كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
375

و جامع المقاصد (1) و المحكي (2) عن الاقتصاد (3) و الخلاف (4) و الكافي (5) و رسالة عمل اليوم و الليلة (6)-: شمول الحكم لمطلق الزيادة على السورة، فإنّ الظاهر من لفظ الأكثر فيها و إن كان تعدّد الآحاد لا الأبعاض إلّا أنّ مقابلته بالأقلّ يدلّ على إرادة مطلق الأزيد منه، الصادق و لو بتكرار بعض السورة، بل يمكن دعوى تعميم القِران لغير صورة التكرار من مطلق الزيادة، سيّما مع وصل الآخر بالأوّل، لكن الظاهر عدم ثبوت الحكم في ذلك، لأنّ المستفاد من الأخبار الكثيرة المعلّلة للحكم: «بأنّ لكلّ سورة ركعة فأعطها حقّها» (7) هو اختصاص منع الزيادة بالسورتين، و كون مطلق الزيادة مرجوحا للرواية- لا لأجل تحقّق القِران- و إن كان ممكنا لكنّه بعيد، سيّما مع ضعف سند الرواية بمحمد بن عبد الحميد المختلف فيه (8)، و إن أمكن جبرها بما يلوح من كلام جماعة منهم الفاضلان (9)- في مسألة قراءة العزيمة- من عموم محل الخلاف لزيادة البعض أيضا، بل كلام شارح الروضة في تلك المسألة (10)

____________

(1) جامع المقاصد 2: 248.

(2) حكاه عنهم السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 360.

(3) الاقتصاد: 401.

(4) الخلاف 1: 336، كتاب الصلاة، المسألة: 87.

(5) الكافي في الفقه: 118.

(6) رسالة عمل اليوم و الليلة (الرسائل العشر): 146.

(7) راجع الصفحة المتقدّمة.

(8) راجع تنقيح المقال 3: 136، الرقم 914.

(9) انظر المعتبر 2: 176، و المنتهى 1: 276.

(10) المناهج السوية (مخطوط): 107.

376

صريح في ذلك، فيمكن دعوى عدم القول بالتفصيل بين زيادة السورة و بعضها.

و دعوى معارضة الرواية بما دلّ على جواز العدول (1) فاسدة:

أوّلا: بأنّ الظاهر من القِران هو نيّة الجمع بين السورة و الزائد من أوّل الأمر أو بعد الشروع، و الظاهر من العدول هو رفع اليد عمّا شرع فيه و القصد إلى ما يعدل إليه، و لذا جعل غير واحد الأصل في العدول: الحرمة، لأنّه إبطال للعمل.

و ثانيا: إنّ أدلّة العدول أخصّ مطلقا من الرواية، فتخصّها. و كذا معارضة الرواية بما دلّ على جواز تكرير الآية من القرآن (2)، لما سيجيء من أنّ تكرار السورة أو الآية ليس من القِران، مضافا إلى أنّ تلك الأخبار عام للنوافل و الفريضة، فتخصّص بالرواية المختصّة بالمكتوبة.

و التحقيق: أنّ عنوان القِران بين السورتين و الجمع بينهما الوارد في الأخبار لا يشمل الموضوع المذكور. و الرواية مع قصور سندها، لا تخلو عن قصور دلالة، و إن استظهرنا من لفظ «الأكثر» فيها مطلق الأزيد، و الإجماع المركّب أيضا غير ثابت، فلا بدّ من ملاحظة الأصل، فإن جعلناه الجواز كما يظهر من بعض، بناء على أنّ المكلّف به مطلق السورة الصادق مع الوحدة و التعدّد فلا إشكال بعد طرح الرواية، و إن جعلناه المنع- بناء على أنّ المتيقن جزئية السورة الواحدة، و ليس في المقام إطلاق يشمل جزئية ماهية السورة المشتركة بين الواحدة و المتعددة- فإتيان البعض من السورة

____________

(1) انظر الوسائل 4: 776، الباب 36 من أبواب القراءة.

(2) الوسائل 4: 813، الباب 68 من أبواب القراءة، الحديث 1 و 3.

377

الأخرى بقصد أنّه من قراءة الصلاة يحتاج إلى توقيف مفقود في المقام.

فإن قلنا بالحرمة و البطلان مع زيادة السورة التّامّة: فالفرض ملحق به بحكم الأصل، و تبقى الرواية المذكورة مؤيدة.

أمّا لو قلنا بالكراهة الرافعة لحكم أصالة عدم المشروعية: فيثبت مشروعية الإتيان بالبعض أيضا بالإجماع المركّب أو الفحوى، مع إمكان منعهما، و أمّا الكراهة: فيحكم بها لأجل الرواية و إن قصرت دلالة أو سندا.

هذا كلّه مع قصد كون الزائد من جملة قراءة الصلاة، و لو قصد به الجزئية المستقلّة فلا إشكال في البطلان، كما لا إشكال ظاهرا في عدم المرجوحية لو لم يقصد به قراءة الصلاة أصلا- بل يدخل حينئذ في القرآن المستحب عموما ما لم يخلّ بالموالاة و يخرج عن محلّ الخلاف، كما في المدارك (1) و كشف الغطاء (2) و عن الحدائق (3) و البحار (4) و غيرها (5)- كما يظهر من ملاحظة الأخبار الواردة، و قوله (عليه السلام) في أكثرها: «أعط كلّ سورة حقّها من الركوع و السجود» (6)، و مقابلة الفريضة بالنافلة التي لا ريب في كون زيادة السورة فيها بقصد الوظيفة لا القرآن الخارج عن الصلاة، و استثناء «و الضحى» و «ألم نشرح» من الجمع بين السورتين (7)، و قوله:

____________

(1) المدارك 3: 356.

(2) كشف الغطاء: 239.

(3) الحدائق 8: 151.

(4) البحار 85: 13، ذيل الحديث 4.

(5) انظر الذخيرة: 274 و كشف اللثام 1: 217.

(6) الوسائل 4: 741، الباب 8 من أبواب القراءة، الحديث 3 و 5 و غيرهما.

(7) الوسائل 4: 744، الباب 10 من أبواب القراءة، الحديث 5.

378

«لا تقرأ بأقلّ و لا أكثر» (1) مع أنّ النهي عن الأقلّ إنّما هو بعنوان كونه وظيفة. هذا كلّه مضافا إلى عموم أدلّة (2) قراءة القرآن.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ قراءة سورة أو بعضها عقيب السورة يتصور على وجوه ثلاثة:

أحدها: أن يأتي به بقصد أنه جزء مستقلّ و مشروع في نفسه وجوبا أو استحبابا.

و الثاني: أن يأتي به بقصد أنّها قراءة قرآن أمر بها.

الثالث: أن يأتي به بقصد أنّه من قراءة الصلاة الواجبة الممتثلة في ضمن مجموع السورتين.

و الذي ينبغي أن يكون محل الكلام هو الثالث، و أمّا الثاني فلا ينبغي الإشكال في عدم المرجوحية. نعم، في بعض الروايات ما يشعر بها.

و أمّا الأوّل: فلا ينبغي الإشكال و لا الخلاف في كونه مبطلا، قال في جامع المقاصد- بعد ذكر حكم القِران و إلحاق بعض السورة بها-: و لو قرن على قصد التوظيف شرعا وجوبا أو استحبابا حرم و أبطل قطعا (3)، انتهى.

و ربما يعزى إليه و إلى بعض من تأخّر عنه تخصيص محل النزاع بما إذا أتى به على الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة، بحمل قوله: «و لو قرن على قصد التوظيف» على ما يعم قصد كونه من القراءة المعتبرة، و فيه نظر. و كذا في جعل تكرار السورة الواحدة أو الفاتحة أو الآية منها لا للتدارك من

____________

(1) الوسائل 4: 736، الباب 4 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(2) انظر الوسائل 4: 839، الباب 11 من أبواب القراءة القرآن و غيره من الأبواب.

(3) جامع المقاصد 2: 248.

379

القِران، لظهور النصوص و الفتاوى في غيره [1]، إلّا أن يتمسّك بعموم قوله (عليه السلام): «لا تقرأ بأقلّ من السورة و لا أكثر»، و لا يخلو عن تأمّل، بل منع.

و عليه، فلو قصد به ما قصد في القِران من إدخاله في القراءة المعتبرة، فلا يبعد القول بالتحريم و إن كرهنا القِران- لأجل ورود الدليل على كراهته المخرج عن حكم أصالة عدم الشرعية المتقدّمة سابقا- و لو قصد به التوظيف أبطل قطعا.

[و يجب الجهر في الصبح و أوّلتي المغرب و أوّلتي العشاء و الإخفات في البواقي]

و يجب الجهر بالقراءة في الصبح و أوّلتي المغرب و أوّلتي العشاء، و الإخفات بها في البواقي على المشهور، بل إجماعا كما في الغنية (2)، و عن الخلاف (3) و ظاهر التبيان (4) و عن السرائر (5): نفي الخلاف عن عدم جواز الجهر في الركعتين الأخيرتين و الإخفاتية، لرواية زرارة- بسند الصدوق إليه-: «قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفات فيه؟ قال: أيّ ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، و إن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه» [2].

____________

[1] كذا صححه ناسخ «ط» في الهامش، و في النسختين: بغيره.

[2] الفقيه 1: 344، الحديث 1003، و الوسائل 4: 766، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل، و فيهما: «في رجل» بدل: «قلت له: رجل»، و «الإخفاء» بدل: «الإخفات».

____________

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 496.

(3) الخلاف 1: 331، كتاب الصلاة، المسألة: 83 و 371 المسألة: 130.

(4) لم نقف عليه و لا على من حكاه.

(5) السرائر 1: 218.

380

و نحوها أخرى بزيادة- في السؤال- قوله: «أو ترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه» (1). و هذا مؤكّد لظهور النقض في البطلان، و عدم جواز إرادة نقص الثواب منه و استحباب الإعادة.

و عن الصدوق بسنده الحسن إلى الفضل بن شاذان- في حديث ذكر العلّة التي من أجلها جعل الجهر في بعض الصلوات دون بعض-: «إنّ الصلوات التي يجهر فيها إنّما هي في أوقات مظلمة، فوجب أن يجهر فيها ليعلم المارّ أنّ هناك جماعة، فإن أراد أن يصلّي صلّى، لأنّه إن لم ير جماعة علم ذلك من جهة السماع، و الصلاتان اللّتان لا يجهر فيهما إنّما هما بالنهار في أوقات مضيئة، فهي من جهة الرؤية لا يحتاج فيهما إلى السماع» (2).

و في رواية محمد بن حمران عن الصادق (عليه السلام)- في علّة الجهر و الإخفات-: «أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا أسري به إلى السماء كان أوّل صلاة فرض اللّه عليه: الظهر يوم الجمعة، فأضاف اللّه إليه الملائكة [تصلّي] [1] خلفه فأمر نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يجهر بالقراءة ليبيّن لهم فضله، ثم فرض عليه العصر و لم يضف إليه أحدا من الملائكة و أمره أن يخفى القراءة، لأنّه لم يكن وراءه أحد، ثم فرض عليه المغرب و أضاف إليه الملائكة، و كذا العشاء الآخرة، فلمّا كان قرب الفجر نزل ففرض اللّه عليه الفجر فأمره بالإجهار، ليبيّن للناس فضله كما بيّن للملائكة» (4).

____________

[1] من المصدر، و في النسختين: فيصلّون.

____________

(1) الوسائل 4: 766، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(2) الفقيه 1: 310، الحديث 926، و الوسائل 4: 763، الباب 25 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(4) الوسائل 4: 764، الباب 25 من أبواب القراءة، الحديث 2 مع اختلاف.

381

و قد يستدلّ بقوله تعالى (وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) (1) و لا يخفى ما فيه، و إن ضمّ إليها ما ورد في تفسيرها (2)، بل قيل (3) بدلالتها على الخلاف. و فيه أيضا نظر ظاهر.

