كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
125

مسألة (4)

لو نذر الصلاة النافلة في وقت الفريضة على القول بعدم مشروعيّتها بأصل الشرع، فهل ينعقد أو لا؟ وجهان، بل قولان، قد يستظهر الثاني، للأدلّة الدالّة على اشتراط الرجحان في متعلّق النذر، الظاهرة في اعتباره فيه مع قطع النظر عن النذر، و ليس للنافلة في الوقت المذكور- مع قطع النظر عن تعلّق النذر بها و إخراجها عن النفل إلى الوجوب- مشروعيّة بالفرض حتّى يصحّ نذرها.

و الحاصل: أن تعلّق الوجوب بها بسبب النذر موقوف على مشروعيّتها، بل رجحانها بمقتضى أدلّة اشتراط الرجحان في متعلّق النذر، و مشروعيّتها فرع وجوبها، لأنّها غير مشروعية ما دامت متّصفة بالنفل، فيلزم الدور الصريح.

فإن قلت: فعلى هذا إذا نذر مطلق الصلاة النافلة فلا يشرع فعلها و لا يحصل البرّ بفعلها في وقت الفريضة، لأنّه إذا فرض عدم مشروعيّة

126

النافلة في وقت الفريضة، فيختصّ متعلّق النذر بالنافلة في غير ذلك الوقت، فيخرج المأتيّ به في ذلك الوقت عن متعلّق النذر.

قلت: ليس الأمر كذلك، لأنّ الحكم بعدم المشروعيّة كراهة أو تحريما إنّما يتعلّق بالصلاة النافلة.

لا بمعنى المتّصفة نوعا بالنفل بحسب أصل الشرع، لأنّه خلاف ظاهر الأدلّة الدالّة على حكم المسألة، نعم لو قيل به فلا إشكال في عدم حصول البرّ بفعلها في وقت الفريضة.

و لا بمعنى المتّصفة شخصا بالنفل فعلا، لأنّه مستلزم لاجتماع حكمين متضادّين.

و لا بمعنى المتّصفة بالنفل لو لا الكراهة أو التحريم، لقبح الحكم على مثلها حينئذ بأحدهما.

بل بمعنى المتّصفة شخصا بالنفل فعلا لو لا الخصوصيّة الموجبة للكراهة أو التحريم.

فمعنى كراهة النافلة في وقت الفريضة أو تحريمها، هو: أنّ الصلاة التي لو فرض وقوعها في غير هذا الوقت كانت متّصفة بالاستحباب، غير مشروعية في هذا الوقت، و غير خفيّ أنّ النذر إذا تعلّق بالنافلة بقول مطلق فلا يصدق عليها لو فرض وقوعها في غير وقت الفريضة أنّها مستحبّة، فلا تكون متّصفة بالكراهة أو التحريم إذا وقعت في وقت الفريضة.

فإن قلت: إنّ المحصّل ممّا ذكرت، هو: أنّ النذر المخرج للنافلة إذا وقعت في غير وقت الفريضة من النفل إلى الوجوب، هو الذي أوجب خروج النافلة إذا وقعت في وقت الفريضة من الكراهة أو الحرمة، و جعلها قابلة لتعلّق النذر بها، فيتعلّق بها.

127

و حاصله: أنّ النذر حقّق مورده القابل لتعلّقه به فتعلّق به، و هذا أمر غير معقول، إذ لا يعقل وجود الموضوع و تحقّقه في الخارج بنفس إيجاد الحكم و تحقّقه.

قلت: إنّ النذر لا يتعلّق بالنافلة بوصف أنّها مطلوبة بالأمر الاستحبابيّ، بل يتعلّق بالصلاة التي لو لا النذر كانت مطلوبة على وجه الاستحباب، و هذا ليس موضوعا للكراهة أو الحرمة، لما عرفت من أنّهما إنّما تتعلّقان بالصلاة التي هي مطلوبة استحبابا بالفعل لو لا الخصوصيّة الموجبة لهما، فخروج مورد النذر عن مورد الكراهة أو الحرمة ليس لأجل صيرورته واجبا بالنذر حتّى يكون النذر محقّقا لمورده، بل خروجه لأجل عدم ملاحظة الاستحباب الفعليّ فيه، خلافا لمورد الكراهة أو الحرمة.

نعم، لو تعلّق النذر بالصلاة المستحبّة بملاحظة أنّها مستحبّة حتّى يكون تعلّقه حقيقة على إطاعة الأمر الاستحبابيّ الوارد في هذا الفعل فلا مناص عن القول بعدم البرّ من المنذور في وقت الفريضة، لأنّه إنّما نذر إطاعة الأمر الاستحبابيّ الوارد في النافلة، و كلّما وجد أمر استحبابيّ بالنافلة يبرّ بإطاعته، و الفرض أنه لا أمر بالنافلة في وقت الفرض، فلا إطاعة [فلا برّ [1]، لكنّ الكلام ليس فيه] [2]، بل فيما إذا تعلّق النذر بالممنوع [3] فعلا بالأمر الاستحبابيّ مع قطع النظر عن استحبابه فعلا، فافهم حتّى لا يختلط

____________

[1] في «ط»: فلا برء.

[2] ما أثبتناه من «ط»، و في «ق» بدل ما بين المعقوفتين ما يلي: «للأمر الاستحبابي» و بعده بياض بمقدار كلمة، و لعلها: فيه.

[3] في «ط»: «بما هو موضوع» بدل «بالممنوع».

128

عليك الفرق بين تعلّق النذر بما هو مستحبّ فعلا بملاحظة استحبابه، الراجع في الحقيقة إلى تعلّق النذر بإطاعة الأمر الاستحبابيّ، و بين تعلّق النذر بالعنوان الذي يثبت له الاستحباب لو لا النذر.

129

[تتمة] [المقصد الثالث [1] [في الاستقبال]

[يجب استقبال الكعبة]

في الاستقبال (يجب) بالوجوب الشرطي أو التكليفي (استقبال) عين (الكعبة) أو الاستقبال بالغير إليها (مع) تيسّر (المشاهدة) بل المحاذاة و لو لم يشاهد، (و) استقبال (جهتها مع) عدم التيسّر لأجل (البعد) عنها (في فرائض الصلاة) اختيارا، (و عند الذبح) مع التمكّن، (و) عند (احتضار الميّت، و دفنه، و الصلاة عليه)، و قد تقدّم تفصيل الكلام فيما يتعلّق بالميّت [2]، و سيأتي بالنسبة إلى غيره.

و ما ذكره المصنّف من اعتبار استقبال المصلّي العين للقادر و الجهة للبعيد هو أصحّ القولين للأصحاب.

____________

[1] ورد في نسخة الأصل- هنا- ما يلي: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين، في الاستقبال».

[2] الظاهر انه قد تقدم في كتاب الطهارة، فراجع.

130

و يدلّ على الأوّل- بعد الأصل و الإجماع المحكيّ عن كنز العرفان (1) و المعتبر (2)-: ما دلّ على كون الكعبة قبلة للناس جميعا من الأخبار المتواترة (3).

و هي الدليل أيضا على الثاني- بعد الإجماع المحقّق في الجملة و المحكيّ- فإنّ كونها قبلة للبعيد العاجز عن استقبال العين لا معنى له إلّا وجوب استقبال جهتها و التوجّه إلى سمتها.

مضافا إلى قوله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (4) و ما دلّ من الأخبار (5) على وجوب التوجّه نحوها من كلّ مكان.

خلافا للمحكيّ عن الشيخين (6) و الطبرسي (7)- مع دعوى الأخيرتين الإجماع- و سلّار (8) و القاضي (9) و ابن حمزة (10) و ابن زهرة (11)

____________

(1) كنز العرفان 1: 85.

(2) المعتبر 2: 65.

(3) انظر الوسائل 3: 215، الباب 2 من أبواب القبلة، الأحاديث 8 و 10 و 14.

(4) البقرة: 144.

(5) الوسائل 3: 219، الباب 2 من أبواب القبلة، الحديث 14.

(6) المقنعة: 95، النهاية: 62، و المبسوط 1: 77، و الخلاف 1: 295، المسألة: 41

(7) مجمع البيان 1: 227، و فيه: قاله أصحابنا.

(8) المراسم: 60.

(9) المهذّب 1: 84.

(10) الوسيلة: 85.

(11) الغنية (الجوامع الفقهية): 494.

131

و المحقّق في الشرائع (1)، بل أكثر الأصحاب، على ما ذكره الشهيدان (2) فأفتوا بما في مرسلة الحجّال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، و المسجد قبله لأهل الحرم، و جعل الحرم قبلة لأهل الدنيا» (3)، و نحوها رواية بشر بن جعفر الجعفي (4)، و النبويّ المحكيّ عن المعتبر و المنتهى (5)، و مرسلة الصدوق (6)، و في المحكيّ عن العلل: «إنّ الكعبة قبلة المسجد، و المسجد قبلة مكّة، و مكّة قبلة الحرم، و الحرم قبلة الدنيا» (7).

و زاد الشيخ فاستدلّ بما دلّ على رجحان التياسر لأهل العراق معلّلا بما لفظه: «إنّ نور الحجر عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال، كلّه اثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حدّ القبلة لقلّة أنصاب [1] الحرم، و إذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حدّ القبلة» (9)، و بأنّ لكلّ مصلّ جهة، و الكعبة لا تكون في الجهات كلّها،

____________

[1] الأنصاب: جمع نصب، و هي علائم موضوعة على جانبي الطريق إلى مكة، للتعريف بحدود الحرم، و انظر القاموس المحيط 1: 132، مادة: «نصب».

____________

(1) الشرائع 1: 65.

(2) الذكرى: 162، المسالك 1: 151.

(3) الوسائل 3: 220، الباب 3 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

(4) نفس المصدر، الحديث 2.

(5) المعتبر 2: 66، و لم نقف عليه في المنتهى.

(6) الفقيه 1: 272، الحديث 844، و الوسائل 3: 220، الباب 3 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(7) علل الشرائع: 318، الباب 3، الحديث 2، و الوسائل 3: 221، الباب 3 من أبواب القبلة، الحديث 4، و فيهما: «البيت قبلة المسجد».

(9) التهذيب 2: 44، الحديث 142، و الوسائل 3: 222، الباب 4 من أبواب القبلة الحديث 2،

132

و لا كذلك التوجّه إلى الحرم لأنّه طويل يمكن أن يكون كلّ واحد متوجّها إلى جزء منه (1).

و الجواب عن الأخبار- بعد ضعف سندها و خلوّها عن الجابر، لوهن الشهرة و الإجماع المنقولين على مضمونها بشهرة الخلاف، بل الإجماع عليه بين المتأخّرين و بعض القدماء كالسيّد (2) و الإسكافيّ (3)-: بضعف الدلالة، بناء على أنّ القبلة لأهل الدنيا ليست عين الحرم، لعدم إمكان توجّه البعيد إليها و إن كان طويلا، و لذا اتفقوا على اجتزاء البعيد بالعلامات الآتية التي لا تعيّن إلّا جهة الحرم و الكعبة، و إن كان الظاهر من الدليل الأخير للشيخ: إمكان توجّه البعيد إلى جزء من العين، و هو الذي فهمه جماعة حيث أوردوا عليه بما سيجيء من بطلان صلاة بعض الصفّ المستطيل.

