كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
175

عنها بمقدار نصف البعد المذكور، و هو ستّون درجة، و هو لا يبلغ اليمين و اليسار، إذ لا بدّ فيه من الانحراف بقدر ربع الدور و هو تسعون درجة.

الثاني: ذكر في الروض

إنّ المصنّف (قدّس سرّه) أراد بقوله: «صلّى إلى أربع جهات كلّ فريضة» أنّه لو اجتمع فرضان في وقت واحد كالظهرين لم يجز الشروع في الثانية حتّى يصلّي الاولى إلى الأربع، المحصّل يقين البراءة من الاولى عند الشروع [في الثانية] (1): كالصلاة في ثوبين أحدهما نجس فيصير الصلاة إلى أربع جهات بمنزلة فريضة واحدة. و يتفرّع على ذلك أنّه لو أدرك من آخر وقت الظهرين مقدار أربع رباعيات تعيّنت العصر، لأنّ الجميع مقدار أدائها على تلك الحال (2)، انتهى.

أقول: الثابت من الأدلّة اعتبار الترتيب بين الظهر و العصر الواقعيين، و هذا لا يختلّ إذا صلّى العصر إلى الجهة التي صلّى الظهر إليها قبل أن يتمّ جهات الظهر، اللّهم إلّا أن يستظهر من طريقة الأصحاب أنّ الواجب في العبادات العلم التفصيليّ بها و بإحرازها للشرائط بالامتثال، بمعنى أن يعلم حين الاشتغال كونها هي العبادة المطلوبة الجامعة للشروط لا أن يأتي بأمور يعلم باشتمالها على الجامع للشروط، و لذا لا يجوز الصلاة إلى الجهات المتعدّدة مع إمكان العلم بالقبلة تفصيلا، بل و مع إمكان الظنّ. و فيما نحن فيه و إن لم يمكن إحراز العلم بالقبلة تفصيلا إلّا أنّ العلم بالترتيب يمكن فيه ذلك بأن يعلم عند الاشتغال بجهات العصر أنّ هذا العصر المحتمل لكونها واقعيّة مترتّبة بالفعل على الظهر لا أنّها مترتّبة عليها على تقدير كونها واقعيّة بحيث

____________

(1) من «ط» و المصدر.

(2) روض الجنان: 194.

176

يحصل العلم بالترتيب بعد الفراغ كما يحصل العلم بالقبلة.

لكنّ الإنصاف أنّ هذا لم يثبت بدليل تطمئنّ به النفس كما بيّناه في مسألة ما لو تمكّن من الصلاة في ثوب طاهر يقينيّ فهل يجوز الإتيان بصلاتين في ثوبين مشتبهين؟ و لو سلّم ذلك، كما يظهر كونه مفروغا عنه بين الأصحاب، فهو مختصّ بما إذا كان الاقتصار على العلم الإجماليّ بإحراز الشروط مستلزما لتكرار العبادة، الذي هو غير معهود في الشريعة مع التمكّن من واحد معلوم تفصيلا مع كونه أنسب بمقام العبوديّة بأن يعلم حين الاشتغال بكون ما اشتغل هو الذي أريد منه. و أمّا إذا كان التكرار حاصلا من جهة غير فقد الشرط ممّا لا يمكن إحرازه تفصيلا فلا دليل على لزوم العلم التفصيليّ من جهة سائر الشروط، لأنّ المفروض عدم التمكّن من العلم التفصيليّ بالماهيّة المطلوبة بحيث يعلم عند الاشتغال أنّها هي المطلوبة منه كما لا يخفى.

فإن قلت: إذا شكّ في براءة ذمّته عن الظهر فالأصل عدم البراءة، فكما لا يجوز الدخول في العصر المقطوع و لا المحتمل مع القطع بعدم البراءة فكذلك مع الشكّ فيها.

قلت: المانع من الدخول في العصر المقطوع أو المحتمل عند القطع بعدم البراءة عن الظهر إنّما هو للقطع باختلال الترتيب في الأوّل و احتماله في الثاني، و هذه العلّة إن وجدت مع الشكّ منعت من الدخول، كما لو صلّى العصر إلى جهة غير ما صلّى الظهر إليها، و لو انتفت- كما فيما نحن فيه- لم يكن مانع عن الدخول. و قد تقرّر في باب الاستصحاب أنّ الحكم في السابق إذا كان معلّلا بعلّة قطع بانتفائها في زمان الشكّ، فلا يجري الاستصحاب لاحتياج الحكم إلى علّة أخرى. نعم، لو كان فرضان مرتّبان بحيث لا يحدث التكليف بالثاني

177

إلّا بعد البراءة من الأوّل كالظهرين بالنسبة إلى أوّل الوقت مثلا أمكن إثبات عدم وجوب الثاني مع الشكّ في البراءة عن الأوّل فلا يشرع الدخول في محتملاته، مع إمكان أن يقال هنا: لا دليل على لزوم العلم تفصيلا بوجوب شيء في إطاعته، بل يكفي في تحقّق الإطاعة للأمر الذي يعلم المكلّف إجمالا بأنّه إمّا تعلّق به بالفعل أو سيتعلّق به العلم بأنّه يتحقّق من المكلّف متّصفا بالوجوب جامعا لشرائط الواجب فينوي العصر بعد ظهر واحد من أوّل الوقت قصدا إلى أن يحصل من هذا و ما بعده امتثال الأمر الذي يتعلّق به عند فعل واحد من المحتملات. و إن شئت فقايس ذلك بإطاعة الأوامر العرفيّة تجد الإطاعة متحقّقة بما ذكرنا، فافهم.

و أمّا ما ذكره أخيرا- من أنّه لو أدرك من آخر الوقت مقدار أربع رباعيّات تعيّنت العصر- فهو حسن، لو ثبت اعتبار القبلة مع ضيق الوقت.

نعم، يتفرّع على ما ذكره- من كون الأربع بمنزلة صلاة واحدة- أنّه لو مضى من الوقت أنقص من ثمان صلوات فحاضت المرأة لم يجب عليها قضاء العصر.

الثالث: لو قصد المصلّي الاقتصار على بعض الجهات

كان ما فعله فاسدا سواء انكشف الحال أو لم ينكشف، و لو قصد الإتيان بالكلّ فانكشف بعد بعض الصلوات مطابقة ما فعله للواقع فالظاهر الإجزاء، لأنّه أتى بالفعل لداعي التقرّب إلى اللّه بتحقّق الواقع به أو بغيره فاتّفق تحقّقه به، خلافا لبعض المعاصرين (1)، زعما منه انحصار امتثال أوامر الصلاة في أربع صلوات أو صلاة واحدة مع علمه حين الاشتغال بكونها إلى القبلة.

____________

(1) انظر المستند 1: 267.

178

و فيه: ما ذكرنا من أنّ المحصّل للامتثال للكلّ هو الإتيان بما هو مطابق للواقع في الواقع لداعي التقرّب. و أمّا لو انكشف بعد تمام الصلوات انحراف الكلّ عن القبلة، فلا ينبغي الخلاف في الإجزاء لعموم «ما بين المشرق و المغرب قبلة» (1)، و فحوى ما سيجيء في الظانّ و المتحيّر العاجز عن التكرار.

الرابع: أنّه لا يجب على المتحيّر تأخير الصلاة و لو مع رجاء زوال تحيّره،

لإطلاق النّص و الفتوى، و فحوى ما تقدّم من عدم وجوب التأخير على الظانّ الراجي لحصول العلم، فإنّ العلم الإجماليّ أقوى من الظنّ من حيث البدليّة عن العلم التفصيليّ.

الخامس: يجوز أن يصلّي العصر إلى غير الجهات التي صلّى إليها الظهر

بأن يصلّي هكذا:

و قطعه بمخالفة القبلة في إحدى الصلاتين غير ضائر، لإطلاق الدليل الكاشف عن عدم اعتبار القبلة الواقعيّة، مع أنّ الظاهر أنّ الوجه في تكرار الصلاة أربعا إدراك ما بين المشرقين، و هذا يحصل في تكرار الصلاة الأخرى إلى غير جهات الاولى.

السادس: المتردّد بين جهتين أو ثلاث يجب عليه التكرار،

لقاعدة المقدّمة، مع إمكان استفادة المناط من النصّ، و يقوى في النظر عدم وجوب التكرار إذا كان متردّدا في جهات غير خارجة عمّا بين المشرقين، لما استظهرنا

____________

(1) الوسائل 3: 227، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 2 و غيره.

179

سابقا من كون الوجه في تربيع الصلاة في النصّ و الفتوى هو إدراك ما بين المشرقين، مضافا إلى ما عرفت من الروايات في اقتصار المتحيّر على صلاة واحدة، خرج منها- مراعاة للنصّ المنجبر بفتوى المشهور- مورده، و هو المتحيّر في الجهات الأربع أو ما دونها مع عدم إحراز ما بين المشرقين.

و يؤيّده، بل يدلّ عليه أيضا: عموم الصحيحتين في كون ما بين المشرقين قبلة، خرج العالم العامد و بقي الباقي.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ المتحيّر الخارج عن مورد النصّ كالمقصّر في تحصيل العلم و الظنّ حتّى ضاق الوقت عن التعلّم لا يجب عليه أزيد من الأربع، لأنّه يدرك بها ما بين المشرقين، و إلّا فمقتضى قاعدة المقدّمة:

وجوب التكرار إلى أن يحصل العلم بعدم الانحراف عن القبلة إلّا يسيرا، لعدم تحقّق الإجماع و النصّ على نفي الزائد على الأربع في خصوص المقام.

السابع: أنّه لو تعذّر عليه الصلاة إلى الأربع اقتصر على الممكن،

لأنّ مقتضى وجوب التوجّه إلى القبلة الواقعيّة وجوب التكرار مهما أمكن ليقطع بأنّ الصلاة إلى القبلة الواقعيّة إمّا تحقّقت و إمّا أنّها سقطت عنه بالعجز.

و لكن الإنصاف ضعف هذا الوجه، سواء كان العجز عن جهة معيّنة أو جهة لا بعينها، فالعمدة استظهار ذلك من النصّ و كلام الأصحاب.

(و) كيف كان، فلا إشكال في أنّه (مع) عموم (العذر) لما عدا الجهة الواحدة (يصلّي إلى أيّ جهة شاء) و من جملة الأعذار ضيق الوقت، فلا يجب عليه إتمام باقي الجهات بعد خروج الوقت مع احتماله.

