كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
425

الأواخر و غيرها في أنّ إبدالها أو حذفها موجب لتغيّر الجزء الصوري [1]، فإنّ صورة «نَعبُد» بالجزم، غير صورتها بالضم، فإنّ السكون هيئة مغايرة للحركة، فتسكين الآخر في المضارع المعرب في حال الوصل مخالف لقواعد العربيّة، و كذا سكون المبتدأ المعرب في الحمد، و كذا سكون كاف «إيّاكَ» في الوصل، مخالف لوضعه اللغوي، و قد عرفت وجوب متابعة اللغة و العربيّة في القراءة.

و قد تردّد المصنّف (قدّس سرّه) في ظاهر عبارة المنتهى- فيمن عجز عن تعلّم الإعراب على الاستقامة- بين ترك الإعراب الخطأ و التسكين و بين عدمه، قال: ينشأ ذلك من أنّ حذف الحركات يبطل الجزء الصوري من الكلام، و من أنّ الواجب عليه الإعراب الصحيح و ترك الخطأ، و قد فات الأوّل فيجب الثاني، و الأخير أقرب (2)، انتهى.

نعم، قد يحكى جواز الوصل بالسكون عن غير المشهور، كما يظهر من الروض (3) و الروضة (4)، و قد يخصّ ذلك بالفقرات المستقلّة التي تعدّ كلّ منها كلاما مستقلا كفصول الأذان و نحوها، على ما حكاه شارح الروضة عن ابن الأنباري عن أهل اللغة، ثم قال: و وجهه ظاهر و علّله بما ذكرنا من استقلال الفصول (5)، و أمّا الوقف على الحركة: فلا دليل على منعه عدا ما يستفاد من حكم

____________

[1] في «ق»: ظاهرا الصورة و يحتمل: المتصوّر.

____________

(2) المنتهى 1: 273.

(3) انظر روض الجنان: 244 و 268.

(4) انظر الروضة البهية 1: 602 و 603، و لم نقف فيه على ما يظهر ذلك منه.

(5) المناهج السوية (مخطوط): 86.

426

القرّاء بلزوم حذف الحركة، و قد عرفت- هنا، و فيما سبق في بحث وجوب المدّ و الإدغام (1)- عدم وجوب ما يلتزمونه.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ هذا أيضا من قواعد العربيّة، حيث إنّهم عنونوا في علم العربيّة «باب الوقف» و صرّحوا بوجوب حذف حركة الاسم وصلة ضمير المذكّر مع حركته حال الوقف، و إبدال التنوين في النصب ألفا، و قلب تاء التأنيث هاء، و غير ذلك من قواعد الوقف المتعلّقة بالأجزاء الماديّة أو الصورية (2)، و لهذا ادّعى المحدّث- المتقدّم إليه الإشارة (3)- الإجماع من أهل العربية على المنع، لكن الإشكال عليه مشكل، سيّما مع قوّة كون المنشأ فيه ما ذكرنا من تعرّض أهل العربيّة لقواعد الوقف، فإنّ مجرّد هذا منهم لا يدلّ على كون مخالفة ذلك عندهم مسقطا للكلام مادّة أو صورة عن العربيّة، فإنّهم قد تعرّضوا لكثير ممّا لا يجب كبحث الإمالة و نحوها.

إلّا أن يقال: إنّ ظاهر حكمهم بوجوب مراعاة تلك القواعد مدخليتها في صحة الكلام من حيث العربيّة، سيّما و من المشاهد ثبوت اللحن بإلغاء بعض قواعد الوقف، مثل قلب تاء التأنيث هاء، و أمّا الإمالة، فهم و إن عنونوها في العربيّة، إلّا أنّهم صرّحوا بعدم وجوبها (4) بخلاف الوقف، فلا ينبغي ترك الاحتياط.

ثم بناء على جواز الوقف على المتحرّك، فإذا كان بعده همزة الوصل

____________

(1) راجع الصحفة: 358- 361.

(2) انظر البهجة المرضية في شرح الألفية: 229 (باب الوقف)، و شرح ابن عقيل 2: 580.

(3) و هو المحدّث المجلسي (قدّس سرّه)، و تقدّمت إليه الإشارة في الصفحة: 424.

(4) انظر البهجة المرضية: 233 (باب الإمالة)، و شرح ابن عقيل 2: 520.

427

نطق بها لحصول الفصل بالوقف، و لو حصل الوقف على المتحرّك اضطرارا لم يجب الابتداء بالموقوف عليه و إن قلنا بعدم جواز الوقف على المتحرّك، لحصول الامتثال بذلك الجزء، و يحتمل وجوبه لوجوب مراعاة النظم بين الفقرات.

ثمّ إنّه لا يتعيّن في الوقف التنفّس قطعا و لا السكوت بمقدار التنفس، بل مسمّى الوقف كاف ظاهرا في اللّحن مع الحركة و في الخروج عنه مع السكون.

و يؤيّد ما ذكرنا، بل يدلّ عليه: ترك الاستفصال في الصحيحة السابقة (1) المجوّزة لقراءة السورة بنفس واحد.

و من مستحبّات القراءة في الصلاة و غيرها: سؤال الرحمة و التعوّذ عن النقمة عند تلاوة آيتيهما، بلا خلاف ظاهرا، بل إجماعا كما عن الخلاف (2) و البيان (3)، لعمومات رجحانهما، و خصوص مرسلة البرقي و أبي أحمد- قيل (4):

يعني ابن أبي عمير- عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«ينبغي للعبد إذا صلّى أن يرتّل في قرائته فإذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة و ذكر النّار سأل اللّه الجنّة و تعوّذ باللّه من النار و إذا مرّ «يا أيها الناس» و «يا أيها الذين آمنوا» يقول: لبيك ربّنا (5).

و نحوها موثقة سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ينبغي لمن قرأ

____________

(1) و هي صحيحة علي بن جعفر المتقدمة في الصفحة: 423.

(2) الخلاف 1: 422، كتاب الصلاة، المسألة: 170.

(3) البيان: 162، و ليس فيه: الإجماع، و في «ق»: التبيان و لم نقف عليه فيه.

(4) قاله صاحب الوسائل.

(5) الوسائل 4: 753، الباب 18 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

428

القرآن إذا مرّ بآية فيها مسألة أو تخويف أن يسأل عند ذلك خير ما يرجو أو يسأل العافية من النار و من العذاب» (1).

[و يستحب قصار المفصل في الظهرين و المغرب]

و يستحب قراءة قصار السور الموصوفة- باعتبار كثرة فواصلها، أو قصور فواصلها أو باعتبار اشتمالها على الحكم المفصّلة أي الغير المنسوخة- ب المفصل. المحدود- باعتبار- من سورة «محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» إلى آخر القرآن- على ما عن التبيان من نسبته إلى أكثر أهل العلم (2)- أو من «ق»، أو من «الضحى»، أو من «الحجرات»، أو من «الجاثية»، أو من «القتال» [1]، أو من «الصافّات»، أو من «الصفّ»، أو من «تبارك»، أو من «إنّا فتحنا»، أو من «الرحمن»، أو من «الإنسان»، أو من «الأعلى»، و الأوّل لا يخلو عن قوّة للشهرة الكافية في المقام، و يمكن أن ينطبق عليه المرويّ عن الكليني بسنده إلى سعد الإسكاف، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «أعطيت السور الطوال مكان التوراة، و يس مكان الإنجيل، و المثاني مكان الزبور، و فضّلت بالمفصّل ثمان و ستّون سورة» (4) و هذا العدد من سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى آخر القرآن، و احتمال غير ذلك مدفوع بعدم القول به بين المسلمين.

ثمّ المحكي عن الطبرسي بعد اختيار هذا القول: إنّ مطوّلات المفصّل إلى «عمّ»، و متوسطاته إلى «الضحى»، و قصاره البواقي (5).

____________

[1] كذا في النسختين، و المراد: سورة محمّد (ص)، و الظاهر انه تكرر سهوا.

____________

(1) الوسائل 4: 753، الباب 18 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(2) التبيان 1: 20.

(4) الكافي 2: 601، كتاب فضل القرآن، الحديث 10.

(5) لم نقف عليه و لا على من حكاه.

429

و كيف كان، فالمشهور كما في المدارك (1) استحباب قراءة القصار في الظهرين و المغرب و لم يوجد عليه خبر، إنّما المرويّ مصحّحا عن محمّد بن مسلم: «أن الظهر و العشاء الآخرة تقرأ فيهما سواء، و العصر و المغرب سواء، و أمّا الغداة: فأطول، فأمّا الظهر و العشاء الآخرة: فسبح اسم ربّك الأعلى، و الشمس و ضحيها و نحوهما، و أمّا العصر و المغرب: فإذا جاء نصر اللّه، و ألهيكم التكاثر و نحوهما، و أمّا الغداة: فعمّ يتساءلون و هل أتيك حديث الغاشية، و لا أقسم بيوم القيمة و هل أتى على الإنسان» (2).

و نحوها معتبرة بابن محبوب [1] حاكية لقراءة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في فرائضه الخمس و تسويته بين الظهر و العشاء و بين العصر و المغرب (4)، و العمل بهما قويّ وفاقا لجماعة (5).

[و متوسطاته في العشاء و مطولاته في الغداة]

و مما ذكر يظهر أنّه يستحبّ أن يختار من المفصّل متوسطاته في العشاء و مطوّلاته في الغداة.

و بإزاء ما ذكر أخبار أخر مرجحة لسورتي التوحيد و القدر، فعن الكليني عن أبي علي بن راشد: «انّه قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إنّك كتبت إلى محمّد بن الفرج تعلّمه إنّ أفضل ما يقرأ في الفرائض إنّا أنزلناه، و قل هو اللّه أحد، و إنّ صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر. فقال: لا يضيق

____________

[1] في «ط»: ابن محبوب.

____________

(1) المدارك 3: 363.

(2) الوسائل 4: 787، الباب 48 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(4) الوسائل 4: 787، الباب 48 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(5) منهم المحقق في المعتبر 2: 182، و الشهيد في الذكرى: 192، و الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 136.

430

صدرك، فإنّ الفضل- و اللّه- فيهما» (1).

و في التوقيع إلى الحميري- كما عن الاحتجاج-: «من ترك سورة ممّا أتى فيها الثواب و قرأ (قل هو اللّه أحد) و (إنّا أنزلناه) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ و ثواب السورة التي ترك» (2)، و يمكن الجمع بينهما على بعض الوجوه.

