كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
325

و التلخيص (1) و البيان (2) و المهذّب (3) من وجوب التسبيحات الأربع ثلاثا، و قد رجع عنه الشيخ في المبسوط (4) و كذا الشهيد في اللمعة (5) و الدروس (6)، و المحكي عن العماني في المعتبر (7) و المنتهى (8) القول بالعشر، نعم اختاره غير واحد (9) ممّن قاربنا عصرهم.

و قد روي هذا الصحيح عن الصدوق بحذف التكبير و زيادة قوله «تكملة تسع تسبيحات» (10) و نحوه في الحذف ما عن مستطرفات السرائر مع إبدال الزيادة بقوله: «ثلاث مرّات» (11). و هذا أيضا ممّا يوهن التمسّك بها للقول بالاثني عشر، مضافا إلى ذكر الرواية في المعتبر (12) و المنتهى (13) عن

____________

(1) تلخيص المرام (مخطوط): الورقة 16، و فيه: يجزي الحمد وحدها أو التسبيح اثنا عشرة على رأي في الأواخر.

(2) البيان: 159.

(3) المهذب 1: 94.

(4) المبسوط 1: 106.

(5) اللمعة الدمشقية: 33.

(6) الدروس 1: 173.

(7) المعتبر 2: 189.

(8) المنتهى 1: 275.

(9) و هو يظهر من السيّد الطباطبائي في الرياض 3: 423 و لم نقف عليه في غيره.

(10) الفقيه 1: 392، الحديث 1159، و الوسائل 4: 791 و 792، الباب 51 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(11) مستطرفات السرائر (السرائر) 3: 585.

(12) المعتبر 2: 189.

(13) المنتهى 1: 275.

326

كتاب حريز مطابقا لما في المستطرفات.

و لأجل ذلك كلّه يقوى الظنّ بزيادة التكبير فيما رواه الحلّي في باب الصلاة من السرائر (1)، سيّما مع حكاية القول بالتسع عن حريز (2) و حكاية القول بالعشر عن الحلّي (3).

و أمّا التمسّك بها للتسع، فهو و إن كان حسنا من جهة ترجيح ما في المستطرفات أو كتاب الصدوق، إلّا أنّ مثل هذا الاضطراب في المتن يمنع عن مكافأة الرواية لما تقدّم من صحيحة زرارة (4)، مضافا إلى أنّها لا تدلّ على الوجوب، و إلى اعتضاد الصحيحة بما دلّ على ثبوت التكبير في هذا الذكر، و لعلّه لهذا اختار جماعة (5) وجوب تكبير واحد زائدا على التسع بعدها، إمّا للأدلّة الخارجيّة، و إمّا لجعل التكبير في قوله: «ثم تكبّر و تركع» (6) ما عدا تكبيرة الركوع المستغنى عن ذكرها هنا بمعلوميّة ثبوتها للركوع، لكنه أيضا خلاف الظاهر كما لا يخفى، و إن كان ظاهر عطف التكبير على التسبيح يعطي الوجوب.

و الأدلّة الخارجية الدالّة على وجوب التكبير إنّما تؤيّد صحيحة المختار و لا تقيّد هذه إلّا على أن يكون التكبير عقيب كلّ من التسبيحات الثلاث،

____________

(1) السرائر 1: 219.

(2) حكاه في المعتبر 2: 189.

(3) حكاه في المنتهى 1: 275 و انظر السرائر 1: 222 و 230.

(4) تقدّم في الصفحة: 323.

(5) منهم: سلار في المراسم: 72، و العماني و غيره كما في المعتبر 2: 189 و المنتهى 1:

275، و المحدّث البحراني في الحدائق 8: 416.

(6) في صحيحة زرارة المتقدّمة في الصفحة: 324.

327

ليقع جوابا لما تضمّنته الرواية من السؤال عمّا ينبغي أن يقال لأنّ الاثني عشر منتهى الاستحباب، على المعروف عن غير العماني (1) القائل باستحباب الخمس و السبع- الذي لا يعمل عليه إلّا لمتابعة هذا الشيخ العظيم الشأن في استحباب ذكر اللّه- كما في الذكرى (2) تسامحا في طرق السنن.

ثمّ إنّ لأصحابنا رضوان اللّه عليهم في ترجيح التسبيح على القراءة مطلقا كما عن العماني (3) و ظاهر الصدوقين (4) و الحلّي (5) و جملة من متأخري المتأخرين (6)، أو القراءة مطلقا كما عن الحلبيّ (7) و اللمعة (8) و المدارك (9)، أو للإمام مطلقا و التسوية في غيره كما في الشرائع (10) و عن غيره (11)،

____________

(1) راجع المختلف 2: 146.

(2) الذكرى: 189.

(3) المختلف 2: 148.

(4) الهداية (الجوامع الفقهية): 52، و عن والد الصدوق في المقنع (الجوامع الفقهية): 9، و حكاه عنهما في المختلف 2: 148.

(5) السرائر 1: 230.

(6) كالمحقّق السبزواري في الذخيرة: 271، و المحدّث البحراني في الحدائق 8: 388، و السيد الطباطبائي في الرياض 3: 398، و الميرزا القمي في الغنائم: 183، و صاحب الجواهر في الجواهر 9: 324.

(7) الكافي في الفقه: 144.

(8) اللمعة الدمشقية: 33.

(9) المدارك 3: 345.

(10) الشرائع 1: 82.

(11) كالعلّامة في القواعد 1: 273، و الشهيد في البيان: 160، و الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 208 و 209، و يظهر ذلك- أيضا- من الشيخ في الاستبصار 1: 322، ذيل الحديث 1021، و انظر الحدائق 8: 388.

328

أو التسبيح للمأموم كما عن المنتهى (1)، أو المنفرد كما عن الدروس (2)، أو إن تيقّن دخول مسبوق معه كما عن الإسكافي (3) و غيره (4)، أقوال، منشأها:

اختلاف الأخبار، و اختلاف وجوه الجمع بينها [1].

ثم إنّ المعروف: عدم وجوب الاستغفار، و في المنتهى: الأقرب أنّه ليس بواجب (6)، و لعلّه في مقابل الروايات المخالفة، مثل ظاهر قوله (عليه السلام)- في صحيحة عبيد بن زرارة بعد السؤال عن ذكر الأخيرتين-: «تسبّح و تحمد اللّه و تستغفر لذنبك، و إن شئت فاتحة الكتاب، فإنّها تحميد و دعاء» (7)، فإنّ عطف الاستغفار على الواجب ظاهر في وجوبه، مضافا إلى تعليل إجزاء الفاتحة بكونها تحميدا و دعاء، مع أنّ الدعاء في المبدل ليس إلّا الاستغفار، إلّا أن يقال: المراد اشتمالها على ذكر المبدل و زيادة، و مثل قوله (عليه السلام) في

____________

[1] هذا هو آخر ما ورد في الصفحة اليمنى من الورقة: (100)، و ما يليه ورد في أوّل الصفحة اليسرى من الورقة: (100) و عبارة: «وجوه الجمع بينها» كتبها المؤلف (قدّس سرّه) في آخر الصفحة [تابعة]، و لكن مرتب الأوراق شطب عليها و كتب بدلها عبارة «ثم ان»، فلاحظ.

____________

(1) المنتهى 1: 275.

(2) الدروس 1: 175.

(3) حكاه في المختلف 2: 148.

(4) حكاه الفاضل النراقي في المستند 1: 346 عن والده، و استحسنه الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 220.

(6) المنتهى 1: 275.

(7) الوسائل 4: 781، الباب 42 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل و فيه: تسبّح و تحمّد اللّه.

329

حسنة زرارة- بابن هاشم- مشيرا إلى ما عدا الأوليين: «سبع ركعات هي سنّة ليس فيهن قراءة إنّما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء» (1)، و نحوها غيرها (2).

و من طريف ما رشح من قلم السيد الداماد في رواشحه (3): توجيه الصحيحة الأولى طاعنا على من مال إلى وجوب الاستغفار من معاصريه أو احتاط به لأجلها، بأنّ «الواو» بمعنى «حتّى»، و المراد: كون الاستغفار غاية للتسبيح و التحميد، و الأحسن حمل الروايتين على استحباب الدعاء بقرينة خلوّ غيرهما الوارد في مقام البيان عنه على كثرتها.

ثمّ إنّه إن قلنا بوجوب الاستغفار فهو عقيب الذكر، فإن أوجبنا تكراره ثلاث مرّات كرّر عقيب كلّ مرّة، لأنّه مقتضى تقييد مطلق التسبيح المستعقب للاستغفار بالتكرار.

و الأقوى: وجوب الترتيب بين الأذكار الأربعة وفاقا للمشهور كما عن جامع المقاصد (4)، بل الموالاة أيضا، لظاهر الصحيحة المتقدّمة (5). و في المعتبر:

الأشبه عدم وجوب الترتيب (6)، لورود بعض الروايات بتقديم التحميد (7)،

____________

(1) الوسائل 4: 782، الباب 42 من أبواب القراءة، الحديث 6.

(2) انظر الوسائل 4: 781، الباب 42 من أبواب القراءة، و 4: 791، الباب 51 من أبواب القراءة.

(3) الرواشح السماوية: 44، ذيل الراشحة 2.

(4) جامع المقاصد 2: 257.

(5) تقدّمت في الصفحة: 323.

(6) المعتبر 2: 190.

(7) الوسائل 4: 793، الباب 51 من أبواب القراءة، الحديث 7.

330

و هو حسن على ما استوجهه من جواز العمل بكلّ ما ذكر من الروايات.

و هل يجوز العدول عن كلّ واحد من القراءة و التسبيح إلى الآخر؟

قولان، من الأصل و كون الذكر و القرآن لا يقدح زيادتهما، و من أنّه إبطال للعمل كما في الذكرى (1)، بل موجب للزيادة عمدا، لأنّه نوى بالأوّل الجزئيّة.

و في كلا الوجهين نظر، يعلم ممّا تقدّم في تضاعيف المسائل.

و الظاهر: عدم اعتبار نيّة قصد تعيين أحدهما، بل يجزي ما جرى منهما على لسانه بنيّة الصلاة المركوزة في نفسه من أوّل الصلاة.

و لو قصد تفصيلا أحدهما فسبق لسانه إلى الآخر، فإن كان من غير نيّة فيجب استئنافه أو غيره، و إن كان لغفلته عن القصد التفصيلي و كان الإتيان بما سبق لسانه بنيّة الصلاة المركوزة، أجزأ، لما مرّ. نعم، في بعض الروايات الواردة في سجدتي السهو رجحانهما فيما إذا أردت أن تقرأ فسبّحت و إذا أردت أن تسبّح فقرأت (2)، فإنّ ظاهره وجوب الرجوع إلى ما أراد، بقرينة قوله قبلهما: «إذا أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقعد فقمت»، إلّا أن يحمل القراءة مقام التسبيح على ما لا يجزي عنه كالسورة و أبعاضها و أبعاض الفاتحة.

و المشهور: وجوب الإخفات في هذا الذكر، و عن الغنية: الإجماع عليه (3)، للاحتياط، و لعموم البدليّة المستفادة من مثل قوله (عليه السلام)- في

____________

(1) الذكرى: 189.

(2) الوسائل 5: 346، الباب 32 من أبواب الخلل، الحديث 2.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 496.

