جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
357

عليها ما في ذيلها، نعم ظاهر المرسلة يدل على الثاني، و لكن لا منافاة بينه و بين غيره، على أن الحكم الكراهة المتسامح فيها، فالمتجه التعميم.

هذا و ظاهر النص و الفتوى سقوط الحد بالتوبة قبل ثبوته عند الحاكم فيتجه حينئذ ما سمعته من ابن إدريس، لكن في الصحيح (1) «أنه لما نادى أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك تفرق الناس و لم يبق غيره و غير الحسن و الحسين (عليهما السلام)»

و من المستبعد جدا عدم توبتهم جميعا في ذلك الوقت، و يمكن أن يكون لعدم علمهم بالحكم.

ثم إن الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين ثبوت الزناء بالإقرار و البينة، لكن عن الصيمري اختصاصه بالأول قائلا إنه محل خلاف و أنه إذا قامت البينة فالواجب بدأة الشهود، و لأن النهي إنما ورد في صورة الإقرار. و فيه أن المورد لا يخصص الوارد و دليل وجوب بدأة الشهود لا يقتضي تخصيص النص و الفتوى بما سمعت، بل العكس أولى، على أنه يجب عليهم التوبة في ما بينهم و بين الله تعالى.

و يدفن إذا فرغ من رجمه بعد الصلاة عليه و لا يجوز إهماله على حاله بلا خلاف كما عن المبسوط الاعتراف به، بل و لا إشكال ضرورة كونه مسلما و في النبوي (2) في المرجومة «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، و هل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله؟»

و نحوه

آخر (3) «لقد تابت توبة لو تابها صاحب ميسر لغفر الله له، ثم أمر بها فصلي عليها و دفنت»

و في المرتضوي (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) سنن البيهقي ج 8 ص 225.

(3) سنن البيهقي- ج 8 ص 221.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد الزناء- الحديث 4.

358

«فأمر فحفر له و صلى عليه و دفنه، فقيل يا أمير المؤمنين ألا نغسله؟

فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة، لقد صبر على أمر عظيم»

و في آخر عنه (عليه السلام) (1) «أنه أمر بدفع مرجومة إلى أوليائها، و أن يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم».

و ظاهر العبارة و غيرها عدم الغسل، و لعله لأنه لا يرجم إلا بعد التغسيل و التكفين إجماعا في محكي الخلاف و في كشف اللثام، و زاد الصدوق و الشيخان و غيرهم التحنيط كما في طهارة الكتاب و نهاية الأحكام و التذكرة و المنتهى، و في المعتبر و الذكرى أنهما لم يجدا في شيء من ذلك خلافا بين الأصحاب، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر كردويه (2): «المرجوم و المرجومة يغتسلان و يحنطان و يلبسان الكفن قبل ذلك و يصلى عليهما، و المقتص منه بمنزلة ذلك يغتسل و يتحنط و يلبس الكفن و يصلى عليه»

و نحوه في الفقيه (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قلت:

قد تقدم تمام الكلام في ذلك في كتاب الطهارة (4) لكن في المسالك هنا عدم وجوب ذلك، قال متصلا بما سمعته من عبارة المتن: «و كذا تجب الصلاة عليه و غسله قبلها إن لم يكن اغتسل قبل أن يرجم، فإن السنة آمرة بالاغتسال قبله» و الله العالم.

و يجلد الرجل الزاني مجردا عدا عورته كما في النافع

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب حد الزناء- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب غسل الميت- الحديث 1 من كتاب الطهارة عن مسمع كردين.

(3) أشار إليه في الوسائل في الباب- 17- من أبواب غسل الميت- الحديث 1 من كتاب الطهارة و ذكره في الفقيه ج 1 ص 96- الرقم 443.

(4) راجع ج 4 ص 93- 100.

359

و القواعد و غيرهما، بل عن غاية المرام أنه المشهور و إن كنا لم نتحققه، لأن حقيقة الجلد ضرب الجلد، كقولهم ظهره و بطنه و رأسه أي ضرب ظهره و بطنه و رأسه، و ل

خبر إسحاق بن عمار (1) «سئل الكاظم (عليه السلام) عن الزاني كيف يجلد؟ قال: أشد الجلد، قال: من فوق الثياب، قال: لا بل يجرد»

و نحوه آخر.

و قيل كما عن الشيخ و جماعة بل هو المشهور كما اعترف به غير واحد، بل عن ظاهر الغنية الإجماع: يجلد على الحال التي وجد عليها إن عاريا فعاريا و إن كان كاسيا فكاسيا، نعم عن ابن إدريس ما لم يمنع الثوب من إيصال شيء من ألم الضرب، نحو ما عن المبسوط و إن كان يمنع من ألم الضرب كالفروة و الجبة و المحشوة نزعها و ترك بقميص أو قميصين.

و على كل حال فيدل عليه

قول الباقر (عليه السلام) في خبر طلحة بن زيد (2) المنجبر بما سمعت: «و لا يجرد في حد و لا يشبح- يعنى يمد- و يضرب الزاني على الحال التي يوجد عليها إن وجد عريانا ضرب عريانا، و إن وجد و عليه ثيابه ضرب و عليه ثيابه»

مؤيدا ببناء الحدود على التخفيف، و لذا تدرأ بالشبهة فضلا عن المقام، فيخص به حينئذ ما سمعت، و لا ينافيه قوله (عليه السلام) «يجرد» لإمكان إرادة التجريد حال الجلد، لأنه كان حال الزناء مجردا و إن كان كاسيا حال ثبوت الزناء عليه، و حينئذ فلا حاجة إلى ما في كشف اللثام من أنه «قد يجمع بينه و بين ما تقدم بالتخيير، ثم قال: و لفظ «يوجد» في الخبر يحتمل الواو و الجيم و إهمال الدال، و الهمزة و إعجام الخاء و الذال، و على كل حال فيحتمل الوجدان و الأخذ على الزناء و يحتملهما عند الرفع

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 7.

360

إلى الحاكم» و لا بأس به، و عن المقنع «و يجلدان في ثيابهما التي كانت عليهما حين زنيا، و إن وجدا مجردين ضربا مجردين» و فيه- كما عن المختلف- أن بدن المرأة عورة، فلا يجوز تجريدها كعورة الرجل، و الخبر المزبور ظاهر في الرجل، و احتمال إرادة الجنس منه مجاز محتاج إلى قرينة، و هي مفقودة، بل لعل القرينة على خلافها موجودة.

و كيف كان فيجلد قائما ل

قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (1): «يضرب الرجل الحد قائما»

و لأن الحد يقام على الشهرة و القيام أبلغ فيها.

و يجلد أشد الضرب لما سمعته من قول الكاظم (عليه السلام) (2)

و قوله (عليه السلام) في خبر أخيه المروي عن قرب الاسناد (3) «و يجلد الزاني أشد الجلد»

و نحوه المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) و في خبر سماعة (5) عن الصادق (عليه السلام) «حد الزاني كأشد ما يكون من الحدود»

و في ما كتب الرضا (عليه السلام) لمحمد بن سنان (6) «و علة ضرب الزاني على جسده بأشد الضرب لمباشرته الزناء و استلذاذ الجسد كله به، فجعل الضرب عقوبة له و عبرة لغيره، و هو أعظم الجنايات».

و لكن روى

حريز (7) عن الباقر (عليه السلام) أنه يضرب

متوسطا

(5)- قال: «و يضرب بين الضربتين»

و عن بعض العمل به و لم نتحققه، و الأول أشهر رواية و فتوى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث- 3.

(3) قرب الاسناد ص 111 ط حجر.

(4) المستدرك- الباب- 9- من أبواب حد الزناء- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث- 4.

(6) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث- 8.

(7) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث- 6.

361

و يفرق الضرب على جسده لأنه كما في بعض النصوص (1) استلذ بجميع أعضائه و يتقى وجهه و رأسه و فرجه تجنبا عن المثلة و القتل و العمى و اختلال العقل، و ل

قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (2) على ما عن الفقيه و التهذيب: «و يضرب على كل عضو و يترك الوجه و المذاكير» و عن الكافي «و يترك الرأس و المذاكير» و عن علي (عليه السلام) «اضرب و أوجع و اتق الرأس و الفرج»

و في مرسل حريز (3) «يفرق الحد على الجسد كله و يتقى الوجه و الفرج»

و في خبر محمد بن مسلم (4) «أن الرجم و الضرب لا يصيبان الوجه»

و عن جماعة الاقتصار على استثناء الرأس قولا و في الثاني عن أبي حنيفة و ادعى الإجماع على خلافه، و عن الحلبي الاقتصار على الرأس و الفرج، و لعله أدخل الوجه في الرأس هذا كله في الرجل.

و أما المرأة ف تضرب جالسة و تربط عليها ثيابها ل

قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (5) يضرب الرجل قائما و المرأة جالسة»

و لأنه أستر لها، و لذا ذكر المصنف و غيره ربط الثياب الذي يدل عليه في الجملة ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرجومة التي خاط عليها ثوبا جديدا و أنه أمر فشد على الجهنية ثيابها ثم رجمت، و قد سمعت سابقا ما عن المقنع، بل ربما نسب إلى الشيخ و جماعة و إن كنا لم نتحققه، و لكن على كل حال هو واضح الضعف كما عرفت، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد الزناء- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

362

[النظر الثالث في اللواحق]

النظر الثالث في اللواحق و هي مسائل عشر:

[المسألة الأولى إذا شهد أربعة على امرأة بالزناء قبلا فادعت أنها بكر فشهد لها أربع نساء بذلك فلا حد]

الأولى:

إذا شهد أربعة عدول على امرأة بالزناء قبلا فادعت أنها بكر فشهد لها أربع نساء عدول بذلك فلا حد عليها بلا خلاف أجده فيه، بل في الرياض إجماعا على الظاهر المصرح به في التنقيح، للشبهة الدارئة، و ل

قوي السكوني (1) عن أبي عبد الله عن أبيه ((عليهما السلام) «أنه أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرن إليها فقلن هي عذراء، فقال (عليه السلام):

ما كنت لأضرب من عليها من خاتم الله تعالى شأنه»

و خبر زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «في أربعة شهدوا على امرأة بالزناء فادعت البكارة فنظر إليها النساء فشهدن بوجودها بكرا، فقال: تقبل شهادة النساء»

و احتمال عود البكارة فلا تنافي شهادة الزناء الموجبة للحد مع أنه كالاجتهاد في مقابلة النص و الفتوى لا ينافي تحقق الشبهة الدارئة، فتأمل.

بل لعل الظاهر سقوطه مع إطلاق الشهادة به المحتملة كونه في الدبر للشبهة و للخبرين المزبورين، لكن في المسالك ثبوت الزناء مع الإطلاق، لعدم المنافاة. و فيه ما عرفت، نعم لو صرح الشهود بكونه دبرا اتجه حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 44.

363

ثبوته و لو علم البكارة كما هو واضح.