ثمّ إنّه قد تبيّن ممّا ذكرنا- من وجوب العلم بالظنّ مع تعذّر العلم (و) أنه لا فرق بين الظنون و لا بين الأعذار- أنّ (الأعمى) و ما يشبهه من العاميّ الغير العارف بالعلامات، و العارف العاجز عن الاعتبار لطروء

180

بعض الأعذار، بل العارف القادر على الاجتهاد، بل المجتهد فعلا إذا كان قول الغير عندهما أوثق من اجتهادهما، يجب على كل واحد منهم أن (يقلّد) العالم أو الظانّ، عادلا كان أو كافرا، ذكرا أو أنثى، بالغا أو غيره.

و عن الشيخ وجوب الصلاة على الأعمى إلى أربع جهات (1).

و ظاهر المصنّف (قدّس سرّه) هنا- كما فهمه غير واحد (2)-: اختصاص التقليد بالأعمى دون أخويه، و لازمة وجوب التكرار عليهما، و لعلّه لظهور أدلّة التحرّي في المباشر للاجتهاد، و عموم ما دلّ على وجوب التكرار من النصّ و القاعدة لهما بل للأعمى، لو لا الإجماع و ثبوت الحرج الشديد المنتفي في أخويه، لقدرة أوّلهما على التعلّم و ندور اتفاق العذر للثاني.

و يضعّفه: منع ظهور أدلّة التحرّي في مباشرة ملاحظة الأمارات، بل الظاهر أنّ الغرض من الأمر بالتحرّي- الذي هو طلب الأحرى بالاستعمال- هو حصول الطرف الأحرى، من غير فرق بين أن ينشأ عن ملاحظة الأمارات و بين أن ينشأ عن التقليد، و قد اشتهر «خذ الغايات و اترك المبادئ».

و استظهر في الذكرى وجوب الأربع على العارف العاجز عن الاعتبار، قال: «لأنّ القدرة على أصل الاجتهاد حاصلة، و العارض سريع الزوال» (3)، و هو ضعيف.

____________

(1) الخلاف 1: 302، كتاب الصلاة، المسألة: 49.

(2) روض الجنان: 195، و مفتاح الكرامة 2: 118.

(3) الذكرى: 164.

181

و يتلوه في الضعف: ما في الروض (1) من منع تقليد الكافر، بل المسلم المجهول، للنهي عن الركون إلى الكافر، و وجوب التبيّن في خبر محتمل الفسق، و عدم الدليل على العمل بمطلق الظن، فيتعيّن عليه الصلاة إلى أربع جهات.

نعم، لو كان التقليد من باب التعبّد، لا من باب إفادة الظنّ- نظير التقليد في الأحكام الشرعيّة- كان اللازم الاقتصار فيه على المتيقّن و هو قول العدل، لكن يبقى على مدّعي حجّية قول العدل مع عدم إفادة الظنّ إقامة الدليل و إلّا فاللازم وجوب الصلاة أربعا، لانحصار الطريق في العلم و البيّنة و مطلق الظنّ، و لا دليل على ما سوى الثلاثة.

ثمّ إنّ ظاهر لفظ التقليد هو قبول قول الغير المستند إلى الاجتهاد، فالرجوع إلى المخبر بمحلّ القطب عن حسّ ليس تقليدا، كما صرّح به في الذكرى (2) و نسبه في الروض إلى الأصحاب (3)، فما عن الشيخ (4) من وجوب الصلاة على الأعمى إلى أربع جهات و عدم جواز التقليد له، لا يرد عليه ما ذكره كثير (5) من مخالفة السيرة و لزوم الحرج الشديد عليه في أغلب الأوقات مع ورود الأخبار بإمامة الأعمى إذا كان من يسدّده (6)، و ذلك لأنّ

____________

(1) روض الجنان: 195.

(2) الذكرى: 164.

(3) روض الجنان: 195.

(4) الخلاف 1: 302، كتاب الصلاة، المسألة: 49.

(5) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 70، و السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2:

116، و حكاه في الجواهر 7: 397 بلفظ «قيل».

(6) الوسائل 5: 409، الباب 21 من أبواب صلاة الجماعة.

182

محلّ كلام الشيخ هي صورة تعذّر العلم على كلّ من البصير و الأعمى مع قدرة البصير على الاجتهاد دون الأعمى، و لا ريب في ندرة وقوعه.

و لو أخبره اثنان بجهتين مع عدم المرجّح في البين، ففي تخييره بينهما أو وجوب جمعه بين الجهتين أو تساقطهما و وجوب التربيع وجوه، أقواها:

الثاني إن حصل له منهما الظنّ بنفي الثالث، و إلّا فالثالث.

و لو أخبره كلّ من البيّنتين بجهة فالأقوى الأوّل، و يحتمله الأوّل لو كان المخبر الواحد عدلا بناء على كونه كالبيّنة حجّة شرعيّة لا من باب الوصف، كما أنّ الأقوى كون البيّنة كالمخبر لو اعتبرنا في حجيّته إفادة الظنّ، كما لا يبعد في غير مقام رفع الخصومة.

(و) يجوز للمكلّف أن (يعوّل على قبلة) أهل (البلد مع عدم علم الخطأ) إجماعا على ما عن التذكرة (1)، فلا يجب الاجتهاد، بل لا يجوز في أصل الجهة، لامتناع خطأ أهل البلد خلفا عن سلف عادة، و يجوز في التيامن و التياسر، لأنّ احتمال الخطأ من مؤسّسها غير بعيد، و تقرير الخلف لعلّه لعدم وجوب الفحص عليهم، فلم يطّلعوا على خطائه.

و يعرف قبلة البلد بمحاريبه المبنيّة في مساجده و مقابرهم و مذابحهم. ثمّ الظاهر من عنوان التعويل على قبلة البلد ما لو كان جهة قبلة البلد مجهولة للشخص، لعدم العلم بطولها و عرضها بالنسبة إلى مكّة زادها اللّه شرفا، فيجوز له الاعتماد على الجهة التي بنوا على كونها قبلة و استمرّوا عليها، المكشوف عنها بمحاريبهم و مقابرهم و نحوها.

و أمّا لو كانت قبلة البلد معلومة الصحّة و وجد محراب أو مقبرة لم يعلم

____________

(1) التذكرة 3: 25.

183

انطباقهما عليها، فلا يظهر من هذا العنوان و معقد إجماع التذكرة جواز الاعتماد عليه و عدم وجوب الاجتهاد و لو مع احتمال الظنّ الأقوى بخلافه و إن كان يشمله إطلاق بعض العنوانات. و كيف كان، فالأنسب الرجوع إلى قاعدة وجوب التحرّي و الأخذ بالأوفق، و التعويل على فعل الواضع حملا له على الصحّة مشكل.

و المضطرّ إلى فعل الفريضة على الراحلة يجب عليه أن يستقبل القبلة في جميع الصلاة إن تمكّن و لو بالركوب منحرفا أو مقلوبا، و إلّا يتمكّن فبالتكبير إن أمكن، لما تقدّم في صلاة السفينة من وجوب الاستقبال مهما أمكن، و إلّا يمكن سقط الاستقبال عنه. و كذا الماشي إذا اضطرّ إلى الصلاة ماشيا.

و هل يجب تحرّي ما بين المشرق و المغرب؟ وجهان، تقدّما في الصلاة في السفينة، و كذا في تقديم الانحراف يمينا أو شمالا على الاستدبار.

و لو تعارض الركوب و المشي قدّم أكثرهما استيفاء للشرائط و الأركان، و إن تساويا ففي ترجيح الركوب، إذ لا يحصل معه إلّا حركة عرضيّة، أو ترجيح المشي، إذ يحصل معه القيام، أو التخيير، لتعارض الاستقرار الذاتي و القيام، و لظاهر الآية (- فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً) (1) وجوه، خيرها:

أوسطها: لتحقّق القيام مع المشي و إن فات وصفه و هو الاستقرار، مضافا إلى إطلاق النهي عن الصلاة على الراحلة على غير من يشقّ عليه النزول، فتأمّل.

ثمّ إنّه قد جرت عادة الفقهاء بذكر بعض العلامات لبعض الآفاق، و قد

____________

(1) البقرة: 239.

184

قدّم المصنّف منها علامة أهل العراق لكونها منصوصة في الجملة، فقال:

[علامة أهل العراق]

و علامة أهل العراق و من والاهم أي وراءهم بالنسبة إلى جهة القبلة و عدّ منه المحقّق الثاني أصفهان و فارس و آذربايجان و الرّي و خراسان و سمرقند إلى بلاد الترك (1) جعل مطلع الفجر و هو المشرق على المنكب و هو مجمع العضد و الكتف الأيسر، و المغرب على المنكب الأيمن و الظاهر المصرّح به في كلام كثير (2) بل نسبه في الروض (3) إلى المشهور أنّ المراد المشرق و المغرب الاعتداليّان، إذ جعل مطلقهما على المنكبين غير ممكن، و جعل أحدهما على أحدهما يوجب انحراف الآخر عن الآخر انحرافا بيّنا.

و جعل الجدي مكبّرا كما عن المشهور (4)، و ربّما يصغّر ليتميّز عن الجدي الذي هو أحد البروج، و هو نجم مضيء في جملة أنجم بصورة سمكة يقرب من القطب الشماليّ، الجدي رأسها و الفرقدان ذنبها، يجعله العراقيّ بحذاء المنكب الأيمن إمّا مطلقا، كما هو ظاهر المصنّف و المحكيّ عن غيره (5)، أو حال استقامته، أعني: غاية ارتفاعه أو انخفاضه، كما قيّده كثير (6)،

____________

(1) لم نقف عليه.

(2) منهم الشهيد الأوّل في البيان: 114، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 153، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 174، و السيّد في المدارك 3: 128 و غيرهم.

(3) روض الجنان: 197.

(4) لم نعثر عليه بعينه و نسبه في مفتاح الكرامة 2: 92 إلى أكثر الأصحاب.

(5) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 92 عن الشيخين و غيرهما.

(6) منهم الشهيد الأوّل في الذكرى: 163، و الشهيد الثاني في الروض 196، و الفاضل في كشف اللثام 1: 174، و انظر مفتاح الكرامة 2: 91.

185

لأنّه حينئذ على دائرة نصف النهار المارّة على القطبين القاطعة للأفق نصفين.

و من العلامات لهم أيضا: جعل عين الشمس عند الزوال على طرف الحاجب الأيمن ممّا يلي الأنف.

و المروي من هذه العلامات هو الجدي، ففي رواية محمّد بن مسلم قال: «سألته عن القبلة، قال (عليه السلام): ضع الجدي على قفاك و صلّ» (1).

