كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
75

الناس، فلقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بذلك، فقال لي: و لم فعلت ذلك؟! و بئس ما صنعت، إنّما تصلّيها إذا لم ترها خلف الجبل غابت أو غارت ما لم يجلّلها سحاب أو ظلمة، و إنّما عليك مشرقك و مغربك» (1).

و الجواب: أمّا عن الأخبار الدالّة على التوقيت بالغروب و السقوط، فبما أجاب به في المختلف (2) و غيره (3): من أنّه لا كلام و لا خلاف في أنّ أوّل الوقت غروب الشمس، و إنّما الكلام فيما به يتحقّق الغروب، و قد فسّر في الأخبار المتقدّمة بزوال الحمرة، في مفسّرة لتلك الأخبار المتواترة أو القريبة منه، لا معتبرة لشيء زائد على ما اعتبر فيها.

و من هنا يظهر أنّ نسبة القول الثاني إلى من عبّر عن أوّل وقت المغرب بغروب الشمس- كالسيّد في الجمل (4) و نحوه- لمجرّد هذا التعبير، لا يخلو عن نظر، لاحتمال أن يكون قد عبّر بذلك تبعا للأخبار، لكن يقول بعدم تحقّق الغروب إلّا بزوال الحمرة.

و ممّا يدلّك على هذا: أنّ ابن أبي عقيل صرّح- على ما في المختلف (5)- بأنّ أوّل وقت المغرب سقوط القرص، ثمّ قال: و علامته أن يسودّ أفق السماء من المشرق، و ذلك إقبال الليل و تقوية الظلمة في الجوّ.

____________

(1) الوسائل 3: 145، الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث 2، مع اختلاف يسير.

(2) المختلف 2: 41.

(3) كالمحدث البحراني في الحدائق 6: 166.

(4) لم نقف عليه في الجمل، نعم نقل العلّامة في المختلف 2: 19 هذا القول عن السيّد في الجمل، لكن نقل عنه ذلك في 2: 40 عن المسائل الميافارقيّات، انظر رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الاولى): 274.

(5) المختلف 2: 40.

76

فانظر إلى تصريحه بأنّ أوّل الوقت سقوط القرص، ثمّ جعل علامته اسوداد الأفق الشرقيّ، و تقوية الظلمة في الجوّ.

نعم، الإنصاف: أنّ المتبادر من غيبوبة الشمس و غروبها و سقوط قرصها هو السقوط عن النظر، المتحقّق قبل زوال الحمرة، و لكن هذا الظهور غير مقاوم لما دلّ صريحا على اعتبار زوال الحمرة، لأنّ الظاهر يدفع بالنصّ.

بقي الكلام في الأخبار المصرّح فيها بدخول الوقت بسقوط القرص عن النظر فنقول:

أمّا رواية عليّ بن الحكم المتقدّمة: فهي مرسلة ضعيفة خالية عن الجابر، و كذا رواية سماعة، مضافا إلى أنّه (عليه السلام) لم يزد الجواب على أنّه «ليس عليك صعود الجبل» فلعلّ معناه: أنّ مناط الغروب هو ذهاب الحمرة، و لا يجب عليك الصعود، و إنّما عبّر بهذا الكلام لما فيه من إيهام كفاية سقوط القرص عن النظر و إن كان خلف الجبل كما عليه عوام العامّة.

[...] [1] من ذلك يجاب عن قوله (عليه السلام) في رواية زيد الشحام:

«إنّما عليك مشرقك و مغربك». و أمّا ذمّة على صعود الجبل، فلأنّه كان استكشافا لخطإ جهل العامّة، و هذا موجب لثوران الفتنة.

و بالجملة: فلم أجد على هذا المطلب خبرا صحيحا صريحا.

نعم، قد يتوهّم دلالة بعض الصحاح على ذلك صريحا بحيث لا يمكن حمل غيبوبة القرص فيه على زوال الحمرة، و هو الذي رواه الشيخ في

____________

[1] كلمتان لا يمكن قرائتهما في «ق»، و العبارة في «ط» هكذا: كما عليه عوام العامّة، و من ذلك يجاب .. إلخ.

77

الصحيح، عن زرارة عن [أبي جعفر] [1] (عليه السلام)، قال: «وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صلّيت، أعدت الصلاة و مضى صومك و تكفّ عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا» (2)، بناء على أنّ المراد من غيبوبة القرص ذهاب الحمرة، لا غيبوبته عن النظر [و إلّا] [2] لم يكن معنى لرؤيته بعد ذلك، فهذا خبر صحيح صريح في المطلوب.

و فيه: أن غيبوبة القرص عن النظر- التي اعتبره أصحاب القول الثاني- ليس المراد به مجرّد عدم إبصاره و لو لحيلولة مثل جبل، كما استفيد من رواية الشحّام المتقدّمة، المحمولة على التقيّة بقرينة ذمّ الشحّام على استكشاف خطأ المخالفين الموجب لثوران الفتنة، فافهم، بل المراد من غيبوبة القرص عندهم- على ما حكي من اتفاقهم عليه- هو سقوطه عن الأفق الحسّي بحيث لا يرى في شيء من عوالي ناحية المصلّي.

و لا يخفى أنّ هذا المعنى أيضا ينافيه رؤية القرص بعده إلّا إذا فرض اعتقاد الغيبوبة لموجب شبهة من غيم أو ظلمة و نحوهما، و مع هذا الفرض يستقيم إرادة ذهاب الحمرة أيضا من الغيبوبة في الصحيح، فافهم.

ثمّ لو سلّم صحّة بعض الأخبار و صراحته يكون غاية الأمر وقوع التعارض بينه و بين ما دلّ على اعتبار زوال الحمرة، فيجب ترجيح أدلّة اعتبار زوال الحمرة بموافقة المشهور و مخالفة الجمهور.

____________

[1] من المصدر، و محله بياض في النسختين.

[2] الزيادة اقتضاها السياق.

____________

(2) التهذيب 2: 261، الحديث 1039، الوسائل 3: 130، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 17.

78

لا يقال: إنّ بناء الجمهور على اعتبار استتار القرص عن النظر، و إن كان خلف الجبل- كما يشعر به روايتا سماعة و الشحّام المتقدّمتان (1)- فلا يكون القول الثاني من قولي المسألة موافقا لهم.

لأنّا نقول: الظاهر- على ما عن صريح المنتهى (2)- أنّ بناء علمائهم على اعتبار الغيبوبة عن الأفق الحسّي، كما عليه أرباب القول الثاني، إلّا أنّ جهّالهم و عوامهم يفعلون ذلك لفرط عدم المبالاة.

و اعلم أنّه حكي هنا قولان آخران:

أحدهما: اعتبار اسوداد أفق السماء من المشرق، و حكي هذا عن ابن أبي عقيل (3)، و لعلّه لما رواه الشيخ في التهذيب عن محمّد بن عليّ، قال:

«صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلّي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق، يعني: السواد» (4).

و فيه: أنّه- على فرض المنافاة لما عليه المشهور- لا يقاوم الأدلّة المتقدّمة المعتضدة بالكثرة و الشهرة.

ثمّ إنّ ظاهر عبارة ابن أبي عقيل- المحكيّة سابقا عن المختلف (5)- لا يأبى الحمل على المذهب المشهور، فراجع.

____________

(1) تقدّمتا في الصفحة: 74.

(2) راجع المنتهى 1: 203.

(3) حكاه في المختلف 2: 21 و 40.

(4) التهذيب 2: 29، الحديث 86، و الوسائل 3: 128، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 8.

(5) في الصفحة: 75.

79

الثاني: ما حكي عن الصدوق من اعتبار بدوّ ثلاثة أنجم (1)، و لعلّه لما رواه الشيخ- في باب الصوم من التهذيب- عن زرارة، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن وقت إفطار الصائم، قال: حين يبدو ثلاثة أنجم» (2).

و فيه: أنّه شاذّ مخالف لما عليه المعظم، مع أنّه قابل للحمل على المذهب المشهور، لأنّ الغالب أنّ بدوّ ثلاثة أنجم لغير من يدقّق النظر من أوساط الناس إنّما يحصل مع زوال الحمرة، و لو فرض حصوله بعده بيسير لم يكن به بأس من جهة رجحان الاحتياط في الصوم حتّى يحصل اليقين بتجاوز الحمرة عن قمّة الرأس.

ثمّ إنّ في ذيل هذا الخبر: أنّه (عليه السلام) قال لرجل ظنّ أنّ الشمس قد غابت فأفطر ثمّ أبصر الشمس بعد ذلك، قال: «ليس عليه قضاء» (3)، فتدبّر.