خلافا للإسكافي فاستحبهما في مواضعهما (4)، و عن السيّد: انّه من السنن المؤكّدة (5)، و هو شاذّ، و إن مال إليه- مطلقا أو لو لا خَوف الإجماع- جماعة (6)، أوّلهم: الشارح المحقّق المقدّس (7)، و استدلّ لهم بالآية السابقة مع النظر فيها.

و رواية علي بن جعفر- الموصوفة بالصحة- عن أخيه موسى (عليه السلام):

«قال: سألته عن الرجل يقرأ من الفرائض ما يجهر فيه، هل عليه أن لا يجهر؟ قال: إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر» (8) و هي لمخالفتها للمشهور و موافقتها فيه لمن عدا ابن أبي ليلى من الجمهور (9) محمولة على التقيّة، و مجرّد

____________

(1) الاسراء: 110.

(2) راجع الوسائل 4: 773، الباب 33 من أبواب القراءة الحديث 2 و 6 و غيرهما في غير الباب.

(3) قاله المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 225.

(4) حكا عنهما، المحقق في المعتبر 2: 176.

(5) حكا عنهما، المحقق في المعتبر 2: 176.

(6) منهم المحقق السبزواري في الذخيرة: 274، و الكفاية: 18، و السيد السند في المدارك 3: 358، و العلّامة المجلسي في البحار 85: 71 و 77.

(7) مجمع الفائدة 2: 226 و 227.

(8) الوسائل 4: 765، الباب 25 من أبواب القراءة، الحديث 6، مع تفاوت يسير.

(9) انظر المعتبر 2: 176.

382

وجود موافق لهم منا لا يمنع من ذلك.

ثم إنّ مقتضى صحيحة زرارة (1): معذوريّة الناسي و الجاهل، و عن التذكرة: الإجماع عليه (2)، و يشترط في معذوريّة الجاهل عدم تردّده حين العمل، و إلّا لم يتأتّ منه نيّة التقرّب.

و الظاهر: عدم الفرق فيه بين الجاهل بأصلهما أو محلّهما لإطلاق الرواية، و لا بين الجاهل بحكمهما أو موضوعهما كمن تخيّل أدنى الجهر إخفاتا، لأنّه لم يتعمّد الجهر و إن تعمّد فعل ما هو جهر في الواقع، و لا يضرّه انصراف قوله: «لا يدري» إلى من لا يدري بأصل الحكم، لأنّ الظاهر من قوله: «و إن كان ناسيا .. إلخ» هو ما عدا صورة التعمّد بالجهر و الإخفات في غير محلّهما.

و لو كان في صلاة الظهر فظنّها عشاء فجهر، فالظاهر أنّه داخل في الساهي.

هذا كلّه في حكم الجهر و الإخفات من حيث وظيفة الصلاة، فإخفات المأموم المسبوق أو المرأة- لكون صوتها عورة- الظاهر أنّه خارج عن مدلول الرواية، فلا يعذر فيه الجاهل.

مع احتمال المعذورية أيضا عملا بإطلاق الرواية (3) و الإجماع المحكي (4)، أو تنقيحا لمناط الحكم، أو لاختصاص أدلّة اشتراطها في الموضعين بصورة

____________

(1) المتقدّمة في الصفحة: 379.

(2) التذكرة 3: 303، و حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 384.

(3) و هي رواية زرارة المتقدّمة في الصفحة: 379.

(4) المحكي عن التذكرة آنفا و انظر الرياض 3: 401 و مفتاح الكرامة 2: 384، و الجواهر 10: 25.

383

الالتفات، و الأقوى ما تقدّم.

و لو ذكر الناسي أو علم الجاهل في الأثناء لم يعيدا ما سبق من القراءة و لو كان بعض كلمة و لا ما سبق لسانه إليه بعد الذكر، لعدم تعمّده في ذلك و استناد المخالفة فيه إلى السهو أو الجهل السابق.

ثمّ إنّ المصرّح به في كلام جماعة (1): إنّ أقلّ الجهر أن يسمع غيره القريب، و الإخفات أن يسمع نفسه أو كان بحيث يسمع لو كان سميعا، بل في المعتبر أنّه إجماع العلماء (2)، و في المنتهى أنّه لا خلاف فيه (3)، و عن التبيان نسبته إلى الأصحاب (4). و ظاهر ذلك أنّ صورة إسماع الغير داخل في الجهر مطلقا، كما أفصح عنه ما في المنتهى- من تعليل تحديد الإخفات بما حكيناه عنه-: بأنّ ما دونه لا يسمّى كلاما و لا قرآنا، و ما زاد عليه يسمّى جهرا (5).

و ما في المعتبر (6) و المنتهى (7) كما عن التذكرة [1] من الاستدلال- على رجحان الجهر بالبسملة- بما عن بعض الصحابة من أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

[1] التذكرة 3: 152، و فيه: «و هو إخبار عن السماع، و لا نعني بالجهر إلّا سماع الغير».

____________

(1) منهم العلّامة في التحرير: 39، و القواعد 1: 273، و الشهيد في الذكرى: 190 و الشهيد الثاني في روض الجنان: 265 و غيرهم.

(2) المعتبر 2: 177.

(3) المنتهى 1: 277.

(4) التبيان 6: 534.

(5) المنتهى 1: 277.

(6) المعتبر 2: 180.

(7) المنتهى 1: 278.

384

صلّى فقرأ البسملة، قال [1] في تقريب الاستدلال: و إخبارهم بالقراءة إخبار بالسماع و لا نعني بالجهر إلّا إسماع الغير، انتهى.

و أصرح منها: ما عن الحلّي من: أنّ حدّ الإخفات أعلاه أن تسمع أذناك القراءة و ليس له حدّ أدنى، بل إن لم تسمع أذناه القراءة فلا صلاة له، و إن سمعه من عن يمينه أو يساره صار جهرا، فإن تعمّده بطلت صلاته (2).

و عن محكي الراوندي في تفسيره: أنّ أقل الجهر أن تسمع من يليك، و أكثر الإخفات أن تسمع نفسك (3)، لكنها كما ترى مخالفة للعرف، بل اللغة أيضا، فإنّ الجهر كما عن الصحاح (4) رفع الصوت، و عن المجمل: إنّ الجهر الإعلان بالشيء و الخفت إسرار النطق به (5)، فتأمّل.

مضافا إلى أنّ التزام الإخفات بحيث لا يسمع الغير عسر جدّا، بل في كشف اللثام: عسى أن لا يكون مقدورا [2]، مع أنّه لا يبعد أن يكون مراد الفاضلين (7) من التحديد المذكور: ما هو المشهور بين المتأخّرين، الراجع إلى

____________

[1] اي المحقّق.

[2] كشف اللثام 1: 220، و فيه: «عسى أن لا يكون إسماع النفس بحيث لا يسمع من يليه، ممّا لا يطاق» و لكن في المحكي عنه- في مفتاح الكرامة 2: 366- مما يطاق.

و مثله الرياض 3: 403، و الجواهر 9: 380.

____________

(2) السرائر 1: 223.

(3) فقه القرآن 1: 104 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(4) الصحاح 2: 618، مادة: جهر.

(5) مجمل اللغة 1: 465 و 2: 205 مادّتي «جهر» و «خفت»، و نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 366.

(7) تقدم عنهما في الصفحة السابقة.

385

ما يوافق العرف، و إن كان هذا التأويل بعيدا في عبارتي المعتبر (1) و المنتهى (2)، إلّا أن حملهما على ظاهرهما أبعد، لما عرفت من أن المحقّق صرّح في النافع- الذي جعل المعتبر له بمنزلة شرح مشتمل على تحرير مسائله و تقرير دلائله، كما ذكره في أوّل المعتبر (3)-: بأنّ أدنى الإخفات أن يسمع نفسه (4)، و هذا نصّ في أنّ للإخفات فردا آخر يتحقّق بإسماع الغير، و كذا المصنّف في التحرير على ما حكي عنه [1].

و لعلّه لذلك كلّه قال في جامع المقاصد- بعد ذكر حدّ الجهر و الإخفات في عبارة القواعد-: إنّ الحدّين يحتاجان إلى قيد زائد، و هو صدق العنوانين في العرف (6)، فإنّ ظاهره أنّه تفسير لكلام المصنّف، لا أنّه بيان لمذهب نفسه، المخالف لظاهر عبارة المتن.

و مع ذلك كلّه، فالأحوط مراعاة أدنى الإخفات، حيث إنّ التأويل في كلام الجماعة المتقدّمة بعيد جدّا، نعم ليس له الاقتصار على مثل الهمهمة بحيث لا يسمع نفسه من الحروف إلّا ما كان فيه صفير، بل لا بدّ من إسماع نفسه إذا كان سميعا مجموع الحروف، لعدم صدق القراءة بدون ذلك كما في المعتبر (7)

____________

[1] تحرير الأحكام 1: 39، و فيه: أقل الجهر أن يسمعه القريب الصحيح السمع، و أقل الإخفات أن يسمع نفسه.

____________

(1) المعتبر 2: 177.

(2) المنتهى 1: 277.

(3) المعتبر 1: 20.

(4) المختصر النافع 1: 30.

(6) جامع المقاصد 2: 260.

(7) المعتبر 2: 177.

386

و المنتهى (1) بعد دعوى الإجماع.

مضافا إلى حسنة زرارة بابن هاشم: «لا يكتب من القراءة و الدعاء إلّا ما أسمع نفسه» (2)، و موثقة سماعة المفسّرة للإخفات المنهي عنه في الآية بما دون السمع (3). و أصرح منهما: رواية إسحاق بن عمّار المفسّرة للآية (4).

فاحتمال كفاية سماع الهمهمة- لصحيحة الحلبي: «هل يقرأ الرجل و ثوبه على فيه؟ قال: لا بأس بذلك إذا أسمع أذنيه الهمهمة» (5)، و صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام): «عن الرجل يصلح أن يقرأ في صلاته و يحرّك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه، قال: لا بأس [أن لا] يحرّك لسانه، يتوهّم توهّما» (6)- ضعيف، لما تقدّم من الأدلّة على وجوب إسماع النفس، الذي لا ينافيه صحيحة الحلبي، لأنّ الهمهمة كما عن القاموس الصوت الخفي (7)، فهو لا ينافي حمل الصحيحة على خصوص المسموع منه جواهر الحروف، بقرينة ما تقدّم من المقيّدات.

نعم، عن نهاية ابن الأثير: أنّها كلام خفيّ لا يفهم (8)، و لعلّ المراد منه:

____________

(1) المنتهى 1: 277.

(2) الوسائل 4: 773، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(3) الوسائل 4: 773، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 2، و الآية من سورة الإسراء: 111.

(4) الوسائل 4: 774، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 6.

(5) الوسائل 4: 774، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 4.

(6) الوسائل 4: 774، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 5 و الزيادة من المصدر.

(7) القاموس المحيط 4: 192 (فصل الهاء، باب الميم)، و فيه: الهمهمة: الكلام الخفيّ.

(8) النهاية 5: 276.

387

لا يفهمه الغير، لكن في كلام الطريحي: أنّها ترديد الصوت في الصدر (1) و هو غير قابل للتأويل، إلّا أنّ العرف يأبى عن تخصيصه بذلك، فإنّ إطلاق الهمهمة على الكلام الخفيّ الذي تسمعه النفس بل الغير أيضا إذا كان قريبا ممّا لا ينكر، فيقيّد الصحيحة بهذا الفرد.

و أمّا الصحيحة الثانية: فهي محمولة على ما إذا كان خلف المخالف، لما دلّ على أنّه يجزي من القراءة معهم مثل حديث النفس.

و كما يعتبر في الإخفات عدم التفريط فكذا يعتبر في الجهر عدم الإفراط، كما عن العلّامة الطباطبائي و غيره (2)، بل عن آيات الأحكام للفاضل الجواد (3) نسبته إلى فقهائنا، المشعرة بدعوى الإجماع.