و الراوي كوفيّ، كما صرّح به في الروض (2) و غيره (3).

و في مرسلة أخرى مرويّة في الفقيه: «قال رجل للصادق (عليه السلام): إني أكون في السفر و لا أهتدي إلى القبلة، فقال له: أ تعرف الكوكب الذي يقال له الجدي؟ قال: نعم، قال: اجعله على يمينك، فإذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين الكتفين» (4).

و قد جمع بين الروايتين بحمل «القفا» في الأولى على موضع خاصّ، و هو محاذي المنكب الأيمن، و هو- على بعده- لا يشهد له الرواية الثانية إلّا إذا أريد من اليمين بقرينة الرواية الأولى اليمين من طرف الخلف، فينصرف ظاهر إطلاق كلّ واحدة من الروايتين بنصّ الأخرى، لكنّه مع ذلك- مع أنّه يشمل الكتف الأيمن- فالإنصاف أنّ مقتضى الجمع إرادة مجموع الجانب الأيمن من «القفا»، هذا بعد فرض اتحاد الروايتين في الإقليم و هو غير معلوم، مع أنّ مقتضى العمل بهذا الجمع عدم جواز العمل بالعلامة الاولى و الثالثة، لأنّ

____________

(1) الوسائل 3: 222، الباب 5 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل مع اختلاف يسير.

(2) روض الجنان: 197.

(3) ذخيرة المعاد: 220.

(4) الفقيه 1: 280، الحديث 860، و الوسائل 3: 222، الباب 5 من أبواب القبلة، الحديث 2.

186

اللّازم من مراعاة كلّ منهما وقوع الجدي بين الكتفين.

فالإنصاف: أنّه لا يستفاد من الروايتين في كيفيّة وضع الجدي ما يغني عن الرجوع إلى قواعد الهيئة بملاحظة أطوال البلد و أعراضها بالنسبة إلى طول مكّة و عرضها زادها اللّه شرفا، فإن زاد طول البلد و عرضه على طولها و عرضها فسمت القبلة جنوبيّ غربيّ، و إن نقصا فشماليّ شرقيّ، و إن زاد الطول و نقص العرض فشماليّ غربيّ، و إن انعكس فجنوبيّ شرقيّ.

و توضيح ذلك في الجملة: أنّهم قسّموا الربع المسكون المشتمل على الأقاليم السبعة طولا و عرضا، فطوله من مبدإ العمارة من جانب المغرب و هي «جزائر الخالدات» [1] أو ساحل البحر الغربيّ على الاختلاف و إلى منتهاها من الجانب الشرقيّ و يقال له: «كنك دِز» [2]، و مجموع ذلك من الجزائر مائة و ثمانون جزءا، و من ساحل البحر مائة و سبعون من نصف دائرة عظمى من دوائر الفلك المقسومة كلّ واحدة بثلاثمائة و ستّين جزءا، و عرضه من خطّ الاستواء أو من جهة الجنوب حيث يكون ارتفاع القطب الجنوبيّ ستّ عشرة درجة- على اختلاف القولين لبطلميوس- إلى حيث يكون ارتفاع

____________

[1] نقل الحموي عن البيروني: جزائر السعادة- و هي الجزائر الخالدات- هي ست جزائر واغلة في البحر المحيط، قريبا من مائتي فرسخ و هي ببلاد المغرب، يبتدئ بعض المنجمين في طول البلدان منها. (معجم البلدان 2: 132)، و تسمى اليوم بجزر كناري أو الجزر الخضراء. (انظر المنجد 2: 594 «كناري»).

[2] «كنك دز» أي حصن كنك، و «كنك» بلدة تقع في سلسلة الجبال الشرقية لإيران القديمة، و قد ذكرها بعض المؤرخين عند وصفهم لأرض توران، و قالوا: انها كانت في بخارا أو خوارزم، و كانت هذه البلدة تسوّرها حصن من ناحية الشمال، و كان البعض يعتبرها جنة كنك. (انظر فرهنگ معين 6: 1612).

187

القطب الشماليّ ستّ و ستّين درجة، و هذا مجموع عرض الربع المسكون إن ابتدئ به من خط الاستواء، و على القول الآخر يزيد عليها ستّ عشرة فيصير اثنتين و ثمانين درجة.

إذا عرفت ذلك، فطول كلّ بلد عبارة عن قوس من معدّل النهار محصور بين دائرة نصف نهار ذلك البلد و نصف نهار آخر طرف العمارة من الجانب الغربيّ، و عرض كلّ بلد عبارة عن قوس من دائرة نصف النهار فيما بين معدّل النهار و سمت الرأس، و طول مكّة من جزائر الخالدات على ما حكاه غير واحد من أهل الرصد سبعة و سبعون جزءا و عشر دقائق، هي سدس جزء و عرضها من خطّ الاستواء إحدى و عشرون جزءا و أربعون دقيقة هي ثلثا جزء، فحينئذ فكلّ بلد كان عرضه أكثر من مكّة تكون مكّة زادها اللّه شرفا واقعة في طرف الجنوب من ذلك البلد فإن وافقها في الطول كانت مكّة واقعة في نقطة الجنوب من ذلك البلد و يكون القطب الشمالي بين كتفي المستقبل و المشرق و المغرب الاعتداليّان على منكبيه و عين الشمس عند الزوال مائلة إلى عينه اليمنى، و إن زاد طوله على طولها انحرفت قبلته عن نقطة الجنوب إلى المغرب بمقدار تفاوت الطولين، و إن نقص عنه انحرفت عنها نحو المشرق كذلك، و حينئذ فكلّ بلد طوله أكثر من بلد آخر يكون انحراف قبلته نحو المغرب أزيد، إلّا أن يكون عرضه أقلّ منه.

و قس على ما ذكرنا حال البلاد التي هي أقلّ عرضا من مكّة، فإنّ قبلتها شماليّة مستقيمة إن ساوى طولها طول مكّة، و إن زاد عليها لزم الانحراف نحو المغرب و إن نقص لزم الانحراف نحو المشرق.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ العلامات الثلاث المذكورة في كلام المصنّف

188

و غيره (1) قدّس اللّه أسرارهم، لأهل العراق غير متطابقة، و الجمع بينها- كما في المقاصد العليّة (2)- يحصل بأحد أمرين:

الأوّل: بتقييد كلماتهم بحمل العلامة الاولى و الثالثة على أطراف العراق الغربيّة كالموصل و نحوه ممّا قارب مكّة في الطول، و تقييد الثانية بأوساط العراق ككوفة و بغداد و المشهد [1] و الحلّة و نحوها ممّا يزيد طوله على طول مكّة، و يبقى أطراف العراق الشرقيّة كالبصرة و نحوها غير منصوص عليه في كلماتهم، فإنّ قبلتها أزيد انحرافا إلى المغرب من أوساط العراق، و لذا علّمت فيما حكي على ما صحّ بجعل الجدي على الخدّ الأيمن.

و الثاني: اغتفار هذا التفاوت في اعتبار الجهة، فإنّ مسامتة البعيد لا يؤثّر فيها هذا الاختلاف.

و يؤيّده: إطلاق رواية ابن مسلم- الذي هو من سكّان الكوفة- في وضع الجدي على «القفا»، و ما نسبه في الذكرى (4) إلى أكثر الأصحاب من جعل قبلة العراق و خراسان واحدة، مع ما قيل (5): من أنّ طول جملة من بلادها يزيد على مكّة بستّ عشرة درجة و طول كوفة يزيد عليها بدرجتين، بل في المقاصد العلية (6) أنّ انحراف قبلة خراسان إلى المغرب يقرب من نصف

____________

[1] أي مدينة النجف الأشرف على مشرفها السلام.

____________

(1) مثل المحقّق في الشرائع 1: 66، و الشهيد في الدروس 1: 159 و غيرهما.

(2) المقاصد العليّة: 122.

(4) الذكرى: 163.

(5) لم نقف عليه.

(6) المقاصد العليّة: 122.

189

ما بين نقطتي المغرب و الجنوب، و قوّي في المقاصد العليّة (1) الوجه الأوّل بعد أن نفى البعد عن الثاني مع مبالغته في الروض (2) في نفي الوجه الثاني.

و الإنصاف: أنّ كلّا من الوجهين في غاية البعد.

أمّا الأوّل: فلأنّه مضافا إلى كونه إجمالا في مقام البيان، بل إغراء بخلاف الواقع، مناف لما نسب إلى الأكثر، و منهم المصنّف و المحقّق (قدّس سرّهما) من اتّحاد قبلة خراسان و العراق، فإنّ شيئا من العلامات الثلاث لا ينطبق على بلد ينحرف قبلته إلى المغرب قريبا من نصف ما بين نقطتي الجنوب و المغرب.

و أمّا الثاني: فلرجوعه في الحقيقة إلى عدم وجوب المسامتة على البعيد، و ما ذكر من أنّ مسامتة البعيد لا يؤثّر فيها هذا الاختلاف مخالف للمحسوس، فإنّ من استقبل في بلدة نقطة الجنوب و علم أنّ مكّة زادها اللّه شرفا متوسّطة فيما بين نقطتي الجنوب و المغرب فهو غير مسامت لمكّة قطعا.

و لو جاز هذا المقدار من التياسر عن مكّة مسامحة لزم جواز مثله في التيامن عنها، فيجوز لهذا الشخص استقبال نقطة المغرب، إذ المفروض أنّ نسبة نقطتي المغرب و الجنوب إلى مكّة في هذا الفرض قريبة من التساوي أو متساوية، مع أنّهم حكموا ببطلان العبادة مع التقريب المحض و وجوب الإعادة فيما لو ظهر ذلك بعد الظنّ المطابقة فضلا عمّا لو تعمّده، فتأمّل.

هذا كلّه، مع أنّ سياق كلماتهم في بيان هذه العلامات ظاهرة في المداقّة آبية عن المسامحة، و لذا خصّوا موضع الجدي بحذاء المنكب الأيمن، و لم يطلقوا

____________

(1) المقاصد العليّة: 123.

(2) روض الجنان: 198.

190

ذكر «القفا» تبعا لرواية ابن مسلم (1) [1].

