جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
407

أي الزناء فعل واحد متى كذب في أحدهما كذب في الآخر إذ هو واقع بين اثنين نسبة أحدهما إليه بالفاعلية كنسبة الآخر إليه بالمفعولية فهو قذف لهما و اعترضه المصنف بأنه نحن لا نسلم أنه فعل واحد، لأن موجب الحد في الفاعل غير الموجب في المفعول، و حينئذ يمكن أن يكون أحدهما مختارا دون صاحبه فهو حينئذ إن لم يكن متعددا حقيقة فحكما باعتبار اختلاف الحكم، فلا أقل من تحقق الشبهة الدارئة بذلك، بل قيل: إنه يدل عليه ظاهر

الصحيح (1) الوارد في نظير البحث «في رجل قال لامرأته: يا زانية أنا زنيت بك، قال:

عليه حد واحد لقذفه إياها، و أما قوله أنا زنيت بك فلا حد عليه فيه إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات عند الامام»

من حيث نفي الحد فيه أصلا و إن كان فيه ما فيه، و ترتب الحد بقوله: منكوح في دبره، للإجماع و النص أو للدلالة العرفية لا يقتضي ثبوته في الفرض، و من هنا كان المحكي عن ابن إدريس و الفاضل في التحرير العدم، و هو لا يخلو من قوة خلافا لثاني الشهيدين و غيره، و حيث يحكم بثبوته لهما يجب لهما حدان و إن اجتمعا في المطالبة لتعدد اللفظ، و لذا لو اقتصر على قول: زنيت من دون أن يذكر الآخر تحقق القذف للمواجه فيكون الآخر حاصلا بضميمة لفظ آخر، و الله العالم.

و لو قال لابن الملاعنة يا ابن الزانية أو لها يا زانية فعليه الحد بلا خلاف و لا إشكال لصدق الرمي،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر سلمان (2) «يجلد القاذف للملاعنة»

و في الحسن (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل قذف ملاعنة قال: عليه الحد»

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد القذف- الحديث 1 عن سليمان.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

408

و سأله (عليه السلام) أبو بصير (1) أيضا «عن رجل قذف امرأته فتلاعنا ثم قذفها بعد ما تفرقا أيضا بالزناء أ فعليه حد؟ قال: نعم عليه حد»

إلى غير ذلك.

و لو قال لابن المحدودة: يا بن الزانية أو لها يا زانية قبل التوبة لم يجب به الحد للأصل و عدم الفرية عليها في ذلك، و الفرق بينها و بين الملاعنة أن شهادات الزوج ليست كالبينة الموجبة لثبوت الزناء في حقها و لذا كان لها دفعها باللعان بخلاف البينة التي تخرج بها عن الإحصان الذي هو شرط الحد على القاذف.

نعم لو قال ذلك بعد التوبة: يثبت الحد

قال الهاشمي (2): «سألت أبا عبد الله و أبا الحسن (عليهما السلام) عن امرأة زنت فأتت بولد و أقرت عند إمام المسلمين أنها زنت و أن ولدها من الزناء فأقيم عليها الحد، و أن ذلك الولد نشأ حتى صار رجلا فافترى عليه رجل هل يجلد من افترى عليه؟ فقال: يجلد و لا يجلد، فقلت: كيف يجلد و لا يجلد؟ فقال: من قال له: يا ولد الزناء لم يجلد، و إنما يعزر، و هو دون الحد، و من قال له يا بن الزانية جلد الحد تاما، فقلت: و كيف صار هذا هكذا؟ فقال: إنه إذا قال يا ولد الزناء كان قد صدق فيه و عزر على تعيير أمه ثانية، و قد أقيم عليها الحد، و إذا قال له: يا بن الزانية جلد الحد تاما لفريته عليها بعد إظهارها التوبة و إقامة الامام عليها الحد»

و الله العالم.

و لو قال لامرأته أو غيرها زنيت بك فلها حد عليه على التردد المذكور في قوله: زنيت بفلانة و لا يثبت

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

409

في طرفه حد الزناء حتى يقر أربعا كما عرفت.

و لو قال: يا ديوث أو يا كشخان أو يا قرنان أو غير ذلك من الألفاظ فإن أفادت القذف في عرف القائل لزمه الحد لصدق الرمي و كذا لو كانت مفيدة في عرف المواجه و قالها له جريا على عرفه و إن لم يعرف فائدتها أو كانت مفيدة لغيره فلا حد بلا خلاف، بل عن الخلاف الإجماع للأصل و غيره. نعم يعزر إن أفادت فائدة يكرهها المواجه كنفي الغيرة و نحوه بلا خلاف أجده في شيء من ذلك.

نعم عن أهل اللغة القرنان: القذف بالأخت، و الكشخان القذف بالأم، و الديوث القذف بالزوجة، و لكن عن تغلب القرنان و الكشخان لم أرهما في كلام العرب، و معناه عند العامة مثل الديوث أو قريب منه و في المسالك قيل: إن الديوث هو الذي يدخل الرجال على امرأته، و قيل: القرنان: من يدخلهم على بناته و الكشخان على أخواته إلى غير ذلك، و المدار على ما عرفته في النصوص و الفتاوى، و ما عن الكافي و الفقيه و الإصباح من الحد بالرمي بالقحوبة أو الفجور أو العهر أو العلوقية أو الابنة أو الفسق أو قوله: يا كشخان مبني على إفادتها في العرف الزناء أو اللواط و حكي عنهم التصريح بذلك، فلا خلاف و إن كان ذلك في لفظ الفسق واضح المنع، خصوصا بعد ما في الخبر (1) أنه سئل الصادق (عليه السلام) «عن رجل قال لآخر: يا فاسق، فقال: لا حد عليه و يعزر»

و الله العالم.

و كذا كل تعريض بما يكرهه المواجه و لم يوضع للقذف لغة و لا عرفا يثبت به التعزير لا الحد بلا خلاف أجده فيه بيننا، نعم عن مالك أنه يجعله قذفا عند الغضب دون الرضا، و يمكن إرادته

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

410

الدال منه عرفا على ذلك لا غيره مما لم يكن كذلك، اللهم إلا أن يقال:

إن التعريض الذي نفوا الحد فيه دال عرفا بدلالة التعريض إلا أنها غير معتبرة في ثبوت القذف، للأصل و اعتبار التصريح في ما سمعته من الخبر و بناء الحد على التخفيف و غير ذلك. و من هنا صرح في الرياض بعدم اعتبار التعريض المزبور.

و على كل حال ففي

خبر أبي بصير (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «سباب المؤمن فسوق»

و في صحيح عبد الرحمن (2) «سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل سب رجلا بغير قذف فعرض به هل يجلد؟ قال: لا، عليه تعزير»

و في خبر أبي مريم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الهجاء بالتعزير»

و في خبر إسحاق بن عمار (4) «أن عليا (عليه السلام) كان يعزر في الهجاء»

و في خبر المعلى بن خنيس (5) عن الصادق (عليه السلام) «ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن»

و في خبر المفضل بن عمر (6) «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين العدو لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم فيقول: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين و نصبوا لهم و عاندوهم و عنفوهم في دينهم، قال: ثم يؤمر بهم إلى جهنم، قال: كانوا و الله يقولون بقولهم، و لكن حبسوا حقوقهم و أذاعوا عليهم سرهم»

و في خبر الحسين بن أبي العلاء (7) عن الصادق (عليه السلام) «أنه شكا رجل

____________

(1) الوسائل- الباب- 158- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 147- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 1 من كتاب الحج.

(6) الوسائل- الباب- 145- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 من كتاب الحج.

(7) الوسائل- الباب- 24- من أبواب حد القذف- الحديث 1 نقل بالمعنى.

411

إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قال: احتلمت بأمك، فقال:

سنضربه ضربا وجيعا حتى أنه لم يؤذ المؤمنين، فضربه ضربا وجيعا»

إلى غير ذلك مما دل على التعزير في نحوه.

كقوله أنت ولد حرام أو لست ولد حلال، فإنه ليس بقذف أيضا عندنا إلا مع القرينة، لاحتمال الحمل في الحيض أو الصوم أو الإحرام، و ما عن ابن إدريس من مساواته لابن الزناء عرفا محمول على القرائن أو دعوى الدلالة عرفا لا مطلقا كما هو واضح.

إنما الكلام في ما أشرنا إليه من ثبوت القذف و عدمه في الدلالة التعريضية التي هي قسم من الكناية بالمعنى الأعم، و لعله غير التعريض الذي ذكره المصنف، لقوله: «المواجه» نعم في الرياض تفسير عبارة النافع بالتعريض المتعارف الدال بالدلالة التعريضية جازما بعدم ترتب القذف عليه، و لكنه لا يخلو من تأمل و إن ذكرنا وجهه آنفا.

و كذا يثبت التعزير دون الحد لو قال: أنت ولد شبهة أو حملت بك أمك في حيضها أو يقول لزوجته: لم أجدك عذراء قاصدا الإزراء بها،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): «في رجل قال لامرأته: لم أجدك عذراء، قال: يضرب فإنه يوشك أن ينتهي»

و المراد من الضرب فيه التعزير، خصوصا بعد ما في الفقيه، و في خبر آخر (2) «ان العذرة قد تسقط من غير جماع، و قد تذهب بالنكبة و العثرة و السقطة»

و في خبر يونس (3) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل قال لامرأته: لم تأتني عذراء، قال: ليس بشيء، لأن العذرة تذهب بغير جماع»

إلى غير ذلك، و ما عن الحسن من وجوب الحد به

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من كتاب اللعان- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 17- من كتاب اللعان- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 17- من كتاب اللعان- الحديث 1 عن يونس عن زرارة.

412

محمول على إرادة القذف به، ك

صحيح ابن سنان (1) «إذا قال الرجل لامرأته: لم أجدك عذراء و ليست له بينة يجلد الحد و يخلى بينه و بين امرأته»

كما عساه يومئ إليه قوله (عليه السلام): «و ليست له بينة» بل عن أبي علي الموافقة له على ذلك عند السباب أو يراد من الحد فيه التعزير، كما أنه يراد من نفي الشيء عليه في ما تقدم حال عدم قصد الإيذاء و التعيير، بل كان ذلك لتحقيق حق و نحوه.

أو يقول: يا فاسق أو يا شارب الخمر و نحو ذلك، و هو متظاهر بالستر و إلا لم يكن عليه التعزير بذلك كما ستعرف.

أو يا خنزير أو يا كلب أو يا حقير أو يا وضيع و نحوهما فعن

جراح المدائني (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا قال الرجل:

أنت خبيث أو خنزير فليس فيه حد، و لكن فيه موعظة، و بعض العقوبة»

أو يقول: يا وضيع أو يا حقير أو يا نجس أو يا لئيم أو نحو ذلك، ففي

خبر أبي مخلد السراج (3) عن الصادق (عليه السلام) «أنه قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل دعا آخر يا بن المجنون، فقال الآخر: أنت ابن المجنون فأمر أن يجلد الأول صاحبه عشرين جلدة، و قال له: اعلم أنك ستعقب مثلها عشرين فلما جلد أعطي المجلود السوط فجلده نكالا لا ينكل بها».