و يدلّ عليه- مضافا إلى قوّة احتمال كونه ماحيا لصورة الصلاة-:

صحيحة ابن سنان: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): على الإمام أن يسمع من خلفه و إن كثروا؟ قال: ليقرأ قراءة وسطا، إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول:

(وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها)» (4)، و قريب منه غيرها من الأخبار المفسّرة للآية، مثل: موثقة سماعة (5)، و رواية إسحاق بن عمار (6)، و المرسل

____________

(1) مجمع البحرين 6: 189.

(2) راجع الجواهر 9: 382، و جامع المقاصد 2: 260 و الرياض 3: 403.

(3) مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام 1: 302، و حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 9: 382.

(4) الوسائل 4: 773، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 3، و الآية من سورة الإسراء: 110.

(5) الوسائل 4: 773، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(6) الوسائل 4: 774، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 6.

388

المحكيّ عن تفسير علي بن إبراهيم (1).

و اعلم أنّه لا جهر على النساء إجماعا كما في كلام جماعة (2)، للأصل، و لرواية علي بن جعفر (عليه السلام)- المحكيّة عن قرب الإسناد- أنّه سأل أخاه موسى (عليه السلام): «عن النساء، هل عليهنّ جهر بالقراءة؟ قال: لا، إلّا أن تكون امرأة تؤمّ النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها» (3)، و ظاهر ذيلها:

وجوب الجهر في المستثنى، و لم يظفر بقائل به كما في كشف اللثام (4) و غيره (5)، فيمكن حملها على الاستحباب، أو الجواز لدفع توهّم المنع، و هو المصرّح به في كلام جماعة (6) مع عدم سماع الأجنبي، للأصل و الرواية المذكورة.

و صحيحة ابن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام): «قال: سألته عن المرأة تؤمّ النساء ما حدّ رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ فقال: بقدر ما تسمع» (7)،

____________

(1) تفسير القمي 2: 30، و راجع الجواهر 9: 377، و الوسائل 4: 774، الباب 33 من أبواب القراءة، الحديث 7.

(2) منهم المحقق في المعتبر 2: 178، و العلامة في النهاية 1: 472، و الشهيد في الذكرى: 190، و المحقق الكركي في جامع المقاصد 2: 261 و غيرهم.

(3) قرب الاسناد: 223، الحديث 867، و الوسائل 4: 772، الباب 31 من أبواب القراءة، الحديث 3.

(4) كشف اللثام 1: 220.

(5) انظر الجواهر 9: 383.

(6) منهم الشهيد في الذكرى: 190، و السبزواري في الذخيرة: 275، و الفاضل في كشف اللثام 1: 220، و غيرهم، فحكموا بالجواز، و صاحب الجواهر في الجواهر 9:

383 فحمل الرواية على الندب مع عدم وجود الأجنبي.

(7) الوسائل 4: 772، الباب 31 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

389

و مثلها صحيحة عليّ بن جعفر (عليه السلام) (1)، و لفظه «تسمع» فيها بضمّ التاء، بقرينة الرواية الأولى، لكن الاستدلال بها موقوف على القول بمضمونها من جواز إمامة النساء كما سيجيء (2).

فالعمدة: هو الأصل، مضافا إلى ظهور عدم الخلاف، بل قد يقال- وفاقا للمحكي عن جماعة (3)-: بجواز الجهر لهنّ في الإخفاتيّة، نظرا إلى اختصاص أدلّة الإخفات- كالجهر- بالرجل. و هو ضعيف، لأنّ قاعدة اشتراك الرجل و المرأة في الأحكام لا يخرج عنها إلّا بدليل، و مجرّد الخلاف في المسألة لا يوجب رفع اليد عن القاعدة المجمع عليها، كما لا يخفى على المصنف.

مضافا إلى إشعار الروايتين المتقدّمتين في علّة الجهر و الإخفات (4): بأنّ الإخفات هو الأصل، و الجهر إنّما شرّع للداعي المزاحم في حقّ المرأة بالستر المطلوب منها.

و أمّا مع سماع الأجنبي فيحرم الجهر، بناء على أنّ صوتها عورة يحرم سماعها و إسماعها، و احتمال وقوع التعارض بين أدلّة وجوب الجهر- بناء على شمولها للمرأة، و لو بحكم قاعدة الاشتراك- و بين أدلّة تحريم الإسماع، توهّم فاسد، كتوهّم كون الصلاة ضرورة مبيحة.

و المتّجه: الفساد مع التحريم، لتوجّه النهي إلى صفة لازمة متّحدة

____________

(1) الوسائل 4: 772، الباب 31 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(2) في أحكام الجماعة.

(3) حكاه الطباطبائي في الرياض 3: 404 انظر مجمع الفائدة 2: 228، و الذخيرة:

275، و الغنائم: 192.

(4) تقدّمتا في الصفحة: 380.

390

وجودا مع القراءة، إذ الصوت الذي يحرم إظهاره ليس إلّا تلك الألفاظ.

نعم، لو قلنا بأنّ صوتها ليس بعورة فلا إشكال في الجواز.

و أمّا الخنثى: فإن ألزمناها بالاحتياط وجب عليها الجهر مع عدم سماع الأجنبي، و أحوط من ذلك: تكرارها للصلاة.

[و يجب إخراج الحروف من مخارجها]

و كذا يجب إخراج الحروف من مخارجها [1] الشخصيّة الطبيعيّة الثابتة لها عند العرب، فيجب على الأعجمي الرجوع إليهم في الحروف التي ليس لها مخرج عند العجم- كالذال و الظاء و الضاد و التي يخرجونها من مخرج الزاء المعجمة- لأنّ الإخلال بالمخرج إخلال بالحرف. و أمّا سائر صفات الحروف من الجهر و الاستعلاء و الإطباق و غيرها، فلا دليل على وجوب مراعاتها. نعم، هي مستحبّة و إن احتمل عدم الاستحباب في موضع من مجمع الفائدة (2) إلّا أنّه استحسن حكم الشارح بالاستحباب هنا (3).

[و كذا يجب البسملة]

و كذا يجب البسملة في أوّل الحمد إجماعا، و كذا في أوّل السورة، لأنّها جزء ممّا عدا سورة براءة من السور على المعروف عن غير الإسكافي المحكي عنه (4) كونها افتتاحا لغير الفاتحة، لبعض النصوص (5) المحمولة على التقيّة أو على عدم وجوب إكمال السورة، الذي مرّ ضعفه في مسألة وجوب السورة الكاملة.

[و يجب الموالاة فيعيد القراءة لو قرأ خلالها]

و يجب الموالاة في القراءة بأن لا يفصل بين كلماتها المرتبطة

____________

[1] في الإرشاد: من مواضعها.

____________

(2) مجمع الفائدة 2: 219.

(3) مجمع الفائدة 2: 229، و انظر روض الجنان: 265.

(4) حكاه عنه المحقق في المعتبر 2: 180.

(5) الوسائل 4: 748، الباب 12 من أبواب القراءة، الحديث 2 و 3.

391

بما يخرج الكلام عن النظم، كما لو فصل بين المتضايفين و المتعاطفين و الجارّ و مجروره و نحوها، أو يمزج الكلمات مطلقا بغيرها مزجا يسلب اسم القرآن، و لا بين الآيات و الفقرات بما يعتدّ به ممّا يخرج عن منصرف إطلاق القراءة المأمور بها في الأدلّة لا مطلق الفصل، كيف؟! و قد ورد الأمر بسؤال الرحمة.

و التعوّذ من النقمة عند آيتيهما (1) و نحو ذلك ممّا ورد استحبابه في أثناء القراءة (2)، و إطلاق الحكم بوجوب الموالاة، و جعل هذه الأمور مستثناة عن قدح الموالاة، لا يخفى ما فيه.

و كيف كان، فيعيد القراءة لو قرأ خلالها ما يخلّ بالموالاة سهوا على المشهور، كما عن المقاصد العليّة [1]، بل يظهر من الروض (4) نسبته إلى باقي الأصحاب، بعد ما حكى عن الشيخ (5) و المصنّف (قدّس سرّه) في النهاية: البناء على ما مضى (6)، الذي لا إشكال في ضعفه بعد اعتبار الموالاة في القراءة المنضم إلى قاعدة عدم معذوريّة الناسي للشرط مع بقاء محلّ المشروط.

ثم ظاهر الحكم بوجوب إعادة القراءة في المتن و غيره (7): إعادة مجموعها، و لا وجه له بعد إحراز الموالاة بإعادة بعضها، فلو فصل بين الجارّ

____________

[1] المقاصد العليّة: 138، و لكن الموجود فيه: نسبة مورد النسيان إلى المشهور، كما في مفتاح الكرامة 2: 354.

____________

(1) الوسائل 4: 753، الباب 18 من أبواب القراءة، الأحاديث 1- 3.

(2) الوسائل 4: 755، الباب 20 من أبواب القراءة، الحديث 3 و غيره.

(4) روض الجنان: 266.

(5) المبسوط 1: 105.

(6) نهاية الإحكام 1: 463.

(7) كالشهيد الأوّل (قدّس سرّه) في الدروس 1: 171.

392

و المجرور بشيء كفى إعادة الجارّ، و كذا المتضايفين. نعم، لو انقطع التوالي بين مجموع ما سبق و بين الباقي اتجهت إعادته، و كأنّ كلام المصنّف- و غيره من المطلقين- مختص بما إذا اختلّت الموالاة المعتبرة في أصل القراءة، لا بين خصوص جزءين منها.

هذا، مع نسيان الإخلال بالموالاة، و أمّا مع تعمّده فيظهر من الروض أنّ مذهب الجماعة فيه: البطلان، لتحقّق النهي المقتضي للفساد (1)، فإن أراد ذلك مع المضيّ عليه، فلا إشكال فيه و لا خلاف، كما لا إشكال فيه أيضا إذا خرج القرآن بالفصل بين كلماته عن القرآنية، بأن يمزجه بغيره مزجا يسلب الاسم عنه. و أمّا مع عدم الأمرين فلا وجه للفساد عدا الأمور المتقدّمة في نظائر المسألة مع وجوه النظر فيها، و لذا حكي (2) عن المبسوط (3) و التذكرة (4) و الدروس (5) و الموجز (6) و كشف الالتباس (7): وجوب استئناف القراءة حينئذ، و مال إليه في مجمع الفائدة (8) و جزم به في المدارك (9).

____________

(1) روض الجنان: 265 و 266.

(2) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 354.

(3) المبسوط 1: 105.

(4) التذكرة 3: 142.

(5) الدروس 1: 171.

(6) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 76.

(7) كشف الالتباس (مخطوط): 178، و حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 354.

(8) مجمع الفائدة 2: 229- 230.

(9) مدارك الأحكام 3: 375.

393

[و لو نوى القطع، و سكت أعاد]

و لو نوى القطع، و سكت على وجه يخلّ بالموالاة لا بصورة الصلاة أعاد على ما يحصل معه الموالاة، سواء نوى قطع القراءة مع نيّة عدم العود الراجع إلى قطع الصلاة، أو نوى قطع القراءة بنيّة العود، و كذا الحكم لو سكت لا بنيّة القطع، سواء كان السكوت عمدا أو نسيانا أو لأجل السعال أو نسيان الآية، و إن استثنى الأخيرين بعضهم [1]، لكن الأقوى أنّهما لا يقصران عن النسيان، مع أنّ مقتضى دليل اعتبار الموالاة من الخروج بدونها عن نظم الكلام أو القرآن أو عن منصرف إطلاق الأمر بالقراءة هو الاعتبار في جميع الصور.

نعم يتوجّه على من حكم في المسألة السابقة بالبطلان مع القراءة في خلال القراءة الواجبة، إذا أخلّ بالموالاة بأن قرأ خلالها من غيرها عمدا- من جهة النهي المقتضي للفساد كالشارح (قدّس سرّه) (2)- الحكم بالبطلان هنا مع السكوت المخلّ بالموالاة عمدا، إلّا أن يعلّل الفساد هناك بتعلّق النهي بالقراءة الأجنبيّة، فيدخل في كلام الآدميين. لكن هذا الدليل- مع ممنوعيّة كلتا مقدمتيه- لم يتمسّكوا به هناك.