[و هل أتى على الإنسان في صبح الاثنين و الخميس]

و يستحب أيضا قراءة سورة هل أتى على الإنسان في صبح الاثنين و صبح الخميس كما عن (3) الشيخ (4) و الجماعة (5)، و عن الصدوق: زيادة استحباب قراءة الغاشية في الركعة الأخرى مسندا ذلك إلى رواية رواها عمّن صاحب الرضا (عليه السلام) من أنّه (عليه السلام)، قال: «من قرأ بهما في صلاة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس، وقاه شرّ اليومين» (6).

و في رواية أخرى: «من قرأ هل أتى في كلّ غداة خميس زوّجه اللّه من الحور العين ثمان مائة عذراء و أربعة آلاف ثيب و حورا من الحور العين

____________

(1) الكافي 3: 315، الحديث 19، و الوسائل 4: 760، الباب 23 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(2) الاحتجاج 2: 303، و الوسائل 4: 761، الباب 23 من أبواب القراءة، الحديث 6.

(3) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 403.

(4) المبسوط 1: 108.

(5) منهم: المحقق في الشرائع 1: 82، و العلامة في القواعد 1: 274، و الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 137.

(6) الفقيه 1: 308، ذيل الحديث 922، و الوسائل 4: 791، الباب 50 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

431

[و كان مع محمّد] [1]» (1).

[و الجمعة و الأعلى ليلة الجمعة في العشاءين]

و يستحبّ أيضا قراءة الجمعة و الأعلى ليلة الجمعة في العشاءين على المشهور كما عن الحدائق (2)، بل عن الانتصار الإجماع عليه و أنّه مما انفردت به الإماميّة (3)، لرواية منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الواجب على كلّ مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة (بالجمعة) و (سبّح اسم ربّك الأعلى) و في صلاة الظهر (بالجمعة) و (المنافقين) فإذا فعل ذلك فكأنّما يعمل بعمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كان جزاؤه و ثوابه على اللّه الجنّة» (4).

و هنا أقوال (5) كإبدال الأعلى بالمنافقين أو التوحيد.

[و الجمعة و التوحيد في صبيحتها]

و يستحبّ قراءة سورة الجمعة و التوحيد في صبيحتها لرواية الحسين بن أبي حمزة (6) و عن الخلاف الإجماع (7) و إبدال جماعة التوحيد بالمنافقين (8) لما ورد من أنّ قراءتهما سنّة يوم الجمعة في الغداة و الظهر و العصر

____________

[1] ما بين المعقوفتين من هامش «ط» و المصدر.

____________

(1) الوسائل 4: 791، الباب 50 من أبواب القراءة، الحديث 2،

(2) الحدائق 8: 181.

(3) الانتصار: 54.

(4) الوسائل 4: 790، الباب 49 من أبواب القراءة، الحديث 8.

(5) راجع المختلف 2: 158 و 159، و مفتاح الكرامة 2: 403.

(6) الوسائل 4: 790، الباب 49 من أبواب القراءة، الحديث 10.

(7) الخلاف 1: 620، كتاب الصلاة، ذيل المسألة: 389.

(8) منهم الصدوق في الهداية (الجوامع الفقهية): 12، و السيد المرتضى في الانتصار: 54 و ابن أبي عقيل كما في المختلف 2: 157.

432

فلا ينبغي لك أن تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر من يوم الجمعة (1).

[و الجمعة و المنافقين في الظهرين و في صلاة الجمعة]

و يستحبّ قراءة الجمعة و المنافقين في الظهرين يوم الجمعة و في صلاة الجمعة على المشهور، لما تقدّم من رواية ابن حازم (2) و غيرها (3)، بل في بعض الصحاح أنّ من تركهما فلا صلاة له (4)، و في آخر من لم يقرأ بهما في الجمعة فلا جمعة له (5).

[و «الضحى» و «ألم نشرح» سورة، و كذا «الفيل» و «لإيلاف»، و تجب البسملة بينهما [6].

[و يجوز للمصلّي العدول عن سورة إلى غيرها ما لم يتجاوز النصف]

و يجوز للمصلّي العدول عن سورة لا يتعين إتمامها لعارض إلى غيرها في الجملة، للإجماع و النصوص المستفيضة مثل رواية الحلبي المصححة في كشف اللثام (7)،- و فيها أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن مسكان، و في شرح الفريد (8) أنّ بينهما واسطة- عن أبي عبد اللّه، قال: «من

____________

[1] ما بين المعقوفتين من الإرشاد، و لم نجد شرحه فيما بأيدينا من النسخ، و يحتمل سقوط ورقة أو أكثر من هنا، فإنّ قوله: «فلا جمعة له» هو آخر ما ورد في الصفحة من الورقة: (120- ب)، و قوله: «و يجوز» هو أوّل الصفحة من الورقة: (121- الف).

____________

(1) الوسائل 4: 789، الباب 49 من أبواب القراءة، الحديث 6.

(2) تقدمت في الصفحة السابقة، و لم تتعرض لصلاة الجمعة، و انما وردت في صلاة الظهر يوم الجمعة.

(3) راجع الوسائل 4: 788، الباب 49 من أبواب القراءة، و 4: 815، الباب 70 من أبواب القراءة.

(4) الوسائل 4: 815، الباب 70 من أبواب القراءة، الحديث 3.

(5) الوسائل 4: 816، الباب 70 من أبواب القراءة، الحديث 7.

(7) كشف اللثام 1: 224.

(8) مصابيح الظلام (مخطوط): 138.

433

افتتح سورة ثمّ بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس، إلا (قل هو اللّه أحد) فلا يرجع منها إلى غيرها، و كذلك (قل يا أيّها الكافرون)» (1).

و في رواية عمرو بن أبي نصر المصحّحة: «يرجع من كلّ سورة إلّا من (قل هو اللّه أحد) و (قل يا أيّها الكافرون)» (2).

و عن قرب الإسناد بإسناده عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام): «عن الرجل إذا أراد أن يقرأ سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثم يرجع إلى التي أراد؟ قال: نعم، ما لم يكن (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)» (3).

مضافا إلى أصالة بقاء التخيير ما لم يحصل الامتثال بأحد فرديه و إطلاق أدلّة القراءة، السليمين عن معارضة ما يصلح مزاحما لهما عدا ما يظهر من الشهيد و المحقق الثانيين (4) من أنّ العدول إبطال للمعدول عنه فيكون منهيا عنه للآية (5)، و ما ربما يتخيّل من أنّه مستلزم للزيادة عمدا حيث إنّه يأتي بالمعدول عنه بقصد الجزئيّة، و ما يتوهم من أنه قران، و الأصل فيه التحريم، للعمومات.

و في كلّ من مقدمتي الوجوه الثلاثة نظر، تقدّم إليه الإشارة سابقا (6).

____________

(1) الوسائل 4: 775، الباب 35 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(2) الوسائل 4: 775، الباب 35 من أبواب القراءة، الحديث الأوّل.

(3) قرب الاسناد: 206، الحديث 802، و الوسائل 4: 776، الباب 35 من أبواب القراءة، الحديث 3.

(4) انظر جامع المقاصد 2: 279، و روض الجنان: 270.

(5) سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): 33.

(6) راجع الصفحة: 377- 378.

434

و كيف كان، فلا إشكال في أصل العدول. كما لا خلاف ظاهرا في أنّ جوازه ليس على إطلاقه، و إنّما الإشكال و الخلاف في أنّه هل يجوز ما لم يتجاوز النصف كما اختاره المصنف هنا، و في القواعد (1) و المنتهى (2) وفاقا للمعتبر (3) كما عن المقنعة (4) و المبسوط (5) و المهذّب (6) و الإصباح (7) و البيان (8) و الألفيّة (9) و عن جماعة (10) أنّه المشهور، لعموم أدلّة جواز العدول خرج ما إذا تجاوز النصف، و خصوص رواية قرب الإسناد المتقدمة (11)، و أصرح منها رواية دعائم الإسلام (12) و خصوص مقطوعة أبي العباس المرويّة في الذكرى، عن البزنطي، عنه: «في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ في أخرى، قال: يرجع إلى التي يريد و إن بلغ النصف» (13) و ضعف

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 275.

(2) المنتهى 1: 280.

(3) المعتبر 2: 191.

(4) المقنعة: 147.

(5) المبسوط 1: 107.

(6) المهذّب 1: 103.

(7) إصباح الشيعة (الينابيع الفقهية) 4: 620.

(8) البيان: 157.

(9) الألفية: 58.

(10) منهم المحقق السبزواري في الذخيرة: 280، و العلامة المجلسي في البحار 85: 16، و انظر مفتاح الكرامة 2: 407.

(11) تقدمت في الصفحة: 432.

(12) دعائم الإسلام 1: 161.

(13) الذكرى: 195، و الوسائل 4: 776، الباب 36 من أبواب القراءة، الحديث 3.

435

سنده لا يقدح بعد إيراد البزنطي له الذي لا يروي المسندات إلّا عن ثقة، فكيف يروي ما لم يقطع بإسناده إلى الإمام (عليه السلام)؟!، و دلالتها على المقصود أيضا واضحة، فإنّ الظاهر من قوله: «فيقرأ من [1] الأخرى» هو أنّه يقرأ قصدا، لا أنّه يقرأ لا عن قصد حتى يقال: إنّه لا كلام في وجوب الرجوع عنها و إن فرغ منها.

و رواية أبي بصير المصححة: «في الرجل يقرأ في المكتوبة بنصف السورة ثم ينسى فيأخذ في أخرى حتى يفرغ منها ثمّ يذكر قبل أن يركع، قال: يركع و لا يضرّه» (2) وجه الدلالة: إنّه لو حرم العدول ببلوغ النصف لم يجتزأ بالمعدول إليها، إلّا أن يقال: إنّ التحريم مختصّ بالمتعمّد، فالناسي يجتزئ بما أتى مع عدم النهي، و لعلّه لذا قال في جامع المقاصد: أنّه لا دلالة لها بوجه (3).

و أمّا موثّقة عبيد بن زرارة: «إنّه يرجع ما بينه و بين ثلثيها» (4) فهي شاذّة، و حملت على الشروع في الثلث الثاني، و لا يخفى ما فيه.

خلافا للمحكيّ عن السرائر (5) و جامع الشرائع (6) و الموجز (7)

____________

[1] كذا في النسختين.