____________

(1) راجع الفقيه 2: 129، ذيل الحديث 1932.

(2) التهذيب 4: 318، الحديث 968، و الوسائل 7: 89، الباب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

(3) راجع التهذيب 4: 318، الحديث 968، و الوسائل 7: 88، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

80

مسألة (6)

الأظهر امتداد وقت المغرب إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أربع، فإذا بقي هذا المقدار اختصّ الوقت بالعشاء، و هو المحكيّ (1) عن السيّد (2) و ابن الجنيد (3) و ابن زهرة (4) و ابن إدريس (5) محكيّا عنه دعوى الإجماع (6)، و نسب هذا القول إلى المشهور (7).

____________

(1) حكاه عنهم في المختلف 2: 19 و 20.

(2) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الاولى): 274.

(3) راجع المختلف 2: 20.

(4) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494.

(5) السرائر 1: 195.

(6) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 27 و انظر السرائر 1: 197.

(7) انظر الذخيرة: 193 و الحدائق 6: 175.

81

و عن العماني (1) و الشيخين (2) و السيّد في الناصريّات (3) و القاضي (4) و الديلمي (5) و الحلبي (6) و ابن حمزة (7): انتهاؤه بغيبوبة الشفق، و اختاره بعض متأخّري المتأخّرين (8).

لنا على ما اخترنا- مضافا إلى الأصل-: ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) قال: «إنّ اللّه افترض أربع صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أوّل وقتهما من زوال الشمس إلى غروب الشمس إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه» (9).

و ليس في سنده من يتوقّف فيه سوى «الضحّاك بن زيد» الذي روى عنه البزنطيّ، و قد تقدّم في مسألة الظهرين حسن حاله في نفسه و بملاحظة

____________

(1) حكاه في المعتبر 2: 40 و المختلف 2: 21.

(2) الشيخ المفيد في المقنعة: 93، و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 74.

(3) المسائل الناصريّات (الجوامع الفقهيّة): 229، المسألة: 73.

(4) المهذب 1: 69.

(5) المراسم: 62.

(6) الكافي في الفقه: 137.

(7) الوسيلة: 83.

(8) راجع الحدائق 6: 180- 188.

(9) التهذيب 2: 25، الحديث 72، و الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

82

رواية البزنطيّ عنه (1).

و ما رواه الشيخ عن داود بن فرقد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا غابت الشمس فقد خل وقت المغرب حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي ثلاث ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة حتّى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب و بقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل» (2).

و إرساله غير قادح بعد وجود ابن فضّال الذي ورد الأمر- في بعض الأخبار المعتبرة- بالأخذ بكتبه و رواياته و كذا كتب أولاده أحمد و محمّد و عليّ و رواياتهم (3).

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه» (4).

و ليس في سنده من يتوقّف في شأنه سوى «القاسم» مولى أبي أيّوب- الغير الموثّق صريحا في الرجال- و هو غير قادح بعد رواية البزنطيّ عنه

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 46.

(2) التهذيب 2: 28، الحديث 82، و الوسائل 3: 134، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(3) مثل ما ورد في الجواب عن كتب بني فضّال: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا»، انظر الوسائل 18: 72، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 79.

(4) التهذيب 2: 27، الحديث 78، و الوسائل 3: 132، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 24.

83

من وجهين كما لا يخفى.

مضافا إلى موافقته للأصل، و فتوى الأكثر، و الإجماع المنقول عن الحلّي (1) و المحصّل المركّب المدّعى في المختلف (2) حيث إنّ كلّ من قال بامتداد الظهرين إلى الغروب قال بامتداد العشاءين إلى انتصاف الليل.

و ربّما يتوهّم صحّة الاستدلال في المقام بما رواه الشيخ في التهذيب عن داود الصرميّ، قال: «كنت عند أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوما فجلس يحدّث حتى غابت الشمس ثمّ دعا بشمع و هو جالس يتحدّث، فلمّا خرجت من البيت نظرت و قد غاب الشفق قبل أن يصلّي المغرب، ثمّ دعا بالماء فتوضّأ و صلّى» (3).

و ليس فيه سوى «داود الصرميّ» و لا يقدح، مع كون الراوي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى الذي أخرج من قم من كان يروي عن الضعفاء مثل البرقيّ و سهل بن زياد، فكيف يرضى بأن يروي هو نفسه عن غير ثقة؟! و لكنّ الاستدلال به في المقام فاسد، لأنّ فعل الإمام (عليه السلام) المغرب بعد الشفق في وقت ما لا يدلّ على جوازه مطلقا و لو لغير المعذور، لأنّ الفعل لا عموم فيه، فيحتمل أن يكون تأخيره لأجل عذر، لاحتمال كون التحديث بعد الغروب بأمر لازم، مع أنّه يظهر من بعض الأخبار و كلام

____________

(1) نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 27.

(2) المختلف 2: 22 و 25.

(3) التهذيب 2: 30، الحديث 90، و الوسائل 3: 143، الباب 19 من أبواب المواقيت، الحديث 10.

84

بعض القائلين بانتهائه بغيبوبة الشفق للمختار جواز التأخير لاولي عذر.

حجّة الآخرين أخبار:

منها: ما رواه ابن بابويه- في الصحيح- عن بكر بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) [1] قال: «سألته سائل عن وقت المغرب، فقال: إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه لإبراهيم (عليه السلام) (فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً) فهذا أوّل الوقت و آخر ذلك غيبوبة الشفق ..» (2).

و منها: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «وقت المغرب حين تجبّ الشمس إلى أن تشتبك النجوم» (3).

و منها: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن عليّ بن يقطين، قال:

«سألته عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق، أ يؤخّرها إلى أن يغيب الشفق؟ قال: «لا بأس بذلك في السفر، فأمّا في الحضر فدون ذلك شيئا» (4).

____________

[1] العبارة في «ق» هكذا: «عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) [مقدار نصف سطر مشطوب عليه] عن أبي عبد اللّه».

و حيث ان المصادر اتفقت على رواية بكر بن محمد هذه الرواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مباشرة، فيحتمل قويّا أنّ الاسم الأوّل كان ضمن ما أريد الشطب عليه، و قد ترك سهوا.

____________

(2) الفقيه 1: 219، الحديث 657، و الوسائل 3: 127، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 6.

(3) التهذيب 2: 257، الحديث 1023، و الوسائل 3: 132، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 26، و فيهما: «من حين تغيب الشمس .. إلخ».

(4) التهذيب 2: 32، الحديث 97، و الوسائل 3: 144، الباب 19 من أبواب المواقيت، الحديث 15

85

و منها: ما رواه الشيخ- في الموثّق بابن فضّال- عن جميل بن درّاج، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في الرجل يصلّي المغرب بعد ما يسقط الشفق؟ فقال: لعلّه لا بأس» (1) دلّ بمفهومه على ثبوت البأس بالتأخير لا لعلّه، و هو ظاهر في التحريم.

و مثله: صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس أن تؤخّر المغرب في السفر حتّى يغيب الشفق» (2).

و بمضمونها أخبار أخر، مثل: رواية إسماعيل بن مهران (3)، و مرسلة سعيد بن جناح عن الرضا (عليه السلام) (4)، و رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5)، و موثّقة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (6) و المحكيّ عن الفقه الرضويّ (7).

و يؤيّد ذلك كلّه: ما ورد مستفيضا من أنّ لكلّ صلاة وقتين إلّا صلاة

____________

(1) التهذيب 2: 33، الحديث 101، و الوسائل 3: 143، الباب 19 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

(2) التهذيب 2: 35، الحديث 108، و الوسائل 3: 142، الباب 19 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(3) الوسائل 3: 137، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(4) الوسائل 3: 140، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 19.

(5) الوسائل 3: 137، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(6) الوسائل 3: 139، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 14.

(7) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 73 و 74.

86

المغرب، فإنّ لها وقتا واحدا (1)، بناء على حمل الوقتين لكلّ صلاة على الفضيلة و الإجزاء دون الاختيار و الاضطرار، لأنّ للمغرب أيضا وقتا اضطراريا اتّفاقا، فلا معنى لاستثنائها.

فمعنى هذه الأخبار- و اللّه العالم-: أنّ لكلّ صلاة وقت فضيلة و وقت إجزاء، إلّا المغرب فإنّ لها وقتا واحدا للفضيلة و الإجزاء، و ليس وقت إجزائها مغايرا لوقت فضيلتها كما في غيرها من الصلوات.

