كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
225

فأطال القيام حتّى جعل يتوكّأ [مرّة] على رجله اليمنى و مرّة على رجله اليسرى» (1) مع ظهورها في النافلة.

و ممّا ذكرنا من التبادر يظهر الوجه في عدم جواز التباعد بين الرجلين بحيث يخرج عن متعارف القيام، و عن ابن [أبي] الجمهور (2) أنّه لا خلاف في ذلك، بل يمكن أن يفهم هذا من الانتصاب، فإنّ الظاهر منه كون القائم كالشاخص المنصوب.

و منها: الاستقرار، بمعنى: الوقوف المقابل للجري، و السكون المقابل للاضطراب، و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع المصرّح به في الإيضاح في باب الصلاة على الراحلة (3)، و شرح المفاتيح للفريد البهبهاني (4)، و شرح الشرائع (5) لبعض مشايخنا المعاصرين، و المحكيّ عن المسالك الجامعيّة (6)-:

رواية السكوني (7)- المنجبرة بعمل الأصحاب كما في موضع من الذكرى (8)، أو بشهرتها بينهم كما في باب القراءة منه (9)، بزيادة نسبة التوقّف في مضمونها إلى بعض المتأخّرين-: «عن الرجل يريد أن يتقدّم قال: يكفّ

____________

(1) الوسائل 4: 695، الباب 3 من أبواب القيام، الحديث الأوّل.

(2) المسالك الجامعية: (الفوائد المليّة): 147.

(3) إيضاح الفوائد 1: 79.

(4) مصابيح الظلام في شرح المفاتيح (مخطوط): 97.

(5) الجواهر 9: 260.

(6) المسالك الجامعية (الفوائد المليّة): 145.

(7) الوسائل 4: 775، الباب 34 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(8) الذكرى: 182.

(9) الذكرى: 196.

226

عن القراءة حال مشيه».

و نحوها: رواية يونس، الواردة في المشي في الإقامة المرويّة في باب الإقامة (1).

و في ذلك الباب أيضا، في رواية سليمان بن صالح: «و ليتمكّن في الإقامة كما يتمكّن في الصلاة، فإنّه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة» (2) دلّت عرفا على لزوم التمكّن في الصلاة و إن كان مستحبّا في الإقامة.

و أظهر من الكلّ: رواية الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة «فقال: إن كانت محمّلة ثقيلة إذا قمت فيها لم تتحرّك فصلّ قائما، و إن كانت خفيفة تكفأ، فصلّ قاعدا» (3).

إلّا أن يحمل التحرّك على ما تكفأ معه السفينة- أي: تقلب- بقرينة المقابلة، فيخرج عن الدلالة على المطلب، و فيما سبق كفاية.

و في المفاتيح (4) و الرياض (5): أنّ الاستقرار مأخوذ في مفهوم القيام، و فيه تأمّل. نعم، لا يبعد أخذ الاستقرار بمعنى الوقوف و عدم المشي في مفهومه، و دعوى أنّ المتبادر من القيام عرفا الوقوف على القدمين، لكن سلبه عن الماشي مشكل.

و كيف كان، فمقتضى الأصل اشتراط القيام بالصفات المذكورة و لو في

____________

(1) الوسائل 4: 635، الباب 13 من أبواب الأذان و الإقامة، الحديث 9.

(2) الوسائل 4: 636، الباب 13 من أبواب الأذان و الإقامة، الحديث 12.

(3) الوسائل 4: 705، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 2، و فيه: عن هارون بن حمزة الغنوي .. بدل «الحلبي».

(4) مفاتيح الشرائع 1: 121.

(5) رياض المسائل 3: 369.

227

حالة النسيان أو الخروج عن الاختيار، مضافا إلى أنّ اعتبارها في القيام يرجع إلى تقييد أدلّة القيام المعتبر حتّى في الحالتين المذكورتين بها، و ليس في أدلّة التقييد ما يتقيّد بحال العمد و الاختيار عدا ظاهر التكليف في صحيحة ابن سنان (1) في الاستقلال، و لا يقدح بعد ظهور تاليتها في الحكم الوضعيّ، بل ظهورها أيضا بعد ملاحظة النواهي الواردة في موانع العبادة الظاهرة كلّا أو جلّا في الإرشاد، و بيان إفادة مجرّد المانعيّة، و حينئذ فناسي الاستقرار و أخواته في القراءة أو في التكبير كناسي نفس القيام، و أمّا ناسيها عند الركوع فلا شيء عليه لو قلنا باعتبارها في القيام المتّصل مع التعمّد، لأنّها واجبات خارجة عن ماهيّة القيام فات محلّها بالدخول في الركوع، فلا يقدح تركها كما لا يقدح مع العجز

، [فإن عجز اعتمد]

على ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: فإن عجز عن الاستقلال اعتمد على شيء مقدور و لو بأجرة ميسورة، بلا خلاف نصّا و فتوى، لعموم «كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (2) المعدود من الأبواب التي تنفتح عن كلّ واحدة منها ألف باب، و رواية سماعة: «ما من شيء حرّم اللّه تعالى إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» (3)، و إطلاق موثّقة ابن بكير المتقدّمة (4)، و نحوها رواية سعيد بن يسار (5).

____________

(1) الوسائل 4: 702، الباب 10 من أبواب القيام، الحديث 2.

(2) الوسائل 5: 352، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3 و 16.

(3) الوسائل 4: 690، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 6 و 7، و فيهما: «و ليس شيء ممّا .. إلخ».

(4) تقدمت في الصفحة: 223.

(5) الوسائل 4: 702، الباب 10 من أبواب القيام، الحديث 3.

228

و خصوص روايتي المختار [1] في مسألة الاستقلال.

و بهذين العمومين- الدالّين على اختصاص اعتبار القيود في أصل القيام بحال التمكّن- يستدلّ على طرد الحكم في سائر الصفات إذا عجز عنها، مقدّما جميع ذلك على الجلوس حتّى الاستقرار عند المصنّف- على ما حكى عنه الشارح في الروض، و اختاره (2)- لعموم أدلّة القيام. و اختصاص مقيّداتها بصورة إمكان مراعاتها.

و إليه يرجع ما قيل (3): من أنّ فوات الوصف أولى من فوات الموصوف، و استشهد عليه بالاتّفاق على تقديم القيام معتمدا على القعود، و معناه أنّ رفع اليد من القيد أولى من رفع اليد من أصل المقيّد.

و إن أريد به معنى آخر، فلا دليل عليه إلّا الاعتبار المجرّد عن الاعتبار.

و يؤيّده رواية المروزيّ، قال: قال الفقيه (عليه السلام): «المريض إنّما يصلّي قاعدا إذا صار بالحالة التي لا يقدر فيها [على] (4) أن يمشي مقدار صلاته إلى أن يفرغ من صلاته» (5).

و أمّا التمسّك باستصحاب وجوب القيام فإن أريد مقيّدا بالاستقرار

____________

[1] المراد به روايتي عبد اللّه بن سنان و عبد اللّه بن بكير المذكورتين في الصفحة:

221- 222.

____________

(2) روض الجنان: 250.

(3) قاله الشهيد الثاني في روض الجنان: 251.

(4) من المصدر.

(5) الوسائل 4: 699، الباب 6 من أبواب القيام، الحديث 4، و فيه: «إلى أن يفرغ قائما».

229

فلا شكّ في ارتفاعه، و إن أريد مع قطع النظر عنه فيكفي فيه عموم أدلّة وجوب القيام في نفسه، و لو منع دلالة العمومات إلّا على وجوبه مقيّدا بما يعتبر فيه من الاستقرار و نحوه فهو أيضا جار في الاستصحاب، لمنع وجوب القيام سابقا إلّا مقيّدا و قد ارتفع القيد فلا يبقى المقيّد.

هذا، إن أخذ الاستقرار قيدا للقيام، و إن أخذناه واجبا مستقلّا في أصل الصلاة كالقيام، فيتعارض استصحابا وجوب القيام و وجوب الاستقرار، بل يتعارض حينئذ عموم أدلّة وجوب القيام مع عموم أدلّة الاستقرار، فينهدم الاستدلال المتقدّم.

و بعد ملاحظة ضعف سند الرواية، بل دلالتها، لاحتمالها لما حكي عن المفيد (قدّس سرّه) كما سيجيء (1) لا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات.

و الظاهر أنّ مراعاة الاستقرار أرجح، لا لما دلّ على الرجوع إلى القعود عند العجز عن القيام، المتبادر منه القيام مستقرّا، و لا لأنّ العبادة تتوقّف على النقل، و المنقول هو الجلوس، لضعف الأوّل بأنّ مساق تلك الأدلّة- مثل قوله (عليه السلام): «صلّ قائما و إن لم تستطع فجالسا» (2)- بيان وجوب أصل القيام على القادر و الجلوس على العاجز، لا بيان وجوب كيفيّات القيام و وجوب الجلوس للعاجز عنها، و لذا لا يقدّم الجلوس على الاستقلال و نحوه قولا واحدا، و ضعف الثاني باشتراك الصلاة ماشيا و الصلاة قاعدا بالتعبّد بهما في النافلة اختيارا و في الفريضة إذا اضطرّ إليهما، و إنّما

____________

(1) انظر الصفحة: 234.

(2) الوسائل 4: 706، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 8، و الحديث منقول بالمعنى.

230

الكلام في الترجيح إذا اضطرّ إلى أحدهما.

بل لأهميّة الاستقرار في نظر الشارع على ما يستفاد من ملاحظة أصل وضع الصلاة المبنيّة على الخشوع و السكون المطلق بإمساك القوي عن التصرّف في الجوارح و الجوانح، و لا شكّ في الترجيح بالأهميّة عند تعارض الواجبين كما يعلم بالتتبّع، و لأنّ الطمأنينة أقرب إلى حال الصلاة و صورتها، مضافا إلى ما عرفت سابقا من دعوى غير واحد (1) أخذ الاستقرار في مفهوم القيام، بحيث يسلب القائم عن الماشي، و أنّه ليس بذلك البعيد.

بل يمكن أن يقال بصحّة سلب اسم المصلّي عن الماشي، و الاجتزاء به مع الاضطرار إليه لا يستلزمه مع عدمه، فإنّ محافظة صورة الصلاة- التي هي جزء كمادّتها- واجبة مهما أمكن، و لذا عدوّا الفعل الكثير الماحي مبطلا مع عدم ورود نصّ فيه.

و كيف كان، فترجيح الاستقرار لا يخلو من قوّة، وفاقا للشهيد في الذكرى (2) و المحقّق الثاني في جامعه (3) و صاحب المدارك (4) و جماعة (5).

هذا في الاستقرار المقابل للمشي و الجري، و أمّا المقابل للاضطراب مع الوقوف: فترجيحه مشكل، لعدم مساعدة ما ذكرنا من المرجّح عليه، فالقول

____________

(1) انظر مفاتيح الشرائع 1: 121، و الرياض 3: 369، و تقدّم ذلك في الصفحة:

226.

(2) الذكرى: 180.

(3) جامع المقاصد 2: 205.

(4) المدارك 3: 329.

(5) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 75، و مطالع الأنوار 2: 25، و في البحار 84:

335: أنّه أوفق بفحوى الأخبار.

231

بترجيح القيام حينئذ لا يخلو عن قوّة، إلّا أن يثبت الإجماع المركّب، و هو بعيد.

و يمكن الاستدلال لترجيح القعود في هذه الصورة- المستلزم لترجيحه في الصورة المتقدّمة بالأولويّة القطعيّة و الإجماع المركّب- بما تقدّم من رواية الحلبي الواردة في الصلاة في السفينة، من أنّها إن كانت محمّلة ثقيلة إذا قمت فيها [لم تتحرّك] فصلّ قائما و إن كانت خفيفة تكفأ فصلّ قاعدا (1).