____________

(2) الوسائل 4: 777، الباب 36 من أبواب القراءة، الحديث 4.

(3) جامع المقاصد 2: 279.

(4) الوسائل 4: 776، الباب 36 من أبواب القراءة، الحديث 2.

(5) السرائر 1: 222.

(6) الجامع للشرائع: 81.

(7) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 78.

436

و الدروس (1) و الروض (2) و جامع المقاصد (3) و حكاه في الذكرى (4) عن الجعفي و الإسكافي، و لعلّه لمخالفة العدول للأصل، لبعض ما تقدّم (5)، و قد عرفت أنّ مقتضى الأصل و العموم و الخصوص جوازه إلّا في التوحيد و الجحد فلا يعدل منهما على المشهور، بل كاد يكون إجماعا كما في شرح الفريد (6)، و انّ الشهرة بل الإجماع عليه كما في مجمع الفائدة (7)، و عن البيان نسبته إلى فتوى الأصحاب (8) و عن الانتصار التصريح بالإجماع عليه (9)، للأخبار المستفيضة المتقدّم بعضها، خلافا للمحقق في المعتبر (10) فكرههما، لعموم:

(فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ) و عدم قوّة الإخبار لتخصيصها، و فيه- مع استفاضة الأخبار، بل تواترها، بقرينة عمل السيّدين و الحلّي بها-: أنّه لا معنى للحكم بالكراهة أيضا إلّا أن يكون للخروج عن الخلاف.

و كيف كان، فلا يعدل عنهما إلّا إلى الجمعة و المنافقين و مع

____________

(1) الدروس 1: 173.

(2) روض الجنان: 270.

(3) جامع المقاصد 2: 279.

(4) الذكرى: 195.

(5) تقدم في الصفحة السابقة.

(6) مصابيح الظلام (مخطوط): 141.

(7) مجمع الفائدة 2: 244 و 245.

(8) البيان: 164.

(9) الانتصار: 44.

(10) المعتبر 2: 191.

437

العدول من سورة إلى أخرى يعيد البسملة [1]، لأنّ البسملة التي قرأها أوّلا كانت جزءا من المعدول عنها فلا تصير جزءا من المعدول إليها، و مجرّد اشتراك البسملتين في الصورة لا يوجب قابلية كلّ منهما لأن يصير جزءا من سورة صاحبها، مثلا بسملة سورة التوحيد هي البسملة الشخصية التي نزلت معها و كذا بسملة الجحد و بسملة غيرهما، فإذا بسمل بقصد حكاية تلك البسملة الشخصية النازلة مع التوحيد يصدق أنه قرأ جزءا من سورة التوحيد، و يصحّ أن يسلب عنه قراءة جزء غيرها من السور، فإذا ضمّ إليها غيرها فلا تنقلب عن جزئية الاولى إلى جزئيته، لأنّ ما وقع على وجه لا ينقلب عمّا وقع عليه.

و بعبارة أوضح: انّ بسملة كلّ سورة بحسب وجودها الأصلي القائم بمتكلمه الأوّل- أعني: الملك أو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو غيرهما- كلام شخصي و موجود مغاير لبسملة السورة الأخرى، و معنى قراءة المكلّف تلك البسملة: التكلّم بألفاظها النوعيّة بقصد حكاية ذلك الكلام الشخصي، فالمقوّم لجزئية البسملة للكلام الشخصي القائم بالمتكلّم الأوّل هو انضمامها إليه و تركّبه منها و من غيرها، و لجزئيتها لكلام المكلّف القارئ هو قصد حكاية ذلك الجزء، فعلم من ذلك أنّ قراءة البسملة التي قصد بها حكاية بسملة الإخلاص النازلة معها، لا يعقل أن يصدق عليها قراءة جزء سورة الجحد إذا رفع اليد عن الإخلاص و ضمّ إليها بقية سورة الجحد.

و نظير ذلك: الكلام المشترك بين القرآن و بين مصراع من بيت غير

____________

[1] في الإرشاد بعد هذه الفقرة ما يلي: و كذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة، بعد القصد.

438

مقتبس منه، فإنّ القرآن هو الكلام الشخصي المنزل من عند اللّه القائم بمتكلّمه الأوّل، و غيره هو الكلام الشخصي القائم بالشاعر، فالقارئ إذا قصد حكاية كلام اللّه المنزل الشخصي، صدق عليه القرآن، و لا يعقل أن يصدق عليه بعد ما ضم إليه بقيّة كلام ذلك الشاعر أن يصدق على ما قرأ أوّلا أنّه قرأ مصراع بيت فلان الشاعر.

فعلم أنّ بسملة كلّ سورة باعتبار كلّ من وجودها الأصلي القائم بالمتكلّم الأوّل و وجودها الحكائي القائم بالقارئ موجود مغاير لبسملة سورة أخرى باعتبار وجوديها المذكورين، نعم هما مشتركتان في جزء الماهيّة و هي الصورة الخارجيّة للبسملة، و تغايرهما في الوجود الحكائي ليس باعتبار قصد كونها جزءا لإحدى السورتين، حتى يقال: إنّ الجزء إذا كان تحت ماهيّة قابلة لمركبين فقصد جزئيته لأحدهما لا يخرجه عن الاشتراك و القابليّة، بل تغايرهما باعتبار كون المقصود في إحداهما حكاية الكلام الشخصي النازل مع السورة المعيّنة التي هي عبارة عن قطعة شخصية من الكلام الشخصي المنزل، و لا ريب أنّ قصد المحكيّ الخاص مقوّم لوجود الحاكي من حيث إنّه حاك.

فعلم من ذلك: أنّ قياس البسملة بالنسبة إلى السور، على الجزء المشترك بين مركبين خارجيين عينيين- مثل العسل الذي هو جزء مشترك بين السكنجبين و الاطريفل [1]، أو القائمة المشتركة بين قائمة السرير و قائمة الباب مثلا- قياس مع الفارق، إذ الجزء في كلّ من المركبين هو تمام الموجود

____________

[1] هو بريسم الماء، و هو نبات عشبي طبّي معمّر، من فصيلة الجنطيانيات، تشبه أوراقه أوراق النخل. «لا روس: 114».

439

العيني القابل لهما، و قصد جزئيته لأحدهما لا يخرجه عن قابلية الجزئية للآخر، كما عرفت في البسملة من أنّ تغاير البسملتين في الوجود الحكائي ليس بهذا الاعتبار، بل باعتبار أمر داخل في مفهوم الوجود الحكائي.

و من قبيل الأمثلة المذكورة للمركّبات الخارجية: البسملة المنقوشة في الكتاب، فإنّ جزئيتها لكلّ سورة تكتب بعدها باعتبار هذا الوجود النقشي الخارجي، و قصد نقشها لسورة لا يخرجها عن قابلية جزئيتها لأخرى، كتخليل ماء العنب لخصوص واحد من السكنجبين و الاطريفل، و نحت قطعة من الخشب قائمة لخصوص السرير أو الباب.

ثمّ على تقدير الإغماض عن دقيقة مدخلية قصد حكاية الكلام الشخصي في صيرورة البسملة جزءا، و تسليم كون السور على حدّ سائر المركبات الخارجية العينيّة، نقول: إنّ المأمور به في الصلاة هو قراءة السورة، و صدق هذا العنوان موقوف على كون الشخص في كلّ جزء قاصدا لقراءة تلك السورة، أي كلّ جزء منها، و لا ريب أنّ الآتي بالبسملة بقصد كونها جزءا من سورة التوحيد يصدق عليه أنّه أتى بجزئها و لم يأت بجزء من سورة الجحد، فإذا ضمّ باقي الجحد فلا [يصدق] [1] على الفعل المتقدم منه قراءة جزء من سورة الجحد حتّى يصدق عليه أنّه قرأ كلّ جزء منها، و إن سلّمنا أنّه يصدق على الموجود الخارجي المجتمع في الذهن من الأجزاء الموجودة تدريجا أنّها سورة الجحد، لكن المناط صدق الاشتغال بقراءة سورة الجحد عند الاشتغال بكلّ جزء جزء منه.

____________

[1] من «ط»، و الكلمة غير واضحة في «ق»، و كتب ناسخ «ط» في الهامش ما مفاده:

لم يمكننا القراءة من نسخة الأصل.

440

نظير ذلك في المركّبات الخارجيّة: ما إذا أمر السيّد عبده بالاشتغال بنحت السرير في قطعة من الزمان، فإذا اشتغل في بعض ذلك الزمان بنحت قائمة بقصد قائمة الباب، فلا ينفعه ضمّ بقية الأجزاء بنيّة السرير في صدق أنّه اشتغل بنحت السرير في الزمان المأمور به.

فالمعتبر هو أن يصدق عليه حين القراءة أنّه يقرأ السورة الفلانيّة، و لا شكّ في توقّفه على أن يقصد بكلّ جزء مشترك قراءة تلك السورة حتّى أنّه لو قصد ببعض أجزائها في وسطها أنّه جزء لسورة أخرى، لم يصدق عليه حين الاشتغال بذلك الجزء انّه مشغول بقراءة تلك السورة، و إن سلّمنا أنّه يصدق على ما قرأ أنها سورة كذا، بمعنى أنّ المجتمع في الذهن من الأجزاء المنقضية كالمجتمع في الخارج من الأجزاء المنقوشة، فكما أنّه إذا قصد حين الكتابة بكتابة البسملة بقصد سورة التوحيد لا يصدق عليه أنّه إذا يكتب سورة الجحد، و كذا إذا كتب سائر الأجزاء الأثنائية [1] بقصد سورة لا يصدق عليه في تلك الحالة كتابة سورة أخرى، نعم يصدق على الجميع أنها سورة كذا و أنّه كتب سورة كذا، أي: كتب ما هو مصداق في العرف لسورة كذا الموجودة في الخارج بالوجود النقشي، فالمنقوش في الذهن من السورة كالمنقوش منها في الخارج.

ثم بما ذكرنا في التقرير الأوّل يظهر ما في القول: بأنّ معنى كون البسملة بقصد هذه السورة العزم على جعلها جزءا من سورة يشخّصها بمشخّصها من بين السور، فهو من قبيل التشخيص بالغايات، و من المعلوم عدم صيرورتها بذلك من المشخّص. و منشأ هذا التوهم أيضا قياس البسملة بالنسبة إلى

____________

[1] أي: الأجزاء المتوسّطة التي تقع في الأثناء.