ثم إنّ مناط إعادة القراءة و عدمها في المسألة هو السكوت المخرج للقراءة عن التوالي و عدمه، و أمّا نيّة قطع القراءة و عدمها فلا مدخل له في الحكم، فلو سكت لا مع نيّة القطع سكوتا يخلّ بالموالاة، وجبت إعادة

____________

[1] الظاهر من «الأخيرين» هما: ما لو نوى قطع القراءة بنيّة العود، و ما لو سكت لا بنيّة القطع، و استثناهما في الشرائع 1: 83.

____________

(2) روض الجنان: 266.

394

القراءة، فلم يعرف حينئذ وجه لإقحام المصنّف- تبعا لشيخه في الشرائع (1) قدّس اللّه روحيهما- نيّة القطع في مناط الإعادة، حتّى يترتب عليه قوله: بخلاف ما لو فقد أحدهما إلّا أن يريد من السكوت مطلقه و لو قصيرا، و يجعل مجرّد السكوت المسبّب عن نيّة قطع القراءة مخلّا بالموالاة، فيقيد السكوت بنيّة القطع، للاحتراز عن السكوت لأجل الوقف أو غرض آخر، فيستقيم حينئذ إناطة الإعادة بمجموع الأمرين.

نعم يبقى عليه: أنّ اللّازم حينئذ كون نيّة قطع القراءة مع الاشتغال بها لا يقدح فيها، و هو خلاف التحقيق، فلا بدّ من تقييد الحكم بما إذا رفض القصد قبل الاشتغال، و هو بعيد عن الفرض، أو ينزل على ما اختاره في القواعد (2) من أنّ نيّة الخروج عن الصلاة في الزمان المستقبل فضلا عن القراءة لا تقدح إذا رفض النيّة قبل بلوغ الزمان.

و يمكن أيضا حمل عبارة المصنّف على ما عن الشيخ من إعادة الصلاة مع السكوت بنية القطع (3)، و إن اعترض عليه (4) بأنّه ينافي حكمه بعدم بطلان الصلاة بنيّة فعل المنافي، فكيف بنية قطع القراءة، إذ لو سلّم أن نيّة القطع مع السكوت قطع- كما ذكرنا في توجيه كلام المصنّف- فليس قطعا للصلاة و لا منافيا لها إلّا إذا نوى عدم العود، لكن يمكن توجيهه بأنّ نيّة قطع القراءة المتلبس بها- الذي بنى على الاكتفاء بها في الصلاة و عدم الإتيان

____________

(1) الشرائع 1: 83.

(2) قواعد الأحكام 1: 269.

(3) المبسوط 1: 105.

(4) اعترض عليه الشهيد في الذكرى: 188، و السيد في المدارك 3: 376.

395

بغيرها- نيّة القطع الصلاة و الخروج عنها، و قد تقدّم أنّ الذي قوّاه الشيخ في الخلاف هو البطلان بنيّة الخروج (1).

[و تحرم العزائم في الفرائض]

و تحرم قراءة إحدى سور العزائم في الفرائض على الأشهر، كما في الذكرى (2) و الروض (3)، بل المشهور عمّن عدا الإسكافي من القدماء، مع كون المحكي من كلامه ليس نصّا في الجواز- كما اعترف به في كشف اللثام (4)- فإنّه لم يزد على أن قال: «لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد و إن كان في فريضة أومأ، فإذا فرغ قرأها و سجد» (5) فيحتمل الحمل على صورة السهو أو التقيّة الداعية لقراءتها أحيانا، مضافا إلى ما في الروض من احتمال أن يريد بالإيماء: ترك قراءة آية السجدة، بقرينة قوله: «فإذا فرغ قرأها و سجد» (6)، فيناسب مذهب الإسكافي من جواز تبعيض السورة، كما دلّت عليه موثّقة عمّار الآتية.

و كيف كان، فعلى عدم الجواز: الإجماع عن صريح الانتصار (7)

____________

(1) تقدم في مبحث النية في الصفحة: 274، و انظر الخلاف 1: 308، كتاب الصلاة، المسألة: 55.

(2) الذكرى: 190.

(3) روض الجنان: 266.

(4) كشف اللثام 1: 216.

(5) حكاه المحقّق في المعتبر 2: 175.

(6) حكاه المحقّق في المعتبر 2: 175.

(7) الانتصار: 43.

396

و الخلاف (1) و الغنية (2) و نهاية الإحكام (3) و كشف الالتباس (4) و إرشاد الجعفرية (5)، و ظاهر التذكرة (6) و شرح جمل السيّد للقاضي (7)، و عن شرح الفريد البهبهاني: أنّه إجماع و أنّ الإسكافي خارج معلوم النسب (8)، و في مجمع الفائدة: الظاهر عدم الخلاف في عدم جواز الاكتفاء بقراءتها على تقدير وجوب سورة كاملة و تحريم إتمامها [فيها] و البطلان معه (9)، انتهى.

و يكفي ما ذكر في المسألة، مضافا إلى النهي عنه في رواية زرارة و ليس فيها إلّا القاسم بن عروة، و إن خص في الروض (10) الطعن فيها بوجود ابن بكير- الذي هو من أصحاب الإجماع (11)-: «لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فإنّ السجود زيادة في المكتوبة» (12).

____________

(1) الخلاف 1: 426، كتاب الصلاة، المسألة: 174.

(2) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 496.

(3) نهاية الإحكام 1: 466.

(4) كشف الالتباس (مخطوط): 177 و حكاه في مفتاح الكرامة 2: 356.

(5) لا يوجد لدينا، و حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 356.

(6) التذكرة 3: 146.

(7) شرح جمل العلم و العمل: 86.

(8) شرح الفريد البهبهاني (مخطوط): 138، و فيه: بل الظاهر الإجماع، و أن ابن الجنيد خارج معلوم النسب.

(9) مجمع الفائدة 2: 232، و الزيادة من المصدر.

(10) روض الجنان: 266.

(11) انظر رجال الكشيّ 2: 673 الرقم: 705.

(12) الوسائل 4: 779، الباب 40 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

397

و نحوها في الاشتمال على التعليل: المحكي عن كتاب علي بن جعفر (1)، و في رواية سماعة: «لا تقرأ في الفريضة، و اقرأ في التطوع» (2)، و ضعفها- لو كان- منجبر بالشهرة العظيمة التي عرفت أنّه لا يبعد دعوى عدم المخالف على أحد الوجهين المتقدّمين في عبارة الإسكافي، كما أنّ صحة الأخبار المخالفة (3) موهونة بها، محمولة لأجلها على التقيّة، لإطباق العامّة على الجواز كما عن جماعة (4)، بل يجب حملها في أنفسها على النافلة أو على صورة النسيان أو التقيّة الداعية لقراءتها في بعض الأوقات، لاختصاص أخبار المنع بغير هذه، فالميل إلى الجواز و حمل أخبار المنع على الكراهة ضعيف جدا.

و لا فرق ظاهرا في الفرائض بين اليوميّة و غيرها، و بالجملة ما يقابل التطوع، كما يظهر من رواية سماعة المتقدّمة، مضافا إلى دلالة التعليل في سابقتها [1]، حيث إنّه لا فرق بين الفرائض في المنع عن الزيادة فيها.

ثم إنّ حرمة قراءة هذه السور لا تنفك عن بطلان الصلاة لو اكتفى بها، بناء على وجوب السورة الكاملة، بل و لو قلنا بعدم وجوب السورة الكاملة أيضا، لأنّ قراءة البعض منها إنّما وقعت للداعي المحرّم و هي قراءة الكلّ،

____________

[1] و هي رواية زرارة، المتقدمة في الصفحة السابقة.

____________

(1) الوسائل 4: 780، الباب 40 من أبواب القراءة، الحديث 4.

(2) الوسائل 4: 779، الباب 40 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(3) انظر الوسائل 4: 777 الباب 37 من أبواب القراءة الحديث الأوّل و 778 الباب 39 من الأبواب، الحديث الأوّل و 780، الباب 40 من الأبواب، الحديث 5.

(4) منهم ابن الجنيد كما سبق، و يظهر من السيد الميل إليه في المدارك 3: 353، و لم نعثر على غيرهما.

398

أو حال نيّة قطع الصلاة في المستقبل بالقراءة المحرّمة فلا تجزي، بل بفساده تفسد الصلاة، بناء على ما تقدّم غير مرّة عن جماعة، منهم الشهيد و المحقّق الثانيان (1): من أنّ تعلق النهي بالجزء يستلزم فساد الكلّ، و لذا حكم الشارح (2) هنا بفساد الصلاة بمجرّد الشروع في العزيمة، مضافا إلى أنّ ظاهر النهي في أمثال المقام هو التنبيه على الفساد. نعم، لو أراد الاقتصار على ما عدا آية السجدة منها، بناء على جواز التبعيض، أو مع قصد سورة كاملة غيرها، بناء على جواز القران، فلا تحريم، كما صرّح به في المعتبر (3) و المنتهى (4) و الذكرى (5) و الروض [1].

و يمكن الاستدلال على بطلان الصلاة بقراءة آية السجدة فقط أو مع غيرها من السورة: بأنّ قراءتها مبطلة للصلاة من جهة توجّه الأمر في

____________

[1] روض الجنان: 266، هذا، و في «ط»- هنا- زيادة ما يلي: «فإن اقتصر على ما قرأ منها لزم تبعيض السورة الذي مرّ ضعف القول به، و إن رجع إلى غيرها لزم القران، و هو محرم».

و هذه العبارة كانت ضمن عبارات عديدة قد شطب على أكثرها في «ق»، و لم يشطب على هذه العبارة، فأوردها ناسخ «ط»، و الظاهر ان المؤلف (قدّس سرّه) كان قد أعرض عن هذه أيضا.

____________

(1) لم نعثر عليه بعينه في كلامهما انظر جامع المقاصد 2: 245 و 247 و روض الجنان 266 و غيرهما من الموارد.

(2) و هو الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في روض الجنان: 266.

(3) المعتبر 2: 176.

(4) المنتهى 1: 276.

(5) الذكرى: 190.

399

الصلاة بالسجدة المبطلة لها، لعموم أدلّة إبطال الزيادة (1)، و خصوص ما في الإيضاح (2) و عن التنقيح (3) من الإجماع على أنّ زيادة السجود للتلاوة في الفريضة حرام، يعني من حيث هي هي لو لا الأمر بها، فتبطل الصلاة بنفس الأمر بإبطالها بفعل السجدة خلالها، لا من حيث إنّ الأمر بالسجدة مستلزم للنهي عن الصلاة حتى يتوقف الحكم بالبطلان على القول بحرمة الأضداد الخاصة، و من هنا حكموا ببطلان صلاة من وجب عليه إخراج ما يدافعه من الأحداث الثلاثة لتضرره بالإمساك.

نعم، لو منع فورية السجود لأجل التلبّس بالصلاة لم يتوجّه البطلان، كما صرّح به جماعة منهم فخر الدين في الإيضاح (4) و الشهيد في الذكرى (5).

و لو أريد إثبات بطلان الصلاة بالشروع في إحدى السور بقصد السورة الموظفة للصلاة، انضمّ إلى ما ذكر- من فوريّة السجود حتّى في الصلاة- وجوب إكمال السورة و حرمة القران و لو بين سورة و بعض اخرى، و حيث كان المختار كراهة القران، فلا وجه للحكم بالبطلان بمجرّد الشروع إلّا في الفرضين المتقدمين، و هما: قصد الاقتصار، بناء على وجوب إكمال السورة، أو قصد تجاوز آية السجدة في القراءة.

ثمّ لا يخفى أن الاستدلال المذكور إنما يثبت البطلان لو قرأ آية السجدة، و أمّا حرمة قراءتها أو قراءة السورة فلا يثبت، إذ لا نهي قبل

____________

(1) راجع الوسائل 5: 332، الباب 19 من أبواب الخلل.