لكن قد عرفت أنّه لا يبعد أن يراد وجوب الجلوس مع خوف أن تكفأ السفينة- أي: تنقلب لو قام فيها، كما هو المحسوس في الصغار من السفن- فليس فيها دلالة على المطلوب.

و يحتمل في هذه الصورة التخيير، لعدم المرجّح كما ذهب إليه غير واحد (2) في كلتا الصورتين، و اللّه العالم.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو دار الأمر بين إهمال الاستقرار و إهمال الاستقلال أهمل الثاني. و بالغ المصنّف (قدّس سرّه) (3) على ما حكي (4) فعكس.

و أنّه لو دار الأمر بين الاستقرار و الوقوف على القدمين أو تباعد الرجلين قدّم الأوّل، و إن قلنا بأنّ الاستقرار من الصفات المعتبرة في القيام لا من واجبات أصل الصلاة.

و لا ينافي ذلك إثبات اعتبار الوقوف على القدمين و تقاربهما في القيام

____________

(1) الوسائل 4: 705، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 2، و هي عن هارون بن حمزة الغنوي، و قد تقدّمت في الصفحة: 226.

(2) منهم النراقي في المستند 1: 330، و لم نقف عليه في غيره.

(3) التذكرة 3: 92.

(4) حكاه الشهيد الثاني في روض الجنان: 251.

232

بتبادرهما من إطلاقاته بتوهّم أنّهما حينئذ يصيران بمنزلة الانتصاب- المأخوذ في مفهومه- مقدّمين على ما ثبت اعتباره من التقييدات الخارجة المختصّة بحال التمكّن بمقتضى عموم: «ما غلب اللّه» (1) و نحوه، للإجماع على أنّ الركن هو مجرّد القيام المحدود بالانتصاب، و ما عداه أمور خارجة معتبرة فيه عند التمكّن ملغاة مع عدمه، فمع تعارض بعضها مع بعض و عدم ورود التعبّد بالترجيح لا بدّ من الترجيح الخارجيّ، و قد عرفت- سابقا- أنّه مع الاستقرار، للأهميّة و الأقربيّة إلى هيئة الصلاة التامّة- التي هي جزء صوريّ- لا بدّ عند تعذّرها من ملاحظة الأقرب إليها فالأقرب، كما يلاحظ ذلك في الأجزاء المادّية، إذ التأمّل الصادق و الذوق المستقيم يشهد بجريان قاعدة:

«الميسور لا يسقط بالمعسور» في الصورة كما تجري في المادّة.

و لو دار الأمر بين مراعاة الوقوف على القدمين و الاستقلال، فالظاهر ترجيح الثاني، لأنّ ما دلّ على جواز الاستناد للمريض لا يشمل القادر على الاستقلال بقدم واحد، فبقي داخلا في عموم المنع عن الاستناد في روايتي ابن سنان و ابن بكير المتقدّمتين (2).

و لو دار الأمر بين الوقوف على قدم واحد و تباعد الرجلين، فلا يبعد تقديم الأوّل، لما ذكرنا في الاستقرار.

و لو دار بين التباعد و الاعتماد، قدّم الاعتماد، لعموم أدلّة للعاجز عن الاستقلال في القيام المتعارف من حيث الهيئة، و لا ينتقض بما ذكرنا- من تقديم الوقوف على قدم واحد على الاعتماد- لما لا يخفى من الفرق بينهما.

____________

(1) الوسائل 3: 59، الباب 20 من أبواب أعداد الفرائض الحديث 2.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 221- 222.

233

و لو دار الأمر بين شيء من هذه الصفات عدا الاستقرار- الذي قد عرفت (1) ترجيحه في الجملة على أصل القيام- و بين ترك الانتصاب، فالظاهر ترجيح الانتصاب، لأنّه المأخوذ في مفهوم القيام، كما صرّح به بعض (2)، و هو الظاهر ممّن حدّه بالانتصاب كما عن جمهور الأصحاب (3)، فيقدّم على القيود الخارجة عنه المختصّ اعتبارها بحال التمكّن- كما عرفت في تحقيق معنى قولهم: «فوات الوصف أولى من فوات الموصوف» (4)- و من هنا قال في الذكرى: «لو تردّد الأمر بين الانحناء و بين تفريق الرجلين تعارض الفوز بقيام النصف الأعلى و الأسفل، و في ترجيح أيّهما نظر، أقربه: ترجيح قيام الأعلى، لأنّ به يتحقّق الفرق بين الركوع و القيام، و لبقاء مسمّى القيام معه» (5).

ثمّ الظاهر: أنّ الانحناء بجميع انحنائه مقدّم على القعود و لو بلغ حدّ الركوع، و يشعر كلام المصنّف (قدّس سرّه)، في المنتهى بعدم الخلاف فيه إلّا من بعض العامّة في مسألة ما إذا قصر السقف أو كانت السفينة مظلّلة (6).

و يشعر به أيضا ما سيجيء من حكم الأصحاب على ما في الذكرى (7) بوجوب القراءة في حال الهويّ إلى القعود إذا تجدّد العجز عن القيام.

____________

(1) في الصفحة: 224.

(2) المستند 1: 328.

(3) مفتاح الكرامة 2: 304.

(4) راجع الصفحة: 228.

(5) الذكرى: 181.

(6) المنتهي 1: 266.

(7) الذكرى: 182.

234

هذا كلّه مضافا إلى صحيحة ابن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام، أ يصلّي فيها و هو جالس يومئ أو يسجد؟ قال: يقوم و إن حنى ظهره» (1).

ثمّ المنحني إن قدر على زيادة الانحناء للركوع وجب كما صرّح به المصنّف (2) في باب الركوع و إلّا فالظاهر أنّه يجلس للركوع، و يحتمل الإيماء له في حال الانحناء.

و اعلم أنّ الانحناء باعتبار صفاته المأخوذة فيه- أعني الاستقلال، و تقارب الرجلين، و الوقوف عليهما، و الاستقرار، و تعارض بعضها مع بعض- حكمه حكم القيام،

[فإن عجز قعد]

فإن عجز عن الانحناء أيضا و لو معتمدا واقفا على أحد الرجلين أو مفرّقا بينهما قعد فيما يعجز عنه من الصلاة أو أبعاضها بالإجماع بقسميه، و العجز أمر وجداني موكول إلى الإنسان الذي هو على نفسه بصيرة (3)، و عن المفيد (4) تحديده بأن لا يقدر على المشي بمقدار صلاته، لرواية المروزي المتقدّمة (5) مع ما فيها من ضعف السند و عدم الدلالة على ذلك.

و لو دار الأمر بين القيام لقراءة ركعة و بين القيام لركوعها، فقيل (6)

____________

(1) الوسائل 4: 706، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 5.

(2) إرشاد الأذهان 1: 254، و القواعد 1: 276.

(3) اقتباس من سورة القيامة: 14، و انظر الوسائل 4: 698، الباب 6 من أبواب القيام، الحديث 1 و 2.

(4) المقنعة: 215.

(5) الوسائل 4: 699، الباب 6 من أبواب القيام، الحديث 4.

(6) قاله ابن فهد (قدّس سرّه) في الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 75، و المحقق النراقي (قدّس سرّه) في المستند 1: 329، و غيرهما.

235

- كما عن نهاية الإحكام (1)-: بتقديم الأوّل، لقدرته على القيام حين القراءة، فيجب عليه للعمومات، فإذا طرأ العجز ركع جالسا.

فإن قلت: إنّ وجوب الأجزاء ليس كوجودها على وجه الترتيب، بل وجوبها في ضمن وجوب المركّب يتحقّق قبل الشروع، فعند كلّ جزء يكون هو و ما بعده سواء في صفة الوجوب، و المفروض ثبوت العجز عن أحدهما لا بعينه فيتّصف المقدور- و هو الواحد على البدل- بالوجوب، و هو معنى التخيير، إلّا أن يوجد مرجّح كما عن المبسوط (2) و السرائر (3) و محتمل جماعة (4) في جانب القيام للركوع لإدراك الركوع القياميّ و القيام المتّصل بالركوع، و ربّما يؤيّد بما ورد في الجالس من أنّه إذا قام في آخر السورة فركع عنه احتسب له صلاة القائم (5).

قلت: أوّلا: إنّ الجزء الثاني إنّما يجب إتيانه قائما بعد إتيان الواجبات المتقدّمة عليه التي منها القيام، و الفرض أنّ إتيانه قائما كذلك غير ممكن فلا يقع التكليف به، فتعلّق الوجوب بالأجزاء و إن لم يكن فيه ترتيب كنفس الأجزاء، إلّا أنّه إنّما يتعلّق بكلّ شيء مقدور في محلّه، و هذه قاعدة مطّردة في كلّ فعلين لوحظ بينهما الترتيب شرعا ثمّ تعلّق العجز بأحدهما على البدل كما في من نذر الحجّ ماشيا فعجز عن بعض الطريق، و كما فيمن عجز عن

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 439.

(2) المبسوط 1: 100.

(3) السرائر 1: 348.

(4) انظر مفتاح الكرامة 2: 307، و المستند 1: 329.

(5) الوسائل 4: 700، الباب 9 من أبواب القيام.

236

تغسيل الميّت بالأغسال الثلاثة، فإنّه يجب في الموضعين و أمثالهما إتيان المقدار المقدور بحسب الترتيب الملحوظ فيهما عند القدرة على المجموع.

و ثانيا: إنّ المستفاد من قوله (عليه السلام): «إذا قوي فليقم» (1) و نحوه: أنّ وجوب القيام في كلّ جزء و عدمه يتبع قدرة المكلّف عليه و عجزه عنه في زمان ذلك الجزء.

و ما ذكر في وجه النظر إنّما يستقيم إذا كان تقييد الواجبين المترتّبين في الوجود دون الوجوب بالقدرة بمجرّد اقتضاء العقل له، الحاكم بكفاية ثبوت القدرة في جزء من وقت الوجوب، و لم يرد دليل لفظيّ يدلّ على اشتراط وجوب الفعل بالقدرة عليه عند حضور زمانه، المستلزم لسقوطه عمّن عجز عنه حينئذ و إن كان يقدر قبله و بعد زمان الوجوب على ما يتمكّن معه من الفعل في زمانه، و حينئذ فيسقط ما ذكر من الترجيح.

و أمّا أدلّة احتساب صلاة الراكع عن قيام آخر السورة صلاة القائم، فهي و إن وردت في النافلة إلّا أنّها لا تخلو عن تأييد، سيّما بملاحظة ما ورد من «أنّ أوّل صلاة أحدكم الركوع» (2).

و من فحوى ما ذكرنا يستفاد حكم ما لو دار الأمر بين القيام و الإيماء للركوع و السجود و بين الجلوس و الإتيان بهما عن جلوس، و إن تردّد فيه المحقّق الثاني، قال: «من فوات بعض الأفعال على كلّ تقدير» (3) و هو مؤيّد

____________

(1) الوسائل 4، 698، الباب 6 من أبواب القيام، الحديث 3.

(2) الوسائل 4: 932، الباب 9 من أبواب الركوع، الحديث 6.

(3) جامع المقاصد 2: 204.

237

لما قدّمناه من عدم صلاحيّة تقدّم الفعل للترجيح (1)، ثمّ قال: «و يمكن ترجيح الجلوس باستيفاء معظم الأركان معه» (2)، انتهى.

و يرتفع تردّده (قدّس سرّه)- مضافا إلى ما ذكره أخيرا- بإطلاق قوله (عليه السلام): «من لم يستطع أن يصلّي قائما فليصلّ جالسا» (3) فإنّ الظاهر منه الرخصة في القعود لمن لا يستطيع الإتيان بالصلاة المتعارفة المشتملة على الركوع و السجود عن قيام.