441

السور على الجزء المشترك بين المركّبين، و قد عرفت فساده، و أنّ اشتراك السور في البسملة ليس من قبيل اشتراك المركّبات الخارجيّة في بعض الأجزاء.

و مما ذكرنا يظهر: أنّه كما لا تكون البسملة المقصودة بها سورة معينة قابلة لأن تصير جزءا من سورة اخرى، إمّا لأجل مدخلية قصد حكاية بسملة تلك السورة في مفهومها، فعند وجودها مع قصد لا يتعقّل ضمّ قصد آخر إليه، فلا يكون جزءا من المعدول إليها، و إمّا لأجل أنّه [1] و إن سلّمنا عدم مدخليّة قصد الحكاية في مفهومها لكن لا يصدق عليه إذا اشتغل ببعض الأجزاء على قصد جزئية سورة ثمّ ضمّ إليها بقيّة الأخرى أنّه قرأ تلك السورة الأخرى، يظهر لك أنّ مجرّد قصد سورة غير معيّنة بالبسملة لا يوجب قابليتها لأن تضمّ إلى سورة معيّنة فتصير بذلك جزءا منها، بحيث يصدق بعد ضم البقيّة أنّه قرأ السورة المعينة يعني قرأ جميع أجزائها، لأنّ المفروض أنّ الجزء من تلك السورة هو البسملة النازلة معها، فما لم يقصد القارئ حكاية تلك البسملة لا يصدق عليه أنّه قرأ بسملة تلك، لما عرفت (2) من أنّ الوجود الحكائي لبسملة سورة الذي تعرض له القراءة مغاير للوجود الحكائي لبسملة أخرى.

فإن قلت: هذه البسملة التي قرأها بقصد سورة لا بعينها لا شك في أنّه يصدق عليه القرآن، فإذا صدق عليه القرآن فإمّا أن يصدق عليه أنّه بعض من سورة دون سورة، و إمّا أن يصدق عليها أنّها بعض من كلّ

____________

[1] في «ق» ظاهرا: هو أنّه، و قد شطب ناسخ «ط» على كلمة: هو.

____________

(2) في الصفحة: 437.

442

سورة، بمعنى أنّها قابلة لها، إذ لو لم يصدق عليه أنّها بعض سورة أصلا لم يصدق عليه القرآن، و قد فرض الصدق قطعا، و المفروض أنّه لا يصدق عليه بعض من سورة دون اخرى، فتعيّن أنّه قابل لكلّ سورة.

قلت: كونها قرآنا مسلّم [1] و يصدق عليها أنّها جزء من سورة، بمعنى أنها قابلة لأن يقصد بها حين القراءة كلّ سورة، لا أنّ هذه التي لم يقصد بها سورة قابلة لأن تصير بعد الضمّ جزءا من كلّ سورة، و لا تنافي بين أن يصدق كلّي على شيء- كالقرآن على البسملة التي لم يقصد لسورة- و أن لا يصدق عليه أنّه جزء من هذه السورة، و لا من ذيك، و لا من تلك، نظيره: ما إذا طلب المخاطب الإتيان برجل مبهم شائع، فإنّه يصدق عليه أنّه طلب رجلا، لكن لا يصدق عليه أنّه طلب زيدا و لا أنّه طلب عمروا و لا أنّه طلب بكرا، و إن كان كلّ من أتي به حصّل الامتثال، لكنّ الكلام في تمثيل القراءة و تشبيهها بالطلب و أنه لا يجب على ما يعرض للواحد المبهم أن يعرض لشيء من الآحاد الخاصة، فإنّا نرى بالعيان إنّ من قصد بالبسملة مجرّد القرآن لا يصدق عليه أنّه قرأ بعض سورة التوحيد و لا بعض سورة العزيمة و لا بعض سورة كذا، فكلّ حكم ترتّب على سورة خاصة و جزئها لا يترتب على قراءة هذه البسملة، فإذا أمر الشارع تخييرا بقراءة سورة من بين السور فلا بدّ من أن يصدق حين القراءة أنّه مشغول بالسورة الفلانيّة، و هذا مسلوب عن هذا الشخص.

فإن قلت: يكفي بعد الإتمام أن يصدق أنّه قرأ سورة كذا.

____________

[1] في «ق»: زيادة لكن صدق و قد شطب المؤلف (قدّس سرّه) على عبارة بعدها و الظاهر أنّه قد ترك الشطب عليها سهوا.

443

قلت: لا يصدق عليه بعد الإتمام أنّه قرأ سورة كذا، لما عرفت من الوجهين في أن قراءة سورة كذا لا تصدق إلّا إذا كان حين الاشتغال بكلّ جزء أنّه قارئ لسورة كذا و مشغول، و إلّا فصدق سورة كذا على المجتمع في الذهن المنقوش فيه من قبل صدقها على المجتمع المنقوش في الخارج.

نعم، لو كانت السورة الموضوعة للقطعة المعيّنة من القرآن المبدوءة ببسملة، استقام ما ذكر، لكن قد عرفت فساد ذلك و أنّ السورة اسم للقطعة المبدوءة ببسملتها، و إن شئت فاجعل البسملة داخلة في تلك القطعة، و قل:

السورة اسم لإحدى القطعات المشخّصة المعيّنة، فلا بدّ من امتثال الأمر التخييري بها أن يصدق بعد القراءة أنّه قرأ تلك القطعة المشخّصة، و العرف لا يحكم بهذا الصدق إلّا إذا شرع في تلك القطعة ناويا لها بأوّل جزء منها.

ثمّ إنّه قد يتوهّم دلالة أخبار العدول على جواز الاكتفاء بالبسملة المقصود بها سورة أخرى، و قد يتوهّم من رواية المعراج جواز قصد البسملة من غير قصد سورة معيّنة، حيث إنّ اللّه سبحانه أمر نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالتسمية فسمّى لا بقصد سورة معيّنة، ثم أمره بالحمد أو التوحيد (1).

و فساد التوهّم الأوّل يظهر بالتأمّل في أخبار العدول، و فساد الثاني بأنّ قضية المعراج هي السبب لوجوب قراءة تلك البسملة التي أمر اللّه بها نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأجل التوحيد و هو لا يحصل إلّا بالقصد إليه. و أمّا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلم يكن البسملة يومئذ مشتركة بين السور، مع أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سمى بقصد ما يأمره اللّه من السور أو بقصد الامتثال، و لم يكن هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مكلّفا بسورة من السور حتّى يكون إهمال

____________

(1) انظر الوسائل 4: 679، الباب الأوّل من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 10.

444

القصد موجبا لعدم صدق قراءة السورة.

و قد يتوهّم أيضا، أنّ فتوى الشهيد (1) و المحقّق (2) الثاني و غيرهما (3) بالاكتفاء بما لو جرى على لسانه بسملة مع سورة، مستدلّين بتحقق الامتثال، مناقض لما ذكرنا و ذكروا.

و فيه: أنّ الغرض من وجوب القصد وجوب كون البسملة مقصودة و لو بالقصد الإجمالي، إذ لا ريب أنّ من جرى لسانه على بسملة و سورة بداع واحد مركوز في ذهنه، فقد قصد إجمالا إلى بسملة تلك السورة.

و بعبارة أخرى: الداعي المركوز داع لقراءة مجموع السورة، و منها البسملة، فالحكم بكون البسملة بعضا من تلك السورة لقصدها إجمالا، لا لأنّ القصد غير شرط، فينزّل كلام من أطلق (4) وجوب الإعادة لو لم يقصد سورة على صورة قصد الخلاف، لما ذكره الشهيد و المحقق [1] من عدم اعتبار القصد، غاية الأمر اعتبار عدم قصد الخلاف.

و قد يسلّم وجوب القصد، و يقال بكفاية قصد السورة التي يوقعها اللّه في قلبه. و فيه: أنّه قول بعدم وجوب القصد، لأنّ القائل بالقصد إنّما يقول

____________

[1] لم نقف عليه، و لعل المراد: ما تقدم في الصفحة السابقة من الإجزاء فيما لو جرى على لسان المصلّي بسملة .. إلخ.

____________

(1) انظر الذكرى: 195، و الدروس 1: 174.

(2) انظر جامع المقاصد 2: 282، و الرسالة الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 110.

(3) انظر الذخيرة 281، و كشف اللثام 1: 225.

(4) كالعلامة في القواعد 1: 275، و الشهيد في الذكرى: 195، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 281، و غيرهم، انظر مفتاح الكرامة 2: 411.

445

به لأجل كون البسملة من دونه لا يتعين كونها لسورة معيّنة إلّا بالقصد، فإذا قصد الشخص بالبسملة جزء السورة التي يقذفها اللّه في قلبه فهو بعد ذلك مخيّر في ضمّ أيّ سورة شاء أم لا، و الثاني خلاف المفروض، و الأوّل لا يتحقق إلّا بعد كون البسملة قابلة لكلّ ما يجوز له أن يختاره، فصارت البسملة قابلة لجميع السور، فأين المعين لها بخصوص ما يوقعه اللّه في قلبه؟! فهذا قول بعدم وجوب قصد السورة المعيّنة من حيث لا يشعر قائله.

و أعجب من ذلك: ما قيل (1) في توجيهه من أنّ الاشتراك يقطع بذلك و يرتفع- ليت شعري- فأين محلّ الاشتراك؟ إلّا أن يقال: إنّه فرق بين أن يقصد سورة غير معينة، و بين أن يقصد خصوص ما يقذفها اللّه في قلبه، فيفرّق بين الموضعين، لكن فيه ما مرّ (2) من أنّ هذا المقدار لا يرفع عموم قابلية البسملة الذي كان هو الداعي على وجوب القصد، مع أنّه مدفوع بأنّ المكلّف لا ينفكّ عن أن يقصد بتلك البسملة جزئيتها لما يقع منه من السورة، و إن كان لا يعلم خصوص ما يقع منه، ثمّ قياس هذا الفرض على ما إذا قصد بالبسملة أطول السور أو أقصرها- مع عدم علمه بذلك حين البسملة- قياس مع الفارق، لأنّ قصد السورة النازلة مع أقصر السور أو أطولها يكفي، و يجب عليه بعده اختيار ذلك، بخلاف قصد ما يوقعه اللّه في قلبه، فإنّه باق على التخيير، فالبسملة باقية على القابليّة.

و منه يظهر الكلام فيما إذا تعيّن السورة بنذر أو ضيق أو عدم معرفة غيرها، فإنّ البسملة المقروءة غير قابلة لغيرها.