(2) إيضاح الفوائد 1: 109.

(3) التنقيح الرائع 1: 199.

(4) إيضاح الفوائد 1: 109- 110.

(5) الذكرى: 190.

400

القراءة، و بعدها لا أمر بالصلاة، إلّا أن يقال: إنّ حرمتها من جهة كونها تسبيبا إلى الأمر بإبطال الصلاة، و لو سلّم تحريمه فيرد مثله فيما إذا قلنا بكون التلبّس بالصلاة مانعا عن الفوريّة، فإنّ السجدة و إن كان يسقط فوريتها لأجل الصلاة إلّا أنّ التسبب إلى إيجاد موجبها في أثناء الصلاة تسبيب إلى الأمر بتأخير السجدة التي كان من حقّها التعجيل، نظير الأمر بإبطال الصلاة التي كان حقّها الإتمام. فلا وجه حينئذ لما ذكره الجماعة: من توقّف الاستدلال على ثبوت الفورية حتى في الصلاة، إلّا أن يريدوا توقّف الاستدلال بالبطلان دون التحريم، لكن الظاهر أنهم يريدون إثبات كلا الأمرين.

و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في فتوى جماعة- منهم المصنّف (قدّس سرّه) في بعض كتبه (1) على ما حكي، و الشهيد الثاني في الروضة (2) و شارحها (3)- بتحريم الاستماع لآية السجدة مع عدم وجوب السجدة في الصلاة، فإنّ فوريّة السجود إذا سقطت لأجل التلبّس فلا وجه لتحريم الاستماع إلّا كونه تسبيبا إلى الإخلال بفورية السجود و لو بأمر الشارع من جهة أهميّة إتمام الصلاة، بل قد يضاف إلى ذلك: البطلان بمجرّد الاستماع، بناء على ثبوت فورية السجدة حتّى في الصلاة، لأنّه بعد الاستماع يصير مأمورا حال الصلاة بالسجود المبطل، فتبطل بمجرّد الأمر بالمبطل و إن لم يوجده، و ما أبعد ما بينه

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 467.

(2) الروضة البهية 1: 607.

(3) المناهج السوية (مخطوط): 108.

401

و بين قول الشهيد في البيان (1) بعدم حرمة الاستماع فضلا عن إبطاله! و محصّل نظر الأوّلين في الحكم بإبطال القراءة و تحريمها و حرمة الاستماع دون إبطاله- على ما ذكرنا سابقا من قضية التسبيب-: إلى أنّ أدلّة الفورية لا تشمل حال التلبّس بالصلاة، بل ملاحظة الأخبار الآمرة بالإيماء في الصلاة في الفروع الآتية تنبئ عن أهميّة الصلاة، و حينئذ فلا أمر بالسجدة بعد القراءة حتّى تبطل الصلاة للأمر بإبطالها، إلّا أنّ التسبّب إلى مزاحمة المضيّقين الموجب لسقوط أحدهما- و لو كان بأمر الشارع- بمنزلة ترك الساقط اختيارا حرّم القراءة و الاستماع، لكن حرمة القراءة المأتيّ بها على وجه الجزئية لمّا كانت موجبة عند الجماعة لبطلان الصلاة- لما تقدّم منهم غير مرّة في الجزء المنهي عنه- حكموا بالبطلان، و أما الاستماع فلمّا لم يستلزم حرمته شيئا لم يحكموا بالإبطال.

هذا مقتضى استدلالهم المركّب من المقدمات المتقدّمة، و أما بناء على التمسّك بالأخبار و الإجماعات فلا يحتاج إلى ذلك، و لم تدلّ أيضا على إبطال الاستماع، إلّا أن يدّعى أنّ الظاهر من التعليل في الروايتين المتقدمتين بكون السجود زيادة في المكتوبة (2)، هو لزوم السجدة في الصلاة لأجل تحقّق موجبها، فالنهي عن القراءة لأجل لزوم إبطال الصلاة و لو بأمر الشارع به، و الاستماع أيضا موجب للسجود كالقراءة فيجب إبطال الصلاة بمجرّده.

لكن لا يبعد أن يقال: إنّ المراد أنّ السجود لمّا كانت زيادة في المكتوبة فإن فعلتها أبطلت صلاتك، و إن تركتها أخللت بحقّها من التعجيل،

____________

(1) البيان: 173- 174.

(2) تقدمتا في الصفحة: 396- 397.

402

فلذلك لا يجوز فعل موجبها، فورود المحذور في طرفي السجود فعلا و تركا هو السبب في النهي، لا أنّ السجود الزائد المبطل لمّا كان لازما بمجرّد تحقّق الموجب كان فعل الموجب حراما، لكونه سببا إلى إبطال الصلاة، حتّى يكون المحذور الموجب للنهي هو خصوص وجوب فعل السجود في الصلاة المستلزمة لبطلانها بمقتضى التعليل، و إلّا لوجب الحكم بمقتضى التعليل ببطلان الصلاة- يعني بوجوب إبطالها- فيما إذا قرأ أو استمع سهوا، مع أنّه قيل بعدم وجدان خلاف في عدم بطلان الصلاة حينئذ، و إن احتمل المعترف بعدم وجدان الخلاف في الصحة و البطلان للتعليل المذكور.

و لأنّ أدلّة فورية السّجود حاكمة ببطلان الصلاة بمجرّد تحقّق موجبه، فلا يزاحمها نواهي الإبطال، لأنّ المحقق في المقام: البطلان، لا الإبطال.

و في التعليل ما عرفت، من عدم دلالته إلّا على لزوم المحذور في قراءة العزيمة من جهة السّجود فعلا أو تركا، لا لزومه من جهة فعله اللّازم في الصلاة.

و فيما ذكره من حكومة أدلّة الفوريّة ما لا يخفى، من انصرافها إلى غير المقام، و الصريح منها في الشمول للمقام ليس إلّا التعليل الذي قد عرفت منع دلالته على تقديم الفوريّة على إتمام الصلاة، و لو سلّم عموم تلك الأدلّة فغاية الأمر تعارضها مع أدلة الإبطال.

و كون المحقّق فيما نحن فيه البطلان لا الإبطال موقوف على سلامة الخطاب بالسجود- الذي به يحصل الإبطال- عن مزاحمة أدلّة النهي عن الإبطال، فالمرجع بعد التعارض هو أصالة البراءة عن التكليف بالسجود في الصلاة و أصالة تأخّر التكليف به، و لعلّه السرّ في عدم ظهور القائل بالبطلان في المسألة كما اعترف به من احتمله.

403

نعم اختلفوا بين قائل بتأخير السجود، لما أشرنا إليه من عدم الدليل على تعلّق التكليف حال الصلاة بعد تعارض الأدلّة، مضافا إلى ما علم من أهميّة إتمام الفريضة كما ذهب إليه العلّامة الطباطبائي في منظومته مشيرا إلى الوجهين بقوله:

إذ منع البدار حقّ الفرض (1) و الأصل بالتأخير فيه يقضي

و بين قائل بوجوب الإيماء في الصلاة، لرواية سماعة: «و إن ابتليت بها مع إمام لا يسجد فيجزئك الإيماء و الركوع» (2).

و خبر أبي بصير: «إن صلّيت مع قوم، فقرأ الإمام (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أو شيئا من العزائم و لم يسجد، فأوم إيماء» (3).

و المحكي عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرّجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ إنسان السجدة، كيف يصنع؟ قال: يومئ برأسه (4). قال: و سألته عن الرجل يكون في صلاة فيقرأ آخر السجدة؟ قال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم إلّا أن يكون في فريضة فيومئ برأسه إيماء» (5).

نعم، قد استشكل العلّامة المتقدّم إليه الإشارة في الإيماء من حيث إنّ

____________

(1) الدرّة النجفيّة: 135 (باب سجدات القراءة).

(2) الوسائل 4: 777، الباب 37 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(3) الوسائل 4: 778، الباب 38 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(4) مسائل على بن جعفر: 172، الحديث 300، و الوسائل 4: 882، الباب 43 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 3.

(5) نفس المصدر: 173، الحديث 303، و الوسائل 4: 882، الباب 43 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 4.

404

مقتضى بدليته للسّجود كونه بحكمه في إبطال زيادته (1)، لكنه- مع ضعفه في مقابلة النّصوص- فيه: أنّه لا دليل على كون إيماء غير العاجز بدلا عن السجود حتّى فيما نحن فيه، مع قوة احتمال أن يكون الحكمة في تشريعه هو الفرار عن محذور زيادة السجود، فكيف يوجب الوقوع فيه.

و بين جامع بين الإيماء في الصلاة و السجود بعده، و لعلّه للجمع بين محتملي المكلّف به، و إلّا فلا أرى له وجها، مع أنّ الجمع وجه ضعيف مع وجود الأخبار بالإيماء.

و منه يظهر ضعف القول الرابع بوجوب السجدة في الصلاة، كما في كشف الغطاء (2)، بناء على منع بطلان الصلاة بإتيان سجدة العزيمة لمنع صدق الزيادة في الصلاة بالإتيان بفعل خارج مشابه للفعل الصلاتي من حيث الصورة، بل مخالف له، بناء على أنّه لا يعتبر في سجدة التلاوة تساوي موضع الجبهة و الموقف و غيره، و لعموم بعض الروايات (3) الدالّة على وجوب السجدة في الصلاة بعد تقييدها بالنوافل أو بصورة السهو في الفرائض، و هو قويّ كما قوّاه بعض المعاصرين (4) لو لا عموم أخبار الإيماء (5) و خصوص التعليل المتقدّم في الروايتين المتقدمتين: بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (6)، مضافا إلى ما تقدّم من الإيضاح و التنقيح من الإجماع على عدم جواز

____________

(1) الدرة النجفية: 135 (باب سجدات القراءة).

(2) كشف الغطاء: 236.

(3) راجع الوسائل 4: 777، الباب 37 من أبواب القراءة، الحديث 1 و 2.

(4) الجواهر 9: 346.

(5) الوسائل 4: 882، الباب 43 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 3 و 4.

(6) تقدمتا في الصفحة: 396.

405

السجود للتلاوة في الصلاة (1)، و في كلام بعض سادة مشايخنا: أنّه لا يبعد دعوى الاتّفاق على عدم جواز السجود في الصلاة في خصوص المسألة (2).

و أمّا ما دلّ على وجوب السجود في الصلاة إذا قرأ العزيمة كصحيحة محمّد بن مسلم (3) الآتية: فهي ظاهرة في خصوص النافلة، فالأقوى الإيماء، و الأحوط السجود أيضا بعد الصلاة.

هذا كلّه إذا تجاوز آية السجدة، سواء أكمل السورة أم لا، و هل يكتفي بما أكمله، أو بإكمال ما بقي؟ قولان، الأقوى: نعم، و وجه العدم: عدم اعتناء الشارع بها في مقام الجزئية، و يضعّف: بأنّ المستفاد من الأدلّة و الفتاوى: عدم جواز تعمّد قراءة آية السجدة، فالفساد تابع للنهي كما لا يخفى.

و لو شرع في السورة ساهيا ثم تذكّر قبل بلوغ آية السجدة فالظاهر وجوب العدول و لو تجاوز النصف، لأصالة بقاء الأمر بالسورة الكاملة، و ما دلّ (4) على تحديد العدول بما إذا لم يتجاوز النصف، لا يشمل ما نحن فيه، لظهورها في العدول اقتراحا، و لا يقدح في المقام أيضا حرمة القران- لو قلنا به- لاختصاصها بصورة التعمّد في الزائد و المزيد، فاحتمال بطلان الصلاة لدورانها بين محذوري القران و تبعيض السورة ضعيف جدّا.

ثم إنّ المعروف بين الفقهاء: تخصيص المنع بالفريضة، فيجوز قراءتها

____________

(1) تقدم في الصفحة: 399.

(2) لم نقف عليه.

(3) الوسائل 4: 779، الباب 39 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(4) انظر الوسائل 4: 776، الباب 36 من أبواب القراءة و غيره من الأبواب.