و قد توهّم بعض (4) من عبارة المنتهى دعوى اتفاق علمائنا على وجوب القيام في هذه المسألة، حيث قال: لو أمكنه القيام و عجز عن الركوع قائما أو السجود لم يسقط عنه فرض القيام بل يصلّي قائما و يومئ للركوع ثمّ يجلس و يومئ للسجود و عليه علماؤنا و به قال الشافعي و أحمد و قال أبو حنيفة: يسقط عنه القيام إلى أن قال: احتجّ أبو حنيفة بأنّها صلاة لا ركوع و لا سجود فيسقط القيام كالنافلة على الراحلة (5)، انتهى.

و لا يخفى أنّ فرض مسألة «المنتهى» فيمن عجز عن الركوع و السجود على كلّ حال كما لا يخفى.

ثمّ إنّ فرض القاعد: الركوع و السجود مع الإمكان، و يجب في الركوع القاعد الانحناء إلى أن يصير بالنسبة إلى القاعد المنتصب كالراكع بالإضافة إلى القائم المنتصب، لأنّه المفهوم من إطلاق الأمر بالصلاة، لأنّ الملحوظ في

____________

(1) المتقدّم في الصفحة السابقة.

(2) جامع المقاصد 2: 204.

(3) الوسائل 4: 693، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 18، مع اختلاف يسير.

(4) لم نقف عليه.

(5) المنتهى 1: 265.

238

الصلاة المقيّدة بالقيام مع القدرة و بالقعود مع العجز مركّب واحد، يعتبر فيه وجوبا و استحبابا ما عدا نفس القيام و القعود و ما يستتبعهما من الوظائف الشرعيّة، مثل: «بحول اللّه و قوّته» عند النهوض و نحوه، و الهيئات التكوينيّة مثل: تجافي أسفل البطن عن الفخذين و رفعهما المتحقّقين في ركوع القائم.

و منه يظهر ضعف قول الذكرى (1) بوجوب رفع الفخذين في ركوع الجالس لأصالة بقاء وجوبه الثابت حال القيام، فإنّ رفعهما من لوازم الانحناء القياميّ لا ممّا يجب فيه شرعا، مع أنّه منقوض بالتجافي المذكور الذي لم يقل أحد- ظاهرا- بوجوبه.

نعم، الأحوط للجالس في الفريضة عجزا ما ذكره (قدّس سرّه)، لأنّه أقرب إلى ركوع القائم- سيّما إذا قدر على الارتفاع زيادة عن حال الجلوس و دون ما يحصل به أدنى ركوع القائم- و أوجبناه تحصيلا للواجب بقدر الإمكان.

ثمّ إنّ المعروف في ركوع القاعد كيفيّتان، إحداهما: ما تقدّم من مقايسته بركوع القائم، و الأخرى: أن ينحني بحيث يحاذي جبهته موضع سجوده و هو أكمله، كما أنّ أكمل ركوع القائم يستلزم محاذاتهما أيضا، و أدناه أن ينحني بحيث يحاذي جبهته ما قدّام ركبتيه، و الظاهر أنّ الأخيرة حدّ تقريبيّ يعرف به ما ذكر في الاولى من المقايسة بأقلّ ركوع القائم و أكمله.

و لو عجز القاعد عن أدنى الركوع وجب عليه الانحناء بقدر الإمكان، لعموم أدلّة «الميسور لا يسقط بالمعسور» [1] و يجب عليه ذلك للسجود،

____________

[1] منها: «لا يترك الميسور بالمعسور» و «ما لا يدرك كله لا يترك كله» و غيرهما، انظر عوالي اللئالي 4: 58.

____________

(1) لم نقف عليه في الذكرى في كيفيّة ركوع الجالس: 180- 181، و قد صرّح به في الدروس 1: 168، فراجع.

239

و لا يجب عليه تقليله للركوع ليتحقّق الفرق بينه و بين السجود، لأنّ الفرق بينهما ليس أمرا تكليفيّا يصلح أن يهمل لمراعاته ما ثبت وجوبه من تتمّة الانحناء، بل هو لازم تكوينيّ للتكليف بالانحناء للسجود، بل لا يهمل لمراعاته ما ثبت استحبابه، فلو قدر على أكمل الركوع لم يجب عليه تقليله و الاكتفاء بأدنى الواجب ليحقّق الفرق وفاقا للشهيد في الذكرى (1) و المحكيّ عن المصنّف (قدّس سرّه) في النهاية (2) و جماعة (3)، إذ المفروض ثبوت استحباب أكمل الركوع و لم يكلّف للسجود بأزيد منه، و لا بأس بعدم تحقّق الفرق.

أمّا لو قدر على أدنى الركوع فلا يجوز له تقليله لمراعاة الفرق قولا واحدا.

و أمّا ما اشتهر في الأخبار، بل و فتاوى الأصحاب- كما في الذكرى (4)- من وجوب كون السجود أخفض من الركوع، فإنّما هو في الإيماء بالرأس أو بالعين الذي لا دخل له في انحناء الركوع و السجود و إنّما جعله الشارع بدلا، فجعل الأقلّ عن الركوع و الأخفض للسجود، فليس وجوبه من جهة نفس وجوب الركوع و السجود بقدر الميسور ليثبت وجوب الانحناء للعاجز بقدر الإمكان للركوع و السجود و إن لم يحصل الفرق، و لهذا لا يجب في الإيماء إلّا مسماه للركوع و أخفض منه للسجود كما سيجيء. نعم، لو كان مدرك

____________

(1) الذكرى: 181.

(2) النهاية 1: 440.

(3) لم نقف على مصرّح به. نعم، يظهر من السيّد في المدارك 3: 330، و السبزواري في الذخيرة: 262، و السيّد الشفتي في مطالع الأنوار 2: 25، الميل إليه.

(4) الذكرى: 181.

240

الإيماء هو قاعدة وجوب الانحناء و لو للرأس بقدر الإمكان وجب فيه أيضا الانحناء بقدر الإمكان لكلّ منهما.

و يعتبر في القعود ما يعتبر في القيام من الاعتدال و الاستقلال و الاستقرار، إلّا أنّ الأوّل ليس مأخوذا في مفهوم القعود، فترجيحه على أخويه عند التعارض يحتاج إلى دليل. نعم، هو ركن في موضع ركنيّة القيام كما هو ظاهر الروض (1) و صريح كشف الغطاء (2)، و كأنّه للبدليّة.

[و لو عجز اضطجع]

و لو عجز (3) عنه بجميع أنحائه اضطجع على جانبه الأيمن، عند المعظم، و في المعتبر (4) و المنتهى (5): أنّه مذهب علمائنا، و في الغنية (6) و عن الخلاف (7): الإجماع عليه، لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رواية عمّار- المبدل بحمّاد في المعتبر (8) و الذكرى (9) و الروض (10) و جامع المقاصد (11)-: «يوجّه كما يوجّه الرجل في لحده، و ينام على جنبه الأيمن، فإن لم يقدر أن ينام على

____________

(1) روض الجنان: 249.

(2) كشف الغطاء: 234.

(3) في الإرشاد: فإن عجز.

(4) المعتبر 2: 160.

(5) المنتهى 1: 265.

(6) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 499.

(7) الخلاف 1: 420، كتاب الصلاة، المسألة: 167.

(8) المعتبر 2: 161.

(9) الذكرى: 181.

(10) روض الجنان: 251.

(11) جامع المقاصد 2: 207.

241

جنبه الأيمن فكيف ما قدر، فإنّه جائز، و يستقبل بوجهه القبلة ثمّ يومئ بالصلاة إيماء» (1).

و في المرسلة: «المريض يصلّي قائما، فإن لم يستطع صلّي جالسا، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فإن لم يستطع استلقى و أومى إيماء، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه» (2) و نحوها مرسلة أخرى عن الدعائم (3).

و ضعف سند الروايات منجبرة بالشهرة و الإجماعات المحكيّة (4) مع كون رواية عمّار موثّقة معتضدة بالأصل، فهي حجّة مستقلّة، بل لولاها أشكل الركون إلى الأوليين، بخلوّ عبارة جماعة كعبارة الشرائع و النافع (5) و عبارة الكتاب- كما عن المقنعة (6) و جمل السيّد (7) و الوسيلة (8) و الألفيّة (9) و موضع من المبسوط (10)- عن التقييد بالأيمن، مع اقتضاء المقام للبيان، بل

____________

(1) الوسائل 4: 691، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 10.

(2) الوسائل 4: 692، الباب 1 من أبواب القيام، الحديث 15.

(3) دعائم الإسلام 1: 198.

(4) في الصفحة السابقة، عن الخلاف و المعتبر و المنتهى.

(5) انظر الشرائع 1: 80، و المختصر النافع 1: 30.

(6) المقنعة: 215.

(7) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 49.

(8) الوسيلة: 114.

(9) الألفيّة: 59.

(10) المبسوط 1: 100.

242

عن صريح الشيخ (1) و المصنّف طاب ثراهما في التذكرة و النهاية (2): التخيير بين الجانبين.

و يجب عليه استقبال القبلة بلا خلاف ظاهر كما عن الذخيرة (3)، و نسبه في المنتهى (4) إلى علمائنا، و تدلّ عليه الموثّقة و ذيل مرسلة الدعائم المتقدّمتين (5)، بل إطلاقات الاستقبال بما أمكن (6).

و في وجوب اعتدال القامة عند الاضطجاع و الاستلقاء نظر، و الأقوى العدم.

فإن لم يتمكّن من الاضطجاع على الأيمن اضطجع على الأيسر، على المعروف بين المتأخّرين، لمرسلة الصدوق (7) المنجبر ضعفها بالشهرة، بل لعدم الخلاف المستظهر من عبارة المفاتيح (8).

و فيه نظر، مضافا إلى إطلاقات وجوب الاضطجاع كتابا و سنّة (9)

____________

(1) لم نعثر عليه. نعم، في الذخيرة: 262: و هو المستفاد من كلام الشيخ في بعض مواضع المبسوط، و مثله في مفتاح الكرامة 2: 317.

(2) تذكرة الفقهاء 3: 94، و نهاية الإحكام 1: 440.

(3) ذخيرة المعاد: 262.

(4) منتهى المطلب 1: 265.

(5) تقدّمتا في الصفحة السابقة.

(6) الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل، و الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل و غيرهما.

(7) الفقيه 1: 362، الحديث 1037، و الوسائل 4: 692، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 15.

(8) مفاتيح الشرائع 1: 122.

(9) الوسائل 4: 691، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 10، و تقدم تمام الحديث في الصفحة 240- 241.

243

خرج العاجز عنه بالمرّة، و خصوص قوله (عليه السلام) في الموثّقة: «و يستقبل بوجهه القبلة»، حيث إنّ استقبال الوجه إليها لا يحصل إلّا مع الاضطجاع كذا في الروض (1) و شرح الروضة (2)، لكنّه محلّ نظر، لكثرة استعمال التوجّه إلى القبلة في المستلقي أيضا.

بل ربّما يدّعي (3) دلالة قوله فيها: «فإن لم يقدر فكيف ما قدر» (4) على التخيير بين الاضطجاع على الأيسر و الاستلقاء، و هو أيضا محلّ نظر كما صرّح به بعض الأجلّة (5)، لشيوع استعمال مثل هذه العبارة في وجوب الإتيان بالشيء بالقدر المستطاع و المقدور، فلا يدلّ على التخيير بين الحالات المقدور عليها. و ظاهر عبارة الرياض (6): عدم القول بالتخيير. نعم، استظهره بعض الأجلّة (7) من كتب المصنّف (قدّس سرّه).

و في ظاهر الغنية (8): الإجماع على الاستلقاء بعد العجز عن الأيمن، لكن كلامه- بعد التأمّل- لا يدلّ على ذلك، لأنّه ليس بصدد استيفاء جميع

____________

(1) روض الجنان: 252.

(2) المناهج السويّة (مخطوط): 90.

(3) انظر الحدائق 8: 78.

(4) الوسائل 4: 691، الباب 1 من أبواب القيام، الحديث 10، و قد تقدّم تمامه في الصفحة: 240- 241.

