بظاهرها في غير محله.

و كذا يسقط الحد لو أباحته نفسها فتوهم الحل و اعتقده أو مطلقا على ما سمعته في تحقيق موضوع الشبهة.

و يسقط الحد مع الإكراه بلا خلاف و لا إشكال و لكن هو يتحقق في طرف المرأة قطعا فلا حد عليها إجماعا بقسميه لحديث رفع القلم (1) و غيره مما يأتي في المجنون و النصوص المستفيضة (2) منها

الخبر (3) «ليس على المستكرهة شيء إذا قالت: استكرهت».

نعم في تحققه في طرف الرجل تردد بل عن الغنية الجزم بعدمه، لأن الإكراه يمنع من انتشار العضو و انبعاث القوى، لتوقفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل المتوقف عليه صدق الإكراه، و إليه يرجع ما في كشف اللثام من التعليل بعدم انتشار الآلة إلا عن الشهوة المنافية للخوف و الأشبه عند المصنف و غيره

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2 و هو وارد في المجنونة دون المكرهة.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد الزناء.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد الزناء- الحديث 6.

266

إمكانه لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع أي أن الانتشار يحدث عن الشهوة، و هي أمر طبيعي لا ينافيها تحريم الشرع كما في المسالك و في كشف اللثام «لأن التخويف بترك الفعل، و الفعل لا يخاف منه، فلا يمنع الانتشار».

قلت: كأن القائل المزبور لاحظ الإكراه بمعنى الحمل على ما يكرهه و لا يريده في نفس الأمر، لعدم تحقق الانتشار مع وجود الصارف الذي هو الكراهة، و فيه- مع إمكان فرضه و تحققه بدونه بأن يدخل الحشفة في الفرج و هو غير منتشر، كما أنه يمكن فعله من غير تخويف حين انتشار الآلة بأن يدخل الآلة المنتشرة قهرا على صاحبها في الفرج- أن ذلك غير معتبر في صدق الإكراه، ضرورة عدم توقف امتثال النهي عن الزناء على ذلك كي يستلزم عدم تصور الإكراه عليه، بل يكفي فيه عدم وقوع الفعل منه و إن حصل له الميل الطبيعي، فحينئذ لو هدد بالقتل و نحوه مما يجب عليه الفعل معه يتحقق منه بعد فرض حصول الميل الطبيعي الذي هو غير مكلف برفعه.

و كأنه إلى ذلك أومأ المصنف بالتعليل المزبور، و احتمال أن الإكراه في المقام غيره في ما تقدم سابقا لا أثر له نصا و لا فتوى، و ما في المسالك من تعليل سقوط الحد عن المكره بالحذر من تكليف ما لا يطاق محمول على بعض الأفراد، نعم قال فيها بعد ما سمعته من وجهي تحقق الإكراه و عدمه: «و على كل حال فلا حد للشبهة» و فيه أن المتجه الحد بناء على عدم تحقق الإكراه فيه، ضرورة استلزام حصوله حينئذ لعدم كونه مكرها فيه.

و كيف كان ف يثبت للمكرهة على الواطئ مثل مهر نسائها على الأظهر الأشهر بل المشهور، بل في المسالك تارة لم يذكر كثير

267

منهم الخلاف فيه، و أخرى لم يعدها كثير من مسائل الخلاف لا لما في المسالك من أن مهر المثل عوض البضع إذا كان محترما خاليا عن المهر كقيمة المتلف، و البضع و إن لم يضمن بالفوات لكن يضمن بالتفويت و الاستيفاء، ضرورة عدم رجوعه إلى حاصل يعتد به، بل ل

قول علي (عليه السلام) في خبر طلحة (1) المنجبر بفتوى الأصحاب «إذا اغتصب الرجل أمة فافتضها فعليه عشر ثمنها، فإذا كانت حرة فعليه الصداق»

المؤيد بمفهوم

قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «لا مهر لبغي»

بل و بما يفهم من غيره مما ورد (3) في الشبهة و غيرها من ضمان منفعة البضع في غير الزناء، فما عن الخلاف و المبسوط من عدم المهر لها للأصل و لأنه لا مهر لبغي واضح الضعف دعوى و دليلا.

و من العجب ما يحكى عنه في المبسوط «إذا استكره امرأة على الزناء فلا حد عليها، لأنها ليست بزانية، و عليه الحد لأنه زان، فأما المهر فلها مهر مثلها عند قوم، و قال آخرون: لا مهر لها، و هو مذهبنا، لأن الأصل براءة الذمة» مع أنه قال متصلا به: «و الأحكام التي تتعلق بالوطء على ثلاثة أضرب: أحدها معتبر فيهما، و هو الغسل، فالغسل

____________

(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب المهور- الحديث 2 و الباب- 3- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 3 من كتاب النكاح.

(2) لم نجد هذا النص في الروايات و انما الموجود

«مهر البغي. من السحت»

و كذلك «السحت. و مهر البغي» و في بعضها

«نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن خصال تسعة عن مهر البغي»

راجع الوسائل- الباب- 5- من أبواب ما يكتسب به الحديث 7 و 5 و 13 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة- الحديث 6 و الباب- 17- منها- الحديث 7 من كتاب النكاح.

268

على كل واحد منهما، و الحد معتبر بكل واحد منهما، فان كانا زانيين فعلى كل واحد منهما الحد، و إن كان أحدهما زانيا فعليه الحد دون الآخر و أما المهر فمعتبر لها، فمتى حدت فلا مهر، و إذا سقط الحد وجب لها» و عنه أيضا في فصل اجتماع العدتين «و الأحكام المتعلقة بالوطء على ثلاثة أضرب- إلى أن قال-: و ضرب آخر يعتبر بالموطوءة، إن كانت زانية لم يجب، و إن لم نكن زانية وجب و إن كان الرجل زانيا، و هو المهر» و عنه أيضا في كتاب الصداق «إن أكره امرأة أو وطأها شبهة فأفضاها وجب المهر و الدية» و عنه في الديات «لا مهر لها إن كانت ثيبا للزناء و إن كانت بكرا فلها المهر و الدية».

و بالجملة فلا وثوق بما سمعته منه و إن كان ربما يشهد له التعليل في مهر الشبهة باستحلال فرجها، بل في خبر طلحة بن زيد (1) المروي في الفقيه و التهذيب عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنه قال:

«ليس على زان عقر و لا على مستكرهة حد»

إلا أنه يجب الخروج عنه بما عرفت.

هذا كله إذا كان هو المكره. أما إذا كان غيره فهل المهر عليه أو على المكره؟ مقتضى ما سمعته في كتاب الغصب (2) أن الضمان على المكره الذي هو أقوى من المباشر، و لكن قد ذكرنا هناك أنه إن لم يكن إجماعا أمكن القول بالرجوع عليه و إن رجع على الآخر، هذا كله في المهر.

و أما لحوق الأولاد فقد يقضي به أيضا بعض ما سمعته من تعريف الشبهة و قاعدة اللحوق بأشرف الأبوين في ما لو فرض الإكراه في أحدهما دون الآخر و غير ذلك، فيكون شبهة شرعا، و إن كان لم يحضرني الآن

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد الزناء- الحديث 5.

(2) راجع ج 37 ص 57- 59.

269

من النصوص المعتبرة ما يدل عليه بالخصوص، و الله العالم.

و لا يثبت الإحصان الذي يجب معه الرجم حتى يكون الواطئ بالغا حرا و يطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق متمكن منه يغدو عليه و يروح بلا خلاف أجده في الأول بل و لا إشكال بعد معلومية رفع القلم عن غير البالغ المقتضي لسقوط الحد عنه كما عرفته سابقا، و من هنا كان الإجماع بقسميه عليه، لكن على معنى اعتبار البلوغ حين الزناء، بل الظاهر كونه كذلك أيضا بمعنى اعتباره في وطء زوجته، فلو أولج غير بالغ و لو مراهقا في زوجته حتى غيب الحشفة ثم زنى بالغا لم يكن الوطء الأول معتبرا في تحقق الإحصان، لأنه يشترط في إحصانه الوطء بعد البلوغ و إن كانت الزوجية مستمرة، للأصل و الاستصحاب و قصور فعله عن أن يناط به حكم شرعي، و نقص اللذة و عدم انسياق نحوه من الدخول و شبهه و عن المبسوط أن تراعى الشروط حين الزناء و لا اعتبار بما قبل ذلك.

و كذا لا خلاف في الثاني، بل الإجماع بقسميه عليه على الوجه الذي سمعته في البلوغ،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (1) «في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة، فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق، قلت: فللحرة عليه خيار إذا أعتق، قال: لا رضيت به و هو مملوك، فهو على نكاحه الأول»

كل ذلك مضافا إلى الاعتبار، و ما تسمعه من النص أيضا.

و حينئذ فلو وطأ العبد زوجته الحرة أو الأمة لم يكن محصنا لو زنى بعد ما أعتق ما لم يطأ زوجته بعد العتق، و كذا المملوكة لو وطأها زوجها المملوك أو الحر لم تكن محصنة بذلك إلا أن يطأها بعد عتقها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد الزناء- الحديث 5.

270

و في صحيح أبي بصير (1) «لا يحصن الحر المملوكة، و لا المملوك الحرة»

و في صحيح الحلبي (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أ يحصن المملوكة؟ فقال: لا يحصن الحر المملوكة، و لا يحصن المملوك الحرة، و اليهودي يحصن النصرانية و النصراني يحصن اليهودية»

و في كشف اللثام، و لعل المملوك منصوب و الحرة مرفوعة فيكون كصحيح أبي بصير.

و لو أعتق الزوجان ثم وطأها بعد الإعتاق تحقق الإحصان لهما، و لو أعتق أحدهما ثم وطأها تحقق الإحصان له و إن كان الآخر رقيقا و إن لا يطأها بعد العتق فلا إحصان، و كذا المكاتب، فان حكمه حكم القن، فلا يحصن المكاتب و لا المكاتبة ما بقي فيه من الرق شيء، للأصل و الاحتياط و صدق المملوكية و نقص حده عن حد الحر بالحساب.