406

في النوافل، و عن الحدائق أنّه لا خلاف فيه (1)، و عن الخلاف الإجماع عليه (2).

و يدلّ عليه- مضافا إلى الأصل، و مفهوم التقييد بالمكتوبة في الروايتين المتقدّمتين (3)، و منطوق موثقة سماعة السابقة (4)-: جميع روايات الجواز بعد تقييدها بما تقدّم بما عدا الفريضة، مثل: حسنة الحلبي- بابن هاشم-: «عن الرجل يقرأ بالسجدة، قال: يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب فيركع و يسجد» (5)، و نحوها موثقة سماعة (6).

و مثل صحيحة ابن مسلم: «عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع و يسجد، قال: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم» (7)، و منها- مضافة إلى عموم أدلّة وجوب المبادرة مع عدم المانع- يظهر وجوب السجود لها في أثناء الصلاة، و ليس ذلك زيادة في أفعال الصلاة كما سمعت، مع أنّ المنع عن الزيادة مختص بالمكتوبة، كما في التعليل السابق و غيرها من الروايات.

و لو نسيها في محلها أتى بها عند تذكرها، لصحيحة ابن مسلم المتقدّمة

____________

(1) الحدائق 8: 160.

(2) الخلاف 1: 430، كتاب الصلاة، المسألة: 178.

(3) تقدمتا في الصفحة: 396.

(4) تقدمت في الصفحة: 397.

(5) الوسائل 4: 777، الباب 37 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث الأوّل، مع اختلاف.

(6) الوسائل 4: 777، الباب 37 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 2.

(7) الوسائل 4: 779، الباب 39 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

407

المعتضدة بأدلّة الفورية و بحكاية نفي الخلاف عن بعض كتب المصنّف (قدّس سرّه) [1].

و متى سجد لها فقام و لم يبق شيء من قرائته قرأ الفاتحة ندبا ليركع عن قراءة، لحسنة الحلبي و موثقة سماعة المتقدمتين.

[و كذا لا يجوز قراءة ما يفوت بقراءته الوقت المضروب لتلك الفريضة أو لاحقته]

و كذا لا يجوز قراءة ما يفوت بقراءته الوقت المضروب لتلك الفريضة أو لاحقته كالعصر، المعروف عن ظاهر الشيخ في المبسوط (2) و الفاضلين (3) و الشهيدين (4) و الكركي (5) و عن الحدائق (6): نسبة التحريم و البطلان إلى الأصحاب، و في الرياض: لا خلاف فيه إلّا عن بعض متأخري المتأخّرين (7)، حيث فرّعه على وجوب إكمال السورة و حرمة القران الممنوعين عنده (8)، و فيه: أنّ وجوب إكمال السورة كاف في تحريم الشروع فيها بقصد الاقتصار كما هو محلّ الكلام و إن لم نقل بحرمة القران.

و دعوى: أنّه حينئذ يعدل إلى سورة قصيرة و ما أتى به من القراءة غير مضرّ، ممنوعة: بأنّ المأمور به مع ضيق الوقت هي الصلاة مع سورة قصيرة لامتناع إيجاب غيرها و لو تخييرا، فإتيان غيرها بقصد الجزئية

____________

[1] لم نقف عليه في كتبه و لا على من حكى عنه.

____________

(2) المبسوط 1: 108.

(3) الشرائع 1: 82، و المعتبر 2: 175، و المنتهى 1: 277، و النهاية 1: 467.

(4) الذكرى: 190، الدروس 1: 173، و المسالك 1: 206، و روض الجنان: 267.

(5) جامع المقاصد 2: 247.

(6) الحدائق 8: 125.

(7) انظر المدارك 3: 354، و الحدائق 8: 126.

(8) الرياض 3: 395.

408

و الاقتصار عليها زيادة محرّمة، بل كلام خارج، لخروجه بالتحريم عن القرآنية.

أمّا لو شرع فيها لا بنية الاقتصار بل بنيّة العدول إلى غيرها عند ضيق الوقت، فلا كلام لأحد في الجواز على القول بجواز القران. نعم، يرد على ما ذكره الشارح (1)- من البطلان بمجرّد الشروع- أنّه لا دليل على ذلك إلّا ما سبق في نظائر المسألة من أنّ النهي في الجزء يستلزم فساد الكلّ و أنّ القراءة المحرّمة كلام أجنبي، و قد مرّ أيضا (2) أنّ للنظر فيه مجالا.

بل قد يناقش في الفساد مع إتمامها أو مع الاشتغال بها حتّى فات الوقت: بأنها لا توجب الإخلال بشيء ممّا يعتبر في الصلاة عدا السورة الساقطة لضيق الوقت و لو بسبب الاشتغال بالقراءة المحرّمة، إذ الظاهر عدم الفرق في الضيق المسقط للسورة بين كونه لعذر أو لسوء اختيار المكلف. نعم، قد يوجب الاشتغال بها: الإخلال بالموالاة بين الفاتحة و بين ما يجب عليه قراءته من السورة القصيرة، لكن البطلان به منحصر بصورة حصول المقدار المخلّ قبل الحكم بسقوط السورة.

و بالجملة: فإتمام المسألة بمجرّد القواعد مشكل، إلّا أن يتمسّك فيها برواية سيف بن عميرة عن الحضرمي عن الصادق (عليه السلام): «لا تقرأ في الفجر شيئا من آل حم» (3)، فإنّ الظاهر كون النهي لفوت الوقت، كما أفصح عنه رواية أخرى عن عامر بن عبد اللّه: «قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) انظر المسالك 1: 206.

(2) في الصفحة: 377- 378.

(3) الوسائل 4: 784، الباب 44 من أبواب القراءة، الحديث 2.

409

يقول: من قرأ شيئا من آل حم في صلاة الفجر فاته الوقت» (1)، و ما في سندهما منجبر بما عرفت من الشهرة و الاتّفاق المحكيّ (2)، لكن في دلالتهما على أزيد من التحريم المقدّمي لأجل إفضائه إلى ترك الفعل الواجب في وقته المضروب نظر، بل منع، و مجرّد هذا التحريم- بل التحريم التشريعيّ الحاصل من استلزام الأمر بالشيء أعني السورة القصيرة، عدم الأمر بضدّه، بل التحريم الاستقلالي، بناء على استلزام الأمر [بالشيء] [1] النهي عن الضدّ- لا يثبت إلّا فساد الجزء، و قد عرفت غير مرّة ضعف ما دلّ على أنّ فساد الجزء و تحريمه مستلزم لفساد الكلّ ما لم يوجب نقص جزء أو شرط، و السورة القصيرة و إن انتفت هنا لكنّها ساقطة لضيق الوقت الذي ثبت كونه عذرا حتّى إذا كان بسوء اختيار المكلّف.

و قد يوجّه الحكم بالبطلان- فيما إذا فرض تشاغله بالسورة الطويلة في الركعة الأولى إلى أن خرج الوقت- بعدم ورود التعبّد بهذه الصلاة الملفّقة، إذ القدر الثابت من صحّة الملفّقة في الشريعة: ما إذا أدركت من الوقت ركعة أو شرع في الصلاة بظنّ السعة ثم تبيّن عدم سعتها لركعة.

و فيه: انّ صحة التلفيق في الفرض الثاني ليس إلّا لأجل الدخول في العبادة على الوجه المشروع مع كون الصلاة الأمر أنّ الطلب في خارج الوقت بأمر جديد غير الأمر الأوّل بمعنى احتياجه إلى الأمر الجديد و إلّا فالمطلوبيّة

____________

[1] من «ط».

____________

(1) الوسائل 4: 783، الباب 44 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(2) انظر الصفحة: 407.

410

مستمرّة، و كيف كان، فالحكم في المسألة لا يتمّ إلّا بالإجماع أو بقاعدة إفساد الجزء الفاسد.

و كيف كان، فلو شرع في السورة الطويلة أو بظنّ سعة أو غفلة عن طولها، ثم تنبّه رجع- و لو بعد تجاوز النصف- إلى سورة اخرى إن وسع الوقت لها، و إلّا فيركع عن بعض تلك السورة، و العدول المحرّم بعد تجاوز النصف في الفرض الأوّل، بل القران- بناء على تحقّقه فيما نحن فيه- كتبعيض السورة في الفرض الثاني، كلّها غير قادح في المقام، كما مرّ و سيجيء.

[و يحرم قول آمين]

و يحرم قول: «آمين» [1] بعد الحمد على المشهور، و قد حكي الإجماع عليه عن المشايخ الثلاثة (2) و المصنّف (3) و غيرهم، و الروايات به مستفيضة (4)، خلافا للمحكي في الذكرى عن الإسكافي (5) فجوّزه، و مال إليه في المعتبر مع أنّه حكى فيه عن المشايخ الثلاثة: الإجماع على تحريمها و إبطال الصلاة بها (6)، و لعلّه للأصل، و عموم أدلّة جواز الدعاء، و لصحيحة جميل: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة- حين يقرأ فاتحة الكتاب- آمين؟ قال: ما أحسنها، و أخفض الصوت بها» (7).

____________

[1] في الإرشاد زيادة: و تبطل اختيارا.

____________

(2) الاعلام: 23، و الانتصار: 42، و الخلاف 1: 332، كتاب الصلاة، المسألة: 84.

(3) المنتهى 1: 281.

(4) انظر الوسائل 4: 752، الباب 17 من أبواب القراءة.

(5) الذكرى: 194.

(6) المعتبر 2: 186، و فيه: و يمكن أن يقال بالكراهة.

(7) الوسائل 4: 753، الباب 17 من أبواب القراءة، الحديث 5.

411

و النظر في الجميع ظاهر، بعد الأخبار و الإجماعات المستفيضة، مضافا إلى منع دلالة الصحيحة، نظرا إلى أنّ قوله: «ما أحسنها» إن كان بصيغة التعجّب فمع منافاته للأمر بخفض الصوت بها إنّما يدلّ على الاستحباب الذي هو مذهب العامّة، فيتعين حملها على التقيّة، و إن كان جملة نافية فقد يردّ بأنّه لا دلالة فيها على الإذن. و فيه: أنّ الجواز مستفاد من قوله: «و اخفض الصوت بها»، إلّا أن يقال: إنّه يحتمل حينئذ أن يكون هذا الكلام إخبارا من الراوي بأنّ المعصوم (عليه السلام) لم يعلن هذا الكلام، لأجل التقيّة، أو يكون أمرا و يكون الضمير في قوله «بها» راجعا إلى الجواب، فقد أمره (عليه السلام) بعدم إعلان هذا الجواب و خفض الصوت بها عند الشيعة، و يحتمل [على] التقديرين أن يكون كلمة [1].

و لقد أجاد في الذكرى حيث قال: إنّ الرواية تنادي على نفسها بالتقيّة (2) و يشير إلى ذلك- مضافا إلى أنّ راوي هذه الرواية قد روى المنع (3) أيضا-: صحيحة معاوية بن وهب، عن مولانا الصادق (عليه السلام)، قال: «قلت له: أقول: آمين، إذا قال الإمام غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّالِّينَ؟ فقال:

هم اليهود و النصارى» (4)، بناء على عدوله عن جواب السؤال إلى تفسير (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّالِّينَ)، و ليس- ظاهرا- إلّا لأجل التقيّة، و إن كان ضمير الجمع راجعا إلى قائلي هذه الكلمة، فهي ظاهرة بل صريحة في

____________

[1] إلى هنا تنقطع العبارة في «ق» بسبب حصول انخرام في هامش النسخة، و قد أشار إلى ذلك ناسخ «ط» في الهامش.

____________

(2) الذكرى: 194.

(3) الوسائل 4: 752، الباب 17 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(4) الوسائل 4: 752، الباب 17 من أبواب القراءة، الحديث 2.

412

التحريم.