و يمكن الجواب عن هذه الأخبار- بعد الاعتراف باعتبار سندها و ظهور دلالتها-: بالحمل على وقت الفضيلة، جمعا بين ظواهر هذه و النصوص السابقة المصرّحة بامتداد الوقت إلى الانتصاف.

و هذا الحمل أولى من حمل الأخبار السابقة على المضطرّ و تخصيص هذه بالمختار من وجوه:

الأوّل: أنّ الأخبار السابقة معتضدة بما عرفت سابقا من المرجّحات، فتعيّن التصرّف في مخالفاتها.

الثاني: أنّ الحمل الأوّل [1] ليس فيه إلّا مخالفة للظاهر في الأخبار الدالّة على انتهاء الوقت بغيبوبة الشفق، و في الحمل الثاني مخالفة للظاهر فيها بالتقييد بالمختار و في الأخبار السابقة بالحمل على المضطرّ.

الثالث: أنّ حمل الأخبار السابقة على المضطرّ مع إطلاقها المنصرف بحكم الغلبة إلى صورة الاختيار، حمل بعيد.

الرابع: اشتمال كثير من الأخبار المحدّدة لآخر الوقت بغيبوبة الشفق

____________

[1] في «ق»: «الاولى».

____________

(1) الوسائل 3: 137، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 1 و 2 و 11.

87

على تحديد أوّل العشاء بها، و ستعرف أنّه محمول على الفضيلة، فكذا تحديد آخر المغرب، صونا لسياق الكلام عن الاختلاف، ثمّ غاية الأمر تكافؤ الأخبار من الطرفين، فوجب الرجوع إلى موافقة الأصل، و هو مع المختار.

بقي الكلام في الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ لكلّ صلاة وقتين إلّا المغرب، حيث إنّ المعروف بين الأصحاب أنّ للمغرب أيضا وقتين و إن اختلفوا في أنّهما للاختيار و الاضطرار أو للفضيلة و الإجزاء، و يمكن أن يحمل على المبالغة و التأكيد في الإتيان بها في الوقت الأوّل، حتّى كأنّ الوقت الثاني الذي هو للإجزاء على قول و للاضطرار على قول آخر لا يعدّ وقتا له، بل الفعل فيه كالفعل خارج الوقت، و به يعلّل ما في بعض هذه الأخبار من أنّ جبرئيل على نبيّنا و آله و (عليه السلام) أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لكلّ صلاة بوقتين، غير المغرب فإنّ وقتها واحد (1).

و كيف كان، فالاحتياط في هذه المسألة المشكلة ممّا لا ينبغي تركه بتقديم الصلاة على غيبوبة الشفق، و دونه في الاحتياط: أن لا يؤخّره إلى ربع الليل، و دونه: أن لا يؤخّره إلى ثلث الليل، و دون الكلّ: أن لا يؤخّره إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أداء سبع ركعات، و إن كان الأقوى جواز التأخير إليه كما عرفت.

و مقتضى ما ذكرنا من الأخبار في إثبات المختار: كون الصلاة قضاء بعد الوقت المذكور للمضطر و المختار، خلافا للمحكيّ عن المحقّق في المعتبر (2) من امتداد الوقت للمضطرّ إلى أن يبقى إلى الفجر مقدار ما يصلّي

____________

(1) الوسائل 3: 137، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

(2) المعتبر 2: 40.

88

المغرب و العشاء، و تبعه على ذلك صاحب المدارك (1)، لما رواه الشيخ في الزيادات من التهذيب في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و إن خاف أن يفوت إحداهما فليبدأ بالعشاء، و إن استيقظ بعد طلوع الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء» (2). و نحوها رواية حمّاد عن شعيب عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3).

و يؤيّدهما: ما دلّ من الأخبار على أنّ المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلّت المغرب و العشاء (4)، و رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا يفوّت الصلاة من أراد الصلاة، لا يفوّت صلاة النهار حتّى تغيب الشمس، و لا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، و لا صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس» (5).

و يمكن أن يجاب عن روايتي ابن سنان و أبي بصير: بأنّ موضع الدلالة

____________

(1) المدارك 3: 54.

(2) التهذيب 2: 270، الحديث 1076، و الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقيت، ذيل الحديث 4.

(3) التهذيب 2: 270، الحديث 1077، و الوسائل 3: 209، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

(4) راجع الوسائل 2: 599 و 600، الباب 49 من أبواب الحيض، الأحاديث 7 و 10 و 11 و 12.

(5) التهذيب 2: 256، الحديث 1015، و الوسائل 3: 116، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

89

فيهما ليس إلّا وجوب تقديم العشاء على المغرب فيما إذا لم يسع المقدار الباقي من الليل لأدائهما، و ليس إلغاء الترتيب إلّا لاختصاص الوقت بالعشاء، و هذا يستلزم كون ما قبله وقتا للمغرب بالإجماع المركّب.

و فيه: منع الدليل على كون إلغاء الترتيب إنّما هو لكون الباقي مختصّا بالعشاء، لم لا يجوز أن يكون هذا الوقت خارجا عن وقت الصلاتين؟! لكن يجب أو يستحبّ تقديم قضاء العشاء على قضاء المغرب إذا لم يتمكّن من قضاء كلتيهما في ليلة الفوت، مع أنّ الإجماع المركّب المدّعى ممنوع و بدونه لا يتمّ الاستدلال، فلعلّ وقت العشاء فقط باق للمضطرّ إلى طلوع الفجر.

قال في الحدائق (1): إنّه قد نقل عن الشيخ في الخلاف أنّه قال:

لا خلاف بين أهل العلم في أنّ أصحاب الأعذار إذا أدرك أحدهم قبل الفجر الثاني مقدار ركعة أنّه يلزمه العشاء الآخرة (2).

هذا كلّه مع اختصاص الخبرين بالنوم و النسيان، فلا يعمّان تمام المدّعى.

و قد يجاب عنهما: بموافقتهما لمذهب العامّة، فلتحملا على التقيّة.

و فيه: أنّ الترجيح بموافقة العامّة فيما إذا كان تعارض الخبرين على غير وجه الإطلاق و التقييد، و إلّا فالمقيّد الموافق للعامّة لا يطرح في مقابل المطلق المخالف له، لأنّ أخبار علاج التعارض لا تشمل هذا القسم منه، كما لا يخفى على من راجعها. إلّا أن يقال: إنّ النوم قد يكون في أوّل الوقت متعمّدا مع ظنّه بأنّه لا يستيقظ قبل الانتصاف، و هذا ليس داخلا في

____________

(1) الحدائق 6: 193 و 194.

(2) الخلاف 1: 271، كتاب الصلاة، المسألة: 13.

90

المضطرّ، و يشمله الروايتان، فليستا أخصّ من الأخبار الدالّة على خروج الوقت بالانتصاف إلّا بعد تخصيصهما بواسطة الإجماع و نحوه بالمضطرّ، و حينئذ فيدور الأمر بين ارتكاب التخصيص فيهما و بين الحمل على التقيّة، و لا مرجّح.

و فيه: منع دوران الأمر بين التخصيص و الحمل على التقيّة، بل يجمع بينهما بأن يقال: إنّ العام مخصّص في الواقع بغير المتعمّد و يتأدّى التقيّة بدلالة ظاهره على العموم، مع أنّ الغالب في النوم عن العشاءين هو النوم مع ظنّ الاستيقاظ، و النوم عنهما مع ظنّ عدمه نادر فلا ينصرف إليه الإطلاق، و لو سلّم شموله له كان إخراجه عنه تقييدا هيّنا كتقييد ما دلّ على خروج الوقت بالانتصاف بصورة الاختيار، فإنّه أيضا صرف للمطلق إلى أفراده الغالبة، فكلا التقييدين هيّنان مع صحّة الدليل المقيّد و اعتضاده بالأصل.

و أمّا الأخبار الآمرة بالصلاتين إذا طهرت الحائض قبل طلوع الفجر:

فلا يبعد حملها على استحباب قضائهما حينئذ كما ذكره الشيخ في التهذيب (1)، إلّا أنّ سياق بعضها يأبى ذلك، و هو ما اشتمل منها على الأمر بفعل الظهرين إذا طهرت قبل غروب الشمس (2)، فإنّه واجب عندنا وفاقا للشيخ في غير التهذيبين (3).

و أمّا الخبر الأخير: فهو ضعيف سندا، و مع ذلك فالأحوط للناسي

____________

(1) لم نقف عليه في التهذيب، نعم هو موجود في الاستبصار 1: 144، ذيل الحديث 492.