و لو كان المقول له مستحقا للاستخفاف لكفر أو ابتداع أو تجاهر بفسق فلا حد و لا تعزير بلا خلاف، بل عن الغنية الإجماع عليه، بل و لا إشكال، بل يترتب له الأجر على ذلك، فقد

ورد (4) أن من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب،

و ورد (5) أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من كتاب اللعان- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

(4) بحار الأنوار ج 72 ص 204.

(5) لم أعثر عليهما عاجلا.

413

«زينوا مجالسكم بغيبة الفاسقين»

و عن الصادق (عليه السلام) (1) «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة»

و في النبوي (2) «إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و القول فيهم و أهينوهم (و باهتوهم خ ل) لئلا يطمعوا في الفساد في الإسلام و يحذرهم الناس و لا تتعلموا من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات»

إلى غير ذلك مما هو دال على ذلك و إن لم يكن من النهي عن المنكر، بل هو ظاهر الفتاوى أيضا بل قد يترتب التعزير على تارك ذلك إذا كان في مقام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الواجبين عليه، لحصول الشروط.

نعم ليس كذلك ما لا يسوغ لقاؤه به من الرمي بما لا يفعله، ففي

حسن الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) «أنه نهى عن قذف من كان على غير الإسلام إلا أن يكون اطلعت على ذلك منه»

و كذا في صحيحه (4) عنه (عليه السلام) و زاد فيه «أيسر ما يكون أن يكون قد كذب»

نعم يترتب التعزير على ما سمعته سابقا في حق غير المستحق و كذا كل ما يوجب أذى كقوله: يا أجذم أو يا أبرص أو يا أعور أو نحو ذلك و إن كان فيه، إذ ذلك أشد عليه، كما هو واضح، و الله العالم.

[الثاني في القاذف]

الثاني: في القاذف و لا خلاف بل الإجماع بقسميه عليه كما لا إشكال في أنه يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل، فلو قذف الصبي لم يحد لرفع القلم عنه كما في غيره من الحدود، و في صحيح

____________

(1) الوسائل- الباب- 154- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 4 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

414

الفضيل بن يسار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا حد لمن لا عليه حد، يعني لو أن مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا، و لو قذفه رجل فقال له: يا زاني لم يكن عليه حد»

و في خبر أبي مريم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سأله عن الغلام لم يحتلم يقذف الرجل هل يحد؟ قال: لا، و ذلك لو أن رجلا قذف الغلام لم يحد»

إلى غير ذلك و لكن لو قذف عزر مع تمييزه على وجه يؤثر التعزير فيه كفا عن مثل ذلك. و على كل حال فلا حد عليه و إن كان قذف مسلما بالغا حرا فضلا عن غيره.

و كذا الكلام في المجنون الذي هو مثله في رفع القلم أيضا و غيره و في اعتبار تأثير التعزير فيه و في غير ذلك، و قد سمعت التصريح به في الصحيح السابق، نعم لو كان أدوارا و قذف في دور الصحة حد و لو حال الجنون مع احتمال تأخره إلى دور العقل، و كذا الكلام في العاقل لو لم يحد حتى جن، و قد مر الكلام في نظير ذلك و لو ادعى المقذوف صدوره حال إفاقته و له حالة جنون فادعى صدوره حينه أو ادعى صدوره حال بلوغه و القاذف حال صباه ففي القواعد قدم قول القاذف و لا يمين، و لعله للشبهة بعد عدم الالتفات إلى الأصول هنا كما تكرر منا في نظائره.

و كذا يعتبر فيه أيضا القصد، ضرورة عدم شيء على غير القاصد كالساهي و الغافل و النائم، و على كل حال فلا حد و لا تعزير على غير القاصد، نعم في السكران إشكال أقواه ترتب الحد عليه كالصاحي،

____________

(1) الوسائل الباب- 19- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

415

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في علة حد شارب الخمر ثمانين (1) أنه «إذا سكر قذف هذا و آذى هذا و افترى و حد المفتري ثمانون»

و يعتبر فيه الاختيار فلا حد على المكره قطعا.

و هل يشترط في وجوب الحد الكامل الحرية؟ قيل و القائل الصدوق و الشيخ في محكي الهداية و المبسوط نعم للأصل، و قوله تعالى (2) «فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» و خبر القاسم بن سليمان (3) سأل الصادق (عليه السلام) «عن العبد يفتري على الحر كم يجلد؟ قال: أربعين»

و نحوه خبر حماد ابن عثمان (4) و قاعدة التنصيف.

و قيل و القائل المشهور شهرة كادت تكون إجماعا بل هي كذلك في محكي الخلاف و غيره لا يشترط لعموم الآية (5) و ما شابهها من النصوص (6) و خصوص

حسن الحلبي (7) «إذا قذف العبد الحر جلد ثمانين، قال: هذا من حقوق الناس»

و خبر أبي بكر الحضرمي (8) «سأله عن عبد قذف حرا، فقال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله تعالى فإنه يضرب نصف الحد»

و بذلك ينقطع الأصل و القاعدة و تخص الفاحشة بغيره، بل قيل:

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر- الحديث 4 و فيه

«إذا سكر هذى و إذا هذى افترى، فاجلدوه حد المفتري»

. (2) سورة النساء: 4- الآية 25.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 15.

(4) لم نجد لحماد بن عثمان خبرا بهذا المضمون.

(5) سورة النور: 24- الآية 4.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد القذف.

(7) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

(8) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 10.

416

إنها ظاهرة في الزناء، بل عن المفسرين إرادته منها هنا، و الخبران مع قصورهما عن المعارضة من وجوه محتملان للتقية، فلا ريب في أن الثاني أقوى، و من الغريب ترك المصنف الترجيح هنا مع ظهوره، و أما

صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «العبد يفتري على الحر، فقال: يجلد حدا إلا سوطا أو سوطين»

و خبر سماعة (2) «سأله عن المملوك يفتري على الحر فقال: عليه خمسون جلدة»

فلم أجد عاملا بهما فلا بأس بحملهما- كما عن الشيخ- على الافتراء بغير القذف الموجب للتعزير.

و أما

صحيح محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المملوك يدعو الرجل لغير أبيه قال: أرى أن يفري جلده، قال: و قال في رجل دعي لغير أبيه أقم بينتك أمكنك منه، فلما أتى بالبينة قال: أمه كانت أمة، قال: ليس عليه حد، سبه كما سبك أو اعف عنه إن شئت»

ففي التهذيب تضعيفه، و أنه مخالف للقرآن و الأخبار الصحيحة، و أنه مشتمل على ما لا يجوز من أمير المؤمنين (عليه السلام) من سب الخصم الذي من الواجب عليه أن يأخذ له بحقه من إقامة الحد أو التعزير، و الفري بالفاء و الراء المهملة الشق، و عن الاستبصار بالعين المهملة، و أوله باحتمال أن يكون إنما يعرى جلده ليقام عليه الحد، و لا يخفى عليك بعده، مع أنه لا تعرى في حد القذف، كما ستسمع إن شاء الله.

و كيف كان فعلى الأول يثبت نصف الحد، و على الثاني يثبت الحد كاملا، و هو ثمانون كما هو واضح و قلنا بالأول

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 19.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 20.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 16 و 17.

417

و ادعى المقذوف على القاذف الحرية ليترتب عليه كمال الحد و أنكر القاذف فان ثبت أحدهما عمل عليه بلا خلاف و لا إشكال و إن جهل ففيه تردد من أصلي الحرية و البراءة أظهره أن القول قول القاذف لتطرق الاحتمال الناشئ من تعارض الأصلين فيوجب الشبهة الدارئة للحد كما عن الخلاف خلافا لما عن المبسوط و إن كان المفروض فيهما ادعاه المقذوف حرية نفسه و القاذف رقه، لكنهما من واد واحد، بل يمكن تنزيل عبارة المصنف عليه، و الله العالم.

[الثالث في المقذوف]

الثالث: في المقذوف، و يشترط فيه الإحصان المشترك بين التزويج و الإسلام و الحرية و غيرها و لكن هو هنا عبارة عن البلوغ و كمال العقل و الحرية و الإسلام و العفة بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه فمن استكملها وجب بقذفه الحد مع استكمال القاذف شرائطه المزبورة و من فقدها أو بعضها فلا حد و فيه التعزير في الأخير كمن قذف صبيا أو صبية لما عرفت. و صحيح الفضيل بن يسار (1) و خبر أبي مريم (2) السابقين، و في خبر أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يقذف الصبية يجلد، قال لا، حتى تبلغ».

أو مملوكا ل

خبر أبي بصير (4) «من افترى على مملوك عزر لحرمة الإسلام»

و خبر عبيد بن زرارة (5) «لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما لا نعلم منه إلا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطا».

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

418

أو كافرا ل

خبر إسماعيل بن الفضيل (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الافتراء على أهل الذمة و أهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: لا، و لكن يعزر»

و قد تقدم ما في حسن الحلبي (2) و صحيحه.

أو متظاهرا بالزناء أو اللواط فإنه لا حرمة له، بل الظاهر عدم التعزير و إن كان هو ظاهر المتن و غيره، إلا أن الأصل و ما سمعته من النصوص السابقة يقتضي عدمه، نعم لو لم يكن متظاهرا بالزناء و اللواط اتجه تمام الحد على قاذفه و إن كان متظاهرا بالفسق، لإطلاق الأدلة أو عمومها، اللهم إلا أن يعارض ذلك بما سمعته مما دل على حرمته للمتظاهر بالفسق، و يمكن تنزيله على غير القذف.

و على كل حال ف

في مرسل يونس «كل بالغ ذكر أو أنثى افترى على صغير أو كبير ذكر أو أنثى أو مسلم أو كافر أو حر أو عبد فعليه حد الفرية، و على غير البالغ حد الأدب»

و هو مطرح لفقده شرائط الحجية فضلا عن صلاحية المعارضة لما عرفت، أو محمول على ما عن الشيخ من الافتراء على أحد أبوي الصغير أو المملوك أو الكافر مع إسلامه و حريته، أو على إرادة التعزير من الحد فيه.

و قد ظهر لك مما ذكرنا وجوب الحد على المستكمل لما عرفت سواء كان القاذف مسلما أو كافرا حرا أو عبدا على الأصح الذي سمعته سابقا.

و لو قال للمسلم: يا بن الزانية، أو أمك زانية و كانت أمه كافرة أو أمة قال الشيخ في النهاية و تبعه عليه جماعة عليه الحد

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد السحق- الحديث 2 و 1.