و اعلم أنّ المشهور- كما صرّح به جماعة (2)-: أنّه يستحبّ لهم أي لأهل العراق التياسر قليلا، و عن ظاهر جماعة من القدماء (3)- و منهم الشيخ في الخلاف (4) مدّعيا عليه الإجماع- وجوبه، فظاهر جماعة (5) أنّه مبنيّ على كون قبلة البعيد هي الحرم، و أنصابه عن يسار الكعبة أكثر، إلّا أنّ الظاهر اطّراده على القولين، و لذا قال به جماعة، منهم: الفاضل هنا و في جملة من كتبه (6)، و الشهيد في الذكرى (7)، مع قولهم بأنّ القبلة هي الجهة، و إن كان المتراءى من مستند الحكم هو كون الحرم قبلة البعيد، ففي رواية المفضّل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه؟ قال: إنّ الحجر لمّا أنزله اللّه سبحانه من الجنّة و وضع في موضعه، جعل أنصابه من حيث يلحقه نور الحجر فهي عن

____________

[1] في نسخة «ق» هنا بياض بمقدار صفحة و نصف، و لعلّ المؤلّف (قدّس سرّه) تركها لإضافة معلومات اخرى مناسبة للمقام.

____________

(1) الوسائل 3: 222، الباب 5 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل،

(2) منهم الشهيد الأوّل في الدروس 1: 159، و الشهيد الثاني في الروض: 198، و السيّد في المدارك 3: 130، و المحدّث البحراني في الحدائق 6: 383، و غيرهم.

(3) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 93، و انظر النهاية: 63، و المقنعة: 96، و الوسيلة: 85.

(4) الخلاف 1: 297، كتاب الصلاة، المسألة: 42.

(5) منهم المحقّق في المعتبر 2: 69، و العلّامة في نهاية الإحكام 1: 396، و الشهيد الثاني في روض الجنان: 198، و السيد الطباطبائي في الرياض 3: 126، و غيرهم.

(6) القواعد 1: 251، و المختلف 2: 64.

(7) الذكرى: 167.

191

يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حدّ اليمين [1]، و إذا انحرف ذات اليسار لم يخرج عن حدّ القبلة» (2).

و في مرفوعة عليّ بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إن قيل لم صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار؟ فقال: إنّ الكعبة لستّة [2] حدود، أربعة منها على يسارك و اثنان منها على يمينك، فمن أجل ذلك وقع التحريف إلى اليسار» (4).

و الحقّ أنّ الروايتين ضعيفتان، و ما ذكر فيها من التعليل من المتشابهات، فإنّ التياسر لا يستلزم مواجهة عين الأنصاب، و لو كانت مائة ميل، فإن جوّزنا المسامحة في القبلة بحيث لا يقدح فيه الانحراف اليسير شمالا و يمينا صحّ الحكم بالاستحباب بمقدار يتسامح فيه بفتوى المشهور و إن لم تكن رواية، و إلّا فلا تنفع الروايتان في إثبات الحكم المخالف للأصل، و لذا منعه جماعة منهم المحقّق (5) و الشهيد (6) الثانيان، بل حكي عن الأوّلين (7) أيضا في

____________

[1] كذا في النسختين، و في المصدر: خرج عن حد القبلة، و لعلّ ما ورد في النسخ سهو من قلمه الشريف.

[2] في الوسائل: لأن للكعبة ستّة حدود.

____________

(2) الوسائل 3: 221، الباب 4 من أبواب القبلة، الحديث 2، مع اختلاف يسير.

(4) الوسائل 3: 221، الباب 4 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل، مع اختلاف يسير.

(5) جامع المقاصد 2: 57.

(6) روض الجنان: 198 و 199، و انظر المسالك 1: 155.

(7) حكاه في المستند 1: 266 عن محكي النافع و ظاهر الدروس، و انظر مفتاح الكرامة 2: 94.

192

النافع (1) و ظاهر الدروس (2)، و حيث إنّ المستفاد من النصوص الموجبة للاستقبال و الواردة في طريق وضع الجدي و الفتاوى المخصّصة لكلّ إقليم بعلامة مع تقارب العلامات [1].

و يؤيّدها أنّ صريح الرواية الاولى عدم جواز الانحراف إلى اليمين و لو قليلا.

فالأقوى: عدم جواز التياسر عمّا اقتضاه إعمال العلامات و صدق عليه التوجّه العرفيّ و إن كانت الجهة العرفيّة و المطابقة للعلامات وسيعة في نفسها، فإنّ ذلك لا يقتضي جواز الانحراف عن أصل تلك الجهة، و إنّما يقتضي جواز الانحراف إلى أجزاء الجهة يمينا و شمالا، و لا يبعد إرادة هذا المعنى من الروايتين، فيكون المستحبّ حينئذ هو الميل عن وسط الجهة التي اقتضته الأمارات إلى يسار المصلّي بحيث لا يخرج عن أجزاء الجهة، فيكون التياسر من القبلة إلى القبلة لا عن القبلة، كما ذكره المحقّق (قدّس سرّه) في جواب سلطان الحكماء و المتكلّمين الخواجة نصير الدين الطوسي حيث أورد عليه بأنّ التياسر إن كان إلى القبلة فواجب، و إن كان عنها فحرام. ثمّ كتب المحقّق في توضيح الجواب رسالة ذكرها ابن فهد في المهذّب البارع (4).

و قد تقدّم (5) في مسألة محراب المعصوم (عليه السلام) عن البحار حمل هاتين

____________

[1] كذا، و العبارة لا تخلو عن تشويش، و قد شطب المؤلف (قدّس سرّه) على ما بعده و في ضمنها عبارة: «هو جواز الانحراف». فتأمل.

____________

(1) انظر المختصر النافع: 24.

(2) الدروس 1: 159.

(4) المهذب البارع 1: 312.

(5) راجع الصفحات: 161- 163.

193

الروايتين على التقيّة، و أنّه حكى عن بعض معاصريه اختصاص مضمونها بمسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

[علامة أهل الشام]

و علامة أهل الشام و هو دمشق و ما والاها جعل بنات ال نعش الكبرى و هي سبعة كواكب أربعة منها نعش و ثلاث بنات حال غيبوبتها و هو انحطاطها و دنوّها إلى المغرب خلف الاذن اليمنى و جعل الجدي عند طلوعه، و هو غاية ارتفاعه خلف الكتف اليسرى [1] و ظاهره أنّ انحراف الشاميّ عن نقطة الجنوب إلى المشرق أقلّ من انحراف العراقيّ عنها إلى المغرب، و جعل مغيب سهيل و هو أخذه في الانحطاط و ميله عن دائرة نصف النهار على العين اليمنى، و طلوعه، و هو كما قيل: بروزه على الأفق المرئيّ بين العينين، و أمّا طلوعه بمعنى غاية ارتفاعه، فجعله بين العينين يستلزم استقبال نقطة الجنوب، لما صرّح به غير واحد (2) من أنّ ارتفاع كلّ كوكب عبارة عن كونه على دائرة نصف النهار، فيتّحد مع قبلة العراقي بناء على بعض العلامات المتقدّمة لها.

و جعل الصّبا بالقصر و فتح الصاد و هو- كما صرّح به جماعة (3)-: ريح محلّها ما بين طلوع الشمس و الجدي. و حكى في الذكرى (4)

____________

[1] في الإرشاد: و الجدي خلف الكتف الأيسر عند طلوعه.

____________

(2) انظر روض الجنان: 196 و 197، و الروضة 1: 508، و مفتاح الكرامة 2: 91، و الجواهر 7: 362.

(3) منهم الشهيد في الذكرى: 162، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 2: 58، و السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 96.

(4) الذكرى: 162.

194

و الروض (1) قولا بأنّ مبدأ هبوبها من مطلع الشمس على الخدّ الأيسر، و الشّمال بفتح الشين-: ريح محلّها ما بين الجدي و مغرب الشمس على الكتف الأيمن.

و جعل الرياح علامة- مع أنّها لا تعرف غالبا إلّا بعد معرفة المشرق و المغرب المغنية عن استعلام القبلة بالرياح- مفروض في بعض الصور التي تعرف الرياح من غير جهة المشرق و المغرب، كالبرودة و الرطوبة و مقابلهما، و غيرهما من علامات الرياح كإثارة السحاب.

و في جعل الرياح و نحوها كالقمر علامات دلالة على توسعة الجهة بالمعنى الّذي قدّمنا (2)، و لذا جعلها في الذكرى (3) و غيره (4) من أضعف العلامات معلّلا باضطراب هبوبها، و صرّح فيه بأنّه تتقارب فيها قبلة العراقيّ و الشاميّ لاتّساع زواياها، لكنّ الظاهر من الروض (5) عدم جواز الاعتماد عليها و على منازل القمر عند التمكّن من الجدي، لكن ظاهر المصنّف (6) و الشهيد (7) و غيرهما: كالشيخ أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمّي في رسالته (8)، جعل الرياح في عداد سائر العلامات.

____________

(1) روض الجنان: 200.

(2) راجع الصفحة: 137 و ما بعدها.

(3) الذكرى: 162.

(4) الجواهر 7: 372.

(5) روض الجنان: 199.

(6) في هذا الكتاب و التذكرة 3: 12 و غيرهما من كتبه.

(7) الذكرى: 162.

(8) انظر الذكرى: 163، و قد أورد العلّامة المجلسي هذه الرسالة بتمامها في البحار 84:

74- 85.

195

[علامة أهل المغرب]

و علامة أهل المغرب: جعل الثريّا عند طلوعها على اليمين، و العيّوق بالتشديد و هو- كما قيل-: نجم مضيء في طرف المجرّة (1) على الشمال و جعل الجدي مستقيما على صفحة الخدّ الأيسر.

و ذكر في الروض: المراد- هنا- بعض أهل المغرب كالحبشة و النوبة و إن ذكره الأصحاب مطلقا، لأنّ البلاد المشهورة في زماننا بالمغرب- كطرابلس و قيروان- قبلتها نقطة المشرق، بل و يميل عنها نحو الجنوب يسيرا فهي بعيدة عمّا ذكروه (2)، انتهى.

[علامة أهل اليمن]

و علامة اليمن: جعل الجدي عند طلوعه [1] أو انخفاضه بين العينين، و سهيل عند مغيبه بين الكتفين، و جعل الجنوب بفتح الجيم: ريح مقابل للشّمال، محلّه ما بين المشرق و الجنوب، أو مطلع سهيل كما في الذكرى (4) على مرجع الكتف الأيمن أي أسفله، و ذكر الشهيد في الألفيّة:

أنّ العلامة لليمنيّ عكس علامات الشاميّ (5).