إلّا أنّ الإنصاف أنّه مخالف للمحسوس، و أنّ عين المسجد ليست أيضا قبلة لقاطبة أهل الحرم، إذ يتعذّر أو يتعسّر على من كان في أقصى الحرم مواجهة عين المسجد، مضافا إلى أنّه حكى الإجماع غير واحد على أنّ من تمكّن من مشاهدة الكعبة يجب عليه مواجهتها و إن خرج عن المسجد، و حكي (4) التصريح- بهذا الحكم و بوجوب استقبال عين المسجد لم تمكّن منه

____________

(1) راجع الخلاف 1: 296، كتاب الصلاة، ذيل المسألة: 41.

(2) حكاه عنه في المعتبر 2: 65، و راجع رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة):

29.

(3) حكاه عنه في المختلف 2: 61.

(4) حكاه في الجواهر 7: 323.

133

و إن خرج عن الحرم- عن جماعة من أرباب هذا القول كالشيخ (1) و القاضي [1] و ابن حمزة (3)، فالأولى حينئذ حمل الروايات على إرادة جهتي المسجد و الحرم، كما ذكره جماعة (4) تبعا للذكرى (5).

و لعلّ وجه الاختلاف في التعبير مع اتحاد الجهتين، هو: أنّه كلّما ازداد ذو الجهة بعدا يعبّر عن جهته بما هو أوسع، كما يشهد به التعبيرات العرفيّة عن جهات الأماكن و البقاع.

و أمّا رواية العلل: فلم يقل بها أحد.

و أمّا ما دلّ على التياسر: فمع ضعفه سندا، لا دلالة لها بعد ما ذكرنا أنّ قبلة البعيد جهة الحرم اتفاقا، لعدم تمكّنه من العين قطعا، فهو على تقدير تسليمه حكم تعبّدي قال به المشهور من أهل القولين (6).

و أمّا الدليل الأخير للشيخ: فهو بظاهره مخالف للمحسوس، لأنّ أهل العراق و الخراسان، بناء على ما ذكره جمع (7) من اتحاد قبلتهم، كيف يمكن لكلّ

____________

[1] المهذّب 1: 84، و فيه: فكلّ من شاهد الكعبة وجب عليه التوجّه إليها.

____________

(1) المبسوط 1: 77.

(3) الوسيلة: 85.

(4) منهم المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 58، و السيّد العاملي في المدارك 3:

120 و صاحب الجواهر في الجواهر 7: 324.

(5) الذكرى: 162.

(6) كما في النهاية: 63، و الشرائع 1: 66، و القواعد 1: 251، و الدروس 1: 159، و غيرها، انظر مفتاح الكرامة 2: 93.

(7) منهم: الشيخ في النهاية: 63، و المحقّق في المعتبر 2: 65، و العلّامة في المنتهى 1:

218، و غيرهم.

134

مصلّ منهم أن يتوجّه إلى عين جزء من الحرم؟! بل اللّازم على هذا التقدير- كما ذكره جماعة (1)- بطلان صلاة بعض الصفّ الذي يزيد طوله على سعة الحرم، لأنّ الخطوط الخارجة المتوازية لا تلتقي أبدا، فكيف يصحّ صلاة أهل الإقليم الواحد بعلامة واحدة؟! و قد تصدّى جمال الملّة في حاشية الروضة لدفع هذا، أوّلا: بمنع كون الخطوط الخارجة متوازية بناء على كرويّة الأرض فحينئذ لا مانع من التقائها كما تلتقي الخطوط الخارجة من محيط الدائرة في نقطة واحدة هي قطبها.

و ثانيا: بأنّ العلم بخروج بعضهم عن العين لا ينافي صحّة صلاة كلّ واحد منهم، لعدم علمه بذلك كما لو اختلفوا في الاجتهاد.

ثمّ قال: نعم، يستشكل بلزوم عدم صحّة الجماعة إذا كان بينه و بين الإمام ما يزيد عن قدر الحرم، ثمّ احتمل اندفاع ذلك بالتزام صحّة صلاتهما كما لو ائتمّ أحد واجدي المني في الثوب المشترك بالآخر.

ثمّ أورد على ذلك: بأنّ هذا رجوع في الحقيقة إلى القول بالجهة، إذ ليس التعويل على هذا في صحّة صلاة كلّ واحد على القطع بعدم خروجه عن حدّ الحرم، بل على صلاته إلى سمت احتمل كونه فيه و قطع بعدم خروجه عنه، و هو ليس إلّا اعتبار الجهة و لا نزاع فيه (2)، انتهى.

أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) لا يغني في دفع ما أوردوه على الشيخ في استدلاله (3) على أنّ قبلة البعيد هي عين الحرم دون الكعبة، لعدم إمكان

____________

(1) انظر روض الجنان: 189، و المستند 1: 257، و غيرهما.

(2) حاشية الروضة: 173.

(3) راجع استدلال الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في الصفحة: 131.

135

استقبال المصلّي الجزء من الكعبة، و إمكان استقباله الجزء من الحرم، فإنّ ما ذكره من الوجهين في تصحيح صلاة الصفّ الزائد على طول الحرم بعينه جار في تصحيح صلاة الصفّ الزائد عن طول الكعبة، كما اعترف هو به حيث أورد نظير هذا على ما ذكره في الروضة من أنّه لو كانت القبلة للبعيد عين الكعبة لزم بطلان صلاة بعض الصفّ الزائد على طول الكعبة (1).

مع أنّه يرد على الوجه الثاني ممّا ذكره: ما اعترف به أخيرا من أنّ فيه التزام عدم كون القبلة هي عين الحرم (2)، إذ المفروض أنّه يحتمل عند كلّ واحد من الإمام و المأموم المتباعدين بما يزيد على طول الحرم أن يكون خارجا عن العين، فكيف يكون العين قبلة لهما مع جهلهما باستقبالها؟! و على الوجه الأوّل: أنّ المقدار القليل من التقوّس الحاصل بسبب كرويّة الأرض لموقف ذلك الصفّ الطويل لا يوجب [التقاء] (3) الخطوط الخارجة و اتصالها بالحرم كما هو معلوم بالحدس و يمكن أن يستعلم بالحسّ.

ثمّ إنّ الظاهر المتن اختصاص الجهة بالبعيد، و ألحق به جماعة القريب العاجز عن العلم بالعين (4)، و هو حسن مع شمول أدلّة الجهة له، و إلّا فالأقوى و الأحوط له تحصيل الظنّ بالعين، و يمكن إرادة ذلك من المتن بأن يراد باستقبال العين استقبالها علما أو ظنا.

و اعلم أنّهم اختلفوا في تعريف الجهة التي هي قبلة البعيد، و لا ثمرة في

____________

(1) انظر حاشية الروضة: 173.

(2) نفس المصدر.

(3) من هامش «ط».

(4) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان: 189، و المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 2:

58، و السيد الطباطبائي في الرياض 3: 111.

136

ذكرها بعد اتفاق كلّهم أو جلّهم على وجوب إعمال العلامات الآتية و شبهها.

نعم، ربّما يظهر من جماعة من متأخّري المتأخّرين (1) عدم وجوب ذلك و أنّه يكفي أن يصدق في العرف التوجّه إلى جانب الكعبة، لقوله تعالى:

(فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (2)، بل لعموم قوله تعالى (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) (3) خرج منه ما خرج بالإجماع، و قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمّار: «ما بين المشرق و المغرب قبلة» (4)، و في صحيحة زرارة: «لا صلاة إلّا إلى القبلة. قلت: و أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب» (5).

و ربّما استظهر سيّد مشايخنا- في مناهله- ذلك من عبارتي المعتبر (6) و المنتهى (7) حيث عرّفا الجهة بالسمت الذي فيه الكعبة، قال: فإذا كان الكعبة في جهة الجنوب أو الشمال كان القبلة بالنسبة إلى النائي جميع ما بين المشرق و المغرب، و إذا كانت في جهة المشرق أو المغرب كان جميع ما بين الشمال و الجنوب قبلة بالنسبة إلى النائي. ثمّ قال: و لا فرق حينئذ بين علمه بعدم استقباله الكعبة أو ظنّه أو لا. ثمّ نسب ذلك إلى مجمع الفائدة و المدارك و الذخيرة. و حكى عن بعض الأجلّة نسبته إلى أكثر المتأخّرين. ثمّ استدل

____________

(1) كالسيّد العاملي في المدارك 3: 121 و المحقق الأردبيلي في المجمع 2: 58 و المحدث البحراني في الحدائق 6: 387 و صاحب الجواهر في الجواهر 7: 343.

(2) البقرة: 144.

(3) البقرة: 115.

(4) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

(5) نفس المصدر، الحديث 2.

(6) المعتبر 2: 66.

(7) المنتهى 1: 218.

137

لهم بما ذكرنا من الكتاب و السّنة و أيّدهما بالسيرة المستمرّة بين المسلمين من المسامحة في أمر القبلة فيما يعتبر فيه القبلة من أمورهم المهمّة كالصلاة و الذبح و نحو ذلك (1).

أقول: الظاهر أنّ كون مجموع ما بين المشرق و المغرب قبلة و إن علم أو ظنّ بكون الكعبة في جزء معيّن من هذه الجهة- مع كونه مخالفا للأخبار المتواترة (2) الدالّة على كون الكعبة قبلة لجميع الناس- خلاف ظاهر الفقهاء، كما صرّح به وحيد عصره في شرحه على المفاتيح، بل صرّح بأنّ صلاة العالم المتعمّد على هذا الوجه خلاف طريقة المسلمين في الأعصار، بل هو عندهم مثل منافيات ضروريّ الدين (3). و يظهر ذلك من غيره أيضا.

نعم، حكى الشهيدان في الذكرى (4) و المقاصد العليّة (5) عن بعض العامّة أنّ المشرق قبلة لأهل المغرب و بالعكس، و الجنوب قبلة لأهل الشمال و بالعكس. و يظهر منهما أنّ المخالف بين المسلمين منحصر في ذلك. و لأجل ما ذكرنا اتفقوا على عدّ من انحرف عمّا يقتضيه الأمارات إلى ما بين المشرق و المغرب من أقسام المصلّي إلى غير القبلة و إن استدلوا على صحّة صلاته بما دلّ على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة. لكن ليس غرضهم من ذلك إخراجه عن مسألة الخاطئ في القبلة، بل إظهار أنّ الانحراف ما لم يصل إلى

____________

(1) لم نجده في المناهل (مخطوط)، انظر مجمع الفائدة 2: 58 و 59، و المدارك 3: 121، و الذخيرة: 214.

(2) الوسائل 3: 218، الباب 2 من أبواب القبلة، الأحاديث 8 و 10 و 14 و غيرها.

(3) شرح المفاتيح (مخطوط): الورقة 76.

(4) الذكرى: 162.

(5) المقاصد العليّة: 127.

138

محض التيامن و التياسر غير مضرّ في نفس الأمر و إن أضرّ مع التعمّد، كما يشهد بذلك اتفاقهم على وجوب الرجوع إلى الأمارات المذكورة و على وجوب الاستدارة إذا تبيّن في أثناء الصلاة انحرافه إلى ما بين المغرب و المشرق.

و دلّ عليه أيضا: موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: «إن كان متوجّها إلى ما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتتح الصلاة» (1).