(5) المناهج السويّة (مخطوط): 90.

(6) انظر رياض المسائل 3: 375.

(7) المناهج السوية (مخطوط): 90.

(8) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 499.

244

المراتب، و حكاه في الرياض (1) عن ظاهر جماعة، و لعلّها مثل عبارة الغنية (2) في عدم الظهور، على ما استظهره بعض سادة مشايخنا (3).

و كيف كان، فهو مخالف لإطلاقات الصلاة على الجنب كتابا و سنّة، و إن كان موافقا لذيل رواية الدعائم المتقدّمة (4) الخالية عن الجابر.

و على كلّ تقدير، فإن قدر المضطجع على الركوع أو السجود أو على شيء من الانحناء لهما تعيّن، و إلّا أومأ لهما بالرأس أو بالعين، على التفصيل الآتي،

[و لو عجز استلقى]

و لو عجز عن الاضطجاع مطلقا استلقى [1] قولا واحدا، لرواية محمّد بن إبراهيم- المرويّ عن المشايخ الثلاثة- عن الصادق (عليه السلام):

«يصلّي المريض قائما، فإن لم يقدر على ذلك صلّى جالسا، فإن لم يقدر أن يصلّي جالسا صلّى مستلقيا، يكبّر ثمّ يقرأ، فإذا أراد الركوع غمّض عينيه ثمّ سبّح، فإذا سبّح فتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع، فإذا أراد أن يسجد غمّض عينيه ثمّ سبّح، فإذا سبّح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود، ثمّ يتشهّد و ينصرف» (6).

____________

[1] في الإرشاد: بعد قوله «استلقى» ما يلي: «و يجعل قيامه فتح عينيه، و ركوعه تغميضهما، و رفعه فتحهما، و سجوده الأوّل تغميضهما، و رفعه فتحهما، و سجوده ثانيا تغميضهما، و رفعه فتحهما»، هذا و قد أورد المؤلف (قدّس سرّه) شرحا لذلك في النسخة المكرّرة بخطه، فراجع الصفحة: 515.

____________

(1) رياض المسائل 3: 375.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 499.

(3) لم نقف عليه.

(4) تقدّمت في الصفحة: 241.

(6) الفقيه 1: 361، الحديث 1033، و التهذيب 3: 176، الحديث 6، و الكافي 3: 411، باب صلاة الشيخ الكبير و المريض، الحديث 12، و فيه: «يصلّي المريض قاعدا ..»، و انظر الوسائل 4: 691، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 13.

245

و في مرسلة الصدوق فيمن شبكته الريح [1]: «إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه، و إلّا فوجّهوه إلى القبلة و مروه فليوم برأسه إيماء و يجعل السجود أخفض من الركوع» (2).

و لا يقدح ظهور الرواية الأولى كغيرها في تعيين الاستلقاء بعد العجز عن الجلوس، الذي هو مخالف لفتوى الطائفة عدا شاذّ من أصحابنا [2] لم يعبأ به جماعة كثيرة من الأصحاب، حيث ادّعوا الإجماع على خلافه (4)، بل للكتاب و السنّة كما تقدّم، بل للإجماعات المستفيضة، و موافق لفتوى أصحاب الرأي كما في المنتهى (5)، لوجوب تقييدها بصورة العجز عن الاضطجاع، و يستفاد من إطلاق الثانية: وجوب توجيه المستلقي إلى القبلة، و ظاهر جماعة (6) وجوب استقبالها بباطن قدميه أيضا، و في كشف اللّثام (7)

____________

[1] قال الطريحي في مجمع البحرين (5: 273): رجل شبكته الريح، كأنّ المعنى:

تداخلت فيه و اختلطت في بدنه و أعضائه.

[2] لم نقف عليه، نعم في مصابيح الظلام للبهبهاني: 102 ما يلي: «و ظاهر ق تجويز ذلك و ربما كان الظاهر من الكليني أيضا على اشكال».

____________

(2) الفقيه 1: 362، الحديث 1038، و الوسائل 4: 692، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 16.

(4) انظر كشف اللثام 1: 212، و الرياض 3: 377، و المستند 1: 331، و الجواهر 9:

264.

(5) منتهى المطلب 1: 265.

(6) القواعد 1: 268، و مفتاح الكرامة 2: 312، و المستند 1: 331.

(7) كشف اللثام 1: 212.

246

و الرياض (1): الإجماع عليه.

و في رواية عبد السلام بن صالح- المحكيّة عن العيون-: «إن لم يستطع أن يصلّي جالسا فليصلّ مستلقيا ناصبا رجليه بحيال القبلة (2)، فإن أريد من الرجلين القدمان لم يخالف المشهور. و في رواية الدعائم: «و رجلاه ممّا يلي القبلة» (3) و فيه إجمال.

ثمّ المضطجع و المستلقي إن قدرا على الركوع و السجود أو بعض الانحناء لهما تعيّن لهما كما مرّ، و إلّا فيومئان- كسائر من تعذّر عليه الانحناء رأسا- لهما بالرأس مع الإمكان، كما عن جمل السيّد (4) و المحقّق (5) و المصنّف (قدّس سرّه) في جملة من كتبه (6) و الصيمري (7) و الكركي (8) و جميع من تأخّر عنهم، بل حكي عن المشهور (9) بل عن مذهب الأصحاب (10)، لا لأنّ الإيماء

____________

(1) الرياض 3: 376 و 377.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 68، الحديث 316، و الوسائل 4: 693، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 18.

(3) دعائم الإسلام 1: 198.

(4) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 49.

(5) الشرائع 1: 80 و المعتبر 2: 160 و 161.

(6) منتهى المطلب 1: 265، و التذكرة 3: 93 و 94، و التحرير 1: 36.

(7) لم نقف عليه في تلخيص الخلاف، و لا في غاية المرام، و قد نقله عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 312.

(8) جامع المقاصد 2: 209.

(9) حكاه في الحدائق 8: 79.

(10) لم نقف عليه صريحا، و في الذخيرة: 263 ما يلي: و لم يذكروا خلافا في هذا الباب، و لم أطّلع على مصرّح بخلافه.

247

بالرأس أقرب إلى حقيقة المبدل كما قيل (1)، لعدم مدخليّة انحناء الرأس في مفهوم الركوع و السجود، بل لما تقدّم من الروايات في صلاة العاري (2).

و لحسنة الحلبيّ- بابن هاشم-: «المريض إذا لم يستطع القيام و السجود يومئ برأسه إيماء و أن يضع جبهته على الأرض أحبّ إليّ» (3) و ستعرف محمل ذيلها، و رواية الكرخيّ في: «رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء و لا يمكنه الركوع و السجود، قال: ليؤم برأسه إيماء، فإن كان له من يرفع الخمرة [1] فليسجد، فإن لم يمكنه ذلك فليوم برأسه نحو القبلة إيماء» (5).

و نحوهما المرسلة المتقدّمة فيمن شبكته الريح (6) المعمول بها بين الأصحاب كما في شرح الروضة (7)، و جميع ما دلّ على وجوب كون السجود أخفض من الركوع (8)، حيث إنّ الأخفضيّة لا تتحقّق في تغميض العين إلّا مجازا، بل و جميع إطلاقات الإيماء (9) حيث إنّ المتبادر منه أن يكون بالرأس، بل

____________

[1] الخمرة: سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل، و قيل: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده، و لا تكون خمرة إلّا في هذا المقدار و منه في الخبر كان أبي يصلّي على الخمرة فيضعها على الطنفسة (النهاية، لابن الأثير 2: 77 «خمر»).

____________

(1) لم نقف على القائل.

(2) الوسائل 3: 326، الباب 50 من أبواب لباس المصلّي.

(3) الوسائل 4: 689، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 2.

(5) الوسائل 4: 691، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 11.

(6) تقدّمت في الصفحة: 245.

(7) المناهج السويّة (مخطوط): 91 و فيه: و الأصحاب قد عملوا بمضمونها.

(8) الوسائل 4: 692، الباب الأوّل من أبواب القيام، الأحاديث 15 و 16 و غيرهما، و في النسختين: «وجوب كون الركوع أخفض من السجود».

(9) الوسائل 4: 690، الباب الأوّل من أبواب القيام، الأحاديث 4، 5، 10، 18 و 22.

248

لا يكاد يوجد في الروايات إطلاق الإيماء على تغميض العين، و لعلّه الوجه في عدم تقييد الإيماء بالرأس في كلام المصنّف (قدّس سرّه)- هنا- و غيره ممّن أطلق (1).

و لجميع ما ذكرنا يجب حمل ما ورد من التغميض على صورة العجز عن الإيماء بالرأس كما يشهد به وروده في المستلقي العاجز غالبا عن ذلك، و هو الوجه أيضا في اقتصار غير واحد على الغميض في المستلقي (2)، بل في الغنية: دعوى الإجماع عليه (3). و هذا أولى من حمل إطلاقات الإيماء بالرأس على المضطجع خاصّة، لو سلّم تكافؤهما.

و هل يجب على المؤمي وضع شيء على جبهته حال الإيماء مطلقا أو مع التمكّن من الاعتماد عليه أم لا؟ وجوه، لا يخلو أوّلها عن قوّة، لموثّقة سماعة- في المضطجع-: «و يضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنّه يجزيه، و لن يكلّفه اللّه ما لا طاقة له به» (4).

و نحوها مرسلة الصدوق: «عن المريض لا يستطيع الجلوس أ يصلّي و هو مضطجع و يضع شيئا على جبهته؟ قال: نعم، لم يكلّفه اللّه إلّا طاقته» (5).

____________

(1) مثل الشيخ في المبسوط 1: 129، و ابن حمزة في الوسيلة: 114 و المحقّق في الشرائع 1: 80.

(2) منهم الشيخ في المبسوط 1: 129 و ابن حمزة في الوسيلة: 114، و غيرهما.

(3) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 499.

(4) التهذيب 3: 306، الحديث 944، و الوسائل 4: 690، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 5.

(5) الفقيه 1: 361، الحديث 1034، و الوسائل 4: 692، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 14.

249

و رواية عليّ بن جعفر المحكيّة عن قرب الإسناد: «عن المريض الذي لا يستطيع القعود و لا الإيماء كيف يصلّي و هو مضطجع؟ قال: يرفع مروحة إلى وجهه و يضع على جبينه و يكبّر هو» (1).

و قد يحتمل في المسألة التخيير بين الإيماء و الوضع مع أفضليّة الثاني، و لعلّه للجمع بين رواياتهما الخالية كلّ واحدة عن ذكر الآخر، و يستشهد له بحسنة الحلبيّ السابقة (2) و رواية زرارة المصحّحة عن سجود المريض فقال:

«يسجد على الأرض أو على المروحة أو على سواك يرفعه هو أفضل من الإيماء» (3) و لا يخفى ما في هذا الجمع و الاستشهاد.

أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو الجمع بين مضامينها مع الإمكان، و عدم التعرّض في روايات كلّ من الأمرين للآخر ليس له ظهور يغلب ظهور التعيين من الأمر فيها، مع أنّ قوله: «إذا سجد» في موثّقة سماعة (4) دالّ على الجمع، لأنّ الظاهر من قوله: «إذا سجد» إذا أومأ للسجود.

و أمّا الاستشهاد بروايتي الحلبيّ و زرارة، فلأنّ الظاهر منهما أفضليّة وضع الجبهة على الشيء مع الانحناء، بل هو صريح قوله (عليه السلام) في الأولى:

«يضع جبهته على الأرض» و في الثانية: «يسجد على الأرض» و لا خلاف

____________

(1) قرب الإسناد: 213، الحديث 834، و الوسائل 4: 693، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 21.

(2) المتقدّمة في الصفحة: 247.

(3) التهذيب 2: 311، الحديث 1264، و الوسائل 3: 607، الباب 15 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 2.