و الأولى في ذلك كلّه: ما ذكرنا من إعمال قواعد الهيئة و ملاحظة طول البلد و عرضه بالنسبة إلى مكّة زادها اللّه شرفا أو الرجوع إلى من يعملها، و مع عدم التمكّن فيكفيه التوجّه إلى الجهة العرفيّة التي قد يبلغ إلى ربع الدور، و لا يجب حينئذ الاحتياط، لما ذكرنا فيما بين المشرق و المغرب.

____________

[1] في الإرشاد: وقت طلوعه.

____________

(1) قاله الشهيد الثاني في روض الجنان: 200.

(2) روض الجنان: 200، مع حذف و اختصار.

(4) الذكرى: 162.

(5) الألفية: 53.

196

[المصلّي في جوف الكعبة]

و المصلّي في جوف الكعبة حيث تصحّ صلاته فيه إمّا للضرورة أو لكونها نافلة كما هو إجماع نصّا و فتوى، أو قلنا بصحّة الفريضة فيه و إن كانت مكروهة، كما هو المشهور المعروف عمّن عدا الشيخ المدّعي للإجماع على المنع (1) و القاضي (2)، و على الصحّة رواية موثّقة (3) منجبرة بالشهرة صارفة لبعض الصحاح (4) الظاهرة في الحرمة إلى الكراهة، و حينئذ فيكفيه أن يستقبل أيّ جدرانها شاء، بل أيّ جزء من فضائها و إن لم يكن جدار كما لو استقبل الباب و ليس له عتبة، لأنّ مقتضى دليل الجواز بضميمة ما دلّ على اعتبار القبلة في الصلاة كون كلّ جزء منها قبلة.

و لا ينافي ذلك قوله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (5) لأنّها للبعيد، و في رواية ضعيفة: «أنّه يصلّي مستلقيا» (6).

و منه يعلم ضعف الاستدلال على المنع بفوات الاستقبال.

و المصلّي على سطحها حيث قلنا بالجواز إمّا اضطرارا أو مطلقا للعمومات، خلافا للمحكيّ عن القاضي (7) و ابن سعيد (8) المحتجّ لهما بما عرفت منعه من فوات الاستقبال يصلّي قائما، لعموم أدلّة وجوب

____________

(1) الخلاف 1: 439، كتاب الصلاة، المسألة: 186.

(2) المهذب 1: 76.

(3) الوسائل 3: 246، الباب 17 من أبواب القبلة، الحديث 5 و 6.

(4) الوسائل 3: 246، الباب 17 من أبواب القبلة، الحديث 3 و 4 و غيرهما.

(5) البقرة: 144.

(6) الوسائل 3: 247، الباب 17 من أبواب القبلة، الحديث 7، نقلا بالمعنى.

(7) المهذب 1: 85.

(8) الجامع للشرائع: 64.

197

القيام، و يكفيه في الاستقبال أن يبرز بين يديه شيئا [منها] [1] يستقبله في جميع أحوال الصلاة، و عن الخلاف (2) و النهاية (3) و القاضي (4) وجوب أن يستلقي ليستقبل البيت المعمور فيومئ إيماء بغمض عينيه للركوع و السجود و فتحهما للرفع عنهما كما في رواية الهروي (5)، و هي على ضعفها مخالفة لأدلّة وجوب القيام و الركوع و السجود. و عن الصدوق في الفقيه وجوب الاضطجاع (6)، و لا دليل عليه إلّا أن يريد خصوص الاستلقاء.

و لو صلّي باجتهاد أو تقليد أو لضيق الوقت أو مع السعة إن قلنا بالتخيير للمتحيّر ثمّ انكشف فساده أي فساد عمله، لوقوعه إلى غير القبلة الواقعيّة أعاد مطلقا، أي: وقتا و خارجا إن كان حين العمل مستدبرا على المشهور كما في الروضة (7) و حاشيتها (8)، لفوات المأمور به واقعا، فيقضي.

و لعموم قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة:

الوقت و الطهور و القبلة و الركوع و السجود» (9) و في صحيحة الأخرى:

____________

[1] كلم «منها» من الإرشاد.

____________

(2) الخلاف 1: 441، كتاب الصلاة، المسألة: 188.

(3) النهاية: 101.

(4) المهذب 1: 85.

(5) الوسائل 3: 248، الباب 19 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(6) الفقيه 1: 274، الحديث 845.

(7) الروضة البهيمة 1: 520.

(8) حاشية الروضة: 183.

(9) الوسائل 3: 227، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

198

«لا صلاة إلّا إلى القبلة، قلت: فأين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة، قلت: فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير وقت؟

قال: يعيد» (1).

و رواية معمّر بن يحيى، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة ثمّ تبيّن له القبلة و قد دخل وقت الصلاة أخرى، قال:

يصلّيها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها إلّا أن يخاف فوت التي دخل وقتها» (2).

و رواية عمّار عن الصادق (عليه السلام) في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: «إن كان متوجّها إلى ما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة حين يعلم، و إن كان متوجّها إلى ما بين دبر القبلة فليقطع صلاته ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتتح الصلاة» (3).

و عن النهاية: أنّه وردت رواية بأنّه إذا صلّى إلى استدبار القبلة، ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب إعادة الصلاة (4).

و في الجميع نظر، أمّا الإطلاقات الثلاثة الأول، فهي مقيّدة بما سيأتي من الأخبار المفصّلة بين بقاء الوقت و خروجه.

و دعوى: عدم شمول الإطلاقات الآتية لصورة انكشاف الاستدبار، إن كان من جهة ندرة انكشاف الاستدبار إلى هذا الحدّ مع فرض الاجتهاد،

____________

(1) الوسائل 3: 227، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(2) التهذيب 2: 46، الحديث 150، و انظر الوسائل 3: 228، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 5.

(3) الوسائل 3: 229، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 4، مع اختلاف يسير.

(4) النهاية: 64.

199

ففيه: أنّ بعض تلك الأخبار غير مختصّ بالاجتهاد، كما سيأتي، مع أنّه على هذا ينبغي تخصيص الانكشاف فيها بالاستدبار.

و إن كان من جهة ندرة اتفاق وقوع الصلاة إلى النقطة المقابلة حتّى لغير المجتهد كالمتحيّر مثلا، ففيه: أنّه لا فرق بين تلك النقطة و نقطة أخرى غيرها من حيث غلبة اتفاق الصلاة في إحداهما و ندرته في الأخرى، مضافا إلى ما سيأتي من أنّ الأقوى أنّ المراد بالاستدبار هو العرفيّ لا الحقيقيّ، و رواية ابن يحيى مع ضعفها لا شاهد لتقييدها بصورة الاستدبار، و الإجماع المخصّص لأحد المتعارضين المتباينين لا يوجب حمل المخصّص منهما نصّا ليقدّم على الآخر و يقوى على تخصيصه و إن كان ربّما يفهم ذلك عرفا في المخصّص اللّفظي كما قرّر في محلّه، مع إمكان حمل وقت صلاة أخرى على وقت فضيلتها.

و أمّا رواية عمّار: فالظاهر منها بقاء الوقت كما لا يخفى.

و أمّا المرسلة: فهي ضعيفة مجرّدة عن شهرة يعتدّ بها، كيف؟! و المحكيّ عن سيّدنا المرتضى (1) و ابن إدريس (2) و ابن سعيد (3) و المحقّق (4) و المصنّف في جملة من كتبه (5) و الشهيد في الذكرى (6) و الدروس (7)

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 230.

(2) السرائر 1: 205.

(3) الجامع للشرائع 63.

(4) الشرائع 1: 68.

(5) التذكرة 3: 29، و المختلف 2: 69.

(6) الذكرى: 166.

(7) الدروس 1: 160.

200

و المحقّق [1] و الشهيد (2) الثانيين، و عامّة من تأخّر: هو عدم وجوب القضاء.

ثمّ إنّ الظاهر من الاستدبار في كلمات الأصحاب هو العرفيّ، لا استقبال خصوص النقطة المقابلة للقبلة. و يؤيّده- مضافا إلى وجوب الرجوع إلى العرف في مثل المقام-: تقسيمهم صور انكشاف الخطأ إلى أقسام ثلاثة: الانحراف اليسير، و التشريق أو التغريب، و الاستدبار. و لا إشكال في عدم دخول ما تعدّى عن التشريق و التغريب [داخلا] [2] في شيء من القسمين الأوّلين فتعيّن دخوله في الثالث، أو إهمالهم لذكره موضوعا و حكما، و هو بعيد.

و يعيد في الوقت خاصّة دون خارجه إن كان حين العمل مشرّقا أو مغرّبا.

أمّا وجوب الإعادة في الوقت، فيدلّ عليه- قبل الإجماع المحقّق و المستفيض-: العمومات المتقدّمة، مضافا إلى خصوص ما يدلّ أيضا على نفي القضاء خارج الوقت، مثل صحيحة عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«إذا صلّيت و أنت على غير القبلة ثمّ استبان لك أنّك صلّيت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد، و إن فاتك الوقت فلا تعد» (4).

و صحيحة سليمان بن خالد، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلّي لغير القبلة ثمّ يضحى فيعلم

____________

[1] جامع المقاصد 2: 74- 75، و فيه: قال المرتضى: لا يعيد بعد خروج الوقت ..

و فيه قوّة، و العمل على الأول [و هو القول بالإعادة مطلقا].

[2] كذا، و الظاهر زيادتها.

____________

(2) روض الجنان: 203، و المسالك 1: 161.

(4) الوسائل 3: 229، الباب 11 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

201

أنّه صلّى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال: إن كان في وقت فليعد صلاته، و إن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده» (1).

و نحوها صحيحة ابن يقطين (2)، و غيرها من الأخبار (3).

و هل المراد بالمشرق و المغرب خصوص نقطتيهما أم يعمّ ما تعدّاهما و لم يبلغ الاستدبار العرفيّ؟ وجهان، لا ثمرة في الترجيح بينهما على المختار- من عدم وجوب القضاء مع الاستدبار أيضا- و على المشهور فالأقوى الثاني، لإطلاق هذه الأخبار النافية للقضاء، و اختصاص أدلّة ثبوت القضاء بالاستدبار العرفيّ.

و كذا الوجهان في اختصاص الحكم بخصوص نقطتي المشرق و المغرب أو عمومه لمطلق نقطتي اليمين و اليسار كنقطتي الشمال و الجنوب لمن كان قبلته نقطة المغرب أو نقطة المشرق. و العموم هنا أوضح، لعموم الأدلّة.