و كيف كان ف هل يحد الشهود للفرية قال أبو علي و الشيخ في النهاية و ابن إدريس في كتاب الشهادات على ما حكي:

نعم لأن تقديم شهادة النساء في الخبر السابق يستلزم رد شهادتهم المستلزم لكذبهم، و فيه منع ظاهر، لجواز قبول الشهادتين و الحكم بالتعارض المقتضي للشبهة، و لاحتمال عود البكارة، و إن بعد، و لإشعار ترك ذكره في الخبرين. و لعله لذا رجع عنه الشيخ ف قال في المبسوط:

لا حد عليهم لما عرفت لا لاحتمال الشبهة في المشاهدة الذي لا يخفى عليك ما فيه، و كذا رجع عنه ابن إدريس في المحكي عنه في الحدود، ضرورة تعارض البينتين الموجب للشبهة المسقطة، بل ينبغي الجزم بذلك مع إطلاق الشهادة المحتمل لكونه في الدبر المقتضي لعدم تحقق الفرية أيضا. و بذلك كله يظهر لك ما في قول المصنف و الأول أشبه ضرورة كون الأشبه بأصول المذهب و قواعده السقوط لا الثبوت و الله العالم.

و كذا يسقط الحد عن الزاني الذي شهدوا على زناه بها قبلا أو أطلقوا، للشبهة.

و لو ثبت جب الرجل المشهود على زناه في زمان لا يمكن حدوث الجب بعده درئ الحد عنه و عن التي شهد أنه زنى بها و حد الشهود للفرية بتحقق كذبهم، و كذا يسقط الحد عنها لو شهدن النساء بأنها رتقاء و لكن قيل حد الشهود لعدم إمكان حدوث الرتق عادة، و فيه أن غايته التعارض بين الشهادتين، و مثله القول في الجب، نعم إن حصل العلم به أو بالرتق بالمعاينة أو شهادة عدد التواتر و كان المشهود به الزناء قبلا اتجه حينئذ حدهم للفرية، و الله العالم.

364

[المسألة الثانية لا يشترط عندنا حضور الشهود عند إقامة الحد]

المسألة الثانية:

لا يشترط عندنا حضور الشهود عند إقامة الحد و لو رجما على معنى سقوطه بعدمه كما عن أبي حنيفة بل يقام و إن ماتوا أو غابوا لا فرارا لثبوت السبب الموجب و للأصل و إن وجب بدأتهم بالرجم، إذ لا استلزام بينه و بين الاشتراط، بل و لا دليل على وجوب التأخير إلى حضورهم إذا توقع، إذ لا نظرة في الحدود، نعم إن غابوا فرارا سقط الحد للشبهة، و يرشد إليه

حسن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل أتي به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد عليه رجلان بالسرقة فأمرهما بأن يمسك أحدهما يده و يقطعها الآخر ففرا، فقال المشهود عليه: «يا أمير المؤمنين شهد علي الرجلان ظلما فلما ضرب الناس و اختلطوا أرسلاني و فرا و لو كانا صادقين لم يرسلاني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من يدلني على هذين أنكلهما».

[المسألة الثالثة لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم]

المسألة الثالثة:

قال الشيخ: لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم للأصل و لعل الأشبه الوجوب، لوجوب بدأتهم بالرجم نصا (2) و إجماعا محكيا كما تقدم الكلام فيه سابقا و كذا يجب على الامام الحضور

____________

(1) الكافي ج 7 ص 264.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد الزناء- الحديث 2.

365

ليبدأ بالرجم الذي أثبته الإقرار، بل قد يفهم من النصوص السابقة المتضمنة لابتداء رجم الشهود ثم الامام وجوب حضوره (عليه السلام) أيضا لو ثبت الزناء بالبينة، و الله العالم.

[المسألة الرابعة إذا كان الزوج أحد الأربعة فيه روايتان إحداهما القبول]

المسألة الرابعة:

إذا كان الزوج أحد الأربعة فيه روايتان: إحداهما القبول و هو خيرة الأكثر، و هي

رواية إبراهيم بن نعيم (1) عن الصادق (عليه السلام) «سأله عن أربعة شهدوا على امرأة بالزناء أحدهم زوجها، قال: تجوز شهادتهم»

و الأخرى العدم و هي

رواية زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «في أربعة شهدوا على امرأة بالزناء أحدهم زوجها، قال: يلاعن و يجلد الآخرون»

و عن جماعة العمل بها إلا أنها ضعيفة جدا و لا جابر و مخالفة للعمومات، فهي قاصرة عن معارضة الأولى من وجوه.

و لكن في المتن و وجه الجمع سقوط الحد إن اختل بعض شروط الشهادة، مثل أن يسبق الزوج بالقذف فيحد الزوج أو يدرأ باللعان فيحد الباقون، و ثبوت الحد إن لم يسبق بالقذف و لم يختل بعض الشرائط و قدم تقدم الكلام في ذلك في كتاب اللعان (3).

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من كتاب اللعان- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من كتاب اللعان- الحديث 2.

(3) راجع ج 34 ص 81- 82.

366

[المسألة الخامسة يجب على الحاكم إقامة حدود الله تعالى بعلمه كحد الزناء]

المسألة الخامسة قد تقدم في كتاب القضاء (1) أن للحاكم أن يحكم بعلمه مطلقا لأنه أقوى من البينة. و حينئذ ف يجب على الحاكم إقامة حدود الله تعالى بعلمه كحد الزناء لأنه المطالب به و المستوفي له و أما حقوق الناس فتقف إقامتها على المطالبة حدا كان أو تعزيرا كما يرشد إليه

خبر الحسين بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، و لا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، و إذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره و ينهاه و يمضي و يدعه قلت: كيف ذلك؟ قال: لأن الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، و إذا كان للناس فهو للناس»

و في الصحيح (3): «إذا أقر على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق الله تعالى، و إذا أقر على نفسه أنه شرب خمرا حده، فهذا من حقوق الله تعالى، و إن أقر على نفسه بالزناء و هو غير محصن فهذا من حقوق الله تعالى، و أما حقوق المسلمين فإذا أقر على نفسه عند الإمام بفرية لم يحده حتى يحضر صاحب الفرية أو وليه، و إذا أقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوه بدم صاحبهم»

و بمعناه

الصحيح الآخر (4) في حقوق الناس «من أقر على نفسه عند الامام بحق أحد من المسلمين فليس على الامام أن يقيم عليه الحد الذي أقر به عنده حتى يحضر صاحب الحد أو وليه و يطلب

____________

(1) راجع: ج 40 ص 88- 92.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب بقية الحدود- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب بقية الحدود- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب بقية الحدود- الحديث 2.

367

بحقه»

و قد تقدم تمام الكلام في المسألة في كتاب القضاء (1) و الحمد لله.

[المسألة السادسة إذا شهد بعض و ردت شهادة الباقين]

المسألة السادسة:

إذا شهد بعض و ردت شهادة الباقين أو رد شهادة الجميع قال في الخلاف و المبسوط و محكي السرائر و الجامع و التحرير:

إن ردت بأمر ظاهر كالعمى و الفسق الظاهر حد الجميع لثبوت قذفهم و انتفاء ما يدرأ عنهم حده، و هو ثبوت المقذوف به مع تفريط العدل منهم لعلمه بحال الباقي و إن ردت بأمر خفي لا يطلع عليه إلا آحاد الناس و لم يعلموا به كالفسق الخفي فعلى المردود الحد خاصة دون الباقين لعدم التفريط منهم، و الأصل البراءة، إلا أن المحكي عن المبسوط أنه لا يحد المردود الشهادة أيضا، محتجا له في محكي المختلف بأنه قد لا يعلم أنه ترد شهادته بما ردت به، فكان كالثلاثة، و أجاب بالفرق بأنه يعلم أنه على صفة ترد الشهادة مع العلم بها بخلاف الثلاثة.

و على كل حال ف فيه أي التفصيل المزبور إشكال من حيث تحقق القذف العاري عن بينة أو شبهة دارئة للحد، و التفريط و عدمه لا مدخلية له بعد تناول إطلاق الأدلة، نعم لو كانوا مستورين و لم تثبت عدالتهم و لا فسقهم فلا حد عليهم للشبهة، مع أن في خبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) «في أربعة شهدوا على رجل بالزناء فلم يعدلوا، قال: يضربون الحد»

لكنه ضعيف

____________

(1) راجع ج 40 ص 86- 92.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

368

محتمل لظهور الفسق، فالمتجه في الفرض حينئذ عدم ثبوت الزناء، فيوقف الحكم إلى أن يظهر حالهم فاما أن يحدهم أو المشهود عليه، و قبل ذلك يدرأ الحد عنه و عنهم، و الله العالم.

و لو رجع منهم واحد مثلا بعد شهادة الأربع و الحكم بها حد الراجع دون غيره قطعا، لصدق الإتيان بالبينة المسقطة، بل مقتضى إطلاق المصنف و غيره من الأصحاب أنه كذلك أيضا قبل الحكم بها للإطلاق المزبور، لكن قد يشكل بأن الرجوع قبل الحكم بمنزلة عدم الشهادة، بل في كشف اللثام الجزم بذلك فيحد الجميع حينئذ بخلاف الأول، قال: و عليه ينزل إطلاق الأصحاب، قلت: قد يقال: إن مقتضى الآية و غيرها السقوط أيضا، خصوصا مع بناء الحد على التخفيف و الله العالم.

[المسألة السابعة إذا وجد مع زوجته رجلا يزني بها فله قتلهما]

المسألة السابعة:

إذا وجد مع زوجته رجلا يزني بها و علم بمطاوعتها له فله قتلهما و إن لم يكن له استيفاء الحد و لا إثم عليه كما عن الشيخ و جماعة القطع به، لكن قيده- كما عن ابن إدريس- باحصانهما و مقتضى إطلاق المصنف و غيره، بل عنه في النكت القطع به الإطلاق أي سواء كان الفعل يوجب الرجم أو الجلد، كما لو كان الزاني غير محصن أو كانا غير محصنين، و سواء كان الزوجان حرين أم عبدين أم بالتفريق، و سواء كان الزوج قد دخل أم لا، و سواء كان دائما أم متعة لإطلاق الرخصة المستفادة من إهدار دم من اطلع على قوم ينظر إلى عوراتهم

369

و ما ورد (1) من إهدار دم من راود امرأة على نفسها حراما فقتلته، و خبر الفتح بن يزيد الجرجاني (2) قال لأبي الحسن (عليه السلام):

«رجل دخل دار غيره ليتلصص أو للفجور فقتله صاحب الدار، فقال:

من دخل دار غيره هدر دمه، و لا يجب عليه شيء»

و ما

روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) «في رجل قتل رجلا و ادعى أنه رآه مع امرأته، فقال (عليه السلام): عليه القود إلا أن يأتيه ببينة».

و لكن

في الصحيح (4) «أن داود بن فرقد قد سمع الصادق (عليه السلام) يقول: إن أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) قالوا لسعد بن عبادة: لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا؟

قال: كنت أضربه بالسيف، فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: ما ذا يا سعد؟ قال سعد: قالوا: لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت تصنع به؟ قلت: أضربه بالسيف، فقال: يا سعد و كيف بالأربعة الشهود؟ فقال: يا رسول الله بعد رأي عيني و علم الله أن قد فعل قال: أي و الله بعد رأي عينك و علم الله أن قد فعل، لأن الله عز و جل قد جعل لكل شيء حدا، و جعل لمن تعدى ذلك الحد حدا».

و يمكن أن يكون بيانا للحكم في الظاهر و إن لم يكن عليه إثم في ما بينه و بين الله، إذ لا إشكال و لا خلاف في أنه في الظاهر عليه القود إلا أن يأتي على دعواه ببينة أو يصدقه الولي و في صحيح

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب القصاص في النفس من كتاب القصاص.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(3) الوسائل- الباب- 69- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

370

آخر له (1) أيضا من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب ما كتبه معاوية إلى أبي موسى من أن ابن أبي الحسن وجد مع امرأته رجلا فقتله: «إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد و إلا دفع برمته»

و مقتضاه كالأول عدم القود مع البينة مطلقا سواء كان الزناء موجبا للرجم أو الجلد.