(2) انظر الوسائل 2: 559، الباب 49 من أبواب الحيض، الأحاديث 7 و 10 و 11 و 12 و غيرها.

(3) راجع الخلاف 1: 273، كتاب الصلاة، المسألة: 14، و المبسوط 1: 73.

91

و النائم، بل مطلق المضطرّ إذا فاتهم الصلاتان قبل الانتصاف أن يصلّياه بعده من غير تعرّض للأداء و القضاء.

92

مسألة (7)

الأظهر أنّه لا يتوقّف دخول وقت العشاء على غيبوبة الشفق، بل على مضيّ مقدار أداء المغرب، كما تقدّم في أوّل وقت العصر، و هو المحكيّ عن الأكثر (1). و قيل: بعدم دخوله لغير المعذور إلّا بعدها، و هو المحكيّ عن الشيخين (2).

لنا على ذلك: الأخبار المستفيضة:

منها: صحيحة زرارة المتقدّمة في أوّل وقت الظهر الدالّة على أنّه إذا غابت الشمس دخل وقت المغرب و العشاء (3).

____________

(1) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 28 عن كشف الرموز، و انظر كشف الرموز 1: 126.

(2) حكاه في المختلف 2: 24، و راجع المبسوط 1: 75، و المقنعة: 93.

(3) الوسائل 3: 91، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

93

و منها: روايتا عبيد بن زرارة (1) و رواية ابن فرقد (2) [المتقدّمتان] (3) في المسألة السابقة في أدلّة القول المختار.

و منها: ما رواه الشيخ في زيادات التهذيب عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران، قال: «كتبت إلى الرضا (عليه السلام): ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر، و إذا غربت الشمس دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة إلّا أنّ هذه قبل هذه في السفر و الحضر، و أنّ وقت المغرب إلى ربع الليل. فكتب (عليه السلام): كذلك الوقت، غير أنّ وقت المغرب ضيّق، و آخر وقتها ذهاب الحمرة، و مصيرها إلى البياض في أفق المغرب» (4).

و يظهر من هذه الرواية أنّ دخول وقت المغرب و العشاء بغروب الشمس كان معروفا بين الإماميّة في ذلك الوقت، فتأمّل.

و خصوص الأخبار المستفيضة الدالّة على جواز تقديم صلاة العشاء على مغيب الشفق:

منها: ما رواه الشيخ في الموثّق بابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالناس الظهر و العصر في جماعة من غير علّة، و صلّى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل الشفق من غير علّة في جماعة، و إنّما فعل ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليتّسع

____________

(1) تقدّمتا في الصفحة: 81 و 82.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 81 و 82.

(3) في النسختين: المتقدّمة.

(4) التهذيب 2: 260، الحديث 1037، و ورد صدر الرواية في الوسائل 3: 95، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 20، و ذيلها في الوسائل 3: 137، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

94

الوقت» (1).

و منها: ما رواه عن إسحاق بن عمّار، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): نجمع بين المغرب و العشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علّة؟ قال: لا بأس» (2).

و منها: ما رواه في الموثّق بابن فضّال، عن زرارة، قال: «سألت أبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهما السلام) عن الرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق؟ فقالا: لا بأس به» (3).

و منها: ما رواه عن الحلبيّين، قالا: «كنّا نختصم في الطريق في صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق، و كان منّا من يضيق بذلك صدره، فدخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق؟ فقال: لا بأس بذلك. قلنا: و أي شيء الشفق؟ قال: الحمرة» (4).

حجّة الشيخين و من وافقهما قدّس اللّه أرواحهم روايات كثيرة:

منها: ما رواه في الصحيح عن عمران بن علي الحلبيّ، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) متى تجب العتمة؟ قال: إذا غاب الشفق، و الشفق:

____________

(1) التهذيب 2: 263، الحديث 1046، و الوسائل 3: 101، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 6.

(2) التهذيب 2: 263، الحديث 1047، و الوسائل 3: 149، الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 8.

(3) التهذيب 2: 34، الحديث 104، و الوسائل 3: 148، الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

(4) التهذيب 2: 34، الحديث 105، و الوسائل 3: 148، الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 6.

95

الحمرة» (1).

و منها: ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن بكر بن محمّد، و فيه:

«و أوّل وقت العشاء ذهاب الحمرة و آخر وقتها إلى غسق الليل [يعني] (2) نصف الليل» (3).

و منها: مفهوم ما رواه الشيخ عن الحلبيّ بسندين، أحدهما صحيح و الآخر حسن- بإبراهيم بن هاشم- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«لا بأس بأن تعجّل العتمة في السفر قبل أن يغيب الشفق» (4).

و نحوه مفهوم موثّقة جميل بن درّاج بابن فضّال، و فيه: «قلت:

فالرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل أن يسقط الشفق؟ قال: لعلّة لا بأس» (5).

و بمضمونها أخبار كثيرة أخر، مثل رواية محمّد بن عيسى، عن يونس عن يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (6)، و رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (7).

____________

(1) التهذيب 2: 34، الحديث 103، و الوسائل 3: 149، الباب 23 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

(2) من المصدر.

(3) الفقيه 1: 219، الحديث 657، و الوسائل 3: 127، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 6.

(4) التهذيب 2: 35، الحديث 107 و 108، و الوسائل 3: 147 و 148، الباب 22 من أبواب المواقيت، الحديث 1 و 4.

(5) الوسائل 3: 144، الباب 19 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

(6) الوسائل 3: 114، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(7) الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

96

و يمكن الجواب عن هذه الأخبار: بحملها على وقت الفضيلة، و هو أولى من حملها على المختار و حمل ما تقدّم على المعذور، لكون هذه الأخبار موافقة للمشهور- كما عن الخلاف و المنتهى (1)- فالتصرّف فيها أولى، مع أنّ الحمل على المعذور غير مستقيم في موثّقتي زرارة و [ابن] عمّار المتقدّمتين (2)، للتصريح فيهما بجواز التقديم من غير علّة، و بعيد في غيرهما، لكونه حملا للمطلق على الفرد الغير الغالب، و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بتأخير الصلاة إلى مغيب الشفق.

و اعلم أنّه صرّح بعض (3)، بأنّ الخلاف المتقدّم في مسألة اشتراك أوّل الزوال بين الصلاتين أو اختصاص مقدار أداء الظهر بها، جار في العشاءين أيضا، و أنّ الصدوق القائل بالاشتراك هناك قائل به هنا أيضا، لكن لم نقف على تصريح بذلك هنا في كلام الصدوق. نعم روى في الفقيه صحيحة زرارة الدالّة على أنّه إذا غابت الشمس دخل وقت المغرب و العشاء (4). لكنّه روى أيضا مرسلا أنّه إذا صلّيت المغرب فقد دخل وقت العشاء (5). فإن كان نسبة الاشتراك إليه لإيراد رواية زرارة، كانت نسبة الاختصاص إليه أولى،

____________

(1) الخلاف 1: 262، كتاب الصلاة، المسألة 7، و لم نقف عليه في المنتهى صريحا.

راجع المنتهى 1: 205.

(2) في الصفحة: 92 و 93.

(3) لم نقف عليه.

(4) الفقيه 1: 216، الحديث 648، و الوسائل 3: 134، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

(5) الفقيه 1: 221، الحديث 663، و الوسائل 3: 134، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

97

لإيراده هذه المرسلة المقيّدة لرواية زرارة. و لا فرق في رواياته الموردة في الفقيه- التي التزم بصحّتها و اعتقد حجيّتها بينه و بين اللّه تعالى (1)- بين المرسلة و الصحيحة.

و كيف كان، فلو فرض قوله أو قول غيره هنا أيضا بالاشتراك كان الكلام عليه كما عرفت في الظهرين.

____________

(1) انظر الفقيه 1: 3.

98

مسألة (8)

الأظهر الأشهر: امتداد وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل، و هو المحكيّ عن السيّد (1) و ابن الجنيد (2) و سلّار (3) و ابن زهرة (4) و ابن إدريس (5)، و قيل بامتداد وقته إلى ثلث الليل للمختار، و هو الظاهر من المفيد (6)، و حكي عن ابن أبي عقيل أنّ وقتها الأوّل إلى ربع الليل (7).

لنا على ما اخترناه- مضافا إلى الأصل و ظاهر كتاب، بناء على

____________

(1) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الاولى): 274.

(2) المختلف 2: 27.

(3) المراسم: 62.