(4) المتقدّمة في الصفحة السابقة.

250

في وجوب ذلك، بل وجوب أقلّ الانحناء و الوضع مع الإمكان- كما صرّح به في المعتبر (1) و المنتهي (2) في باب السجود، و أين هذا من محلّ الكلام الذي هو وضع الشيء على الجبهة مع الاعتماد أو بدونه من دون انحناء للبدن رأسا؟! فاللّازم- حينئذ- تنزيل الروايتين على من يتمكّن من الوضع على الأرض لكن بصعوبة، فقد رخّص الشارع في العدول عن هذه المشقّة إلى الإيماء مع أفضليّة تحمّلها، و هذا أولى من حمل بعض الأفضليّة فيهما على ما لا ينافي التعيين، و كيف كان، فالروايتان مؤوّلتان أو منزّلتان.

و قد يستدلّ لوجوب وضع الشيء على الجبهة بوجوب مماسّة الجبهة للشيء مع الانحناء، و لا يسقط الأوّل بتعذّر الثاني، و لا يخلو عن تأمّل.

و يجب جعل السجود أخفض من الركوع، لما ورد في صلاة العاري (3) مع عدم القول بالفصل، و لمرسلتي الصدوق المتقدّمتين (4) المنجبرتين بما في شرح الروضة هنا (5) و في الذكرى في باب اللباس من نسبته إلى الأصحاب (6) و في كشف اللثام في باب السجود، إنّ الأخبار و الفتاوى ناطقة به (7)، و إن

____________

(1) المعتبر 2: 208.

(2) المنتهى 1: 288.

(3) الوسائل 3: 328، الباب 52 من أبواب لباس المصلّي، الحديث الأوّل.

(4) تقدّمتا في الصفحتين 241 و 245.

(5) راجع الصفحة 247، و الهامش 7 فيها.

(6) الذكرى: 142.

(7) كشف اللثام 1: 228.

251

حكى فيه عن المقنعة (1) و الصدوق (2) أنّ السابح يعكس الأمر و قوّاه، لكنّه لضعف مستنده المذكور هناك و ندرة القائل به، لا يوهن في الشهرة الجابرة، هذا، مضافا إلى ما في المستفيضة الواردة في الصلاة ماشيا و على الراحلة من مراعاة أخفضيّة السجود (3)، و هي و إن كانت ظاهرة في النافلة إلّا أنّ مقتضى القاعدة اتّحاد النافلة و الفريضة في الكيفيّات المعتبرة، مضافا إلى أنّ مراعاة شيء في النافلة يقتضي مراعاته في الفريضة بالأولويّة، بل بالإجماع المركّب، فلا إشكال في المسألة، كما لا إشكال في أنّه إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بالعين بلا خلاف، لرواية محمّد بن إبراهيم المتقدّمة (4) و لا يقدح اختصاصها بالمستلقي بعد ظهور عدم القول بالفصل إلّا عن شاذّ (5).

و هل يجب- هنا- جعل السجود أخفض، بأن لا يبالغ في التغميض للركوع، كما في جامع المقاصد (6) و الروض [1] و عن الوسيلة (8) و الجامع (9)

____________

[1] روض الجنان: 252، و فيه: و جعل الإيماء للسجود أزيد، نعم في الروضة البهية (1: 587) فإن عجز عن الإيماء به غمّض عينيه لهما مزيدا للسجود تغميضا.

____________

(1) المقنعة: 215.

(2) الفقيه 1: 468، ذيل الحديث 1349.

(3) الوسائل 3: 241- 242، الباب 15 من أبواب القبلة، الأحاديث 14 و 15 و 3:

244، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث 3 و 4.

(4) الوسائل 4: 692، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 13، و تقدّمت في الصفحة: 245.

(5) انظر الحدائق 8: 80.

(6) جامع المقاصد 2: 210.

(8) الوسيلة: 114.

(9) الجامع للشرائع: 79.

252

و المراسم (1)، أم لا كما عليه آخرون؟ (2) الأقوى الثاني، للأصل، و خلوّ رواية التغميض عنه مع وروده في مقام البيان، مضافا إلى أنّ الأخفضيّة لا تتحقّق في التغميض إلّا مجازا.

و لو لم يتمكّن من الإيماء بالعينين أومأ بواحدة. و لو عجز عن ذلك ففي كشف الغطاء (3) أنّه يومئ ببعض أعضائه، كيده مثلا، و لعلّه لمطلقات الإيماء، و اختصاص تقييدها بالرأس أو العين بحال التمكّن، و فيه إشكال، إلّا أنّ مراعاته أحوط.

ثمّ إنّ ظاهر النصوص و الفتاوى: الاكتفاء في الإيماء بمسمّى تحريك الرأس أو تغميض العين للركوع، و أزيد منه للسجود، نعم يعتبر في الرفع من الركوع و السجود إقامة الرأس و تمام فتح العين.

و هل يجب أن يقصد بهذه الأبدال كونها تلك الأفعال؟ ظاهر جماعة (4) نعم، لأصالة الاشتغال، و لأنّه لا يعدّ التغميض ركوعا و الفتح قياما إلّا بالنيّة، إذ لا ينفكّ المكلّف عنهما غالبا فلا يتمحّضان للبدليّة إلّا بالقصد، و لأنّ هذه الأمور كما لا يخلّ زيادتها و نقصانها في الصلاة التامّة، فكذا لا تخلّ في الناقصة استصحابا لحكمها، و لا شكّ أنّ ما هو بدل عن الركوع و السجود يخلّ زيادته و نقصه قضيّة للبدليّة، فلا بدّ أن يكون ما هو ركن مغايرا لما ليس

____________

(1) المراسم: 77.

(2) كالمحقّق في الشرائع 1: 80، و العلّامة في القواعد 1: 268، و الشهيد في الدروس 1: 169.

(3) كشف الغطاء: 241.

(4) كالعلّامة في القواعد 1: 268، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 2: 210، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 212.

253

كذلك، و ليست المغايرة إلّا بالنيّة، و لأنّ مفهوم الإيماء لا يتحقّق ظاهرا إلّا بالنيّة.

و في الكلّ نظر، لورود الإطلاقات على أصالة الاشتغال، و عدم اشتراط القصد في البدليّة لصيرورتها أفعالا في تلك الحالة، فتكفي في نيّتها نيّة أصل الصلاة، بل لو طرأ الانتقال إليها في الأثناء كفى معرفة بدليّتها و الاستمرار على نيّة الصلاة السابقة و إن تغيّرت أفعالها، لعدم اختلاف حقيقة الفردين.

و الفرق بين الأبدال و الأفعال الأصليّة: بأنّها متعيّنة متميّزة فلا تفتقر إلى نيّات تخصّها، بخلاف الأبدال فإنّها مشتركة بين العادة و العبادة فلا بدّ من النيّة لتتعيّن للعبادة، مردود بأنّ صيرورة الأفعال الأصليّة عبادة، إنّما هي لأجل التعبّد بها في الصلاة المنويّة عبادة، و إلّا فهي في حدّ ذاتها أيضا حركات عاديّة، فإذا قصد التعبّد بالإبدال في ضمن الصلاة خرجت كالمبدلات من العادة إلى العبادة.

و أمّا حديث إخلال نقصها مطلقا بالصلاة: فلا دخل له بالمطلوب.

و أمّا زيادتها: فلو سلّمنا إخلالها مطلقا على حسب إخلال مبدلاتها إغماضا عن القدح في عموم البدليّة و التفاتا إلى إطلاق الإيماء و التغميض على الركوع و السجود و بالعكس، فلا تلازم بين اعتبار القصد في الإخلال، نظرا إلى عدم صدق الزيادة إلّا مع قصد البدليّة، و بين عدم اعتباره في الامتثال اكتفاء بنيّة أصل الصلاة، بل حيث عرفت سابقا أنّ الإيماء للركوع و الإيماء للسجود متّحدان مصداقا فيما عدا أقلّ مراتبه المختصّ بالركوع و آخرها المختصّ بالسجود، فلا يترتّب على المزيد حكم زيادة الركوع أو السجود إلّا بقصد أحدهما. نعم لو قصد كون المزيد جزءا غير الركوع و السجود بطل العمل من جهة الزيادة على الأجزاء لا من جهة زيادتها.

254

و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ ما ذكره في شرح الروضة (1) من أنّ الخلاف في اعتبار القصد في الإخلال بالزيادة مبنيّ على الخلاف في اعتباره في تحقّق البدليّة محلّ نظر.

و أمّا دعوى أخذ النيّة في مفهوم الإيماء، فلو سلّم فإنّما هو في تحقّق معناه المصدريّ، و القدر المطلوب في أفعال الصلاة- المشتملة على معان لا توجد إلّا بالقصد و الالتفات، كالتكبير و التشهّد و القنوت و التسليم- ليس إلّا أشباح تلك الأفعال دون إنشاء مفاهيمها. و لذا اعترض [1] على الشهيد في الدروس حيث قال: إنّه يجب في التشهّد الإتيان بلفظه و معناه (3).

و لو عجز عن الإيماء رأسا أخطر الأفعال بباله، ذاكرا للأقوال أو إبدالها بلسانه مع الإمكان و إلّا فبقلبه، كما في كلام جماعة (4).

و كذا لو لم يقدر على الاستلقاء نام على وجهه (5) خلاف المحتضر بحيث لو رفع رأسه استقبل القبلة، لأنّه التوجّه المستطاع، و حكم إيمائه كالمستلقي.

و إنهاء مراتب العجز في كلام جلّ الأصحاب إلى الاستلقاء و الإيماء بالعين، إنّما هو لأجل متابعة النصوص الواصلة إليهم في مراتب العجز، فيكفي في غيرها عموم الأدلَّة، مثل قوله (عليه السلام) في الموثّقة: «صلّى كيف ما قدر» (6)،

____________

[1] لم نقف على المعترض.

____________

(1) المناهج السويّة (مخطوط): 92.

(3) الدروس 1: 182.

(4) منهم العلّامة في القواعد 1: 268 و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 2: 210 و الشهيد الثاني في روض الجنان: 252.

(5) في ق: على القفا.

(6) راجع الوسائل 4: 691، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 10.

255

و الآية (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (1)، و أدلّة ما لا يدرك كلّه [1] بعد ضمّ فهم العرف و الأصحاب.

و اعلم أنّ قول المصنّف (قدّس سرّه): و كذا القول في باقي الركعات كالمستغنى عنه، إذ لم يسبق منه (قدّس سرّه) ما يوهم اختصاص الأحكام المتقدّمة بالركعة الاولى.

[و لو تجدّد عجز القائم قعد]

و لو تجدّد عجز القائم بأقسامه قعد في أيّ فعل كان من غير استئناف للصلاة إن علم باستمرار العجز إلى آخر الوقت بلا خلاف و لا إشكال، بل و مع العلم بعدمه كما يقتضيه إطلاق كلام المعظم هنا و فيما لو تجدّد قدرة العاجز، و استدلّ عليه جماعة (2)- تبعا للذكرى (3)- تبعا للذكرى (4)- بأصالة الصحّة و الامتثال المقتضي للإجزاء.

و يشكل بأنّ ارتفاع العجز و ثبوت القدرة على الصلاة قائما في جزء من الوقت موجب لاختصاص الوجوب بذلك الجزء، و لذا لو علم في أوّل صلاته بطروء العجز له في الأثناء و ارتفاعه قبل خروج وقت الصلاة لم يجز له الدخول، بناء على ما تحقّق من وجوب تأخير أولى الأعذار في صورة العلم بارتفاعها قبل خروج الوقت. و كذلك الكلام في القدرة المتجدّدة في الأثناء، فإنّها كاشفة عن عدم تعلّق الأمر بالفعل عند الدخول فيه، فما أتى به من الأجزاء قاعدا إنّما كان باعتقاد الأمر و تخيّله، كالمأتيّ به منها قائما في

____________

(1) النساء: 103.