و لا يشكل ذلك بعدم ثبوت مقتضى القتل، و الرخصة منوطة بحكمه في نفس الأمر لا في الظاهر، و ذلك لأنها أباحت له قتلهما مطلقا، و إنما يتوقف جريان هذا الحكم ظاهرا على إثبات أصل الفعل، و يختص تفصيل الحد بالرجم و الجلد و غيرهما بالإمام دون الزوج، كما هو مقتضى ما سمعته من النصوص المفيدة ذلك المعتضدة بالعمل، نعم هي مختصة بمشاهدة الزوج دون البينة التي سماعها من وظيفة الحاكم، بل و دون الإقرار و إن استشكل فيه في المسالك، و الله العالم.

[المسألة الثامنة من افتض بكرا حرة بإصبعه لزمه مهر نسائها]

المسألة الثامنة:

من افتض بكرا حرة بإصبعه لزمه مهر نسائها بلا خلاف أجده فيه رجلا كان أو امرأة، ففي

صحيح ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) «في امرأة افتضت جارية بيدها قال: عليها المهر و تضرب الحد»

و نحوه في طريق آخر (3) و لكن بإبدال ضرب الحد بجلد ثمانين كما

في ثالث (4) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى بذلك و قال: «تجلد ثمانين»

و إطلاق الجارية و إن شمل الحرة و الأمة، بل عن المفيد و الصدوق إطلاق المهر من غير تفصيل إلا أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 69- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب حد الزناء- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب حد الزناء- الحديث 3.

371

المنساق منها هنا الحرة و لذا و ما تسمعه فصل غيرهما، فالمصنف و الأكثر على أنه لو كانت أمة لزمه عشر قيمتها ل

خبر طلحة بن زيد (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «إذا اغتصب الرجل أمة فافتضها فعليه عشر ثمنها، فان كانت حرة فعليه الصداق»

المنجبر بما عرفت و بالنصوص (2) المتقدمة في كتاب النكاح (3) المشتملة على أن من وطئ أمة غيره بغير إذنه و كانت بكرا فعليه ذلك بل و بما قيل من عمل المتأخرين به كافة عدا الفاضل في المختلف، فاختار فيه أنه يلزمه الأرش تبعا للحلي عملا بقاعدة الجناية، و ثاني الشهيدين في المسالك، فمال إلى وجوب أكثر الأمرين، و هما معا كما ترى منافيان لما عرفت من أن الأول مروي في الخبر (4) المعتبر الذي يجب الخروج به عن القاعدة و غيرها.

ثم إن الظاهر إرادة التعزير من الحد في الصحيح و المحكي من عبارة المقنع كما يطلق عليه كثيرا، ضرورة عدم حد في ذلك، خصوصا بعد التصريح في غيره بالثمانين التي يحكى عن المفيد و الديلمي أنها أكثره، قالا فيجلد حينئذ من ثلاثين إليها، و عن الشيخ من ثلاثين إلى سبعة و تسعين و عن ابن إدريس إلى تسعة و تسعين تنزيلا على قضية المصلحة أو لا تقدير فيه قلة و لا كثرة، فيفوض إلى رأي الحاكم كما عن الأكثر، و لعله الأقوى، لإطلاق ما دل على ذلك فيه، و لا معارض له إلا خبر الثمانين الظاهر في تعينها، و لا قائل به أصلا، فيطرح أو يكون المراد بيان أحد

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب حد الزناء- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 35 و 67- من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح.

(3) راجع ج 30 ص 218- 222.

(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب حد الزناء- الحديث 5.

372

أفراده، و لو كان المفتض بالإصبع الزوج فعل حراما، قال بعضهم و عزر و استقر المسمى، فتأمل.

[المسألة التاسعة من تزوج أمة على حرة مسلمة فوطئها قبل الإذن كان عليه ثمن حد الزاني]

المسألة التاسعة:

من تزوج أمة على حرة مسلمة فوطئها عالما بالتحريم قبل الاذن من الحرة في ذلك و لو لاحقة كان عليه ثمن حد الزاني لخبري حذيفة بن منصور (1) و منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج أمة على مسلمة و لم يستأمرها قال: يفرق بينهما، قال: فعليه أدب، قال: نعم اثنا عشر سوطا و نصف- ثمن حد الزاني- و هو صاغر، قلت: فان رضيت الحرة المسلمة بفعله بعد ما كان فعل، قال: لا يضرب، يبقيان على النكاح الأول»

و كذا في صحيح هشام بن سالم (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في من تزوج ذمية على مسلمة»

و في هذا الخبر و غيره ما صرح به غير واحد من أن طريق التنصيف أن يؤخذ السوط بالنصف فيضرب به، و لعله المتبادر، و قيل أن يضرب بين الضربين، و لا شاهد عليه.

ثم إنه لا تصريح في الخبرين المزبورين بالوطء، إلا أنه قد ذكره المصنف و غيره، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن بعض الإجماع عليه، و لعله لأنه المنساق، أو لما في كشف اللثام من أنه بناء على صحة التزويج و إباحته و التوقف على الاذن ابتداء أو استدامة لكن في الرياض «فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 47- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(2) الوسائل- الباب- 49- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما يحرم بالكفر- الحديث 4 من كتاب النكاح.

373

نظر، لمصير جملة منهم إلى فساد العقد من أصله، كما مر في النكاح و إن كان الأصح خلافه، لما مر ثمة مع تأيده بما حكموا به هنا، إذ لو لا الصحة لزم بالوطء الحد كملا لا ثمنا، هذا مع أن الحكم بالصحة لا يستلزم نفي العقوبة إلا باستلزامها الإباحة، و الملازمة في أمثال المقام ممنوعة، سيما بعد الاتفاق على الحرمة فتوى و رواية و حينئذ فيحتمل لزوم ثمن الحد، لارتكابها لا لفساد المناكحة، مع أن فسادها يقتضي إيجاب تمام العقوبة لا بعضها كما عرفته، و بالجملة الوجه في اعتبارهم الوطء غير واضح إلا أن يدعى تبادر التزويج المتضمن له من التزويج المطلق في النصوص، و يحتاج إلى تأمل» قلت قد سمعت ما في كشف اللثام من كون ذلك مبنيا على الصحة و الإباحة و الاذن سابقا أو لاحقا، و دعوى الاتفاق المزبور على الحرمة واضحة المنع، ضرورة انسياق إرادة معاملته معاملة النكاح غير المتوقف على الاذن من النهي فيهما لا مجرد إيقاع العقد و إن تعقبه الاستثمار كما هو واضح.

و من زوج أمته من غيره و لو كان عبده ثم وطئها عالما بالتحريم فعليه الحد كملا جلدا أو رجما بلا خلاف و لا إشكال، لإطلاق الأدلة و خصوص

الصحيح (1) «في رجل زوج أمته رجلا ثم وقع عليها، قال:

يضرب الحد»

و الله العالم.

[المسألة العاشرة من زنى مثلا في شهر رمضان نهارا كان أو ليلا عوقب زيادة على الحد]

المسألة العاشرة:

من زنى مثلا في شهر رمضان نهارا كان أو ليلا عوقب زيادة على الحد بحسب ما يراه الحاكم لانتهاكه الحرمة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد الزناء- الحديث 2.

374

و كذا لو كان في مكان شريف كالمساجد و المشاهد المشرفة بلا خلاف أجده فيه أو زمان شريف كما في المرسل (1) «أنه أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجاشي الشاعر و قد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ثمانين ثم حبسه ليلة ثم دعا به من الغد فضربه عشرين سوطا، فقال: يا أمير المؤمنين ضربتني ثمانين في شرب الخمر فهذه العشرون ما هي؟ فقال: هذه لجرأتك في شهر رمضان»

و من التعليل يستفاد الحكم لغير مورده كما فهمه الأصحاب، و يشهد له الاعتبار، بل لا يبعد ملاحظة الخصوصيات أيضا في الأزمنة و الأمكنة، كليلة القدر من شهر رمضان و قرب المضاجع المعظمة من المشاهد مثلا إلى غير ذلك مما يكون فيه هتك حرمة أو زيادة هتك، و الله العالم.

[الباب الثاني في اللواط و السحق و القيادة]

الباب الثاني في اللواط و السحق و القيادة

[أما اللواط]

أما اللواط فهو وطء الذكران من الآدمي بإيقاب و غيره و اشتقاقه من فعل قوم لوط، و حرمته من ضروري الدين فضلا عما دل عليه في الكتاب (2) المبين و سنة سيد المرسلين و آله الطيبين الطاهرين

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

(2) سورة الأعراف: 7- الآية 80 و سورة النمل: 27- الآية 54 و 55.

375

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) «من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا، و غضب الله عليه و لعنه و أعد له جهنم و ساءت مصيرا، ثم قال: إن الذكر ليركب الذكر فيهتز العرش لذلك، و إن الرجل لو أتي في حقبه فيحبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، ثم يؤمر به إلى جهنم فيعذب بطبقاتها طبقة طبقة حتى يرد إلى أسفلها، و لا يخرج منها»

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) «لو كان ينبغي لأحد أن يرجم مرتين لرجم اللوطي»

و في آخر عنه (عليه السلام) (3) أيضا «اللواط ما دون الدبر، و الدبر هو الكفر»

و قال الصادق (عليه السلام) (4): «حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج، إن الله تعالى أهلك أمة بحرمة الدبر، و لم يهلك أحدا بحرمة الفرج»

و سأله (عليه السلام) حذيفة (5) عن اللواط فقال:

«بين الفخذين، و سأله عن الوقب فقال: ذلك الكفر بما أنزله الله على نبيه (صلى الله عليه و آله)»

إلى غير ذلك.

و المراد بالإيقاب على ما في المسالك: إدخال الذكر و لو بعض الحشفة لأن الإيقاب لغة الإدخال، فيتحقق الحكم و إن لم يجب الغسل، لكن في الروضة و الرياض هو إدخال شيء من الذكر في دبره و لو بمقدار الحشفة و ظاهرهم هنا الاتفاق على ذلك و إن اكتفوا في تحريم أمه و أخته و بنته

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل- في الباب- 17- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 1 و ذيله في الباب- 18- منها- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 3 من كتاب النكاح.

376

بإدخال البعض، و هو مناف لما سمعته منه في المسالك التي حكى فيها عن الفاضل في القواعد حده غيبوبة الحشفة، و رده بأن مطلق الإيقاب لا يدل على ذلك، و نحوه ما في كشف اللثام من أن النصوص و الفتاوى مطلقة تتناول ما دون ذلك، قال: و يمكن تعميم الحشفة للكل و البعض. و على كل حال فالظاهر أن إطلاق اللواط على غيره من التفخيذ أو الفعل بين الأليتين من المجاز، و إدراج المصنف له في تعريفه تبعا للنصوص التي منها ما سمعته، بل ربما كان الظاهر من بعضها كونه المراد من اللوطي.