419

تاما لحرمة ولدها و خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) عن الصادق (عليه السلام) «أنه سئل عن اليهودية و النصرانية تحت المسلم فيقذف ابنها، قال: يضرب القاذف، لأن المسلم قد حصنها»

و لكنه قاصر السند و لا جابر، بل الموهن محقق، فما عن المختلف من نفي البأس عن العمل به لوضوح طريقه لا يخفى ما فيه، بل و الدلالة فإن الضرب أعم من الحد، نعم عن الكافي روايته «و يضرب القاذف حدا» إلى آخره و يمكن إرادة التعزير منه، فما عن ابن الجنيد من القول بذلك مرسلا له عن الباقر (عليه السلام) راويا عن الطبري أن الأمر لم يزل على ذلك إلى أن أشار عبد الله بن عمر على عمر بن عبد العزيز بأن لا يحد مسلم في كافر فترك ذلك لم نتحققه. و حينئذ فلا ريب في أن الأشبه التعزير كما في المسالك و كشف اللثام بل في الرياض حكايته عن الحلي و عامة المتأخرين لإطلاق الأدلة المزبورة.

و لو قذف الأب ولده قذفا يوجب الحد لم يحد و عزر للحرمة لا لحق الولد، للأصل و عدم ثبوت عقوبة للولد على أبيه و لو قتله،

قال ابن مسلم في الحسن أو الصحيح (2) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزناء قال: لو قتله ما قتل به و إن قذفه لم يجلد له، قلت: فان قذف أبوه أمه قال: إن قذفها و انتفى من ولدها تلاعنا، و لم يلزم ذلك الولد الذي انتفى منه، و فرق بينهما، و لم تحل له أبدا، قال: و إن كان قال لابنه و أمه حية يا بن الزانية و لم ينتف من ولدها جلد الحد و لم يفرق بينهما، قال: و إن كان قال لابنه يا بن الزانية و أمه ميتة و لم يكن لها من يأخذ بحقها منه إلا ولدها منه فإنه لا يقام عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب حد القذف- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

420

الحد، لأن حق الحد قد صار لولده منها، و إن كان لها ولد من غيره فهو وليها يجلد له، و إن لم يكن لها ولد من غيره و كان لها قرابة يقومون بأخذ الحد جلد لهم».

و منه يعلم الوجه في ما ذكره المصنف بقوله و كذا لو قذف زوجته الميتة و لا وارث لها إلا ولده منها نعم لو كان لها ولد من غيره كان لهم الحد تاما و الله العالم.

و يحد الولد لو قذف أباه و الأم لو قذفت ولدها و كذا الأقارب للعمومات، نعم الأقرب وفاقا للقواعد أن الجد للأب أب عرفا، بل عن التحرير القطع به، خصوصا بعد عدم قتله به و مساواته في الحرمة دون الجد للأم التي هي تحد بقذف ولدها، لعدم سبقه إلى الفهم من الأب و إن كثر إطلاق الابن على السبط، و الله العالم.

[الرابع في الأحكام]

الرابع في الأحكام و فيه مسائل:

[المسألة الأولى إذا قذف جماعة واحدا بعد واحد فلكل واحد حد]

الأولى:

إذا قذف جماعة واحدا بعد واحد فلكل واحد حد سواء جاؤوا به مجتمعين أو متفرقين بلا خلاف أجده فيه إلا من الإسكافي، فاعتبر مع ذلك الإتيان به متفرقين، و إلا ضرب حدا واحدا، بل عن الغنية و السرائر الإجماع عليه، لقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، و خبر بريد العجلي (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يقذف القوم جميعا بكلمة واحدة فإذا لم يسمهم فإنما عليه حد واحد، و إن سمى فعليه لكل واحد حد»

و خبر الحسن العطار (2) قال للصادق (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد القذف- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

421

«رجل قذف قوما جميعا، فقال: بكلمة واحدة، قال: نعم، قال:

يضرب حدا واحدا، و إن فرق بينهم في القذف ضرب لكل واحد منهم حدا»

المنجبرين بما عرفت و المعتضدين بما سمعت.

نعم لو قذفهم بلفظ واحد كما لو قال هؤلاء زناة و جاؤوا به مجتمعين فللكل حد واحد، و إن افترقوا في المطالبة فلكل واحد حد بلا خلاف معتد به في الأخير بل و لا إشكال، لقاعدة تعدد السبب و غيرها بل و الأول، بل عن الغنية و السرائر الإجماع فيهما، ل

صحيح جميل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل افترى على قوم جماعة فقال:

إن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا، و إن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد حدا»

و نحوه

خبر محمد بن حمران (2) بناء على ظهور قوله:

«جماعة»

في إرادة القذف بكلمة واحدة و لو للجمع بينه و بين غيره مما سمعت.

فما عن الإسكافي- من الاتحاد مع اتحاد اللفظ مطلقا و التفصيل بين الإتيان به مجتمعين و متفرقين مع التعدد- غير واضح الوجه على وجه تنطبق عليه جميع النصوص المزبورة، خصوصا بعد ملاحظة الشهرة العظيمة و الإجماعين المزبورين.

فما عن الفاضل في المختلف- من نفي البأس عنه محتجا عليه بالصحيح المزبور الذي هو أوضح طريقا من غيره- لا يخلو من نظر، ضرورة عدم ظهور قوله: «جماعة» في إرادة القذف متعددا كي يتجه التفصيل المزبور، بل هو إما ظاهر في اتحاد اللفظ أو الأعم الذي لا قائل بالتفصيل فيه، على أنه لو سلم ظهوره منه خاصة فهو غير دال على تمام دعواه.

و في كشف اللثام بعد أن حكى قول الإسكافي المزبور قال: «بناء

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

422

على أن المراد من الوحدة في الخبرين الأولين الوحدة بالعدد، فيكون مفادهما أنه إذا قال أنتم أو هؤلاء زناة مثلا لم يحد إلا واحدا أتوا به جميعا أو أشتاتا، فان سماهم فقال فلان و فلان و فلان زناة مثلا حد لكل واحد حدا يعني إذا أتوا به متفرقين، بدليل الصحيح و غيره» و لكنه كما ترى، ضرورة أن ما ذكرناه من الجمع بالتقييد أو التخصيص بين النصوص و لو مع فرض التعارض من وجه للترجيح بما سمعته من الشهرة و محكي الإجماع و غير ذلك أولى من وجوه، فلا ريب في أن المشهور حينئذ أقوى.

و منه يعلم ضعف ما عن الصدوق في الفقيه و المقنع من أنه إن قذف قوما بكلمة واحدة فعليه حد واحد إذا لم يسمهم بأسمائهم، و إن سماهم فعليه لكل رجل سماه حد، و روى أنه إن أتوا به متفرقين ضرب لكل رجل منهم حد، و إن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا، و عكس في الهداية فأفتى بما جعله في الكتابين رواية، و جعل ما أفتى به فيهما رواية، و التحقيق الجامع بين النصوص ما عرفت، و الله العالم.

و هل الحكم في التعزير كذلك؟ قال جماعة منهم المفيد و سلار على ما حكي نعم بل في المسالك نسبته إلى المشهور للأولوية خلافا للمحكي عن ابن إدريس من العدم، لكونه من القياس الممنوع و نفى المصنف الخلاف، فقال و لا معنى للاختلاف هنا و ذلك لأن التعزير منوط بنظر الحاكم، و ليس له بالنسبة إلى كل واحد حد محدود، فهو يؤدب بسباب الجماعة بغير القذف بما يراه.

و فيه أنه يمكن أن تظهر الفائدة في ما لو زاد عدد المقذوفين على عدد أسواط الحد، فإنه مع الحكم بتعدد التعزير يجب ضربه أزيد من الحد ليخص كل واحد منهم سوطا فصاعدا، و على القول باتحاده لا يجوز له

423

بلوغ الحد بالتعزير مطلقا، نعم في كشف اللثام إذا كان التأديب لله تعالى كقذف الكفار و المجانين اتجه ما قاله، بل في المسالك «و قد تظهر الفائدة في صورة النقصان أيضا» قلت: قد يقال: إن المراد بايكاله إلى نظر الحاكم ما يشمل جعله السوط الواحد عن التعزير المتعدد لعظم الشخص مثلا و نحو ذلك، و الله العالم.

و كذا لك الكلام في ما لو قال يا بن الزانيين، فان الحد حينئذ لهما أي الأبوين و لكن القذف قد كان بلفظ واحد ف يحد حدا واحدا مع الاجتماع على المطالبة و حدين مع التعاقب لما عرفته مفصلا، و الله العالم.

[المسألة الثانية حد القذف موروث]

المسألة الثانية:

حد القذف موروث إذا لم يكن قد استوفاه المقذوف و لا عفا عنه بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى العمومات و إلى خصوص النصوص، منها صحيح محمد بن مسلم (1) المتقدم، و ما في خبر السكوني (2) من أن «الحد لا يورث»

- مع ضعفه و موافقته لما عن بعض العامة- محمول على إرادة عدم كونه موروثا على حسب المال و إن كان يرثه من يرث المال من الذكور و الإناث عدا الزوج و الزوجة و ما شابههما من ذوي الأسباب إلا الإمام في قول، إلا أنه ليس على حسب إرث المال من التوزيع بل هو ولاية لكل واحد من الورثة المطالبة به تاما و إن عفا الآخر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

424

قال الصادق (عليه السلام) في موثق الساباطي (1): «إن الحد لا يورث كما تورث الدية و المال و العقار، و لكن من قام به من الورثة و طلبه فهو وليه، و من تركه و لم يطلبه فلا حق له، و ذلك مثل رجل قذف رجلا و للمقذوف أخوان فإن عفا أحدهما عنه كان للآخر أن يطالبه بحقه، لأنها أمهما جميعا، و العفو إليهما جميعا»

و المراد بارث الامام أن له المطالبة و الاستيفاء، و أما العفو فقد قيل: إنه ليس له، بل عن الغنية الإجماع على ذلك، و لكن لا يخلو من نظر، و قد تقدم في المواريث (2) تمام الكلام في ذلك، فلاحظ.

[المسألة الثالثة لو قال ابنك زان أو لائط أو بنتك زانية فالحد لهما لا للمواجه]

المسألة الثالثة:

لو قال القاذف لآخر ابنك زان أو لائط أو بنتك زانية فالحد لهما لا للمواجه لأنهما المنسوب إليه دونه، فإنه لم ينسب إليه قبيحا، و حينئذ فالمطالبة لهما لا له فان سبقا بالاستيفاء أو العفو فلا بحث و لا خلاف و إن سبق الأب بأحدهما فالأكثر بل المشهور على عدم كون ذلك شيئا كما في غيره من الحقوق.

و لكن قال الشيخان في محكي المقنعة و النهاية:

له المطالبة و العفو لأن العار لا حق له و فيه إشكال، لأن المستحق موجود و له ولاية المطالبة، فلا يتسلط الأب كما في غيره، من الحقوق نعم له الاستيفاء إذا فرض ولايته عليهما على وجه لا يصلحان لاستيفائه، كما إذا كانا صغيرين و ورثاه، بل لا يبعد أن له العفو أيضا مع عدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) راجع ج 39 ص 43- 44.