331

صحيحة عبيد بن زرارة-: «و إن شئت فاتحة الكتاب فإنّها تحميد و دعاء» (1)، حيث دلّت على أنّ إجزاء الفاتحة لكونها من أفراد التحميد، و المفروض ثبوت الإخفات في الفاتحة لما سيجيء، فلو لا اتحاد الفاتحة مع التسبيح في الكيفيّة لم تكن العلّة في إجزاء الفاتحة مجرّد كونها فردا من التسبيح، بل هو مع كونه بوصف الإخفات، و لما شهد به في الذكرى من ورود عموم النص بالإخفات (2)، و لصحيحة زرارة: «في رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه .. إلخ»، بناء على ترك لفظ القراءة فيها و إن اشتمل رواية أخرى لزرارة عليها [1]. و لا شك أنّ التسبيح ممّا لا ينبغي الجهر فيه للاتّفاق ظاهرا على رجحان الإخفات فيه، و لرواية علي بن يقطين المصحّحة: «قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام أ يقرأ فيهما بالحمد و هو إمام يقتدى به؟ قال: إن قرأت فلا بأس و إن سكّت فلا بأس» (4) و الظاهر أنّ المراد بالركعتين هما الأخيرتان، و قد اعتقد السائل أنّ الموظّف فيهما الإخفات و قرّره الإمام (عليه السلام).

و جميع الوجوه لا تخلو عن نظر، فالعمدة هو الإجماع المعتضد بالشهرة العظيمة حيث لم يخالف في المسألة إلّا الحلّي (5) و المصنّف (قدّس سرّه) في بعض

____________

[1] الوسائل 4: 766، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل، و فيه: لا ينبغي الإجهار فيه.

____________

(1) الوسائل 4: 781، الباب 42 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(2) الذكرى: 189، و فيه: قلنا: عموم الإخفات في الفريضة كالنص.

(4) الوسائل 5: 424، الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 13.

(5) السرائر 1: 222.

332

كتبه (1) و ما عن الموجز الحاوي (2). نعم، قوّاه غير واحد من متأخّري المتأخّرين مثل أصحاب الذخيرة (3) و البحار (4) و الحدائق (5)، مضافا إلى أنّه أحوط، و إن كان في تعيّنه نظر، إذ الظاهر أنّ إجماع الغنية على الإخفات فيما عدا الجهريّة مختصّ بإخفات القراءة، كما لا يخفى على من لاحظها.

و قد يحكى عن بعض (6): استحباب الجهر بها، و لعلّه لخبر رجاء بن الضحّاك- و هو ممّن سعى على قتل الإمام (عليه السلام) كما قيل (7)-: «إنّه صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو، فكان يقرأ في الأوليين و يسبّح في الأخريين» (8)، بناء على أنّه سمع التسبيح و أقلّ الجهر أن يسمع الغير، و الدلالة كالسند في الضعف.

و مثله ما اشتهر في بعض الأزمان المتأخّرة في بلاد البحرين من وجوب الجهر على الإمام في الركعتين الأخيرتين و فساد صلاة من أخفت بالتسبيح، لما ورد من أنّه «ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه» (9)، مع أنّ

____________

(1) التذكرة 3: 145.

(2) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 78.

(3) الذخيرة: 272.

(4) البحار 85: 95.

(5) الحدائق 8: 438.

(6) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 365.

(7) لم نقف عليه.

(8) العيون 2: 182، الباب 44، ذيل الحديث 5، و الحديث منقول بالمعنى، و الوسائل 4: 782، الباب 42 من أبواب القراءة، الحديث 8. و فيهما: أبي الضحّاك.

(9) الوسائل 5: 451، الباب 52 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث الأوّل.

333

أصحابنا قديما و حديثا فهموا من لفظ «ينبغي» الاستحباب، و استدلّوا (1) بالرواية على استحباب الجهر للإمام بالتشهد و أذكار الركوع و السجود.

ثمّ إنّه لو شرع في الزائد على القدر الواجب فهل يجب إتمامه بشروط الواجب، بناء على اتصاف الفرد الكامل بالوجوب، كما هو مذهب جماعة (2)، بل في الروضة إنّه ظاهر النص و الفتوى (3)، أم لا، بل يجوز تركه و تغييره عن صفة الوجوب؟ وجهان، أقواهما: الثاني، لأنّ الظاهر أنّ التخيير هنا بين الأقل بوصف الأقليّة و بين الأكثر، فكلّ ما وجد منهما في الخارج حصل به الامتثال، و لا ينافيه قصد الآخر أوّلا، لمّا مرّ في النيّة من أنّ القصد إلى الخصوصيات الغير المقوّمة لحقيقة الواجب و إن وقعت متعلّقة للأوامر المتعدّدة التخييريّة لا يمنع العدول إلى الآخر.

[و لو لم يحسن القراءة وجب عليه التعلّم]

و لو لم يحسن القراءة وجب عليه التعلّم لما يجهله منها إجماعا بعد دخول الوقت، بل قبله لمن يعلم بعدم التمكّن قبله في وجه تقدّم في التكبيرة (4)، و ظاهر العبارة- كغيرها-: وجوب التعلّم عينا، فلا يسقط بالتمكّن من الائتمام، فلو تركه في السعة و ائتمّ أثم و صحّت صلاته، قيل:

____________

(1) استدلّ به المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 3: 339 و 340، و السيّد السند في المدارك 4: 362، و المحدّث البحراني في الحدائق 11: 174، و صاحب الجواهر في الجواهر 13: 367، و غيرهم.

(2) منهم الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 205، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 2: 256، و الشهيد الثاني في الروض: 261، و المحدّث البحراني في الحدائق 8:

428.

(3) الروضة البهية 1: 596.

(4) راجع الصفحة: 288.

334

و لعلّه لأنّ الائتمام ليس من أفعاله ليتخيّر بينه و بين التعلّم، لتوقّفه على ما لا يدخل في قدرته، من وجود الإمام و بقائه و سائر شروط الجماعة، فتركه للتعلّم ترك للواجب مع عدم العلم بما يسقطه (1)، و فيه نظر ظاهر.

فالتحقيق: أنّ إطلاق وجوب التعلّم في كلامهم ليس إلّا كإطلاق وجوب أصل القراءة في الصلاة، غير مناف للسقوط إذا اطمأنّ بالتمكّن من الائتمام. و مثل الائتمام: اتّباع القارئ و القراءة من المصحف، خلافا في الأخير للمحكي عن الشيخ في كتبه (2) و المصنّف (قدّس سرّه) في التحرير (3) و ولده (4) و الشهيدين (5) و الكركي (6)، لانصراف أدلّة القراءة إلى القراءة عن ظهر القلب، و لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يأمر الأعرابي (7) بالقراءة من المصحف، و لوجوب تعلّم أجزاء الصلاة و منها القراءة، و لأنّ القراءة من المصحف مكروه إجماعا كما عن الإيضاح (8)، و لا شيء من المكروه بواجب، و لخصوص الخبر: «عن الرجل و المرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه يقرأ و يصلّي، قال: لا يعتدّ بتلك

____________

(1) انظر الجواهر 9: 300.

(2) لم نقف عليه صريحا في كتب الشيخ (قدّس سرّه)، و حكاه في مفتاح الكرامة 2: 372 عن ظاهر كتبه، و انظر المبسوط 1: 109، و النهاية: 80.

(3) تحرير الأحكام 1: 38.

(4) إيضاح الفوائد 1: 108.

(5) الذكرى: 187، روض الجنان: 263.

(6) جامع المقاصد 2: 253.

(7) راجع سنن أبي داود 1: 220، الحديث 832، و فيه: جاء رجل ..

(8) إيضاح الفوائد 1: 108.

335

الصلاة» (1)، و الكلّ ضعيف حتى الخبر، فلا مخرج عن الأصل و إطلاقات القراءة المؤيّدة برواية الصيقل «في الرجل يصلّي و هو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه، قال: لا بأس بذلك» (2)، و حمله الأوّلون (3) على النافلة و لا شاهد له، فالجواز أقوى وفاقا للمحكيّ عن المحقّق (4) و عن المصنّف (قدّس سرّه) في التذكرة (5) و النهاية (6) و جماعة من متأخّري المتأخّرين (7)، و يظهر من الذكرى جريان هذا الخلاف في اتّباع القارئ (8).

و مقتضى ما ذكرنا وجوب الائتمام عند ضيق الوقت و عدم التمكّن من أخويه. و قد يستشكل إن لم ينعقد الإجماع عليه بأنّ مقتضى إطلاق النصوص و الإجماعات المنقولة: ثبوت الأحكام الآتية لمن لا يحسن القراءة، و ليس المراد منه من لا يحسنها مدّة العمر، بل عند الحاجة إليها، و هو صادق في المقام، و فيه نظر، لأنّ المفروض كلامهم صورة وجوب التعلّم المتفرّع على

____________

(1) الوسائل 4: 780، الباب 41 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(2) الوسائل 4: 780، الباب 41 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(3) لم نقف عليه في كلام الأوّلين، نعم نسبه في الوسائل إلى بعض علمائنا في ذيل الباب 41 من أبواب القراءة، و ذكره الشهيد الثاني في روض الجنان: 263، و المحدث البحراني في الحدائق 8: 109.

(4) المعتبر 2: 174.

(5) التذكرة 3: 136.

(6) نهاية الإحكام 1: 479.

(7) منهم المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 212، و المحقق السبزواري في الذخيرة:

272، و انظر المستند 1: 336، و الجواهر 9: 311.

(8) انظر الذكرى: 187.

336

وجوب القراءة.

[فإن ضاق الوقت قرأ ما يحسنه]

فإن ضاق الوقت عن التعلّم و لم يتمكّن من أحد الثلاثة المذكورة قرأ ما يحسن ه منها إجماعا محقّقا في الجملة.

فإن كان مجموع الفاتحة أو هي مع بعض السورة: اقتصر عليه و لم يعوّض عن المجهول بلا خلاف، على ما في المنتهى (1)، و يظهر من الذكرى أيضا (2)، حيث جعل محل الخلاف، وجوب كون العوض بقدر الفاتحة و عدمه.

و إن كان بعض الفاتحة: فإن لم يصدق عليه القرآن، فالظاهر عدم وجوب قراءته، كما صرّح به الفاضلان (3) و الشهيدان (4) و غيرهم (5).

و المراد صدق قراءة القرآن عرفا، لا مجرّد التكلّم بما يعدّ من القرآن لغة و يترتّب عليه أحكامه، من حرمة المسّ محدثا و حرمة التلفّظ به جنبا إذا كان من إحدى العزائم.

و إن صدق عليه أنّه قرآن و أنّ المتلفّظ به يقرأ القرآن، قرأها (6) إجماعا محقّقا و محكيّا.

و ظاهر عبائر الجماعة في اعتبار تسمية البعض قرآنا: اعتبار صدق القرآن عليه في نفسه و لو مع عدم القصد، و يشهد له: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه

____________

(1) المنتهى 1: 272.

(2) الذكرى 187 و 189.

(3) العلامة في التحرير 1: 38، و المنتهى 1: 274 و غيرهما، و المحقّق في المعتبر 2: 170.

(4) الذكرى: 187، روض الجنان: 262.

(5) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 250.

(6) كذا في النسختين.

337

و آله و سلّم أمر الأعرابي بالتسبيحات الأربع (1) مع كون ما عدا التكبير منها مذكورا في القرآن، و النبوي الآخر: «إن كان معك قرآن فاقرأ به و إلّا فاحمد اللّه و هلّله و كبّره» (2) حيث جعل فيه التحميد و التهليل خارجا عن القرآن، كما صرّح به الشهيد (3) و المحقّق الثاني (4).

و هل يقتصر على ما يحسن، كما هو ظاهر العبارة، كعبارة الشرائع (5) و اللمعة (6) و صريح المعتبر (7) و المنتهى (8) و المدارك (9)، أو وجوب التعويض عنه كما في الروض أنّه المشهور بين المتأخّرين (10)؟ قولان، من أصالة البراءة و اقتضاء الأمر بالقدر المستطاع إجزاءه، كالأمر في النبويّ: «إن كان معك قرآن فاقرأ به».

و من الاحتياط في العبادة، و أنّ كلّ ما دلّ على البدلية عند تعذّر جميع الفاتحة دلّ على اعتبارها عن كلّ جزء منها.

____________

(1) سنن البيهقي 2: 381، و فيه: جاء رجل.