(2) مثل: «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» و «لا يترك الميسور بالمعسور»، و غيرهما، انظر عوالي اللئالي 4: 58.

(3) انظر جامع المقاصد 2: 213، و كشف اللثام 1: 212، و الجواهر 9: 275.

(4) الذكرى: 182.

256

الصورة الأولى، كما يوضّح ذلك كلّه فرض العلم بتجدّد الوصفين قبل الدخول في الفعل. و لا ريب أنّ إتيان الشيء بتخيّل الأمر به ليس مجزيا عن المأمور به الواقعي.

لكن الظاهر عدم الخلاف الصريح في عدم وجوب الاستئناف إلّا عن بعض العامّة، و إن احتمل الوجوب في النهاية- على ما قيل [1]- و لعلّ وجه اتّفاقهم على الحكم دعوى أنّ المستفاد من الأدلّة- مثل قوله: «إذا قوي فليقم» (2)، و قوله (عليه السلام): «فإن لم تستطع قائما فصلّ جالسا» (3)- عموم وجوب القيام و الرخصة في القعود لما إذا طرأ موجبهما في الأثناء.

فالاستمرار في الصلاة مستفاد من هذه الأدلّة، لا من قاعدة الإجزاء و النهي عن الإبطال الممنوعين بأنّهما إنّما يثبتان مع تحقّق الأمر لا مع تخيّله و اعتقاده.

و كيف كان، إذا بنينا على الاستمرار فإن كان العجز قبل القراءة أو في أثنائها قعد قارئا عند المصنّف (قدّس سرّه) (4)، و الأكثر كما في الروض (5)، بل نسبه في الذكرى إلى الأصحاب (6)، لكن حكاه في الدروس (7)- على ما حكي عنه- بلفظ «القيل»، فيجمع بينهما بإرادة مشايخه المعاصرين و المقاربين، كالفاضل

____________

[1] لم نقف عليه في النهاية، و لا على من قاله.

____________

(2) الوسائل 4: 699، الباب 6 من أبواب القيام، الحديث 3.

(3) الوسائل 4: 693، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 18 نقلا بالمعنى.

(4) انظر تحرير الأحكام 1: 37، و قواعد الأحكام 1: 269.

(5) روض الجنان: 252.

(6) الذكرى: 182.

(7) الدروس 1: 169.

257

و الفخر و العميد و ابني سعيد و غيرهم [1]، و إلّا فقيل (2) بخلوّ كلام من تقدّم عليهم عن الحكم.

و كيف كان، فهو الأظهر، لا لأنّ الانتقال و الهويّ واجب، فلا يشترط الاستقرار، إذ لا منافاة بين وجوبهما و شرطيّته كما لو وجب المشي في الصلاة لغرض فإنّه يجب السكوت.

و لا لأنّ كلّ مرتبة من الانحناءات الغير القارّة- المتدرّجة إلى القعود- هيئة خاصّة مستقلّة من القيام يجب أن يوقع فيها ما يسعها من القراءة، و ليست قابلة لاعتبار الاستقرار فيها، لمنع كونها متّصفة بالوجوب الأصليّ، بناء على ترجيح الاستقرار لكونه معتبرا في أصل الصلاة، بل تصير حينئذ مقدّمات للقعود، فدعوى كونها- على عدم قرارها- من أفعال الصلاة مصادرة، بل لعموم أدلّة القيام و لو مع الانحناء التامّ، و عدم الدليل على اعتبار الاستقرار بمعنى عدم الحركة في المقام، لأنّ التعويل في وجوبه على الإجماع المفقود هنا.

و لو سلّم جريان الدليل رجع الأمر إلى تعارض الاستقرار بالمعنى المزبور مع القيام، و قد تقدّم (3) قوّة ترجيح الثاني خلافا للمحقّق الثاني (4)

____________

[1] راجع لما قاله الفاضل: تحرير الأحكام 1: 37 و قواعد الأحكام 1: 269، و أمّا غيره ممّن وردت أسماؤهم فلم نقف على قولهم، نعم تعرّض لذكر هذا الجمع السيّد العاملي، في مفتاح الكرامة 2: 315.

____________

(2) قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 315.

(3) في الصفحة: 230- 231.

(4) جامع المقاصد 2: 214.

258

و صاحب المدارك (1) كما عن الأردبيلي (2)، نظرا إلى أنّ الطمأنينة أقرب إلى هيئة الصلاة، و هو ضعيف بما تقدّم آنفا: من أنّ الأقرب و المقدّم على القيام هي الطمأنينة، بمعنى الوقوف و عدم المشي، لا بمعنى عدم الحركة.

و منه ظهر ضعف ما في كشف اللثام (3)- بعد استشكاله لحكم الأكثر تبعا للذكرى (4)، معلّلا بتعليله من أنّ الاستقرار شرط مع القدرة-: أنّ القراءة هاويا كتقديم المشي على القعود.

و أضعف منه: ما في الذكرى (5) من تقوية وجه الإشكال المزبور برواية السكونيّ (6) الدالّة على وجوب الكفّ عن القراءة حال المشي.

ثمّ على المختار من القراءة حال الهويّ، فهل يجب عليه الاشتغال بها فورا؟ الظاهر نعم، بناء على ما يقتضيه القاعدة من وجوب المبادرة إلى الصلاة في زمان يعلم بعدم التمكّن بعده من إحراز واجباتها الاختياريّة، و في حكم الصلاة أبعاضها، فيجب المبادرة إليها مع العلم المذكور، و يحتمل العدم، بناء على تحكيم أدلّة التوسعة.

و على الأوّل، فلو عصى، فهل تبطل الصلاة للإخلال عمدا بما يجب فيها، أم لا؟ إذ لا يلزم من ذلك الإخلال بالجزء، فيأتي ببدله في حال القعود، غاية الأمر عصيانه بتركه الصلاة مع القراءة قائما إلى أن وجب عليه الصلاة مع القراءة قاعدا، و هذا هو الأقوى.

____________

(1) المدارك 3: 334.

(2) مجمع الفائدة 2: 192.

(3) كشف اللثام 1: 212.

(4) الذكرى: 182.

(5) الذكرى: 182.

(6) الوسائل 4: 775، الباب 34 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

259

ثمّ إذا قرأ هاويا و اتّفق إتمام القراءة في حال الهويّ، فإن أمكنه الركوع القياميّ عن ذلك الهويّ وجب و إلّا فيجلس للركوع، و مثله ما إذا طرأ العجز بعد القراءة، و إن لم يتمكّن في الموضعين إلّا من صورة الركوع من غير طمأنينة تسع الذكر وجب الذكر هاويا، أو بقاؤه منحنيا إلى أن يجلس فيسبّح مطمئنّا، على الخلاف المتقدّم في القراءة، و لو لم يتمكّن من ذلك فالظاهر سقوط الذكر، و يحتمل حينئذ الجلوس للركوع تقديما للذكر و الطمأنينة على الركوع القيامي.

و لو طرأ العجز بعد الدخول عن القيام في الركوع فحكم الذكر هاويا أو جالسا مطمئنّا باقيا على انحنائه ما تقدّم، و لو تعذّر البقاء على الانحناء تعيّن هنا سقوط الذكر و الطمأنينة.

و إن كان العجز بعد تمام الركوع قعد مطمئنّا بدل القيام عن الركوع، إن لم يقدر على مسمّى رفع الرأس عن أقلّ مراتب الركوع و إن لم يبلغ حدّ الانتصاب، و إلّا سجد عنه.

[و لو تجدّدت قدرة العاجز قام]

و لو تجدّدت قدرة العاجز قام للقراءة أو لإتمامها من غير استئناف، و لو استحبابا- خلافا للمحكيّ عن الذكرى (1) و جامع المقاصد [1]- ساكتا عنها بلا خلاف هنا ظاهرا، إلّا أن يستلزم فوات الموالاة بين القراءة لطول زمان نهوضه فيحتمل حينئذ وجوب تقديم القراءة ناهضا أو قاعدا على الخلاف المتقدّم، ترجيحا للموالاة في القراءة، و السكوت ترجيحا للقيام

____________

[1] جامع المقاصد 2: 214، و فيه: و إن جاز له ذلك لتقع القراءة كلّها في حال الانتصاب.

____________

(1) الذكرى: 182.

260

فيها، و وجوب الاستئناف بعد النهوض جمعا بينهما، و هو أقوى، و إن كان الأوّل أيضا قويّا.

و لو كان في أثناء كلمة: ففي وجوب إتمامها قاعدا أو ناهضا على الخلاف، أو السكوت و استئنافها قائما وجهان مبنيّان على كون تجدّد القدرة على إتيان الفعل صحيحا في وقته كاشفا عن عدم تعلّق الأمر بناقصة قبل القدرة كما سبق في صدر المسألة.

و لو خفّ بعد القراءة و تمكّن من القيام للركوع [خاصّة] (1) وجب، لوجوب الركوع عن قيام، كما يظهر من الشهيد في الذكرى في مسألة نسيان إحدى السجدتين (2)، و علّله جماعة (3) من المتأخّرين تبعا للروض (4) و المدارك (5) بتحقّق القيام المتّصل بالركوع، و لا منافاة بين التعليلين عند التأمّل، فتأمّل. و في وجوب الطمأنينة في هذا القيام قول ضعيف الوجه.

و لو خفّ في الركوع قبل الطمأنينة بقدر الواجب أو بعدها قبله قام منحنيا، و لم يجز له الانتصاب، لئلّا يزيد ركنا كما في الروض (6) و الذكرى (7)،

____________

(1) من الإرشاد.

(2) الذكرى: 221.

(3) منهم المحقّق السبزواري في الذخيرة: 263، و المحدّث البحراني في الحدائق 8:

86، و السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 316 و غيرهم.

(4) روض الجنان: 253.

(5) مدارك الأحكام 3: 329.

(6) روض الجنان: 253.

(7) الذكرى: 182.

261

بل ركنين كما في جامع المقاصد (1)، و يسكت عن الذكر حال الارتفاع، و لو كان في أثناء كلمة أو ما بحكمها، فقد تقدّم في القراءة: إنّ الأولى إتمامها ثمّ استئنافها.

و إن خفّ بعد الذكر وجب القيام للاعتدال، و كذا لو خفّ بعد الاعتدال قبل الطمأنينة فيه. و لو قدر على الاعتدال دون الطمأنينة قام، قيل (2): و الأولى الجلوس بعده مطمئنّا فيه، و هو حسن. و لو خفّ بعدها ففي الذكرى: الأقرب وجوب القيام ليسجد عن قيام (3)، و تبعه في الجعفريّة (4) و المقاصد العليّة (5)، و فيه إشكال كما عن التذكرة (6) و النهاية (7)، بل منع كما في كلام بعض (8)، لمنع مدخليّة الهويّ عن قيام في ماهيّة السجود كما سيجيء في بابه.

____________

(1) جامع المقاصد 2: 215.

(2) كشف اللثام 1: 212.

(3) الذكرى: 182.

(4) الرسالة الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي) 1: 107.

(5) المقاصد العليّة: 149.

(6) التذكرة 3: 98.

(7) نهاية الإحكام 1: 443.

(8) لم نقف عليه.

262

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

263

الثاني من الواجبات: النية

الثاني من الواجبات بالمعنى الأعمّ من الشرط: النيّة، و هي [1] لغة: العزم. و أريد به عند الفقهاء: القصد المقارن، حتّى أنّه صرّح في الإيضاح (2) و جامع المقاصد (3)- عند شرح قول المصنّف (قدّس سرّه): «و لو نوى في الأولى الخروج في الثانية»- أنّ استعمال النيّة هنا مجاز، و فيه إشكال بل منع إن أرادوا به الحقيقة المتشرّعية فضلا عن الشرعيّة.