425

المفسدة للإطلاق و إن استشكل فيه بعض.

[المسألة الرابعة إذا ورث الحد جماعة لم يسقط بعفو البعض فللباقين المطالبة بالحد تاما]

المسألة الرابعة:

إذا ورث الحد جماعة لم يسقط بعفو البعض، و حينئذ فللباقين المطالبة بالحد تاما و لو بقي واحد منهم بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغنية الإجماع عليه، مضافا إلى الموثق (1) المزبور الذي منه و من غيره يعلم عدم إرثه على حسب المال.

أما لو عفا الجماعة أو كان المستحق واحدا فعفا فقد سقط الحد بلا خلاف و لا إشكال، ضرورة كونه من حقوق الآدميين للقابلة للسقوط بالإسقاط و غيره، و لا فرق في ذلك بين قذف الزوجة و غيره، و لا بين العفو قبل المرافعة للحاكم و بعده، لأنه الأصل في كل حق، و ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر ضريس (2): «لا يعفى عن الحدود التي بيد الإمام، فأما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس أن يعفى عنه دون الامام».

نعم ليس له بعد العفو المطالبة، للأصل و خبري سماعة قال في أحدهما (3): «سألته عن الرجل يفتري على الرجل ثم يعفو عنه ثم يريد أن يجلده الحد بعد العفو، قال ليس ذلك له بعد العفو»

و نحوه الآخر عن الصادق (عليه السلام) (4) خلافا لما عن الشيخ في كتابي الأخبار و يحيى بن سعيد من

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

426

عدم العفو للزوجة بعد المرافعة، ل

صحيح ابن مسلم (1) «سألته عن الرجل يقذف امرأته، قال: يجلد، قلت: أ رأيت إن عفت عنه، قال: لا، و لا كرامة»

المحمول على ما بعد المرافعة جمعا بينه و بين ما دل على جواز العفو. و فيه أنه لا شاهد له، بل المتجه على تقدير العمل به تخصيصه أو تقييده إطلاق ما دل على العفو، و لذا كان المحكي عن الصدوق العمل به مطلقا، إلا أنه- مع شذوذه و إضماره و احتمال إرادة لا كرامة لها في العفو بمعنى أنه لا ينبغي صدوره منها و إعراض المشهور عنه- يقصر عن ذلك، و إن أمكن تأييده ب

قول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (2): «المسروق إن يهب السارق لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفع إليه، و إنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام، و ذلك قوله تعالى وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ (3) فإذا انتهى الحد إلى الامام فليس لأحد أن يتركه»

و خبر حمزة بن حمران (4) سأل أحدهما (عليهما السلام) «عن رجل أعتق نصف جاريته ثم قذفها بالزناء، فقال: أرى عليه خمسين جلدة، و يستغفر الله تعالى، قال: أ رأيت إن جعلته في حل و عفت عنه، قال: لا ضرب عليه إذا عفت عنه من قبل أن ترفعه»

إلا أنه مع كون الثاني منهما بالمفهوم غير جامعين لشرائط الحجية، فالمتجه أن له العفو مطلقا، و من هنا قال المصنف و لمستحق الحد أن يعفو قبل ثبوت حقه و بعده، و ليس للحاكم الاعتراض عليه بل قال و لا يقام إلا بعد مطالبة المستحق و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 3.

(3) سورة التوبة: 9- الآية 112.

(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

427

[المسألة الخامسة إذا تكرر الحد بتكرر القذف مرتين قتل في الثالثة و قيل في الرابعة]

المسألة الخامسة:

إذا تكرر الحد بتكرر القذف مرتين قتل في الثالثة للصحيح السابق (1) المتضمن لقتل أصحاب الكبائر فيها و قيل: يقتل في الرابعة، و هو أولى و أحوط لو لا الصحيح المزبور، اللهم إلا أن يكون من الشبهة باعتبار احتمال إلحاقه بما دل عليه في الزناء الذي هو أولى منه، و قدم تقدم الكلام في ذلك مكررا.

و لو قذف، فحد فقال: الذي قلت كان صحيحا وجب بالثاني التعزير لا لأنه ليس بصريح بل ل

صحيح محمد بن مسلم (2) عن الباقر (عليه السلام) «في الرجل يقذف الرجل فيرد عليه القذف، قال: إن قال له: إن الذي قلت لك حق لم يجلد، و إن قذفه بالزناء بعد ما جلد فعليه الحد، و إن قذفه قبل أن يجلد بعشر قذفات لم يكن عليه إلا حد واحد».

و منه يعلم الوجه في قول المصنف و غيره. إن القذف المتكرر يوجب حدا واحدا لا أكثر و لصدق موجب الرمي و إن تعدد نعم لو تعدد المقذوف تعدد الحد لكل واحد منهم، بل لو تعدد المقذوف به للواحد كأن قذفه مرة بالزناء و أخرى باللواط و ثالثة بأنه ملوط به، ففي كشف اللثام عليه لكل قذف حد و إن لم يتخلل الحد، لأن الإجماع و النصوص دلت على إيجاب الرمي بالزناء الحد ثمانين اتحد أو تكرر، و كذا الرمي باللواط و كذا بأنه ملوط به و لا دليل على تداخلها، و فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

428

إشكال بعد رجوع الجميع إلى اسم القذف، و الله العالم.

[المسألة السادسة لا يسقط الحد عن القاذف إلا بالبينة المصدقة]

المسألة السادسة لا خلاف و لا إشكال في أنه لا يسقط الحد عن القاذف بعد ثبوته عليه للأصل و غيره إلا بالبينة المصدقة التي يثبت بها الزناء مثلا أو تصديق مستحق الحد و لو مرة و إن لم يثبت بذلك الزناء الرافعين للإحصان بمعنى العفة المعتبرة في ثبوت حد القذف أو العفو للنص السابق و الفتوى، و لا فرق في الثلاثة بين أفراد المقذوفين.

نعم لو قذف زوجته سقط الحد بذلك و باللعان أيضا الذي مر الكلام في بابه، و الظاهر سقوطه عنه بإرثه له و بالصلح عنه و غيره مما يكون سببا شرعا لإسقاطه.

و هل عليه التعزير إذا سقط الحد بأحد هذه الأمور؟ وجهان كما في كشف اللثام من أن الثابت عليه إنما كان الحد و قد سقط، و لا دليل على ثبوت التعزير، و من أن ثبوت المقذوف به بالإقرار أو البينة لا يجوز القذف و ان جوز إظهاره عند الحاكم لإقامة الحد عليه، و العفو و اللعان أيضا لا يكشفان عن إباحته، و لا يسقطان إلا الحد، و التعزير ثابت في كل كبيرة، و لعل الأول لا يخلو من قوة، و الله العالم.

429

[المسألة السابعة الحد ثمانون جلدة]

المسألة السابعة:

الحد ثمانون جلدة حرا كان ذكرا أو أنثى كتابا (1) و سنة (2) و إجماعا أو عبدا على الأصح كما عرفت البحث فيه.

و لا خلاف في أنه يجلد القاذف بثيابه و لا يجرد بل الاتفاق عليه كما في كشف اللثام، للأصل و قول النبي (صلى الله عليه و آله) في خبر الشعيري (3) «لا ينزع من ثياب القاذف إلا الرداء،»

و الصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق (4): «يضرب جسده كله فوق ثيابه»

و أما

صحيح محمد بن قيس (5) عن الباقر (عليه السلام) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المملوك يدعو الرجل لغير أبيه، قال: أرى أن يعرى جلده»

فقد تقدم فيه بعض الكلام، مع احتمال كونه قضية في واقعة، و أنه تعزير منوط بنظر الحاكم، لأن الدعوة لغير الأب ليست قذفا، و كونه من عراه يعروه إذا أتاه، و جلده بفتح الجيم أي أرى أن يحضر الناس جلده حدا أو دونه، أو بإعجام العين و تضعيف الراء و البناء للفاعل فهو من التغرية، أي يلصق الغراء بجلده و يكون كناية عن توطين نفسه للحد أو التعزير.

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد القذف.

(3) أشار إليه في الوسائل في الباب- 15- من أبواب حد القذف- الحديث 4 و ذكره في التهذيب ج 10 ص 70- الرقم 265.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 16.

430

و كيف كان ف يقتصر في ضربه على الضرب المتوسط كما في خبر إسحاق بن عمار (1) «المفتري يضرب بين الضربين»

الحديث و لا يبلغ به الضرب في الزناء

قال الصادق (عليه السلام) في خبر مسمع (2) عنه «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) الزاني أشد ضربا من شارب الخمر، و شارب الخمر أشد ضربا من القاذف، و القاذف أشد ضربا من التعزير»

و يشهر القاذف أي يعلم الناس بحاله لتجتنب شهادته كما يشهر شاهد الزور لاشتراك العلة.

و يثبت القذف بشهادة العدلين بلا خلاف، لإطلاق ما دل على حجيتها أو الإقرار مرتين كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا و إن لم نظفر بنص خاص فيه، و عموم «إقرار العقلاء» (3)

يقتضي الاجتزاء به مرة، اللهم إلا أن يكون ذلك من جهة بناء الحدود على التخفيف، فينزل إقراره منزلة الشهادة على نفسه فيعتبر فيها التعدد، و الله العالم.

و على كل حال فلا خلاف و لا إشكال في أنه يشترط في المقر التكليف و الحرية و الاختيار و لا يثبت بشهادة النساء و إن كثرن لا منضمات و لا منفردات، كما مر غير مرة، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب حد القذف- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2.

431

[المسألة الثامنة إذا تقاذف اثنان سقط الحد و عزرا]

المسألة الثامنة:

إذا تقاذف اثنان محصنان سقط الحد و عزرا بلا خلاف ل

صحيح ابن سنان (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه، فقال يدرأ عنهما الحد و يعزران»

و صحيح أبي ولاد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجلين قذف كل منهما صاحبه فدرأ عنهما الحد و عزرهما»

و منه و من غيره يعلم عدم سقوط التعزير عنهما لو تغايرا بما يقتضيه، و الله العالم.

[المسألة التاسعة قيل لا يعزر الكفار مع التنابز بالألقاب]

المسألة التاسعة قيل و القائل المشهور بل لم أجد من حكى فيه خلافا لا يعزر الكفار مع التنابز و التداعي بالألقاب المشعرة بالذم و التعيير بالأمراض و لعله لاستحقاقهم الاستخفاف، و في المسالك «و كان وجهه تكافؤ السب و الهجاء من الجانبين، كما يسقط الحد عن المسلمين بالتقاذف لذلك، و لجواز الاعراض عنهم في الحدود و الأحكام، فهنا أولى» و تبعه في الرياض. و فيه أن الأول يقتضي اختصاص ذلك بالتنابز من الطرفين، كما أن الثاني يقتضي جواز التعزير لهم.