و أما الثالث فهو المشهور، بل لا إحصان بالزناء و وطء الشبهة اتفاقا في كشف اللثام، بل لعله كذلك في المتعة أيضا و إن كان قوله في الانتصار:

«على الأصح» مشعرا بوجوده، إلا أنى لم أتحققه كما اعترف به غيرنا أيضا للأصل و الاحتياط و الاعتبار و الأخبار، ك

موثق إسحاق بن عمار (3) سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل إذا هو زنى و عنده السرية و الأمة يطأها تحصنه الأمة، فقال: نعم إنما ذاك لأن عنده ما يغنيه عن الزناء، قلت: فان كان عنده أمة زعم أنه لا يطأها فقال: لا يصدق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة تحصنه، قال: لا إنما هي على الشيء الدائم عنده»

و نحوه موثقه الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (4)

و مرسل ابن البختري (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 7 و الأول عن الحلبي أيضا.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 8 و الأول عن الحلبي أيضا.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 2 و الأول عن الحلبي أيضا.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 5 و الأول عن الحلبي أيضا.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 3 و الأول عن الحلبي أيضا.

271

يتردد في المتعة أ تحصنه؟ قال: لا إنما ذلك على الشيء الدائم عنده»

و خبر عمر بن يزيد (1) عنه (عليه السلام) أيضا «لا يرجم الغائب عن أهله، و لا المملك الذي لم يبن بأهله، و لا صاحب المتعة، قلت: ففي أي حد سفر لا يكون محصنا؟ قال: إذا قصر و أفطر.»

نعم المشهور كما اعترف به غير واحد تحققه بملك اليمين، بل من الانتصار و الغنية الإجماع عليه، و هو الحجة مضافا إلى خبري إسحاق بن عمار (2) السابقين و صحيح علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الحر تحته المملوكة هل عليه الرجم إذا زنى؟ قال: نعم»

و عموم

صحيح حريز (4) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن المحصن فقال: الذي يزني و عنده ما يغنيه»

و صحيح إسماعيل بن جابر (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له: ما المحصن رحمك الله؟ قال:

من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن».

خلافا للمحكي عن القديمين و الصدوق و الديلمي من عدم الإحصان به، للأصل و الاحتياط المندفعين بما عرفت، و صحيح محمد بن مسلم (6) عن الباقر (عليه السلام) «و كما لا تحصن الأمة و اليهودية و النصرانية إذا زنى بحرة فكذلك لا يكون عليه حد المحصن إذا زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة و تحته حرة»

و الصحيح الآخر (7) «سأله عن الرجل يزني و لم يدخل بأهله أ يحصن؟ قال: لا و لا الأمة»

المحتملين للتقية من أبي حنيفة

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد الزنا- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 2 و 5.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء الحديث 9.

(7) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد الزناء- الحديث 9.

272

و أصحابه، و الأول للمتعة كما عن الشيخ و إن بعد جمعا بينه و بين الأقوى منه من وجوه كما عرفت و ما سمعته من

قول الصادق (عليه السلام) (1) «لا يحصن الحر المملوكة»

بناء على قراءة الحر بالنصب و المملوكة بالرفع، لكنه غير معلوم، فالأقوى حينئذ تحقق الإحصان به.

نعم الأقوى عدم إلحاق التحليل به، للأصل و الاحتياط و عدم انصراف الإطلاق إليه، و ما عساه يفهم من التعليل بالمتعة من عدم الإغناء على الدوام، فما في الروضة من أن الوجه الإلحاق، لدخوله في ملك اليمين من حيث الحل، و إلا بطل الحصر المستفاد من الآية ففيه أن ذلك بعد تسليمه لا يقتضي الإحصان كما في المتعة.

و أما اعتبار الوطء فهو المحكي عن صريح النهاية و المبسوط و السرائر و الجامع و الإصباح و الغنية مدعيا عليه إجماع الإمامية، بل صرح به غير واحد من المتأخرين، و يدل عليه- مضافا إلى الأصل و الاحتياط- ما سمعته من الصحيح (2) و غيره، لكن أطلق المصنف في النافع، بل قيل:

إنه كذلك في كثير من كتب القدماء كالمقنعة و الانتصار و الخلاف و التبيان و مجمع البيان، و يمكن حمله على الغالب، بل في الرياض «و منه يظهر كون الفرج هو القبل دون الدبر كما صرح به جماعة من غير خلاف بينهم أجده إلا من إطلاق نحو عبارة المتن، و فيه ما عرفته من إمكان حمله على الغالب».

قلت: هو و إن كان مقتضى الأصل و الاحتياط إلا أن الانصاف عدم خلوه من الاشكال إن لم يكن إجماعا في ما إذا وطأ بالغا دبرا و كان متمكنا من الفرج أيضا، نعم لو لم يتمكن إلا من الدبر أمكن الإشكال فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد الزناء- الحديث 9.

273

بعدم انسياقه من النصوص، أما الأول فيحتمل قويا الاجتزاء به، كما في كل مقام اعتبر الدخول فيه، مضافا إلى الإطلاق هنا الذي مقتضاه أيضا تحققه به و إن وقع على وجه محرم كحيض و إحرام و صوم و نحوها، و مقتضاه أيضا الاجتزاء بتغيب الحشفة على نحو غيره من المقامات.

و أما اعتبار التمكن منه على وجه يغدو عليه و يروح إذا شاء الذي اعتبره المصنف و الشيخان فيدل عليه صحيح إسماعيل (1) المتقدم المؤيد بما سمعته من نصوص الإغناء (2) فمتى لم يكن كذلك كمن كان غائبا عن زوجته شهرا على ما عن التبيان و فقه القرآن لم يكن محصنا، للأصل و الاحتياط و خبر ربيع الأصم (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل له امرأة بالعراق فأصاب فجورا و هو بالحجاز فقال: يضرب حد الزاني مائة جلدة و لا يرجم، قلت: فان كان معها في بلدة واحدة و هو محبوس في سجن لا يقدر أن يخرج إليها و لا تدخل هي عليه أ رأيت إن زنى في السجن؟ قال: هو بمنزلة الغائب عن أهله يجلد مائة جلدة» و قول أبي جعفر (عليه السلام) في حسن أبي عبيدة (4) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له امرأة بالبصرة و فجر بالكوفة أن يدرأ عنه الرجم و يضرب حد الزاني، و في رجل محبوس في السجن و له امرأة في بيته في المصر و هو لا يصل إليها فزنى في السجن، فقال:

عليه الحد و يدرأ عنه الرجم».

و عن السيد أن الأصحاب فرقوا بين الغيبة و الحيض بأن الحيض لا يمتد و ربما امتدت الغيبة، و بأنه يتمتع من الحائض بما دون موضع

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد الزناء.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد الزناء- الحديث 4 و هو خبر ربيع الأصم عن الحارث.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد الزناء- الحديث 2.

274

الحيض بخلاف الغيبة.

و على كل حال ف في رواية مهجورة تحديد ذلك بما دون مسافة التقصير و هي رواية عمر بن يزيد (1) السابقة

و مرفوعة محمد بن الحسين (2) «الحد في السفر الذي إن زنى لم يرجم إذا كان محصنا إذا قصر و أفطر»

و لا ريب في قصورهما عن إثبات ذلك بهما بعد أن كان العرف على خلافهما، فالأولى جعل المدار على العرف و لعله لذا اقتصر غير من عرفت على التمكن من الوطء متى شاء، و في حسن محمد بن مسلم (3) «المغيب و المغيبة ليس عليهما رجم إلا أن يكون الرجل مع المرأة و المرأة مع الرجل»

و لعل الجميع بمعنى، و الله العالم.

و في اعتبار كمال العقل خلاف، فلو وطئ المجنون عاقلة مثلا وجب عليه الحد رجما أو جلدا، هذا اختيار الشيخين و الصدوق و القاضي و ابن سعيد في ما حكي عنهم، ل

خبر أبان بن تغلب (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا زنى المجنون أو المجنونة جلدا الحد، و إن كان محصنا رجم، قلت: و ما الفرق بين المجنون و المجنونة و المعتوه و المعتوهة؟ فقال: المرأة إنما تؤتى و الرجل إنما يأتي، فإنما يأتي إذا عقل كيف تأتي اللذة، و أما المرأة إنما تستكره الفعل بها، و هي لا تعقل لما يفعل بها،.»

و عن المبسوط نسبته إلى رواية الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه.

و لكن فيه تردد كما في النافع بل منع وفاقا لكافة المتأخرين حتى المصنف في نكت النهاية، بل عن الشيخين في العريض

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد الزناء الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد الزناء الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب حد الزناء- الحديث 2.

275

و الخلاف ذلك أيضا، بل عن المبسوط قبل النسبة المزبورة ما يشعر بالإجماع على العدم، بل هو المحكي عن صريح الغنية و ظاهر السرائر، لحديث رفع القلم الذي استدل به أمير المؤمنين (عليه السلام) على عمر حين أمر بحد المجنونة في المروي عن إرشاد المفيد (1) قال له: «أما علمت أن هذه مجنونة؟ و أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: رفع القلم فإنها مغلوبة على عقلها و نفسها»

و الاستدلال بتعليله فلا يضر اختصاص مورده، و استدل بنحوه أيضا في سقوط الحد عن المجنون الذي كان أحد الستة الذين أخذوا بالزناء (2) و نحوه ما في الصحيح (3) «في امرأة مجنونة زنت قال: إنها لا تملك أمرها، ليس عليها شيء».