و كيف كان، فلا ريب في اعتبار النيّة في الصلاة، بل في كلّ عبادة، و يدلّ عليه: الأدلَّة الأربعة، و إن كان دلالة بعضها لا يخلو عن مناقشة.

____________

[1] في الإرشاد: «و هي ركن تبطل الصلاة بتركها عمدا و سهوا»، و لم يتعرض المؤلف (قدّس سرّه) لمسألة ركنية النيّة هنا.

____________

(2) إيضاح الفوائد 1: 101.

(3) جامع المقاصد 2: 223.

264

إنّما الكلام في شرطيّتها و جزئيّتها، و قد أطال جماعة البحث و طواه آخرون لقلّة فائدته، و لم نقف في أدلّة الطرفين على ما يعتمد عليه، إلّا أنّ المستفاد من الإطلاقات العرفيّة و الشرعيّة أنّ النيّة في الصلاة و سائر العبادات- كهي في غيرها من الأعمال- خارجة عن مفهومها، فالأقوى أنّها من الشروط، كما في المعتبر (1) و المنتهى (2) و غيرهما (3)، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الصلاة من القيام و الاستقبال و غيرهما- بناء على كونها الصورة المخطرة- إلّا من حيث اعتبار مقارنتها لتكبيرة الإحرام، إن استلزم فقدها عدم المقارنة.

و ربّما يستظهر من استدلال بعض القائلين (4) بجزئيّتها- بأنّه يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة- كون ذلك مسلّما و متّفقا عليه، و هو استظهار ضعيف، لجواز كون الصغرى مثبتة لا مسلّمة، مع أنّ في البيان (5) أنّ الأقرب وجوب القيام في النيّة، و عن المصنّف في بعض كتبه أنّه الأقوى (6)، و هو يؤذن بعدم الاتّفاق و إن صرّح في جامع المقاصد في أوّل باب القيام بثبوت الاتفاق على اعتبار القيام في النيّة (7).

[و يجب فيها تعيين الصلاة]

و كيف كان، فلا ريب في أنّه يجب فيها [1] تعيين الصلاة مع

____________

[1] في الإرشاد: و يجب أن يقصد فيها.

____________

(1) المعتبر 2: 149.

(2) المنتهى 1: 266.

(3) انظر روض الجنان: 254 و 255، و المدارك 3: 308.

(4) لم نقف عليه، نعم نقل هذا القول و استدلّ له في المدارك 3: 308.

(5) البيان: 150.

(6) حكاه الشهيد الثاني في الروض: 256 عن النهاية، و لكن لم نعثر عليه فيها.

(7) جامع المقاصد 2: 200.

265

تعدّدها في حقّ المكلّف، إمّا بسبب تعدّد التكليف بالصلوات المختلفة ذاتا كالظهر و العصر، كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما و كذلك الأداء و القضاء، و إمّا بسبب التخيير في التكليف الواحد بين أمرين أو أمور مختلفة كذلك، و لا فرق في الكلّ بين ما إذا اتّحدت صورة أو اختلفت من جهة الكمّ كالصبح و العشاء، أو من جهة الهيئة كاليوميّة مع الآيات، أو من جهتهما كالظهر و الجمعة.

و وجه اعتبار التعيين في هذه المواضع- بعد استكشاف تغاير الحقائق من تغاير الأحكام في الفروض المذكورة-: عدم تحقّق امتثال الأمر المختصّ بكلّ واحد من المتعدّد إلّا بالقصد إليه بعنوانه المأمور به، و لا يجدي صرف المشترك من العملين- أو المقدار المشترك بينهما- إلى أحدهما بالنيّة اللاحقة، أو بالمميّزات اللاحقة، لأنّ قصد الامتثال معتبر عند الشروع.

و أمّا مع عدم اختلاف المتعدّد الواجب عينا أو تخييرا إلّا من حيث الوجود من دون اختلاف في الحقيقة- بأن يرجع تعدّد التكليف في الأوّل إلى التكليف بتكرار الفعل الواحد، و يرجع تخيير المكلّف في الثاني إلى عدم ملاحظة الشارع إلّا للقدر المشترك- فلا يشترط نيّة التعيين، كما لا يشترط إذا اتّحد التكليف، كما لو لم يكن على المكلّف إلّا صلاة واحدة، فإنّ قصد الامتثال تعيين له.

و جملة القول في ذلك: أنّه مع تعدّد الأمر بفعلين مشتركين في تمام الصورة كالظهر و العصر و الزكاة و الخمس، أو في بعض الصورة كالصبح مع العشاء أو الظهر و الجمعة، لا مناص من قصد التعيين إن علم اختلاف المتعدّد في الحقيقة في نظر الشارع كالأمثلة المتقدّمة، و كذا إذا احتمل ذلك، و أمّا إن علم عدم الاختلاف في الحقيقة في نظر الشارع كصلاتين متماثلتين وجبتا

266

بالنذر، أو قضاء عن مثلهما الفائت مع جهل الترتيب، و كالقصر و الإتمام في مواضع التخيير على أقرب الوجهين فلا يعتبر التعيين.

ثمّ الظاهر أنّ الخلاف الواقع بين الفقهاء في بعض الموارد خلاف في اختلاف الحقيقة و اتّحادهما، ففي القواعد: انّ النوافل المسبّبة لا بدّ في النيّة من التعرّض لسببها (1)، و في كشف اللثام: انّ الأقرب الاشتراط في بعضها كصلاة الطواف و الزيارة و الشكر، دون بعض كصلاة الحاجة و الاستخارة، و دون ذوات الأوقات إذا لم يكن لها هيئات مخصوصة كصلاة العيد و الغدير (2).

أقول: و لعلّ وجهه أنّ الثابت من أدلّة هاتين الصلاتين: استحباب كون سؤال الحاجة أو طلب الخير عقيب التنفّل بركعتين أو في أثنائه، فمعنى استحباب صلاة الحاجة أو الاستخارة: استحباب التنفّل قبلها. و دعوى خروجها حينئذ عن ذوات الأسباب ممنوعة أو سهلة، لكنّ الأقوى هنا أيضا: اشتراط التعيين كما في ذوات الأوقات مطلقا، لما ذكرنا من أنّه يكفي في اعتبار التعيين احتمال اختلاف الحقيقة. و منه يعلم وجه اشتراط تعيّن القصر أو الإتمام في مواضع التخيير كما في البيان (3) و جامع المقاصد (4) و الموجز (5) و الجعفريّة (6) و شرحها [1]، و إن علّله في جامع المقاصد باختلاف

____________

[1] لا يوجد لدينا.

____________

(1) القواعد 1: 270.

(2) كشف اللثام 1: 213 و 214.

(3) البيان: 153.

(4) جامع المقاصد 2: 231.

(5) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 73.

(6) الرسالة الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي) 1: 105.

267

أحكامها، مثل أنّ الشكّ في المقصورة مبطل مطلقا بخلاف التمام، فلا بدّ من مائز ليترتّب على كلّ واحد حكمه و ليس إلّا النيّة، قال: «و لا يستقيم أن يقال: ترتّب حكم الشكّ عليه يتوقّف على التعيين الواقع بعده، لأنّ أثر السبب التامّ لا يجوز تخلّفه، فإن قيل: يكون كاشفا فلا تخلّف، قلنا: بل مؤثر لأنّ تعيين العدد إنّما تؤثّر فيه النيّة اللاحقة على ذلك» (1)، انتهى.

و ما ذكره و إن كان لا يخلو عن تأمّل إلّا أنّه قد عرفت كفاية احتمال اختلاف الحقيقة القائم فيما نحن فيه، إلّا أن يمنع ذلك بما ثبت من جواز العدول عن أحدهما إلى الآخر، بناء على تسليم قاعدة كلّ ما لا يتعيّن في العمل لا يتعيّن في النيّة كعكسها، و لذا لا يجب في الصلاة تعيين كونها مع المستحبّات أو بدونها أو غير ذلك من المشخّصات الغير المقوّمة، إلّا أن يحتاج إليه من جهة أخرى مثل نيّة المأموميّة التي يتوقّف عليها عنوان الاقتداء الذي يترتّب عليه أحكام كثيرة، و لذا لا يجب نيّة الانفراد و لا نيّة الإمامة، و يجوز العدول عن المأموميّة إلى أحدهما، و عدم جواز العكس لا يقدح في عكس الكليّة المزبورة لثبوت المانع كما في محلّه، إلّا أن يقال في منع القاعدة المزبورة: إنّ جواز العدول- بعد فرض أخذه مسلّما و الإغضاء عن دعوى ترتّبه على مسألة اعتبار نيّة التعيين فيه دون العكس- لا يكشف إلّا عن قابليّة كلّ جزء وقع من العمل على خصوص أحد الوجهين لأن يصرف إلى الآخر، و هو يستلزم قابليّة ما وقع على وجه مطلق للصرف إلى أحدهما المعيّن بالأولويّة و تنقيح المناط، إن ثبت جواز الشروع في العمل على هذا الوجه، و هو عين محلّ الكلام.

____________

(1) جامع المقاصد 2: 231.

268

و لعلّه لذا جمع في البيان بين القول بوجوب التعيين و بقاء التخيير، قال: و الأقرب اشتراط نيّة القصر و الإتمام و أنّه لا يخرج بها عن التخيير (1).

نعم، يمكن أن يقال- في توجيه عدم اعتبار التعيين بعد تسليم اختلاف حقيقة الفردين-: إنّ التعيين إنّما يعتبر في مختلفي الحقيقة إذا تعلّق بكلّ منهما أمر مخصوص، أمّا إذا تعلّق الأمر بالقدر المشترك كصلاة الظهر مثلا، ثمّ بيّن الشارع تخيير المكلّف في امتثال هذا الأمر الواحد الكلّي بين فردين منه مختلفين بالحقيقة و الأحكام، فإن اشتركا في تمام العمل وجب التعيين، و إن اشتركا في بعضه، كما فيما نحن فيه، كفى في تعيين أحد الفردين- ليترتّب عليه الأحكام- تميّزه عن الآخر ببعضه الآخر.

[و يجب أيضا قصد الوجه و التقرب]

و يجب أيضا قصد الوجه الذي وقع عليه العبادة من الوجوب و الندب، و لا يكفي قصد التقرّب بها [1]، بل عن التذكرة الإجماع عليه (3). و عن الكتب الكلاميّة (4) إنّ مذهب العدليّة: أنّه يشترط في استحقاق الثواب على واجب، أن يوقعه لوجوبه أو وجه وجوبه (5)، و عن الروض: أنّ المشهور اعتبار استحضار أحد الوصفين وصفا و غاية (6)، و عن

____________

[1] في النسختين بياض بمقدار كلمة واحدة.

____________

(1) البيان: 265.

(3) التذكرة 3: 101.

(4) حكاه عن الكتب الكلاميّة: الشهيد الثاني في روض الجنان 257، و السبزواري في الذخيرة: 23، و السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 321.

(5) راجع كشف المراد: 408، المسألة الخامسة من المقصد السادس.

(6) انظر روض الجنان: 257.

269

بعضهم (1) اعتبار أحدهما، و عن آخر إغناء الوصفيّ عن الغائيّ، و عن ثالث العكس.