و على كل حال فالحكم مفروغ منه إلا أن يخشى من ذلك حدوث فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة فيسمها الإمام

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

432

بما يراه لكن نسبة المصنف له إلى القيل تشعر بالتردد فيه، و لعله لأنه فعل محرم يوجب التعزير في المسلم ففي الكافر أولى، و يمكن منع الحرمة و الله العالم.

[يلحق بذلك مسائل أخر]

و يلحق بذلك مسائل: أخر

[المسألة الأولى من سب النبي (صلى الله عليه و آله) جاز لسامعه قتله]

الأولى:

من سب النبي (صلى الله عليه و آله) جاز لسامعه بل وجب قتله بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص، ففي

خبر هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن شتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفع إلى الامام»

و في خبر الحسين ابن علي الوشاء (2) «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: شتم رجل على عهد جعفر بن محمد (عليهما السلام) رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأتي به عامل المدينة فجمع الناس فدخل عليه أبو عبد الله (عليه السلام) و هو قريب العهد بالعلة، و عليه رداء مورد فأجلسه في صدر المجلس و استأذنه في الاتكاء و قال لهم: ما ترون فقال له عبد الله ابن الحسن و الحسن بن زيد و غيرهما: نرى أن يقطع لسانه، فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي و أصحابه، فقال: ما ترون؟ قال: يؤدب، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سبحان الله فليس بين رسول الله (صلى الله عليه و آله) و بين أصحابه فرق»؟!

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المرتد- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

433

و في خبر علي بن جعفر (1) قال: «أخبرني أخي موسى (عليه السلام) قال: كنت واقفا على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارثي عامل المدينة، فقال: يقول لك الأمير: انهض إلى فاعتل بعلة فعاد إليه الرسول فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي و اعتمد علي و دخل على الوالي و قد جمع فقهاء المدينة كلهم و بين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي (صلى الله عليه و آله) فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله انظر في الكتاب، قال حتى أنظر ما قالوا فالتفت إليهم، فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا يؤدب و يضرب و يعزر و يحبس، قال: فقال لهم: أ رأيتم لو ذكر رجلا من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال:

فليس بين النبي و بين رجل من أصحابه فرق، فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله، لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أخبرني أبي أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:

الناس في أسوة سواء من سمع أحدا يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني و لا يرفع إلى السلطان، و الواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال مني، فقال زياد بن عبيد الله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله».

و في حسن ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن رجلا من هذيل كان سب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فبلغ ذلك النبي فقال من لهذا؟ فقال رجلان من الأنصار: نحن يا رسول الله، فانطلقا حتى أتيا عربة فسألا عنه فإذا هو يتلقى غنمه، فقال: من أنتما و ما

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

434

اسمكما؟ فقالا له: أنت فلان بن فلان، فقال: نعم، فنزلا فضربا عنقه، قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ رأيت لو أن رجلا سب النبي (صلى الله عليه و آله) أ يقتل؟ قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله».

و روي (1) «أنه (صلى الله عليه و آله) لما فتح مكة عهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه، منهم بنتان كانتا يغنيان بهجائه، فقال: اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة»

إلى غير ذلك من النصوص المؤيدة بما قيل من أنه تجاهر بالكفر و استخفاف بالدين و قوامه و إن كان فيه أن ذلك يقتضي جريان حكم المرتد عليه لا قتله على كل حال.

نعم هو كذلك ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله أو غيره من أهل الإيمان بلا خلاف أجده ترجيحا لإطلاق ما دل على مراعاة ذلك، مضافا إلى حسن ابن مسلم (2) السابق، و فحوى ما تسمعه في من سب أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) بل الظاهر عدم الجواز حينئذ لا عدم الوجوب، نحو ما ورد (3) في سبه نفسه (صلى الله عليه و آله) تخلصا من القتل كفعل عمار المشهور فيكون فرق حينئذ بين المقام و بين فعل السب خوفا من ذلك، لكن الحسن المزبور خاص بالخوف على النفس، إلا أن الأصحاب لم يفرقوا بينه و بين غيره مما يدخل تحت التقية، و لعل ما في الحسن إشارة إليها

____________

(1) سنن البيهقي- ج 8 ص 205 و ليس فيه

«كانتا يغنيان بهجائه»

. (2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد القذف- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 2 من كتاب الأمر بالمعروف و البحار- ج 75 ص 412.

435

لا خصوص الخوف على النفس، كما أومأ إليه ما تسمعه في الناصب.

و كذا الكلام في من سب أحد الأئمة (عليهم السلام) بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل الإجماع بقسميه عليه، و في صحيح هشام بن سالم (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل سبابة لعلي (عليه السلام) قال: فقال: حلال الدم و الله لو لا أن يعم بريا، قلت: فما تقول في رجل مؤذ لنا، قال: في ماذا؟ قلت:

فيك يذكرك، فقال لي: له في علي (عليه السلام) نصيب، قلت:

إنه ليقول ذاك و يظهره، قال: لا تعرض له»

و لعل النهي عن التعرض له للخوف عليه، على أنه أعم من حرمة دمه كما نص عليه في كشف اللثام.

و في خبر العامري (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي شيء تقول في رجل سمعته يشتم عليا (عليه السلام) و يبرأ منه؟ فقال:

و الله هو الحلال الدم، و ما ألف منهم برجل منكم دعه».

و في خبر علي بن حديد (3) المروي عن رجال الكشي «سمعت من يسأل أبا الحسن الأول (عليه السلام) فقال: إني سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى بن جعفر (عليه السلام) الذي هو إمامنا و حجتنا بيننا و بين الله تعالى، فقال: لعنه الله- ثلاثا- أذاقه الله حر الحديد قتله الله أخبث ما يكون من قتله، فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أو ليس حلال لي دمه مباح كما أبيح دم سباب لرسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: نعم، حل و الله حل و الله دمه و أباحه لك و لمن سمع ذلك منه، قلت: أو ليس ذلك بسباب لك؟ قال: هذا سباب لله و سباب لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و سباب لآبائي و سبابي و أي

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب حد القذف- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب حد القذف- الحديث 6.

436

سب لي و أي سباب يقصر عن هذا و لا يفوقه هذا القول، قلت: أ رأيت إن أنا لم أخف أن أعمن بذلك بريا ثم لم أفعل و لم أقتله ما علي من الوزر؟

فقال: يكون عليك وزره أضعافا مضاعفة من غير أن ينقص من وزره شيء، أما علمت أن أفضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله و رسوله بظهر الغيب، ورد عن الله و عن رسوله»

إلى غير ذلك من النصوص.

مضافا إلى ما دل على حلية دم الناصب الذي منه

خبر داود بن فرقد (1) قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم، و لكن أتقي عليك، فان قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل»

الحديث.

و لا ينافي ذلك ما في خبر أبي الصباح (2) الطويل، و حاصله أنه استأذنه في قتل جعد بن عبد الله جاره لوقوعه في علي (عليه السلام) فقال: «قد نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن القتل يا أبا الصباح إن الإسلام قيد الفتك، و لكن دعه فستكفي بغيرك»

الذي لا جابر له الممكن حمله على أنه (عليه السلام) روى ذلك للخوف عليه أو غيره ممن هو بريء، لأنه رأى شدة عزمه على القتل، كما يظهر من بعض ما في الخبر المزبور.

هذا و في المسالك «في إلحاق باقي الأنبياء بذلك قوة لأن كمالهم و تعظيمهم علم من دين الإسلام ضرورة، فسبهم ارتداد و تبعه عليه غير واحد، بل في الرياض عن الغنية الإجماع عليه». قلت: قد يناقش

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب حد القذف- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب ديات النفس- الحديث 1 من كتاب الديات.

437

بأن ذلك يقتضي الارتداد لا القتل على كل حال. نعم قد يدل عليه ما رواه

الفضل بن الحسن الطبرسي بإسناده (1) عن صحيفة الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) «من سب نبيّا قتل، و من سب صاحب نبي جلد»

لكن

عن المبسوط روي (2) عن علي (عليه السلام) أنه قال: «لا أوتي برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلا جلدته ماءة و ستين، فان جلد الناس ثمانون و جلد الأنبياء ماءة و ستون»

لكنه كما ترى.

و عن التحرير إلحاق أم النبي (صلى الله عليه و آله) و بنته به من غير تخصيص بفاطمة (عليها السلام) مراعاة لقدره، و في الرياض حكايته أيضا عن غير التحرير، لكن قال: «و قيل: يمكن اختصاص الحكم بفاطمة (عليها السلام) للإجماع على طهارتها بآية التطهير (3) و هو حسن». و لعله أشار بذلك إلى ما في الروضة، إلا أن الموجود فيها «و ألحق في التحرير بالنبي (صلى الله عليه و آله) أمه و بنته من غير تخصيص بفاطمة (عليها السلام) و يمكن اختصاص الحكم بها، للإجماع على طهارتها بآية التطهير».

قلت: هو كذلك بالنسبة إلى قذفها (عليها السلام) و كذا بالنسبة إلى أم النبي (صلى الله عليه و آله) باعتبار ما علم أنه (ص) لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها، و أما سب فاطمة (عليها السلام) فلعله من جهة العلم بكونها في الاحترام كأولادها (سلام الله عليهم) و أما غيرها فالمتجه ذلك إن كان بحيث يرجع إلى صدق سب النبي (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

(2) المبسوط ج 8 ص 15.

(3) سورة الأحزاب: 33- الآية 33.

438

و شتمه و النيل منه بذلك و نحوه عرفا، و إلا ففي إطلاقه منع واضح.

هذا و في اللمعة «و قاذف أم النبي (صلى الله عليه و آله) مرتد و لو تاب لم تقبل توبته إذا كان ارتداده عن فطرة» و في الروضة في شرحها «و هذا بخلاف ساب النبي (صلى الله عليه و آله) فان ظاهر النص و الفتوى وجوب قتله و إن تاب، و من ثم قيده هنا خاصة، و ظاهرهم أن سباب الامام كذلك» و في حاشية الكركي على الكتاب «و لو قذف النبي (صلى الله عليه و آله) فهو مرتد و وجب قتله، و لا تقبل توبته إذا كان مولودا على الفطرة، و كذا لو قذف أم النبي (صلى الله عليه و آله) أو بنته و كذا أم الإمام (عليه السلام) أو بنته».

قلت: لا يخفى عليك صعوبة إقامة الدليل على بعض الأحكام المزبورة خصوصا بعد عدم الحكم بالارتداد بما وقع من قذف عائشة و هي زوجة النبي (صلى الله عليه و آله) بل قد يشكل جريان حكم المرتد على قذف النبي (صلى الله عليه و آله) الذي يرجع إلى سبه الذي قد عرفت أن حكمه القتل على كل حال، نعم ما لا يرجع منه إلى السب يتجه فيه ذلك.