و رواية القاسم بن وليد، عن الرجل تبيّن له و هو في الصلاة أنّه على غير القبلة، قال: «يستقبلها إذا ثبت ذلك و إن كان فرغ منها فلا يعيدها» (2) فإنّ المراد منه بقرينة نفي الإعادة بعد الفراغ، عدم تعدّيه عمّا بين المشرق و المغرب، و قد حكم الإمام (عليه السلام) فيها و في الموثّقة السابقة بوجوب الاستقبال إلى القبلة، فيعلم من الجواب و السؤال عدم كون ما بين المشرق و المغرب قبلة.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ التمسّك بقوله تعالى: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) (3) في غاية الضعف، لمخالفته للإجماع فتوى و نصّا على عدم كون مضمونه حكما

____________

(1) الوسائل 3: 229، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 4، و فيه: «فيما بين المشرق و المغرب».

(2) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(3) البقرة: 115.

139

للعارف المختار في الفرائض، بل هي إمّا في النوافل أو عند الضرورة أو التحيّر، كما يظهر من النصوص المختلفة، و التمسّك بعمومه بعد خروج ما خرج من الجهات القابلة للتوجّه كاليمين و اليسار و الخلف بالنسبة إلى بعض المكلّفين مستهجن جدّا بشهادة السياق.

و أمّا صحيحتا زرارة و معاوية بن عمّار (1) فقد عرفت وجوب توجيههما بما يخرجهما عن مخالفة الإجماع.

و أمّا السيرة المدّعاة فلعمري إنّها على العكس، كما تقدّم (2) من كلام شارح المفاتيح من أنّ من انحرف فاحشا عن الجهة المعلومة ينكر عليه أشدّ الإنكار (3). نعم، يتسامحون في تحصيل الجهة على وجه الدقّة، لكن لا على هذه المسامحة بحيث يسلبون عن هذا الشخص عنوان التوجّه إلى القبلة.

فالمحقّق في ذلك و القول الفصل هو أنّ ما يجب استقباله من جهة الكعبة ليس أمره بذلك الضيق حتّى يجب- كما ذكر بعضهم (4)- مراعاة بلاد العراق من حيث التشريق و التغريب، و لا بتلك السعة حتّى يجعل مجموع ما بين المشرق و المغرب قبلة، كما يظهر ذلك من التدبّر في الأدلّة من الكتاب و السّنة و فتاوى الفقهاء و سيرة أواسط الناس ممّن لا يحتمل في حقّه عدم المبالاة في أمر دينه و لا الوسواس.

و عليه شواهد كثيرة، من أعظمها: ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة

____________

(1) تقدمتا في الصفحة: 136.

(2) تقدم في الصفحة: 136- 137.

(3) تقدم في الصفحة: 137.

(4) انظر روض الجنان: 197، و الغنائم: 161.

140

(عليهم السلام) للتعرّض لأمرها ببيان ضابط لبلادهم فضلا عن غيرها مع كونه من أهمّ المهمّات، و ترك أصحابهم رضوان اللّه عليهم للتعرّض لأمرها بالسؤال عن أئمّتهم مع أنّهم كانوا يسألونهم عن كثير ممّا لا يحتاج إليه إلّا نادرا.

فالظاهر أنّ الأئمّة ((صلوات اللّه عليهم)) و أصحابهم كلّهم قد اكتفوا بما هو معلوم عند أغلب الناس بأدنى التفات إلى نسبة بلده مع مكّة زادها اللّه شرفا إما لكثرة التردّد أو بملاحظة أوضاع النجوم من الشمس و القمر و غيرهما من الكواكب، لا على وجه الدقّة في علم الرصد أو التقليد من رصديّ دقيق، بل كملاحظتها عند القصد إلى تعيين جهات سائر البقاع و البلاد عند إرادة السير إليها في البرّ و البحر- لا عند الإشارة إلى جهتها تسامحا- لتميّز جهتها من بين الجهات الأربع حتّى يرجع ذلك إلى ما بين المشرق و المغرب، فتدبّر.

نعم، لو علم أو ظنّ سمت القبلة بأزيد من ذلك، فالظاهر عدم جواز التعدّي عنه بحيث يصحّ السلب عرفا، و لا بأس باليسير.

و لو عجز عن معرفة أزيد ما [1] بين المشرق و المغرب علما أو ظنّا، فلا يبعد أيضا القول باكتفائه بالصلاة إلى أيّ جزء شاء، و لا يجب عليه تكرار الصلاة و إن قلنا بالتكرار للمتحيّر، لاختصاص دليله بالمتحيّر في أربع جوانب، مع أنّه لا يبعد أن يكون الوجه في الاقتصار على الأربع إدراك ما بين المشرق و المغرب، و هو حاصل للمكلّف في مفروض مسألتنا، مضافا إلى ما سيجيء من الروايات المعتبرة في المتحيّر (2)، و مخالفتها للمشهور فيما نحن فيه غير معلومة، إذ لعلّ مقصودهم من التكرار في محلّه إدراك الجهة المذكورة

____________

[1] كذا، و لعل الأصح، ممّا.

____________

(2) راجع الوسائل 3: 225، الباب 8 من أبواب القبلة و غيره.

141

المفروض حصولها لهذا الشخص.

و الحاصل: أنّ القدر المخالف للنصوص و الفتاوى و السيرة هو كون ما بين المشرق و المغرب قبلة حتّى بالنسبة إلى العالم أو المتمكّن من تمييز الجهة الخاصّة علما أو ظنّا، دون غيره كالمتحيّر و الناسي و الظانّ و غير ذلك، و سيجيء تمام الكلام في مسألة المتحيّر.

(و يستحبّ) الاستقبال (للنوافل) تارة كاستحباب الطهارة فيها كما إذا فعلت مع الاستقرار، و اخرى كاستحباب السورة كما إذا صليت غير مستقرّ

[الصلاة على الراحلة]

(و) لذا (تصلّى) مع الاختيار (على الراحلة) سفرا- و لو مع الاستدبار- إجماعا نصّا و فتوى، و حضرا على المشهور كما قيل (1) و نسبه آخر إلى الشيخ و المتأخّرين (2)، و عن الخلاف: دعوى الإجماع عليه (3)، و الأخبار به مع ذلك مستفيضة.

ففي صحيحة الحلبي: «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير و الدابّة، قال: نعم، حيث ما كان متوجّها، قلت: أستقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال: لا، و لكن تكبّر حيثما كان متوجّها، و كذلك فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (4).

و صحيحة ابن الحجّاج: «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي النوافل في الأمصار و هو على دابته حيثما توجّهت، قال: لا بأس» (5)،

____________

(1) مصابيح الظلام (مخطوط): 29 و 67.

(2) نسبه في الذخيرة: 215.

(3) الخلاف 1: 299، كتاب الصلاة، المسألة: 45.

(4) الوسائل 3: 240، الباب 15 من أبواب القبلة، الحديث 6.

(5) الوسائل 3: 239، الباب 15 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

142

و نحوها صحيحة حمّاد بن عثمان (1).

و في صحيحة أخرى لابن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال:

«سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابّة إذا خرجت قريبا من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلا بالكوفة، قال: «إن كنت مستعجلا لا تقدر على النزول و تخوّفت فوت ذلك إن تركته و أنت راكب فنعم، و إلّا فإنّ صلاتك على الأرض أحبّ إليّ» (2)، خلافا للمحكيّ (3) عن العمانيّ (4) و ظاهر الحلّي (5) من المنع عن فعلها على الراحلة حضرا، و هو ضعيف بما عرفت.

و يلحق بالراكب الماشي فيجوز له النافلة و لو مستدبرا في السفر إجماعا على الظاهر المصرّح به في محكيّ المنتهى (6) و للأخبار المستفيضة:

ففي صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة اللّيل في السفر و هو يمشي، و لا بأس إن فاتته صلاة اللّيل أن يقضيها بالنهار و هو يمشي، يتوجّه إلى القبلة ثمّ يمشي و يقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثمّ مشى» (7).

و صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في السفر و أنا أمشي. قال: «أوم إيماء و اجعل السجود أخفض من

____________

(1) الوسائل 3: 240، الباب 15 من أبواب القبلة، الحديث 10.

(2) الوسائل 3: 241، الباب 15 من أبواب القبلة، الحديث 12.

(3) حكاه السيّد الطباطبائي في الرياض 3: 149.

(4) المختلف 2: 73.

(5) انظر السرائر 1: 208.

(6) المنتهى 1: 223، و حكاه السيّد الطباطبائي في الرياض 3: 148.

(7) الوسائل 3: 244، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

143

الركوع» (1).

و عن المعتبر- نقلا عن جامع البزنطي- عن حمّاد بن عثمان، عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يصلّي و هو يمشي تطوّعا؟ قال: نعم»، قال البزنطيّ: و سمعته أنا من الحسين ابن المختار (2).

و إطلاق هذه الرواية يشمل الحضر أيضا فيجوز فيه النافلة ماشيا على المشهور كما قيل (3)، و يقتضيه إطلاق الإجماع المحكيّ عن المنتهى على الجواز للماشي (4)، و في الرياض (5) تبعا لوحيد عصره في شرح المفاتيح (6) دعوى عدم الفصل بين الراكب و الماشي الحاضرين.

و ربّما يستدلّ للجواز بأخبار ظاهرة في السفر، كصحيحة ابن عمّار المتقدّمة و نحوها (7)، أو واردة في مقام بيان كيفيّة صلاة الماشي، مثل رواية إبراهيم بن ميمون: «إن صلّيت و أنت تمشي كبّرت ثمّ مشيت فقرأت، فإذا أردت أن تركع أومأت ثمّ أومأت بالسجود و ليس في السفر تطوّع ..

الحديث» (8)، و ليس في الفقرة الأخيرة شهادة أو إشعار بورود الحكم في

____________

(1) الوسائل 3: 244، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(2) المعتبر 2: 77، و الوسائل 3: 245، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث 6.

(3) مصابيح الظلام (مخطوط): 29، و 67.

(4) المنتهى 1: 223.

(5) الرياض 3: 149.

(6) مصابيح الظلام (مخطوط): 29.

(7) تقدمتا في الصفحة السابقة.

(8) الوسائل 3: 244، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث 2.

144

الحضر، بل هو للتنبيه على لزوم ترك الرواتب النهاريّة في السفر كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الظاهر سقوط الاستقبال رأسا، كما عن الشيخ [1] و جماعة (2)، لظاهر الترخيص في فعل مجموع الصلاة على الراحلة حيثما توجّهت سيّما في مقام البيان، و تصريح ذيل صحيحة الحلبي المتقدّمة (3)، و رواية إبراهيم الكرخيّ أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أقدر على التوجّه نحو القبلة في المحمل. قال: «هذا لضيق، أما لكم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أسوة؟!» (4) خلافا للمحكيّ عن الحلّي (5) و جماعة (6) فأوجبوا الاستقبال بالتكبير، و لعلّه لصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة (7) الظاهرة في وجوب ذلك على الماشي فيجب على الراكب، لعدم الفرق، و لمصحّحة ابن أبي نجران عن الصلاة في المحمل في السفر، قال: «إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثمّ كبّر و صلّ حيث ذهب بك بعيرك ..» (8) و يحمل على الاستحباب جمعا، كظاهر

____________

[1] لم نعثر عليه في كتب الشيخ، و لا على من نقل عنه، و في الجواهر عن المبسوط و الخلاف: اشتراط الاستقبال في التكبيرة، و كذا غيره، انظر الجواهر 8: 11.