(4) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494.

(5) السرائر 1: 195.

(6) المقنعة: 93.

(7) المختلف 2: 28.

99

تفسير الغسق بالانتصاف-: الأخبار المستفيضة:

منها: صحيحة زرارة المرويّة في زيادات التهذيب عن أبي جعفر (عليه السلام)، و فيها: «ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سمّاهنّ و بيّنهنّ و وقّتهنّ، و غسق الليل: انتصافه» (1).

و منها: ما رواه الشيخ- أيضا- عن البزنطيّ، عن الضحّاك بن زيد، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ)، قال: «إن اللّه افترض أربع صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أوّل وقتهما من زوال الشمس إلى غروب الشمس إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه» (2).

و منها: مرسلة داود بن فرقد المتقدّمة (3).

و منها: رواية عبيد بن زرارة- المتقدّمة- في آخر المغرب (4).

و منها: صحيحة بكر بن محمّد المقدّمة في المسألة السابقة (5).

و بمعناها أخبار كثيرة، مثل رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) (6)

____________

(1) التهذيب 2: 241، الحديث 954، و راجع الوسائل 3: 6، الباب 2 من أبواب أعداد الفرائض، ذيل الحديث الأوّل.

(2) التهذيب 2: 25، الحديث 72، و الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 4 و الآية في سورة الإسراء: 78.

(3) تقدّمتا في الصفحة: 81 و 82.

(4) تقدّمتا في الصفحة: 81 و 82.

(5) المتقدّمة في الصفحة: 72.

(6) التهذيب 2: 261، الحديث 1041، و الوسائل 3: 135، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 7.

100

و روايتي المعلّى بن خنيس (1) و الحلبيّ (2) و مرفوعة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3) المذكورة كلّا في باب الأوقات من زيادات التهذيب.

حجّة القول الثاني: ما رواه الصدوق في الفقيه بسنده إلى معاوية بن عمّار: «وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل» (4).

و ما رواه الشيخ عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن يزيد بن خليفة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «وقت العشاء حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل» (5). و نحوها رواية زرارة عنه (عليه السلام) (6).

و الجواب: أمّا عن الرواية الأولى، فبالحمل على وقت الفضيلة جمعا، و هذا أولى من حمل الآية و الأخبار على صورة الاضطرار.

و بهذا يجاب عن الأخيرتين مع أنّهما ضعيفتان. أمّا أولاهما فبيزيد

____________

(1) التهذيب 2: 262، الحديث 1042، و الوسائل 3: 135، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 8.

(2) التهذيب 2: 262، الحديث 1043، و الوسائل 3: 135، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

(3) التهذيب 2: 276، الحديث 1097، و الوسائل 3: 134، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

(4) الفقيه 1: 219، الحديث 658، و الوسائل 3: 146، الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(5) التهذيب 2: 32، ذيل الحديث 95، و الوسائل 3: 114، الباب 10 من أبواب المواقيت، ذيل الحديث 2.

(6) لم نعثر على الرواية عن الصادق (عليه السلام)، نعم رويت عن أبي جعفر، انظر التهذيب 2: 263، ذيل الحديث 1045، و الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

101

ابن خليفة، و إن كان الراوي عنه «يونس» الذي حكي إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه (1)، لأنّ الراوي عنه «محمّد بن عيسى» الذي حكي عن الصدوق و شيخه ابن الوليد: عدم الاعتداد بما يرويه عن «يونس» (2)، مع أنّ في هذا الإجماع كلاما.

و أمّا حجّة القول الثالث فلم نقف عليها، و احتجّ له في المختلف (3) بمكاتبة إسماعيل بن مهران، قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر، و إذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة، إلّا أنّ هذه قبل هذه، في السفر و الحضر، و أنّ وقت المغرب إلى ربع الليل. فكتب (عليه السلام): كذلك (4)، غير أنّ وقت المغرب ضيّق، و آخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها إلى البياض في أفق المغرب» (5).

و لا يخفى أنّ هذه الرواية لا دلالة لها على المذهب المذكور إلّا بتمحّل شديد و تعسّف بعيد.

ثمّ إنّ مقتضى النصوص المذكورة خروج الوقت بالانتصاف مطلقا من غير تفرقة بين المضطرّ و المختار، خلافا للمحكيّ عن جماعة، منهم المحقّق في

____________

(1) انظر اختيار معرفة الرجال 2: 830، الرقم 1050.

(2) راجع رجال النجاشي: 333، الرقم 896.

(3) المختلف 2: 29.

(4) في المصدر: كذلك الوقت.

(5) الوسائل 3: 136، الباب 17 من أبواب المواقيت، الحديث 14، و أورد ذيله في 3:

137، الباب 18 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

102

المعتبر (1)، فقالوا بامتداد الوقت للمضطرّ إلى طلوع الفجر، لما تقدّم من الروايات في آخر وقت المغرب.

و هذا حسن، لظهور روايتي ابن سنان و أبي بصير السابقتين (2) في هذا المطلب، مضافا إلى ما تقدّم في آخر وقت المغرب، من دعوى الشيخ في الخلاف- المحكي نقلها عنه في الحدائق (3)- عدم الخلاف في لزوم العشاء على من أدرك ركعة قبل طلوع الفجر. لكن بعض المتأخّرين (4) حمل الروايتين على التقيّة، لموافقة مضمونهما لفتوى الفقهاء الأربعة (5).

و فيه: أنّ التقيّة تتأدّى بدلالة ظاهرهما على عموم الحكم للمختار و المضطرّ، و لا ينافي ذلك إرادة خصوص المضطرّ منهما في نفس المتكلّم (عليه السلام)، لأجل قيام الدليل على خروج وقت الاختيار بالانتصاف، بل يمكن القول بعدم احتياجهما إلى التقييد، لأنّ المتبادر من النوم عن العشاءين بحكم الغلبة هو النوم عنهما لا متعمّدا.

و كيف كان، فيصير الروايتان بعد ملاحظة تقييدهما أو تقيّدهما أخصّ من الأخبار الدالّة بإطلاقها على خروج الوقت مطلقا بالانتصاف، فتعيّن تقييدها بهما.

لكن لا يخفى أنّ مورد الروايتين: النائم و الناسي، و لا دليل على إلحاق غيرهما من المضطرّين.

____________

(1) المعتبر 2: 43 و منهم السيد السند في المدارك 3: 54 و 60.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 88.

(3) تقدّم في الصفحة: 89.

(4) هو الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في روض الجنان: 180.

(5) انظر مختصر المزني: 11، و المحلّى 2: 220، و الفقه على المذاهب الأربعة 1: 184.

103

و قد يردّ (1) حمل الروايتين المذكورتين على المضطرّ باستلزام ذلك ثبوت أوقات ثلاثة للعشاء، أحدها للفضيلة، و الثاني للإجزاء، و الثالث للاضطرار، و هذا مخالف للأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ لكلّ صلاة وقتين.

و فيه: أنّ الظاهر المراد بالوقتين المجعولين لكلّ صلاة وقت الفضيلة و الإجزاء.

و كيف كان، فمقتضى الاحتياط في المقام ترك تعرّض المضطرّ سيّما النائم و الناسي لنيّة الأداء و القضاء إذا صلّى العشاء بعد الانتصاف، و قد عرفت (2) نظيره في المغرب، و لكن الاحتياط هنا أشدّ و آكد.

____________

(1) انظر الحدائق 6: 188 و 198.

(2) الصفحة: 90- 91.

104

مسألة (9)

أوّل وقت صلاة الصبح: طلوع الفجر الثاني، بلا خلاف فتوى و نصّا، و إنّما الخلاف في آخره، فالمشهور: امتداده إلى طلوع الشمس، حكاه في المختلف (1) عن السيّد (2) و ابن الجنيد (3) و المفيد (4) و سلّار (5) و ابن البرّاج (6) و أبي الصلاح (7) و ابن زهرة (8)

____________

(1) المختلف 2: 30.

(2) لم نقف عليه فيما بأيدينا من كتبه و رسائله، و نقله عنه في المعتبر 2: 45 أيضا.

(3) المعتبر 2: 45.

(4) المقنعة: 94.

(5) المراسم: 62.

(6) المهذب 1: 69.

(7) الكافي في الفقه: 138.

(8) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494.

105

و ابن إدريس (1)، و عن الشيخ في المبسوط (2) و ابن أبي عقيل (3): امتداده للمختار إلى طلوع الحمرة المشرقيّة و للمضطرّ إلى طلوع الشمس. و المختار:

ما ذهب إليه المشهور.