ثم إن ظاهر المصنف و غيره عدم توقف جواز قتل الساب على إذن الامام، بل هو المشهور، بل عن الغنية الإجماع عليه، لإطلاق النصوص و خصوص الأول منها، خلافا للمحكي عن المفيد و الفاضل في المختلف، فلم يجوزاه بدونه، و لعله ل

خبر عمار السجستاني (1) «ان أبا عبد الله بن النجاشي سأل الصادق (عليه السلام) فقال إني قتلت ثلاثة عشر رجلا من الخوارج كلهم سمعتهم يبرأ من علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك في قتلهم شيء، و لكنك

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب ديات النفس- الحديث 2 من كتاب الديات.

439

سبقت الامام، فعليك ثلاثة عشر شاة تذبحها بمنى و تصدق بلحمها، لسبقك الامام، و ليس عليك غير ذلك»

و نحوه مرفوع إبراهيم بن هاشم (1) إلا أنه مع عدم جامعيته لشرائط الحجية قاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، فلا بأس بحمله على ضرب من الندب.

و لا فرق في الساب بين المسلم و الكافر، لعموم النص، و قد

روي (2) عن علي (عليه السلام) «أن يهودية كانت تشتم النبي (صلى الله عليه و آله) و تقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله (صلى الله عليه و آله) دمها»

نعم قد يتوقف في قتل الكافر الساب إذا أسلم، لأن الإسلام يجب ما قبله.

كما أنه لا إشكال في عدم شيء على غير القاصد للسب لغفلة أو نحوها بل في خبر علي بن عطية (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«كنت عنده و سأله رجل عن رجل يجيء من النبي (صلى الله عليه و آله) على جهة غضب يؤاخذه الله به، فقال: الله أكرم من أن يستقلق عبده»

و في نسخة «يستغلق عبده» و إن كنت لم أجد من أفتى به على وجه لا يستلب الغضب اختياره بحيث يسقط عنه التكليف.

و كذا لم أجد من أفتى بمضمون

خبر مطر بن أرقم (4) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن عبد العزيز بن عمر الوالي بعث

____________

(1) أشار إليه في الوسائل في- الباب- 22- من أبواب ديات النفس- الحديث 2 و ذكره في الكافي ج 7 ص 376.

(2) سنن النسائي ج 7 ص 108 عن ابن عباس.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب حد القذف- الحديث 1 و فيه

«يجيء من الشيء على جهة غضب.»

و في ذيله

«و في نسخة يستقلق عبده»

. (4) الوسائل- الباب- 26- من أبواب حد القذف- الحديث 1.

440

إلى فأتيته و بين يديه رجلان قد تناول أحدهما صاحبه فمرس وجهه، فقال:

ما تقول يا أبا عبد الله في هذين الرجلين؟ قلت: و ما قالا؟ قال: قال أحدهما: ليس لرسول الله (صلى الله عليه و آله) فضل على أحد من بني أمية في الحسب، و قال الآخر له الفضل على الناس كلهم في كل خير و غضب الذي نصر رسول الله (صلى الله عليه و آله) فصنع بوجهه ما ترى، فهل عليه شيء؟ فقلت له: إني أظنك قد سألت من حولك، فقال: أقسمت عليك لما قلت، فقلت: كان ينبغي لمن زعم أن أحدا مثل رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الفضل أن يقتل و لا يستحيى، قال: فقال: أو ما الحسب بواحد؟ فقلت: إن الحسب ليس النسب، ألا ترى لو نزلت برجل من بعض هذه الأجناس فقراك فقلت: إن هذا الحسب؟ فقال: أو ما النسب بواحد؟ قلت: إذا اجتمعا إلى آدم فان النسب واحد، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يخلطه شرك و لا بغي، فأمر به فقتل»

قلت: و لعله لأنه من إنكار الضروري أو أن ذلك نوع نيل منه، فتأمل.

و لا إشكال في ثبوت السب بالبينة و لو اثنان، أما الإقرار فمقتضى إطلاق دليله كفاية الواحد منه، و قد يقال باعتبار الاثنين منه أيضا لما سمعته في نظائره، و الله العالم.

[المسألة الثانية من ادعى النبوة وجب قتله]

المسألة الثانية:

من ادعى النبوة وجب قتله بلا خلاف أجده ل

خبر ابن أبي يعفور (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن بزيعا يزعم أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المرتد- الحديث 2.

441

نبي، فقال: إن سمعته يقول ذلك فاقتله، قال: فجلست إلى جنبه غير مرة فلم يمكني ذلك»

و خبر أبي بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال النبي (صلى الله عليه و آله) أيها الناس إنه لا نبي بعدي و لا سنة بعد سنتي، فمن ادعى ذلك فدعواه و بدعته في النار، فاقتلوه».

و في خبر ابن فضال عن أبيه المروي عن العيون (2) عن الرضا (عليه السلام) في حديث شريعة محمد (صلى الله عليه و آله) لا تنتهي إلى يوم القيامة «و لا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادعى بعده نبيا أوتي بكتاب بعده فدمه مباح لكل من سمع منه»

إلى غير ذلك.

و كذا من قال: لا أدري محمد بن عبد الله (ص) صادق أو لا و كان على ظاهر الإسلام بلا خلاف أجده فيه أيضا ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (3) المروي عن المحاسن «من شك في الله و في رسوله فهو كافر».

و قال له (عليه السلام) الحارث (4) أيضا: «أ رأيت لو أن رجلا أتى إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: و الله ما أدري أ نبي أنت أم لا كان يقبل منه؟ قال: لا، و لكن كان يقتله، أنه لو قبل منه ذلك ما أسلم منافق».

لكن في المسالك الاستدلال عليهما بالعلم بانتفاء دعوى الأول من دين الإسلام ضرورة فيكون ذلك ارتدادا من المسلم و خروجا من الملل التي تقر أهلها، فيقتل لذلك، و أما الشك في صدق النبي (صلى الله عليه و آله) فان وقع من المسلم فهو ارتداد، و تبعه على ذلك الأردبيلي.

و فيه أن مقتضى ذلك جريان حكم المرتد عليهما لا القتل مطلقا كما هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المرتد- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد المرتد- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المرتد- الحديث 22.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب حد المرتد- الحديث 4.

442

ظاهر النص و الفتوى. نعم لو وقع الشك المزبور من الكافر لا يقتل به، و لعله لذا قيد الحكم بوقوعه ممن كان على ظاهر الإسلام.

و قد يلحق مدعي الإمامة بمدعي النبوة، و كذا من شك فيه و كان على ظاهر التشيع كي يكون بذلك منكرا لضرورة الدين بعد أن كان عنده من الدين هو ما عليه من المذهب، فهو حينئذ كمن أنكر المتعة ممن كان على مذهب التشيع، و في جملة من

النصوص «أن الشاك في علي كافر» (1)

و لكن الانصاف بعد ذلك كله عدم خلو الحكم المزبور من إشكال، و يجري الكلام في من أنكر أحد الأئمة (عليهم السلام) من أهل التشيع، و الله العالم.

[المسألة الثالثة من عمل بالسحر يقتل إن كان مسلما و يؤدب إن كان كافرا]

المسألة الثالثة:

من عمل بالسحر يقتل إن كان مسلما و يؤدب إن كان كافرا بلا خلاف أجده فيه، ل

خبر السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال رسول الله (ص): إن ساحر المسلمين يقتل، و ساحر الكفار لا يقتل، قيل يا رسول الله: لم لا يقتل ساحر الكفار؟ فقال: لأن الكفر أعظم من السحر، و لأن السحر و الشرك مقرونان»

و على ذلك ينزل إطلاق باقي النصوص، منها

خبر زيد بن علي (3) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الساحر، فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حل دمه»

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المرتد- الحديث 13 و 14 و 21 و 48 و 49.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب بقية الحدود- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الحدود- الحديث 1.

443

و منها

خبر إسحاق بن عمار (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من تعلم شيئا من السحر كان آخر عهده بربه وحده القتل إلا أن يتوب»

و منها

خبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه».

نعم في الأول دلالة على رد من قال بانحصار ثبوته بالإقرار، لأن الشاهد لا يعرف قصده، و لا يشاهد التأثير، و في الثاني دلالة على قاتل متعلم السحر، لكن ظاهر العبارة بل هو المحكي عن جماعة اختصاصه بالعامل و لعله للأصل و تبادر العامل مما دل على قتله بقول مطلق، و الخبر المزبور لا جابر له، مع أنه محتمل للبناء على الغالب من العمل للمتعلم، و قد يقال: إن المراد بالساحر هو متخذ السحر صنعة و عملا له و إن لم يقع منه لصدق اسم الساحر عليه كغيره من أرباب الصنائع، نعم لا قتل على معرفة السحر لا لذلك بل لإبطال مدعي النبوة مثلا به، فإنه ربما يجب تعلمه لذلك.

ثم إن إطلاق النص و الفتوى يقتضي عدم الفرق بين المستحل و غيره فما عن بعض متأخر من القول باختصاصه بالأول لم نتحققه، و على تقديره غير واضح الوجه.

و لا إشكال في ثبوته بالبينة و لو اثنان، أما الإقرار فمقتضى دليله الاكتفاء بالمرة فيه، لكن يمكن اعتبار الاثنين فيه، لما سمعته في نظائره.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الحدود- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب بقية الحدود- الحديث 3.

444

[المسألة الرابعة يكره أن يزاد في تأديب الصبي على عشرة أسواط و كذا المملوك]

المسألة الرابعة قد ذكر أنه يكره أن يزاد في تأديب الصبي على عشرة أسواط و كذا المملوك لكن لم أجد دليلا واضحا عليه، نعم في خبر حماد بن عثمان (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): في أدب الصبي و المملوك فقال: خمسة أو ستة، و أرفق»

و في خبر السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) ألقى صبيان الكتاب ألواحهم بين يديه ليخير بينهم، فقال: أما أنها حكومة و الجور فيها كالجور في الحكم، أبلغوا معلمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضربات في الأدب اقتص منه»

و في خبر زرارة بن أعين (3) المروي عن المحاسن «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في ضرب المملوك؟ قال: ما أتى منه على بدنه فلا شيء عليه، و أما ما عصاك فيه فلا بأس، قلت:

كم أضربه؟ قال: ثلاثة أربعة خمسة»

و قال إسحاق بن عمار (4) للصادق (عليه السلام): «ربما ضربت الغلام في بعض ما يحرم، فقال: و كم تضربه؟ فقال: ربما ضربته مائة، فقال: مائة مائة؟! فأعاد ذلك مرتين، ثم قال: توق حد الزاني، اتق الله، فقال: جعلت فداك فكم ينبغي لي أن أضربه؟ فقال: واحد، فقال: و الله لو علم أني لا أضربه إلا واحدا ما ترك لي شيئا إلا أفسده، فقال: فاثنتين، فقال: جعلت فداك هذا هلاكي إذا، قال: فلم أزل أماكسه حتى بلغ

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الحدود- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الحدود- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الحدود- الحديث 3 و فيه

«ما أتى فيه على يديه فلا شيء عليه»

. (4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

445

خمسا ثم غضب، فقال: يا إسحاق إن كنت تدري حد ما أجرم فأقم الحد فيه و لا تتعد حدود الله»

بل

في مسائل إسماعيل بن عيسى (1) على ما عن الكافي و موضع من التهذيب «في مملوك لا يزال يعصي صاحبه بعد ضربه، فقال: لا يحل أن تضربه إن وافقك فأمسك و إلا فخل عنه».