و كيف كان ف كلاهما لا يثبتان إلا بالإقرار أربع مرات الذي قطع به الأصحاب، ففي

الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) في ملأ من أصحابه إذ أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهرني، فقال: يا هذا امض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك، فلما كان من غد عاد إليه- و قال مثل ذلك، فأجابه (عليه السلام) كذلك إلى أن فعل ذلك أربع مرات- فلما كانت الرابعة قال له: يا هذا إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) حكم في مثلك بثلاثة أشياء فاختر أيهن شئت، قال: و ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين و الرجلين، أو إحراق بالنار، فقال: يا أمير المؤمنين أيهن أشد علي؟ قال: الإحراق، قال: فاني اخترتها، ثم قام فصلى ركعتين ثم جلس في تشهده، فقال:

اللهم إني قد أتيت من الذنب ما علمته، و تخوفت من ذلك فجئت إلى وصي رسولك و ابن عم نبيك فسألته أن يطهرني فخيرني بثلاثة أصناف من العذاب، و إني قد اخترت أشدها، اللهم فإني أسألك أن تجعل ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد اللواط- الحديث 1.

377

كفارة لذنوبي و أن لا تحرقني بنارك في آخرتي، ثم قام و هو باك حتى جلس في الحفيرة التي حفرها له أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يرى النار تأجج حوله، فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) و بكى أصحابه جميعا و قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء و ملائكة الأرضين، و أن الله قد تاب عليك فقم و لا تعاودن شيئا مما فعلت».

أو شهادة أربعة رجال بالمعاينة على حسب ما سمعته في الزناء.

و لكن يشترط في المقر البلوغ و كمال العقل و الحرية و الاختيار فاعلا كان أو مفعولا إذ لا عبرة بإقرار الصبي و المجنون و العبد الذي هو إقرار في حق سيده و المكره و لو أقر دون أربع لم يحد و عزر لثبوت الفسق بذلك،

لعموم «إقرار العقلاء (1)

و إن لم يثبت الحد، إذ لا تلازم، نحو ما سمعته في الزناء و إن توقف فيه بعض الناس و تبعه في الرياض، فإنه بعد أن نسب إليهم ذلك معللين له بالاعتراف بالفسق قال: «و لم أعرف دليل الكلية مع منافاة الحكم مطلقا الصحيحة السابقة حيث لم ينقل فيها التعزير في الإقرارات الثلاثة» و فيه أن ذلك أعم و قد مر كلية قبول الإقرار و التعزير على كل معصية معلومة و الله العالم.

و لو شهد بذلك دون الأربعة لم يثبت و كان عليهم الحد للفرية و إن انضم إليهم النساء، إذ لا يثبت بشهادتهن انفردن أو انضممن، لعموم الأخبار (2) بعدم قبول شهادتهن في الحدود، خلافا للصدوقين و ابن زهرة كما تقدم الكلام فيه في كتاب الشهادات، و خروج الزناء على

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 29 و 30 و 42.

378

بعض الوجوه بدليله لا يقتضي التعدية بعد حرمة القياس عندنا.

و لا يثبت بغير ما عرفت للأصل و غيره.

نعم يحكم الحاكم فيه بعلمه الذي هو أعظم من البينة إماما كان أو غيره على الأصح الذي تقدم في كتاب القضاء، و ما عن الكافي- من أنه إن تزيا بزي المرأة و اشتهر بالتمكين من نفسه و هو المخنث في عرف العادة قتل صبرا و إن فقد البينة و الإقرار بإيقاع الفعل، لنيابة الشهرة منابهما- لا يخفى ما فيه ما لم يصل ذلك إلى حد العلم للحاكم أو الشهود الذين يشهدون عنده، كما هو واضح.

و موجب الإيقاب بالفتح القتل بالكيفية الآتية على الفاعل و المفعول بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى بل الإجماع بقسميه عليه إذا كان كل منهما بالغا عاقلا مختارا و يستوي في ذلك الحر و العبد و المسلم و الكافر و المحصن و غيره بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه، بل في المسالك العبد هنا كالحر بالإجماع و إن كان الحد بغير القتل، و ليس في الباب مستند ظاهر غيره.

و لو لاط البالغ العاقل المختار بالصبي موقبا قتل البالغ لأنه حده و أدب الصبي و كذا لو لاط بمجنون بما يراه الحاكم مع الشعور به، ل

خبر أبي بكر الحضرمي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل و امرأة قد لاط زوجها بابنها من غيره و ثقبه و شهد عليه الشهود بذلك، فأمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فضرب بالسيف حتى قتل، و ضرب الغلام دون الحد، و قال: لو كنت مدركا لقتلتك، لإمكانك إياه من نفسك»

و لو لاط الصبي أو المجنون بمثلهما أدبا معا. و لو لاط بعبده حدا

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد اللواط- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد اللواط- الحديث 1.

379

قتلا مع الإيقاب أو جلدا بدونه، خلافا لبعض العامة، فنفى الحد بوطء المملوك، لشبهة عموم تحليل ملك اليمين.

و لو ادعى العبد الإكراه سقط عنه دون المولى لقيام القرينة فيه المقتضية للشبهة فيه دونه، بل في الرياض و منه يظهر انسحاب الحكم في ما لو ادعى الإكراه من غير مولاه مع إمكانه. و كذا في كل من ادعاه معه كما صرح به جماعة، لعموم (1) درء الحد بالشبهة.

و لو لاط مجنون بعاقل حد العاقل بلا خلاف و لا إشكال و في ثبوته على المجنون قولان: أشبههما بأصول المذهب و قواعده و أشهرهما عملا بل عن الغنية الإجماع عليه السقوط خلافا للمحكي عن الشيخين و أتباعهما استنادا إلى وجوبه عليه مع الزناء، و الأصل عندنا ممنوع كما عرفته سابقا، و لو لاط الصبي ببالغ قتل البالغ و أدب الصبي كما في القواعد و شرحها لعموم الأدلة، و ليس هو كزناء الصبي بالمرأة المحصنة الذي وجد فيه النص (2) على أنها لا ترجم، و قد يقال بمثله هنا، لإطلاق ما دل (3) على أن حد الواطئ مثل حد الزاني، و لعله لذا تركه المصنف.

و لو لاط الذمي بمسلم قتل و إن لم يوقب بلا خلاف أجده فيه لهتك حرمة الإسلام فهو أشد من الزناء بالمسلمة، كما أن الحربي أشد من الذمي و لو لاط بمثله كان الامام مخيرا بين إقامة الحد عليه و بين دفعه إلى أهل ملت ه ليقيموا عليه حدهم على نحو ما سمعته في الزناء، إذ لا نص هنا بالخصوص عليه، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد اللواط- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب حد اللواط- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط.

380

و كيفية إقامة هذا الحد القتل إن كان إيقابا بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص. و لكن في رواية حماد بن عثمان (1) و غيرها إن كان محصنا رجم و إن كان غير محصن جلد

قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل أتى رجلا قال: إن كان محصنا القتل و إن لم يكن محصنا فعليه الحد، قلت: فما على المؤتى؟ قال: عليه القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن»

و في صحيح أبي بصير (2) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا ثقب و كان محصنا الرجم»

و في رواية زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «اللواط حده حد الزاني»

و قد عرفت التفصيل في حد الزاني و في رواية العلاء بن الفضيل (4) عنه (عليه السلام) أيضا «حد اللوطي مثل حد الزاني، و قال: إن كان قد أحصن رجم و إلا جلد»

و في مرسل ابن أبي عمير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في كتاب علي (عليه السلام) إذا وجد الرجل مع الغلام في لحاف واحد مجردين ضرب الرجل و أدب الغلام، و إن كان ثقب و كان محصنا رجم»

إلى غير ذلك.

و لكن الأول أشهر رواية في العمل، بل قد عرفت عدم الخلاف فيه بيننا بل الإجماع بقسميه عليه، فوجب حمل النصوص المزبورة القاصر بعضها سندا و آخر دلالة- إذ إثبات الرجم على المحصن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط- الحديث 1.

و فيه «الملوط حده.».

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث 7 عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام).

381

لا ينافي الحكم بقتل غيره مضافا إلى اشتمال بعضها على التفصيل بين الواطئ و الموطوء المعلوم عدم عامل به إلا ما يحكى عن ظاهر اقتصار الفقيه عليه و صريح المقنع- على التقية أو طرحها.

ثم المشهور- بل عن ابن إدريس نفي الخلاف فيه، بل عن الغنية و الانتصار الإجماع عليه إلا أنهما لم يذكرا الإحراق- أن الامام مخير في قتله بين ضربه بالسيف أو تحريقه أو رجمه أو إلقائه من شاهق أو إلقاء جدار عليه و ما عن السيد و سلار من عدم ذكر الأولين و الأخير ليس خلافا و إلا كان محجوجا بما سمعته من النصوص (1) مضافا إلى

خبر القداح (2) عن الصادق (عليه السلام) «أنه كتب خالد إلى أبي بكر أنه أتي برجل يؤتى في دبره فاستشار أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال:

أحرقه بالنار، فان العرب لا ترى القتل شيئا»

و إلى ما سمعته من نصوص الرجم مع الإحصان (3) بل قد يفهم مما مر من

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) «لو كان ينبغي لأحد أن يرجم مرتين لرجم اللوطي»

و عنه (عليه السلام) (5) أيضا «أنه رجم بالكوفة رجلا كان يؤتى في دبره»

و عنه (عليه السلام) (6) أيضا أنه قال في اللواط: «هو ذنب لم يعص الله به إلا أمة من الأمم فصنع بها ما ذكره في كتابه من رجمهم بالحجارة، فارجموهم كما فعل الله عز و جل»

و عنه (عليه السلام) (7) أيضا «إذا كان الرجل كلامه كلام النساء و مشيته مشية النساء و يمكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث- 9.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث- 2.

(5) المستدرك- الباب- 1- من أبواب حد اللواط- الحديث 6.

(6) المستدرك- الباب- 15- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 2 من كتاب النكاح.

(7) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث- 5.

382

من نفسه فينكح كما تنكح النساء فارجموه و لا تستحيوه».

نعم لم أقف على الأخير إلا ما في كشف اللثام من أن فيه خبرا عن الرضا (عليه السلام) (1) و هو و إن كان مرسلا إلا أنه كضعف غيره منجبر بما عرفت، و من هنا لا يعارض مفهوم العدد في الحسن منطوق غيره، مع أن ظاهره كون التخيير إلى المحدود دون الامام، و هو خلاف النص و الفتوى.

و يجوز أن يجمع بين أحد هذه و بين تحريقه كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا كما عن السرائر الاعتراف به، و في صحيح عبد الرحمن العرزمي (2) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر بقتل الذي أخذ في زمن عمر- ثم قال-: قد بقيت له عقوبة أخرى قال: و ما هي؟ قال: ادع من حطب فدعا به، ثم أخرجه فأحرقه بالنار»

هذا كله في من أوقب.

و إن لم يكن إيقابا كالتفخيذ أو بين الأليتين فحده مائة جلدة كما عن الحسن و المفيد و السيد و سلار و الحلبي و ابني زهرة و إدريس، بل في المسالك هو المشهور، و عليه سائر المتأخرين، بل عن صريح الانتصار و ظاهر الغنية الإجماع عليه، للأصل و الاحتياط و خبر سليمان بن هلال (3) المنجبر بما عرفت عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يفعل بالرجل فقال: إن كان دون الثقب فالحد و إن كان ثقب أقيم قائما ثم ضرب بالسيف»

الظاهر في كون المراد من الحد فيه الجلد.

و قال في النهاية و محكي الخلاف و المبسوط و التهذيب و الاستبصار:

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من أبواب حد اللواط الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد اللواط- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط- الحديث 2.