(2) سنن البيهقي 2: 380.

(3) الذكرى: 187.

(4) جامع المقاصد 2: 250.

(5) الشرائع 1: 81.

(6) اللمعة الدمشقيّة: 33.

(7) المعتبر 2: 170.

(8) المنتهى 1: 274.

(9) المدارك 3: 343.

(10) روض الجنان: 262.

338

و لعموم (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ) (1).

و لعموم قوله: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، خرج الصلاة المجرّدة عنها المشتملة على بدلها.

و لقوله (عليه السلام)- في علل الفضل-: «إنّما أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلّا يكون القرآن مهجورا مضيّعا- إلى أن قال-: و إنّما بدئ بالحمد دون غيرها» (3) فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ ماهية القراءة مطلوبة في نفسها لحكمة عدم هجر القرآن، و خصوصية الفاتحة لحكمة اخرى، ففقد الخصوصيّة لا يوجب سقوط الماهيّة.

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر الأعرابي بالتسبيحات الأربع (4) مع بعد أن يكون جاهلا بالتسمية، بل و بضم كلمتي: «ربّ العالمين» إلى التحميد، الذي هو من أجزاء التسبيحات فيحصل له ثلاث آيات، فلو لا وجوب التعويض و لو بالذكر لاستغنى بالآيات الثلاث عن الذكر.

و هذه الأدلّة لا تخلو عن النظر، إلّا أنّ القول بالتعويض لا يخلو عن

____________

(1) المزّمّل: 20.

(2) عوالي اللئالي 1: 196، الحديث 2، و 2: 218، الحديث 13، و 3: 82، الحديث 65.

(3) الوسائل 4: 733، الباب الأوّل من أبواب القراءة، الحديث 3 بتفاوت. و راجع الفقيه 1: 310، الحديث 926، و العلل: 260، ذيل الحديث 9، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(4) سنن البيهقي 2: 381.

339

قوّة. و عليه، فهل يتعيّن تكرار ما يعلم من الفاتحة؟ كما عن التذكرة (1) و المنظومة (2) و غيرهما (3)، لأقربيته إلى الفائت، أو يتعيّن الإبدال من غيرها المغاير لها صورة، لا بمجرّد القصد كما في بسامل السور و الآيات المكرّرة في القرآن مع القدرة، كما عليه جماعة (4)، لعموم (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ) (5) و النبوي «إن كان معك قرآن فاقرأ به و إلّا فاحمد اللّه و هلّله و كبّره» (6)، و صحيحة ابن سنان: «لو أنّ رجلا دخل في الإسلام و لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر و يسبّح» (7)، و لأنّ الشيء الواحد لا يكون أصلا و بدلا، و لأنّ المستفاد من رواية العلل المتقدّمة (8): أنّ تقديم الحمد لحكم متفرقة في آياتها لا توجد في غيرها، و لا شك في أنّها لا تحرز بتكرار بعضها، و نحوها ما ورد من «أنّ اسم اللّه الأعظم مقطّع في أمّ الكتاب» (9).

و هذا هو الأقوى، و أقربية بعض الفاتحة إلى بعضها الفائت ممنوعة

____________

(1) التذكرة 3: 138 و لكن يظهر منه تقيده بما إذا لم يعلم من غيره.

(2) الدرة النجفية: 139.

(3) لم نعثر عليه و حكى في مفتاح الكرامة 2: 370 عن إرشاد الجعفرية الميل إليه.

(4) كالعلامة في النهاية 1: 475، و ابن فهد في الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 77 و المحقق الكركي في الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 108، و جامع المقاصد 2:

250، و الميرزا القمي في الغنائم: 186، و راجع مفتاح الكرامة 3: 370.

(5) المزّمل: 20.

(6) سنن البيهقي 2: 380.

(7) الوسائل 4: 735، الباب 3 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(8) تقدمت في الصفحة السابقة.

(9) الوسائل 4: 733، الباب الأوّل من أبواب القراءة، الحديث 5.

340

جدّا.

و لو عجز عن غير ما يعلم، فهل يجب التكرار؟ كما حكي (1) نسبته إلى جماعة (2)، لأنّه أقرب، أو يجب الإبدال بالذكر، لأنّ بدليّته عن مجموع الفاتحة عند تعذّرها يقتضي بدليّة بعضه عن بعضها، و لأنّ الشيء الواحد لا يكون أصلا و بدلا، و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر الأعرابي بالذكر مع بعد عدم علمه بالقرآن حتّى البسملة، مع كون «الحمد للّه» من القرآن، و كذا «لا إله إلّا اللّه»، فلو لا وجوب الذكر لأمره بتكرار التحميد مع البسملة و ضمّ كلمتي: «ربّ العالمين»، ليحصل ثلاث آيات، أو بدونهما.

الأقوى: الثاني، و يحتمل قويّا سقوط الإبدال حينئذ، كما اختاره بعض السادة المعاصرين (3)، لعدم الدليل على التكرار، مضافا إلى الإجزاء المستفاد من قوله (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ)، و النبوي: «إن كان معك قرآن فاقرأ به»، و ضعف النبويّ المشتمل على أمر الأعرابي بالذكر (4)، إلّا أن يقال: إنّ ضعفه منجبر بذكر الإماميّة له في كتبهم (5) على وجه الاستناد، مضافا إلى صحيحة ابن سنان (6) الدالّة على وجوب الذكر على جاهل القرآن الذي يبعد جهله

____________

(1) حكاه في الجواهر 9: 305.

(2) منهم العلّامة في النهاية 1: 475، و ابن فهد في الموجز الحاوي (الرسائل العشر):

77، و الشهيد الثاني في روض الجنان: 262، و الروضة 1: 609 و غيرهم.

(3) هو السيد الشفتي (قدّس سرّه) في مطالع الأنوار 2: 34 و 35.

(4) المتقدم أعلاه.

(5) كالمحقّق في المعتبر 2: 170، و العلّامة في المنتهى 1: 274، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 251، و غيرهم.

(6) تقدّمت في الصفحة السابقة.

341

بالبسملة و التحميد، إلّا أن يقال: إنّها مسوقة لبيان حكم فرض فرضه فلا ينافي ندرة المفروض لينصرف إلى الغالب.

و إن جهل الجميع و لم يعلم شيئا من الفاتحة: قرأ من غيرها بلا خلاف ظاهر، إلّا ما يوهمه ظاهر عبارة الشرائع (1) و ظاهر المحكي عن الشيخ في المبسوط (2) من التخيير بين قراءة غيرها و الذكر. قيل (3): و لم نر لهما موافقا، و يدلّ [عليه] (4) صحيحة ابن سنان و النبويين المتقدّمين (5)، مضافا إلى المستفاد من قوله (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ) من الوجوب العيني.

و على المختار، فإن علم سورة كاملة قرأ منها ما يساوي الحمد ثم أعادها أو غيرها، لعموم (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ)، و لأنّ الإبدال عن الفاتحة الثابت مع الجهل بالسورة لا يسقط بالعلم بها، و إلّا لم يجب التعويض عن الفاتحة بالقرآن أصلا و هو خلاف الإجماع، لأنّ ما يعلمه من السورة أو بعضها إنّما يمتثل به إيجاب السورة التي لا تسقط رأسا بتعذّر بعضها، مضافا إلى عموم: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (6) خرج ما إذا عوّض عنها.

و لكن فيه ما مرّ من النظر، خلافا للمنتهى (7)، فلم يوجب التعويض

____________

(1) الشرائع 1: 81.

(2) المبسوط 1: 107.

(3) قاله صاحب الجواهر في الجواهر 9: 306.

(4) من «ط».

(5) تقدمتا في الصفحة السابقة و ما قبلها.

(6) عوالي اللئالي 1: 196، الحديث 2، و 2: 218، الحديث 13، و 3: 82، الحديث 65.

(7) المنتهى 1: 274.

342

هنا، و لعلّه للأصل و امتثال أوامر القراءة و سقوط أمر الفاتحة و عدم ثبوت الأمر ببدلها على الخصوص، بل وجوب القرآن غيرها لامتثال أمر القراءة لا لخصوص بدل الفاتحة.

مضافا إلى قيام شبهة القرآن في هذا المقام، كما في كشف اللثام (1).

و الجميع كما ترى، بل التعويض هنا متعيّن، و إن لم نقل به فيما تقدّم من صورة معرفة بعض الفاتحة، لإمكان أن يقال هناك بكفاية ما يعلم منها عمّا لا يعلم، لظاهر الإجزاء في حديث الأمر بالمستطاع، بخلاف ما نحن فيه.

و لعلّه لذا أفتى في التحرير (2) هناك بعدم وجوب التعويض عن الفائت و استشكل فيه هنا.

ثم إنّ صريح المعتبر (3) و المنتهى (4) كما عن التحرير (5): عدم وجوب كون العوض بقدر الفاتحة، لما مرّ في جواز الاقتصار على ما يعلمه من الفاتحة.

و فيه: ما تقدّم من أدلّة وجوب التعويض عن الفائت، المستلزم لوجوب المساواة هنا بالإجماع ظاهرا، و الأولويّة القطعيّة، فإنّه إذا لم يكتف بثلاث آيات من نفس الفاتحة فكيف بها من غيرها؟! فالأقوى: وجوب كونها بقدرها، وفاقا لجماعة (6) كما عن

____________

(1) كشف اللثام 1: 218.

(2) تحرير الأحكام 1: 38.

(3) المعتبر 2: 169 و 170.

(4) المنتهى 1: 274.

(5) تحرير الأحكام 1: 38.

(6) منهم المحقق في الشرائع 1: 81، و المختصر النافع 1: 30، و ابن فهد في الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 77، و السيد الطباطبائي في الرياض 3: 383، و في الذخيرة: 273 و الحدائق 8: 112، و المستند 1: 337 أنّه المشهور بين المتأخّرين.

343

التذكرة (1) و الشهيدين (2) و المحقّق الثاني (3).

و هل المراد قدرها في الآيات، أو في الحروف، أو فيهما إن تيسّر و إلّا ففي الحروف؟ أقوال، خيرها أوسطها، و هو المشهور كما في الروض (4)، إذ لا عبرة بالآيات في كمّ القراءة و التلاوة، و لذا لو أمر بكتابة مقدار الفاتحة لم يفهم غير ما ذكرنا.

و المدار على الملفوظ من الحروف دون المرسوم، و في همزات الوصل قولان، أقواهما عدم الاعتبار، لعدم تعيّن التلفّظ بها وفاقا لشرح الروضة (5)، و كذا ما يقرأ على وجهين «كملك» و «مالك».

و أمّا اعتبار التوالي، قيل: فلا خلاف أجده فيه (6)، و عن إرشاد الجعفرية الإجماع عليه (7)، و لعلّه لوجوب مراعاة صفات المبدل في البدل.

و فيه: أنّ المسلّم وجوب تساويهما في الأحكام لا في الصفات، فالبدل بصفاته المختصّة به قائم في الأحكام و الآثار مقام المبدل، فالأولى التمسك بظهور الأمر بالقراءة في المتوالي.

____________

(1) التذكرة 3: 136.

(2) الذكرى: 187، و الدروس 1: 172 و الروضة البهية 1: 610 و 611.

(3) جامع المقاصد 1: 251.

(4) روض الجنان: 262.

(5) المناهج السوية: 110.

(6) قاله صاحب الجواهر في الجواهر 9: 307.

(7) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 370.