كل ذلك مضافا إلى

قوله (عليه السلام) في صحيح حماد بن عيسى (4): «لا حد على مجنون حتى يفيق، و لا على صبي حتى يدرك، و لا على النائم حتى يستيقظ»

و إلى ما

في آخر (5) «لا حد لمن لا حد عليه، يعني لو أن مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا، و لو قذفه رجل فقال:

يا زاني لم يكن عليه حد»

و نحوه الموثق (6) و غيره أيضا فلا ريب في أنه الأصح، و الخبر المزبور قاصر عن معارضة ذلك بل لا جابر له بعد ما عرفت، فيجب طرحه أو حمله كما عن الفاضل على من يعتوره الجنون إذا زنى بعد عقله، لأن العلة تنطبق على ذلك، أو على بقاء شعور له يصلح

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد الزناء- الحديث 17.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(6) أشار إليه في الوسائل- في الباب- 19- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1 و ذكره في الكافي- ج 7 ص 253.

276

لثبوت التكليف أو نحو ذلك، و إلا كان موهونا أيضا بذلك و نحوه، كما هو واضح.

هذا و في مجمع البرهان أنه يشترط في إحصان الرجل كون المرأة المزني بها عاقلة بالغة، فلو زنى المحصن بمجنونة أو صغيرة فلا رجم، و فيه نظر يأتي عند تعرض المصنف لذلك.

و يسقط الحد خاصة بادعاء الزوجية، و لا يكلف المدعي بينة و لا يمينا، و كذا بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعي خاصة حتى دعوى شراء الأمة من مالكها بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم الإجماع عليه ل

صحيح أبي عبيدة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أتي لعلي (عليه السلام) بامرأة مع رجل قد فجر بها فقالت:

استكرهني و الله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد، و لو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا لا تصدق و قد فعله و الله أمير المؤمنين (عليه السلام)»

بعد العلم بعدم إرادة خصوص دعوى الإكراه منه و لو للاتفاق ظاهرا مع احتمال أن يقال: إن مجرد الدعوى ما لم يعلم كذبها تحقق الشبهة التي يدرأ بها الحد المبني على التخفيف و إن كان لا يخلو من نظر. هذا و في المسالك «و لا يسقط فيه من أحكام الوطء سوى الحد، فلو كانت أمة فعليه لمولاها العقر، أو حرة مكرهة فمهر المثل إن لم يثبت استحقاق الوطء» قلت: هو كذلك إذا لم يكن مقتضى الأصول سقوطه أيضا، و الله العالم.

و الإحصان في المرأة كالإحصان في الرجل بلا خلاف أجده، بل عن الغنية، الإجماع عليه، لاشتراك معنى الإحصان فيهما نصا (2)

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد الزناء.

277

و فتوى، فيشترط حينئذ فيها جميع ما عرفته على النحو الذي سمعته، و في مجمع البرهان هنا متصلا بما سمعته سابقا «و يشترط أيضا في إحصان المرأة و رجمها بلوغ الرجل الزاني بها لا عقله، فلو زنت المحصنة بصغير فلا رجم عليها، و لو زنت بمجنون فقط كان الرجم عليها، و لا رجم و لا جلد على الصغير و المجنون، نعم قد يخوفان و يؤدبان إن حصل باختيارهما» و كأنه مناف لما سمعته منه سابقا، و تمام الكلام في ذلك عند تعرض المصنف.

و على كل حال فما يعتبر في إحصان الرجل معتبر في إحصان المرأة لكن المراد من تمكنها من الزوج إرادته الفعل على الوجه المزبور، لا إرادتها متى شاءت ضرورة عدم كون ذلك حقا لها، و في صحيح أبي عبيدة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سأله عن امرأة تزوجت برجل و لها زوج، فقال: إن كان زوجها مقيما معها في المصر الذي هي فيه تصل إليه و يصل إليها فإن عليها ما على الزاني المحصن الرجم، و إن كان زوجها الأول غائبا أو مقيما معها في المصر الذي هي فيه لا يصل إليها و لا تصل إليه فإن عليها ما على الزانية غير المحصنة».

لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعا لما سمعته من النصوص (2) عموما و خصوصا بخلاف الرجل فان فيه الخلاف المزبور و حينئذ ف لا حد على مجنونة في حال الزناء و لو كانت محصنة بل و لو زنى بها العاقل لارتفاع التكليف عنها.

و لا تخرج المطلقة ال رجعية عن الإحصان بطلاقها لأنها بحكم الزوجة و حينئذ ف لو تزوجت عالمة كان عليها

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب مقدمات الحدود و الباب- 21- من أبواب حد الزناء.

278

الحد تاما و هو الرجم و كذا الزوج الثاني إن علم بالتحريم و العدة، و لو جهل بأحدهما فلا حد للشبهة و لو كان أحدهما عالما حد حدا تاما دون الجاهل، و لو ادعى أحدهما الجهالة قبل إذا كان ممكنا في حقه و ذلك كله واضح، إلا أنه ينبغي تقييده بإمكان الجهالة في الحكم في حق من جهله و إلا لم يقبل، بل عن المقنعة و النهاية إطلاق عدم القبول و إن أمكن تنزيله على ذلك فلا خلاف، و الأصل في ذلك ما تقدم في كتاب النكاح (1) في بحث الشبهة من النصوص (2) الواردة في عدم معذورية من كان في دار الإسلام في مثل ذلك، إلا أنه يجب حمله على ما ذكرنا.

و على كل حال ففي

صحيح يزيد الكناسي (3) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة تزوجت في عدتها، قال: إن كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فان عليها الرجم، و إن كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة فان عليها حد الزاني غير المحصن»

و عليه يحمل إطلاق

الموثق (4) «عن رجل كانت له امرأة فطلقها أو ماتت فزنى، فقال: عليه الرجم، و عن امرأة كان لها زوج فطلقها أو مات فزنت عليها الرجم، قال: نعم»

و المروي عن قرب الاسناد (5) «عن رجل طلق امرأته أو بانت منه ثم زنى ما عليه؟ قال: عليه الرجم، و عن

____________

(1) راجع: ج 29 ص 245- 246.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب حد الزناء- الحديث 1 و 2.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب حد الزناء- الحديث 3 عن أبي عبد الله (عليه السلام).

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحدود- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

279

امرأة طلقت و زنت بعد ما طلقت بسنة هل عليها الرجم؟ قال: نعم».

و منه يعلم حكم البائن فإنها تخرج بالطلاق البائن عن الإحصان كما يخرج الرجل به كذلك و حينئذ ف لو راجع المخالع لم يتوجه عليه الرجم إلا بعد الوطء لأنها بحكم الزوجة الجديدة.

و كذا المملوك لو أعتق و المكاتب إذا تحرر الذي قد سمعت النص (1) عليه و ألحقنا به الصبي إذا بلغ و المجنون إذا أفاق، لأن الوطء السابق على ذلك بحكم العدم للأصل و الاحتياط و غيرهما مما أشرنا إليه سابقا.

و يجب الحد على الأعمى رجما أو جلدا بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، لعموم الأدلة فإن ادعى الشبهة قيل و القائل الشيخان و ابن البراج و سلار لا تقبل لبعض الوجوه الاعتبارية التي لا ترفع ما يقتضي القبول و من هنا كان الأشبه بأصول المذهب و قواعده القبول مع الاحتمال وفاقا للمشهور لإطلاق الأدلة الذي مقتضاه أيضا خلاف ما قيده به ابن إدريس من شهادة الحال بما ادعاه، بأن كان قد وجدها على فراشه مثلا، أما لو شهد الحال بخلاف ذلك لم يصدق، بل و ما عن المقداد أيضا من التقييد بكونه عدلا.

[ثبوت الزناء بالإقرار أو البينة]

و كيف كان ف يثبت الزناء بالإقرار أو البينة بلا خلاف و لا إشكال لعموم ما دل على الثبوت بهما.

[أما الإقرار]

أما الإقرار فيشترط فيه بلوغ المقر فلا عبرة بإقرار الصبي و إن كان مراهقا و لكن يؤدب لكذبه أو حدوث (صدور خ ل) الفعل منه.

و كماله عقلا، فلا عبرة بإقرار المجنون حال جنونه، نعم لو أقر حين إفاقته بعد معرفة كماله حد و إلا فلا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحدود- الحديث 5.

280

و الاختيار فلو أكره على الإقرار لم يصح بلا خلاف و لا إشكال، و في المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حسن أبي البختري (1) «من أقر عند تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حد عليه»

و كذا لا عبرة بإقرار السكران و النائم و الساهي و الغافل و نحوهم».

و الحرية بلا خلاف كما في الرياض قال: «كما في سائر الأقارير، بل اعتبارها هنا أولى» قلت: فيتجه حينئذ قبوله في العبد مع تصديق المولى و تبعيته به بعد العتق مع عدمه و غير ذلك مما سمعته في الإقرار (2) فلا يناسب إطلاق الشرطية إلا أن يراد بها حسب ما تقدم، و في القواعد «و لو صدقه مولاه صح و لو أعتق بعد الإقرار فالأقرب الثبوت» و كان احتمال العدم المستفاد من قوله: «الأقرب» لأنه أقر حين لم يكن عبرة بإقراره، فهو كما إذا أقر صبيا ثم بلغ، و يدفعه ظهور الفرق بسلب عبارة الصبي دونه كما هو مفروغ منه عندهم في غير المقام.

و تكرار الإقرار أربعا في أربعة مجالس بلا خلاف معتد به أجده في الأول عندنا، نعم عن أكثر العامة الاكتفاء بالمرة، و نسب إلى ظاهر ابن أبي عقيل منا، و لا ريب في ضعفه، لتطابق النصوص من الطريقين على خلافه، فمن طريق العامة ما

روي (3) «أن ماعز بن مالك جاء إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيمن، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه فقال: إني قد زنيت ثم جاءه فقال: إني قد

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الإقرار.

(2) راجع ج 35 ص 103- 119.

(3) سنن البيهقي ج 8 ص 225.