383

يرجم إن كان محصنا و يجلد إن لم يكن بل في المسالك حكايته عن القاضي و جماعة جمعا بين الروايات السابقة المشتملة على أن حده حد الزاني (1) و بين ما دل (2) على قتله بحمل الأول على غير الموقب و الثاني عليه، و عن المختلف نفي البأس فيه.

و لكن فيه أنه فرع التكافؤ المفقود من وجوه فلا ريب في أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، و أضعف منه ما عن ظاهر الصدوقين و الإسكافي من القتل مطلقا، لأنهم فرضوه في غير الموقب و جعلوا الإيقاب هو الكفر بالله تعالى أخذا من رواية حذيفة بن منصور (3) السابقة و غيرها المحمولتين بعد قصورهما عن المعارضة على المبالغة أو على المستحل أو غير ذلك، و الله العالم.

و يستوي فيه الحر و العبد بلا خلاف أجده فيه، كما عن الغنية الاعتراف به، بل عن نكت الإرشاد الإجماع عليه، و هو الحجة بعد الإطلاق و المسلم و الكافر مع عدم كون الفاعل كافرا و المفعول مسلما و إلا قتل كما عرفت و المحصن و غيره.

و لو تكرر منه الفعل و تخلله الحد مرتين قتل في الثالثة، و قيل في الرابعة، و هو أشبه و أحوط في الدماء، و قد سبق الكلام فيه في الزناء الذي يظهر من غير واحد الإجماع على عدم الفرق بينه و بين ما هنا في ذلك، مضافا إلى ما عن الغنية من الإجماع أيضا فيخص به حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط.

(2) الوسائل- الباب- 2 و 3- من أبواب حد اللواط.

(3) الوسائل- الباب- 47- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 2 من كتاب النكاح.

384

ما دل (1) على قتل أرباب الكبائر في الثالثة، و الله العالم.

و المجتمعان تحت إزار واحد مثلا مجردين و ليس بينهما رحم و لا ضرورة تقتضي ذلك يعزران من ثلاثين سوطا إلى تسعة و تسعين سوطا كما عن الشيخ و ابن إدريس و أكثر المتأخرين، ل

خبر سليمان بن هلال (2) «سأل بعض أصحابنا أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد، فقال:

أ ذو رحم؟ فقال لا، فقال: أمن ضرورة؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا»

و خبر ابن سنان (3) عنه (عليه السلام) «في رجلين يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان حدا غير سوط»

فيكون الحكم في الغايتين و ما بينهما منوطا بنظر الامام، و ما فيهما من الضعف منجبر بما عرفت، و من أولهما يستفاد الوجه في التقييد بالمحرم.

لكن في الرياض تبعا للمسالك المناقشة فيه بأن مطلق الرحم لا يوجب تجويز ذلك، و تخلو أكثر النصوص منه قال في الأخير: «فالأولى ترك التقييد به، أو التقييد بكون الفعل محرما، و فيه غنى عن التقييد بالضرورة حينئذ و التجرد أيضا، مع أنه لا وجه لاعتبار الأخير أصلا حيث يحصل التحريم بالاجتماع الذي هو مناط التعزير دونه، و لذا خلا أكثر النصوص عن اعتباره، و بعض النصوص المتعرض له غير صريح في التقييد لكنه ظاهر فيه مع صحة سنده».

قلت: و كفى به حينئذ دليلا للمسألة، مضافا إلى عمل الأصحاب و إمكان منع الحرمة مع عدم التجريد خصوصا بعد ملاحظة السيرة، و كذا الكلام في التقييد بالمحرمية المستفادة مما عرفت، بل قد يقال: إن المدار

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 21.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 18.

385

في ذلك على الريبة و التهمة لا مطلق الاجتماع و لو من المؤتمنين، بل لعل اعتبار التجريد و عدم المحرمية مشعر بذلك. و على كل حال فما عن المفيد- من عشرة إلى تسعة و تسعين سوطا بحسب ما يراه الحاكم من مثلهما في الحال و بحسب التهمة لهما و الظن بهما السيئات، و نحوه عن ابن زهرة- لم أقف له على دليل.

و عن أبي علي و الصدوق الحد مائة سوط، ل

صحيح الحلبي (1) «حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد، و الرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد، و المرأتان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد»

و كذا في صحيح ابن مسكان (2) و في حسن ابن عبد الرحمن بن الحجاج (3) «كان علي (عليه السلام) إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد»

و في حسن أبي عبيدة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) «كان علي (عليه السلام) إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزاني مائة جلدة كل واحد منهما»

و في صحيح الحسين بن سعيد (5) «قرأت بخط رجل أعرفه إلى أبي الحسن (عليه السلام) ما حد رجلين وجدا نائمين في ثوب واحد؟ فكتب مائة سوط».

و عن الشيخ أنه حمل نحوها على ما إذا تكرر منهما الفعل و تخلل التعزير، و لعل الأولى منه الحمل على إرادة بيان أن ذلك هو الغاية، نحو ما سمعته في اجتماع المرأة و الرجل كذلك، و لكن ناقش فيه في المسالك بأن هذه أكثر و أجود سندا، و ليس فيها التقييد بعدم المحرمية بينهما و عدم التقييد أجود، لأن المحرمية لا تجوز الاجتماع المذكور إن لم تؤكد

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 22.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 15.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد اللواط- الحديث 5.

386

التحريم، و قد عرفت ما فيه، مضافا إلى استبعاد التهمة معه. هذا و قد ينقدح مما سمعته في اجتماع الرجل و الامرأة الذي هو ادعى من المقام عدم اعتبار التحديد بالأقل و أنه موكول إلى نظر الحاكم، و كذا الكلام في اجتماع المرأتين الذي سيأتي، و الله العالم.

و لو تكرر ذلك منهما و تخلله التعزير حدا في الثالثة كما في القواعد و غيرها و عن الشيخ و بني إدريس و البراج و سعيد، لفحوى

خبر أبي خديجة (1) عن الصادق (عليه السلام) الوارد في الامرأتين قال:

«ليس لهما أن تناما في لحاف واحد إلا أن يكون بينهما حاجز، فان فعلتا نهيتا عن ذلك، فان وجدتا مع النهي جلدت كل واحدة حدا فان وجدتا أيضا في لحاف واحد حدتا، فان وجدتا الثالثة حدتا، فان وجدتا الرابعة قتلتا»

بناء على أن المراد من حدهما في الثانية التعزير و من النهي أولا مجرد الأمر بالترك، و لكنه كما ترى مع كونه أخص من المدعى متضمن لما لا يقولون به كما ستعرف، و عن ابن حمزة أنهما إن عادا ثلاثا و عزرا بعد كل مرة قتلا في الرابعة.

و كذا يعزر من قبل غلاما ليس له بمحرم بشهوة بلا خلاف أجده فيه كغيره من المحرمات، و في الخبر (2) «من قبل غلاما بشهوة لعنته ملائكة السماء و ملائكة الأرض و ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب»

و في آخر (3) «ألجمه الله بلجامين من نار»

بل لا فرق بين المحرم و غيره في ذلك، بل لعله في الأخير آكد، فما في المتن و غيره من التقييد غير واضح الوجه، إلا أن يحمل على إيراده مورد الغالب من ظهور الشهوة

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 25.

(2) المستدرك- الباب- 18- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 3 من كتاب النكاح.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 1.

387

فيه دون المحرم، بل لا فرق بينه و بين الكبير و لا بينه و بين الجارية و المرأة التي قد عرفت الكلام فيها، إذ المناط في الجميع واحد هذا.

و عن إسحاق بن عمار (1) «سأل الصادق (عليه السلام) عن محرم قبل غلاما بشهوة قال: يضرب مائة»

و لعله تغليظ للإحرام، و استحسنه في الرياض لو لا أن المشهور عدم اشتراط بلوغ التعزير الحد، و فيه منع ذلك مع فرض اجتماع جهات التعزير، كما هو واضح.

و إذا تاب اللائط قبل قيام البينة سقط الحد، و لو تاب بعده لم يسقط، و لو كان مقرا كان الامام مخيرا في العفو و الاستيفاء كما تقدم الكلام في ذلك في الزناء، و الله العالم.

[أما السحق]

و الحد في السحق الذي هو وطء المرأة مثلها المكنى عنه في النصوص باللواتي مع اللواتي (2) التي لعنها الله و الملائكة، و من بقي في أصلاب الرجال و أرحام النساء (3) و هن في النار، و عليهن سبعون حلة من نار، و فوق تلك الحلل جلد جافي غليظ من نار، و عليهن نطاق من نار و تاج من نار من فوق تلك الحلل و خفاف من نار (4) و هو الزناء الأكبر الذي أحدثه في الناس لاقيس بنت إبليس (5) كما أحدث أبوها اللواط بالرجال، فاستغنى الرجال بالرجال و النساء بالنساء (6)، و يؤتى بهن يوم القيامة و قد ألبسن مقطعات من النار و قنعن بمقانع من نار و بردين

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب النكاح المحرم- الحديث- 4- من كتاب النكاح.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب النكاح المحرم- الحديث- 5- من كتاب النكاح.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب النكاح المحرم- الحديث- 4- من كتاب النكاح.

(5) الوسائل- الباب- 24- من أبواب النكاح المحرم- الحديث- 5- من كتاب النكاح.

(6) الوسائل- الباب- 17- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 4 و الباب- 24- منها الحديث 1 من كتاب النكاح.

388

من نار و أدخل في أجوافهن إلى رؤوسهن أعمدة من نار و قذف بهن في النار (1) إلى غير ذلك مما ورد فيه.

و على كل حال فحده مائة جلدة مع البلوغ و العقل و الاختيار حرة كانت أو أمة مسلمة أو كافرة محصنة أو غير محصنة للفاعلة و المفعولة وفاقا للأكثر كما في كشف اللثام، بل المشهور كما في الرياض، بل في المسالك نسبته إلى المفيد و المرتضى و أبي الصلاح و ابن إدريس و سائر المتأخرين، بل عن السرائر نسبته إلى أصحابنا مشعرا بالإجماع عليه، كظاهر المحكي عن الانتصار، ل

موثق زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) «المساحقة تجلد»

بناء على إرادة بيان حد الجلد المقابل للرجم في الزناء و هو المائة و لو بقرينة ما سمعت، و المرسل عن بعض الكتب (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «السحق في النساء كاللواط في الرجال، و لكن فيه جلد مائة، لأنه ليس فيه إيلاج»

و ظاهر ما ورد عنه (عليه السلام) (4) أيضا من جلد المجتمعين في لحاف واحد أو ضربهما الحد، و بما أرسله في الروضة من أن فيه أخبارا صحيحة و إن كان فيه ما فيه، و بذلك يخرج عما يقتضي التنصيف في الأمة، إذ التعارض من وجه، و الترجيح لما هنا، لما عرفت. كما أن ظاهرهم هنا عدم الفرق بين المسلمة و الكافرة فاعلة أو مفعولة و إن اختلف ذلك في اللواط، كما عرفت.

نعم قال الشيخ في النهاية: ترجم مع الإحصان و تحد

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 3 من كتاب النكاح.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد السحق- الحديث 2 و فيه «الساحقة تجلد».

(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب حد السحق- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء.