____________

(2) منهم المحقق في الشرائع 1: 67، و ابن فهد في المهذب 1: 305، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 65، و السيد في المدارك 3: 148، و البحراني في الحدائق 6: 428، و انظر مفتاح الكرامة 2: 98.

(3) تقدّمت في الصفحة: 141.

(4) الوسائل 3: 239، الباب 15 من أبواب القبلة، الحديث 2، و فيه: «ان أتوجه».

(5) السرائر 1: 208 و 336.

(6) منهم الشيخ في الخلاف 1: 298، كتاب الصلاة، المسألة: 43، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 64.

(7) تقدّمت في الصفحة: 142.

(8) الوسائل 3: 241، الباب 15 من أبواب القبلة، الحديث 13.

145

صحيحة معاوية بن عمّار الآمرة بالركوع و السجود مستقبلا، مع استفاضة الأخبار بالإيماء لهما (1).

بقي الكلام في جواز النافلة إلى غير القبلة مع الاختيار و الاستقرار على الأرض، فالمشهور كما قيل (2) على المنع، لأنّ العبادات توقيفيّة و لم يعهد من أحد من الحجج ((صلوات اللّه عليهم)) فعلها كذلك، و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (3)، و لعموم صحيحة زرارة: «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (4).

و يضعّف الأوّل: بحصول التوقيف بإطلاقات الصلاة و خصوص أدلّة النوافل و ما سيأتي من أدلّة الجواز، و الثاني: بضعف السند و قصور الدلالة من وجوه مذكورة في بعض مباحث الأصول، و الثالث: بظهور الصحيحة في الفريضة أو وهن شمول إطلاقها للنافلة بقرينة قول الراوي في ذيلها: «قلت:

فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: بعيد»، مع أنّ الصحيحة صريحة في تحديد القبلة بما بين المشرق و المغرب، فلا تدلّ على اعتبار أزيد من ذلك في النافلة إلّا أن يثبت الأزيد بالإجماع، فتأمّل.

و من هنا (قيل، و) القائل الشيخ (5) و المحقّق (6) و جماعة من متأخّري

____________

(1) انظر الوسائل 3: 244، الباب 16 من أبواب القبلة و غيره.

(2) انظر كشف اللثام 1: 175، و البحار 84: 48، و المستند 1: 268، و الجواهر 8: 4.

(3) عوالي اللئالي 1: 198.

(4) الوسائل 3: 227، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(5) لم نقف على تصريح به في كتب الشيخ (قدّس سرّه)، نعم في روض الجنان: 194 «انه مختار المحقّق و ظاهر الخلاف»، و مثله في البحار 84: 48، و الجواهر 8: 4.

(6) انظر الشرائع 1: 67، و المعتبر 2: 65.

146

المتأخّرين (1)، و في الذكرى- في بحث مكان المصلّي- نسبته إلى كثير من الأصحاب (2): بجواز فعلها للمختار المستقرّ (إلى غير القبلة)، لأصالة عدم الاشتراط، و فحوى جوازها غير مستقرّ، و إطلاق أدلّة الصلاة و النوافل، و عموم قوله تعالى (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) (3) خرج منه الفريضة.

و يؤيّد العموم ما عن العيّاشي في تفسيره (4)، و الراوندي في فقه القرآن (5)، و المحقّق و المصنّف في المعتبر (6) و التذكرة [1]، من ورود الرواية بأنّها نزلت في النافلة.

و لا يعارضها ما عن الشيخ في النهاية (8) و الطبرسي في مجمع البيان (9) من أنّها نزلت في التطوّع في حال السفر، لعدم التعارض إن أريد مورد النزول، و إن أريد اختصاص حكمها بالمسافر فهو مناف لما دلّ على جواز النافلة للراكب و الماشي إلى غير القبلة حضرا (10). و لا مجال لتوهّم التزام

____________

[1] التذكرة 3: 19، و فيه: «قال الصادق (عليه السلام): انها نزلت في النافلة».

____________

(1) منهم ابن فهد الحلي في المهذب 1: 305، و الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 60.

(2) الذكرى: 151.

(3) البقرة: 115.

(4) تفسير العياشي 1: 56، الحديث 80، و الوسائل 3: 243، الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 23.

(5) فقه القرآن 1: 91.

(6) المعتبر 2: 76.

(8) النهاية: 64.

(9) مجمع البيان 1: 191.

(10) الوسائل 3: 239، الباب 15 من أبواب القبلة، و 244، الباب 16 من الأبواب.

147

خروج ما خرج بالدليل، لأنّ المفروض أنّ الأخبار المفسّرة ناصّة باختصاص حكمها بالمسافر و ليس فيها لفظ عامّ كما لا يخفى، و لظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و لا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الفريضة (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)» (1) دلّت على أنّ تشريع القبلة على وجه الوجوب إنّما كان في الفريضة.

و يؤيّده رواية عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال: إذا كانت الفريضة و التفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، و إن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته، و لكن لا يعود» (2).

و لا يبعد أن يكون المراد من النهي عن العود الكراهة، و إلّا فلا تحريم مع عدم كونه قاطعا إلّا أن يحمل مورد السؤال على النسيان، فتأمّل. و نحوها المحكيّ عن مستطرفات السرائر (3) بدون زيادة النهي عن العود.

و يؤيّده أيضا ما عن تفسير العيّاشي بسنده إلى زرارة في حكم الصلاة في السفر في السفينة و المحمل، و في آخرها: «قلت: فأتوجّه نحوها- يعني القبلة- في كلّ تكبيرة، قال: أمّا النافلة فلا، إنّما تكبّر على غير القبلة، ثمّ قال: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ-) (4) و سيجيء تمام

____________

(1) الوسائل 3: 227، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 3، و الآية في البقرة: 144.

(2) قرب الاسناد: 210، الحديث 820، و الوسائل 4: 1250، الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة، ذيل الحديث 8.

(3) مستطرفات السرائر (السرائر) 3: 572، و الوسائل 4: 1249، الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 8، و لكن فيه النهي عن العود- أيضا.

(4) تفسير العياشي 1: 56، الحديث 81، و الوسائل 3: 236، الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.

148

الرواية في الصلاة في السفينة (1)، فإنّ مورد الرّواية و إن كان هو المسافر إلّا أنّ هذا لا يوجب تقييد إطلاق «المتنفّل» سيّما مع الاستشهاد بإطلاق الآية.

و كيف كان، فهذا القول لا يخلو عن قوّة و إن كان الأحوط الترك، لضعف ما أجبنا به عن قاعدة التوقيف و صحيحة زرارة (2).

و ربّما يتوهّم مشروعيّة الفعل على هذا الوجه بمجرّد وجود القول به و احتمال الدليل عليه تسامحا في مدارك السنن، و فيه نظر، فإنّ التسامح مختصّ بمقتضى أدلّته بما إذا لم يكن لذلك الثواب الملتمس طريق متيقّن، فعند دوران المستحبّ بين المطلق و المقيّد لا وجه لإتيان فرد آخر من المطلق تسامحا، نعم، لو لم يتمكّن من المقيّد أمكن الإتيان بالفرد الآخر، إذ لا طريق إلى إدراك الثواب المحتمل إلّا العمل بهذا الاحتمال. و تمام الكلام في محلّه.

(و) كيف كان، (لا يجوز ذلك) المذكور من الصلاة على الراحلة و إلى غير القبلة (في الفريضة، إلّا مع التعذّر كالمطاردة) راكبا و ماشيا، و المرض المانع من النزول، و يجب الاستقبال حينئذ مهما أمكن، و المحافظة على الاستقرار مع التيسّر.

ثمّ إنّ المنع عن فعل الفريضة على غير القبلة ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف، و كذا على الراحلة و إن تمكّن من الاستقبال. و الإجماع عليه (3) كالأخبار مستفيضة:

____________

(1) في الصفحة: 154.

(2) انظر الصفحة: 145.

(3) انظر المعتبر 2: 75، و المنتهى 1: 222، و الذكرى 166، و غيرها.

149

ففي صحيحة عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يصلّي الفريضة على الدابّة إلّا مريض يستقبل به القبلة، و تجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء و يومئ في النافلة إيماء» (1).

و في رواية ابن سنان: «أ يصلّي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال:

لا، إلّا من ضرورة» (2).

و في التوقيع إلى الحميريّ إنّه «يجوز مع الضرورة الشديدة» (3)، و قريب منه توقيع آخر (4).

و في رواية منصور بن حازم قال: سأله أحمد بن النعمان فقال: أصلّي في محملي و أنا مريض؟ قال: [فقال] (5) «أمّا النافلة فنعم، و أمّا الفريضة [فلا] (6)، قال: فذكر أحمد شدّة وجعه، فقال: أنا كنت مريضا شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة أن يقيموني [1] فاحتمل بفراشي فأوضع و أصلّي، ثمّ احتمل بفراشي فأوضع في محلي» (8).

و ظاهر هذه الأخبار طرّا- سيّما الأوّل و الأخير- عدم الاكتفاء في الجواز بمطلق العسر المرخّص في ترك الواجبات، فإنّ المريض المستثنى في الصحيحة الاولى هو الذي لا يتمكّن من استقبال القبلة بنفسه. إلّا أنّ الظاهر من الأخبار الأخر كالأخبار الحاكية لصلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في

____________

[1] كذا في النسخ، و الاستبصار 1: 243، و في التهذيب 3: 308: ينيخوا بي، و في الوسائل 3: 238: يضخوني (يقيموني، ينحّوني، ينيخوني).

____________

(1) الوسائل 3: 237 و 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 1.

(2) الوسائل 3: 237 و 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 4.

(3) الوسائل 3: 237 و 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 5.

(4) الوسائل 3: 237 و 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 11.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

(8) الوسائل 3: 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 10.

150

المحمل يوم المطر و غيرها (1) يدلّ على عدم اعتبار الشدّة، فإنّ نزول الرجل الصحيح في يوم المطر عن المحمل ليس بذلك العسر، مضافا إلى أنّه يكفي في الرخصة عمومات نفي العسر و الحرج.

و أمّا المريض المستثنى في الصحيحة فلا يبعد أن يكون عجزه عن الاستقبال بنفسه لا بمجرّد المرض، بل بضميمة ما يعرض المسافر على الدابّة من التعب بحيث يصعب عليه صرف الدابّة إلى القبلة أو صرف نفسه في المحمل، مع أنّ قوله: «يستقبل» لا يظهر كونه وصفا للمريض، بل هو إنشاء حكم من الإمام (عليه السلام) في بيان كيفيّة صلاته كما يظهر من سياق الرواية، و حينئذ فذكر استقبال الغير به جري على ما هو الغالب، من أنّ المريض في السفر لا يخلو من صاحب يراقبه و يباشر خدماته.

و أمّا الرواية الأخيرة: فحكاية الإمام (عليه السلام) لقضيّة نفسه- بعد ذكر أحمد بن النعمان لشدّة وجعه و عدم ترخيصه في ترك النزول- و إن كان ربّما يظهر منه وجوب تحمّل مثل تلك المشقّة التي تحمّلها الإمام (عليه السلام) إلّا أنّه مع ذلك لا يأبى الحمل على الاستحباب، إذ القول بوجوب النزول على مثل هذا المريض خلاف الإجماع.