و لا يعيد لا في الوقت و لا في خارجه إن كان حين العمل منحرفا إلى ما بينهما بالإجماع المستفيض و الأخبار المستفيضة، منها:

صحيحة زرارة السابقة (4) الدالّة- كصحيحة معاوية بن عمّار (5)- على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، و بها يقيّد إطلاق كثير من الفتاوى- كفتوى

____________

(1) الوسائل 3: 230، الباب 11 من أبواب القبلة، الحديث 6.

(2) الوسائل 3: 230، الباب 11 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(3) راجع الوسائل 3: 230- 231، الباب 11 من أبواب القبلة، الأحاديث 5 و 8 و 9 و غيرها.

(4) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 2، و تقدمت في الصفحة:

145.

(5) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

202

المقنعة (1) و النهاية (2) و الغنية (3) و نحوها (4)، ككثير من الروايات المتقدّمة- بوجوب الإعادة في الوقت على من صلّى إلى غير القبلة، بل لا يبعد دعوى التقييد بناء على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة حقيقة و لو للمجتهد و المتحيّر و شبههما.

و هل المراد بما بين المشرق و المغرب: مطلق ما بين اليمين و اليسار، فيشمل ما بين الجنوب و الشمال لمن كانت قبلته نقطة المغرب أو نقطة المشرق، أو خصوص ما بين الجهتين؟ إشكال، من عموم وجوب الإعادة في الوقت لمن صلّي إلى غير القبلة، و من أنّ المستظهر من الأدلّة إناطة الحكم بالانحراف اليسير و الفاحش.

و على كلّ حال، فينبغي القطع بعدم الاعتبار بهما لمن كان قبلته غير نقطتي الجنوب و الشمال و ما يقربهما، إذ ربما تكون القبلة على وجه يكون ما بين المشرق و المغرب متجاوزا عن حدّ اليمين و اليسار، بل ملحقا بالاستدبار، فلا تأمّل في وجوب الإعادة عليه، بل القضاء على المشهور [1].

____________

[1] هذا آخر الصفحة اليمنى من الورقة: (47) من نسخة «ق»، و تبدأ الصفحة اليسرى من الورقة: (47) بقوله: الأوّل: القيام. و يبدو أنّ المؤلف (قدّس سرّه) لم يتعرّض لشرح ما بقي من مبحث الاستقبال في الإرشاد، و هو قول المصنف: و لو ظهر الخلل في الصلاة استدار إن كان قليلا، و إلّا استأنف، و لا يتعدّد الاجتهاد بتعدّد الصلاة، كما لم نجد في المخطوطة شرحا لستّ صفحات من كتاب الإرشاد المشتملة على مباحث لباس المصلّي و مكان المصلّي و أحكام المساجد و الأذان و الإقامة.

هذا و قد ترك ناسخ «ط» بياضا بمقدار عدّة أسطر، و كتب في الهامش ما يلي:

و لم يخرج من قلمه الشريف في أبواب مقدمات الصلاة غير مسألتي الأفعال و القبلة.

____________

(1) المقنعة: 97.

(2) النهاية: 64.

(3) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494.

(4) مثل سلّار في المراسم: 61، و ابن حمزة في الوسيلة 99، و ابن إدريس في السرائر 1: 205، و غيرهم.

203

[المقصد الرابع ما يصلّى فيه]

المقصد الرابع ما يصلّى فيه [1] و فيه مطلبان:

[المطلب الأوّل: لباس المصلي]

الأوّل: اللباس يجب ستر العورة في الصلاة بثوب طاهر إلّا ما استثني، مملوك أو مأذون فيه- و لو صلّى في المغصوب عالما بالغصب بطلت و إن جهل الحكم- من جميع ما ينبت من الأرض: من القطن و الكتان و الحشيش، و جلد ما يؤكل لحمه مع التذكية و إن لم يدبغ، و صوفه و شعره و ريشه و وبره و إن كان ميتة مع غسل موضع الاتصال، و الخزّ [2] الخالص،

____________

[1] لم يتعرّض المؤلّف (قدّس سرّه) لشرح هذا المقصد و المقصد الخامس من كتاب الإرشاد، و أوردناهما هنا إتماما للفائدة.

[2] الخزّ: دابة من دواب الماء تمشي على أربع، تشبه الثعلب و ترعى من البرّ و تنزل البحر، لها و بر يعمل منه الثياب (مجمع البحرين 2: 18، مادة: «خزز»).

204

و السنجاب [1]، و الممتزج بالحرير.

و يحرم الحرير المحض على الرجال إلّا التكّة و القلنسوة، و يجوز الركوب عليه و الافتراش له و الكفّ به، و يجوز للنساء.

و يكره: السود عدا العمامة و الخفّ، و الواحد الرقيق غير الحاكي للرجل، و أن يأتزر على القميص، و يشتمل الصمّاء أو يصلّي بغير حنك، و اللثام، و النقاب- و يحرم لو منع القراءة- و القباء المشدود في غير الحرب، و الإمامة بغير رداء، و استصحاب الحديد ظاهرا، و في ثوب المتهم، و الخلخال المصوّت للمرأة، و التماثيل، و الصورة في الخاتم.

و تحرم في جلد الميتة و إن دبغ، و جلد ما لا يؤكل لحمه و إن دبغ، و صوفه و شعره و وبره و ريشه عدا ما استثني، و فيما ستر ظهر القدم كالشمشك، إلّا الخفّ و الجورب.

و عورة الرجل قبله و دبره، يجب سترهما مع القدرة و لو بالورق و الطين، فإن فقد صلّى عريانا قائما مع أمن المطّلع، و جالسا مع عدمه، و يومئ في الحالين راكعا و ساجدا.

و جسد المرأة كلّه عورة، عدا الوجه و الكفّين و القدمين، و يجوز للأمة و الصبية كشف الرأس.

و يستحب للرجل ستر جميع جسده، و للمرأة ثلاثة أثواب: درع و قميص و خمار.

____________

[1] السنجاب: حيوان على حد اليربوع، أكبر من الفأرة، شعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعّمون (مجمع البحرين 2: 84، مادّة: «سنجب»).

205

[المطلب الثاني: في مكان المصلي]

المطلب الثاني: في المكان تجوز الصلاة في كلّ مكان مملوك أو في حكمه، كالمأذون فيه صريحا أو فحوى أو بشاهد الحال.

و تبطل في المغصوب مع علم الغصبية و إن جهل الحكم، و لو كان محبوسا جاز، أو جاهلا أو ناسيا.

و لو أمره بالخروج من المأذون و قد اشتغل بالصلاة تمّمها خارجا، و كذا لو ضاق الوقت ثمّ أمره قبل الاشتغال.

و تجوز في النجس مع عدم التعدّي، و يشترط طهارة موضع الجبهة، دون باقي مساقط الأعضاء، و كذا يشترط وقوع الجبهة في السجود على الأرض أو ما أنبتته ممّا لا يؤكل و لا يلبس.

و لا يصحّ السجود على الصوف، و الشعر، و الجلد، و المستحيل من الأرض إذا لم يصدق عليه اسمها كالمعادن، و الوحل- فإن اضطرّ أومأ- و المغصوب.

206

و يجوز على القرطاس و إن كان مكتوبا، و على يده إن منعه الحرّ و لا ثوب معه، و يجتنب المشتبه بالنجس في المحصور دون غيره.

و يكره أن يصلّي و إلى جانبه أو قدّامه امرأة تصلّي على رأي، و يزول المنع مع الحائل، أو تباعد عشرة أذرع، أو مع الصلاة خلفه.

و تكره أيضا في الحمّامات، و بيوت الغائط، و معاطن [1] الإبل، و قرى النمل [1]، و مجرى الماء، و أرض السبخة و الرمل و البيداء [3]، و وادي ضجنان [4]، و ذات الصلاصل [5]، و بين المقابر من دون حائل أو بعد عشرة أذرع، و بيوت النيران و الخمور و المجوس، و جوادّ الطرق، و جوف الكعبة و سطحها، و مرابط الخيل و الحمير و البغال، و التوجّه إلى نار مضرمة أو تصاوير أو مصحف مفتوح أو حائط ينزّ من بالوعة أو إنسان مواجه أو باب مفتوح.

و لا بأس بالبيع، و الكنائس، و مرابط الغنم، و بيت اليهودي و النصراني.

____________

[1] هي جمع معطن كمجلس: مبارك الإبل عند الماء لتشرب علّا بعد نهل (مجمع البحرين 6: 282، مادّة: «عطن»).

[2] القرى- بضم القاف-: جمع قرية، و هي: الأماكن التي يجتمع النمل فيها (مجمع البحرين 1: 339، مادّة: «قرأ»).

[3] هي: أرض مخصوصة بين مكة و المدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكة، كأنّها من الإبادة و هي الإهلاك (مجمع البحرين 3: 18، مادّة: «بيد»).

[4] ضجنان: جبل بناحية مكة، انظر: الصحاح 6: 2154، مادّة: «ضجن».

[5] ذات الصلاصل: اسم لموضع مخصوص في طريق مكة، انظر: مجمع البحرين 5:

408، مادّة: «صلصل».

207

[تتمة]

تتمة صلاة الفريضة في المسجد أفضل، و النافلة في المنزل.

و يستحب: اتخاذ المساجد مكشوفة، و الميضاة على بابها، و المنارة مع حائطها، و تقديم اليمنى دخولا و اليسرى خروجا، و الدعاء عندهما، و تعاهد النعل، و إعادة المستهدم، و كنسها، و الإسراج، و يجوز نقض المستهدم خاصة، و استعمال آلته في غيره.

و يكره: الشّرف، و التعلية، و المحاريب الداخلة، و جعلها طريقا، و البيع فيها و الشراء، و تمكين المجانين، و إنفاذ الأحكام، و تعريف الضوال، و إنشاد الشعر، و إقامة الحدود، و رفع الصوت، و عمل الصنائع، و دخول من في فيه رائحة ثوم أو بصل، و التنخّم، و البصاق، و قتل القمّل فيستره بالتراب، و رمي الحصى خذفا، و كشف العورة.

و يحرم: الزخرفة، و نقش الصور، و اتخاذ بعضها في ملك أو طريق، و بيع آلتها، و تملّكها بعد زوال آثارها، و إدخال النجاسة إليها، و إزالتها فيها،

208

و إخراج الحصى منها فتعاد، و التعرّض للكنائس و البيع لأهل الذمّة، و لو كانت في أرض الحرب أو باد أهلها جاز استعمال آلتها في المساجد.

209

[المقصد الخامس في الأذان و الإقامة]

المقصد الخامس في الأذان و الإقامة و هما مستحبان في الفرائض اليومية خاصّة، أداء و قضاء، للمنفرد و الجامع، للرجل و المرأة إذا لم يسمع الرجال، و يتأكّدان في الجهرية، خصوصا الغداة و المغرب.