لنا على ذلك- مضافا إلى الأصل-: ما روي في الصحيح و غيره من أنّ لكلّ صلاة وقتين (4)، و قد ظهر ممّا ذكرنا في أوقات سائر الصلوات أنّ الأوّل منهما للفضيلة لا للاختيار، و الثاني للإجزاء، فنقول: لا خلاف في كون ما بعد طلوع الحمرة إلى طلوع الشمس وقتا لها و إن اختلفوا في كونه وقتا للإجزاء أو للاضطرار، و قد عرفت أنّ الوقت الثاني للإجزاء.

و يدلّ على ذلك أيضا: ما رواه الشيخ، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «وقت صلاة الفجر (5) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (6).

____________

(1) السرائر 1: 195.

(2) المبسوط 1: 75، و فيه: و آخر وقت المختار طلوع الحمرة من ناحية المشرق، فمن لحق قبل طلوع الشمس ركعة على التمام كان قد أدرك الوقت، و يجب على أصحاب الضرورات عند ذلك صلاة الصبح بلا خلاف، و إن لحق أقلّ من ذلك لم يكن عليه شيء.

(3) انظر المعتبر 2: 45، و المختلف 2: 31.

(4) انظر الوسائل 3: 86، الباب 3 من أبواب المواقيت، الأحاديث 4 و 11 و 13.

(5) في المصدرين: الغداة.

(6) التهذيب 2: 36، الحديث 114، و الوسائل 3: 152، الباب 26 من أبواب المواقيت، الحديث 6.

106

[و ما رواه عن] [1] الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«من أدرك ركعة من الغداة قبل طلوع الشمس كان كمن أدرك [2] الغداة تامّة» (3).

و ما رواه عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«لا تفوّت صلاة النهار حتّى تغيب الشمس، و لا صلاة الليل حتّى يطلع الفجر، و لا صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس» (4).

و هذه الروايات و إن كانت مشتركة في الضعف إلّا أنّها منجبرة بالشهرة، و حكاية الإجماع عن السرائر (5) موافقة للأصل، مع أنّ الرواية الاولى و إن اشتملت على موسى بن بكر، إلّا أنّ الراوي عنه عبد اللّه بن المغيرة، و هو من أصحاب الإجماع.

حجّة العماني و الشيخ: ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «وقت الفجر حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلّل الصبح السماء، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، لكنّه وقت لمن شغل أو نسي أو نام» (6).

____________

[1] ما بين المعقوفتين استظهرناه للسياق، و محله بياض في النسختين بمقدار كلمتين.

[2] في المصدر: فقد أدرك.

____________

(3) التهذيب 2: 38، الحديث 119، و الوسائل 3: 158، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(4) التهذيب 2: 256، الحديث 1015، و الوسائل 3: 116، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

(5) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 30 و انظر السرائر 1: 197.

(6) التهذيب 2: 39، الحديث 123، و الوسائل 3: 151، الباب 26 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

107

و ما روي في الصحيح و غيره: من أنّ لكلّ صلاة وقتين، و ليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا إلّا في علّة (1).

و ما رواه الشيخ عن أبي بصير المكفوف، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ قال: إذا كان الفجر كالقبطيّة البيضاء [1]. قلت: فمتى تحلّ الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك. فقلت:

أ لست في وقت من تلك الساعة إلى أن تطلع الشمس؟ فقال: لا، إنّما نعدّها صلاة الصبيان» (3).

و الجواب عن هذه الروايات: أوّلا: بعدم دلالة شيء منها على امتداد الوقت إلى طلوع الحمرة.

و ثانيا: بالحمل على وقت الفضيلة، لعدم صراحتها و لا ظهور [ل] هما عدا الأخيرة في حرمة التأخير، و لو سلّم ظهورها تعيّن مخالفة الظاهر جمعا، و هذا أولى من حمل الأخبار الأوّلة على المضطرّ كما عرفت مرارا، و لو تساوى الحملان وجب الرجوع إلى مقتضى الأصل كما تقدّم في نظائره.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق ما دلّ من العقل و النقل على رجحان المبادرة إلى فعل الواجب: أن يكون الأفضل الشروع في فريضة الفجر في أوّل ما يطلع الفجر، و يؤيّده بل يدلّ عليه: خصوص ما رواه الشيخ، عن البزنطيّ، عن عبد الرحمن بن سالم، عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت

____________

[1] القبطية: الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء و كأنّه منسوب إلى القبط، و هم أهل مصر، و ضمّ القاف من تغيير النسب. (النهاية، لابن الأثير 4: 6، «قبط»).

____________

(1) راجع الوسائل 3: 87 و 89، الباب 3 من أبواب المواقيت، الحديث 4 و 13.

(3) التهذيب 2: 39، الحديث 122، و الوسائل 3: 155، الباب 28 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

108

لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر، قال:

«مع طلوع الفجر، إنّ اللّه تعالى قال (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) يعني صلاة الفجر، تشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار، فإذا صلّى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرّتين، تثبته ملائكة الليل و ملائكة النهار» (1).

و لكنّ المستفاد من بعض الأخبار رجحان تأخيره عن أوّل الفجر، مثل ما روي من أنّه كان النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [يصلّي ركعتي الصبح، و هي الفجر] (2) إذا اعترض الفجر و أضاء حسنا (3)، و في صحيحة محمّد بن مسلم، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صلّى الفجر حين طلع الفجر، قال:

لا بأس» (4)، فإنّ المستفاد من السؤال شكّه في رجحان ذلك، و من الجواب عدم رجحانه، كما يستشمّ من قوله: «لا بأس».

و يمكن حمل فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على انتظار الجماعة أو المتنفّلين، و أن يكون المراد من قوله: «و أضاء حسنا» أضاء ضوءا بيّنا غير خفيّ، فيكون المعنى: أنّه كان يصلّي إذا تبيّن له ضوء الفجر، و يكون إشارة إلى عدم جواز الشروع مع الاشتباه. و يؤيّد هذا الحمل: ما روي من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يغلس بصلاة الفجر (5) أي يصلّيها في ظلمة آخر الليل.

____________

(1) التهذيب 2: 37، الحديث 116، و الوسائل 3: 154، الباب 28 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل، و الآية من سورة الإسراء: 78.

(2) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(3) الوسائل 3: 154، الباب 27 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

(4) الوسائل 3: 151، الباب 26 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(5) انظر الوسائل 4: 764، الباب 25 من أبواب القراءة، الحديث 3.

109

و أمّا صحيحة ابن مسلم: فيمكن حملها على كون نفي البأس إشارة إلى مرجوحيّة ذلك من حيث استلزامه لترك نافلة الفجر إن لم يصلّها قبل الفجر، و مخالفة العامّة المعرضة للضرر إن صلّاها قبل الفجر. فلعلّ المراد: أنّ الراجح الاشتغال بنافلة الفجر مع طلوعه موافقة للعامّة ثمّ الشروع في الفريضة.

هذا كلّه، مع أنّ ظهور نفي البأس في إثبات المرجوحيّة أو نفي الرجحان ممنوع، فلعلّه لمجرّد توهّم البأس، لكن هذا التوهّم المخالف لما ثبت بضرورة الدين من عدم البأس بالصلاة مع طلوع الفجر بعيد من مثل محمّد ابن مسلم- الذي [هو] من أجلّ فقهاء أصحاب الصادق (عليه السلام)- فلا بدّ أن يكون للسؤال جهة أخرى لا مجرّد المبادرة إلى الصلاة مع الطلوع، و هذا كاف في سقوط الاستدلال بالرواية لما نحن فيه.

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

الفصل الثّاني في أوقات النّوافل

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

مسألة (1) في نافلة الظهرين

الظاهر عدم مشروعيّة فعل شيء من نافلة الظهرين قبل الزوال.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الأصل-: العمومات الدالّة على وضع الشارع إيّاها بعد الزوال، فيكون الفعل الواقع قبله غير موضوع من الشارع، مثل:

ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن الحارث النصريّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «صلاة النهار ستّ عشرة ركعة، ثمان إذا زالت الشمس و ثمان بعد الظهر» (1).

و ما رواه عن حمّاد، عن شعيب، عن أبي بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التطوّع بالليل و النهار، قال: الذي يستحبّ إلّا يقصر

____________

(1) التهذيب 2: 4، الحديث 5، و الوسائل 3: 33، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 9.

114

عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس .. الحديث» (1).