389

مع عدمه و نحوه عن القاضي و ابن حمزة، بل ما إليه في المسالك للحسن بل

الصحيح (1) عن الصادق (عليه السلام) «أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق، فقال: حدها حد الزاني، فقالت المرأة: ما ذكر الله ذلك في القرآن، فقال: بلى، قالت: و أين؟

فقال: هن أصحاب الرس (2)»

و نحوه خبر إسحاق بن حريز (3) عنه (عليه السلام) أيضا مؤيدا ذلك بما سمعته من الصحيح و غيره (4) في المسألة الثانية المشتمل على رجم الواطية و جلد الموطوءة إلا أنه يمكن إرادة المماثلة منه في الجلد و لو بقرينة ما عرفت، لكن في الخبر (5) المروي عن الاحتجاج عن القائم (عليه السلام) «أنه سئل عن الفاحشة المبينة التي إذا فعلت ذلك يجوز لبعلها أن يخرجها من بيته في أيام عدتها فقال: تلك الفاحشة السحق و ليست في الزناء، لأنها إذا زنت يقام عليها الحد، و ليس لمن أراد تزويجها أن يمتنع من العقد عليها لأجل الحد الذي أقيم عليها، و أما إذا ساحقت فيجب عليها الرجم، و الرجم هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد السحق- الحديث 1.

(2) سورة الفرقان: 25- الآية 38 و سورة ق: 50- الآية 12.

(3) لم نجد لإسحاق بن حريز خبرا في تفسير هذه الآية، و ما ورد عن إسحاق في السحق هو ما رواه في الوسائل باب- 24- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 3 نعم ورد في تفسير تلك الآية رواية عن هشام الصيدناني رواها في الوسائل في نفس الباب الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السحق- الحديث 1 و 2. و المسألة الثانية بعد لم تأت فالصحيح «مؤيدا ذلك بما تسمعه».

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب العدد- الحديث 3 من كتاب الطلاق.

390

الخزي، و من أمر الله تعالى برجمها ليس لأحد أن يقربها»

و في الخبر (1) «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأتين كانتا يتساحقان فدعا بالنطع فأمر بهما فأحرقتا بالنار»

إلا أنهما- مع قصور سندها و لا جابر و اشتمال الأول على ما لا يقول به الأصحاب من تفسير الفاحشة بذلك كالإحراق بالنار في الثاني- قاصران عن المقاومة لما عرفت. و من ذلك كله بان لك أن الأول أولى و أحوط خصوصا بعد درء الحد بالشبهة.

و إذا تكررت المساحقة مع إقامة الحد ثلاثا قتلت في الرابعة أو الثالثة على القولين السابقين، لكن في اللمعة هنا القتل في الرابعة و في الزناء و اللواط القتل في الثالثة، بل في الروضة و ظاهرهم هنا عدم الخلاف و إن حكمنا بقتل الزاني و اللائط في الثالثة كما اتفق في عبارة المصنف و إن كان لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد ظهور كلام غير واحد- بل صريح آخر حتى هو في المسالك- أن المسألة في المقام على الكلام السابق في نظائرها، ضرورة عدم خصوصية لها، بل لولا قوة الظن بمساواتها للزناء الملحق به اللواط لاتجه القتل في الثالثة بناء على صحة رواية قتل أهل الكبائر فيها، و الله العالم.

و يسقط الحد بالتوبة قبل البينة و لا يسقط بعدها بل في كشف اللثام و كذا لو ادعت التوبة قبلها، و لعله للشبهة و مع الإقرار و التوبة يكون الامام مخيرا على حسب ما سمعته في الزناء و اللواط، إذ هي مثلهما في ذلك أو أولى، خلافا للمحكي عن الحلي، فلم يجز العفو، و قال: إنما له العفو عن القتل، و فيه ما عرفت، بل هي أيضا مثلهما في الثبوت بالإقرار أربعا قطعا و بشهادة الأربع رجال، بل كاللواط في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد السحق- الحديث 4.

391

عدم الثبوت إلا بشهادة الرجال خاصة للأصل و غيره خلافا لمن عرفت، كما تقدم في كتاب الشهادات و من الغريب هنا ما في مجمع البرهان من دعوى ثبوت السحق بالإقرار مرتين و شهادة العدلين مفسرا به عبارة الإرشاد مع أنه في القواعد نص على اعتبار الأربع في الشهادة و الإقرار، بل في كشف اللثام الإجماع عليه في الظاهر، قال: و يدل على الأول قوله تعالى (1) «وَ اللّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ» و قوله تعالى (2) «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ» الآية. و بالجملة المسألة مفروغ منها، و الله العالم.

و الأجنبيتان إذا وجدتا في إزار واحد مجردتين عزرت كل واحدة دون الحد على نحو ما سمعته في الرجلين كما في المسالك و غيرها، و مقتضاه أن المشهور حينئذ من ثلاثين إلى تسعة و تسعين، و لكن في كشف اللثام حكاية ذلك عن النهاية خاصة، إلا أن الدليل فيهما واحد إذ هو الجمع بين

خبر سليمان بن هلال (3) عن الصادق (عليه السلام) الذي تقدم ما فيه في الرجلين قال: «فامرأة نامت مع امرأة في لحاف فقال: ذواتا محرم، قال: لا، قال: من ضرورة، قال: لا، قال:

تضربان ثلاثين سوطا»

و بين

خبر معاوية (4) قال له: «المرأتان تنامان في ثوب واحد، قال تضربان، قال: حد، قال: لا»

و عن المقنعة من عشر جلدات إلى تسعة و تسعين، نحو ما سمعته منه في الرجلين.

و لكن عن أشربة الخلاف «لا يبلغ بالتعزير الحد الكامل بل يكون دونه، و أدنى الحدود في الأحرار ثمانون، و التعزير فيهم تسعة و تسعين

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 15.

(2) سورة النور: 24- الآية 4.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 21.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 16.

392

سوطا، و أدنى الحدود في المماليك أربعون و أدنى التعزير فيهم تسعة و ثلاثون» و عن ابن إدريس تنزيله على أنه «إذا كان الموجب للتعزير مما يناسب الزناء و نحوه مما يوجب مائة جلدة فالتعزير فيه دون المائة، و إن كان مما يناسب شرب الخمر أو القذف مما يوجب ثمانين، فالتعزير فيه دون الثمانين».

و عن الكافي و المختلف اختياره، ثم قال: «و الذي يقتضيه أصول مذهبنا و أخبارنا أن التعزير لا يبلغ الحد الكامل الذي هو المائة أي تعزير كان، سواء كان مما يناسب الزناء أو القذف، و إنما هذا الذي لوح به شيخنا من أقوال المخالفين و فرع من فروع بعضهم و من اجتهاداتهم و قياساتهم الباطلة و ظنونهم العاطلة».

و فيه أن المروي عن

العلل في الصحيح عن حماد بن عثمان (1) أنه قال للصادق (عليه السلام): «التعزير، فقال: دون الحد، قلت:

دون ثمانين، قال: فقال: لا و لكن دون الأربعين، فإنها حد المملوك»

نعم عن ابن حمزة العمل بمضمون

خبر إسحاق بن عمار (2) سأل أبا إبراهيم (عليه السلام) «عن التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطا ما بين العشرة إلى العشرين»

و عن الرضا (عليه السلام) (3) «التعزير ما بين تسعة عشر سوطا إلى تسعة و ثلاثين، و التأديب ما بين ثلاثة و عشر»

و لم أجد عاملا به أيضا، و عن بعض وجوب مائة جلدة عليهما، لنحو

خبر سماعة (4) «سأله عن المرأتين يؤخذان في لحاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الحدود- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الحدود- الحديث 1.

(3) المستدرك- الباب- 6- من أبواب بقية الحدود و التعزيرات- الحديث 1 و فيه

«بضعة عشر سوطا»

. (4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد السحق- الحديث 3.

393

واحد، قال: يجلد كل واحدة منهما مائة جلدة»

و نحوه غيره من النصوص (1) التي ينبغي حملها على المائة سوط إلا سوطا جمعا بينها و بين غيرها مما دل على ذلك، و على أن المراد بيان غاية التعزير.

و أما

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (2): «و المرأتان يجلدان إذا أخذتا في لحاف واحد ضربهما الحد»

فيمكن إرادة التعزير من الحد فيه، فإنه يطلق عليه، كما أنه احتمل في الجميع وقوع الفعل (الفصل خ ل) بينهما عملا بغيرهما من النصوص المعتضدة بالأصل و الاحتياط و الدرء للشبهة. و قد تقدم في اجتماع الرجلين ما له نفع في المقام، و أنه يحتمل قويا الإيكال إلى نظر الحاكم حتى في الأقل، و الله العالم و على كل حال ف ان تكرر الفعل و التعزير مرتين أقيم عليهما الحد التام في الثالثة بلا خلاف أجده إلا ما يحكى عن ظاهر الحلي من القتل فيها، لأنه كبيرة، و كل كبيرة يقتل فاعلها في الثالثة بعد تخلل الحد أو التعزير، و فيه أنه بعد تسليمه مخصص بخبر أبي خديجة (3) السابق المنجبر في الفرض بالشهرة العظيمة التي هي إجماع أو كالإجماع ف المتجه حينئذ الحد فيها لا القتل. نعم إن عادتا قال الشيخ في النهاية: قتلتا للخبر (4) المزبور المعتضد بما روي من قتل أصحاب الكبائر في الرابعة (5).

و لكن الأولى عند المصنف الاقتصار على

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 0- 1 الا أنه ليس في صحيح الحلبي «ضربهما الحد» و هو لا يناسب سياق العبارة أيضا و قد ذكر ذلك في صحيح عبد الرحمن الذي رواه في الوسائل بعد صحيح الحلبي.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 0- 1 الا أنه ليس في

صحيح الحلبي «ضربهما الحد»

و هو لا يناسب سياق العبارة أيضا و قد ذكر ذلك في صحيح عبد الرحمن الذي رواه في الوسائل بعد صحيح الحلبي.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 25.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد الزناء- الحديث 25.

(5) لم أعثر عليه عاجلا.

394

التعزير ثم الحد في كل ثالثة احتياطا في التهجم على الدم الذي لا ينبغي الخروج عنه بالخبر المزبور المشتمل على مجرد النهي في الأولى و لم يقل به أحد و على الحد في الثانية و لم يقل به أيضا أحد، و الضعيف و لا جابر له في المقام بعد منع كلية الكبرى، لما في المسالك من أنه «إن أريد مع إيجابها الحد فمسلم، لكن لا يقولون به هنا، و إن أريد مطلقا فظاهر منعه» و تبعه على ذلك كله في الرياض، قال: و من ثم اختار الفاضلان و الشهيدان و أكثر المتأخرين الاقتصار على التعزير مطلقا إلا في كل ثالثة، فالحد، و لا ريب أنه أحوط».

قلت: فيه أولا أن المتجه بناء على ما ذكراه القتل في التاسعة أو الثانية عشر لتخلل الحد حينئذ، لا أن الحكم كذلك مطلقا، و ثانيا قد سمعت الصحيح (1) و معقد الإجماع الدالين على قتل أصحاب الكبائر في الثالثة، نعم قد يقال في المقام بالرابعة إلحاقا له بالزناء و احتياطا في الدماء فتأمل جيدا.

[مسألتان]

مسألتان:

[المسألة الأولى لا كفالة في حد]

الأولى:

لا كفالة في حد زناء كان أو غيره بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض لا لأدائه إلى التأخير، إذ قد يكون العذر حاصلا في تأخيره، بل

للحسن أو الصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا كفالة في حد»

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

395

و نحوه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) بل قد عرفت في أول الكتاب احتمال إرادة ما يشمل التعزير منه.