و يسقط أذان العصر يوم الجمعة، و في عرفة، و عن القاضي المؤذّن في أوّل ورده، و عن الجماعة الثانية إذا لم تتفرّق الاولى.

و كيفيته: أن يكبّر أربعا، ثم يشهد بالتوحيد، ثم بالرسالة، ثم يدعو إلى الصلاة، ثم إلى الفلاح، ثم إلى خير العمل، ثم يكبّر، ثم يهلّل مرّتين مرّتين.

و الإقامة كذلك، إلّا أنّه يسقط من التكبير الأوّل مرّتان، و من التهليل مرّة، و يزيد مرّتين قد قامت الصلاة بعد حيّ على خير العمل.

و لا اعتبار بأذان الكافر، و غير المميّز، و غير المرتّب و يجوز من المميّز.

و يستحب أن يكون: عدلا صيّتا، بصيرا بالأوقات، متطهّرا، قائما على مرتفع، مستقبل القبلة، متأنّيا في الأذان، و محدرا في الإقامة، واقفا على آخر

210

الفصول، تاركا للكلام خلالهما، فاصلا بركعتين أو سجدة أو جلسة، و في المغرب بخطوة أو سكتة، رافعا صوته، و الحكاية، و التثويب بدعة.

و يكره: الترجيع لغير الإشعار، و الكلام بغير مصلحة الصلاة بعد قد قامت الصلاة، و الالتفات يمينا و شمالا.

و مع التشاحّ يقدّم الأعلم، و مع التساوي يقرع، و يجوز أن يؤذّنوا دفعة، و الأفضل أن يؤذّن كلّ واحد بعد أذان الآخر.

و يجتزئ الإمام بأذان المنفرد، و يؤذّن خلف غير المرضي، فإن خاف الفوات اقتصر على التكبيرتين و قد قامت، و يأتي بما يتركه.

211

[النّظر الثّاني في الماهيّة]

النّظر الثّاني في الماهيّة و فيه مقاصد

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

[المقصد الأوّل: في كيفيّة اليوميّة]

الأوّل: في كيفيّة اليوميّة يجب معرفة واجب أفعال الصلاة من مندوبها، و إيقاع كل منهما على وجهه،

[و الواجب سبعة]

و الواجب سبعة: [1]

____________

[1] من الإرشاد.

214

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين.

215

[الأوّل: القيام]

الأوّل: القيام قدّمه على النيّة و التكبير لاعتباره في كليهما و لو من جهة وجوب مقارنتهما، و هو أولى من تأخيره، نظرا إلى أنّه لا يجب حتما إلّا بعدهما، لأنّه لا ينافي أحقيّته بسبق المعرفة.

و هو ركن بإجماع العلماء كما في المعتبر (1) و عن جماعة (2)، بل علماء الإسلام كما في المنتهي (3)، مضافا إلى ظهور الأدلّة اللّفظيّة و قضاء أصالة الركنية، بناء على تفسير الركن بما تبطل الصلاة بتركه [1] عمدا أو سهوا كما يظهر من الكتاب و الشرائع (5) و نحوهما، و صرّح به في

____________

[1] في الإرشاد: «لو أخلّ به» بدل: «بتركه».

____________

(1) المعتبر 2: 158.

(2) جامع المقاصد 2: 200، و المدارك 3: 326، و كشف اللثام 1: 211.

(3) المنتهى 1: 264، و 265.

(5) الشرائع 1: 80.

216

المعتبر (1) و المنتهى (2) و الذكرى (3) و حكاه الأوّل عن الشيخ (4).

و لو ضمّ إلى تركه زيادته- كما في جامع المقاصد (5) و الروض (6) و مجمع الفائدة (7)، و عن المهذّب (8) ناسبين له إلى الأصحاب- سقط التمسّك بالأخيرين، و احتاج إلى استثناء زيادة القيام في كثير من الموارد.

و كيف كان، فقد استشكل جماعة من المتأخّرين (9)، أوّلهم- فيما أعلم- المحقّق الثاني (10) [في] إطلاق القول بركنيّة القيام، بأنّ ناسي القراءة و أبعاضها صلاته صحيحة مع فوات بعض القيام المستلزم لفوات المجموع، و عدلوا عن القول بالإطلاق إلى ما حكوه عن الشهيد (قدّس سرّه) في بعض تحقيقاته (11) من أنّ القيام بالنسبة إلى الصلاة على أنحاء، فهو شرط في حال النيّة، و ركن في حال التكبير و كذا المتّصل منه بالركوع، و واجب في حال

____________

(1) المعتبر 2: 151.

(2) المنتهى 1: 264.

(3) الذكرى: 178.

(4) المبسوط 1: 100.

(5) جامع المقاصد 2: 199.

(6) روض الجنان: 249.

(7) في مجمع الفائدة 2: 252.

(8) المهذب البارع 1: 356، و فيه النسبة إلى الفقهاء، و انظر الجواهر 9: 239.

(9) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان: 249، و المسالك 1: 200، و السيد السند في المدارك 3: 326، و السبزواري في الذخيرة: 260، و البحراني في الحدائق 8: 60.

(10) انظر جامع المقاصد 2: 200.

(11) حكاه المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 200، و السيد السند في المدارك 3:

326، و السبزواري في الذخيرة: 260.

217

القراءة، فلو سها و كبّر أو ركع جالسا بطلت صلاته، بخلاف ما لو قرأ جالسا، فالركن منه في الركعة الاولى هو المقدار الذي يسع للافتتاح و المسمّي الذي عنه يتكوّن تقوّس الركوع و إن حصل في ضمن ما للافتتاح، و في سائر الركعات هو الأخير.

و هو حسن إن ثبت الإجماع على ركنيّته في نفسه، كما هو ظاهر معاقد الإجماعات، و إلّا فيمكن القول بعدمه و استناد بطلان صلاة من كبّر جالسا إلى فقد شرط التكبير لا فقد القيام الركنيّ، كما يساعده قوله (عليه السلام) في موثّقة عمّار: «لا يعتدّ بالتكبير و هو قاعد» (1)، و استناد بطلان [صلاة] (2) من ركع جالسا إلى عدم تحقّق الركوع القيامي الذي هو ركن في حقّ القائم- أعني الانحناء عن استقامة مع الوقوف على القدمين- لا إلى ترك القيام مع تحقّق الركوع، كما ادّعاه الفاضل في شرحه على الروضة (3) و تبعه في الرياض (4)، و ركوع الجالس و إن كان ركوعا- لأنّه هو الانحناء سواء كان عن اعتدال القيام أو عن اعتدال القعود- إلّا أنّ الركن ليس هو المشترك بين الركوعين كما يومئ إليه تحديدهم الركوع الركنيّ للقائم في بابه.

و يؤيّده: اعتراف بعض القائلين بركنيّة هذا القيام (5) بعدم انفكاك تركه عن ترك الركوع، و يزيده تأييدا قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من

____________

(1) التهذيب 2: 354، ذيل الحديث 1466، و الوسائل 4: 704، الباب 13 من أبواب القيام، الحديث الأوّل، مع اختلاف يسير.

(2) من هامش «ط».

(3) المناهج السويّة (مخطوط): 164.

(4) الرياض 3: 368 و 369.

(5) انظر المسالك 1: 200، و المدارك 3: 326.

218

خمسة» (1) الدالّ على حصر مستند بطلان الصلاة المنعقدة صحيحا في الإخلال بالركوع أو السجود، و حينئذ فيقوى احتمال كون القيام الذي عنه يركع ركنيّته باعتبار مقدّميته للركوع و شرطيّته للافتتاح، و إن كان واجبا مستقلّا في الجملة، و يكون إجماعهم على ركنيته بالمعنى الأعمّ من النفسي و المقدّمي، كيف و قد يطلقون الركن على المقدّمات الخارجة كإطلاق الركن على النيّة في كلام كثير ممّن قال بشرطيّتها (2)، و إطلاقه على دخول الوقت كما عن العماني (3)، و على استقبال القبلة كما عن ابن حمزة (4)؟! و يتفرّع على ما ذكرنا [1]: عدم اعتبار شروط القيام الآتية في القيام المتّصل بالركوع إلّا إذا وقع فيه واجب كالقراءة، أو ركن كالافتتاح.

و لكنّ الإنصاف: أنّ الخروج عن مقتضى ظاهر الإجماعات المستفيضة مشكل، بل غير صحيح. فالمذهب ما حقّقه المتأخّرون.

و لا منافاة بين كون القيام الذي يركع عنه ركنا مستقلّا و مقدّمة لتحقّق الركوع القيامي، بناء على أنّ الركن من الركوع ليس هو القدر المشترك بين ركوعي القائم و القاعد، لكن ربّما يستظهر من المصنّف و الشهيد (قدّس سرّهما) في

____________

[1] في هامش «ط»- هنا- ما يلي: «قوله: و يتفرّع على ما ذكرنا .. إلى آخره أقول:

فيه تأمّل، لأنّ جملة من الأمور الآتية كما يعترف به (قدّس سرّه) مأخوذة في مفهوم القيام، فيعتبر فيه سواء كان ركنا أم لا و سواء وقع فيه شيء أم لا، فتدبّر».

____________

(1) الوسائل 4: 1241، الباب الأوّل من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.

(2) منهم العلامة في المنتهى 1: 266، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 195، و السيد في المدارك 3: 308.

(3) انظر المختلف 2: 140.

(4) الوسيلة: 93.

219

القواعد (1) و الذكرى (2)- في مسألة ما لو تجدّد قدرة العاجز عن القيام بعد القراءة- حيث حكما بأنّه يجب حينئذ القيام للهويّ إلى الركوع: أنّ وجوب القيام حينئذ من باب المقدّمة، و كذا ما ذكره في الذكرى (3)- فيما لو تجدّد القدرة حال الركوع-: أنّه يقوم منحنيا، و ليس له الانتصاب لئلّا يزيد ركنا. نعم، علّل هذا الحكم في جامع المقاصد (4) بقوله: لئلّا يزيد ركنين.