و ما رواه- في الموثّق بابن بكير- عن زرارة، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما جرت به السّنة في الصلاة؟ فقال: ثمان ركعات الزوال .. الحديث» (2). إلى غير ذلك من العمومات، و خصوص مفهوم صحيحة محمّد بن مسلم الآتية إلى غير ذلك من الأخبار.

و أمّا ما في بعض الروايات من جواز تقديمها على الزوال- مثل ما رواه الشيخ عن القاسم بن الوليد الغفاري (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

جعلت فداك صلاة النهار النوافل كم هي؟ قال: هي ست عشرة ركعة، أيّ ساعات النهار شئت أن تصلّيها صلّيتها إلّا أنّك إن صلّيتها في مواقيتها كان أفضل» (4) و ما رواه عن عليّ بن الحكم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال لي: صلاة النهار ستّ عشرة ركعة، [صلّها] (5) أي النهار

____________

(1) التهذيب 2: 6، الحديث 11، و الوسائل 3: 42، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 2.

(2) التهذيب 2: 7، الحديث 12، و الوسائل 3: 43، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 3.

(3) في «ق» كتب فوق كلمة «الغفاري»: «الغساني»، و لعلّ وجهه ما رواه الشيخ قدس سره في التهذيب 2: 267، الحديث 1063 بعنوان الغساني.

(4) التهذيب 2: 9، الحديث 17، و الوسائل 3: 36، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 18، و 3: 169، الباب 37 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

(5) من المصدر.

115

شئت، إن شئت في أوّله، و إن شئت في وسطه، و إن شئت في آخره» (1).

و ما رواه عن عبد الأعلى قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن نافلة النهار قال: ستّ عشرة ركعة متى ما نشطت، إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) كان له ساعات من النهار يصلّي فيها، فإذا شغله ضيعة أو سلطان قضاها، إنّما النافلة مثل الهديّة متى ما أتي بها قبلت» (2). و منها: ما رواه عن محمّد بن عذافر، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): صلاة التطوّع بمنزلة الهديّة متى ما أتي بها قبلت، فقدّم منها ما شئت و أخّر منها ما شئت» (3)- فلا يقاوم شيء منها ما قدّمنا من الروايات، لضعف ما هو الصريح منها في جواز التقديم على الزوال، و هي مرسلة عليّ بن الحكم، و عدم صراحة باقيها، مع ضعف بعضها أيضا، إذ يحتمل أن يراد بقوله (عليه السلام)- في الرواية الأولى-: «أيّ ساعات النهار» ما بعد الزوال، و يحتمل- أيضا- قويّا أن يكون المراد من قوله (عليه السلام)- في الثالثة-: «متى ما نشطت» أي سواء كان في وقتها أو بعد خروجه، كما يدلّ عليه استشهاده (عليه السلام) بقضاء علي بن الحسين (عليهما السلام) للصلوات التي اشغله عنها سلطان أو ضيعة، و مثلهما قوله (عليه السلام)- في الرابعة-: «فقدّم منها ما شئت و أخّر منها ما شئت»، فإنّ المراد من التقديم: فعلها في الوقت أو في أوّله، و من التأخير: فعلها في آخر وقتها، أو بعد خروج وقتها،

____________

(1) التهذيب 2: 8، الحديث 15، و الوسائل 3: 36 الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 17.

(2) التهذيب 2: 267، الحديث 1065، و الوسائل 3: 169، الباب 37 من أبواب المواقيت، الحديث 7.

(3) التهذيب 2: 267، الحديث 1066، و الوسائل 3: 170، الباب 37 من أبواب المواقيت، الحديث 8.

116

و لا ينافي هذا المعنى تنزيل النافلة منزلة الهديّة، لأنّها بمنزلتها بعد تعلّق الأمر بها لا مطلقا.

و كيف كان، فليس في سليم السند من هذه الأخبار تصريح بجواز تقديم نافلة الزوال عليه حتّى يرفع اليد من أجله عن ظواهر ما قدّمنا من الأخبار.

ثمّ لو سلّم- تنزّلا- صراحتها في ذلك، تعيّن حملها على ما إذا علم المكلّف بأنّه لو لم يقدّمها على الزوال اشتغل عنها بعده و لن يتمكّن منها، لمفهوم ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشتغل عن الزوال، أ يتعجّل من أوّل النهار؟

فقال: نعم إذا علم أنّه يشتغل فيعجّلها في صدر النهار كلّها» (1).

و يؤيّده: ما رواه في الصحيح عن إسماعيل بن جابر، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أشتغل، قال: فاصنع كما نصنع، صلّ ستّ ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها صلاة العصر، يعني ارتفاع الضحى الأكبر و اعتد بها من الزوال» (2).

____________

(1) التهذيب 2: 268، الحديث 1067، و الوسائل 3: 168 الباب 37 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

(2) التهذيب 2: 267، الحديث 1062، و الوسائل 3: 169، الباب 37 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

117

مسألة (2)

الأظهر الأشهر: انتهاء وقت نافلة الظهر بصيرورة الظلّ الحادث قدمين، أعني سبعي الشاخص، و بعبارة ثالثة: ذراعا من قامة الإنسان، و انتهاء وقت نافلة العصر بصيرورة الظلّ أربعة أقدام.

و قيل: بانتهاء وقت نافلة الظهر بصيرورة ظلّ كلّ شيء مثله (1)، و انتهاء العصر بصيرورته مثلين.

و قيل: بامتدادهما إلى ما قبل آخر وقت الفريضة (2).

لنا على ما اخترناه- مضافا إلى العمومات الناهية عن التطوّع في وقت

____________

(1) و به قال الحلي في السرائر 1: 199، و المحقق في المعتبر 2: 48 و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 20 و غيرهما، انظر مفتاح الكرامة 2: 31.

(2) قال في المدارك (3: 69) هو مجهول القائل، و قال في الجواهر (7: 171) و لعلّه الحلبي في الكافي. انظر الكافي في الفقه: 158، و اختاره النراقي في المستند (1: 241) و حكاه فيه عن والده أيضا.

118

الفريضة خرج منها ما قبل القدمين إجماعا و بقي الباقي-: خصوص صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) الحاكية لفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الظهر بعد الذراع و العصر بعد الذراعين، قال (عليه السلام) بعد ذلك: «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان النافلة [1]، فإنّ لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفيء ذراعا، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة، و إذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة» (2) فإنّ ظاهرها وجوب ترك النافلة بعد بلوغ الفيء ذراعا.

و لو نوقش في إفادة الجملة الخبرية للوجوب، أمكن التفصّي عنها بوجهين:

الأوّل: انّ مفهوم الغاية- في قوله (عليه السلام): «لك أن تتنفّل إلى أن يمضي الفيء ذراعا» الدالّ على أنّه ليس له التنفّل بعد ذلك- كاف في الحكم بعدم جواز النافلة بعد ذلك قبل الفريضة.

و الثاني: انّ الجملة الخبريّة تفيد الرجحان قطعا، فإذا كان ترك النافلة راجحا كفى ذلك في انتفاء الصحّة، فإنّ المفروض أنّ أدلّة رجحان فعل نافلة الزوال قد خصّصت بذلك، فلا يبقى بعد ذلك دليل على رجحانها، فتأمّل.

و يؤيّد هذه الصحيحة: موثّقة عمّار الساباطي الطويلة- المرويّة في

____________

[1] في «ق»: الفريضة، و كتب فوقها: النافلة (خ ل)، و في هامش التهذيب ما يلي: في المطبوعة و بعض المخطوطات «الفريضة» و الصواب ما أثبتناه، و هو موافق لما في الفقيه.

____________

(2) التهذيب 2: 19، الحديث 55، و الوسائل 3: 103، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 3 و 4.

119

زيادات الصلاة من التهذيب- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «للرجل أن يصلّي الزوال ما بين الزوال و بين أن يمضي قدمان .. إلى أن قال: و إن مضى قدمان قبل أن يصلّي ركعة بدأ بالأولى و لم يصلّ الزوال إلّا بعد ذلك» (1).

حجّة القول الثاني: أصالة عدم خروج الوقت و بقاء الرجحان بعد مضيّ القدمين، و ما دلّ على أنّ حائط مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر (2)، بضميمة ما دلّ على أنّ المراد بالقامة: الذراع (3).

و رواية زرارة: «إذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر، و إذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر» (4)، بناء على أنّ الأمر بفعل الظهر بعد المثل دالّ على تعيّنه و اختصاص الوقت به، في مقابلة ما قبل المثل، حيث إنّ المكلّف مخيّر فيه بين فعل الظهر و نافلتها، لاشتراك الوقت بينهما.