____________

(1) هو المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 249.

(2) راجع الصفحة السابقة.

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

[الملحقات]

الملحق [1] 1 في الاستقبال

____________

[1] أوردنا في هذا الملحق ما وجدناه مكرّرا بخطّ المؤلّف (قدّس سرّه) في مبحث الاستقبال.

و هي ستّ أوراق تبدأ بالصفحة اليسرى من الورقة: (22) و تنتهي بالصفحة اليمنى من الورقة: (28) و كلّ أربع صفحات ترتبط بجانب من البحث، و قد حصل فيها تقديم و تأخير فرتبناها حسب البحث عنها في كتاب الإرشاد، و يحتمل سقوط أوراق من البين أيضا، راجع ما كتبه (قدّس سرّه) شرحا للإرشاد في هذا الموضوع في الصفحات:

129- 202.

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

[يجب استقبال الكعبة مع المشاهدة و جهتها مع البعد]

يجب استقبال الكعبة مع المشاهدة، و جهتها مع البعد في فرائض الصلوات و عند الذبح، و احتضار الميت و دفنه و الصلاة عليه.

و يستحب للنوافل، و تصلى على الراحلة، قيل: و إلى غير القبلة [1] و لا يجوز [2] ذلك المذكور في الفريضة إلّا مع التعذّر كالمطاردة راكبا و ماشيا، و المرض المانع من النزول أو من التوجّه إلى القبلة و لو بمعين، أو للخوف و غير ذلك من الأعذار، فيجوز الصلاة حينئذ على الراحلة و على غير القبلة مع وجوب مراعاة ما لا يتعذّر من الأمور المعتبرة في الصلاة شرطا أو شطرا بقدر الإمكان، لعموم أدلّتها، و الميسور لا يسقط بالمعسور،

____________

[1] ما بين المعقوفتين من الإرشاد.

[2] هذا هو أوّل الصفحة اليسرى من الورقة: (24) من النسخة المخطوطة.

450

كما هو الأصل المجمع عليه في باب الصلاة نصّا و فتوى.

ففي رواية ابن عذافر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل يكون في وقت الفريضة لا تمكّنه الأرض من القيام عليها و لا السجود عليها من كثرة الثلج و الماء و المطر، أ يجوز أن يصلّي الفريضة في المحمل؟ قال:

نعم هو بمنزلة السفينة، إن أمكنه قائما و إلّا قاعدا، و كلّ ما كان من ذلك فاللّه أولى بالعذر، يقول اللّه عزّ و جلّ (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)» (1).

و الظاهر أنّ عموم المنزلة بالنسبة إلى كيفيّة الصلاة في السفينة من وجوب مراعاة الواجبات من القيام و غيره مهما أمكن، لا بالنسبة إلى حكمها حتّى يتوهّم من الرواية جواز الفريضة في المحمل كما تجوز في السفينة.

ثمّ إنّ المنع من فعل الفريضة على الراحلة في حال الاختيار ممّا لا خلاف فيه ظاهرا، و عن المحقّق (2) و المصنّف (3) و الشهيد في الذكرى (4) الإجماع عليه، و الأخبار به مستفيضة:

ففي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: «لا يصلّي الفريضة على الدابّة إلّا مريض يستقبل به القبلة، و تجزية فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه- في الفريضة- على ما أمكنه من شيء، و يومئ في النافلة إيماء» (5).

____________

(1) الوسائل 3: 237، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 2، و الآية من سورة القيامة: 14.

(2) المعتبر 2: 75.

(3) المنتهى 1: 222.

(4) الذكرى: 167.

(5) الوسائل 3: 236، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

451

و في رواية ابن سنان- أيضا-: «أ يصلّي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال: لا، إلّا من ضرورة» (1).

و في التوقيع عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)- في جواب السائل عن الصلاة في المحامل-: إنّه «يجوز مع الضرورة الشديدة» (2).

و في التوقيع عن الحجّة (عجّل اللّه فرجه): «لا بأس به عند الضرورة و الشدّة» (3).

و في رواية منصور بن حازم، قال: سأله أحمد بن النعمان، فقال:

«أصلّي في محملي و أنا مريض؟ قال: فقال: أمّا النافلة فنعم، و أمّا الفريضة فلا. قال: و ذكر أحمد شدّة وجعه، فقال: أنا كنت مريضا شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة أن يقيموني (4) فاحتمل بفراشي فأوضع و أصلّي ثمّ احتمل بفراشي فأوضع في محملي» (5).

و ظاهر هذه الأخبار كلّا هو اختصاص الجواز بصورة العذر الكثير، لا مجرّد العذر المسوّغ لترك الواجبات الاختياريّة، فإنّ المريض المستثنى- في الصحيحة- هو الذي يستقبل به القبلة و لا يقدر على أن يستقبل بنفسه، و كذا التوقيعان و رواية ابن حازم، بل ابن سنان أيضا، حيث إنّ الضرورة عرفا فوق العسر، إلّا أنّ الخروج بمجرّد هذه عن عموم ما دلّ على نفي العسر

____________

(1) الوسائل 3: 237، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 4.

(2) نفس المصدر، الحديث 5.

(3) الوسائل 3: 239، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 11.

(4) كذا في النسخ و الاستبصار 1: 243، و في التهذيب 3: 308: ينيخوا بي، و في الوسائل: يضخّوني (يقيموني، ينحّوني، ينيخوني).

(5) الوسائل 3: 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 10.

452

و عدم جعل مجرّد العسر مرخّصا مشكل، سيّما مع ورود الروايات بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلّى الفريضة في المحمل في يوم و حل و مطر (1).

و من البيّن أنّ الرجل الصحيح يمكنه- و لو بعسر- النزول مع الوحل و المطر و الصلاة على الأرض، إلّا أنّ الأحوط الاقتصار على ظاهر هذه الأخبار في الخروج عن الأدلّة القطعيّة الدالّة على أفعال الصلاة و شروطها.

و لا فرق في إطلاق النصّ و معاقد الإجماع بين أن يتمكّن من استيفاء الأفعال و الشروط على الراحلة و بين عدمه، كما هو مذهب الأكثر و نسبه غير واحد إلى المشهور (2)، خلافا لما عن نهاية المصنّف (3)- تبعا لما حكاه المحقّق في الشرائع (4)- فخصّصوا المنع بما هو الغالب من عدم التمكّن من استيفاء ما يعتبر في الصلاة، و اختاره من المتأخّرين جماعة، منهم: الوحيد في شرح المفاتيح (5) لدعوى انصراف الإطلاقات إلى الغالب.

و الذي يقوى في النظر: أنّ مبنى المنع في النصوص و أكثر الفتاوى على فوات الاستقرار و حصول الاضطراب الحاصل للمصلّي و لو بواسطة الراحلة سواء تمكّن من باقي الأفعال أم لا، و يظهر ذلك بالتأمّل في النصوص سيّما

____________

(1) الوسائل 3: 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الأحاديث 5 و 8 و 9، و الفقيه 1:

445، الحديث 1293.

(2) المدارك 3: 142، و الحدائق 6: 414، و مفتاح الكرامة 2: 105.

(3) نهاية الإحكام 1: 404.

(4) الشرائع 1: 67.

(5) به مصابيح الظلام: و قد اختاره السيّد السند في المدارك 3: 143 و الميرزا القمّي في الغنائم: 135 و صاحب الجواهر في الجواهر 7: 430.

453

ما قوبل فيه الفريضة بالنافلة (1)، و يشهد له استدلال الشهيد في الذكرى على المنع بعدم تحقّق الاستقرار و قياسه على الماشي (2).

و القياس المذكور و إن كان مع الفارق إلّا أنّ الاستدلال يكشف عن اختصاص بصورة مشي الراحلة، نعم يعارض هذا الإشعار تصريح بعض المانعين كصاحب الروض (3) بالمنع عن الصلاة على الدابة المعقولة، و تصريح جماعة (4) بتحقّق الخلاف فيها أيضا.

و كيف كان، فالحقّ في الدابّة المعقولة الجواز، و في الماشية المنع، و إن استوفى باقي الأفعال، و إن قلنا بأنّ حركة الدابّة لا تسلب الاستقرار عرفا عن المصلّي، إلّا أنّ الشارع دلّنا بهذه الأخبار على اعتبار الاستقرار بهذا المعنى أيضا.

و لا ينافي ذلك ما سيأتي من الجواز في السفينة، للفرق الواضح بين حركتها و حركة الدابّة مع بطلان [القياس] (5)، فإنّ أخبار الجواز هناك مستفيضة نظير الأخبار المانعة هنا.

ثمّ إنّه لا فرق في إطلاق النصّ و الفتوى بين الصلاة الواجبة أصالة أو بالعرض كالمنذورة كما صرّح به في محكيّ المبسوط (6)

____________

(1) انظر الوسائل 3: 236، الباب 14 من أبواب القبلة و 3: 239، الباب 15 من أبواب القبلة.

(2) الذكرى: 167.

(3) روض الجنان: 192.

(4) منهم فخر المحقّقين في الإيضاح 1: 79- 80.

(5) الزيادة اقتضاها السياق.

(6) المبسوط 1: 80.

454

و الذكرى (1)، معلّلا في الأخير بأنّها بالنذر أعطيت حكم الواجب و لا يخلو عن نظر، لابتنائه على أنّ هذا حكم لمطلق الواجب، و هو محلّ المنع، لانصراف النصوص و الفتاوى إلى الفروض أصالة، بل خصوص اليوميّة- كما قيل (2)- لو لا الإجماع على عدم الفرق بينها و بين غيرها.

و مقابلة الفريضة بالنافلة في بعض الأخبار لا إشعار فيه بإرادة الأعمّ، لأنّ الظاهر (3) من النافلة أيضا هي المتعارفة، لا مطلقها المقابل بمطلق الواجب مع أنّ الشيخ روى بطريقه الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) «قال: سألته عن رجل جعل اللّه عليه أن يصلّي كذا و كذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك على دابّته و هو مسافر؟ قال: نعم» (4).

و تقييده بحال الضرورة لا وجه له، كضعف السند ببعض الطرق، نعم لو خصصنا المنع عن الصلاة على الراحلة بصورة عدم تحقّق استيفاء أفعال الصلاة و شروطها لم ينهض هذا الخبر مقاوما لعموم ما دلّ على وجوب واجبات الصلاة المعتضد بعموم إطلاق الإجماعات المنقولة التي تبعد دعوى انصرافها إلى الواجب أصالة، و إن لم تبعد هذه الدعوى في إطلاق الأخبار.