نعم في مرسل الفقيه (2) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

«لا يحل لوال يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلا في حد، و أذن في المملوك من ثلاثة إلى خمسة»

مع أنه ليس في خصوص ما نحن فيه، بل هو معارض بما دل (3) على أن التعزير دون الحد، و أنه على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل و قوة بدنه، و ما دل (4) على أنه بضعة عشرة ما بين العشرة إلى العشرين، و لكن يسهل الخطب أن الحكم على الكراهة التي يتسامح فيها، و النصوص المزبورة و إن اقتضى ظاهرها الحرمة إلا أنها ضعيفة و لا جابر و معارضة بما هو أقوى.

و من هنا حملت على الكراهة على تفاوت مراتبها، و لعل حملها على تفاوت مراتب التعزير و التأديب المختلف زمانا و مكانا و فعلا و قابلية أولى.

كل ذلك مع عدم تنقيح أصل وجوب التأديب، و الظاهر أنه كذلك مع فرض ترتب الفساد على تركه، و قد ورد الأمر بالتأديب (5) نعم قد يرجح العفو لو تعلق الأمر بحق السيد كما وقع من الامام العفو بعد أن عاهد على التأديب معللا ذلك بأن العفو أحسن.

و أيضا لم ينقحوا وجه الجواز في الزيادة و لكن على جهة المرجوحية ضرورة أنه بعد أن كان مقدار ذلك راجعا إليه، فمع فرض توقف

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الحدود- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الحدود- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الحدود- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 30- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 4.

446

الأدب عليها لا يجوز له تركها إذا وجب و إذا لم يتوقف لم يجز له فعلها، فلا بد من حمل ذلك على حال عدم العلم بالحال، و بالجملة لا يخلو المقام من نوع غش.

و أيضا ينبغي أن يعلم أن مفروض الكلام في التأديب الراجع إلى مصلحة الصبي مثلا لا ما يثيره الغضب النفساني، فان المؤدب حينئذ قد يؤدب، و الله العالم.

و على كل حال فقد قيل و القائل الشيخ في المحكي من نهايته إن ضرب عبده في غير حد حدا لزمه إعتاقه و لفظه «من ضرب عبده فوق الحد كان كفارته أن يعتقه» و نحوه عن الجامع و لكن هو على الاستحباب ك

صحيح أبي بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي قد قيل إنه الدليل له «من ضرب مملوكا حدا من الحدود من غير حد أوجبه المملوك على نفسه لم يكن لضاربه كفارة إلا عتقه»

إلا أنه كما ترى لم يعتبر فوق الحد الذي ذكره الشيخ فلا دليل له حينئذ على ما ذكره، كما لا عامل بالصحيح المزبور، فيتجه حمله حينئذ على الندب، بل في النافع الاستحباب المزبور لمن زاد في تأديبه على العشرة و إن لم أجد له شاهدا بل و لا موافقا، و الظاهر أن الاستحباب المزبور للمولى، و ربما احتمل استحبابه أيضا لغيره بأن يشتريه و يعتقه لكنه ليس بشيء، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1.

447

[المسألة الخامسة كل ما فيه التعزير من حقوق الله سبحانه و تعالى يثبت بشاهدين]

المسألة الخامسة:

كل ما فيه التعزير من حقوق الله سبحانه و تعالى يثبت بشاهدين بلا خلاف و لا إشكال، لإطلاق أو عموم ما دل على اعتبارهما أو الإقرار مرتين على قول محكي عن الحلي و غيره، و لكن قد عرفت الاشكال فيه غير مرة

لعموم «إقرار العقلاء» (1)

المقتضي للاكتفاء به مرة و لعله لذلك نسبه المصنف إلى القول مشعرا بالتردد فيه إلا أنه قد ذكرنا أيضا غير مرة وجه تقريبه، و الله العالم.

و من قذف عبده أو أمته عزر كالأجنبي بلا خلاف لحرمته و عموم

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2) «من افترى على مملوك عزر لحرمة الإسلام»

و خصوص

خبر غياث (3) عن الصادق (عليه السلام) «إن امرأة جاءت رسول الله (صلى الله عليه و آله) إني قلت لأمتي: يا زانية، فقال: هل رأيت عليها الزناء؟ فقالت:

لا، فقال: أما إنها ستقاد منك يوم القيامة، فرجعت إلى أمتها فأعطتها سوطا ثم قالت: اجلديني، فأبت الأمة فأعتقتها، ثم أتت النبي (صلى الله عليه و آله) فأخبرته، فقال: عسى أن يكون هذا بهذا»

و لعل ترك النبي (صلى الله عليه و آله) تعزيرها لعدم إقرارها مرتين، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد القذف- الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد القذف- الحديث 4.

448

[المسألة السادسة كل من فعل محرما أو ترك واجبا فللإمام تعزيره]

المسألة السادسة لا خلاف و لا إشكال نصا و فتوى في أن كل من فعل محرما أو ترك واجبا و كان من الكبائر فللإمام تعزيره بما لا يبلغ الحد و تقديره إلى الامام و لكن لا يبلغ به حد الحر في الحر و هو المائة و لا حد العبد في العبد و هو الأربعون، بل قد يقال بعدم بلوغه أدنى الحد في العبد مطلقا، كما أنه قيل: يجب أن لا يبلغ به أقل الحد، ففي الحر خمسة و سبعون، و في العبد أربعون، و قيل: إنه في ما ناسب الزناء يجب أن لا يبلغ حده، و في ما ناسب القذف أو الشرب يجب أن لا يبلغ حده، و في ما لا مناسب له ان لا يبلغ أقل الحدود و هو خمسة و سبعون حد القواد، و حكاه في المسالك عن الشيخ و الفاضل في المختلف، نعم ينبغي ان يكون ذلك في غير ماله مقدر مما عرفت الكلام فيه سابقا.

هذا و في كشف اللثام ان وجوب التعزير على ذلك إن لم ينته بالنهي و التوبيخ و نحوهما، و اما إذا انتهى بدون الضرب فلا دليل عليه إلا في مواضع مخصوصة ورد النص فيها بالتأديب و التعزير، و يمكن تعميم التعزير في كلامه و كلام غيره لما دون الضرب من مراتب الإنكار» قلت:

قد يستفاد التعميم مما

دل (1) على ان لكل شيء حدا و لمن تجاوز الحد حد»

بناء على ان المراد من الحد فيه التعزير الفعلي، مضافا إلى إمكان استفادته أيضا من استقراء النصوص (2)، كما لا يخفى على من تدبرها، نعم قد يقال باختصاص التعزير بالكبائر دون الصغائر ممن كان يجتنب الكبائر

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب مقدمات الحدود.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب مقدمات الحدود.

449

فإنها حينئذ مكفرة لا شيء عليها، اما إذا لم يكن مجتنبا لها فلا يبعد التعزير لها أيضا، و الله العالم.

[الباب الرابع في حد المسكر]

الباب الرابع في حد المسكر الذي يرجع فيه إلى العرف كغيره من الألفاظ و إن قيل هو ما يحصل معه اختلال الكلام المنظوم و ظهور السر المكتوم أو ما يغير العقل و يحصل معه سرور و قوة النفس في غالب المتناولين، أما ما يغير العقل لا غير فهو المرقد إن حصل معه تغيب الحواس الخمس، و إلا فهو المفسد للعقل كما في البنج و الشوكران، و لكن التحقيق ما عرفته، فإنه الفارق بينه و بين المرقد و المخدر و نحوهما مما لا يعد مسكرا عرفا. و أما الفقاع فقد مر البحث في موضوعه مكررا.

و كيف كان ف مباحثه ثلاثة:

[البحث الأول في الموجب]

الأول في الموجب و هو بلا خلاف يوجد فيه عندنا، بل الإجماع بقسميه عليه تناول المسكر أو الفقاع و لو القليل منهما و إن لم يكن به إسكار، لدوران الحرمة في الثاني على مسماه و إن لم يسكر، و في الأول على إسكار الكثير منه فان ما أسكر كثيره حرم قليله، و على كل حال فالمدار على التناول منهما

450

اختيارا مع العلم بالتحريم إذا كان المتناول كاملا بالبلوغ و العقل فهذه قيود أربعة التناول و الاختيار و العلم بالتحريم و كمال المتناول.

و شرطنا التناول ليعم الشرب و الاصطباغ و أخذه ممزوجا بالأغذية و الأدوية و إن لم يبق مع المزج متميزا فان المحرم ذاتا لا ترتفع حرمته بعدم تمييزه، نعم يخرج استعماله بالاحتقان كما صرح به في القواعد و التضميد و الإطلاء و نحوهما، بل في المسالك و السعوط حيث لا يدخل الحلق، لأنه لا يعد تناولا فلا يحد به و إن حرم، مع احتمال حده على تقدير إفساده الصوم و إن كان هو كما ترى، ضرورة عدم اقتضاء فساد الصوم بعد فرض عدم دخوله الحلق الحد المزبور، نعم قد يدخل في التناول ما يستعمل من المسكرات في القليان و نحوها، نعم في القواعد «و لو تسعط به حد» و لكن علله في كشف اللثام بأنه يصل إلى باطنه من حلقه، و بالنهي عن الاكتحال به، و الاستعاط أقرب منه وصولا إلى الجوف.

قلت: و لو فرض عدم وصوله أو عدم العلم بالوصول لم يحد، للأصل و غيره و إن عزر.

و لو عجن بالخمر مثلا عجينا فالأقرب كما في القواعد وجوب الحد لكن عن التحرير سقوطه، لأن النار أكلت أجزاء الخمر، قال: نعم يعزر، و لعله للنجاسة، و لاحتمال البقاء، و فيه أن الأصل بقاؤه، اللهم إلا أن يمنع ثبوت الحد بالأصل المزبور، بل لا بد فيه من العلم ببقاء أجزائه.

و كيف كان ف نعني بالمسكر ما من شأنه أن يسكر فان الحكم يتعلق بتناول القطرة منه و إن لم تسكر بلا خلاف معتد به بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المستفيضة أو المتواترة

____________

(1) الوسائل- الباب- 3 و 4- من أبواب حد المسكر.