و الجواب، أمّا عن الأصل: فبما تقدّم من الدليل عموما و خصوصا على خروج الرجحان و الرخصة بعد مضيّ القدمين.

و أمّا عن الاستدلال بأخبار القامة، المبنيّ على تفسير القامة بالذراع:

فبفساد المبنى، لأنّ الأخبار المفسّرة للقامة بالذراع ضعيفة جدّا، فلا يرفع

____________

(1) التهذيب 2: 273، الحديث 1086، و الوسائل 3: 178، الباب 40 من أبواب المواقيت، الحديث الأول.

(2) انظر الوسائل 3: 102، الباب 8 من أبواب المواقيت، الأحاديث 3 و 4 و 7 و 27.

(3) انظر الوسائل 3: 106، الباب 8 من أبواب المواقيت الأحاديث 15 و 16 و غيرهما.

(4) الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

120

اليد عن المعنى اللغويّ و العرفيّ للقامة من أجلها، مع أنّ هذا التفسير يردّه صريح صحيحة زرارة السابقة (1) حيث قال فيها: «فإذا بلغ فيئك ذراعا بدأت بالفريضة» فإنّها صريحة في أنّ العبرة بذراع من قامة الإنسان، و هو سبعا الشاخص.

و أمّا عن رواية زرارة: فلأنّ الاستدلال بها مبنيّ على أن يكون سؤال زرارة عن الوقت المختصّ بالفريضتين الغير المشترك بينهما و بين نافلتهما، و هو غير معلوم، بل الظاهر أنّ سؤاله كان عن وقت الصلاتين في القيظ- يعني: شدّة الحرّ و لو كان السؤال عن الوقت المختصّ بالفرضين لم يكن معنى لتخصيصه بالقيظ.

ثمّ اعلم أنّ القائلين بامتداد وقت النافلة إلى المثل بين من استثنى مقدار أداء الفريضة من هذا الوقت و بين من أطلق القول بالامتداد إلى المثل، و رواية زرارة إنّما يتّجه الاستدلال بها على تقدير صحّتها على القول الثاني دون الأوّل.

حجّة القول الثالث: أصالة بقاء الأمر بالنافلة إلى أن يتيقّن ارتفاعه، و لا يتيقّن إلّا إذا ضاق وقت الفريضة، و العمومات المتقدّمة الدالّة على جواز تقديم النافلة و تأخيرها و أنّها بمنزلة الهديّة (2)، و خصوص ما رواه الشيخ في الموثّق عن سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد و قد صلّى أهله أ يبتدئ بالمكتوبة أو يتطوّع؟ قال: إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوّع قبل الفريضة، و إن كان خاف الفوت من أجل

____________

(1) تقدّمت في الصفحة: 118.

(2) الوسائل 3: 169- 170، الباب 37 من أبواب المواقيت، الحديث 7 و 8 و غيرهما.

121

ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة و هو حقّ اللّه، ثمّ ليتطوّع ما شاء، الأمر موسّع أن يصلّي الإنسان في أوّل وقت الفريضة، و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها، ليكون فضل أوّل الوقت للفريضة، و ليس بمحظور عليه أن يصلّي النوافل من أوّل الوقت إلى قريب من آخر الوقت» (1).

و الجواب، أمّا عن الأصل و العمومات: فبما تقدّم.

و أمّا عن الموثّقة: فباحتمال أن يكون المراد بالوقت الحسن: وقت فضيلة الفريضة المشترك بينها و بين نافلتها، و لا ينافيه قوله: «و إن كان خاف الفوت»، لأنّ المراد خوف فوت وقت فضيلة الفريضة.

و لكن هذا الاحتمال إنّما يلائم القول بامتداد وقت النافلة إلى أن يبقى إلى المثل مقدار أداء الظهر، إذ حينئذ يتّجه أن يقال: إذا خاف المكلّف فوت وقت فضيلة الفريضة بأن يبقى من بلوغ الظلّ مثل الشاخص مقدار أداء الظهر، فليبدأ بالفريضة، لئلّا تتأخر عن وقت فضيلتها الذي بلغ من شدّة اهتمام الشارع في محافظته إلى أن ذهب طائفة بحرمة التأخير عنه مع الاختيار.

و أمّا بناء على المختار- من امتداد وقت النافلة إلى مضي القدمين- فلا وقع لهذا الحمل، لأنّ المراد من وقت فضيلة الظهر الذي إذا خاف فوته وجب الابتداء بالفريضة، و إذا لم يخف فوته جاز التنفّل، إن كان وقت صيرورة الظلّ مثل الشاخص، فلا ريب في عدم جواز النافلة قبله مطلقا

____________

(1) التهذيب 2: 264، الحديث 151، و الوسائل 3: 165، الباب 35 من أبواب المواقيت، ذيل الحديث الأول.

122

على المختار، بل يجوز إذا لم يمض القدمان، و إن كان وقت مضيّ القدمين فلا يستقيم وجوب البدأة بالفريضة مع خوف فوته، لأنّ المختار جواز فعل النافلة قبل مضيّ القدمين و إن استلزم تأخير الظهر عنهما.

اللّهم إلّا أن يراد بخوف فوتها: خوف فواتها في وقته الأفضل المختصّ بها، الغير الصالح لنافلتها، و هو أوّل ما بعد مضيّ القدمين، لكن لا يخلو ذلك عن بعد.

فالأولى: أن يحمل التطوّع في هذه الرواية على غير الرواتب اليوميّة من النوافل، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام): «و الفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أوّل الوقت للفريضة»، فإنّه لا خلاف فتوى و نصّا في استحباب تقديم نافلة الظهر في أوّل الوقت و تأخيرها عنه بمقدار أداء النافلة، فكيف يكون الفضل في تقديم الفريضة على النافلة في أوّل الوقت؟! اللّهم إلّا أن يراد بالوقت: الداخل.

ثمّ لو سلّم بعد التقييد المذكور في الرواية كان أولى من اطراحها، لما تقدّم من الأدلّة على المختار المعتضدة بعمل جمهور الأخيار الموافقة للاحتياط المطلوب في ملّة سيّد الأبرار.

ثمّ إنّه قد يستفاد من بعض الأخبار: امتداد وقت نافلة الزوال إلى أن يذهب ثلثا القامة، و هما روايتان رواهما الشيخ في زيادات التهذيب بسندين ضعيفين عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1) و لم أقف على قائل بمضمونهما.

____________

(1) التهذيب 2: 248، الحديث 985 و 986، و الوسائل 3: 107، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 23 و ذيله.

123

مسألة (3)

لو اشتغل بالظهر قبل التنفّل ثمّ فرغ منها و لم يمض وقت النافلة، فهل له الإتيان بها أداء أم لا؟ و كذا الكلام في العصر، وجهان بل قولان، منشأهما أنّه هل يكون لوصف تقدّم نافلة الظهرين عليهما مدخليّة في كون النافلة أداء، بمعنى أنّ وقت نافلة الظهر هو إذا لم يمض قدمان و لم يجئ بالظهر، فإذا انتفى أحدهما انتفى الأداء، و كذا وقت نافلة العصر إذا لم يمض أربعة أقدام و لم يجئ بالعصر، أم لا؟

الأظهر: الأوّل، للأخبار الكثيرة الظاهرة في كون نوافل الظهرين موضوعة و مقرّرة قبلهما، مثل موثّقة سليمان بن خالد- بعثمان بن عيسى، الذي حكي القول (1) بأنّه من أصحاب الإجماع- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)،

____________

(1) انظر رجال الكشي 2: 831، تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن الرضا (عليهما السلام)، الرقم 1050.

124

قال: «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ستّ ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر .. الحديث» (1).

و مثلها: الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر إلّا أنّ بين يديها سبحة، منها: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن محمّد بن أحمد بن يحيى، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام): روي عن آبائك القدم، و القدمين، و الأربعة، و القامة، و القامتين، و ظلّ مثلك، و الذراع، و الذراعين، فكتب (عليه السلام): «لا القدم و لا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين و بين يديها سبحة، و هي ثمان ركعات، فإن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ الظهر فإذا فرغت كان بين الظهر و العصر سبحة، و هي ثمان ركعات، و إن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ العصر» (2).

إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) التهذيب 2: 5، الحديث 8، و الوسائل 3: 36، الباب 12 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 16.

(2) التهذيب 2: 249، الحديث 990، و الوسائل 3: 98، الباب 5 من أبواب المواقيت، الحديث 13.