344

[و لو لم يحسن شيئا و سبّح اللّه و هلّله و كبّره بقدر القراءة ثم يتعلم]

و لو لم يحسن إلّا المتفرّقة أجزأت، إن لم تخرج بذلك عن القرآن، و إلّا فهو داخل فيمن لم يحسن من القراءة شيئا، و سبّح اللّه و هلّله و كبّره كما في كلام جماعة (1)، و عن الحدائق (2): أنّه المشهور و في الذكرى (3) و عن النهاية: زيادة «التحميد» (4)، و عن مجمع البرهان نقص «التهليل» (5)، و عن موضع من الخلاف: ذكر اللّه و كبّره (6)، و عن آخر منه، وجب أن يحمد اللّه مكان القراءة إجماعا (7)، و في اللمعة ذكر اللّه بقدرها (8). و في صحيحة ابن سنان: «أجزأه أن يكبّر و يسبّح و يصلّي» (9) و في النبوي المتقدّم: «فاحمد اللّه و هلّله و كبّره» (10)، و في آخر: تقدّم التسبيحات الأربع (11)، و العمل به أولى، جمعا بين الأقوال و الروايات، و خروجا عن خلاف من أوجب ذكر

____________

(1) منهم الشيخ في المبسوط 1: 107، و المحقق في الشرائع 1: 81، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 81، و غيرهم.

(2) الحدائق 8: 112.

(3) الذكرى: 187.

(4) نهاية الإحكام 1: 474.

(5) مجمع الفائدة 2: 216.

(6) الخلاف 1: 343، كتاب الصلاة، المسألة: 94.

(7) الخلاف 1: 466، كتاب الصلاة، المسألة: 213، و فيه: وجب عليه ان يحمد اللّه و يكبّره ..

(8) اللمعة الدمشقية: 34.

(9) الوسائل 4: 735، الباب 3 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(10) سنن البيهقي 2: 380.

(11) سنن البيهقي 2: 381.

345

الأخيرتين، كما استوجهه في الذكرى، بعد ما حكاه عن الإسكافي و الجعفي (1)، و تبعه الثانيان في جامع المقاصد (2) و الروض (3) و حكي عن الميسية (4) و الموجز (5) و كشف الالتباس (6).

و يمكن إرجاع صحيحة ابن سنان إليه، بأن يراد من التكبيرة: تكبيرة الإحرام، و من التسبيح: التسبيحات الأربعة التي يطلق عليها التسبيح في الأخبار كثيرا، إمّا تغليبا أو لاشتمال الفقرات الأربع على تنزيه اللّه سبحانه.

و المراد: أجزأه أن يفتتح الصلاة و يسبّح عن القراءة و يصلّي.

و هل يجب أن يكون بقدر ها، أي القراءة أو الفاتحة، أم لا؟

أقوال: ظاهر العبارة- كصريح الفريد في شرح المفاتيح- هو الأوّل (7)، و ربما يظهر من عبارة الخلاف المتقدّمة: «وجب أن يحمد اللّه مكان القراءة إجماعا» (8) لكن في المنتهى (9) و عن الذخيرة (10) و البحار (11) عدم الخلاف في

____________

(1) الذكرى: 187.

(2) جامع المقاصد 2: 251.

(3) روض الجنان: 263.

(4) لا يوجد لدينا، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 371.

(5) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 77.

(6) كشف الالتباس (مخطوط): 179، و حكاه في مفتاح الكرامة 2: 371.

(7) شرح المفاتيح (مخطوط): الورقة: 123- 124.

(8) المتقدّمة في الصفحة: 344.

(9) المنتهى 1: 272، و فيه: لا خلاف .. لصاحب الضرورة.

(10) ذخيرة المعاد: 268 و 272.

(11) البحار 85: 12 و 64.

346

الاقتصار على الفاتحة مع جهل السورة و ضيق الوقت عن التعلّم، و هو الظاهر من الذكرى (1)- حيث خصّ الخلاف في وجوب مساواة الذكر للفاتحة- و الأوفق بالأصل، لاختصاص أدلّة التعويض بجاهل الفاتحة، فلا يجب التعويض عن السورة في حقّ العالم بها، و لا يجب في حقّ الجاهل بهما أيضا، لعدم القول بالفصل.

و صريح المعتبر (2) و المنتهى (3) عدم وجوب المساواة مطلقا، و لعلّه لمنع اقتضاء البدليّة التساوي إلّا في الأحكام، مع أنّه سيجيء كفاية التسبيحات الأربع مرّة واحدة بدل الفاتحة في الأخيرتين، فهو الأقوى.

و لو عجز عن الذكر العربي فالأقوى أنّ ترجمة الفاتحة مقدّمة على ترجمة الذكر، لاشتمال الفاتحة على الذكر، إلّا أن يلتزم بوجوب ترجمة الذكر البدلي فتقدّم، لأنّها يصدق عليه التسبيح كما تقدّم في تكبيرة الإحرام، بخلاف ترجمة الفاتحة التي لا يصدق الفاتحة عليها، نعم لو لم يحسنها تعيّن ترجمة الفاتحة.

و لا يجوز ترجمة الآيات المشتملة على القصص، لصيرورته كلاما خارجا عن القرآن و الذكر.

و لو عجز عن الجميع: ففي التذكرة (4) و النهاية (5) و الدروس (6)

____________

(1) الذكرى: 187.

(2) المعتبر 2: 169 و 170.

(3) المنتهى 1: 274.

(4) التذكرة 3: 138.

(5) نهاية الإحكام 1: 475.

(6) الدروس 1: 172.

347

و الموجز (1) و شرحه (2): وجب أن يقوم بقدر القراءة، و استحسنه في الروض (3) و الروضة (4)، و عن الجعفريّة: إنّ في بعض الأخبار إيماء إليه (5)، و احتمل وجوب تحريك لسانه كالأخرس.

و ما ذكروه حسن إن ثبت وجوب القيام بمقدار القراءة، أمّا إذا كان الثابت وجوب القيام حال القراءة فلا. و قد يردّ بأنّ وجوب القيام تبعيّ، و فيه نظر.

ثم يجب على العاجز المذكور أن يتعلّم، و ظاهر العبارة- كغيرها-: عدم سقوط وجوب التعلّم بالتمكّن من الائتمام أو متابعته، و قد مرّ (6) أنّ الأقوى سقوطه مع الاطمئنان بحصول الصلاة على أحد الوجهين.

و لو ارتفع العذر في أثناء الصلاة بعد الفراغ عن البدل مع بقاء محلّ القراءة، فعن جماعة (7) وجوب الإتيان بالأصل، و لعلّه لكشف تجدّد القدرة قبل الركوع عن عدم الأمر واقعا بالبدل، و إنّما تخيّل الأمر بتخيّل استمرار العجز، مع إمكان دعوى ظهور أدلّة البدليّة فيها مع استمرار العجز، عكس ما ادّعي في مسألة بدليّة الجلوس عن القيام عند العجز، فراجع و تأمّل.

____________

(1) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 77.

(2) كشف الالتباس (مخطوط): 180، و حكاه في مفتاح الكرامة 2: 371.

(3) روض الجنان: 263.

(4) الروضة البهية 1: 612.

(5) الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 109.

(6) مرّ في الصفحة: 334.

(7) منهم العلامة في النهاية 1: 476، و التذكرة 3: 139، و الشهيد في الدروس 1:

172، و الذكرى: 187، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 252.

348

[و الأخرس يحرّك مع الصوت لسانه و يعقد قلبه]

و الأخرس يحرّك مع الصوت لسانه بالمعنى الأعم من لهواته و شفتيه بالقراءة و يعقد قلبه بها، بأن ينوي كونها حركة قراءة، لأنّ الحركة بنفسها تصلح لغيرها، كما في الروض (1) و جامع المقاصد (2) مفسرين به كلام كلّ من اشترط عقد القلب بمعناها، و هو حسن بالنسبة إلى من يعرف أنّ في الوجود كلاما و قراءة و لا يعرف أزيد من ذلك.

و أمّا من سمع ألفاظ القراءة و أتقنها بل تكلّم بها مدّة: فالظاهر عدم الاكتفاء بمجرّد نيّة كون الحركة حركة قراءة، بل لا بدّ من تطبيق الحركة على حروف القراءة جزءا فجزءا بحيث يكون صوته بمنزلة كلام غير متمايز في الحروف [1]، لأنّه المقدور في حقّه من القراءة، بل هي منه قراءة عرفا.

كما أنّ من لا يعرف أنّ في الوجود ألفاظا و قراءة و صوتا، كما في غالب الأخرس الخلقي، فلا يبعد وجوب عقد قلبه عند تحريك اللسان بمعنى آيات القراءة، إذا أمكن إفهامه إيّاها، و لا بعد في وجوب ذلك عليه و عدم وجوبه على غير الأخرس، لأنّ التلفّظ بالألفاظ المستقلّة في الدلالة على المعاني مغن عن عقد القلب بمعناها، بخلاف حركة اللسان التي لا تعدّ قراءة و لا قدرا ميسورا منها. فيجب القصد تفصيلا إلى المعنى ليكون حركة لسانه مع هذا القصد بمنزلة تلفّظ غيره، و لا ريب في أنّ هذا منه أقرب إلى القراءة من حركة اللّسان ناويا أنّها القراءة التي لا يعلم أنّها من أيّ مقولة.

____________

[1] كذا في «ق» ظاهرا، و في «ط»: متمايزة الحروف.

____________

(1) روض الجنان: 263.

(2) جامع المقاصد 2: 254.

349

و يمكن أن يحمل على هذا القسم: ما في الذكرى (1) و عن الدروس (2) و البيان (3) من أنّ الأخرس يعقد قلبه بمعناها، إذا أمكن إفهام معانيها كلّا، و أنّه إن تعذّر افهم بعضها و حرّك لسانه به و أمر بتحريك اللسان بقدر الباقي و إن لم يفهم معناه مفصّلا، ثم قال: و هذه لم أر فيها نصا (4).

و تعرّض له الثانيان (5) بأنّ القصد إلى المعنى لا يجب على غير الأخرس فضلا عنه، و احتمل في الروض أن يكون مراده بفهم المعاني فهم ما به يتميّز بين ألفاظ الفاتحة، ليتحقّق القصد إلى أجزائها جزءا فجزءا مع الإمكان، ثمّ استحسنه (6).

و في كشف اللثام إنّ ما في كتب الشهيد مسامحة أو أنّ المراد من معنى القراءة هي الألفاظ، و أنّه إن أراد معانيها فقد يكون اعتبارها، لأنّها لا تنفك عن ذهن من عقد قلبه بالألفاظ إذا عرف معانيها (7).

و أنت خبير ببعد هذه المحامل عن ظاهر كلام الشهيد.

نعم، ذكر في الكشف- في وجه حكم الشهيد: أنّ الأصل هو المعنى و إنّما سقط اعتباره عن الناطق باللفظ رخصة، فإذا سقط اللفظ وجب العقد

____________

(1) الذكرى: 188.

(2) الدروس 1: 173.

(3) البيان: 159.

(4) الذكرى: 188.

(5) روض الجنان: 263، و جامع المقاصد 2: 254، مع تفاوت يسير.

(6) روض الجنان: 263.

(7) كشف اللثام 1: 219، مع تفاوت يسير.

350

بالمعنى (1)، و الظاهر أنّ مراده: أنّ الأصل هو ملاحظة المعنى مع اللفظ، لا أنّ المقصود الأصلي هو المعنى، لمنع ذلك في القراءة التي أمر بها الناس، لئلّا يكون القرآن مهجورا، كما في علل الفضل (2).

لكن فيه: أنّ الأصل المذكور لا ينفع بعد عدم اعتباره قطعا في الناطق، و عدم الدليل على اعتباره في الأخرس، فالأولى توجيه حكم الشهيد بما يكون دليلا عليه، لا بالاعتبار المحض. و قد عرفت أنّ الدليل هو كون حركة لسانه مع قصد المعنى الذي أفهمه أقرب إلى القراءة من قصد كون الحركة حركة قراءة، فهو المتعيّن بعد اتّفاقهم ظاهرا على وجوب العقد بشيء، و الأولى: الجمع بين العقدين.