ثمّ إنّه لا فرق في إطلاق النصوص و معاقد الإجماعات بين أن يتمكّن من استيفاء الأفعال على الراحلة و بين عدمه، كما هو مذهب الأكثر، بل نسبه غير واحد (2) إلى المشهور، خلافا للمحكيّ عن المصنّف (قدّس سرّه)

____________

(1) الوسائل 3: 237- 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الأحاديث 5 و 8 و 9، و غيرها.

(2) المدارك 3: 142، و الحدائق 6: 414، و الغنائم: 135، و مفتاح الكرامة 2: 105.

151

في النهاية (1)- تبعا لما حكاه المحقّق في الشرائع عن بعض (2) و اختاره من متأخّري المتأخّرين جماعة (3)- لدعوى انصراف إطلاقات النصوص و معاقد الإجماعات إلى الغالب، و لا يخلو عن قوّة، فيجوز الصلاة حينئذ في المحمل إذا تمكّن من أفعال الصلاة و لم يفت الاستقرار بسبب مشي الدابّة كما يتّفق أحيانا، إلّا أنّ الأقوى في النظر أنّ مبنى المنع في النصوص و أكثر الفتاوى على حصول الاضطراب الحاصل للمصلّي و لو بواسطة الراحلة، سواء تمكّن من باقي الأفعال أم لا، و إن قلنا إنّ هذا الاضطراب لا يقدح في الاستقرار المعتبر في الصلاة لو لا النصّ، و لذا عنون في الذكرى (4) مسألتي الصلاة على الراحلة مع التمكّن من استيفاء الواجبات و الصلاة على الدابّة المعقولة [1]، بعد مسألة الصلاة على الراحلة، بحيث يظهر أنّها من فروع هذه لا من أفرادها الداخلة تحت إطلاق عنوانها و إن كان ملحقا بها في المنع عنده و عند جماعة (6) بل نسب إلى المشهور، لكنّ الأقوى فيها الجواز إذا تحقّق سائر الأفعال

____________

[1] أي المشدودة، يقال: عقلت البعير عقلا، و إذا ثني وظيفة مع ذراعه و شدتا معا في وسط الذراع بحبل، و ذلك هو العقال. (انظر المصباح المنير: 422).

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 404، و حكاه في المدارك 3: 143.

(2) الشرائع 1: 67.

(3) منهم: السيد السند في المدارك 3: 143، و المحقّق القمّي في الغنائم: 135، و صاحب الجواهر في الجواهر 7: 430، و يستفاد ذلك أيضا من المحدّث البحراني في الحدائق 6: 414.

(4) انظر الذكرى: 167.

(6) منهم العلّامة في المنتهى 1: 223، و فخر المحققين في الإيضاح 1: 80، و ابن فهد في الموجز (الرسائل العشر): 67.

152

و الشروط، لما استظهرناه من مبنى المنع، و لانصراف الأخبار إلى غيرها، و كذا على الدابّة الواقفة إذا أمن الحركة المنافية للاستقرار أو الاستقبال، و أولى منها الأرجوحة [1] المعلّقة بالحبال.

ثمّ إنّه لا فرق في الإطلاقات بين أقسام الفرائض الأصليّة و إن استحبّت لعارض كالمعادة، و أولى منها المحتاط بها، و لا بينها و بين الواجب بالنذر، كما صرّح به في محكيّ المبسوط (2) و التحرير (3)، و رسالة شاذان بن جبرئيل القمّي (4)، و الذكرى (5).

بل عن التذكرة أنّ المنذورة لا تصلّى على الراحلة، لأنّها فرض عندنا (6)، و تبعه في الذكرى حيث علّل المنع بأنّها بالنذر أعطيت حكم الواجب، و لا فرق بين أن ينذرها راكبا أو مستقرّا (7).

و فيه: أنّه مبنيّ على كون الحكم متعلّقا بمطلق الواجب، و هو في محلّ المنع، إذ لا يبعد دعوى انصراف الإطلاقات إلى الواجبات لو لم ندّع اختصاصها بالفرائض اليوميّة، و مقابلة الفريضة بالنافلة في بعض الأخبار لا إشعار فيها بالتعميم، إذ المتبادر من النافلة أيضا خصوص النوافل

____________

[1] الأرجوحة: حبل يشد طرفاه في موضع عال ثم يركبه الإنسان و يحرّك و هو فيه، سمّي به لتحرّكه و مجيئه و ذهابه. انظر النهاية 2: 198، مادّة: «رجح».

____________

(2) المبسوط 1: 80.

(3) تحرير الأحكام: 29.

(4) انظر البحار 84: 85.

(5) الذكرى: 167.

(6) التذكرة 3: 16.

(7) الذكرى: 167.

153

المتعارفة لا مطلقها، مع أنّ الشيخ روى بطريقه المصحّح عن عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل جعل للّه عليه أن يصلّي كذا و كذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك على دابته و هو مسافر؟ قال: [نعم]» (1)، و تقييده بحال الضرورة لا وجه له، كتضعيف سندها على بعض الطرق.

و لو نذر نافلة معيّنة على الراحلة، فالأقوى انعقاده و إن قلنا بعدم صحّة المنذورة المطلقة على الراحلة، لأنّ ظاهر الأخبار المنع عن فعل الواجب على الراحلة لا عن فعل ما وجب على الراحلة كما لا يخفى، إلّا أن يدّعى أنّ المنساق من الأخبار منافاة صفة الوجوب للإتيان على الراحلة، و فيه تأمّل.

ثمّ إنّ المصنّف (قدّس سرّه)- كالمحقّق طاب ثراه- لم يتعرّض لحكم الصلاة في السفينة اختيارا، و قد جوّزه في كثير من كتبه (2) وفاقا للمشهور كما قيل (3).

و قيّده آخر (4) بالشهرة العظيمة التي لا يبعد معها شذوذ المخالف، للأصل و الأخبار المستفيضة:

ففي مصحّحة جميل بن درّاج: «أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): تكون السفينة قريبة من الشط [1]، فأخرج و أصلّي؟ قال: صلّ فيها، أما ترضى

____________

[1] في الوسائل: الجد (الجدد خ ل).

____________

(1) التهذيب 3: 231، الحديث 596، و الوسائل 3: 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 6.

(2) قواعد الأحكام 1: 253، و التذكرة 3: 34، و نهاية الإحكام 1: 406.

(3) لم نقف عليه، و في الذكرى: 168 و الغنائم: 135: نسبته إلى كثير من الأصحاب.

(4) لم نقف عليه.

154

بصلاة نوح على نبيّنا و آله و (عليه السلام)» (1).

و لا إشعار في الاستشهاد بصلاة نوح على اختصاص الحكم بحال الاضطرار كما ادّعاه في الروض (2).

و رواية المفضّل بن صالح- أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفرات و ما هو أصغر منه (3) من الأنهار في السفينة، قال: «إن صلّيت فحسن، و إن خرجت فحسن» (4)، و نحوها رواية يونس بن يعقوب (5) بزيادة ربّما توهم اختصاص السؤال بالنافلة أو توهن عمومها للفريضة.

و عن تفسير العيّاشي عن زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الصلاة في السفر في السفينة و المحمل سواء؟ قال: النافلة كلّها سواء، تومئ إيماء أينما توجّهت دابّتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلّا من خوف، فإن خفت أومأت، و أمّا السفينة فصلّ فيها قائما و توخّ [1] القبلة بجهدك، فإنّ نوحا قد صلّى الفريضة فيها قائما متوجّها إلى القبلة، و هي مطبقة عليهم. قلت: و ما كان علمه بالقبلة [فيتوجهها] و هي مطبقة عليهم؟! قال:

كان جبرئيل يقوّمه نحوها، [قال] قلت: فأتوجّه نحوها في كلّ تكبيرة؟

____________

[1] من هنا إلى قوله (قدّس سرّه) في الصفحة: 161: «و الأوّل أحوط»، كتبها المؤلّف مكررا مع اختلاف في البيان، لاحظ نص ذلك في الملحق رقم (1) الصفحات: 463- 468 من هذا الكتاب.

____________

(1) الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(2) روض الجنان: 192.

(3) في المصدر: و ما هو أضعف منه.

(4) الوسائل 3: 235، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 11.

(5) الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 5 و 6.

155

قال: أمّا في النافلة فلا، إنّما يكبّر على غير القبلة [اللّه أكبر]، ثمّ قال: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ-)» (1).

و مصحّحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام)، قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي في السفينة الفريضة و هو يقدر على الجدد؟ قال: نعم، لا بأس» (2) إلى غير ذلك من الإطلاقات.

خلافا للشهيدين في الذكرى (3) و الروض (4)، و حكاه أوّلهما عن الحلبيّ و الحلّي بل صرّح في الدروس- على ما حكي- بأنّ ظاهر الأصحاب أنّ الصلاة في السفينة مقيّدة بحال الاضطرار إلّا أن تكون مشدودة (5).

و يوهن الحكايتين ما عن كاشف اللّثام بأنّ الحلبيّ و الحلّي لم يصرّحا بالمنع و إنّما تعرّضا (6) للمضطرّ إلى الصلاة في السفينة كالسيّد في الجمل (7)، و لا ظهور لذلك في اختصاص هذه الصلاة بالمضطرّ، و بأنّه لم يظهر لي ما استظهره في الدروس من الأصحاب إلّا أن يكون قد استظهره من اشتراطهم الاستقرار و منعهم عن الفعل الكثير في الصلاة، ثمّ أخذ في

____________

(1) تفسير العياشي 1: 56، الحديث 81، و الوسائل 3: 236، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 17. و الزيادات من المصدر.

(2) قرب الاسناد: 216، الحديث 849، و الوسائل 4: 707، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 13.

(3) الذكرى: 168.

(4) روض الجنان: 192.

(5) الدروس 1: 161.

(6) انظر الكافي في الفقه: 147، و السرائر 1: 336.

(7) انظر رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 47.

156

الاعتراض عليه (1).

و كيف كان، فاحتجّ للمنع بحسنة حمّاد بن عثمان (2)- بابن هاشم- قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة، قال: إن استطعتم أن تخرجوا [إلى الجدد] (3) فاخرجوا، و إن لم تقدروا فصلّوا قياما، و إن لم تستطيعوا فصلّوا قعودا و تحرّوا القبلة» (4).

و مضمرة عليّ بن إبراهيم، قال: «سألته عن الصلاة في السفينة، قال:

يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام، و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشط» (5).

و بأنّ القرار ركن في القيام و حركة السفينة تمنع من ذلك، و بأنّ الصلاة فيها مستلزمة للحركات الكثيرة الخارجة عن الصلاة.

و لا يخفى ضعف الوجهين الأخيرين، لمنع ما ذكر من الاستلزام، كمنافاة حركة السفينة لاستقرار المصلّي. و الروايتان المانعتان محمولتان على أفضليّة الخروج أو صورة عدم التمكّن من استيفاء الأفعال، بل لا يبعد دعوى ظهور المضمرة في ذلك.

و هذا أولى من حمل الأخبار المتقدّمة على صورة تعسّر الخروج، بل يأبى عنه بعضها، كالحمل على صورة ربط السفينة.

مضافا إلى ترجيح تلك الأخبار بالشهرة العظيمة، خصوصا بناء على

____________

(1) كشف اللثام 1: 177.

(2) كذا في النسختين، و في كتاب الحديث: حماد بن عيسى.

(3) من المصدر.

(4) الوسائل 3: 235، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 14.

(5) الوسائل 3: 234، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 8.