و دعوى: أنّ أدلّة وجوب تلك الواجبات إنّما هي في الفريضة، و لذا تسقط في النافلة على الراحلة، مدفوعة بأنّ تلك عامّة، و المتيقّن خروجه هو النفل الباقي على نفليّته، خصوصا بمعونة ما قيل من أنّ الوجه في سقوط كثير

____________

(1) الذكرى: 167.

(2) حكاه في الجواهر 7: 422 عن الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح.

(3) هذا أوّل الصفحة اليسرى من الورقة: (25).

(4) التهذيب 3: 231، الحديث 596، و الوسائل 3: 238، الباب 14 من أبواب القبلة، الحديث 6.

455

من الأمور عن النافلة هو بناء الشارع [على] تسهيل الأمر و المسامحة فيها لأجل الترغيب.

فالخارج عن النفليّة بالنذر يرجع فيه إلى عموم أدلّة الوجوب، نعم لو نذر النافلة مقيّدة بالراحلة فالظاهر الجواز، لرجحان أصل المنذور و وجوب الوفاء بالنذر، و على المنع ففي بطلان النذر أو انعقاده و إلغاء القيد، وجهان، بل قولان، أقواهما: البطلان.

456

مسألة إذا نسي القبلة- أي غفل عنها- فصلّى إلى غيرها فالأقوى عدم وجوب الإعادة مع الخلل اليسير

، لأنّ أدلّة الإعادة باختلال القبلة مصروفة إلى غير ما بين المشرق و المغرب بحكم صحيحتي زرارة و معاوية بن عمّار (1) الواردتين في تحديد القبلة بما بين المشرق و المغرب، الدالّتين على أنّه لا يقدح تبيّن الصلاة إلى هذه الجهة و لا يجب الإعادة، و هذا و إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى العامد إجماعا إلّا أنّه قد دلّ الإجماع على أنّه يجب على العارف الذاكر المختار التوجّه إلى جزء من هذه الجهة الذي دلّ عليه الأمارات.

مضافا إلى إطلاق صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) [قال]: «إذا صلّيت و أنت على غير القبلة و استبان لك

____________

(1) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الأحاديث 1 و 2.

457

أنّك صلّيت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد، و إن فاتك الوقت فلا تعد» (1)، و نحوها موثّقة عمّار (2).

نعم، ربّما يعارض ما ذكر بصحيحة الحلبي: «في الأعمى يؤمّ القوم و هو على غير القبلة. قال: يعيد و لا يعيدون، فإنّهم قد تحرّوا» (3).

فإنّ الظاهر بقرينة نفي الإعادة أنّ موردها الانحراف إلى ما بين المشرق و المغرب أو التبيّن بعد خروج الوقت.

و على التقديرين، فتعليل نفي الإعادة بالتحرّي المستلزم لتعليل الإعادة على الأعمى بعدم التحرّي دليل على عدم معذوريّة كلّ من لم يتحرّ.

و يؤيّده: مفهوم قول علي (عليه السلام): «من صلّى على غير القبلة و هو يرى أنّه على القبلة، ثمّ عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان متوجّها فيما بين المشرق و المغرب» (4). دلّ بمفهومه على [أنّ] من صلّى على غير القبلة من غير ظنّ بأنّه على القبلة فيعيد و إن كان متوجّها فيما بين المشرقين.

و يمكن التفصّي عن الأولى: بأنّ الظاهر أنّ المعلّل بالتحرّي راجع إلى عدم التقصير في تعرّف القبلة، فوجوب الإعادة على الأعمى لأجل التقصير بخلاف القوم، و لا ينافي تقصير الأعمى صحّة صلاة المأمومين، لأنّ الظاهر عدم اطلاعهم على كونه مقصّرا في الفحص و قيامه على نحو قيامهم من غير

____________

(1) الوسائل 3: 229، الباب 11 من أبواب القبلة، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 3: 229، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 4 كذا و لعلّه سهو، لأنّ الرواية التي بهذا المضمون هي رواية سليمان بن خالد. راجع الوسائل 3: 230، الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 6.

(3) الوسائل 3: 231، الباب 11 من أبواب القبلة، الحديث 7.

(4) الوسائل 3: 229، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 5.

458

مستند شرعي.

و عن الثانية: بضعف ما استفيد من العموم المذكور كما لا يخفى.

459

مسألة لو اجتهد فصلّى فإمّا أن يبقى الظنّ السابق أو لا،

و على الأوّل فلا يجب تجديد الاجتهاد، لأنّ الفرض له: التحرّي، و هو طلب الأحرى و هو حاصل، فلا وجه لطلبه.

و طلب الأحرى من هذا الحاصل لو وجب، لزم عدم جواز الاكتفاء به في الصلاة الأولى، مضافا إلى لزوم الحرج، و قد يتمسّك بالاستصحاب، و فيه تأمّل.

و إن لم يبق الظنّ [و لو بعد ملاحظة أنّه بذل الجهد في الأوّل بأن يحسن ظنّه باجتهاده السابق، لا بأن يبقي الظنّ التفصيلي] [1] فالظاهر وجوب التجديد، لأنّ المفروض زوال الظنّ و كونه متحيّرا، و الصلاة إلى الجهة

____________

[1] كذا في النسخة، و ما بين المعقوفتين ورد بين عبارتين قد شطب المؤلف (قدّس سرّه) عليهما.

460

السابقة لم تكن لخصوصيّة فيها، بل لكونها مظنونة، و هذا المعنى مفقود في اللاحق فهي مع باقي الجهات في مرتبة واحدة، لا معنى لترجيحها.

و التمسّك بالاستصحاب لا وجه [له] لأنّ المستصحب إن كان نفس الظنّ فهو مرتفع، و إن كان وجوب الصلاة إلى هذه الجهة فهو إنّما كان لوصف عنواني كانت الجهة متلبّسة به و هو وصف كونه مظنونا، و قد ارتفع.

و تفصيل الكلام في هذه المسألة: إنّ الشخص في الزمان الثاني، إمّا أن يبقى مستحضرا للأمارة واجدا للاعتقاد الحاصل منها، و لا ينبغي الإشكال في جواز الاعتماد عليه، إلّا أن يحتمل عنده تجدّد أمارة أقوى مخالفة، فيجب التجديد، بناء على ما اخترناه سابقا من أنّه يجب الفحص عن المعارض ما لم ييأس منه.

و إمّا أن يبقى مستحضرا للأمارة، غير واجد للاعتقاد الذي حصل منه.

و إمّا أن يكون بالعكس بأن يبقى واجدا للاعتقاد غير مستحضر للأمارة التي أفادته.

و إمّا أن لا يستحضر الأمارة و لا يجد الظنّ الحاصل منها.

و في الصورة الثانية: الظاهر أيضا عدم وجوب التجديد لحصول ما هو المطلوب من التحرّي إلّا في صورة احتمال تجدّد المعارض كما ذكرنا.

و أمّا الصورة الأولى: و هو استحضار الأمارة مع فقد ما أفادته من الاعتقاد، فظاهر جماعة وجوب التجديد، لأنّ مناط العمل: وصف الظنّ، و قد ارتفع، فحينئذ لا فرق بين أن يكون زوال الاعتقاد لأجل التفطّن و التنبّه، لعدم كون ما اعتقدها أمارة: أمارة عقليّة أو عاديّة، و هذا في الحقيقة

461

تفطّن لفساد الاجتهاد، و بين أن [يكون] [1] لعروض معارض لها لم يكن سابقا، و قد يكون لعروض الشكّ في تحقّق أمر كان هو المدار في كون الأمارة أمارة، كالشك في عدالة العدل الذي أخبره بالجهة حين الإخبار، بناء على ما تقدّم من أنّ الرجوع إلى العادل، بل إلى مطلق مظنون الصدق نوع من التحرّي.

و حكم هذه الصورة يعلم ممّا سيجيء في حكم الصورة الثالثة التي هي عدم استحضار الأمارة و عدم بقاء الاعتقاد، و حينئذ يمكن أن يقال: إن كان الشكّ اللاحق مستندا إلى صحّة الأمارة السابقة و فسادها، بحيث يكون منشأ الشكّ: الشكّ في صحّة الاجتهاد و فساده، و إلّا يعلم أنّه على تقدير صحّة الاجتهاد السابق كان مؤدّاه أقرب إلى الواقع كما قد يتحقّق للمجتهد في الأحكام أنّه يعلم أنّه إن لم يكن له اشتباه خارجي .... [2] في خبر، كان مؤدّى اجتهاده السابق أقرب إلى الواقع، و حينئذ فلا .... [3] على الصحّة و العمل عليه، و إن كان [4].

____________

[1] الزيادة اقتضتها العبارة.

[2] محل النقط كلمات لا يمكن قرائتها.

[3] محل النقط كلمات لا يمكن قرائتها.

[4] هذا آخر ما في الصفحة اليمنى من الورقة: (26) و هو غير مرتبط بما في أوّل الصفحة اليسرى من الورقة: (26) فإنّ البحث فيها عن التعويل على العلامات عند عدم العلم بجهة القبلة، و حيث كانت الأوراق غير منتظمة و ظهر من النسخة الأخرى بخطّ المؤلّف (قدّس سرّه) إنّ البحث عن حكم الصلاة في السفينة مقدّم على ذلك، فلذا قدّمناه هنا أيضا، و حيث ان الصفحة اليسرى من الورقة: (22) تبدأ بنقل شطر رواية أورد المؤلف تمامها في النسخة الأخرى آثرنا نقل مقدار من العبارات المرتبطة بالبحث من النسخة الأخرى، بين معقوفتين إتماما للفائدة.

462

[ثمّ إنّ المصنّف (قدّس سرّه)- كالمحقّق طاب ثراه- لم يتعرّض لحكم الصلاة في السفينة اختيارا، و قد جوّزه في كثير من كتبه (1) وفاقا للمشهور، كما قيل (2).

و قيّده آخر [1] بالشهرة العظيمة التي لا يبعد معها شذوذ المخالف للأصل و الأخبار المستفيضة:

ففي مصحّحة جميل بن درّاج أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «تكون السفينة قريبة من الشط [2]. فأخرج و أصلّي؟ قال: صلّ فيها أما ترضى بصلاة نوح على نبيّنا و آله و (عليه السلام)» (5).