451

المصرحة باستواء القليل و الكثير منه في إيجاب الحد شربه، نعم عن المقنع «إذا شرب حسوة من خمر جلد ثمانين، و إن أخذ شارب النبيذ و لم يسكر لم يجلد حتى يرى سكرانا» و ظاهره الفرق بين الخمر و النبيذ، و لعله ل

خبر إسحاق بن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل شرب حسوة خمر، قال: يجلد ثمانين، قليلها و كثيرها حرام»

في الأول

و صحيح الحلبي (2) «قال له أ رأيت إن أخذ شارب النبيذ و لم يسكر أ يجلد ثمانين؟ قال: لا و كل مسكر حرام»

في الثاني و نحوه صحيح أبي الصباح عنه (عليه السلام) (3) «إلا أنهما موافقان للعامة و محتملان لعود الضمير على النبيذ، فيكون حلالا، بل يمكن ذلك أيضا في كلام الصدوق، و قوله: «حتى يرى سكرانا» يجوز أن يكون عند اشتباه ما شربه و إلا فلا إشكال نصا و فتوى في أنه يستوي في ذلك الخمر و جميع المسكرات التمرية و الزبيبية و العسلية المسماة بالنبيذ و النقيع و البتع و المزر المعمول من الشعير أو الحنطة أو الذرة بل و كذا لو عمل من شيئين أو ما زاد خلافا لأبي حنيفة في بعضها.

نعم في كشف اللثام بعد ذكر الحكم بالحد عندنا بتناول قطرة من المسكر أو مزجها بالغذاء أو الدواء قال: «و إن لم يتناوله ما في النصوص من لفظ الشرب فكأنه إجماعي» و سبقه إلى ذلك الأردبيلي، فإنه أشكل امتزاج قطرة من خمر مثلا بحب من ماء بعدم صدق اسم شربها، و لذا لم يحنث من حلف أن لا يشرب الخل أو يأكل الدهن أو التمر بشرب الكباح و أكل الطبيخ الذي فيه دهن غير متميز و أكل الحلوى التي فيها التمر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المسكر- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المسكر- الحديث 4.

452

و فيه أن المحرم ذاتا لا من حيث الاسم لا يتفاوت الحال بين قليله و كثيره، بخلاف متعلق اليمين الذي مدار الحكم فيه على صدق الفعل كما أوضحنا ذلك في كتاب الأطعمة و الأشربة (1) بل

قوله (عليه السلام):

«قليلها و كثيرها حرام»

قاض بذلك، ضرورة عدم التقييد بالشرب و عدم تحديد القليل بشيء، فيشمل الجزء و لو يسيرا، و كذا ما اشتمل من النصوص (2) على ضرب الثمانين بالنبيذ و الخمر القليل و الكثير من غير تقييد بالشرب. و بالجملة فالمسألة خالية عن الاشكال. و من هنا يثبت الحد على من تناول شيئا من الترياق الذي فيه جزء من الخمر و لو يسيرا و كذا غيره من الأدوية إلا أن يكون مضطرا لمرض مثلا بناء على ما حققناه سابقا (3) و الله العالم.

و يتعلق الحكم بالعصير العنبي إذا غلا بنفسه أو بالنار أو بالشمس و إن لم يقذف بالزبد خلافا لأبي حنيفة بل و إن لم يتحقق فيه الإسكار إلا أن يذهب بالغليان ثلثاه أو ينقلب خلا بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك مذهب الأصحاب أن العصير العنبي إذا غلى بأن صار أسفله أعلاه يحرم و يصير بمنزلة الخمر في الأحكام، و يستمر حكمه كذلك إلى أن يذهب ثلثاه أو ينقلب إلى حقيقة أخرى بأن يصير خلا أو دبسا على قول و إن بعد الفرض، لأن صيرورته دبسا لا يحصل غالبا إلا بعد ذهاب أزيد من ثلثيه، و في الرياض و كأنه إجماع بينهم كما صرح به في التنقيح و غيره، و لم أقف على حجة معتد به سواه و في كشف اللثام «لم أظفر بدليل على حد شاربه ثمانين و لا بقائل قبل

____________

(1) راجع ج 36 ص 374- 376.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب حد المسكر- الحديث 2.

(3) راجع ج 36 ص 371- 372.

453

الفاضل سوى المحقق» قلت: لعل دليله ظهور النصوص أو صريحها المتقدمة في محلها في أنه بحكم الخمر في الحرمة و غيرها، فلاحظ و تأمل.

و لو طبخ العنب نفسه ففي المسالك و غيرها «في إلحاقه بالعصير وجهان من عدم صدق اسم العصير عليه و من كونه في معناه» قلت:

لعل الثاني لا يخلو من قوة بملاحظة النصوص.

و كيف كان فيتعلق الحكم أيضا بما عداه أي العصير العنبي إذا حصلت فيه الشدة المسكرة و إلا فلا.

و أما التمر إذا غلى و لم يبلغ حد الإسكار في تحريمه تردد، و الأشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ، و كذا البحث في الزبيب إذا نقع في الماء فغلى من نفسه أو بالنار، فالأشبه أنه لا يحرم ما لم يبلغ الشدة المسكرة كما أشبعنا الكلام فيه في كتاب الطهارة (1) فلاحظ.

و الفقاع كالنبيذ المسكر في التحريم و إن لم يكن مسكرا بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى

النصوص الدالة على أنه «خمر استصغره الناس» (2)

و أن فيه حد شارب الخمر (3) و قد تقدم في الطهارة (4) و كتاب الأطعمة (5) تمام الكلام في موضوعه و حكمه و الله العالم.

بل و كذا الكلام في مساواته للخمر في وجوب الامتناع

____________

(1) راجع: ج 6 ص 13- 37.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب حد المسكر- الحديث 1 و 3.

(4) راجع ج 6 ص 38- 40.

(5) راجع ج 36 ص 374- 376.

454

من التداوي به و الاصطباغ لأنه من الخمر و إن لم يعرفه الناس، فيجري فيه البحث السابق الذي عرفت تحقيق الحال فيه في كتاب الأطعمة (1) فلاحظ و تأمل.

و اشترطنا الاختيار تفصيا من المكره، فإنه لا حد عليه بلا خلاف و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه سواء كان بايجار في حلقه أو بتخويف على وجه يدخل به في المكره، و الأخبار الواردة في نفي التقية (2) فيه يراد منها عدم التقية في بيان حكمه لا التقية بمعنى فعله للإكراه عليه، كما هو واضح. بل و كذا المضطر إليه لحفظ نفسه مثلا كما تقدم الكلام فيه، بل لو قلنا بحرمته معه أمكن منع الحد المزبور عليه، لظهور ما دل عليه في غيره، اللهم إلا أن يمنع ذلك و لا يتعلق الحكم بالشارب ما لم يكن بالغا عاقلا بلا خلاف و لا إشكال و إن أدبا مع التمييز.

و كما يسقط الحد عن المكره يسقط عمن جهل التحريم لقرب عهد بالإسلام أو لبعد بلاده على وجه يمكن في حقه ذلك، قال الصادق (عليه السلام): في خبر ابن بكير (3) «شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر فرفع إلى أبي بكر، فقال له: أشربت خمرا؟ قال: نعم قال: و لم و هي محرمة؟ فقال له الرجل: إني أسلمت و حسن إسلامي و منزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر و يستحلون ذلك، و لو علمت أنها حرام اجتنبتها فالتفت أبو بكر إلى عمر و قال: ما تقول في أمر هذا الرجل؟ فقال عمر: معضلة و ليس لها إلا أبو الحسن، فقال أبو بكر:

____________

(1) راجع ج 36 ص 445- 446.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأشربة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

455

ادعوا لنا عليا فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته، فقاما و الرجل معهما و من حضرهما من الناس حتى أتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبراه بقصة الرجل و قص الرجل قصته، فقال: ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين و الأنصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، ففعلوا ذلك، فلم يشهد عليه أحد بأنه قرأ عليه آية التحريم، فخلى عنه، و قال:

إن شربت بعدها أقمنا عليك الحد».

أو جهل المشروب أنه من المحرم بل ظن أنه ماء أو شراب محلل بلا خلاف و لا إشكال في شيء من ذلك، نعم لو علم الأول التحريم و لم يعلم أن فيه حدا لم يعذر، كما لا يعذر الثاني لو علم أنه من جنس المسكر، و لكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر، إلا أن يكون من الجهل بالحكم، و يختص التحريم بالقدر الذي يسكر بالفعل فيدرأ عنه بذلك للشبهة و كذا لو شربه بظن أنه من جنس آخر محرم غير مسكر، و الله العالم.

و لا خلاف و لا إشكال في أنه يثبت بشهادة عدلين مسلمين للإطلاق و لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات و لا منضمات كغيره من الحدود إلا ما خرج بدليله، كما سمعته مكررا هنا و في كتاب الشهادات، و يكفي في الشاهد أن يقول: شرب مسكرا و إن لم يعين جنس ما شربه، نعم إن ادعى الإكراه أو الجهل و احتمل ذلك في حقه قبل فلا حد، و كذا لو شهد أحدهما في وقت و الآخر في آخر أو شهد به أحدهما مطاوعا و الآخر مكرها أو عالما و الآخر جاهلا.

و كذا يثبت بالإقرار دفعتين قطعا و لكن الإشكال في أنه لا تكفي فيه المرة التي هي مقتضى إطلاق ما دل (1) على جواز الإقرار. و قد عرفت الكلام فيه مكررا

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2.

456

بل عن ظاهر المبسوط الإجماع عليه هنا.

كما أنك عرفته في أنه يشترط في المقر البلوغ و كمال العقل و الحرية و الاختيار و القصد، و في المرسل (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «من أقر عند تجريد أو حبس أو تخويف فلا حد عليه»

هذا و في محكي المقنعة «و سكره بينة عليه أنه شرب المخمور، و لا يرتقب لذلك إقرار منه في حال صحوه به و لا شهادة من غيره عليه» و لا يخلو من نظر مع احتمال الإكراه و التداوي و غيرهما، و من هنا لا تكفي في ثبوته الرائحة و النكهة لاحتمال الإكراه و الجهل و غيرهما، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من الاكتفاء بالرائحة، و هو واضح الضعف. نعم قد يشهد لما ذكره الشيخ خبر الحسين بن يزيد (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) الذي رواه المشايخ الثلاثة الآتي في المسألة الأولى التي ستسمع الكلام فيها إن شاء الله.

[البحث الثاني في كيفية الحد]

الثاني في كيفية الحد و هو ثمانون جلدة بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص، لكن في حسن الحلبي (3) سأل الصادق (عليه السلام) «أ رأيت النبي (صلى الله عليه و آله) كيف يضرب بالخمر؟ قال: كان يضرب بالنعال و بزيد إذا أتي بالشارب، ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف ذلك على ثمانين أشار

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب حد السرقة- الحديث 2 و هو خبر البختري.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب حد المسكر- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب حد المسكر- الحديث 3.