157

صحّة ما تقدّم عن الكشف من عدم تعرّض الحلبيّ و الحليّ للمنع، و بعد التكافؤ فالمرجع هو الأصل و العمومات الحاكمة بصحّة الصلاة في كلّ مكان مباح، لأنّ الظاهر من الإجماع عدم توقيفيّة الصلاة بالنسبة إلى الأمكنة بحيث يطالب الدليل على صحّتها في كلّ مكان بالخصوص، و إن كان الاحتياط يقتضي الأخذ بالمتيقّن عند كلّ شكّ.

ثمّ إنّ مقتضى الأدلّة القطعيّة الدالّة على وجوب أفعال الصلاة و شروطها اختصاص الجواز بصورة التمكّن من ذلك، كما حكي التصريح به عن غير واحد (1)، لكنّ المحكيّ عن كشف اللّثام بأنّ ظاهر المبسوط (2) و الوسيلة (3) و المهذّب (4) و نهاية الإحكام (5) الإطلاق (6)، و هو ضعيف، لمنع إطلاق في الأخبار المتقدّمة المجوّزة لكونها مسوقة لبيان أصل الجواز في مقام دفع توهّم المنع قياسا على الراحلة، فلا يقوى على تخصيص الأدلّة القطعيّة الدالّة على اعتبار الشروط و الأفعال الموجبة للخروج عن السفينة مقدّمة لتحصيل تلك الواجبات، و لو فرض ظهور بعض الأخبار في الرخصة مع عدم التمكّن من الاستيفاء، لم ينهض بعد الإغماض عن سنده- لعدم معلوميّة

____________

(1) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 63، و الرسالة الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 105، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 177، و السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 107.

(2) المبسوط 1: 130.

(3) الوسيلة: 115.

(4) المهذب 1: 118.

(5) نهاية الإحكام 1: 406.

(6) كشف اللثام 1: 177، و حكاه في الجواهر 7: 437، 438.

158

انعقاد الشهرة على مضمونه، بل معلوميّة عدمه- لتخصيص الأدلّة القطعيّة المتعدّدة المتكثّرة.

و يظهر من الحدائق، أنّ الخلاف إنّما هو في صورة عدم التمكّن (1).

و فيه نظر، بل الظاهر من استدلال المانعين بفوات الاستقرار أو لزوم الفعل الكثير أنّ تحقّق باقي الشروط و الأفعال مفروغ عنه، و لو فرض صحّة ما ذكره كان الأقوى في المسألة المنع.

ثمّ إنّ كلام بعض المانعين و إن كان مطلقا يشمل السفينة الواقفة، نظير ما أطلقوه في الراحلة، إلّا أنّ الظاهر أنّه لا خلاف في الجواز إذا كانت السفينة واقفة كما يظهر من عبارة الدروس المتقدّمة (2) و صرّح به فيما حكي عن المحقّق الثاني (3)، كما لا خلاف و لا إشكال في جواز الصلاة في الجارية منها مع الاضطرار، و يجب- حينئذ- مراعاة ما يمكن منها من الأفعال و الشروط، للإجماع على قاعدة «الميسور لا يسقط بالمعسور» في خصوص الصلاة كما يستفاد من التتبّع، و إن كانت هذه القاعدة منقّرة (4) في غيرها، مضافا إلى أنّ المتبادر عرفا من أدلّة الشروط اعتبارها بقدر الإمكان من غير أن يكون للهيئة المجموعيّة مدخلا في اعتبار الشرط بحيث إذا لم يقدر على مراعاته في الكلّ يسقط مراعاته في البعض، مضافا إلى أنّ مقتضى أدلّة الشروط مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (5) كون الفاقدة للقبلة في

____________

(1) الحدائق 6: 420.

(2) تقدّمت في الصفحة: 155.

(3) جامع المقاصد 2: 64.

(4) في «ط»: مقرّرة، و هو تصحيف.

(5) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 2.

159

مجموعها غير صحيحة، خرج من ذلك ما إذا راعى الشرط فيها بقدر الإمكان و بقي الباقي.

و كيف كان، فلا يحتاج الحكم المذكور إلى ابتنائه على مسألة أنّ الأمر بالكلّ أمر بالأجزاء أصالة أم لا؟ كما عن الذخيرة (1)، مع أنّ في صحّة هذا الابتناء كلاما مذكورا في محلّه.

و ممّا ذكر يعلم وجوب استقبال القبلة في تكبيرة الإحرام و الاستمرار عليه، بأن يدور مع القبلة لو دارت السفينة إلى أن يحصل العجز فيسقط.

و يدلّ على ما ذكر- مضافا إلى القاعدة المتقدّمة-: الإجماع و الأخبار المستفيضة، قيل (2): بل ربّما كانت متواترة.

ففي رواية سليمان بن خالد: «فإن دارت السفينة فليدر معها إن قدر على ذلك» (3).

و في رواية الحلبيّ: «يستقبل القبلة و يصفّ رجليه، فإذا دارت و استطاع أن يتوجّه إلى القبلة، و إلّا فليصلّ حيثما توجّهت [به]» (4).

و في رواية يونس بن يعقوب: «عن الصلاة المكتوبة في السفينة و هي تأخذ شرقا و غربا، قال: استقبل القبلة ثمّ كبّر ثمّ در مع السفينة حيث دارت بك» (5).

____________

(1) لم نقف عليه.

(2) لم نقف على القائل.

(3) الوسائل 4: 707، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 10، و فيه: «فليدر مع القبلة».

(4) الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

(5) الوسائل 3: 234، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 6.

160

و في المرسل المحكيّ عن الهداية: «فإن دارت السفينة فدر معها و تحرّ القبلة» (1).

و في خبر سويد بن غفلة: «إذا صلّيت في السفينة فأوجب الصلاة إلى قبلة، فإن استدارت فاثبت حيث أوجبت» (2).

و غير ذلك من الأخبار (3).

و منها- مضافا إلى الإجماع المدّعى- يعلم تقديم مراعاة القبلة على الاستقرار الذي يفوت بالدوران.

نعم، لو أمكن الجمع بالسكوت حال الحركة وجب.

(و لو لم يمكنه الاستقبال، فهل يجب تحرّي ما بين المشرق و المغرب؟

[وجهان] (4) من إطلاق الفتوى و النص بأنّه يصلّي) (5) مع عدم إمكان الاستقبال حيث توجهت مع اقتضاء المقام للبيان، و من أنّ الجهة المذكورة أقرب إلى القبلة في نظر الشارع، و لذا أمر المتحيّر بإدراكها بتكرار الصلاة إلى أربع جهات، و عذّر الخاطئ في القبلة إذا لم يخطئ تلك الجهة، مضافا إلى التصريح بكونها قبلة مطلقا في صحيحتي زرارة (6)

____________

(1) الهداية (الجوامع الفقهيّة): 52، و مستدرك الوسائل 3: 178، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 5.

(2) الوسائل 5: 554، الباب 28 من أبواب صلاة المسافر، الحديث الأوّل، و فيه:

«فأثبت الصلاة إلى القبلة».

(3) انظر الوسائل 3: 235، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 13 و غيره.

(4) من النسخة المكررة بخط المؤلّف (قدّس سرّه).

(5) ما بين القوسين ساقط من «ط».

(6) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 2.

161

و معاوية بن عمّار (1) المتقدّمتين (2)، خرج من ذلك المتعمّد القادر، و هذا أقوى.

و لو عجز عن ذلك، ففي وجوب استقبال صدر السفينة قولان: يشهد لأوّلهما بعض الأخبار (3) الضعاف الخالية عن الجابر، و للثاني خلوّ النصوص المعتبرة الواردة في مقام البيان، و هو الأقوى، و الأوّل أحوط.

و اعلم [1] أنّ مقتضى أدلّة وجوب الصلاة إلى القبلة وجوب تحصيل العلم بها جهة أو عينا (فإن علم بها فعلا) [2]، و يحصل العلم بالمشاهدة أو ما يقوم مقامها و عدّ منه محراب المعصوم (عليه السلام) الذي بناه أو بني بحضرته فقرّره من دون عذر، أو صلّى فيه من دون انحراف، و عدّ من ذلك محاريب مساجد كثيرة في المدينة و الكوفة و البصرة.

لكن لا يخفى أنّ العلم ببقاء شيء منها على بنائه السابق و العلم بصلاة المعصوم (عليه السلام) فيه من دون انحراف مشكل، فإنّ اولى تلك المساجد في ذلك: مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالمدينة و مسجد الأمير (عليه السلام) بالكوفة.

و قد ذكر المجلسيّ (رحمه اللّه) في البحار ما يدلّ على تغيّرهما بعد تصريحه بانحراف مسجد الكوفة بأزيد من عشرين درجة عمّا تقتضيه القواعد، و كذا مسجد السهلة و مسجد يونس، قال: «و لمّا كان أكثر تلك المساجد مبنيّة في

____________

[1] في هامش «ط» ما يلي: قوله: «و اعلم» غير مربوط بالسابقة، [و هو] واقع في الأصل في أول الصفحة. هذا و قد وقفنا في النسخة المكررة بخط المؤلّف على مطالب بدأت بالبسملة، أوردناها في الملحق رقم (1) الصفحات 469- 473 فراجع.

[2] ما بين القوسين مشطوب عليه في «ط» و كتب الناسخ فوقه: «ظاهرا».

____________

(1) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 136.

(3) راجع الوسائل 3: 236، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 15.

162

زمان عمر و غيره من الخلفاء، لم يمكنهم (عليهم السلام) القدح في ذلك، فأمروا بالتياسر لأجل ذلك، و علّلوه بالوجوه الخطابيّة لإسكاتهم و عدم التصريح بخطإ الخلفاء.

و ما ذكره أصحابنا من أنّ محراب مسجد الكوفة صلّى فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا يجوز الانحراف عنه، إنما يثبت إذا علم أنّ الامام (عليه السلام) [بناه] (1)، و معلوم أنّه (عليه السلام) لم يبنه، أو صلّى فيه من غير انحراف، و هو أيضا غير ثابت، بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الآثار القديمة عند تعمير المسجد في زماننا ما يدلّ على خلافه، كما سنذكره في المزار (2)، مع أنّ الظاهر من بعض الأخبار أنّ هذا البناء غير البناء الذي كان في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل ظهر لي من بعض الأدلّة و القرائن أنّ محراب مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالمدينة أيضا قد غيّر عمّا كان في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّه على- ما شاهدنا في هذا الزمان- موافق لخطّ نصف النهار، و هو مخالف للقواعد الرياضيّة من انحراف قبلة المدينة إلى اليسار قريبا من ثلاثين درجة، و مخالف لما رواه العامّة و الخاصّة من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) زويت له الأرض و رأس الكعبة، فجعله بإزاء الميزاب (3)، فإنّ من وقف بحذاء الميزاب يصير القطب الشماليّ محاذيا لمنكبه الأيسر و مخالف لبناء بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي دفن فيه، مع أنّ الظاهر أنّ بناء البيت كان موافقا لبناء

____________

(1) من المصدر.

(2) في المصدر، كما سيأتي ذكره، و ذكره العلّامة المجلسي في البحار 100: 431- 434.

(3) لم نقف عليه في كتب الحديث، و ذكره الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى: 163 و المحدّث البحراني في الحدائق 6: 395، و انظر تاريخ المدينة للسمهودي 1: 261.

163

المسجد، و بناء البيت أوفق بالقواعد من المحراب، و أيضا مخالف لمسجد قبا و مسجد الشجرة و غيرهما من المساجد التي بناها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو صلّى فيها.