281

زنيت، قال: ذلك أربع مرات، فقال: أ بك جنون؟ قال:

لا يا رسول الله، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) اذهبوا به فارجموه»

و روي (1) أنه قال: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا يا رسول الله، قال: أ نكتها لا تكنى؟ قال: نعم كما يغيب المرود في المكحلة و الرشا في البئر، قال:

فهل تدري ما الزناء؟ قال: نعم أتيت منها حراما كما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: ما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم»

و هو كالصريح في اعتبار الأربع، و احتمال أن ذلك للارتياب في جنونه و عدمه فأراد التثبت في أمره يدفعه عدم تقيد ذلك بالعدد المزبور، و كان يمكن البحث عنه أول مرة مع أنه في بعض ألفاظ

الحديث (2) «شهدت على نفسك أربع شهادات اذهبوا به فارجموه»

و في رواية أخرى (3) «أنه لما اعترف ثلاثا قال له: إن اعترفت الرابعة رجمتك، فاعترف الرابعة».

و من طرق الخاصة قول أحدهما (عليهما السلام) (4) «لا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات بالزناء إذا لم يكن شهود، فان رجع ترك و لم يرجم»

و غيره من

المعتبرة المستفيضة (5) المشتملة على نحو قضية ماعز في امرأتين جاءتا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان يقول في كل واحدة: اللهم إنها شهادة و هذه اثنتان إلى الأربع، فقال: اللهم

____________

(1) سنن البيهقي ج 8 ص 226 و 227.

(2) سنن أبي داود ج 4 ص 147- الرقم 4426.

(3) كنز العمال ج 5 ص 226 ط عام 1374.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 16- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

282

إنه قد ثبت لك عليها أربع شهادات ثم رجمها»

نعم في صحيح الفضيل (1) عن الصادق (عليه السلام) «من أقر على نفسه عند الامام بحق حد من الحدود لله تعالى مرة واحدة حرا كان أو عبدا حرة كانت أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد على الذي أقر به على نفسه كائنا من كان إلا المحصن، فإنه لا يرجم حتى يشهد عليه أربع شهود»

إلا أنه- مع موافقته للعامة و اشتماله على عدم الفرق بين الحر و العبد و على الفرق بين المحصن و غيره الذي لم يحك عن الخصم القول به، بل ظاهر المحكي عنه خلافه- قاصر عن معارضة غيره من وجوه، فوجب طرحه أو حمله على غير الزناء من الحدود أو غير ذلك.

و حينئذ ف لو أقر دون الأربع لم يجب الحد لما عرفت و لكن وجب التعزير كما في القواعد و عن الشيخين و ابن إدريس، لعموم ما دل على الأخذ بالإقرار المقتصر في الخروج منه على الحد للإجماع و النصوص، و إلا فهو عاص فاسق بإقراره و لو مرة، لكن قد يشكل مع عدم الإجماع و النص بأن الأصل البراءة و بما عساه يظهر من عدمه على الإقرار الواقع عند النبي (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) مع ما في بعضها من التراخي الطويل بين الأقارير، إلا أن يقال: إنهما علما بالإقرار أربعا في ما بعد أو أن الصد عنه و نحوه تعزير و لكن ذلك كله كما ترى، نحو ما قيل من أن ذلك من حيث تشييع الفاحشة فيحرم عليه الإقرار فيعزر، إذ هو واضح المنع في ما لو أراد تطهير نفسه، و لعله لذا تردد فيه الأردبيلي و الأصبهاني، بل ظاهر الأول الميل إلى العدم، إلا أن الانصاف عدم البأس بالقول بثبوت المعصية عليه بإقراره، فيجب التعزير و إن لم يجب الحد، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

283

و أما الثاني المشار إليه بقوله و لو أقر أربعا في مجلس واحد فقد قال في الخلاف و المبسوط و ابن حمزة لا يثبت بل ربما استظهر من الأول الإجماع عليه، لما وقع من تعدد الأقارير في المجالس عند النبي (صلى الله عليه و آله) و علي (عليه السلام) و لكن فيه تردد بل منع وفاقا لإطلاق الأكثر و صريح غير واحد ممن تأخر، بل في الرياض نسبته إلى كافة المتأخرين، و منه يعلم و هن الإجماع المزبور على فرض صحة الاستظهار المذكور، إذ ليس إلا الناقل و ابن حمزة، فهو أولى بدعوى الإجماع على خلافه. و ما وقع مع أنه قضية اتفاقية لا دلالة فيه على تعدد المجالس فضلا عن اعتباره، بل لعل ظاهر خبر ماعز (1) كون المجلس واحدا، فإطلاق المعتبرة المؤيد بإطلاق الفتاوى و صريحها بحاله.

و على كل حال فلا خلاف و لا إشكال في أنه يستوي في ذلك الرجل و المرأة لإطلاق الأدلة.

و كذا لا خلاف و لا إشكال في أنه تقوم الإشارة المفيدة للإقرار في الأخرس مقام النطق كما في غيره لإطلاق ما دل على ذلك، كما هو واضح خلافا لأبي حنيفة، و يكفي المترجمان كما يكفي شاهدان على إقرار الناطق أربعا، و لا يكفي أقل منهما، لأن الترجمة شهادة على الأصح لا رواية، و الله العالم.

و لو قال: زنيت بفلانة العفيفة لم يثبت الزناء الموجب للحد في طرفه حتى يكرره أربعا لما عرفت و هل يثبت القذف بذلك للمرأة فيه تردد من أن ظاهره القذف عرفا و أنه هتك لحرمتها و أن حد القذف للمقذوف فلا يدرأ بالشبهة،

____________

(1) سنن البيهقي- ج 8 ص 225.

284

و ربما أيد ب

قول النبي (صلى الله عليه و آله) في خبر السكوني (1): «لا تسألوا الفاجرة من فجر بك، كما جاز عليها الفجور يهون عليها أن ترمي البريء المسلم»

و قول علي (عليه السلام) (2): «إذا سألت الفاجرة من فجر بك فقالت: فلان حدها حدين حدا لفجوره بها و حدا لفريتها على الرجل المسلم»

و من أن نسبة الزناء إلى نفسه لا تستلزم زناها، لاحتمال الاشتباه و الإكراه، فلا يكون إقراره بالزناء على نفسه قذفا لها بذلك.

و ربما كان في صحيح محمد بن مسلم (3) عن الباقر (عليه السلام) «في رجل قال لامرأة يا زانية أنا زنيت بك، قال: عليه حد القذف لقذفه إياها، و أما قوله أنا زنيت بك فلا حد عليه فيه إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات بالزناء عند الامام»

نوع إيماء إلى عدم القذف بالقول المزبور.

نعم الظاهر ثبوت التعزير عليه بايذائه الامرأة و هتكه لعرضها عرفا، و الخبران المزبوران انما اشتملا على قولها: «زنى بي فلان» و فرق واضح بين قولها و قوله في إفادة القذف و عدمه، فلا ريب في أن الأقوى الثاني.

و حينئذ فما في المسالك- من أن الوجه ثبوت القذف بالمرة مع الإطلاق لأنه ظاهر فيه و الأصل عدم الشبهة و الإكراه، و لو فسره بأحدهما قبل و اندفع عنه الحد و وجب عليه التعزير- لا يخلو من نظر، ضرورة كون الظهور المزبور إنما هو في بادئ النظر، فلا عبرة به، لا أقل من أن يكون شبهة، و الأصل المزبور لا يحقق موضوع القذف بعد عدم دلالة اللفظ عليه في ثاني النظر، و دعوى عدم سقوط المزبور بالشبهة لكونه

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب حد الزناء- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

285

حقا للمقذوف لا لله تعالى خاصة يدفعها عموم الدليل، و ربما يأتي له مزيد تحقيق في محله إن شاء الله. و أما قوله «و لو فسره» إلى آخره فهو المحكي عن الشيخين و ابن إدريس، و وجهه واضح بناء على ما عرفت.

و لو أقر بحد و لم يبينه لم يكلف البيان بلا خلاف على ما في الرياض و ظاهره و إن لم نقل بوجوب ضربه كما صرح به في المسالك، و لعله للأصل و ظاهر بعض النصوص (1) الآتية و الأمر بدرء الحد بالشبهة (2) و لما تسمعه من خبر أنس (3) و لما في غير واحد من النصوص (4) من ترديد جزم المقر فكيف بالساكت، و ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (5): «من أتى من هذه القاذورات شيئا فستر ستره الله و أن من بدا صفحته أقمنا عليه الحد»

و أقل مراتب الأمر الاستحباب، و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (6): «للرجل الذي أقر عنده أربعا: ما أقبح في الرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ، أ فلا تاب في بيته؟ فو الله لتوبته في ما بينه و بين الله أفضل من إقامة الحد عليه».

لكن قد يشكل بما دل (7) على عدم جواز تعطيل حد لله تعالى

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب مقدمات الحدود.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4 و الباب- 27- من أبواب حد الزناء- الحديث 11.

(3) و هو خبر مالك بن أنس الآتي.

(4) سنن البيهقي- ج 8 ص 226.

(5) سنن البيهقي- ج 8 ص 330.

(6) الوسائل- الباب- 16- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب مقدمات الحدود.

286

و الفرض إقراره بحق له عليه، فيكلف البيان كما لو أقر بحق لآدمي، و بمنع كون مثله شبهة دارئة و خبر مالك (1) ليس من طرقنا، و الترديد إنما هو في ما اعتبر فيه العدد و ما وقع من النبي (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما هو في بيان عدم صدور ما يقتضي ثبوته، لا في ما بعده كما في الفرض.

نعم لو قيل: إن حكمه متى أجمل ضرب حتى ينهى عن نفسه كما عن القاضي و ظاهر الشيخ ل

خبر محمد بن قيس (2) عن الباقر (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر على رجل أقر على نفسه بحد و لم يسم أن يضرب حتى ينهى عن نفسه»

اتجه حينئذ عدم التكليف بالبيان، لعدم الاجمال حينئذ في الشرع، و لعله كذلك لصحة الخبر المزبور و عمل المشهور به في الجملة.