ثمّ إنّ الأخبار و إن كانت بلفظ النهي إلّا أنّ الظاهر أنّ المراد في أمثال المقام: التنبيه على الفساد، مضافا إلى كفاية الإجماعات المستفيضة على البطلان، مضافا إلى ما سبق تقويته: من أنّ الكلام إذا صار منهيا عنه يدخل في كلام الآدميين (1) و إن كان بذاته دعاء أو قرآنا، بل قد يحكم بتحريمه و إبطاله من جهة عدم كونه بالذات دعاء أو قرآنا فيحرم و يبطل، كما هو المشهور بين الفقهاء و أهل العربيّة.

قال في كشف اللثام: إنّه المشهور المرويّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [و] (2) مرفوعا في معاني الأخبار (3) عن الصادق (عليه السلام)، و إنّها كلمة تقال أو تكتب للختم، كما روى أنّها خاتم ربّ العالمين، و قيل: إنّها يختم بها براءة أهل الجنّة و براءة أهل النار (4)، انتهى، و عن التنقيح: اتفق الكلّ عليه (5)، و عن الانتصار: لا خلاف في أنّها ليس قرآنا و لا دعاء مستقلّا (6)، و عن ظاهر الغنية: أنّ العامة أيضا متّفقون عليه (7)، و في النسبة نظر، و عن حاشية الفريد البهبهاني- في موضع-: أنّ «آمين» عند فقهائنا من كلام

____________

(1) راجع الصفحة: 393.

(2) من المصدر.

(3) معاني الأخبار: 349.

(4) كشف اللثام 1: 217.

(5) التنقيح الرائع 1: 202.

(6) الانتصار: 43.

(7) الغنية (الجوامع الفقهية): 496.

413

الآدميين (1).

و لكن الظاهر أنّ هذه الدعاوي كلّها مستندة إمّا إلى الرواية المرويّة في المعاني أو مثلها، و إمّا إلى ما حكي عن أهل العربيّة (2) من أنّ أسماء الأفعال أسماء لألفاظها، لا أنّها مرادفات لها فهي اسم للدعاء، و الاسم مغاير للمسمّى، كما صرّح به جماعة من أصحابنا (3)، و عن الكشّاف: أنّها صوت سمّي به: «استجب»، كما أنّ «حيهل» و «هلمّ» أصوات سمّي بها الأفعال [1]، و عن حاشية الفريد البهبهاني: أنّ «آمين» اسم للفظ الفعل، بإجماع أهل العربيّة، بل هو بديهي عندهم (5) و الظاهر أنّ مرادهم: هو أنّ الكلمة لا ينشأ بها الطلب الذي هو حقيقة الدعاء، إنّما هي علم للفظ ينشأ به الطلب، فالفرق بين قول: «آمين» و قول: «استجب» هو: أنّ الأوّل يكشف عن قيام حالة بالنفس تقتضي التكلّم باستمع، فيتكلّم بما هو علم لها لينتقل المخاطب إلى كون الاستجابة مراده، و الثاني ينشأ بها الطلب، فكلمة «آمين» مثل

____________

[1] الكشاف 1: 17، و العبارة في «ط» هكذا: و عن الكشاف انها صوت سمى به الفعل و هو: استجب، كما ان «رويد» و «حيّهل» و «هلمّ» أصوات سميت بها الأفعال، و هي:

أمهل و أسرع، كما في الكشاف.

____________

(1) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 368، و انظر هامش المدارك (الطبعة الحجريّة): 164 ذيل قوله (قدّس سرّه): اختلف الأصحاب.

(2) شرح الكافية 1: 67، باب أسماء الأفعال، و حكاه في المدارك 3: 373، و مفتاح الكرامة 2: 368.

(3) كالعلّامة في التحرير 1: 39، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 248، و الشهيد الثاني في روض الجنان: 267 و غيرهم.

(5) راجع هامش المدارك (الطبعة الحجريّة): 164.

414

الأصوات التي تجعل معرّفات للمطالب.

و على أيّ حال: فيرد على ما ذكروه أنّه إن كان الاستناد إلى الرواية- فمع أنّها غير معلومة السند و الدلالة- لا ريب في أنّها لا تسلب صدق الدعاء عليه عرفا، فيدخل في عموم أوامر الدعاء في كلّ حال حتّى في الصلاة، إلّا أن يقوم الدليل على المنع عن هذا الدعاء الخاص.

و أمّا منع صدق الدعاء عليه: فهو أمر عرفيّ لا يرجع فيه- بعد تحقّق الصدق العرفي- إلى الأخبار الآحاد، و منه يظهر أنّه لا ينفع في نفي صدق الدعاء عليه عرفا ما ادعي: من أنّها اسم للفظ الفعل لا مرادف له، فإنّا ندّعي- مع ذلك- كونه داخلا في عموم ما ورد من أنّه «كلّ ما كلّمت به ربّك فهو من الصلاة» (1).

مضافا إلى ما حكي (2) عن نجم الأئمة (3) بل نسبه شارح الروضة (4) إلى المحقّقين من منع ما ادّعوه من كون أسماء الأفعال أسماء لألفاظها، لعدم استحضار المتكلّم بها ألفاظ الأفعال في بعض الأحيان، فهي في الحقيقة مرادفات لها و إضافتها إلى الأفعال للملابسة، حيث إنّها ليست أفعالا، لعدم اشتقاقها.

و لعلّه لما ذكرنا- من منع كونه من كلام الآدميين، منضمّا إلى منع دلالة

____________

(1) لم نقف عليه بعينه، نعم ورد مضمونه في الوسائل 4: 1262، الباب 13 من أبواب قواطع الصلاة.

(2) حكاه في الجواهر 10: 7 عن بعض المحققين.

(3) انظر شرح الكافية 2: 67.

(4) المناهج السوية (مخطوط): 148.

415

النواهي المتعلّقة بخارج العبادة على فسادها- اقتصر في المدارك (1) على الحكم بالتحريم و منع الإبطال، و قد ظهر بما ذكرنا ضعفه، كضعف القول بالكراهة، و أضعف منهما: المنع عن قول: «اللّهم استجب»، كما عن ظاهر الفاضلين (2).

و هل يختص التحريم و البطلان بما إذا قاله آخر الحمد- كما هو صريح كلام بعض (3) و منصرف إطلاق الآخرين (4) و المتيقّن من الأخبار- أم يعمّ جميع حالات الصلاة، كما هو مقتضى إطلاق كلام بعض (5) و صريح آخرين، كما عن الخلاف (6) مدّعيا عليه الإجماع، كالمصنّف في تحريره (7)؟ قولان، أقوالهما: الأوّل، بناء على منع ما تقدّم من كونها من كلام الآدميين، و منع حجيّة إجماع المنقول ما لم يفد الاطمئنان بالحكم، فبقي أصالة الجواز، بل استحبابها، بناء على ما عرفت من كونها- و لو على تقدير كونها من أسماء الألفاظ- داخلة في الدعاء المستحب عموما و خصوصا في الصلاة، حتى ورد (8) أنّه أفضل فيها من قراءة القرآن، مضافا إلى ورود بعض الأدعية المشتملة على هذه الكلمة كدعاء صنمي قريش الذي كان يقنت به

____________

(1) المدارك 3: 374.

(2) المعتبر 2: 185، و التذكرة 3: 162، و نهاية الإحكام 1: 466.

(3) هو المحقق النراقي في المستند 1: 354، و يظهر من الجواهر 10: 10 أيضا.

(4) كالشيخ (قدّس سرّه) في النهاية: 77، و المحقق في الشرائع 1: 83، و العلامة في القواعد 1: 272.

(5) انظر الحدائق 8: 196.

(6) الخلاف 1: 332، كتاب الصلاة، المسألة: 84.

(7) التحرير 1: 39.

(8) لم نقف عليه.

416

أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)، و دعاء آخر مشتمل عليها حكي عن المهج (2) و البلد الأمين (3) نسبته إلى مولانا أبي إبراهيم (عليه السلام)، و ما عن مفتاح الفلاح (4) من ذكر بعض القنوتات المشتملة عليها.

نعم، لو قيل بجوازها في النافلة، أمكن حمل هذه الأخبار عليها، لكنّ الظاهر من إطلاق الفتاوى و معاقد الإجماع- سيّما المستدلّ عليها بكون «آمين» من كلام الآدميين-: التعميم، كما هو مقتضى إطلاق غير واحد من الأخبار، فلا محمل لتلك الأخبار المجوّزة.

لكن الإنصاف: أنّ الأحوط مع ذلك الاجتناب في جميع الأحوال، لإطلاق كثير من الإجماعات المحكيّة و صراحة إجماعي الخلاف و التحرير في العموم، بل صراحة كلّ إجماع استدلّ مدّعيه على معقد الإجماع بما يوجب عموم الحكم، مثل كونه عملا كثيرا، و عدم كونه قرآنا و لا دعاء [1]، بل عرفت استفاضة نقل الإجماع على خروجه عنهما، فهي حجة أخرى مستقلّة، مضافا إلى ما مرّ (6) من الإجماعات على عدم كونه قرآنا و لا دعاء.

ثمّ لا ريب في جواز قولها للتقيّة، بل وجوبها إذا توقّف الاتّقاء عليه، و الظاهر الإجماع على عدم البطلان حينئذ حتّى ممن جعله داخلا في كلام

____________

[1] لم نقف على من استدل بأنه عمل كثير، نعم استدل بعدم كونه قرآنا و لا دعاء في الخلاف و التحرير و غيرهما من المصادر المتقدّمة آنفا.

____________

(1) البحار 85: 261.

(2) حكاه في البحار 85: 220.

(3) البلد الأمين: 393.

(4) مفتاح الفلاح: 58.

(6) تقدم في الصفحة: 412.

417

الآدميين الذي لا يوجب الإكراه عليه رفع حكمه، بل يكون الإكراه عليه إكراها على إبطال الصلاة، إلّا أنّ الظاهر أنّ التقيّة عنوان مستقلّ غير عنوان عموم الإكراه، و لذا يصحّ معها من الوضوء و الصلاة ما لا يصحّ مع الإكراه، بل مع التقية عن غير المذهب، و لو تركها مع التقية فالظاهر أنّه لا يبطل الصلاة و إن فعل محرّما.

[و يستحب الجهر بالتسمية في الإخفات]

و يستحب الجهر بالتسمية [1] في مواضع يتعين فيها القراءة و الإخفات بها على المشهور، للنصوص المستفيضة، منها: عموم ما دلّ على أنّه من علامات المؤمن (2) و ما عن العيون بسنده الحسن كالصحيح إلى الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه إلى المأمون: «و الإجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة» (3)، بل في رواية الأعمش- المحكية عن الخصال-: «أنّ الإجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة واجب» (4).

و مقتضى إطلاق كثير من الأخبار: عدم الفرق بين الإمام و المنفرد، فتخصيص الحكم بالإمام كما عن الإسكافي (5) شاذّ، و مثله ما عن الحلّي من

____________

[1] في الإرشاد و بالبسملة.

____________

(2) الوسائل 10: 373، الباب 56 من أبواب المزار، الحديث الأوّل.

(3) العيون 2: 123، الباب 35، ذيل الحديث الأوّل، و الوسائل 4: 758، الباب 21 من أبواب القراءة، الحديث 6.

(4) الخصال: 604، ذيل الحديث 9، و الوسائل 4: 758، الباب 21 من أبواب القراءة، الحديث 5.

(5) حكاه في المختلف 2: 155.

418

تخصيص الحكم بأوليي الظهرين حاكيا له عن جمل الشيخ (1)، استنادا إلى شمول أدلّة وجوب الإخفات في الركعات الأخيرة للبسملة، و لا مخرج له لتقيد أكثر أدلّة الجهر بمواقع تعيين القراءة، و انصراف مطلقاتها إليها و بحكم التبادر.