و أظهر من هذا كلّه كلام له في الذكرى (5) في ردّ بعض العامّة- في مسألة ناسي السجدة الثانية-: أنّه لو ذكرها قائما و قد جلس بعد الاولى لا يجب عليه الجلوس ثانيا للسجدة المنسيّة، فلاحظ [1]، و لاحظ تفسيره من الفاضل في شرح الروضة (7)، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ الظاهر من كلام بعضهم كالشهيد الثاني في الروض (8) و المسالك (9) و سبطه (10) أنّ المراد بالقيام المتّصل بالركوع هو المتّصل بجزء من

____________

[1] في هامش «ط» ما يلي: في الذكرى: و قال بعض العامّة: «لا يكفي الجلوس الأوّل، بل يجب الجلوس هنا لينتقل إلى السجود، كما لو خفّ المريض بعد القراءة قاعدا، فإنه يجب عليه القيام ليركع عن قيام، قلنا: الفرق واضح، لأنّ الركوع عن قيام لا بدّ منه مع القدرة عليه، و لا يتم إلّا بالقيام فيجب.

____________

(1) القواعد 1: 269.

(2) الذكرى: 182.

(3) الذكرى: 182.

(4) جامع المقاصد 2: 215.

(5) الذكرى: 221.

(7) المناهج السوية (مخطوط): 272.

(8) روض الجنان: 253، و فيه: القيام الركني إنما يتحقق مع اتصاله بالركوع.

(9) المسالك 1: 200.

(10) المدارك 3: 326 و 329.

220

هويّه و إن حصل الفصل بين أجزاء الهويّ، و لذا حكما (1) فيمن نسي الركوع بعد الهويّ له قليلا: أنّه يقوم منحنيا إلى ذلك الحدّ، و ظاهر إطلاق آخرين بل صريح بعضهم: وجوب الانتصاب في هذه الصورة أيضا، و هو الأقوى، بناء على ما ذكرنا من أنّ ركوع القائم هو الانحناء عن اعتدال القيام.

و كيف كان، فظاهر القولين: وجوب اتّصال القيام بجزء من هويّ الركوع و عدم جواز الفصل بينهما بأجنبيّ، فلو هوى بقصد السجود أو لغرض آخر غير الركوع فلمّا بلغ حدّ الركوع نوى جعله ركوعا لم يجز، مضافا إلى ما سيجيء في بطلان الفرض من وجوب قصد الركوع في الهويّ، و سيجيء أيضا للكلام تتمّة في مباحث السهو إن شاء اللّه تعالى.

و اعلم: أنّ الركن من القيام هو الانتصاب- المتحقّق بنصب فقار الظهر أعني عظامه المنتظمة في النخاع- و منه الاستقامة ضدّ الاعوجاج، فيخلّ به الانحناء و لو يسيرا إذا سلب عنه اسم الاستقامة، و كذا الميل إلى اليمين و اليسار، و لا يضرّه إطراق الرأس، بل عن التقيّ (2): استحباب إرسال الذقن إلى الصدر، لكن في مرسلة حريز (3) تفسير النحر (4) بإقامة الصلب و النحر، و عليه العمل استحبابا.

[و يجب الاستقلال]

و يجب فيه أمور خارجة عن مفهومه على الظاهر.

منها: الاستقلال و عدم الاستناد إلى شيء على وجه الاعتماد على

____________

(1) راجع المسالك 1: 291، و المدارك 4: 234.

(2) الكافي في الفقه: 142.

(3) الوسائل 4: 694، الباب 2 من أبواب القيام، الحديث 3.

(4) الوارد في قوله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ) الكوثر: 2.

221

المشهور، بل عن المصنّف (قدّس سرّه) في المختلف (1) و ابن [أبي] الجمهور في شرح الألفية (2) الإجماع عليه، لتوقّف البراءة عليه، و للتأسّي الواجب عموما، و خصوصا لقوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (3)، و لصحيحة حمّاد الواردة في تعليم الصلاة (4)، و لتبادر الاستقلال من القيام، بل في الإيضاح: أنّ القيام هو الاستقلال (5)، و عن المحقّق الثاني (6) و الفريد البهبهاني (7) أنّه داخل في مفهوم القيام، للتبادر و صحّة السلب عن غيره، أو لتبادر إيجاده من غير معاون من إطلاقات الأوامر، كما عن المحقّق الثاني (8) و المقدّس الأردبيلي (9) و ابن [أبي] الجمهور (10).

و لصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: لا تمسك بخمرك و أنت تصلّي و لا تستند إلى جدار إلّا أن تكون مريضا» (11).

و رواية عبد اللّه بن بكير- المحكيّة عن قرب الإسناد- قال: «سألت

____________

(1) المختلف 2: 194.

(2) المسالك الجامعية: (الفوائد المليّة): 144.

(3) عوالي اللئالي 1: 198، ذيل الحديث 8.

(4) الوسائل 4: 673، الباب الأوّل من أبواب أفعال الصلاة، الحديث الأوّل.

(5) الإيضاح 1: 99.

(6) حكاه في الجواهر 9: 246 عن ظاهر المحقّق، و في جامع المقاصد 2: 203: «فان المتبادر منها وجوب قيام المصلّى لنفسه، و لا يعد المعتمد على شيء قائما بنفسه».

(7) مصابيح الظلام في شرح المفاتيح (مخطوط): 97.

(8) حكاه المولى النراقي في المستند 1: 328، و انظر جامع المقاصد 2: 203.

(9) مجمع الفائدة 2: 189- 190.

(10) المسالك الجامعية: 144.

(11) الوسائل 4: 702، الباب 10 من أبواب القيام الحديث 2.

222

أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة قاعدا أو متوكّئا على عصا أو حائط، قال:

لا، ما شأن أبيك و شأن هذا، ما بلغ أبوك هذا بعد» (1).

و في الوجوه المتقدّمة على الروايتين نظر، فهما العمدة بعد اعتضادهما بالشهرة و نقل الإجماع، الذي لا ينافيه المحكيّ عن الحلبيّ (2) من كراهة الاعتماد على ما يجاور المصلّي من الأبنية، إمّا لاحتمال إرادته الحرمة من الكراهة، كما قيل إنّه شائع في كلام القدماء (3)، أو لأنّ خروجه غير مضرّ بالإجماع المحقّق فضلا عن المنقول [1].

نعم، مال إليه جماعة من متأخّري المتأخّرين (5) فحملوا النهي المتقدّم على الكراهة، بقرينة صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام): «عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد و هو يصلّي أو يضع يده على الحائط من غير مرض و لا علّة؟ فقال: لا بأس، و عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوليين هل يصلح له أن يتناول حائط المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لا علّة؟ فقال:

لا بأس» (6).

____________

[1] نقله (قدّس سرّه) عن المختلف و شرح الألفية لابن أبي جمهور، و قد تقدّم في الصفحة السابقة.

____________

(1) قرب الإسناد: 171، الحديث 626، و الوسائل 4: 693، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 20.

(2) الكافي في الفقه: 125.

(3) المستند 1: 328.

(5) انظر المدارك 3: 328، و الكفاية: 18، و الحدائق 8: 62.

(6) الوسائل 4: 701، الباب 10 من أبواب القيام، الحديث الأوّل، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

223

و في موثّقة ابن بكير: «لا بأس بالتوكّؤ على عصا، و التوكّؤ على الحائط» (1).

و فيه: أنّ الرواية الأخيرة محمولة على المريض، حملا للمطلق على المقيّد، و أمّا الأولى فهي محمولة- كما في كلام جماعة (2)- على الاستناد العاري عن الاعتماد جمعا، إذ الحمل على الكراهة لا يتأتّى في الرواية الثانية من الروايتين المتقدّمتين، و في الإيضاح حمل رواية الجواز على التقيّة (3).

و الحاصل: أنّها لا تقاوم أدلّة المنع من وجوه.

ثمّ إنّ ظاهر المحقّق الثاني في جامع المقاصد (4): عدم جواز الاستناد في النهوض أيضا، و لعلّه لما تقدّم من تبادر إيجاد القيام من غير استعانة.

و فيه نظر، لأنّ النهوض من المقدّمات الصرفة و إلّا لما جاز النهوض إلى الركعة الأولى مستعينا و هو باطل، مع أنّ ذيل صحيحة عليّ بن جعفر- المتقدّمة- صريح في الجواز، فهو الأقوى.

و منها: القيام على الرجلين، ذكره الشهيدان (5) و المحقّق الثاني (6)

____________

(1) الوسائل 4: 702، الباب 10 من أبواب القيام، الحديث 4.

(2) كالشهيد الأوّل في الذكرى: 180، و الشهيد الثاني في روض الجنان: 250، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 2: 203.

(3) إيضاح الفوائد 1: 99.

(4) جامع المقاصد 2: 203.

(5) الذكرى: 181، الروض: 250.

(6) جامع المقاصد 2: 202.

224

و غيرهم (1) و عن الحدائق: أنّه لا خلاف فيه، و أنّه اتّفاق الأصحاب (2)، قيل (3): لعدم الاستقرار مع القيام على الواحدة، و لأنّه كاللّاعب، و لكثير ممّا ذكر في الاستقلال، و التبادر هنا قويّ، و يؤيّده: ما ورد في آداب تباعد الرجلين (4)، فإنّ الظاهر منها كون القيام عليهما مفروغا عن وجوبه.

نعم، في بعض الأخبار عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه كان يصلّي و هو قائم، يرفع إحدى رجليه حتّى أنزل اللّه تعالى (- طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (5)، و في السند، بل في الدلالة ضعف لا يخفى على من لاحظهما.

و الظاهر أيضا: وجوب الوقوف على أصل القدمين، لا على الأصابع، للتبادر المذكور، مع إخلاله بالاستقرار غالبا، و في رواية أبي بصير: أنّ نزول الآية السابقة كان لوقوفه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على أطراف أصابع رجليه (6)، و لا يبعد وجوب الاعتماد عليهما في الجملة، بمعنى عدم كفاية مجرّد مماسّة أحدهما للأرض، و عن البحار: أنّه المشهور (7)، و أمّا بمعنى التساوي في الاعتماد فالظاهر عدم وجوبه، و عليه يحمل حسنة أبي حمزة- بابن هاشم- قال: «رأيت عليّ بن الحسين (عليه السلام) في فناء الكعبة في اللّيل و هو يصلّي

____________

(1) كالسيّد في المدارك 3: 328، و المحقق السبزواري في الذخيرة: 261.

(2) الحدائق 8: 64.

(3) جامع المقاصد 2: 202.

(4) الوسائل 4: 710، الباب 17 من أبواب القيام.

(5) الوسائل 4: 695، الباب 3 من أبواب القيام، الحديث 4، و الآية من سورة طه: 1.

(6) الوسائل 4: 695، الباب 3 من أبواب القيام، الحديث 2.

(7) البحار 84: 342.