و لذا خصّ بعض الأفاضل ممّن كان في عصرنا حديث المفضّل (رحمه اللّه) و أمثاله في التياسر على مسجد المدينة، و قال: لمّا كانت الجهة وسيعة و كان الأفضل بناء المحراب على وسط الجهات إلّا أن يعارضه مصلحة كمسجد المدينة، حيث بني محرابه على خطّ نصف النهار لسهولة استعلام الأوقات، مع أنّ وسط الجهات فيه منحرف نحو اليسار [فلذا] (1) حكموا باستحباب التياسر فيه ليحاذي المصلّي وسط الجهة المتّسعة، و سيأتي مزيد توضيح لتلك المقاصد مع الأخبار و القرائن الدالّة عليها في كتاب المزار» (2)، انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و ربّما يمنع من كون محراب المعصوم (عليه السلام) من الأدلّة العلميّة- و إن علم بقاؤه على بنائه و صلاة المعصوم (عليه السلام) فيه من دون انحراف- بمنع وجوب عمل المعصوم (عليه السلام) بالعلم في تلك الصلاة، فلعلّه اكتفى بالجهة العرفيّة إمّا لمنع تمكّنه في ذلك الوقت من العلم العادي البشريّ و عدم تكليفه بالعمل بعلومهم المختصّة، و إمّا لمنع وجوب العمل بالعلم للبعيد مع استقبال ما يصدق عليه الجهة عرفا، أو لعلّه اكتفى بسبب شرعيّ يقوم مقام العلم كالبيّنة و نحوها و إن كان مخالفا للواقع، سيّما إذا كان مورد العمل من قبيل الشروط العلميّة التي لا يوجب اختلالها فساد العبادة في الواقع، كما قال

____________

(1) من المصدر.

(2) البحار 84: 53 و 54، مع اختلاف يسير.

164

الأمير (عليه السلام): «لا أبالي أبول أصابني أم ماء، إذا لم أدر» (1).

و على فرض الإغماض عن الكلّ فلعلّ الإمام (عليه السلام) صلّى على وضع المحراب تقيّة، و دفع ذلك و نحوه بالأصل يخرج العلامة عن كونها قطعيّة لتقدّم على غيرها.

[و لو فقد العلم عوّل على العلامات]

(و) كيف كان، (لو فقد) تيسّر (العلم (2) عوّل على العلامات) المنصوبة للدلالة عليها المذكورة في كتب الفقه و غيرها، و سيأتي جملة منها لبعض الآفاق.

و اشتراط التعويل عليها بفقد العلم يكشف عن عدم كونها مفيدة للعلم، مع أنّ الظاهر المصرّح به في كلام بعض (3) و محكيّ (4) آخرين- منهم المصنّف في المنتهى (5) تبعا للمحقّق في المعتبر (6) و الشهيد في الذكرى (7)- أنّها تفيد العلم بالجهة إذا حررت [2] على وجهها المعتبر، و إن أراد العلم بالعين فهو حقّ، إلّا أنّه لا بدّ من تخصيص العلم المذكور في أوّل الكلام أيضا بالعين،

____________

[2] في «ط»: أحرزت.

____________

(1) الوسائل 2: 1054، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 5، و فيه: «إذا لم أعلم».

(2) في الإرشاد: علم القبلة.

(3) انظر: جامع المقاصد 2: 69، و المسالك 1: 156، و الروض: 194، و المدارك 3:

132، و الرياض 3: 129.

(4) حكاه عن ظاهر المعتبر و المنتهى في الذخيرة: 218، و انظر الرياض 3: 129.

(5) المنتهى 1: 219.

(6) المعتبر 1: 69 و 70.

(7) الذكرى: 162.

165

فتبقى العبارة خالية عن ذكر العلم بالجهة التي هي قبلة البعيد، و البلوى بها أعمّ.

إلّا أن يقال: إيجاب التعويل على تلك العلامات، مع فرض إفادتها العلم بالجهة (و) الحكم بأنّه (يجتهد مع الخفاء) [1] أي خفاء تلك العلامات، في قوّة التصريح بأنّه يجب على من فقد العلم بالعين- كالبعيد- العلم بالجهة بإعمال تلك العلامات، و من فقد ذلك يجتهد في الأمارات الموجبة للظنّ بالجهة.

و يمكن- أيضا- ابتناء الكلام على عدم كون العلامات مفيدة للعلم لأغلب الناس لعدم اطّلاعهم على وجه دلالتها على الجهة، بل هذا مخفيّ على من عدا الرصديّ الدقيق، المباشر لملاحظة طول البلد و عرضه بالنسبة إلى طول مكّة زادها اللّه شرفا و عرضها، فيكون مرجع جلّ الناس في ذلك إلى قول أهل الرصد، و قولهم لا يفيد إلّا الظنّ، لأنّ فنّهم علم دقيق لا يؤمن فيه الخطأ في الأحكام و الاشتباه في الموضوعات و المحاسبات و غيرها.

بل ربّما حكي عن بعض (2) أنّه قال- و أفرط فيما قال-: إنّ شيئا من كلامهم لا يفيد علما و لا ظنّا، و لا وثوق لنا بإسلامهم فضلا عن عدالتهم، فكيف يحصل لنا علم أو ظنّ بصحّة ما يلقونه إلينا من قواعدهم؟! و هذا القول و إن كان مصادما للوجدان إلّا أنّ دعوى حصول العلم

____________

[1] هذه الفقرات من كتاب الإرشاد تعرض المؤلف (قدّس سرّه) لشرحها مكررا، راجع الملحق رقم 1 الصفحات 475- 482.

____________

(2) حكاه في المستند 1: 259، و تعرض له الشيخ بهاء الدين في الحبل المتين: 193 بعنوان: «فان قلت»، و أجاب عنه.

166

منها بجهة الكعبة لكلّ أحد مشكل، بل غايته الظنّ، و حينئذ فوجه تقديم هذا الظنّ على الظنّ الذي يحصّله بالاجتهاد بعد خفاء تلك العلامات: إمّا قيام الإجماع على العمل بها بعد فقد العلم، فيكون ظنّا مخصوصا مقدّما على مطلق الظنّ، و إمّا لأنّ المراد من الاجتهاد مع خفاء هذه العلامات إعمال الأمارات الظنّية الدالّة على هذه العلامات، فإن الاجتهاد في يوم الغيم مثلا أو اللّيل إنّما هو بتحصيل الظنّ بجهة المشرق و المغرب و موضع الجدي و غيره من الكواكب، و لازم ذلك تقديم نفس العلامات على أماراتها، لأنّ الظنّ الحاصل من نفس الأمارة أقوى من الحاصل من أمارتها، لتعدّد احتمال الخطأ في الثاني و وحدته في الأوّل، فتأمّل.

و ممّا يدلّ على تقديم هذه العلامات على الاجتهاد الظنّي: صحيحة زرارة «يجزي التحرّي أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (1). و الظاهر، بل المقطوع أنّ المراد بالعلم بوجه القبلة الذي قدّمه الإمام (عليه السلام) على التحرّي ليس إلّا الاعتقاد الحاصل من إعمال هذه العلامات، إذ لا يوجد غيرها للبعيد غالبا.

ثمّ إن البيّنة القائمة على هذه العلامات الظاهر أنّها مقدّمة على الظنّ المطلق، بل ربّما يقوى جواز الاعتماد عليها مع التمكّن من العلم بتلك العلامات، لأنّها حجّة شرعيّة كما يشهد به الاستقراء، و حكي وجود نصّ صحيح على عموم حجّيتها (2)، و يظهر من الإيضاح (3) دعوى الإجماع على

____________

(1) الوسائل 3: 223، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

(2) لم نقف عليه.

(3) إيضاح الفوائد 1: 81.

167

حجّيتها إذا شهدت بالقبلة للأعمى، و لكن الاحتياط لا يترك.

ثمّ إنّ صحيحة زرارة المتقدّمة ظاهرة- بل صريحة- في جواز العمل بالظنّ و التحرّي عند تعذّر العلم. و الأخبار في ذلك مستفيضة (1) كنقل الإجماع، بل ادّعى المصنّف في المنتهى (2) تبعا للمحقّق في المعتبر (3) اتفاق أهل العلم، إلّا أنّ المحكيّ عن المبسوط (4) وجوب الصلاة إلى أربع جهات إذا فقد العراقي ما نصب له من العلامات، و هو على تقدير شموله لمن تمكّن من الظنّ شاذّ و إن كان يدلّ عليه ظاهر مرسلة خراش الآتية [1] في الصلاة إلى أربع، بل ربّما يستشكل في جواز الاحتياط بالتكرار حينئذ. و لا بعد في مشروعيّته بعد الامتثال على حسب الظنّ، لحسن الاحتياط لإحراز ما بين المشرق و المغرب، و للخروج عن الخلاف في المسألة فتوى و رواية.

ثمّ إنّ الظاهر من التحرّي و الاجتهاد الواردين في النصوص و الفتاوى هو بذل الجهد في تحصيل الظنّ، فإنّ التحرّي هو طلب الحريّ بالعمل أو الأحرى بالعمل من غيره. و في موثّقة سماعة: «اجتهد برأيك، و تعمّد القبلة جهدك» (5)، و يترتّب على ذلك أنّ مجرّد حصول الظنّ غير كاف ما أمكنه مراجعة الأمارات الأخر المحتملة لكونها مفيدة لظنّ آخر أقوى ممّا حصل. نعم، لو يئس من المعارض الأقوى فالظاهر عدم وجوب تقوية الظنّ،

____________

[1] سيذكر المؤلف (قدّس سرّه) في الصفحة التالية بعنوان «المرسل».

____________

(1) انظر الوسائل 3: 223، الباب 6 من أبواب القبلة و غيره من الأبواب.

(2) المنتهى 1: 219.

(3) المعتبر 2: 70.

(4) المبسوط 1: 78.

(5) الوسائل 3: 223، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث 2.

168

بل ظاهر إطلاق كلمات كثير منهم و صريح قليل (1) هو الاكتفاء بمجرّد الظنّ و عدم لزوم الفحص.

و كيف كان، (فإن فقد الظنّ) الاجتهاديّ بالقبلة الذي هو في المرتبة الثانية أو الثالثة من مراتب تحصيل الجهة (صلّى إلى أربع جهات كلّ فريضة) على المشهور، بل عن ظاهر المعتبر (2) و المنتهى (3) و جامع المقاصد (4) و محكيّ الغنية (5) الإجماع عليه، و بذلك ينجبر المرسل: «قلت: جعلت فداك إنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم تعرف السماء، كنّا و أنتم سواء في الاجتهاد. فقال: ليس كما يقولون، إذا كان كذلك صلّى لأربع وجوه» [1]، و نحوها مرسلة الكليني (7) بحذف قصّة المخالفين، و لا يقدح اشتمالها على نفي الاجتهاد في القبلة، مع أنّا لا نقول به، لإمكان تأويلها- و لو بعيدا- بما لا ينافي ذلك كما ارتكبه في الرياض (8)، و لا إرسالها و ضعف المرسل، لانجبارها بما عرفت، مضافا إلى موافقتها

____________

[1] الوسائل 3: 226، الباب 8 من أبواب القبلة، الحديث 5 و فيه: إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه.

____________

(1) لم نقف عليه.

(2) المعتبر 2: 70.