و أيّا ما كان، فلم أتحقّق على اعتباره دليلا، عدا ما قيل [1]: من وجوب إتيان المأمور به على وجهه الممنوع إن أريد بالوجه ما يعمّ الوجه العارض بعد تعلّق الطلب كالوجوب و الندب و الأداء و القضاء و نحوهما، و المسلّم إن أريد به ما لا بدّ منه في تعيين ذات المأمور به، و عدا إجماع التذكرة الموهون سندا- كالمحكيّ عن العدليّة- بمصير جماعة (3) إلى خلافه، و دلالة باحتمال اختصاصهما- ككلام نفس المجمعين- بصورة توقّف تعيين الفعل المعتبر عقلا و نقلا عليه، كما يظهر من استدلالهم عليه بأنّ جنس الفعل لا يستلزم وجوهه، فكلّ ما يمكن أن يقع على أكثر من وجه واحد افتقر اختصاصه بأحد الوجوه إلى النيّة، فينوي الظهر مثلا ليتميّز عن بقيّة الواجبات، و الفرض ليتميّز عن إيقاعها ندبا، كمن صلّى منفردا ثمّ أدرك الجماعة، و إن كان الظاهر من تمثيلهم بمن صلّى منفردا ثمّ أدرك الجماعة، بل صريحه: وجوب نيّة الوجه بمجرّد تعدّد الفعل و اشتراكه بين الواجب و الندب في أصل الشرع، و إن لم يجتمعا على المكلّف في زمان واحد فلا تغني الوحدة الواقعيّة الفعليّة مع التعدّد بحسب القابليّة الذاتيّة، لكنّه لا يقدح في إرجاع مسألة نيّة الوجه إلى مسألة التعيين المجمع عليه بزعم لزوم التعيين مع

____________

[1] لم نقف عليه.

____________

(1) انظر مفتاح الكرامة 2: 321 و الذخيرة: 23- 24، و الغنائم: 176، و الجواهر 9:

160 و 161، و كذا في تالييه.

(3) غاية المراد: 7- 8 و مجمع الفائدة 1: 98، و الجواهر 2: 81 و 9: 161.

270

التعدّد الشأني أيضا.

فظهر أنّ الإجماع المدّعى على اعتبار نيّة الوجه ناش من تحقّق الإجماع على لزوم التعيين عند الاشتراك، بزعم تحقّق الاشتراك بمجرّد قابليّة الفعل بذاته لوقوعه على وجهين، و لو بالنسبة إلى مكلّفين.

و حيث عرفت أنّ الوجه في اعتبار التعيين هو توقّف الامتثال عليه مع الاشتراك الفعليّ- و أمّا مع وحدة الفعل واقعا فقصد امتثال الأمر الواحد تعيين المأمور به- ظهر أنّه لا وجه لاعتبار نيّة الوجه إلّا فيما يعتبر فيه التعيين، لاختلاف الحقيقة، و ينحصر التعيين في قصد الوجه، فمع عدم اختلاف الحقيقة لا يعتبر قصد الوجه و إن اختلف المتعدّد من حيث الوجه، كما إذا أمر العبد وجوبا بصوم يوم و ندبا بصوم يوم آخر، فإنّه يكفي إيقاع كلّ واحد منهما للتقرّب من غير تعرّض لوجه، و لو اقتصر على فعل واحد سقط الواجب. و كذا لو اختلفا في الحقيقة و لم ينحصر التعيين في قصد الوجه.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا يبعد صحّة العبادة و إن نوى الوجه المخالف اشتباها بل و عمدا، إذا كان الداعي على الإتيان بالفعل اتّصافه بالمطلوبيّة المطلقة، وفاقا للمحكيّ عن المحقّق (قدّس سرّه) في بعض تحقيقاته المحكيّة في باب الوضوء (1).

[و يجب أيضا قصد الأداء و القضاء]

و كذا الكلام في نيّة الأداء و القضاء التي حكم بوجوبها أكثر الأصحاب، بل عن التذكرة عليه الإجماع (2). و قد عرفت عدم الدليل على أكثر من اعتبار التعيين مع الاشتراك الفعليّ كما لو كان عليه حاضرة و فائتة،

____________

(1) المسائل الطبريّة (الرسائل التسع): 317، المسألة 15.

(2) التذكرة 3: 101.

271

أمّا مجرّد قابليّة الفعل لهما و لو بالنسبة إلى مكلّفين أو حالين فلا، إذا المقصود من التعيين: التعيّن.

و منه يظهر أنّه لا يقدح نيّة الخلاف هنا أيضا- اشتباها أو عمدا- مع عدم حصول التشريع المفوّت لنيّة التقرّب.

و أمّا التمسّك هنا و في المسألة السابقة بقاعدة الاحتياط فيما يحتمل مدخليّته في العبادة، ففيه: بعد فرض تسليم وجوبه، أنّه مختصّ بما إذا كان الشك في مدخليّة شيء في ماهيّة العبادة على وجه التقييد أو التركيب. و أمّا بعد إحراز الماهيّة بقيودها فإذا شك في حصول الامتثال للأمر المتعلّق بها فالمحكّم هو عرف العقلاء و حكمهم بتحقّق الإطاعة و عدمه. و لا ريب في حكم العرف فيما نحن فيه بتحقّق الإطاعة المطلوب عقلا و نقلا مجرّد [1] تحقّقها من غير اعتبار خصوصيّة زائدة.

ثمّ القدر الواجب من النيّة بحكم الأدلّة الأربعة: إرادة إتيان الفعل لامتثال أمر اللّه، بحيث يكون الباعث على كلّ جزء منه هو تحقّق الامتثال بالكلّ، و هذا المعنى يتوقّف على تصوّر الفعل المعيّن و غايته مقارنا لنفس الفعل أو لما هو مرتبط به، بحيث يكون مجموعهما في نظر المكلَّف و إرادته فعلا واحدا، و إلّا فمجرّد تصوّر الفعل و غايته و العزم عليه مع الاشتغال بفعل أجنبيّ لا يكفي في صدور الفعل في وقته، بل لا بدّ من توجّه جديد حين الاشتغال بالفعل أو بما هو مرتبط به منضمّ معه.

[و يجب أيضا قصد إيقاعها عند أوّل جزء من التكبير]

و أمّا اعتبار استحضار الإرادة الكامنة في النفس المنبعثة عن تصوّر الفعل و غايته، عند القيام إلى الفعل و الاشتغال بما هو مرتبط به

____________

[1] في «ط»: بمجرّد.

272

و الالتفات إليها في أوّل جزء من العمل حتّى حكموا بوجوب إيقاعها للصلاة عند أوّل جزء من التكبير: فلم يدلّ عليه ما دلّ على اعتبار النيّة في تحقّق الإطاعة و الإخلاص المقرون مع العمل، و ليس وراء أدلّة النيّة ما يدلّ على اعتباره.

مع أنّ الاستحضار المذكور ليست نيّة، بل هو التفات إلى النيّة الحاصلة في النفس، المستمرّة فعلا مع العمل من أوّله إلى آخره، بحكم قوله:

«لا عمل إلّا بالنيّة» (1) الظاهر في اعتبار تلبّس مجموع العمل بنفسها لا بحكمها، نعم هو مؤكّد للإرادة الكامنة، إذ لا شبهة في أنّها تضعف بالذهول، و لذا يعدل عنها بتجدّد داع آخر لم ينهض لمعارضتها مع الالتفات التفصيلي. فينبغي مراعاته في الصلاة التي هي أعظم الطاعات.

و يؤيّده: ما ورد في حكمه رفع اليدين عند التكبير أنّها «إحضار النيّة و إقبال القلب على ما قال و قصد» (2).

و ربّما يستأنس له بما رواه- في زيادات الصلاة من التهذيب- عن زرارة، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الفرض في الصلاة؟ فقال: الوقت و الطهور و القبلة و التوجّه و الركوع و السجود و الدعاء. قلت: و ما سوى ذلك. قال: سنّة في فريضة» (3)، بناء على أنّ المراد بالتوجّه هو الاستحضار المقارن، و إلّا فمطلق التوجّه و لو كان منفصلا عن نفس الفعل ممّا لا بدّ منه

____________

(1) الوسائل 1: 33، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث الأوّل و غيره.

(2) انظر الوسائل 4: 727، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 11.

(3) التهذيب 2: 241، الحديث 955، و الوسائل 3: 80، الباب الأوّل من أبواب المواقيت، الحديث 8، و 3: 214، الباب الأوّل من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

273

عقلا في تحقّق أصل الإرادة التي لا يخفى على زرارة- بل على أدنى جاهل- اعتبارها في الصلاة.

و لو كان المراد بالتوجّه: التوجّه بالتكبير في افتتاح الصلاة، كما هو شائع الاستعمال في الأخبار، لم يخرج أيضا عن إشعار بكون التوجّه عند التكبير، بل استحباب قراءة آية التوجّه (1) أيضا يشعر بذلك، لكن لا يبلغ شيء ممّا ذكر حدّ إيجاب الاستحضار، اللّهم إلّا بضميمة ذهاب المعظم و دعوى الإجماع و استمرار السيرة.

و ربّما يستظهر أنّ مراد القائلين بالإخطار و الاستحضار: اعتبارهما حيث يكون المكلّف خاليا عن التصوّر السابق التي تكون الإرادة منبعثة عنه، و هو صلح من غير تراضي الخصمين، لأنّ صريح كلام بعضهم كالمصنّف (قدّس سرّه) في المنتهى (2) و الشهيد (3) عدم الاكتفاء بالتصوّر السابق و لو يسيرا، و نسبوا «الاكتفاء» إلى بعض العامّة كما في المنتهى (4)، و قال في الذكرى:

لو فرّق بين التكبير و بين التقرّب بقوله: «إن شاء اللّه» بطلت إلّا أن يكون مستحضرا لها بالفعل حال التلفّظ (5)، انتهى.

[و يجب أيضا قصد استمرارها حكما إلى الفراغ]

و ممّا يتفرّع على ما ذكروه من أنّ النيّة «الاستحضار» المذكور:

الالتجاء إلى أنّه لا يجب استمرارها فعلا إلى آخر العمل، لتعسّر ذلك بل تعذّره، بل و لا إلى آخر التكبير للتعسّر، و لعدم الفرق بين ما عدا جزئه

____________

(1) الأنعام: 79.

(2) المنتهى 1: 267.

(3) الذكرى: 177.

(4) المنتهى 1: 267، و راجع الخلاف 1: 312، كتاب الصلاة، المسألة: 61.

(5) الذكرى: 177.

274

الأوّل و بين سائر الأجزاء و لظاهر الإجماع المحكيّ.

و أضعف من هذا: ما يحكى (1) من وجوب إيقاعها بين أجزاء التكبير مستوعبة لها، و لغاية وهنه أرجعه في شرح الروضة (2) إلى سابقه بدعوى تسامح قائله في التعبير، فيكفي استمرارها حكما إلى الفراغ بمعنى أن لا يوقع جزءا منه على ما يخالف النيّة الاولى.

و أمّا على ما ذكرنا في معنى النيّة- تبعا للمحقّقين من متأخّري المتأخّرين (3)- فهذا المعنى هو الاستمرار الفعلي للنّية التي قد دلّ مثل قوله:

«لا عمل إلّا بنيّة» (4) على وجوب تلبّس العمل جزءا فجزءا بنفسها لا بحكمها.

و كيف كان، فالاستمرار بالمعنى المذكور ممّا لا ريب فيه، و يدلّ عليه نفس الأدلّة الأربعة الدالّة على اعتبار أصل النيّة، و في الإيضاح: إنّ عليه إجماع المسلمين (5).

و أمّا الاستمرار بمعنى أن لا يحدث في آن من آنات العمل- و إن لم يكن مشتغلا بجزء منه- ما ينافي النيّة الأولى، فاختاره المصنّف هنا، تبعا لما قوّاه الشيخ أخيرا في الخلاف (6). و فرّع عليه ما ذكره بقوله: و لو نوى [1] الخروج عن الصلاة في الحال أو ثانيه بطلت، و هو مختار

____________

[1] في الإرشاد: فلو نوى.

____________

(1) انظر الذكرى 177، و الغنائم: 176.

(2) المناهج السوية (مخطوط): 97.

(3) منهم المحدّث البحراني في الحدائق 8: 17، و صاحب الجواهر في الجواهر 9: 176.

(4) الوسائل 4: 711، الباب الأوّل من أبواب النيّة، الحديث 1 و 4.

(5) إيضاح الفوائد 1: 104.

(6) الخلاف 1: 308، كتاب الصلاة، ذيل المسألة: 55.