و لا إشعار في الاستشهاد بصلاة نوح على اختصاص الحكم بحال الاضطرار كما ادّعاه في الروض (6).

و رواية المفضّل بن صالح: أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفرات و ما هو أصغر منه [3] من الأنهار في السفينة، قال: «إن صلّيت فحسن، و إن خرجت فحسن» (8). و نحوها رواية يونس بن يعقوب (9) بزيادة ربّما توهم اختصاص السؤال بالنافلة أو توهن عمومها للفريضة.

____________

[1] لم نقف عليه.

[2] في الوسائل: الجد (الجدد).

[3] في المصدر: و ما هو أضعف منه.

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 253، و التذكرة 3: 34، و نهاية الإحكام 1: 406.

(2) لم نقف عليه، و في الذكرى: 168 و الغنائم: 135: نسبته إلى كثير من الأصحاب.

(5) الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 3.

(6) روض الجنان: 192.

(8) الوسائل 3: 235، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 11.

(9) الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 5 و 6.

463

و عن تفسير العيّاشي عن زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الصلاة في السفر في السفينة و المحمل سواء؟ قال: النافلة كلّها سواء، تومئ إيماء أينما توجّهت دابّتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلّا من خوف، فإن خفت أومأت. و أمّا السفينة فصلّ فيها قائما] [1] و توخّ (2) القبلة بجهدك، فإنّ نوحا قد صلّى الفريضة فيها قائما متوجّها إلى القبلة، و هي مطبقة عليهم. قلت: و ما كان علمه بالقبلة فيتوجهها، و هي مطبقة عليهم؟ قال:

كان جبرئيل يقوّمه نحوها، قال قلت: فأتوجّه نحوها في كلّ تكبيرة؟ قال:

أمّا النافلة فلا، إنّما يكبّر على غير القبلة، اللّه أكبر، ثمّ قال: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)» (3).

و مصحّحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي في السفينة الفريضة و هو يقدر على الجدد؟ قال:

نعم، لا بأس» (4) خلافا للشهيدين في الذكرى (5) و الروض (6)، و حكاه أوّلهما عن الحلبيّ

____________

[1] ما بين المعقوفتين من النسخة المكرّرة بخطّ المؤلّف (قدّس سرّه)، راجع: الصفحات 153- 154.

____________

(2) هذا أوّل الصفحة اليسرى من الورقة: (22).

(3) تفسير العياشي 1: 56، الحديث 81، و الوسائل 3: 236، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 17، و الآية من سورة البقرة: 115.

(4) قرب الاسناد: 216، الحديث 849، و الوسائل 4: 707، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 13.

(5) الذكرى: 168.

(6) روض الجنان: 192.

464

و الحلّي بل صرّح في الدروس بأنّ ظاهر الأصحاب أنّ الصلاة في السفينة مقيّدة [بالضرورة] إلّا أن تكون مشدودة (1).

و لكنّ صرّح في محكيّ كشف اللّثام بأنّ الحلّيّ و الحلبيّ لم يصرّحا بذلك و إنّما تعرّضا للمضطرّ إلى الصلاة فيها (2) كالسيّد في الجمل (3)، و بأنّه لم يظهر لي ما استظهره من الأصحاب، إلّا أن يكون قد استظهره من اشتراطهم الاستقرار و منعهم من الفعل الكثير، ثمّ أخذ في الاعتراض عليه (4).

و ظاهر إطلاق الذكرى- كالمحكي عن الحلبي و الحلّي- ثبوت المنع في السفينة الواقفة، إلّا أن يدّعى انصراف الإطلاق إلى الجارية، أو الظاهر عدم الخلاف في المشدودة، كما يظهر من عبارة الدروس.

و كيف كان، فحجّة المنع أخبار لا تنهض في مقابلة ما تقدّم من الأخبار المجوّزة.

منها: حسنة حمّاد بن عثمان [1] بابن هاشم، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة. فيقول: إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياما، و إن لم تستطيعوا فصلّوا قعودا و تحرّوا القبلة» (6).

____________

[1] كذا، و في كتب الحديث: حمّاد بن عيسى.

____________

(1) الدروس 1: 161، و ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2) انظر السرائر 1: 336، و الكافي في الفقه: 147.

(3) انظر رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 47.

(4) كشف اللثام 1: 177.

(6) الوسائل 3: 235، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 14.

465

و مضمرة عليّ بن إبراهيم، قال: سألته عن الصلاة في السفينة، قال:

«يصلّي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام، و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشط» (1).

و بأنّ القرار ركن في القيام و حركة السفينة تمنع من ذلك، و بأنّ الصلاة فيها مستلزمة للحركات الكثيرة الخارجة عن الصلاة.

و لا يخفى ضعف هذين الوجهين، لمنع منافاة حركة السفينة لاستقرار المصلّي، أو كونها لكثرتها منافية للصلاة، على أنّ النّص ورد باغتفارها.

و الروايتان المانعتان محمولتان على أفضليّة الخروج أو صورة عدم التمكّن من استيفاء الواجبات، بل لا يبعد دعوى ظهور الثانية في ذلك.

و هذا الحمل أولى من حمل الأخبار المتقدّمة على صورة تعسّر الخروج، أو صورة ربط السفينة، و لاشتماله لذكر صلاة نوح في ذلك.

مضافا إلى ترجيح تلك الأخبار بالاعتضاد بالشهرة العظيمة، خصوصا بناء على صحّة ما عن الكشف (2) من عدم تعرّض الحلّي و الحلبي للمنع، و بعد التكافؤ فالمرجع هو الأصل و العمومات الحاكمة بصحّة الصلاة في كلّ مكان مباح، أو لا يجب إقامة الدليل على خصوص كلّ مكان مكان من الأمكنة.

ثمّ إنّ مقتضى أدلّة وجوب استيفاء الأفعال: اختصاص جواز الصلاة في السفينة بصورة التمكّن من ذلك.

____________

(1) الوسائل 3: 234، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 8.

(2) كشف اللثام 1: 177.

466

فما ربّما يستظهر (1) من إطلاق المبسوط (2) و النهاية (3) و الوسيلة (4) و المهذّب (5) و نهاية الإحكام (6) ضعيف، لا يفي بإثباته إطلاق الأخبار المتقدّمة و غيرها، المسوقة لبيان أصل الجواز في مقام توهّم المنع من حيث حركة السفينة الذي لا ينافيه وجوب الخروج عنها مقدّمة لإتيان الصلاة التامّة الواجبة على كلّ قادر.

نعم، ظاهر بعض الأخبار الرخصة مع عدم التمكّن من الاستيفاء أيضا، إلّا أنّها مع ضعف سندها لا تقوى على تخصيص ما استفيد من الأدلّة القطعيّة الدالّة على اعتبار أفعال الصلاة و شروطها كالقيام و الاستقبال.

نعم، لو ثبت أنّ محلّ الخلاف في المسألة هو هذا الفرض- كما يظهر من الحدائق (7)- أمكن تقوية تلك الأخبار بالشهرة، لكنّه- مع بعده- خلاف المصرّح به في المحكيّ عن جماعة (8)، فإثبات شهرة الجواز في هذا الفرض دونه خرط القتاد، و لذا لم يستند المانع بعد الأخبار إلّا إلى فوت خصوص

____________

(1) استظهره الفاضل (قدّس سرّه) في كشف اللثام 1: 177.

(2) المبسوط 1: 130.

(3) النهاية: 132.

(4) الوسيلة: 115.

(5) المهذّب 1: 118.

(6) نهاية الإحكام 1: 406.

(7) الحدائق 6: 420.

(8) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 107، و صاحب الجواهر في الجواهر 7: 437 عن جماعة منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 63، و الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 105.

467

الاستقرار لأجل حركة السفينة.

و لو لم يقدر على الخروج فلا كلام في أنّه لا يقدح فوت ما فات، و يجب حينئذ مراعاة المقدور من الشرائط و الأفعال لعموم أدلّة وجوبها.

و توهم أنّ الشرائط إنّما اعتبر في مجموع الصلاة فإذا لم يتمكّن منه فلا دليل على مراعاته في بعض أجزائها، مدفوع بأنّ قاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور إجماعيّة في خصوص الصلاة لم يتأمّل فيها أحد، كما يستفاد من تتبّع مسائل شروط الصلاة و أفعالها.

مع أنّ المستفاد عرفا من أدلّة الشروط اعتبارها بقدر الإمكان من دون أن يكون للهيئة المجموعة مدخلا في اعتبار الشرط كما لا يخفى على من تأمّل قوله (عليه السلام) في بعض أخبار المسألة: «و تحرّ القبلة بجهدك» (1)، و قوله (عليه السلام) في رواية سليمان بن خالد: «فإن دارت السفينة فليدر مع القبلة إن قدر على ذلك» (2).

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ مثل قوله: «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (3) و «لا صلاة لمن لم يقم صلبه» (4) دالّ على أنّ الصلاة الفاقدة لأحدهما- و لو في بعض الأوقات- فاسدة مطلقا، خرج من ذلك ما إذا أتى بالممكن، و بقي الباقي، فتأمّل.

و كيف كان، فلا حاجة إلى ابتنائه على مسألة أنّ الأمر بالكلّ أمر

____________

(1) الوسائل 4: 707، الباب 14 من أبواب القيام، الحديث 9.

(2) نفس المصدر، الحديث 10.

(3) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(4) الوسائل 4: 939، الباب 16 من أبواب الركوع، الحديث 2.

468

بالأجزاء أصالة كما عن الذخيرة [1]، مع أنّ صحّة هذا الابتناء محلّ كلام.

و ممّا ذكر يظهر الوجه في وجوب الاستقبال في تكبيرة الإحرام كما صرّح به في صحيحة حمّاد بن عثمان (2) و رواية يونس بن يعقوب (3).

و لو لم يمكنه الاستقبال، فهل يجب تحرّي ما بين المشرق و المغرب وجهان: من إطلاق الفتوى و النصّ بأنّه إذا لم يعرف القبلة فليصلّ حيث دارت السفينة، و من أنّ الجهة المذكورة أقرب إلى القبلة في نظر الشارع و لذا عذّر الخاطئ في القبلة إذا لم يخطأ تلك الجهة، بل هي قبلة في الجملة كما يشهد به صحيحتا زرارة (4) و معاوية بن عمّار (5).

و يؤيّده: أنّ الظاهر من حكمة إيجاب الصلاة إلى أربع جهات مع التحيّر إدراك هذه الجهة، لا جهة القبلة الواقعيّة، لعدم الظنّ بها بالعدم.