و ما في المسالك من المناقشة في سنده باشتراك محمد بن قيس بين الثقة و غيره و في مجمع البرهان بأن في سنده سهلا- مدفوع بإرادة الثقة منه هنا بالقرائن المفيدة لذلك، كرواية عاصم بن حميد عنه و غيرها، و أن الأمر في سهل سهل.

كالمناقشة بإطلاق الحد على الرجم و على القتل بالسيف و الإحراق بالنار و رمى الجدار عليه و غير ذلك مما ستقف عليه و على الجلد المختلف كيفية و كما فهو مجمل، على أن منه ما لا يثبت إلا بالإقرار أربعا، مؤيدا ذلك كله

بالمروي عن أنس بن مالك (3) قال: «كنت عند النبي (صلى الله عليه و آله) فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا

____________

(1) و هو خبر أنس بن مالك الآتي.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(3) صحيح البخاري- ج 8 ص 207.

287

فأقمه علي و لم يسمه، فحضرت الصلاة فصلى النبي (صلى الله عليه و آله) الصلاة فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في حدا لله، قال: أ ليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فان الله قد غفر لك ذنبك وحدك».

إذ هي كالاجتهاد في مقابلة النص، و خبر أنس الذي هو من طرق العامة المحتمل لصدور التوبة منه لا يصلح معارضا للصحيح المعمول به من طرق الخاصة المؤيد ب

مرسل المقنع (1) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أقر على نفسه بحد و لم يبين أي حد هو أن يجلد حتى يبلغ الثمانين فجلد، ثم قال: و لو أكملت جلدك مائة ما ابتغيت عليه بينة غير نفسك».

و لعله لذا قيل كما عن ابن إدريس لا يتجاوز به المائة و لا ينقص عن ثمانين لكن فيه أنه لا يوافق مذهبه من عدم العمل بأخبار الآحاد الصحيحة فضلا عن المراسيل، على أن الحد في القيادة خمسة و سبعون، فليس أقله الثمانون، بل لا يوافق مذهبنا أيضا، ضرورة قصوره عن تقييد الصحيح المزبور المشتمل على بيان حد المعترف بالحد على الإجمال الذي مقتضاه الضرب و إن تجاوز المائة، لاحتمال وقوعه منه في مكان شريف أو زمان كذلك أو غير ذلك، و كون التعزير مقدرا بنظر الحاكم و لا نظر له ما لم يعلم المعصية إنما هو في غير المقام المحتمل تقدير الشارع بما يؤدي إليه نظر المقر، فيضرب ما لم ينه و إن زاد على المائة و يترك مع نهيه و إن نقص عن أقل الحد لاحتمال إرادة التعزير منا و لو على أن يكون نهيه قرينة على ذلك مع فرض المجازية.

و من ذلك يعلم ما في رد المصنف له بأنه ربما كان

____________

(1) المستدرك- الباب- 9- من أبواب بقية الحدود- الحديث 2.

288

صوابا في طرف الكثرة و لكن ليس بصواب في طرف النقصان، لجواز أن يريد بالحد التعزير كما أن منه يعلم أيضا ما في مناقشة المصنف في ذلك بأن الحد حقيقة شرعية في المقدرات المذكورة، و إطلاقه على التعزير مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة، ثم على تقدير حمله على التعزير فأمره منوط بنظر الحاكم غالبا، و نظر الحاكم يتوقف على معرفة المعصية ليرتب عليها ما يناسبها لا بمجرد النهي و من التعزير ما هو مقدر فجاز أن يكون أحدها، فيشكل تجاوزها أو نقصها بدون العلم بالحال.

بل في المسالك «و يشكل الخبر أيضا باستلزامه أنه لو نهى في ما دون الحدود المعلومة قبل منه، و ليس هذا حكم الحد و لا التعزير، و أيضا فإن من الحدود ما يتوقف على الإقرار أربعا، و منها ما يتوقف على الإقرار مرتين، و منها ما يكفي فيه المرة فلا يتم إطلاق القول بجواز بلوغ المائة مع الإقرار دون الأربع، و بلوغ الثمانين بدون الإقرار مرتين، و اشتراط ذلك كله خروج عن مورد الرواية رأسا، فالحق طرح الرواية» إلى آخره.

إذ ذلك كله كما ترى ناشئ من تكلف علم زائد على ما عند الامام (عليه السلام) ضرورة كونه حكما تعبديا جاء بطريق صحيح معمول به فلا ينبغي الإعراض عنه أو تقييده بما لا دليل عليه أو غير ذلك مما هو كالاجتهاد في مقابلة الدليل المعتبر الذي من الواضح الفرق بين مضمونه و بين الإقرار بالزناء مثلا كما ستعرف.

هذا و في كشف اللثام تبعا للمعة و الروضة و إطلاق الخبرين و كلمة الأصحاب منزل على الحد الذي يقتضيه ما وقع من الإقرار، فلا يحد مائة ما لم يقر أربعا و لا ثمانين ما لم يقر مرتين، و لا تتعين المائة إذا أقر أربعا و لا الثمانون إذا أقر مرتين على قول غير الحلي، و في الرياض و لعل

289

التنزيل للجمع بين الأدلة و لا بأس به.

و فيه أن ذلك لا شاهد له، بل ظاهر النص و الفتوى خلافه، و لعله للفرق بين الإقرار بالزناء و شرب الخمر مثلا و بين الإقرار بأن عليه حدا، فيعتبر الأربع في الأول دون الثاني الذي هو بمنزلة الإقرار بالإقرار أربعا الذي هو موجب الحد فلعله في غير المقام قد أقر بالزناء أربعا فثبت عليه الحد، و بالجملة ظاهر الخبر تحقق موجب العقوبة بالقول المزبور مرة واحدة فمع فرض العمل به لا وجه لهذه التكلفات كما هو واضح.

بل من التأمل في ما ذكرنا يظهر لك النظر في كثير من الكلمات هنا حتى المصنف و الفاضل و غيرهما ممن لا يرجع كلامه إلى العمل بالصحيح المزبور و لا إلى القواعد التي مقتضاها السقوط أصلا أو الحبس حتى يبين، و الله العالم.

و في التقبيل و المضاجعة في إزار واحد مثلا و المعانقة و نحو ذلك مما هو استمتاع بما دون الفرج روايتان: إحداهما مائة جلدة و هي صحيحة الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) و حسنة ابن سنان (2) عنه (عليه السلام) أيضا «حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد»

و رواية عبد الرحمن الحذاء (3) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا وجد الرجل و المرأة في لحاف واحد جلد مائة»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) «إذا وجد الرجل و المرأة في لحاف واحد قامت عليهما البينة بذلك و لم يطلع منهما على ما سوى ذلك جلد كل واحد منهما مائة جلدة»

و سأله أبو بصير (5) «عن امرأة وجدت مع رجل في ثوب واحد، فقال: يجلدان مائة جلدة، و لا يجب الرجم

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث- 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث- 4.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث- 5.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث- 9.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث- 8.

290

حتى تقوم البينة الأربعة بأنه قد رؤي يجامعها»

و نحوه خبر الكناني (1) إلى غير ذلك من النصوص المقدرة له بالمائة و حد الزاني، عن الخلاف نسبة ذلك إلى رواية أصحابنا، ثم قال: و روي أن عليهما أقل من الحد.

و في الأخرى دون الحد و هي

صحيحة حريز (2) عن الصادق (عليه السلام) أيضا «ان عليا (عليه السلام) حد رجلا و امرأة في لحاف واحد، فجلد كل منهما مائة سوط إلا سوطا»

و رواية الشحام (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في الرجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة إلا سوطا»

و نحوه خبر أبان (4) عنه (عليه السلام) أيضا.

و هي أشهر عملا على معنى أن في ذلك التعزير المناط بنظر الحاكم الذي أقصاه مائة سوط إلا سوط دون الحد، بل قيل إنه المشهور، بل في كشف اللثام الإجماع كما يظهر منهم عليه، بل عن الغنية دعواه صريحا.

نعم فيها كما عن المقنعة و الإسكافي أنهما يعزران من عشرة إلى تسعة و تسعين جلدة، و ظاهرهما تحديد الأقل، و لكن لا دليل عليه إلا الإجماع المزبور الذي لم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه، و أضعف منه ما عن بعض من إبدال العشرة بالثلاثين، لعدم دليل عليه أصلا مع أنه لم يعرف القائل به منا.

و لعل التأمل في الجمع بين النصوص يقتضي تعيين كونه مائة إلا سوطا خصوصا بعد إشعار

صحيح الحلبي (5) الوارد في الرجلين بأن ذكر المائة للتقية، قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء الحديث- 20.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء الحديث- 3.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء الحديث 19.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء الحديث- 2 و هو عن عبد الرحمن بن الحجاج.

291

عباد البصري و معه أناس من أصحابه فقال له: حدثني عن الرجلين إذا أخذا في لحاف واحد، فقال له: كان علي (عليه السلام) إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد، فقال عباد: إنك قلت لي: غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحد حتى أعاد عليه ذلك مرارا، فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك الحديث»

فيحمل نصوص المائة عليه، أو على علم الامام بالزناء، أو على من عزره الامام دفعتين إن قلنا به، أو غير ذلك فيتعين التعزير حينئذ بالمائة إلا سوطا إلا أني لم أجد بذلك قائلا.

نعم عن الصدوق الجمع بين النصوص بحمل المائة على البينة أو الإقرار، و المائة إلا سوطا على علم الامام، و لم أجده لغيره و لا الشاهد عليه.

كما أنى لم أجد في النصوص تقديره بدون الحد على الإطلاق في مفروض المسألة، و إن قال في الرياض: إنه كذلك في الصحيح، نعم قد ورد (1) ما يقرب من ذلك في اجتماع المرأتين في لحاف واحد و كذا الرجلين كما أنه ورد (2) في الأخيرين التقدير بالثلاثين سوطا، على أنه يمكن إرادة المائة إلا سوط مما دون الحد، فالعمدة حينئذ اتفاق الأصحاب ظاهرا على عدم تعيين التقدير المزبور.