ثم إنّه هل يجب على الأخرس الإشارة بالإصبع، كما في رواية السكوني: «تلبية الأخرس و تشهّده و قراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه و الإشارة بإصبعه» (3)؟ الأقوى: نعم في القسم الأوّل و الثالث من أقسام الأخرس الثلاثة المتقدّمة (4)، للرواية، المؤيّدة بأنّ المتعارف في الأخرس إبراز مقاصده بحركة اللسان أو اللهوات أو الشفتين مع الإشارة باليد، فقد أرجعه الشارع في تكلّمه بالألفاظ المعتبرة في عباداته و معاملاته إلى ما اعتاده في إبراز سائر مقاصده.

و أمّا القسم الثاني: ففي انصراف لفظ الأخرس في الرواية إليه نظر،

____________

(1) كشف اللثام 1: 219.

(2) راجع الصفحة: 338.

(3) الوسائل 4: 802، الباب 59 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(4) تقدمت في الصفحة: 348.

351

من غلبة غيره مع أنّه حيث فرض تكلّمه بالألفاظ غير متمايزة الحروف، فليس في نفسه مطلب و معنى يشير إليه بيده فهو قارئ في الحقيقة بكلام كالمندمج.

و أمّا الأخرس الذي لا يمكن تفهيمه القراءة أو المعاني و لو إجمالا:

فالظاهر سقوط تحريك اللسان عنه، لعدم الدليل عليه إلّا ما يتوهّم من أنّ التحريك كان واجبا مع القراءة فلا يسقط بسقوطها، و فيه ما لا يخفى.

و أمّا رواية السكوني: فهي- بقرينة ذكر الإشارة فيها- محمولة على من يمكن تفهيمه شيئا من القراءة أو المعنى، ليشير إليه، كالقادر على الكلام الجاهل بالقرآن و الذكر، الذي تقدّم أنّ الأحوط، بل الأقوى أن يقف بقدر القراءة، و اللّه العالم.

و في حكم الأخرس: من عجز عن النطق لعارض، و أمّا من لا يقدر على إصلاح لسانه كالتمتام [1] و الفأفأ [2] و الألثغ [3]، أو لغيرها، فهو يأتي بالمقدور، لفحوى ما مرّ في الأخرس.

و في موثّقة مسعدة بن صدقة عن مولانا الصادق (عليه السلام): «إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهد و ما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم، و المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلّم الفصيح» (4)، و في رواية

____________

[1] التمتام: الذي فيه تمتمة، و هو الذي يتردّد في التاء. (الصحاح 5: 1878- تمتم).

[2] الفأفأ: الذي يتردّد في الفاء إذا تكلّم. (الصحاح 1: 62- فأفأ).

[3] اللثغة في اللسان، هو أن يصيّر الراء غنيا أو لاما، و السين ثاء. (الصحاح 4:

1325- لثغ).

____________

(4) الوسائل 4: 802، الباب 59 من أبواب القراءة، الحديث 2.

352

السكونيّ عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ الرجل الأعجمي من أمتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيّته» (1)، و في الخبر: «سين بلال عند اللّه شين» (2).

و الظاهر عدم وجوب الائتمام على من ذكر، لعموم (3) أدلّة استحباب الجماعة بالنسبة إلى جميع المكلّفين و إن وجبت على بعضهم في بعض الأحوال مثل من ضاق وقته عن التعلّم، فإنّ استحباب الجماعة ذاتا له لا ينافي وجوبها عليه في هذا الحال، بخلاف من ذكر، فإنّ إيجاب الجماعة عليهم يستلزم تخصيص العمومات بالنسبة إلى الأشخاص، و لعلّه الفرق بين المقامين، فتأمّل.

مضافا إلى عدم الخلاف ظاهرا في عدم لزوم الجماعة عليهم و استلزام إيجابه العسر الأغلبي، الذي يكون مناطا لدفع الحكم على الإطلاق، لا دائرا معه وجودا و عدما.

[و لا تجزي الترجمة مع القدرة و لا مع الإخلال بحرف حتى التشديد و الإعراب]

و لا تجزي عن القراءة الترجمة لها مع القدرة عليها إجماعا، لعدم صدق قراءة الفاتحة و السورة على ترجمتهما. و لو دار الأمر بين الترجمة و الذكر قدّم الثاني، لصحيحة ابن سنان و النبويين المتقدّم ذكرها (4)، و لو دار الأمر بين ترجمتهما فقد مرّ الكلام.

و لا تجزي القراءة مع الإخلال بحرف منها عمدا إجماعا،

____________

(1) الوسائل 4: 866، الباب 30 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 4.

(2) عدّة الداعي: 27، و مستدرك الوسائل 4: 278، الباب 23 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 4696.

(3) انظر الوسائل 5: 370، الباب الأوّل من أبواب صلاة الجماعة.

(4) في الصفحة: 344.

353

كما في كشف اللثام (1)، و عند علمائنا أجمع كما في المعتبر (2)، و بلا خلاف كما في المنتهى (3) و عن الذخيرة (4)، لأنّ الفاتحة اسم للمجموع المنتفي بانتفاء جزء منه و لا عبرة بالمسامحات العرفية. فلو أخلّ فإن كان المتروك حرفا من كلمة بحيث خرج بذلك عن كونه قرآنا، فإن اقتصر عليها بطلت صلاته للنقص، بل و للزيادة حيث قصد بالمأتي به الجزئيّة و للكلام الخارج، و إن لم يقصد الجزئية فللأوّل و الثالث، و إن لم يقتصر فللأخيرين، و إن لم يكن جزءا من كلمة كواو العطف، فللنقص مع عدم التدارك، و للزيادة معه.

و الإخلال بالتشديد مع إثبات المدغم متحرّكا إخلال بالكيفيّة المعتبرة في الحرف، و ساكنا إخلال بالموالاة المعتبرة في الكلمة، و مع حذفه إخلال بالحرف. و لمّا لم يكن كاملا في التلفّظ عطفه بقوله: حتى التشديد، بل في الروض (5) و جامع المقاصد (6): أنّه إخلال بحرف و زيادة، و هو إدغامه حيث إنّ الإدغام بمنزلة الإعراب الذي يبطل الإخلال به في المشهور، بل عند علمائنا أجمع كما في المعتبر (7)، و عن غيره (8) أيضا نفي الخلاف، لكن

____________

(1) كشف اللثام 1: 216.

(2) المعتبر 2: 166.

(3) المنتهى 1: 273.

(4) الذخيرة: 273.

(5) روض الجنان: 264.

(6) جامع المقاصد 2: 245.

(7) المعتبر 2: 166.

(8) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 352، عن المنتهى و فوائد الشرائع.

و انظر المنتهى 1: 273.

354

عن التذكرة أنّه أقوى القولين (1)، و الظاهر أنّها إشارة إلى ما يحكى عن السيّد من كون الإخلال بالإعراب الغير المغيّر للمعنى مكروها غير مبطل (2)، و اقتصر في المعتبر (3) و المنتهى (4) على نسبة الجواز إلى بعض العامّة.

و كيف كان، فضعفه ظاهر، لأنّ الإخلال بالإعراب مطلقا إخلال بالجزء الصوري للقراءة المأمور بها (5) كما في المنتهى (6) و كشف اللثام (7)، فيكون منهيّا عنه، فيخرج من القرآن إلى كلام الآدميين، كما في جامع المقاصد (8)، فيبطل من وجهين أو وجوه، كما تقدّم في الإخلال بالحرف.

و قد ذكر الشارح (9) و سبطه (10) أنّ المراد بالإعراب ما تواتر نقله منه في القرآن لا ما وافق العربية، فإنّ القراءة سنّة متّبعة، و هو حسن مع عدم العلم بكون ذلك الإعراب الخاص من قياسات القرّاء و مقتضيات قواعدهم

____________

(1) التذكرة 3: 141.

(2) حكاه في الذخيرة: 273، و مفتاح الكرامة 2: 352، و لم نقف على ذلك في كتب السيد و رسائله، نعم يمكن استشعار بعض ما حكي في ما ذكره السيد في الجواب عن اللاحن في القراءة في المسائل الرسية (رسائل الشريف المرتضى 2: 387).

(3) المعتبر 2: 167.

(4) المنتهى 1: 273.

(5) في «ق» كتب على «القراءة المأمور بها»: «للفاتحة».

(6) المنتهى 1: 273.

(7) كشف اللثام 1: 216.

(8) جامع المقاصد 2: 245.

(9) روض الجنان: 264.

(10) مدارك الأحكام 3: 338.

355

في العربيّة، بناء على ما حكي (1) من أنّ المصاحف كانت في الصدر الأوّل غير معربة و لا منقّطة، و أنّ أبا الأسود الدؤليّ أعرب مصحفا واحدا في زمان خلافة معاوية. و قد شهد غير واحد ممّن شاهد المصاحف الموجودة في خزانة مشهد الرضا (عليه السلام) بخط مولانا أمير المؤمنين و أولاده المعصومين (صلوات اللّه عليهم) بكونها كذلك.

و يؤيّد ذلك: ما ذكر في سبب تدوين النحو، أنّ رجلا قرأ بسمع من أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله تعالى (أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ) (2)- بالجر- فأمر (عليه السلام) أبا الأسود بتدوين النحو و لقّنه بعض قواعده (3).

نعم، دعوى كون جميع إعرابها موكولا مفوّضا إلى ما يقتضيه قواعد العربيّة خلاف الظاهر، بل المقطوع، إذ الظاهر أنّ أكثر الإعرابات و النقط كانت محفوظة في الصدور بالقراءة على مشايخها خلفا عن سلف، لأنّ اهتمام الصحابة و التابعين بالقرآن أشدّ من أن يهملوا الإعرابات و النقط المتلقاة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و إليه ينظر ما حكي عن بعضهم من أنّ أئمة القراءة لا يعملون بشيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة و الأقيس في العربيّة، بل على الأثبت في الأثر و الأصح في النقل، و إذا ثبتت الرواية لم يردّها قياس عربية و لا فشو لغة، لأنّ القراءة سنّة متّبعة (4) انتهى.

و عن بعضهم: أنّ المردود في القراءة ما وافق العربية و الرسم و لم ينقل،

____________

(1) راجع بغية الوعاة، للسيوطي 2: 22.

(2) التوبة: 3.

(3) لم نقف عليه، راجع سير أعلام النبلاء 4: 83، و وفيات الأعيان 2: 537.

(4) لم نعثر عليه بعينه، نعم يوجد بعضه في مفتاح الكرامة 2: 395، و الجواهر 9: 297.

356

و هذا مرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، و قد جوّزه بعضهم فعقد له مجلس و أجمعوا على منعه [1] انتهى.

نعم، يوهن ذلك حكاية تجرّدها المذكورة المشتملة على تصرّف القرّاء في الإعرابات و النقط على ما يوافق مذهبهم في اللغة و العربيّة، فلا ينفع توجيه التجريد بأن يحمل على أنّ ضبط رسوم إعراب الكلام في الكتابة لم يكن متعارفا، سواء في ذلك إعرابات أواخر الكلام و حركات موادّها من حيث استغنائهم عن ذلك بانطلاق ألسنتهم بها، كانطلاق ألسنة أهل العجم بحركات كلماتهم على مقتضى العادة و الجبلّة، إلّا أن يصرف عنه صارف، كظاهر العطف في لفظة: «و رسوله»- في الآية السابقة- منضما إلى الغفلة عن المعنى، فجروا في كتابة القرآن على مقتضى عادتهم في كتابة غيره.

و بالجملة: إن علم كون الإعراب الخاص المضبوط في المصاحف مأثورا عن مهبطه، فلا إشكال في وجوب اتّباعه، و كذا ان احتمل ذلك، لعدم العلم بكون غيره قرآنا بمادته و صورته.