و كذا لا تأخير فيه على وجه يصدق عليه التعطيل مع الإمكان و الأمن من توجه ضرر كالمرض و الحبل و نحوهما، لإطلاق النهي عن التعطيل و أنه ليس فيه نظرة ساعة و أنه كان فيه لعل و عسى فالحد معطل (2).

و كذا لا شفاعة في إسقاطه للنهي (3) عن الرأفة بالزاني الملحق به غيره، و لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ما حكاه عنه الصادق (عليه السلام) في خبري سلمة (4) و مثنى الحناط (5) لأسامة: «لا تشفع في حد»

و قال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد ابن قيس (6) «كان لأم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه و آله) مولاة فسرقت من قوم فأتي بها النبي (صلى الله عليه و آله) فكلمته أم سلمة فيها، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): هذا حد من حدود الله لا يضيع فقطعها رسول الله (صلى الله عليه و آله)»

إلى غير ذلك من النصوص المشتمل بعضها على التعليل بأن الامام لا يملكه، ففي

الحسن أو الصحيح (7) عن الصادق (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) المستدرك- الباب- 19- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 6 و الباب- 25- منها.

(3) سورة النور: 24- الآية 2.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(7) رواه في الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4 عن الصدوق و الكليني و الشيخ و طرق الجميع ينتهي إلى السكوني و في سنده الحسين بن يزيد النوفلي و فيه كلام.

396

«لا يشفعن أحد في حد إذا بلغ الإمام، فإنه لا يملكه، و اشفع في ما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الندم، و اشفع عند الإمام في غير الحد مع الرضا من المشفوع له، و لا تشفع في حق امرء مسلم و لا غيره إلا باذنه»

و نحوه خبر السكوني (1) لكن قد يقال: إن مقتضى التعليل المزبور جواز الشفاعة فيه في مقام التخيير له إلا أن إطلاق الأصحاب ينافيه، و الله العالم.

[المسألة الثانية لو وطئ زوجته فساحقت بكرا فحملت على المرأة الرجم و على الصبية جلد مائة بعد الوضع]

المسألة الثانية:

لو وطئ زوجته فساحقت بكرا فحملت قال الشيخ في النهاية: على المرأة الرجم و على الصبية جلد مائة بعد الوضع، و يلحق الولد بالرجل، و يلزم المرأة المهر و في المسالك حكايته عن أتباعه أيضا ل

صحيح ابن مسلم (2) «سمعت أبا جعفر و أبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: بينا الحسن بن علي (عليهما السلام) في مجلس علي أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ أقبل قوم، فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين قال: و ما حاجتكم قالوا أردنا أن نسأله عن مسألة، قال: و ما هي؟

تخبرونا بها، قالوا: امرأة جامعها زوجها فلما قام عنها قامت فوقعت على جارية بكر فساحقتها فألقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال:

الحسن (عليه السلام) معضلة و أبو الحسن لها، و أقول: فإن أصبت فمن الله ثم من أمير المؤمنين، و إن أخطأت فمن نفسي و أرجو أن لا أخطأ فيه أنه يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة، لأن

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد السحق- الحديث 1.

397

الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها ثم ترجم المرأة لأنها محصنة و ينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها و يرد إلى أبيه صاحب النطفة، ثم تجلد الجارية الحد، فانصرف القوم من عند الحسن (عليه السلام) فلقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: ما قلتم لأبي محمد؟ و ما قال لكم؟ فأخبروه، فقال: لو أني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر عما قال ابني»

و يقرب منه خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1).

لكن عن ابن إدريس رد ذلك من وجوه: أحدها أن أصحابنا لا يرجمون المساحقة فلا يجترئ على رجمها بخبر واحد لا يعضده كتاب أو سنة متواترة أو إجماع، الثاني أن الولد غير مولود على فراش الرجل فكيف يلتحق به؟! و الثالث إلزام المهر على الفاعلة مع أنها لم تكره المفعولة، و لذا تجلد و لا مهر لبغي، و وافقه المصنف على الأول فقال:

أما الرجم فعلى ما مضى من التردد و الأشبه الاقتصار على الجلد ترجيحا لما دل عليه على ذلك كما عرفت، و احتمال العمل به في خصوص ذلك يدفعه اشتماله على التعليل المقتضي للتعدية لكل محصنة و أما جلد الصبية فموجبه ثابت بلا خلاف و لا إشكال و هو المساحقة بالاختيار و أما لحوق الولد فلأنه ماء غير زان و قد انخلق منه الولد فيلحق به شرعا، لأنه الموافق للعرف و اللغة، أقصى ما هناك خرج الزاني فيبقى غيره و أما المهر فلأنها سبب في إذهاب العذرة و ديتها مهر نسائها و ليست كالزانية في سقوط دية العذرة، لأن الزانية أذنت في الافتضاض و ليست هذه كذلك و تبعه على ذلك كله تلميذه الفاضل.

ثم قال معرضا بما سمعته من ابن إدريس و أنكر بعض المتأخرين

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب السحق- الحديث 2.

398

ذلك، و ظن أن المساحقة كالزانية في سقوط دية العذرة و سقوط النسب.

و لكن قد يناقش- مع قطع النظر عن النص المزبور الجامع لشرائط العمل، و لا يقدح عدم العمل به في الأول للمعارض في العمل به في الأخيرين- بأن ذلك لا يكفي في لحوق الولد شرعا، ضرورة كون الثابت من النسب فيه الوطء الصحيح و لو شبهة، و ليس هذا منه، و ليس مطلق التولد من الماء موجبا للنسب شرعا، ضرورة عدم كون العنوان فيه الخلق من مائه و الصدق اللغوي بعد معلومية الفرق بين الإنسان و غيره من الحيوان بمشروعية النكاح فيه دونه، بل المراد منه تحقق النسب، و من ذلك يظهر الإشكال في لحوق ولد المكرهة بها إذا لم يثبت كون ذلك من الشبهة شرعا. كما أن من ذلك يظهر لك أن المتجه عدم لحوقه بالصبية و إن لم تكن زانية كما في المسالك، بل في القواعد أنه الأقرب بعد الاشكال فيه، و كان وجهه مما عرفت و من صدق عدم الزناء مع الولادة، و لا دليل على كونه بحكمه في ذلك أيضا كما هو واضح. نعم لا إشكال في عدم لحوقه بالكبيرة، لعدم الولادة. و مما ذكرنا لك يظهر لك النظر في ما في الرياض من اختيار الإلحاق بالبكر فلاحظ و تأمل.

و بأنها بعد الاذن بوضع النطفة فيها مع فرض علمها بوطئ الزوج أو احتمالها لا تستحق المهر، ضرورة كونها أقوى منها في ذلك، فالعمدة حينئذ العمل بالنص المزبور الذي لا يوافق أصول ابن إدريس، بل قد يشكل ما فيه أيضا من تعجيل المهر بأنه غرامة قبل تحقق السبب المحتمل للعدم بالموت و التزويج و نحوه، و يمكن إرادة بيان أصل الاستحقاق مع فرض التحقق لا تعجيل الأداء، و الله العالم.

ثم إن النفقة على الصبية مدة الحمل على زوج المساحقة بناء على

399

الإلحاق و على أن النفقة للحمل إذا بانت من زوجها، و إلا فلا، و عليها الاعتداد بالوضع إن تزوجت بغير زوج الكبيرة، و لو ساحقت جارية لها و ادعت الجارية الإكراه حدت السيدة دونها، و الله العالم.

[أما القيادة]

و أما القيادة فهي الجمع من الرجل أو المرأة بين الرجال و النساء للزناء أو بين الرجال و الرجال و لو صبيانا للواط بل عن الغنية و الجامع و الإصباح زيادة أو بين النساء و النساء للسحق و إن لم أتحققه لغة بل و لا عرفا، بل ستسمع الاقتصار في الخبر على الأول.

و على كل حال فلا خلاف في حرمتها، بل لعله من الضروريات و عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «من قاد بين رجل و امرأة حراما حرم الله عليه الجنة و مأواه جهنم و ساءت مصيرا».

و يثبت بالإقرار مرتين مع بلوغ المقر و كماله و حريته و اختياره بلا خلاف أجده فيه، و كأنه لفحوى اعتبار الأربع في ما تثبته شهادة الأربع و لذا قال في محكي المراسم: «كل ما يثبته شاهدان من الحدود فالإقرار فيه مرتان» و نحوه عن المختلف، نعم لو أقر مرة عزر كما عن التحرير لما عرفته غير مرة في نظائره و إن ناقش فيه بعض الناس، بل قال هنا أيضا: «لم أعرف المستند في اعتبار المرتين، أي إن كان هو العموم فمقتضاه الاكتفاء بالمرة» قلت: لعله ما عرفت بعد الاتفاق عليه ظاهرا و بناء الحدود على التخفيف، فالأصل عدم ثبوته إلا بالمتيقن الذي هو بالإقرار مرتين المنزل منزلة الشهادة على نفسه كذلك، فيكون كشاهدين.

و على كل حال فلا عبرة بإقرار الصبي و المجنون و العبد و المكره، لسلب العبارة في الأولين و كونه في حق الغير في الثالث، و ما دل على اعتبار الاختيار في نحوه في الرابع، نعم يؤدب غير البالغ كما في غيره

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 2 من كتاب النكاح.

400

من الفواحش.

و تثبت أيضا بشهادة شاهدين عدلين بلا خلاف و لا إشكال بعد إطلاق ما دل على حجيتها الشامل للمقام، و لا تثبت بشهادة النساء منفردات أو منضمات، لما عرفته في محله.

و مع ثبوته يجب على القواد خمس و سبعون جلدة ثلاثة أرباع حد الزاني رجلا كان أو امرأة بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك و محكي الانتصار و الغنية الإجماع عليه، مضافا إلى

خبر عبد الله بن سنان (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن القواد ما حده؟

قال: لا حد على القواد، أ ليس إنما يعطى الأجر على أن يقود، قلت:

جعلت فداك إنما يجمع بين الذكر و الأنثى حراما، قال: ذلك المؤلف بين الذكر و الأنثى حراما، قلت: هو ذاك جعلت فداك، قال: يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة و سبعين سوطا و ينفى من المصر الذي هو فيه».

و لكن ليس فيه ما قيل من أنه يحلق رأسه و يشهر بل هو مشهور بين الأصحاب الذين منهم ابن إدريس الذي لا يعمل بأخبار الآحاد، بل عن الانتصار و الغنية الإجماع عليه، و لعل ذلك كاف في ثبوت مثله، مضافا إلى إشعار النفي المراد منه شهرته بذلك خصوصا بعد وروده في مثله، كما عرفت. فما عساه يظهر من المصنف من التردد في ذلك، بل عن ابن الجنيد الاقتصار على مضمون الخبر المزبور، بل مال إليه في المسالك في غير محله.

و لا خلاف في أنه يستوي فيه الحر و العبد و المسلم و الكافر بل عن الانتصار و الغنية الإجماع عليه، للإطلاق.

و هل ينفى عن مصره إلى غيره من الأمصار بأول مرة؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد السحق- الحديث 1.