و لو أقر بما يوجب الرجم ثم أنكر سقط الرجم بلا خلاف أجده، كما عن الفخر الاعتراف به، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة التي منها

قول الصادق (عليه السلام) في حسن ابن مسلم (3) «من أقر على نفسه أقمته عليه إلا الرجم فإنه إذا أقر على نفسه ثم جحد لم يرجم»

و في حسن الحلبي (4) «إذا أقر الرجل

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 16.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 21.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

292

على نفسه بحد أو فرية ثم جحد جلد قال: أ رأيت إن أقر بحد على نفسه يبلغ فيه الرجم أ كنت ترجمه؟ قال: لا و لكن كنت ضاربه»

إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في السقوط من دون يمين، لكن عن جامع البزنطي أنه يحلف و يسقط عنه الرجم، و أنه رواه عن الصادقين (عليهما السلام) بعدة أسانيد، و لكن لم نقف على شيء منها، فالمتجه عدم اعتباره، كعدم اعتبار احتمال عدم السقوط، لظهور خبر ماعز (1) الوارد في الرجم في عدم القبول بعد إتمام الأربع لتمام الشهادة على نفسه، و ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «إن أقررت الرابعة رجمتك»

ضرورة كونه كالاجتهاد في مقابلة النص، نعم هو خاص في الرجم.

و في إلحاق القتل به إشكال من الاحتياط في الدماء و بناء الحد على التخفيف، و من خروجه عن النص، و لعل الأول لا يخلو من قوة، بل هو المحكي عن ابن حمزة، و اختاره في الرياض و يؤيده

المرسل بابن أبي عمير و جميل (3) «إذا أقر الرجل على نفسه بالقتل قتل إذا لم تكن علة، فإن رجع و قال: لم أفعل ترك و لم يقتل»

و هو شامل لغير الرجم إن لم يكن ظاهرا فيه.

هذا كله في الرجم و أما لو أقر بحد غير الرجم لم يسقط بالإنكار في المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة يمكن معها دعوى الإجماع عليه، لقاعدة عدم سماع الإنكار بعد الإقرار، و للمعتبرة التي تقدم بعضها، خلافا للمحكي عن الخلاف و الغنية من السقوط مستدلا

____________

(1) سنن البيهقي- ج 8 ص 226 و 227.

(2) كنز العمال ج 5 ص 226 ط عام 1374.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

293

في الأول بالإجماع المحقق خلافه، و بأن ماعزا أقر عند النبي (صلى الله عليه و آله) فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم قال: «لعلك لمست أو قبلت» فلو لا أن ذلك يقبل لم يكن له فائدة، و هو كما ترى خلاف مفروض المسألة.

و من الغريب الاستدلال به في المسالك على سقوط الرجم بالإنكار، و منه ينقدح احتمال كلام الشيخ للرجوع قبل كمال ما يعتبر من المرات في الإقرار فلا يكون مخالفا، و لعل الغنية كذلك، و قيل: إنه يبعد ذلك في كلامه، بل و كذا

قول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل جميل (1): «لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة و لم يقطع إذا لم يكن شهود»

المحمول على إرادة الرجوع بعد الإقرار مرة و إلا كان شاذا، و الله العالم.

و لو أقر بحد ثم تاب كان الامام مخيرا في إقامته رجما كان أو جلدا بلا خلاف أجده في الأول، بل في محكي السرائر الإجماع عليه، بل لعله كذلك في الثاني أيضا و إن خالف هو فيه، للأصل الذي يدفعه أولوية غير الرجم منه بذلك، و النصوص المنجبرة بالتعاضد و بالشهرة العظيمة التي منها

ما تضمنه غير (2) واحد من أنه «جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقر بالسرقة فقال: أ تقرأ شيئا من القرآن؟ قال:

نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، فقال الأشعث:

أ تعطل حدا من حدود الله تعالى؟! فقال: ما يدريك يا هذا، إذا قامت البينة فليس للإمام أن يعفو، و إذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام إن شاء عفا و إن شاء قطع»

و خصوص المورد لا يخصص الجواب، بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3 و الباب- 3- من أبواب حد السرقة- الحديث 5.

294

لعل عدم العمل به كما تسمعه في السرقة لا ينافي العمل به هنا، لعموم الجواب في المقام.

مضافا إلى المروي عن تحف العقول عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) (1) في حديث و أما الرجل الذي اعترف باللواط فإنه لم تقم عليه البينة، و إنما تطوع بالإقرار عن نفسه و إذا كان للإمام (عليه السلام) الذي من الله تعالى أن يعاقب عن الله سبحانه كان له أن يمن عن الله تعالى أ ما سمعت قول الله تعالى. هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (2)» نعم ليس في شيء منها اعتبار التوبة، و لعل اتفاقهم عليه كاف في تقييدها، مضافا إلى ما يشعر به قوله (عليه السلام) في الأخير:

«تطوع» بل لعل الغالب في كل مقر بذلك إرادة تطهيره من ذنبه و ندمه عليه كما صرح به في جملة من النصوص المشتملة على الإقرار.

نعم ظاهر النص و الفتوى قصر الحكم على الامام (عليه السلام) و ربما احتمل ثبوته لغيره من الحكام و لا ريب في أن الأحوط الأول، لعدم لزوم العفو، لكن قد يقوى الإلحاق، لظهور الأدلة في التخيير الحكمي الشامل للإمام (عليه السلام) و نائبه الذي يقتضي نصبه إياه أن يكون له ماله.

هذا و في كشف اللثام المراد بالحد حد حقوق الله، فأما ما كان من حقوق الناس لا يسقط إلا بإسقاط صاحب الحق، و سيأتي في حد القذف أنه لا يسقط إلا بالبينة أو إقرار المقذوف أو عفوه أو اللعان، و في حد السرقة أنه لا يسقط بالتوبة بعد الإقرار، و في الرياض وجهه واضح، و في بعض

المعتبرة (3) «لا يعفى عن الحدود التي لله تعالى دون الإمام،

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

(2) سورة ص: 38- الآية 39.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

295

فأما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس أن يعفي عنه دون الامام».

قلت: لا دلالة في ما ذكره من بعض المعتبرة على ما نحن فيه، و قد سمعت اشتمال النصوص (1) على العفو عن حد السرقة، مضافا إلى ما يفهم منها من كون ذلك حكم الإقرار من حيث كونه كذلك، و إلى إطلاق الأصحاب، و لعله لأن الإمام أولى بالمؤمنين من أنفسهم و الله العالم.

و لو حملت المرأة و لا بعل لم تحد عندنا إلا أن تقر بالزناء أربعا أو تقوم عليها البينة، لاحتمال الاشتباه و الإكراه و غيرهما، خلافا لمالك، و ضعفه واضح، بل ليس علينا سؤالها، للأصل بل الأصول، فما عن ظاهر المبسوط من لزومه لا وجه له.

هذا و في القواعد أنه يشترط في الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة، إذ قد يعبر بالزناء عما لا يوجب الحد، و لهذا

قال (صلى الله عليه و آله) (2) لماعز: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال:

لا، قال: أ فنكتها؟ لا تكني، فقال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة و الرشا في البئر، قال:

نعم، فعند ذلك أمر برجمه».

و فيه أنه- مع كونه ليس من طرقنا- قضية في واقعة و إلا فالظاهر الاكتفاء بظاهر اللفظ، لعموم ما دل على حجيته، و لذا لم يستقص في جملة من النصوص، كما هو واضح.

و لو أقر أنه زنى بامرأة فكذبته حد دونها و إن صرح بأنها طاوعته على الزناء، إذ لا يؤخذ أحد بإقرار غيره.

و لو أقر من يعتوره الجنون حال إفاقته بالزناء و أضافه إلى حال

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

(2) سنن البيهقي- ج 8 ص 226 و 227.

296

إفاقته حد و لو أطلق ففي القواعد لم يحد، لاحتمال وقوعه حال جنونه.

و فيه نظر خصوصا إذا قلنا باعتبار العقل في مفهوم الزناء.

و لو أقر العاقل بوطء امرأة و ادعى أنها امرأته فأنكرت الزوجية و الوطء فلا حد عليه و إن أقر أربعا، لأنه لم يعترف بالزناء، و لا مهر لها عليه لإنكارها الوطء، و لو اعترفت بالوطء و أنه زنى بها مطاوعة فلا مهر و لا حد عليه لما عرفت، و لا عليها إلا أن تقر أربعا.

و إن ادعت أنه أكرهها عليه أو اشتبه عليها فلا حد على أحد منهما و عليه المهر كما هو واضح.

[أما البينة]

و أما ثبوت الزناء ب البينة فلا خلاف في أنه يكفي فيها الأربع رجال، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب (1) و السنة المستفيضة (2)، بل الظاهر ذلك أيضا في الثلاثة و الامرأتين وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، بل قيل: لم ينقل الأكثر فيه خلافا، بل حسبه بعض إجماعا، بل ربما نفى عنه الخلاف، بل عن الغنية الإجماع عليه

للمعتبرة المستفيضة (3) التي في بعضها «لا يجوز في الرجم شهادة رجلين و أربع نسوة، و يجوز في ذلك ثلاثة رجال و امرأتان»

خلافا لما عن العماني و المفيد و الديلمي من عدم الثبوت بذلك، للأصل المقطوع بما عرفت و ظاهر الكتاب (4) الذي لا حصر فيه و الصحيح (5) (إذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان لم يجز في الرجم،)

المؤيد بإطلاق ما دل (6) على المنع من قبول شهادتهن في الحد القاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، منها الموافقة للمحكي عن أكثر العامة فيحمل حينئذ على التقية، و أما الإطلاق

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات.