و أمّا مع العلم بكونه عن قياس عربي في مذهب بعض القرّاء، بل و كلّهم، فالظاهر عدم وجوب متابعتهم، و جواز القراءة بغيره إذا وافق العربيّة، لأنّ الأعراب من حيث هو ليس مقوّما للكلام النوعيّ و إن كان مقوّما للشخصيّ، حيث إنّه من أجزائه الصورية كحركات البنية المقوّمة لهما، و لذا لو قرأ أحد دعاء الصحيفة بأحد إعرابين صحيحين لغة، مع عدم علمه بموافقة الإعراب الذي أعربه سيّد الساجدين عليه و على آبائه و أبنائه أكمل صلوات المصلّين، صدق عليه أنّه قرأ دعاء الصحيفة، و لو سلبه عنه أحد كان كاذبا في سلبه،

____________

[1] لم نقف عليه.

357

فإذا لم يكن مقوّما للكلام النوعي الذي هو المأمور به دون الشخصي، فليس اعتباره إلّا من حيث محافظة ما علم اعتباره في قراءة القرآن، من عدم اللحن العربي، فإذا فرض عدم اللحن فيه فلا وجه لعدم الاجتزاء به.

و ما سبق من حكاية دعوى أنّهم لا يتصرّفون في شيء من الحروف الشامل لإعرابها بالقياس فممنوع، و من هنا طعن نجم الأئمة- تبعا للزجاج- في قراءة حمزة (وَ اتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ) (1)- بجرّ المعطوف- بأنّها صدرت عنه جريا على مذهبه و مذهب غيره من الكوفيين، من جواز العطف على الضمير المجرور بلا إعادة الجارّ، و إنّ تواتر القراءات السبع غير مسلّم (2). و عن الزمخشريّ: الطعن في رواية ابن عامر:

(قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) (3) بالفصل بين المتضايفين (4).

نعم، طعن بعض شرّاح الشاطبية على مثل نجم الأئمة و الزمخشري و الزّجاج، من أرباب العربيّة الطاعنين في قراءة القرّاء، بأنّهم اعتمدوا في قواعدهم الكليّة و فروعهم الجزئيّة على كلام أهل الجاهليّة، و بنقل الأصمعي و نحوه ممن يبول على قدمه نظما و نثرا و يحتجّون به، و يطعنون تارة في قراءة نافع، و اخرى في قراءة ابن عامر، و مرّة في قراءة حمزة و أمثالهم، فإنّهم إن لم يعتقدوا تواتر القراءة فلا أقلّ من أن يعتبروا صحّة الرواية من أرباب العدالة (5).

____________

(1) النساء: 1.

(2) الكافية 1: 320.

(3) الأنعام: 137.

(4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 394، و انظر تفسير الكشاف 2: 70.

(5) شرح الشاطبية: لا يوجد لدينا.

358

و هذا الطعن كما ترى مردود بأنّه بعد ما ثبت أنّ القرآن منزّل على لسان الأصمعي و نحوه ممّن يبول على قدمه، و لم يثبت صحّة قراءة حمزة في لسانهم و لا تواترها عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فتخطئة اجتهاد حمزة في قراءته لا تقدح في عدالته.

و منه يظهر ضعف ما حكاه في ذلك الشرح- أيضا- عن بعض أهل التفسير الطاعن على الزجاج المخطّئ لقراءة الجر المذكورة: أنّ مثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأنّ القراءات التي قرأها القرّاء ثبتت عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تواتر يعرفه أهل الصنعة، فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هذا المقام محذور لا يقلّد فيه أئمة اللغة و النحو، انتهى.

فقد حصل مما ذكرنا: أنّ المتّبع من الإعراب الموجود في المصاحف ما لم يعلم استناده إلى القياس.

و منه يظهر حكم غير الإعراب ممّا اعتبره القرّاء و لو بأجمعهم، من بعض أفراد الإدغام و نحوه من القواعد المقرّرة عندهم لتجويد قراءة مطلق الكلام قرآنا أو غيره، ممّا لا مدخل له في صحّة الكلام من حيث العربيّة، إذا علم استنادهم فيه إلى اقتضاء قاعدة التجويد الجارية في مطلق ما يتلى من القرآن و الدعاء، فإنّ مثله ليس من مقوّمات القرآن- من قبيل حركات البنيّة و ترتيب الحروف و الكلمات- و لا من مصححاته في العربيّة، لأنّ المفروض كونها غير موجبة للّحن في الكلام، و لذا ترى القارئ المتبحّر يهملها في المحاورة و عند قراءة عبائر الأخبار و الكتب، بل مطلقا عند الاستعجال، و لا يعدّ لاحنا.

359

و لعلّه لذا احتمل الشارح (قدّس سرّه)- على ما حكي عنه [1]- أن يكون مرادهم من الوجوب فيما يستعملونه: تأكّد الفعل، كما اعترفوا به في اصطلاحهم على الوقف الواجب، و على تقدير إرادتهم المعنى الحقيقي فلا دليل على وجوب متابعتهم بعد إحراز القرآنية و الصحّة اللغوية، عدا ما دلّ على وجوب القراءة على الوجه المتعارف بين القرّاء، من الإجماع المنقول مستفيضا، بل متواترا- كما في مفتاح الكرامة (2)- على تواتر القراءات السبع أو العشر، المفسّر تارة: بتواتر كلّ واحدة منها عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و اخرى: بانحصار المتواتر فيها، و ثالثة: بتواتر جواز القراءة بها، بل وجوبها عن الأئمة (عليهم السلام)، المستلزم لعدم جواز القراءة بغيرها، لعدم العلم بكونه قرآنا، مضافا إلى دعوى الإجماع بالخصوص على عدم الجواز بالغير.

و ما ورد من الروايات الآمرة بالقراءة «كما يقرأ الناس» كما في رواية سالم بن أبي سلمة (3)، أو «كما تعلّمتم» كما في مرسلة محمد بن سليمان (4)، أو «كما علمتم» كما في رواية سفيان بن السمط (5)، مع إمكان دعوى انصراف إطلاق الأمر بالقراءة إلى المتعارف منها، سيّما في تلك الأزمنة.

____________

[1] لم نعثر على هذه الحكاية، و في روض الجنان (265) ما يلي: و يستفاد من تخصيص الوجوب بمراعاة المخارج و الإعراب فيما تقدّم عدم وجوب مراعاة الصفات المقرّرة في العربيّة من الجهر و الهمس و الاستعلاء و الإطباق و نظائرها، و هو كذلك، بل مراعاة ذلك مستحبّة.

____________

(2) انظر مفتاح الكرامة 2: 392 و 393.

(3) الوسائل 4: 821، الباب 74 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(4) نفس المصدر، الحديث 2.

(5) نفس المصدر، الحديث 3.

360

و ليس في شيء من هذه دلالة على المطلب، لمنع التواتر بالنسبة إلى الهيئة الحاصلة من إعمال تلك القواعد المقرّرة عندهم لتجويد الكلام العربي من حيث هو كلام، لا من حيث إنّه قرآن، مع صدق القرآن على المجرّد عنها صدقا حقيقيّا جزما و صحّته من حيث العربيّة قطعا بحكم الفرض، مع أنّه لو سلّم تواتر الهيئة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلا دليل على وجوب متابعة كلّ هيئة قرأ بها (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لو من جهة اعتياده بها في مطلق الكلام، حيث إنّه أفصح من نطق بالضّاد، سيّما و أنّ خصوصيات الهيئات غير منضبطة. فالمدار في غير ما ثبت اعتباره من خصوصيات الهيئات على ما يصدق عرفا معه التكلّم بما تكلّم به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مقام حكاية الوحي، و إن اختلفا في المدّ و الغنّة أو مقدارهما، و في الوقف و الوصل.

و أمّا الأخبار الآمرة بالقراءة كما يقرأ الناس و نحوها: فملاحظتها مع الصدر و الذيل تكشف عن أنّ المراد حذف الزيادات التي كان يتكلّم بها بعض أصحاب الأئمة بحضرتهم (صلوات اللّه عليهم) إلى أن يقوم القائم روحي و روح العالمين فداه و (عجّل اللّه فرجه)، فيظهر قرآن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الحاصل: أنّ مدار اعتبار الخصوصيات في القراءة على أحد أمور ثلاثة:

أحدها: كونها مقوّما للقرآنية من حيث المادّة أو الصورة، و به يثبت مراعاة الحروف و ترتيبها و موالاتها و حركات بنية الكلمة و نحو ذلك.

الثاني: كونه مصحّحا لعربيته، و به يثبت وجوب مراعاة جميع قواعد العربيّة في الأبنية و إعراب الكلم.

الثالث: كونه مأثورا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إمّا مجرد ذلك، بناء على أصالة وجوب التأسّي في غير ما خرج بالدليل، أو مع ثبوت الدليل على اعتباره.

361

و إذا فرض خروج ما اتفق عليه القراء من الأوّلين، فلا بدّ من إثبات تواتره- أوّلا- عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ إقامة الدليل على وجوب التأسّي فيه، بناء على منع قاعدة التأسّي، سيّما في الخصوصيات العاديّة. و كلتا المقدمتين صعبة الإثبات.

و ممّا يوهن الاولى: ما عرفت من حكاية خلوّ المصاحف عن الإعراب و النقط، فضلا عن المدّ و نحوه حتى اختلفوا فيه اختلافا فاحشا، خطّأ كل واحد منهم مخالفه، بل قيل: إنّ كل واحد من القرّاء كان يمنع عن قراءة من تقدّم عليه من السبعة، و ربما خطّأهم الإمام (عليه السلام) الّذي هو من أهل بيت الوحي، كما في جزئية البسملة لغير الفاتحة من السور، و تخطئتهم (عليهم السلام) ابن مسعود الذي هو عماد القرّاء في إخراج المعوّذتين من القرآن (1).

مضافا إلى أنّهم يستندون غالبا في قواعدهم إلى مناسبات اعتبارية و قلّما يتمسّكون فيه بالأثر، فلو كان القرآن بتلك الخصوصيات متواترة لاستندوا في الجميع إلى إسنادهم المتواتر كما يفعلون في قليل من المواضع.

و دعوى: أنّ ذكرهم للمناسبات إنّما هو لبيان المناسبة في الكيفيّة المأثورة لا لتصحيحها بنفس تلك المناسبة، كما هو دأب علماء النحو في ذكر المناسبات مع أنّ قواعدها توقيفية إجماعا، غير مجدية بعد ما علمنا أنّ مستندهم في التوقيف هو مجرّد موافقة القراءة أحد المصاحف العثمانيّة، و لو باحتمال رسمه له «كملك» و «مالك» مع صحّة سندها.

قال [ابن] الجزريّ في كتابه- على ما حكي عنه-: كلّ قراءة و وافقت العربية و لو بوجه، و وافقت أحد المصاحف العثمانيّة و لو احتمالا و صحّ سندها

____________

(1) انظر تفسير القمي 2: 450، و تفسير نور الثقلين 5: 717.

362

فهي القراءة الصحيحة، سواء كانت من السبعة أم غيرهم- إلى أن قال-:

هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف و الخلف، لا نعرف من أحد منهم خلافه، و ما عداها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت من السبعة أو غيرهم (1)، انتهى. ثم صرّح في آخر كلامه بأنّ السند لا يجب أن يتواتر، و أنّ ما قيل: من أنّ القرآن لا يثبت إلّا بالتواتر، لا يخفى ما فيه.

و أنت خبير بأنّ السند الصحيح- بل المتواتر باعتقادهم- من أضعف الأسناد عندنا، لأنّهم يعتمدون في السند على من لا نشك نحن في كذبه.

و أمّا موافقة أحد المصاحف العثمانية فهي أيضا .... [1] و طيخوا [2] المصاحف الآخر لكتّاب الوحي.