و هل يجب مع العجز عن الاستقبال استقبال صدر السفينة، قولان:

يشهد للأوّل أخبار ضعاف (6)، و للثاني: خلوّ النصوص المعتبرة الواردة في مقام البيان، و هو الأقوى، و الأوّل أحوط (7).

____________

[1] لم نقف عليه.

____________

(2) الوسائل 3: 235، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 13 و لكن ليس فيه تصريح بوجوب الاستقبال في التكبير.

(3) الوسائل 3: 234، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 6.

(4) الوسائل 3: 228، الباب 10 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(5) نفس المصدر، الحديث الأوّل.

(6) راجع الوسائل 3: 233، الباب 13 من أبواب القبلة، الأحاديث 2 و 7 و 15 و غيره.

(7) تقدّم نظير هذا البحث في الصفحات 153- 161 فراجع.

469

بسم اللّه الرحمن الرحيم

[وجوب الاجتهاد في القبلة]

لمّا كان مقتضى الأخبار المستفيضة الدالّة على وجوب الاجتهاد في القبلة هو [1] بذل الجهد في تحصيل الظنّ بها- كما هو مقتضى التحرّي المأمور به في صحيحة زرارة، حيث إنّ معناه طلب الأحرى، و ظاهر قوله: «اجتهد رأيك و تعمّد القبلة جهدك» في رواية سماعة (2)، و قوله في بعض أخبار السفينة: «تحرّ القبلة- أو توخّ القبلة- جهدك» (3)- اقتضى ذلك عدم جواز الركون إلى ظنّ مع التمكّن من الأقوى منه، فيجب على من حصل له ظنّ بتحصيل أو بغير تحصيل أن لا يقتصر عليه ما أمكنه مراجعة أمارة أقوى منه

____________

[1] كذا ظاهرا، و الكلمة غير واضحة.

____________

(2) الوسائل 3: 223، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(3) الوسائل 4: 706، الباب 14 من أبواب القيام، الأحاديث 9 و 3، 236، الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.

470

و لو احتمالا، و إلّا لم يحصل بذل الجهد.

نعم، لو حصل له اليأس من الظنّ الأقوى المخالف لهذا الظنّ، فالظاهر جواز الاتّكال و عدم وجوب الفحص و إن علم أو احتمل تقوّي هذا الظنّ الذي حصّله، لأنّه لا بدّ أن يصلّي على هذه الجهة على كلّ تقدير.

و لا يسمّى ذلك بذل الجهد في تحصيل الأخرى، لأنّ المفروض أنّه حصّل الأحرى الذي هو مكلّف [به]، غاية الأمر احتمال زيادة قوّة في هذا الظن، و محل بذل الجهد في تحصيل الأحرى الذي هو الطرف الراجح.

نعم، يظهر من كلام بعضهم في مسألة تحديد الاجتهاد في القبلة:

وجوب تقوية الظنّ، و لا دليل عليه، نعم لو احتمل مساويا الظفر بظنّ مخالف أقوى وجب الفحص، بخلاف ما لو احتمله موهونا.

و ممّا ذكر تبيّن عدم جواز التقليد لمن أمكنه الاجتهاد، لأنّ الحاصل من الاجتهاد أقوى، نعم لو كان إخبار الغير عنده أوثق من اجتهاده، لقصور باعه و قلّة اطّلاعه على الأمارات، فالظاهر تقديم التقليد.

و ما ذكره الأصحاب من تقديم الاجتهاد، مبنيّ على الغالب، و كذا الكلام في ترجيحهم قول المخبر عن حسّ- كالخبر عن الجدي و المشرق و المغرب- على الخبر عن اجتهاد و العدل و المسلم العدل على غيره، و الأعلم و الأعدل على غيرهما، و نحو ذلك.

و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما ذكره في الروض حيث قال- بعد اعتبار العدالة-: «فإن تعذّر العدل ففي الرجوع إلى المستور، بل إلى الفاسق مع ظنّ صدقة، بل و إلى [الكافر مع تعذّر] [1] المسلم، وجهان: من استلزام الجهل

____________

[1] من المصدر.

471

بالشرط الجهل بالمشروط، و الأمر بالتثبّت عند خبر الفاسق و النهي عن الركون إلى الكافر، و من صحّة إخبار المسلم و قيام الظنّ الراجح مقام العلم في العبادات.

و قوّى في المنتهى [1] الجواز في الأخيرين، و قطع بالجواز في المستور، و الأولى العدم، لفقد شرط الشهادة و الاخبار و عدم جواز العمل بمطلق الظنّ، فيصلّي إلى أربع جهات» (2) انتهى.

و دعوى: أنّ ما دلّ على العمل بالظنّ هنا من أدلّة التحرّي و الاجتهاد- بعد تسليم شموله وضعا و انصرافا للرجوع إلى الغير و قبول قوله تعبّدا- معارض بما دلّ على وجوب التثبّت عند خبر الفاسق بالمعنى الأعمّ الشامل للكافر، بل و خبر المستور، لاحتمال فسقه، فيجب الرجوع إلى أصالة حرمة العمل بما وراء العلم، و لزوم تحصيل البراءة اليقينيّة بالصلاة إلى أربع جهات، مدفوعة: بأنّ حقيقة التحرّي و الاجتهاد هو السعي في طلب الأحرى، و معلوم أنّ الأمر بالسعي و بذل الجهد ليس إلّا لتحصيل الأحرى بالعمل، فإذا حصل ذلك من قول الغير بدون بذل جهد فلا يقدح عدم تحقّق مفهوم الاجتهاد كما لا يقدح فيما إذا حصل الظنّ من دون سعي، فخذ الغايات و اترك المبادئ.

و أمّا وجوب التثبّت عند خبر الفاسق فهو منحصر في صورة انفتاح باب العلم التفصيلي في تلك الواقعة، و اتّفقوا على العمل بخبر الفاسق في الأحكام الشرعيّة إذا انجبرت بالشهرة التي غايتها الظنّ، فيعلم من ذلك أنّه

____________

[1] في المصدر: «الذكرى» بدل «المنتهى».

____________

(2) روض الجنان: 195.

472

يكفي عند الانسداد الفحص إلى أن يحصل الظنّ المستقرّ و الوثوق الثابت بصدق الخبر.

و إنّما قيّدنا الظنّ بالمستقرّ، لأنّ الظنّ الابتدائي يحصل من قول الفاسق في بادئ الأمر مع قطع النظر عن ملاحظة صدقه، و إلّا فلا يتصوّر العمل به من المختار حتّى يحسن النهي عنه، لاستحالة أحد [1] طرفي الشكّ في العمل، إلّا أنّه بعد ملاحظة فسقه إن حصل الظنّ نظرا إلى بعض القرائن الداخلية أو الخارجية، فهو تبيّن بالنسبة إلى هذا المقام الذي انسدّ فيه باب العلم، و إلّا فيطرح.

مع أنّا لو سلّمنا بقاء التبيّن على ظاهره- من وجوب التبيّن العلمي بمعنى اشتراطه في قول المخبر و عدم جواز العمل بخبر الفاسق حتّى لو لم يمكن تحصيل العلم، لأنّ الوجوب الشرطي لا يختصّ بصورة التمكّن-، لكن ظاهر الآية- بمعونة التعليل-: المنع عن العمل بكلّ ظنّ عدا خبر العادل و إنّ الخبر [2] العادل بمنزلة العلم، فحينئذ ما دلّ على جواز التحرّي عند عدم العلم- و في حكمه خبر العادل- أخصّ مطلقا من الآية، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا- أيضا- يظهر أنّ التقليد ليس مختصّا بالأعمى كما يستفاد وجود القائل به من عبارة الروض (3). و حكي في شرح الألفيّة (4) عن

____________

[1] كذا في النسخة، و الظاهر: أخذ.

[2] كذا في النسخة.

____________

(3) روض الجنان: 195.

(4) المقاصد العليّة: 116.

473

العلّامة (1) و الشهيد في الذكرى (2) جوازه [1] للعالم الممنوع عن الاجتهاد لعارض كالغيم و نحوه. و يظهر من الإيضاح (4) وجود الخلاف في العامي أيضا، و قد خالف الشيخ في الخلاف (5) في الأعمى، فصحّ ما في الروض: إنّ الخلاف وقع في كلّ من الثلاثة، أعني: الأعمى و العامي و العالم الممنوع لعارض (6).

و كيف كان، فالأقوى الجواز للجميع، بل للمجتهد الممنوع كما تقدّم نعم لو كان كلامهم في التقليد تعبّدا و إن لم يفد الظنّ فعلا، بل اكتفي فيه بكونه ممّا يفيد الظنّ النوعي، كان اللازم الاقتصار على المتيقّن.

بقي الكلام في مدركه .. في صورة ثبوت الحرج .. [2] لا يتمّ في المقام في هذه الصورة، فيجب على غيره مع العجز عن الاجتهاد الصلاة إلى أربع جهات، بل هو فرض كلّ عاجز عن الاجتهاد كما هو المشهور، بل استظهر الاتّفاق عليه، بل من كان قادرا مع كونه أوثق بقول الغير، كما هو صريح الشرائع (8) و محكيّ الذكرى (9). و لو تعارض البيّنتان تخيّر، لأنّهما كالدليلين المتكافئين.

____________

[1] في النسخة: عدم جوازه.

[2] محل النقط كلمات لا تقرأ.

____________

(1) المنتهى 1: 221.

(2) الذكرى: 164.

(4) إيضاح الفوائد 1: 81- 82.

(5) الخلاف 1: 302، كتاب الصلاة، المسألة: 49.

(6) روض الجنان: 193.

(8) الشرائع 1: 66.

(9) الذكرى: 164.

474

مسألة (1) لو تعارض مخبران عمل بأقواهما،

و مع التساوي ففي انحصار الجهة فيما أخبرا فيجب صلاتان، لاتّفاقهما على نفي الثالث، أو التخيير، لأنّهما كالدليلين المتعارضين، أو تساقطهما فيصلّي إلى أربع جهات، لأنّ العمل بكلّ منهما مشروط بالظنّ المفقود في المقام، وجوه. أقواها: الأوّل إنّ ظنّ منهما بنفي الثالث، و إلّا فالثالث [1].

____________

[1] هذا آخر ما في الصفحة اليمنى من الورقة: (24).

____________

(1) العنوان زيادة منّا.