(4) سورة النور: 24- الآية 4.

(5) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 28.

(6) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 29.

297

المزبور أو العموم فهو مقيد أو مخصص بما ذكرناه أو محمول على شهادتهن منفردات.

و حينئذ فلا يكفي في الرجم أقل من أربعة رجال أو ثلاثة و امرأتين، و لا تقبل شهادة النساء منفردات فيه و لا في مطلق الحد و إن كثرن بل و لا شهادة رجل و ست نساء بلا خلاف أجده في ذلك إلا ما يحكى عن الخلاف من ثبوت الجلد بذلك دون الرجم، و لا ريب في شذوذه، لمخالفته ظاهر الأدلة المعتبرة كما مر الكلام في ذلك كله و غيره في كتاب الشهادات.

نعم قيل و القائل الإسكافي و الشيخ و الحلي و ابن حمزة و الفاضل و الشهيدان بل عن بعض أنه المشهور تقبل شهادة الرجلين و أربع نساء و لكن يثبت به الجلد لا الرجم

للموثق كالصحيح (1) «قال في رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرجم، و إن شهد عليه رجلان و أربع نسوة فلا تجوز شهادتهم، و لا يرجم، و لكن يضرب حد الزاني»

المؤيد بعموم

قوله (عليه السلام) (2): «تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال»

المنجبر بالشهرة المزبورة خلافا للمحكي عن الصدوقين و القاضي و الحلبي و الفاضل في المختلف و غيره، فلا يجوز

للصحيح (3) «تجوز شهادتهن في حد الزناء إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و لا يجوز شهادة رجلين و أربع نسوة في الزناء و الرجم»

المؤيد بعموم ما دل (4) على عدم قبول شهادتهن في الحد، إلا أنه و إن كان صحيحا غير واضح الدلالة، لاحتمال إرادة تفسير الزناء

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 21.

(3) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 29.

298

بقوله (عليه السلام): «و الرجم» و لا تأييد بالعموم المزبور بعد تخصيصه بما دل على القبول مع الرجال، كل ذلك بعد الترجيح بالشهرة المحكية بل لعلها محصلة، فالقبول لعله الأقوى، نعم ما عن الخلاف من ثبوت الرجم به واضح الضعف، لمخالفته صريح النص فلا دليل عليه، و لذا لم يحك عن أحد موافقته على ذلك، و قد تقدم في كتاب الشهادات (1) الكلام في ذلك كله.

و على كل حال ف لو شهد ما دون الأربع و ما في حكمه لم يجب و حد كل منهم حد القذف للفرية عليه بذلك كما سماه الله تعالى كاذبا (2) و إن احتمل صدقه، بل ستسمع فيما سيأتي إن شاء الله أنه لو شهد الثلاثة قبل حضور الرابع حدوا لها.

و كيف كان ف لا بد في شهادتهم على الزناء من ذكر المشاهدة للولوج في الفرج كالميل في المكحلة من غير عقد و لا ملك و لا شبهة بلا خلاف معتد به أجده فيه بينهم، و لعله للاحتياط في الحدود المبنية على التخفيف، و لذا تسقط بالشبهة، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): «حد الرجم أن يشهد عليه أربعة أنهم رأوه يدخل و يخرج»

و في خبر أبي بصير (4) «لا يرجم الرجل و المرأة حتى يشهد عليهما أربعة على الجماع و الإيلاج و الإدخال كالميل في المكحلة»

و قد سمعت قصة ماعز (5) و في الرياض «و لأن الشهادة إنما تسمع إذا عوين أو سمع، و لا معنى للزناء حقيقة

____________

(1) راجع ج 29 ص 255- 256.

(2) سورة النور: 24- الآية 11.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 4.

(5) سنن البيهقي- ج 8 ص 227.

299

إلا ذلك، فلا تسمع الشهادة به إلا إذا عوين كذلك، و ربما أطلق على غيره من التفخيذ و غيره، فلو لم يصرح الشهود به لم تكن الشهادة نصا في الموجب للحد».

قلت: قد عرفت في كتاب الشهادات أنه يكفي فيها العلم، و خصوصا اليقين منه الذي أحد طرقه المشاهدة، فيمكن إرادة ذلك مما دل على اعتبارها، مع أنه ليس في خبر أبي بصير إلا اعتبار الشهادة على ذلك، اللهم إلا أن يقال: إن ذلك خاص في حد الزناء و نحوه مما يطلب فيه التخفيف، فيكون اعتبار المعاينة شرطا فيه، و لو للنص الدال عليه الذي يحكم على ما دل على كفاية مطلق العلم فيها مؤيدا بكلام الأصحاب إلا أن يدعى أن بناءه على اعتبار الإبصار في المبصرات لا التعبد به في خصوص المقام، فيرد عليه ما قدمناه في كتاب الشهادات.

كما أنك قد سمعت ما ذكرناه في الإقرار من عدم دليل معتبر على اعتبار النصوصية فيه بل و لا الشهادة، فيكفي فيهما اللفظ الدال على ذلك وضعا أو عرفا، و لا يحتاج إلى زيادة على ذلك بحيث يعلم منه إرادة الأمر المخصوص و لو من قرائن الأحوال، نعم لا يكفي ما لا دلالة فيه على ذلك وضعا أو عرفا و إن قال في الموثق (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا شهد الشهود على الزاني أنه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته أقيم عليه الحد»

لكنه قاصر عن مقاومة غيره سندا و عددا بل و عملا، إذ لم يحك عن أحد العمل به و إن حكي عن الشيخ احتماله بعد تخصيصه الحد بالجلد دون الرجم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 9.

300

و تبعه على الاحتمال المزبور المجلسي في ما حكي عنه، حيث إنه بعد أن ذكر النصوص الدالة على تمام الحد لاجتماع الرجلين أو الرجل و المرأة في لحاف واحد و على الأنقص منه قال: «و الأظهر في الجمع بين الأخبار مع قطع النظر عن الشهرة أن يؤخذ بالأخبار الدالة على تمام الحد، بأن يقال: لا يشترط في ثبوت الجلد المعاينة كالميل في المكحلة و تحمل الأخبار الدالة على ذلك على اشتراطه في الرجم كما هو الظاهر من أكثرها، و أما أخبار النقيصة فمحمولة على التقية».

و فيه مع أنه مخالف للأصحاب هنا مناف لما ذكروه في كتاب الشهادات من اعتبار العلم بالمشهود عليه و نصوص الاجتماع تحت لحاف واحد التي قد عرفت اتفاق الأصحاب إلا النادر على إرادة التعزير منها، و أن غايته ذلك أو الأنقص بسوط لو سلم العمل بها، فهو تعزير مخصوص مقدر بما يساوي الحد في بعض الأفراد، لا أنه يفهم منه ذلك مطلقا في مطلق ما حده الجلد على معنى يكفي فيه الشهادة على مقدماته دونه، بل يمكن تحصيل الإجماع هنا و في كتاب الشهادات على خلافه، مضافا إلى ما في النصوص من اعتبار الإدخال و الإخراج في الجلد أيضا،

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حسن محمد بن قيس (1): «لا يجلد رجل و لا امرأة حتى يشهد عليه أربع شهود»

فلا محيص حينئذ عن طرح الموثق المزبور أو حمله على إرادة الكناية بذلك عن حصول سبب الحد، أو على إرادة التعزير من الحد فيه أو غير ذلك.

إنما الكلام في اعتبار المعاينة أو يكفي العلم بذلك من غيرها و في اعتبار ذكر ما يفيد ذلك على وجه النص أو يكفي فيه ما دل على ذلك وضعا أو عرفا و إن لم يكن نصا، و قد عرفت تحقيق الحال فيهما.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 11.

301

و أما قول المصنف و يكفي أن يقولوا: لا نعلم بينهما سببا للتحليل فقد يشكل بعدم تحقق الزناء مع احتمال كونها زوجة و يمكن إرادته بعد العلم بكونها أجنبية عنه لكن لم يعلم الشبهة أو الإكراه أو نحوهما مما يسقط به الحد، فان وجهه حينئذ تحقق صدق الزناء الذي هو مقتض لترتب الحد و لم يعلم مسقطة من الشبهة و الإكراه مع عدم دعواهما و مع ذلك لا يخلو من نظر بناء على سقوط الحد عنه باحتمال ذلك، فلا بد من اعتبار علم الشاهد بكونه لا عن شبهة كما يقضي به تعريفهم للزناء الموجب للحد، بل يقضي به أيضا ذكر الاختيار و نحوه من شرائط الحد و الشك في الشرط شك في مشروطه.

هذا و في القواعد «و لا تكفي شهادتهم بالزناء عن قولهم: «من غير عقد و لا شبهة عقد» بل لا بد من ذلك، نعم يكفي أن يقولوا:

لا نعلم سبب التحليل» و لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرنا، و احتمال كون المراد العلم بعدم المحلل نحو ما قالوه في كتاب الشهادات في قول الشاهد: «ملكه و لا نعلم له مزيلا» يدفعه- مع أنه خلاف الظاهر- أنه راجع حينئذ إلى القول الأول الذي هو «من غير عقد» إلى آخره.

ثم إن الظاهر بناء عليه عدم لزوم الاستفسار عن ذلك للأصل و التخفيف بل المنساق من الاستفسار في أدلة الإقرار إرادة عدم إثبات موجب الحد و الله العالم.

و كيف كان ف لو لم يشهدوا بالمعاينة أو ما في حكمها بناء على ما ذكرناه لم يحد المشهود عليه لعدم تحقق موجبه حينئذ و حد الشهود إذا نسبوه للزناء حد القذف، و إلا فلا حد و لكن يعزرون كما هو واضح.