فلم يبق- من الثلاثة المذكورة في كلام [ابن] الجزريّ، التي هي المناط في صحة القراءة دون كونها من السبعة أو العشرة، كما صرّح هو به في ذيل ما ذكرنا عنه- ما نشاركهم في الاعتماد عليه، إلّا موافقة العربية التي لا تدلّ إلّا على عدم كون القراءة باطلة، لا كونها مأثورة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

مع أنّ حكاية طيخ عثمان ما عدا مصحفه من مصاحف كتّاب الوحي، و أمره- كما في شرح الشاطبية- كتّاب المصاحف عند اختلافهم في بعض الموارد بترجيح لغة قريش، معلّلا بأنّ أغلب القرآن نزل عليها، الدالّ على

____________

[1] مقدار سطرين من العبارة وردت في هامش «ق» ترتبط بالموضوع و قد أصابهما الماء فلم يمكن إيراده هنا.

[2] كذا ظاهرا، و الكلمة غير واضحة، من طاخ الأمر طيخا: أفسده، و يحتمل «طلخ» و هو بمعنى إفساد الكتاب، انظر لسان العرب 3: 39 و 38، مادّتي: «طيخ» و «طلخ».

____________

(1) النشر في القراءات العشر، لابن الجزري: 9، و حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 390، و المحدّث البحراني في الحدائق 8: 101.

363

أنّ كتابة القرآن و تعيين قراءتها وقعت أحيانا بالحدس الظنّي بحكم الغلبة، وجه مستقل في عدم التواتر.

و لعلّه لذلك كلّه أنكر تواتر القراءات جماعة من الخاصة و العامّة، مثل الشيخ في التبيان (1) و ابن طاوس (2) و نجم الأئمة (3) و جمال الدين الخوانساري (4) و البهائي (5) و السيّد الجزائريّ (6) و غيرهما من الخاصّة، و الزمخشريّ (7) و الزركشيّ (8) و الحاجبي (9) و الرازيّ (10) و العضدي (11) من العامّة، و عن الفريد البهبهاني في حاشيته على المدارك (12) كما عن غيره: أنّ المسلّم تواتر جواز القراءة بها عن الأئمة (عليهم السلام)، و أمّا ما ادعي من الإجماع (13)

____________

(1) انظر التبيان 1: 7.

(2) حكاه في الجواهر 9: 295، و مفتاح الكرامة 2: 390 عن سعد السعود، و انظر سعد السعود: 283.

(3) شرح الكافية 1: 320.

(4) لم نقف عليه.

(5) لم نقف عليه.

(6) لم نقف عليه، و حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 390.

(7) لم نقف عليه، و حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 392، و صاحب الجواهر في الجواهر 9: 295.

(8) البرهان في علوم القرآن 1: 318- 319، و فيه: امّا تواترها عن النبي (ص) ففيه نظر، و انظر مفتاح الكرامة 2: 392.

(9) لم نقف عليه.

(10) التفسير الكبير 1: 63.

(11) لم نقف عليه.

(12) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 393.

(13) انظر الجواهر 9: 292.

364

على عدم جواز القراءة بغير القراءات السبع أو العشر فإنّما هو في الشواذ التي لا يعلم كونها قرآنا، كما يومئ إليه استدلالهم عليه بأنّه ليس بقرآن، بناء على وجوب تواتر كلّ ما هو قرآن، أو بأنّه لم يعلم كونه قرآنا، بناء على عدم وجوب تواتر كلّ جزء من القرآن، لا في مثل فكّ بعض الإدغام أو ترك المدّ المخالفين لقراءة القرّاء مع العلم بصدق القرآن عليه كما تقدّم.

و أمّا دعوى انصراف الأوامر المطلقة بالقراءة إلى المتعارف منها، سيّما في تلك الأزمنة: فهي ممنوعة، إلّا إذا قلنا بانصراف المطلق إلى الكامل، و هو أيضا ممنوع.

فظهر ممّا ذكرنا: عدم الدليل على اعتبار كثير ممّا اتفقوا على اعتبارها، و إن كان بعضها ممّا اعتبره كثير من الأصحاب (1) كالمدّ المتصل و هو في أحد حروف المدّ إذا تعقّبه همزة في كلمة واحدة. و عن فوائد الشرائع: إنّه لا نعرف في وجوبه خلافا (2)، و علّله في جامع المقاصد بأنّ الإخلال به إخلال بالحرف (3)، و لعلّه أراد أنّ الحرف بدون المدّ غير تام. و فيه منع، و إلّا لم يفرّق بين المتصل و المنفصل، و علّله القرّاء بمناسبات ضعيفة.

و ربّما يراد من المدّ المتصل: ما كان حرف المدّ و موجبه في كلمة واحدة، سواء كان موجبه همزة أو سكون لازم في مدغم لازم أو عارض أو غير مدغم، نحو (جَاءَ) و (سوءَ) و (جيءَ) و (دابّة) و (تأمرونّي)، و حروف فواتح السور الثلاثية المتوسّطة بحرف المدّ التالي للحركة المجانسة، مثل (ق)

____________

(1) راجع جامع المقاصد 2: 245، و المسالك 1: 203، و انظر الذخيرة: 273.

(2) فوائد الشرائع (مخطوط): 27.

(3) جامع المقاصد 2: 245.

365

و (ن) و (طسم) و نحوها. و لو قلنا بوجوب المدّ فالظاهر كفاية مسمّى الزيادة على المدّ الطبيعي، و لا يجب ما اصطلح عليه القرّاء من تحديده بالألفات.

و أمّا الإدغام الصغير: و هو ما إذا كان أول المتماثلين أو المتقاربين ساكنا، فقد صرّح غير واحد بوجوبه (1)، و عن فوائد الشرائع أيضا: لا نعرف فيه خلافا (2)، و هو إن سلّم في المتماثلين لأجل فوات الموالاة بفكّه ففي المتقاربين إشكال، من عدم الدليل إلّا أن يثبت أنّ العرب لا تتلفّظ بالحرف المدغم في المتقاربين و المتجانسين إلّا مبدّلا و مشدّدا، فيكون الفكّ فيهما إبدالا للحرف بغيره، لكنّه لم يثبت إلّا في إدغام لام التعريف في الحروف الأربعة عشر المسمّاة بالحروف الشمسيّة، و لذا قال في المنتهى: إنّ في الفاتحة أربع عشرة تشديدة بلا خلاف (3)، و عن التذكرة أيضا: الإجماع عليه (4). و قد أوجب القرّاء أيضا الإدغام الصغير بلا غنّة في «التنوين» و «النون المتطرّف الساكن» إذا وقع بعدها الراء أو اللام، على خلاف ضعيف في الغنّة مع اللام و مع الغنّة في الميم و النون، و كذا الواو و الياء على المعروف عن غير خلف (5)، و أوجبوا إظهارهما مع حروف الحلق و إخفاءهما مع الغنّة، و الإخفاء: حالة بين الإظهار و الإدغام من غير تشديد في البواقي غير الباء و قلبهما ميما

____________

(1) كالشهيد الأوّل في البيان: 157، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 203، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 245.

(2) فوائد الشرائع (مخطوط): 27، و حكاه عنه في الجواهر 9: 287.

(3) المنتهى 1: 273، و فيه: «عشرة تشديدة»، و الظاهر سقط كلمة «أربع»، انظر التذكرة 3: 140.

(4) التذكرة 3: 140.

(5) راجع النشر في القراءات العشر 2: 24، و الارشادات الجليّة: 28.

366

عنده (1). و في شرح الشاطبية، عن بعضهم: أنّه أجمع القرّاء و أهل العربية على وجوب قلبهما عند الباء ميما و إخفاء الميم المقلوبة مع الغنّة. و قد نقل (2) حكاية الاتفاق على الإدغام الصغير أيضا في مواضع، مثل: إدغام الذال في الظاء نحو «إِذْ ظَلَمُوا» (3)، و الدال في التاء نحو «قَدْ تَبَيَّنَ» (4)، و العكس نحو:

«وَعَدْتَنا»، و إدغام تاء التأنيث في الدال و الطاء نحو «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما» (5) «فَآمَنَتْ طائِفَةٌ» (6)، و اللام في الراء نحو «قُلْ رَبِّي» (7).

و أمّا الإدغام الكبير، و هو: ما إذا كان أحد المتماثلين أو المتقاربين متحرّكا نحو (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (8) و (أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ) (9)، فلا أعرف القول بوجوبه لأحد من أصحابنا، كما اعترف به بعض مشايخنا المعاصرين حاكيا الاعتراف به عن بعض مشايخه (10)، و إن أفرط بعضهم حتى حكم- على ما حكي عنه- بوجوب مراعاة صفات الحروف (11) من الاستعلاء و الهمس

____________

(1) راجع النشر في القراءات العشر 2: 22، و كتاب السبعة في القراءات: 125.

(2) نقله في الجواهر 9: 289.

(3) النساء: 64.

(4) البقرة: 256.

(5) يونس: 89.

(6) الصف: 14.

(7) الكهف: 22.

(8) المدثر: 42.

(9) المرسلات: 20.

(10) الجواهر 9: 288.

(11) انظر الجواهر 9: 298.

367

و الإطباق و الغنّة و نحوها، و لعلّه لبعض ما ذكر في توجيه اعتبار ما اتفق عليه القرّاء.

و قد عرفت أنّ الأقوى- وفاقا لجماعة-: عدم اعتباره. قال في كشف الغطاء: لا يجب العمل على قرائتهم إلّا فيما يتعلّق بالمباني [1] من حروف و حركات و سكنات بنيّة أو بناء، و التوقيف على العشرة إنّما هو فيها، و أمّا المحسّنات في القراءة- من إدغام بين كلمتين، أو مدّ أو وقف أو تحريك و نحوها- فإيجابها كإيجاب مقدار الحرف في علم الكتابة و المحسّنات في علم البديع و المستحبات في مذهب أهل التقوى (2).

و فرقه بين ما يتعلّق بالمباني و غيره مبنيّ ظاهرا على ما عرفت من مدخليّة الأوّل في الخصوصيات المقوّمة للقرآنية بخلاف الثاني، فلا وجه لما اعترض عليه من عدم الفرق (3).

نعم، يجوز القراءة على طبق قراءتهم، بل قراءة واحد منهم و إن اشتمل على ما يخالف الأصل- مثل الحذف و الإبدال و الإمالة- إذا لم يخطّئه مثله من القرّاء أو أهل العربية، كما عرفت (4) من ردّ قراءة ابن عامر من الزمخشريّ في الفصل بين المتضايفين في (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) (5)، و وجه الجواز: صدق القرآنيّة و عدم اللّحن من حيث العربية. و مجرّد ارتكاب الحذف و الإبدال و نحوهما من أحد السبعة الذين هم من فحول أهل العربيّة

____________

[1] في المصدر: بالمعاني.

____________

(2) كشف الغطاء: 236.

(3) انظر الجواهر 9: 299.

(4) راجع الصفحة: 357.

(5) تفسير الكشاف 2: 70.

368

الذين استقرّت سيرة الفريقين قديما و حديثا على الركون إليهم، لا يوجب التزلزل في صحّة الكلام من حيث العربيّة.

و كيف يحتمل أن يكون مثل الإمالة الكبرى التي يقرأ بها الكسائيّ و حمزة- اللذين تلمّذ أوّلهما على أبان بن تغلب المشهور في الفقه و الحديث، الذي قال له الإمام (عليه السلام): «اجلس في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أفت الناس» (1)، و على ثانيهما، الذي قرأ على الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام)، و على حمران بن أعين الجليل في الرواة، القارئ على أبي الأسود الدؤلي، القارئ على مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) (2)- مع اشتهارهما بذلك و عدم هجر قراءتهما وجوبا لذلك، أن يكون لحنا في العربيّة و مبطلا للصلاة؟! فما يظهر من بعض المعاصرين (3) من التأمّل في بعض القراءات المشتملة على الحذف و الإبدال، ليس على ما ينبغي، قال في المنتهى: و أحب القراءات إليّ ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر بن عيّاش، و طريق أبي عمرو بن العلاء، فإنّها أولى من قراءة حمزة و الكسائي لما فيهما من الإدغام و الإمالة و زيادة المدّ، و ذلك كلّه تكلّف، و لو قرأ به صحّت بلا خلاف (4).