و يضعفه: منع انصراف المطلقات، مضافا إلى عدم الدليل المعتمد على وجوب الإخفات في الأخيرتين- كما عرفت- عدا الإجماع المفقود في البسملة، بل ظاهر المعتبر (2) نسبة عدم الفرقة في الحكم بالاستحباب بين الأوليين و غيرهما إلى جميع الأصحاب، و ما حكاه الحلّي عن جمل الشيخ- حيث قال فيه: و يستحب الجهر بها في الموضعين (3)، بناء على إرادة الظهرين من لفظ «الموضعين»- ممنوع بما احتمله في المنتهى (4) من إرادة الفاتحة و السورة، مضافا إلى أنّه لا دلالة في الكلام على مطلب الحلّي إلّا من باب مفهوم اللقب.

و ما يدّعى أنّ مفهوم اللقب معتبر في كلام الفقهاء، فهو على إطلاقه خلاف المحسوس، بل التحقيق أنّه قد يفهم منه ذلك بقرينة المقام.

و ما أبعد ما بين هذا القول و قول القاضي [1] بوجوب الجهر بها حتى في الأخيرتين، و لعلّه لبعض الإطلاقات المستظهر منها الوجوب، و خصوص

____________

[1] لم نعثر عليه في كتبه و لا على من نسب ذلك اليه، نعم حكم بوجوب الجهر فيما يجهر أو يخافت في المهذب 1: 97.

____________

(1) السرائر 1: 218 و 219.

(2) المعتبر 2: 181.

(3) انظر الجمل و العقود (الرسائل العشر): 183.

(4) المنتهى 1: 278.

419

رواية الأعمش المتقدّمة (1).

و ظهور الإطلاقات في الوجوب ممنوع، بل الإنصاف سوقها مساق بيان الفضيلة، كما ينادي بذلك جعله من العلامات الخمس للمؤمن (2) و يظهر من رواية العيون (3).

و رواية الأعمش- مع ضعفها سندا- قاصرة دلالة عن إفادة الوجوب المصطلح، مع أنّ المحكي عن الحلّي (4) عدم الخلاف بين المسلمين في جواز الإخفات في بسملة الأخيرتين، و لعلّه لذلك خصّ الوجوب الحلبي (5) بالأوليين، و حكي عن ظاهر الأمالي (6)، و يظهر وجهه و ضعفه مما ذكرنا.

و الأحوط في المسألة: عدم ترك الجهر في الأوليين و ترك القراءة في الأخيرتين.

و هل يعمّ الحكم ما لو وجب الإخفات لعارض الجماعة، أم لا؟ الظاهر الثاني، لانصراف هذه الأخبار إلى غيرها، فيبقى إطلاق ما دلّ على الإخفات بالقراءة خلف الإمام- مثل قوله (عليه السلام) في تلك الأخبار: «قرأ في نفسه بأمّ الكتاب» (7)، و عموم قوله: «لا ينبغي للمأموم أن يسمع الإمام

____________

(1) تقدمت في الصفحة: 417.

(2) راجع الوسائل 10: 373، الباب 56 من أبواب المزار، الحديث الأوّل.

(3) المتقدّمة في الصفحة: 417.

(4) السرائر 1: 218.

(5) الكافي في الفقه: 117.

(6) أمالي الصدوق: 511.

(7) الوسائل 5: 445، الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

420

ما يقوله» (1)- سليما عن المقيّد، مع أنّه لو سلّم الانصراف فغاية الأمر تعارض المطلقين بالعموم من وجه، و لا دليل على الاستحباب، مع أنّه إذا سقط الجهر في موارد وجوبه لمراعاة جانب الإمام اللائق بالاحترام فسقوطه في موارد ندبه أولى.

[و يستحب أيضا الترتيل و الوقوف على مواضعه]

و يستحب أيضا الترتيل في القراءة، و هو تبيين الحروف من غير مبالغة كما عن المعتبر (2) و المنتهى (3)، و بيان الحروف و إظهارها و لا يمدّ بحيث يشبه الغناء كما عن النهاية (4) و التذكرة (5) و غيرهما (6)، و تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الإطباق و الغنّة كما عن النفليّة (7)، و الترسّل فيها من غير تغنّ كما عن الصحاح (8)، و تحسين تأليفها كما عن القاموس (9)، و التؤدة فيها بتبيين الحروف و إشباع الحركات كما عن الزمخشري (10) و مرجع عبارتي النهاية (11)

____________

(1) انظر الوسائل 4: 994، الباب 6 من أبواب التشهد، و 5: 451، الباب 52 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) المعتبر 2: 181.

(3) المنتهى 1: 278.

(4) نهاية الإحكام 1: 476.

(5) التذكرة 3: 157.

(6) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 270.

(7) الألفية و النفلية: 116.

(8) الصحاح 4: 1704، مادة «رتل».

(9) القاموس المحيط 3: 381، مادة «رتل».

(10) الكشاف 4: 637.

(11) النهاية 2: 194، مادة «رتل».

421

و المغرب (1).

و الكلّ متقارب، و الجمع بين الجميع مستحبّ، و في بعض الأخبار تفسير قوله تعالى (وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا): بيّنه بيانا، و لا تهذّه هذّا الشعر، و لا تنثره نثر الرمل، و لكن أقرع به القلوب القاسية، و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة (2). و الهذّ: السرعة، و النثر: التفريق.

و عن الصادق (عليه السلام): «هو أن تتمكّث فيه و تحسّن به صوتك» (3).

و في مرسلة ابن أبي عمير: «ينبغي للعبد إذا صلّى أن يرتّل في قرائته، فإذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة و النار سأل اللّه الجنة و تعوّذ من النار، و إذا مرّ ب (أَيُّهَا النّاسُ)، و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فيقول: لبّيك ربّنا» (4).

و عن علي (عليه السلام): أنّه حفظ الوقوف و بيان الحروف (5)، و فسّره به في الذكرى إلّا أنّه قال: أداء الحروف (6) و هو حسن إلّا أنه غير مقصود في عبارة الماتن، لأنّه ذكر الوقوف على مواضعه بعنوان على حدة، كما في الشرائع (7).

____________

(1) المغرب 1: 320، مادة «رتل».

(2) الوسائل 4: 856، الباب 21 من أبواب قراءة القرآن، الحديث الأوّل مع اختلاف يسير، و الآية من سورة المزمل: 4.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

(4) الوسائل 4: 753، الباب 18 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(5) الوافي 9: 1739، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، و البحار 84: 188.

(6) الذكرى: 192 و فيه: و هو حفظ الوقوف و أداء الحروف.

(7) الشرائع 1: 82.

422

و اعلم أنّ مواضع الوقف عند القرّاء- على ما حكي (1) عن جماعة منهم- أربعة: ينقسم الوقف باعتبار وقوعه فيها إلى أقسام أربعة:

الأوّل: التام، و موضعه اللفظ الذي لا يتعلّق بما بعده لفظا و لا معنى، سواء كان آخر الآية كآخر البسملة و (يَوْمِ الدِّينِ) و (نَسْتَعِينُ) و (لَا الضّالِّينَ) أو لم يكن، كما في لفظ الجلالة في قوله تعالى (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ) (2) على بعض الوجوه.

و الثاني: الكافي، و هو ما تعلّق بما بعده من حيث المعنى فقط، سواء كان أيضا آخر آية، كقوله (وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (3) أو لا، ككلمة «مِن قَبلِكَ» في قوله تعالى (وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) (4).

و هذان القسمان يشتركان في عدم وجوب إعادة الموقوف عليه و جواز الابتداء بما بعده.

و الثالث: الحسن، و هو عكس الكافي، و هو ما تعلّق بما بعده لفظا لا معنى، و هذا القسم يجب الابتداء بالموقوف عليه. قيل (5): أو ما يكون الموقوف عليه كلاما تامّا لكن يتعلّق به ما بعده لفظا و معنى.

و الوقوف الحسنة في الفاتحة عشرة على ما حكي عن النفليّة و شرحها:

(بِسْمِ اللّهِ) و (الرَّحْمنِ) و (الْحَمْدُ لِلّهِ) و (الْعالَمِينَ) و (الرَّحْمنِ) و (الرَّحِيمِ)

____________

(1) حكاه السيد الشفتي في مطالع الأنوار 2: 56.

(2) آل عمران: 7.

(3) البقرة: 3.

(4) البقرة: 4.

(5) لم نقف عليه.

423

و (نَعْبُدُ) و (الْمُسْتَقِيمَ) و (عَلَيْهِمْ) الأوّل و (عَلَيْهِمْ) الثاني (1)، و عرفت أنّ التامّ فيها أربعة.

و القبيح: ما تعلّق بما بعده لفظا و معنى، كالوقف على المضاف.

هذا محصّل ما حكي عنهم، لكن تحديد التعلّق المعتبر في القسمين بحيث لا يوجد في الآخر صعب، لكن الأمر سهل بعد حكاية الإجماع عن جماعة (2) على جواز الوقف بأقسامه حتى القبيح على مصطلح القرّاء، لما حكي (3) عن محققيهم من أنّه ليس المراد به: الممنوع شرعا، بل الممنوعية في مقام التجويد و الترتيل.

و يؤيّد ما ذكرنا: رواية علي بن جعفر (عليه السلام) المصححة عن أخيه (عليه السلام): «في الرجل يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب و سورة بنفس واحد، قال: إن شاء قرأ في نفس و إن شاء في غيره» (4) فإنّ ظاهرها و إن اختص بالتسوية بين القراءة بنفس و القراءة بأزيد، لكنّ سوق الكلام يعطي أنّه لا حرج في أن يقرأ على ما يشاء مطلقا، نعم ليس له أن يجمع بين جميع الوقوف الأربعة عشر للفاتحة لخروجها بذلك عن النظم، فالمراد أنّه لو أراد الوقف فالأحسن اختيار التام، ثم الحسن، ثم الكافي.

و لا يبعد أن يكون مراد المصنّف (رحمه اللّه) و غيره هو استحباب المحافظة على الوقوف التامّة، إذ لا يستحبّ غيره من الوقوف، نعم الوقف القبيح

____________

(1) لم نعثر عليه في النفلية، نعم هو موجود في شرحها (الفوائد المليّة): 86.

(2) منهم المحقق النراقي في المستند 1: 335.

(3) حكاه الشهيد الثاني في روض الجنان: 268، و السيد السند في المدارك 3: 361.

(4) الوسائل 4: 785، الباب 46 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

424

خلاف الأولى.

ثمّ إنّه لو وقف على جزء الكلمة اضطرارا فلا إشكال في وجوب إعادة الموقوف عليه، و لو وقف على المضاف ففي وجوب إعادته وجهان: أحوطهما الوجوب، إذ لا يخاف منه صدق الزيادة و لا صدق القران، بعد ما حكم القرّاء بجواز الإعادة، بل بوجوبه الشرطي للترتيل المستحب في القراءة عموما حتّى في حق هذا المرتكب للوقف القبيح، و منه يظهر- أيضا- جواز الإعادة، بل حسنها الذي حكموا به في الوقف الحسن، لكن عدم الوجوب في هذا القسم هو المتعيّن، و في الوقف القبيح أيضا لا يخلو عن قوّة.

ثم إنّ المصرّح به في كلام جماعة (1): عدم جواز الوقف مع إبقاء حركة الآخر، و يسمّى الوقف على الحركة، و كذا عدم جواز الوصل بالسكون، بل عن المحدّث الزاهد التقي المجلسي: أنّهما غير جائزين باتفاق القرّاء و أهل العربيّة (2)، و أنكر ذلك جماعة (3) محتجّين بصدق القراءة، مضافا إلى صحيحة علي بن جعفر السابقة.

و الأظهر أن يقال: أمّا الوصل بالسكون، فالأقوى فيه عدم الجواز، لأنّ الحركة في آخر الكلمة من قبيل الجزء الصوري، فإذا وقف عليها سقطت لقيام الوقف مقامها في عرف العرب و عند القرّاء و أهل العربيّة، و أمّا سقوطها مع الوصل، فهو نقص للجزء الصوري، و لا فرق بين حركات

____________

(1) منهم المحقّق القمي في الغنائم: 193.

(2) البحار 85: 8.

(3) منهم الفاضل النراقي في المستند 1: 335، و لم نقف على غيره.