401

قال الشيخ في النهاية و تبعه ابنا إدريس و سعيد في محكي السرائر و الجامع نعم، و قال المفيد و ابنا زهرة و حمزة و سلار و غيرهم على ما حكي ينفى في الثانية، و الأول مروي في الخبر (1) السابق الذي هو الأصل في المسألة، قيل: و نحوه الرضوي (2) و إن لم يصرح فيهما بذلك إلا أن ظاهرهما ذلك، و لكن لا ريب أن الأحوط الثاني، بل عن الغنية الإجماع عليه، بل في الرياض لعله المتعين، ترجيحا للإجماع المزبور على الرواية من وجوه: منها صراحة الدلالة فتقيد به الرواية. و على كل حال فليس في الخبر تحديد له، فينبغي أن يكون حده التوبة، إذ بدونها يصدق عليه اسمه، و في الرياض «و في الرضوي و غيره روي أن المراد به الحبس سنة أو يتوب، و الرواية مرسلة فلا يعدل بها عن الظاهر بلا شبهة» و في كشف اللثام في بعض الأخبار النفي هو الحبس سنة، و قال ابن زهرة: و روي أنه إن عاد ثالثة جلد، فان عاد رابعة عرضت عليه التوبة، فان أبى قتل، و إن أجاب قبلت توبته و جلد، فان عاد خامسة بعد التوبة قتل من غير أن يستتاب، و أفتى به الحلبي و في المختلف و نحن في ذلك من المتوقفين، قلت: بل ينبغي العمل بما دل على قتل أصحاب الكبائر في الثالثة أو الرابعة بعد تخلل الحد، هذا كله في الرجل.

و أما المرأة فتجلد بلا خلاف و لكن ليس عليها جز و لا شهرة و لا نفي اتفاقا على الظاهر منهم، كما اعترف به في كشف اللثام، بل عن الانتصار و الغنية الإجماع عليه، مضافا إلى الأصل بل في الرياض «و اختصاص الفتوى و الرواية بحكم التبادر بالرجل دون

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد السحق- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 5- من أبواب حد السحق و القيادة- الحديث 1.

402

المرأة، مع منافاة النفي و الشهرة لما يجب مراعاته» و إن كان فيه أنه لا دليل حينئذ على جلدها، اللهم إلا أن يكون مستنده الإجماع على هذا التقدير، و الله العالم.

[الباب الثالث في حد القذف]

الباب الثالث في حد القذف الذي هو أحد السبع الموبقات: الشرك بالله، و السحر، و قتل النفس التي حرم الله، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات (1) و أصله الرمي، يقال: قذف بالحجارة:

رماها كأن الساب يرمي المسبوب بالكلمة المؤذية، و حده قد اتفق عليه الكتاب (2) و السنة (3) و الإجماع.

[الأمور الأربعة]

و على كل حال ف النظر في أمور أربعة:

[الأول في الموجب]

الأول في الموجب: و هو الرمي بالزناء أو اللواط و أما السحق ففي القواعد الاشكال فيه، و لعله من أنه كالزنا، و لذا كان فيه حده، و اعتبرت فيه شهادة الأربع و الإقرار كذلك فتعمه آية الرمي (4) بل عن أبي علي و المصنف

____________

(1) إشارة إلى ما رواه في الوسائل في- الباب- 46- من أبواب جهاد النفس- الحديث 34 من كتاب الجهاد.

(2) سورة النور: 24- الآية 4.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد القذف.

(4) سورة النور: 24- الآية 4.

403

اختياره، و من الأصل و حصر الفرية في ثلاث في حسن ابن سنان (1) الآتي و هو الأقوى وفاقا للمحكي عن السرائر و المختلف، فيكون القذف حينئذ ما عرفت كقوله زنيت أو لطت بالفتح أو ليط بك أو أنت زان أو لائط على إشكال أو منكوح في دبره أو يا زاني أو يا منكوحا في دبره و ما يؤدي هذا المعنى صريحا كالنيك و إدخال الحشفة حراما مع معرفة القائل بموضوع اللفظ بأي لغة اتفق و إن لم يعرف ذلك المخاطب.

قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حسن ابن سنان (2) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الفرية ثلاث يعني ثلاث وجوه: رمي الرجل بالزناء، و إذا قال: إن أمه زانية، و إذا ادعى لغير أبيه، فذلك فيه حد ثمانون»

و قال أيضا في خبر عباد ابن صهيب (3): «كان علي (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل للرجل: يا معفوجا و منكوحا في دبره فان عليه الحد حد القاذف»

و في خبر وهب بن وهب (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) لم يكن يحد في التعريض حتى يأتي بالفرية المصرحة، مثل يا زاني يا بن الزانية و لست لأبيك»

و نحوه خبر إسحاق بن عمار عنه (عليه السلام) (5) و لعل المراد بالصراحة ما يشمل الظاهر عرفا و إن أشكل بوجود الاحتمال الذي يدرأ به الحد، لكن ظاهرهم كما اعترف به الاتفاق على الحد بذلك، و لعله للنصوص المزبورة، و لصدق الرمي عرفا.

و لو قال لولده الذي أقر به أو حكم له به شرعا لست

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 9.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 6.

404

ولدي وجب عليه الحد، و كذا لو قال لغيره: لست لأبيك بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في المسالك هذه الصيغة عندنا من ألفاظ القذف الصريح لغة و عرفا فيثبت بها الحد لأمه، و في خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «من أقر بولد ثم نفاه جلد الحد، و ألزم الولد»

و قد سمعت التصريح بالثانية في النصوص السابقة (2) نعم عن بعض العامة عدم القذف بالأولى، لاحتياج الأب إلى تأديب ولده بمثل ذلك زجرا له و ازدراء من أنه ليس مثله في الخصال التي كان يتوقعها منه و فيه أن الظاهر عدم الحد مع فرض إرادة ذلك كما هو مستعمل في العرف كثيرا، ضرورة عدم الرمي بمثله عرفا إنما الكلام في ثبوت القذف به مع عدم القرينة على إرادة التجوز المزبور به، و لا ريب في صدق القذف عرفا به، و عن العلاء بن فضيل (3) أنه قال للصادق (عليه السلام):

«الرجل ينتفى من ولده و قد أقر به، فقال: إن كان الولد من حرة جلد خمسين سوطا حد المملوك، و إن كان من أمة فلا شيء عليه»

و هو كما في كشف اللثام ضعيف متروك، و بذلك كله يظهر لك أن المدار على العرف في ذلك كله، و إلا فاحتمال الإكراه و الشبهة و نحوهما في ذلك قائم.

و لو قال: يا زوج الزانية فالحد للزوجة، و كذا لو قال: يا أخا الزانية فالحد لمن نسب إليها الزناء دون المواجه بالخطاب الذي لم ينسب إليه شيء، كما هو واضح. نعم قد يكون عليه التعزير له للإيذاء و لو قال: زنت بك أمك أو يا بن الزانية فهو قذف للأم، و كذا لو قال:

زنى بك أبوك أو يا بن الزاني فهو قذف لأبيه و كذا لو قال:

يا بن الزانيين فهو قذف لهما، و يثبت به الحد و لو كان المواجه كافرا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 6 و 9.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

405

لأن المقذوف ممن يجب له الحد بلا خلاف و لا إشكال في ذلك، نعم الظاهر التعزير زيادة على الحد باعتبار إيذائه المواجه بذلك مع فرض احترامه. و بذلك تظهر فائدة تعيين المقذوف من الأبوين و المواجه، ضرورة اختلاف الحكم في ذلك باختلافه، فيتوقف على مرافعة المستحق و على تحقق شرائط الحد بقذفه، و نحو ذلك، و الله العالم.

و لو قال: ولدت من الزناء ففي وجوب الحد لأمه تردد، لاحتمال انفراد الأب بالزناء و الأم مكرهة أو مشتبهة، فإنه تصدق الولادة من الزناء، و يحتمل انفراد الأم، و الأب مكره أو مشتبه و لا يثبت الحد مع الاحتمال لا للمواجه، لعدم نسبة شيء إليه. و لا للأم لاحتمال الأب، و لا للأب، لاحتمال الأم، فإنه إذا تعدد الاحتمال في اللفظ بالنسبة إلى كل منهما لم يعلم كونه قذفا لأحدهما بخصوصه و لا المستحق فتحصل الشبهة الدارئة له، و صراحة اللفظ في القذف مع اشتباه المقذوف لا تجدي، لتوقفه على مطالبة المستحق، و هو غير معلوم كما لو سمع واحد يقذف أحدا بلفظ صريح و لم يعلم المقذوف، فإنه لا يحد بذلك.

لكن في المسالك «يمكن الفرق بانحصار الحق في المتنازع في الأبوين فإذا اجتمعا على المطالبة تحتم الحد بمطالبة المستحق قطعا و إن لم يعلم عينه.

و لعل هذا أجود، نعم لو انفرد أحدهما بالمطالبة تحقق الاشتباه و اتجه عدم الثبوت، لعدم العلم بمطالبة المستحق» قلت: قد يمنع ظهور الأدلة في ثبوت الحد في الفرض الذي ذكره أيضا و الأصل العدم، مضافا إلى بنائه على التخفيف و سقوطه بالشبهة.

و من ذلك يعلم الحال في ما لو قال: أحدهما زان لا على التعيين الذي استشكل فيه في القواعد من ثبوت حق في ذمته و قد أبهمه فلنا المطالبة بالقصد، و من أن في ذلك إشاعة الفاحشة و زيادة في الإيذاء و التعبير،

406

فليس إلا إيجاب حد لهما لا يقام إلا عند اجتماعهما لانحصار الحد فيهما، و في كشف اللثام و هو الأقوى، و فيه ما سمعته. نعم عن الشيخين و القاضي و المصنف في النكت و جماعة أنه للأم لاختصاصها بالولادة ظاهرا، خصوصا بعد التعدية بحرف الجر الظاهر في ذلك عرفا، و فيه منع الدلالة عرفا على وجه يتحقق بها مسمى القذف، و عن الفاضل و الشهيد أن متعلقة الأبوان معا، لأن نسبته إليهما واحدة فلا اختصاص لأحدهما دون الآخر، و لأن الولادة إنما تتم بهما، فهما والدان لغة و عرفا، و قد نسبت الولادة إلى الزناء و هي قائمة بهما، فيكون القذف لهما، قلت: الانصاف تحقق الاشتباه موضوعا و حكما، فالمتجه السقوط في العبارة المزبورة.

أما لو قال: ولدتك أمك من الزناء فهو قذف للأم و إن لم نقل به في الأولى باعتبار التصريح بها هنا بخلافها، و فيه أن التصريح بها لا يقتضي كونها الزانية ضرورة احتمال كون الزاني الأب دونها و يصدق أنها ولدته من الزناء و إن كان هذا الاحتمال أضعف منه في العبارة الأولى، و لكنه يكون سببا للسقوط باعتبار تحقق الشبهة به، لعدم ظهور في اللفظ عرفا على وجه يعمل به بحيث لا تصدق معه الشبهة عرفا الذي عليه المدار. و لذا قال المصنف و لعل الأشبه عندي التوقف لتطرق الاحتمال و إن ضعف و هو لا يخلو من قوة و لو قال: يا زوج الزانية فالحد للزوجة، و كذا لو قال: يا أبا الزانية أو يا أخا الزانية فالحد لمن نسب إليها الزناء دون المواجه و لو قال: زنيت بفلانة أو لطت بفلان بالفتح فالقذف للمواجه ثابت بلا خلاف و لا إشكال و في ثبوته للمنسوب إليه خلاف و تردد، قال الشيخ في النهاية و المبسوط: يثبت حدان و نحوه عن المفيد و جماعة، بل عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه لأنه