بقي الكلام في حكم قراءة الثلاثة تمام العشرة: و هم أبو جعفر و يعقوب و خلف، ففي الروض أنّ المشهور بين المتأخّرين تواترها، ثمّ قال- تبعا

____________

(1) انظر رجال النجاشي: 10، الرقم 7.

(2) انظر معجم الأدباء 10: 290، الرقم: 40، و ج 13: 168، الرقم: 24.

(3) راجع الجواهر 9: 288.

(4) المنتهى 1: 273.

369

للمحقّق الثاني في جامعه (1)-: و ممّن شهد بتواترها الشهيد في الذكرى (2) و لا يقتصر ذلك عن ثبوت الإجماع بخبر الواحد (3)، انتهى. و اعترضهما غير واحد ممّن تأخر عنهما (4) بأنّه رجوع عن اعتبار التواتر.

و التحقيق- بعد عدم ثبوت تواتر السبعة، وفاقا لجماعة ممّن تقدّم ذكرهم (5)-: وجوب إناطة حكم القرآن- من جواز القراءة في الصلاة أو الاستناد إليه في الأحكام- على ما هو موجود في المصاحف الموجودة بأيدي الناس أو ما ثبت أنّها قراءة كانت متعارفة مقرّرا عليها في زمن الأئمة (عليهم السلام)، و اللّه العالم.

و حكي عن بعض أهل هذا الفن: أنّ القراءة المنسوبة إلى كلّ قارئ من السبعة و غيرهم، منقسمة إلى المجمع عليه و الشاذ، غير أنّ هؤلاء السبعة- لشهرتهم و كثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم- تركن النفس إلى ما نقل عنهم، فوق ما نقل عن غيرهم (6).

[و لا يجزي القراءة أيضا مع مخالفة ترتيب الآيات و لا مع قراءة السورة أوّلا و لا مع الزيادة على سورة]

و لا يجزي القراءة أيضا مع مخالفة ترتيب الآيات على الوجه المنقول المتعارف إجماعا، لمخالفة المأمور به، و أولى منه ترتيب الكلمات و الجمل، لفوات النظم الذي هو مناط الإعجاز، فلو خالف عمدا أعاد الصلاة

____________

(1) جامع المقاصد 2: 246.

(2) الذكرى: 187.

(3) روض الجنان: 264.

(4) منهم المحقق السبزواري في الذخيرة: 273، و المحدّث البحراني في الحدائق 8: 95.

(5) راجع الصفحة: 363.

(6) النشر في القراءات العشر 1: 10، و حكاه المحدث البحراني في الحدائق 8: 101.

370

إن فرض بذلك خروجه عن القرآنية، أو قلنا بالخروج عنها بمجرّد النهي المدخل له في كلام الآدميين، أو بأنّ زيادة الجزء في الصلاة مبطلة، بناء على أنّه فعل ذلك بقصد الجزئية فلو تداركها لزم الزيادة و إلّا لزم النقصان، أو لأنّه نوى بتعمّد ذلك في أجزاء الصلاة الخروج عن الصلاة المشروعة.

و في كلّ من مقدّمتي الوجوه الثلاثة نظر، لمنع النهي عن القراءة مع مخالفة الترتيب إلّا على وجه الإرشاد المقتضي لعدم احتسابه من الصلاة لا التحريم، إلّا من باب التشريع الذي قد يمنع كونه موجبا إلّا لتحريم نفس الاعتقاد لا نفس الفعل. و على تقدير تسليمه فخروجه بذلك عن القرآنية ممنوع.

و أمّا حديث الزيادة: فقد تقدّم مرارا الكلام في صغراه و كبراه. و كذا بطلان الصلاة بنيّة الخروج لو سلّم تحقّقها بمجرّد إفساد الجزء، فالحكم بالصحّة مع عدم الفرض المتقدّم لا يخلو عن قوّة. و لعلّ إطلاق كلمات الأكثر في حكمهم ببطلان الصلاة مع التعمّد في مقام بيان أنّ الإخلال بذلك في قراءة الصلاة مبطل لها، لا أنّه مبطل حتّى إذا تدارك القراءة، كما تقدّم احتمال مثله في حكمهم ببطلان الصلاة إذا نوى ببعض أجزائها الرياء أو غير الصلاة (1).

نعم صريح الشهيد (2) و المحقّق (3) الثانيين في أمثال المقام بطلان الصلاة مع التدارك أيضا.

و ممّا ذكرنا يظهر قوّة أن لا تبطل الصلاة مع قراءة السورة

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 279.

(2) روض الجنان: 257.

(3) جامع المقاصد 2: 226.

371

أوّلا إلّا إذا اكتفى بها أو قصد بها الجزئيّة- و لو استحبابا- و بقي على قصده إلى أن قرأ الفاتحة للإخلال بالسورة و الفاتحة، التي لا يجدي وقوعها في حال نيّة الإخلال بالسورة الرافعة لاستمرار نيّة الصلاة، بناء على القول بوجوب السورة، و الإخلال بالفاتحة فقط، بناء على القول باستحباب السورة.

و ممّا ذكرنا يظهر ما في المدارك (1) من حكمه بالصحّة بمجرّد إعادة السورة بعد الفاتحة المقروءة في حال زوال نيّة الصلاة الصحيحة بنيّة ترك السورة بعد الحمد، بل بها و بنية جزئية السورة المقدّمة.

و كذا ما في الذكرى من أنّه لو لم نوجب السورة لم يضرّ التقديم على الأقرب، لأنّه أتى بالواجب، و ما سبق قرآن لا يبطل الصلاة (2)، إذ لا يخفى أن المفسد حينئذ أمران، أحدهما: قصد جزئية ما ليس جزءا، و الثاني:

الاستمرار عند الأفعال الباقية على هذه النيّة المنافية لنيّة أصل الصلاة.

و لو كان تقديمها لا بنيّة الجزئية فلا يضرّ و إن قيل بوجوب السورة، فما في كشف اللثام- بعد حكاية ذلك الحكم عن الذكرى من أنّه لو أراد العموم للعمد فعسى أن لا يريد بنيّة الجزئيّة (3)- تعريض لا توجيه.

و لو كان تقديم السورة سهوا: فلا خلاف في عدم الإبطال، و مقتضى إطلاق كلامهم- كصريح كشف اللثام (4)-: عموم الحكم لما إذا كانت السورة المقدّمة طويلة موجبة للفعل الكثير، و لعلّه للأصل، و عموم لا تعاد، و عدم

____________

(1) المدارك 3: 351.

(2) الذكرى: 188.

(3) كشف اللثام 1: 219.

(4) كشف اللثام 1: 219.

372

الرافع، عدا ما يتوهّم من كونها فعلا كثيرا، الممنوع بأنّ المبطل منه هو الخارج الماحي لصورتها، و الخارج هنا من جنس أفعال الصلاة، بل قصد به جزء الصلاة غافلا عن تقدّمها على الفاتحة، فلا يوجب محو الصورة. و قد تقدّم نظيره فيما إذا نوى بالزائد على الواجب من أفعال الصلاة الرياء أو غير الصلاة (1).

و يؤيّده: ما سيجيء من جواز العدول و وجوبه فيما إذا شرع في إحدى العزائم فذكر قبل بلوغ آية السجدة.

و ما عن قرب الإسناد عن علي بن جعفر: «أنه سأل أخاه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي، له أن يقرأ في الفريضة فيمر بالآية فيها التخويف فيبكي و يردّد الآية؟ قال: يردّد القرآن ما شاء» (2) و ما ورد في ناسي الفاتحة و أنّه يعيد ما لم يركع (3).

و ما ورد من إطلاقات جواز قراءة القرآن في الصلاة (4) الشامل للكثير و الطويل.

و العمدة: عدم محو صورة الصلاة مع القراءة بقصد الجزئية غفلة.

و لا يجوز القرآن بين السورتين، المتحقق عند المصنّف (قدّس سرّه)

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 279.

(2) قرب الاسناد: 203، الحديث 786، و الوسائل 4: 813، الباب 68 من أبواب القراءة، الحديث 3، و فيهما: «فتمر الآية».

(3) انظر الوسائل 4: 768، الباب 28 من أبواب القراءة.

(4) انظر الوسائل 4: 839، الباب 11 من أبواب قراءة القرآن، الأحاديث 4 و 5 و 6 و 8.

373

و المحقّق (1) و الشهيد الثانيين (2) مع الزيادة على سورة، أما بين الكاملتين:

فالظاهر أنّه مذهب كثير من القدماء كالشيخ (3) و السيّد (4)، بل عن الصدوق:

أنّه من دين الإماميّة (5)، و عن الانتصار: الإجماع عليه (6)، و اختاره جماعة من المتأخرين على ما حكي (7)، منهم المصنّف (قدّس سرّه) (8)، للأخبار المستفيضة (9) المحمولة عند أكثر المتأخرين- كالحلّي (10) و المحقق (11) و الشهيدين (12) و الكركيّ (13) و غيرهم، تبعا للشيخ في الاستبصار (14) و السيّد على ما حكى عنه المصنف في محكي التذكرة (15) و كأنه في غير كتبه المعروفة- على الكراهة بقرينة صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام): «عن القران

____________

(1) جامع المقاصد 2: 248.

(2) المسالك 1: 206.

(3) النهاية: 75.

(4) الانتصار: 44.

(5) أمالي الصدوق: 512.

(6) الانتصار: 44، و حكاه في مفتاح الكرامة 2: 360.

(7) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 360، و الجواهر 9: 354.

(8) نهاية الإحكام 1: 467، و القواعد 1: 272.

(9) راجع الوسائل 4: 740، الباب 8 من أبواب القراءة.

(10) السرائر 1: 220.

(11) المعتبر 2: 174، و الشرائع 1: 82.

(12) البيان: 158، و الذكرى: 190، روض الجنان: 264.

(13) جامع المقاصد 2: 248.

(14) الاستبصار 1: 317.

(15) التذكرة 3: 148.

374

بين السورتين في المكتوبة و النافلة، قال: لا بأس» (1)، و المحكي عن مستطرفات السرائر، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام):

«لا تقرننّ بين السورتين في الفريضة، فإنّه أفضل» (2). و صرف ظاهر تلك الأخبار أولى من حمل هذه على التقيّة- المستبعدة في زمان مولانا الباقر (عليه السلام)- لأنّ تقديم المخالف للعامّة على الموافق لها في غير تعارض النص و الظاهر، كما في محلّه (3).

مضافا إلى إشعار التعليل في الأخبار الكثيرة المانعة- بالأمر بإعطاء كلّ سورة حقّها من الركوع (4)- بأنّ هذا على خلاف الأولى.

نعم، يبعد الحمل المذكور في مثل قوله (عليه السلام): «لا تقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة و لا أكثر» (5)، بناء على تحريم الأقلّ، فلا بدّ من إرادة مطلق المرجوحيّة، و هو أولى ممّا في الروض من: أنّ النهي في الرواية متعدّد و حرف النهي فيها مكرر، فيحمل الأوّل على التحريم و الثاني على الكراهة (6)، كما لا يخفى.

و كيف كان، فظاهر هذه الرواية- كعبارة المصنّف و صريح الروض (7)

____________

(1) الوسائل 4: 742، الباب 8 من أبواب القراءة، الحديث 9.

(2) مستطرفات السرائر (السرائر) 3: 586، و الوسائل 4: 742، الباب 8 من أبواب القراءة، الحديث 11، و فيهما: في الفريضة في ركعة.

(3) انظر فرائد الأصول: 804 (مبحث التراجيح- الترجيح من حيث وجه الصدور).

(4) انظر الوسائل 4: 740، الباب 8 من أبواب القراءة، الأحاديث 3 و 5 و 10.

(5) الوسائل 4: 736، الباب 4 من أبواب القراءة، الحديث 2، و فيه: و لا بأكثر.

(6) روض الجنان: 265.

(7) روض الجنان: 264.