(3) المنتهى 1: 219.

(4) جامع المقاصد 2: 71 و 72.

(5) الغنية (الجوامع الفقهية): 494.

(7) الكافي 3: 286، ذيل الحديث 10، و الوسائل 3: 226، الباب 8 من أبواب القبلة، الحديث 4.

(8) رياض المسائل 3: 134.

169

لأصالة وجوب تحصيل يقين البراءة عن التكليف باستقبال القبلة الواقعيّة، و لا يحصل إلّا بالأربع، لانتفاء وجوب الزائد، إمّا بالإجماع و إمّا لكون قبلة المتحيّر ما بين المشرق و المغرب، فلا بدّ من إدراكها، مضافا إلى استصحاب عدم براءة الذمّة بالصلاة إلى جهة واحدة، خلافا للمحكيّ عن العمّاني و ظاهر ابن بابويه (1) و مال إليه المصنّف (قدّس سرّه) في المختلف (2) و الشهيد في الذكرى (3) و اختاره من متأخّري المتأخّرين جماعة (4)، لضعف الخبر المذكور، و وهن الإجماعات المزبورة بمصير كثير إلى الخلاف كالعمّاني و ابن بابويه و الكليني (5) من القدماء و تقوية المصنّف، و الشهيد و غيرهما من المتأخّرين [1].

و الظاهر أنّ مَن عدا ابن زهرة لم يدّعوا الإجماع المصطلح، و إنّما ادّعوا اتفاق أعيان أهل الفتوى من أصحابنا. و كيف يدّعي المصنّف في المنتهى الإجماع و يميل في المختلف إلى الخلاف و يتبعه الشهيد، و بعد ذلك يدّعي المحقّق الثاني الإجماع؟! و بعد ذلك فالمرجع إلى أصالة البراءة عن وجوب التعدّد، للإجماع على عدم وجوب الصلاة إلى القبلة الواقعيّة و إن اقتضته

____________

[1] لم نعثر على تقوية المصنف لذلك في كتبه، و اما بالنسبة إلى غيره. فراجع التخريجات المتقدّمة.

____________

(1) حكاه عنهما في المختلف 2: 67، و راجع الفقيه 1: 276، الحديث 847 و 848.

(2) المختلف 2: 68.

(3) الذكرى: 166.

(4) منهم السيد في المدارك 3: 136، و السبزواري في الذخيرة: 218، و البحراني في الحدائق 6: 400، و غيرهم.

(5) لم نقف عليه في الكافي صريحا، و لعله يستظهر مما في الكافي 3: 286، الحديث 10، فراجع.

170

الأدلّة اللفظيّة، و إلّا وجب تكرار الصلاة أزيد من عشر مرّات.

و دعوى نفي وجوب الزائد بالرواية معلومة الفساد ممّا ذكر في تضعيف الرواية.

و دعوى نفيه بالإجماع على ذلك مدفوعة، أوّلا: بأنّ هذا الإجماع مركّب من قول المشهور و قول من اكتفى بالواحد منعا لتعلّق التكليف بالواقع إمّا لعدم اقتضاء أدلّة التكاليف ذلك، و إمّا لورود الدليل على خلاف ذلك على ما سيجيء من الأخبار.

فالقول بوجوب الزائد على الأربع تداركا للواقع مخالف للمشهور في حكم الزائد، و مخالف لغير المشهور في صغرى تعلّق التكليف بالواقع. و مخالفة الاتفاق على هذا الوجه غير مضرّ، لأنّ حصول الحدس القطعيّ برضى المعصوم (عليه السلام) لا يحصل غالبا من هذا الاتفاق. نعم، لا مناص عن اعتباره لو علم بدخول شخص المعصوم (عليه السلام) فيهم أو قوله في قولهم على طريق القدماء، و تمام الكلام في محلّه.

و أمّا ثانيا، فلأنّ الإجماع على نفي الزائد كاشف عن عدم وجوب مراعاة الواقع في الامتثال، لما قرّر في محله (1) من أنّ تجويز ترك بعض المقدّمات العلميّة كاشف عن عدم إيجاب ذي المقدّمة. اللّهم إلّا أن يقال: بأنّ ذلك إنّما يلزم لو أوجبنا الأربع من باب كونها بعض المقدّمات العلميّة، أمّا لو قلنا بأنّ الإجماع دلّنا على كونها بدلا عن الواقع، و لا دليل على بدليّة الواحدة.

و الحاصل: أنّ مقتضى الأدلّة استحقاق العقاب بترك القبلة الواقعيّة،

____________

(1) انظر فرائد الأصول: 425 و 426.

171

خرج عن ذلك من أتى بالأربع، فالأولى حينئذ منع تحقّق الكشف في الاتّفاق المذكور هذا كلّه إن جعل المناط في التكليف القبلة الواقعيّة. أمّا لو تعلّق التكليف بما بين المشرق و المغرب لأنّها قبلة في الجملة، كما يظهر من الصحيحتين السابقتين (1)، فامتثال ذلك و إن أمكن بالأربع، إلّا أنّه يمكن أيضا بالثلاث كما سيجيء، و لم يقولوا به، فالالتزام بالأربع لا بدّ له من مستند آخر.

بل الموجود في المسألة الروايات الدالّة على التخيير، مثل: الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن زرارة، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحيّر فقال: يصلّي حيث يشاء» (2).

و صحيحة زرارة: «يجزي المتحيّر أينما توجّه، إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (3).

و احتمال تصحيفها عمّا تقدّم من قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدّمة:

«يجزي التحرّي أبدا .. إلخ» (4)، كما في المنتقى (5) و عن غيره (6) خلاف الأصل و الظاهر، و قول الصدوق بأنّه نزلت هذه في قبلة المتحيّر:

____________

(1) راجع الصفحة: 136.

(2) الوسائل 3: 226، الباب 8 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(3) نفس المصدر، الحديث 2.

(4) الوسائل 3: 223، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل، و قد تقدّمت الصحيحة في الصفحة: 166.

(5) منتقى الجمان 1: 453.

(6) انظر الجواهر 7: 412، و 413.

172

(- فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ-) (1) فإنّ الظاهر أنّ إخباره بذلك على وجه القطع ليس إلّا عن رواية معتبرة عنده، لكنّها لم توجد في روايات الخاصّة و إن وجدت في روايات العامّة، كما عن مجمع البيان عن جابر (2).

نعم، في رواياتنا ما يظهر منه شمول الآية للمتحيّر، مثل: رواية محمّد بن الحصين، قال: «كتبت إلى العبد الصالح عن الرجل يصلّي في يوم غيم في فلاة من الأرض و لا يعرف القبلة فيصلّي، حتّى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس، فإذا هو قد صلّى لغير القبلة، أ يعتدّ بصلاته أم يعيدها؟ فكتب [1]:

يعيدها ما لم يفته الوقت أو لم يعلم أنّ اللّه يقول و قوله الحقّ (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)» (4).

فإنّ الظاهر من الاستشهاد بالآية المسوقة في مقام التوسعة و الرخصة:

أنّ المصلّي إنّما صلّى إلى جهة على وجه التخيير لا على وجه الالتزام بها لظنّها قبلة، مع أنّه لو منع الظهور فيكفي الإطلاق، فيحكم بعموم الجواب لترك الاستفصال.

و دعوى ظهورها في المتحرّي ممنوعة جدّا و إن كان الغالب عدم خلوّ المتحيّر من ظنّ و لو ضعيفا، لكن مثل هذه الغلبة لا تغني عن الاستفصال على تقدير عدم عموم الحكم للفرد الغير الغالب.

____________

[1] في «ق»: قال.

____________

(1) الفقيه 1: 276، ذيل الحديث 848، و الآية من سورة البقرة: 115.

(2) مجمع البيان 1: 191.

(4) الوسائل 3: 230، الباب 11 من أبواب القبلة، الحديث 4، و الآية من سورة البقرة: 115.

173

ثمّ إنّ جماعة من المتأخّرين (1) بنوا على أنّ ما نسبناه إلى الصدوق من قوله: «و نزلت هذه الآية في قبلة المتحيّر»، من تتمّة صحيحة معاوية بن عمّار (2) المذكورة في الفقيه متّصلا بهذا الكلام، فيكون حينئذ من أقوى أدلّة المسألة، لكن الإنصاف ظهور كونه من كلام الصدوق.

و كيف كان، فهذا القول لا يخلو عن قوّة لهذه الأخبار المعتبرة السليمة عن الموهن، و لو لم يكن إلّا مرسلة ابن أبي عمير (3) التي هي في حكم الصحيح لكفى.

و يمكن حمل رواية خراش (4) أيضا على الاستحباب، أو على أنّ مقصود الإمام (عليه السلام) الردّ على ذلك العامّي الطاعن على الراوي بأنّكم أيضا قد لا تجدون بدّا من الاجتهاد، فردّه الإمام (عليه السلام) بإمكان تحصيل العلم هنا أيضا بالصلاة إلى أربع جهات.

و هذا الحمل و إن بعد ليس بأبعد من تأويل الرواية على وجه تستقيم دلالتها على وجوب الأربع عند عدم التمكّن من الاجتهاد إلّا أنّ الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه بتكرار الصلاة أربعا بل أزيد في بعض الموارد كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّه نسب إلى ابن طاوس القول بالقرعة في المقام (5)، فيحتمل أن

____________

(1) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 67، و السيّد في المدارك 3: 136، و السبزواري في الذخيرة: 219، و الخوانساري في حاشية الروضة: 179.

(2) الفقيه 1: 276، ذيل الحديث 848.

(3) الوسائل 3: 226، الباب 8 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(4) المتقدمة في الصفحة 168.

(5) الروضة البهية 1: 519.

174

يريد الإقراع بين الجهات الأربع و أن ينصّف الأفق نصفين، فيخرج بالقرعة النصف المشتمل على القبلة، ثمّ ينصّف المخرج و يقرع. و هكذا إلى أن يبقى مقدار الجهة العرفيّة و أن يقرع بين كلّ نقطتين يكون ما بينهما أزيد من الجهة العرفيّة.

و على أيّ احتمال فمستنده عموم: «القرعة لكلّ مشكل» [1]. و يضعّفه عدم الإشكال، لوجود أصالة التخيير أو الاحتياط على الخلاف المطّرد في نظائر المسألة و وجود الروايات على الاحتياط أو التخيير، كما عرفت.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: ظاهر النصّ- سيّما مرسلة الكليني- و الفتاوى وجوب كون الصلاة على جهات متقاطعة على زوايا قوائم عرفيّة لا حقيقيّة،

و لو استندنا في الحكم إلى باب المقدّمة فالأمر كذلك أيضا، لأنّ الإجماع قام على نفي الزائد على أربع صلوات على هذا الوجه. نعم، لو استندنا فيه إلى وجوب إدراك ما بين المشرقين أمكن الاقتصار على ثلاث جهات بحيث يحصل مثلّث متساوي الأضلاع، فإنّه إذا صلّى كذلك كان البعد بين كلّ نقطتين صلّى إليهما مائة و عشرين درجة، فإن وافق القبلة إحداها فذاك، و إلّا كان منتهى بعده

____________

[1] لم نقف على هذه العبارة في كتب الحديث، نعم في دعائم الإسلام 2: 522، الحديث 1864، عن علي و أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السلام) أنّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل، و في الوسائل 18: 189 و 191، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11 و 18: كل مجهول ففيه القرعة.