302

و لا بد من تواردهم على الفعل الواحد و الزمان الواحد و المكان الواحد حتى يتحقق المشهود عليه الموجب للحد فلو شهد بعض بالمعاينة و بعض لا بها بناء على اعتبارها أو شهد بعض بالزناء في زاوية بيت و بعض في زاوية أخرى أو شهد بعض في يوم الجمعة و بعض في يوم السبت فلا حد، و يحد الشهود للقذف بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل و لا إشكال في صورة عدم اتفاق الأربعة على شيء واحد كغير المقام من المشهود عليه من البيع و الإجارة و نحوهما.

إنما الكلام في اختصاص المقام عن غيره باعتبار ذكر الشهود الخصوصيات و الاتفاق عليها مع تعرض البعض على وجه لا يجزئ إطلاق الآخر و لا قوله: «لم أعلم به» و ربما شهد للثاني

الموثق (1) «ثلاثة شهدوا أنه زنى بفلانة و شهد رابع أنه لا يدري بمن زنى، فقال: لا يحد و لا يرجم».

و منه يعلم الوجه في اشتراط توارد الجميع على الخصوصية إذا ذكرها بعضهم فيختص المقام حينئذ بذلك تعبدا من غير فرق بين الخصوصيات لكن أشكله ثاني الشهيدين في المسالك و الروضة و بعض من تبعه بخلو النصوص و كلام المتقدمين عن الاشتراط المزبور، بل في المسالك أن عدمه هو المعتمد، قال: «و يمكن حمل كلام المصنف و ما أشبهه على ذلك بحمل عدم القبول على تقدير التعرض لذلك و الاختلاف فيه و استحسنه في الرياض لو لا الموثق المتقدم الظاهر في الاشتراط في بعض الأفراد، و يتم في غيره بعدم القائل بالفرق من الأصحاب» قلت: لا إجماع مركب تسكن إليه النفس على عدم الاجتزاء بالشهادة على معاينة الإدخال و الإخراج على وجه الزناء من غير تعرض للزمان و المكان، و لا على ما إذا تعرض

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 6.

303

بعض و أطلق الآخر على وجه لم يعلم عدم شهادته بها، فالمتجه الاقتصار في الموثق على مورده.

و لو شهد بعض الشهود على أنه أكرهها على الزناء بها و شهد بعض بالمطاوعة ففي ثبوت الحد على الزاني وجهان بل قولان للشيخ في المحكي عن مبسوطة و خلافه أحدهما يثبت و هو مختاره في الأول، بل خيرة ابني الجنيد و إدريس في ما حكي عنهما للاتفاق على الزناء الموجب للحد على كلا التقديرين و الاختلاف إنما هو في قول الشهود لا في فعله و الآخر لا يثبت عليه حد لأن الزناء بقيد الإكراه غيره بقيد المطاوعة، فكأنه شهادة على فعلين و اختاره الفاضل في بعض كتبه و الشهيدان في النكت و المسالك، لمنع ثبوت الزناء على كل من التقديرين و أنه لم يشهد به على كل تقدير العدد المعتبر، فهو جار مجرى تغاير الوقتين و المكانين المتفق على عدم الثبوت مع تقديره.

و فيه وضوح الفرق بينهما، ضرورة اقتضاء الاختلاف المزبور تعدد الفعل بخلافه هنا المفروض اتفاق الجميع على اتحاد الزمان و المكان، و إنما اختلفوا في حال المزني بها و الزاني الذي لا يقتضي تعدد الفعل، فيمكن اطلاع من شهد بالمطاوعة على كون الإكراه الظاهر صوريا، نعم لو لم يتعرضا للزمان و المكان و قلنا بكفايته و اختلفا في الإكراه و المطاوعة على وجه لا يمكن الجمع بينهما إلا بتعدد الفعل اتجه حينئذ عدم القبول، فتأمل جيدا. و كذا الكلام في الاختلاف في كل خصوصية لا يمكن الجمع بينها، و على كل حال فلا حد عليها إجماعا، لعدم ثبوت زناها.

ثم إن أوجبنا الحد عليه لم يحد الشهود و إلا حدوا، و في القواعد و يحتمل أن يحد شهود المطاوعة، لأنهما قذفاها فلم تكمل شهادتهم عليها

304

دون شاهدي الإكراه، لأنهما لم يقذفاها و قد كملت شهادتهم عليه، و إنما انتفى عنه الحد للشبهة، أي لا لعدم الثبوت. و فيه أن الشهادة بالمطاوعة أعم من القذف، لاحتمال الشبهة فيها و إن كان هو زانيا.

و فيها أيضا أنه لو شهد اثنان بأنه زنى و عليه قميص أبيض و اثنان به و عليه قميص أسود ففي القبول نظر. و فيه أنه لا مانع من اجتماع الخصوصيتين فلا تعدد للفعل، و دعوى ظهور الكلام في التنافي واضحة المنع.

و لو أقام الشهادة بعض الشهود في وقت عدم حضور الباقين على وجه لا يحصل به اتصال الشهادة عرفا حدوا للقذف، و لم يرتقب إتمام البينة، لأنه لا تأخير في حد بلا خلاف محقق أجده فيه إلا ما يحكى عن جامع ابن سعيد، و هو شاذ، و في الخبر (1) المنجبر قصوره بما عرفت «ثلاثة شهدوا على رجل بالزناء فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أين الرابع؟ فقالوا الآن يجيء، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): حدوهم، فليس في الحدود نظر ساعة»

كالآخر أيضا (2) «ثلاثة شهدوا على رجل بالزناء و قالوا الآن يأتي الرابع، قال: يجلدون حد القاذف ثمانين جلدة كل واحد منهم»

نعم في محكي الخلاف إذا تكاملت شهود الزناء فقد ثبت الحكم بشهادتهم سواء شهدوا في مجلس واحد أو مجالس، و شهادتهم متفرقين أحوط، و عن الفاضل في المختلف تنزيله على تفرقهم بعد اجتماعهم لإقامة الشهادة دفعة نظرا إلى أن ذلك هو المذهب عندنا مشعرا بدعوى الإجماع على الحكم، و في المسالك مذهب الأصحاب اشتراط إيقاع الشهادة في مجلس واحد، و ربما أيد الحمل المزبور بأنه عبر في السرائر أنه قال قبلها: «و لا تقبل

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 9.

305

شهادة الشهود على الزناء إلا إذا حضروا في وقت واحد، فان شهد بعضهم و قال الآن يجيء الباقون حد حد المفتري، لأنه ليس في ذلك تأخير».

و حينئذ فلا خلاف في المسألة إلا من ابن سعيد الذي قد سمعت شذوذه، بل بالغ الفاضل في القواعد و ولده في الشرح، فاعتبر حضورهم قبل الشهادة للإقامة، فلو تفرقوا في الحضور حدوا و إن اجتمعوا في الإقامة فإنه بعد أن ذكر اتفاقهم على الحضور ثم اجتمعوا في مجلس الحكم للإقامة فالأقرب حدهم لفرية» و لكن لا دليل عليه، إذ ليس في الخبرين (1) إلا الحد مع عدم حضور البعض المقتضي لتراخي الشهادة.

بل الظاهر عدم اعتبار اتحاد المكان مع فرض تلاحق الشهادة و عدم غيبة بعضهم، بل قد يقال بعدم اعتبار تواطئهم و علم كل واحد منهم بشهادة الآخر، فلو فرض شهادة الجميع في مجلس واحد مع عدم العلم منهم بما عند الآخر أقيم الحد، و كان عبارات الأصحاب لا تخلو من تشويش فلاحظ و تأمل.

و لو شهد بعض و أبى الآخر بعد الحضور لها حد الشاهد للقذف كما صرح به غير واحد نافيا للخلاف فيه، بل عن الخلاف الإجماع عليه، لفحوى الخبرين السابقين (2) و للمعتبرة التي منها

الصحيح (3) قال:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا أكون أول الشهود الأربعة على الزناء أخشى أن ينكل بعضهم فأحد»

فما عن المختلف من عدم الحد لبعض الوجوه الاعتبارية التي لا تصلح معاوضا للدليل الشرعي واضح الضعف.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 8- 9.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد الزناء- الحديث 8- 9.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

306

و لو شهدوا و كانوا فساقا كلا أو بعضا حدوا، و عن الخلاف و المبسوط و السرائر و الجامع و التحرير وجوب الحد إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى و الفسق، و العدم إن كان لمعنى خفي، فيختص الحد بالمردود دون الآخرين، لعدم تفريطهم، و لو كانوا مستورين و لم تثبت عدالتهم و لا فسقهم ففي القواعد فلا حد للشبهة، لكن في خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) «في أربعة شهدوا على رجل بالزناء فلم يعدلوا قال: يضربون الحد»

و يمكن حمله على ظهور الفسق.

و لو رجعوا عن الشهادة كلا أو بعضا قبل الحكم فعليهم أجمع الحد إلا أن يعفو المقذوف، و لا يختص الراجع بالحد و لا بالعفو، و أما إذا رجعوا بعد الحكم فيختص الراجع بالحد أخذا بإقراره، و الله العالم.

و لا يقدح تقادم الزناء في الشهادة عليه الموجبة لإقامة الحد لإطلاق الأدلة و في بعض الأخبار إن زاد عن ستة أشهر لم يسمع و هو مطرح لقصوره عن تقييد الأدلة بالموافقة للعامة و غيرها أو محمول على ما لو ظهر منه التوبة كما يومئ إليه

مرسل ابن أبي عمير عن جميل (2) عن أحدهما (عليهما السلام) و فيه «قلت: و إن كان أمرا قريبا لم يقم عليه، قال: لو كان خمسة أشهر أو أقل و قد ظهر منه أمر جميل لم يقم عليه الحد».

و تقبل شهادة الأربع على الاثنين فما زاد لعموم الأدلة و من الاحتياط تفريق الشهود في الإقامة بعد الاجتماع جميعا في المجلس فيفرقوا و يستنطق كل واحد منهم بعد واحد استظهارا في الحدود المبنية على التخفيف و تدرأ بالشبهة و لكنه ليس بلازم للأصل

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.