مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
480 /
475

مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مائتا بقرة، أو ألف من الغنم، أو مائتا حلّة، فكلّ من كان من أهل واحد من ذلك أخذ ذلك منه مع الوجود، فإن لم يوجد، أخذ أحد الأجناس الأخر، سواء كانت بقيمة الإبل أو دونها أو فوقها (1).

و قال ابن البرّاج: إن كان القاتل من أصحاب الذهب، ألف دينار جيادا، و إن كان من أصحاب الفضّة، فعشرة آلاف درهم جيادا، و إن كان من أصحاب الإبل فمائة مسنّة، قيمة كلّ واحدة منها عشرة دنانير، أو مائتا مسنّة من البقر إن كان من أصحاب البقر، قيمة كلّ واحدة منها خمسة دنانير، أو ألف شاة إن كان من أصحاب الغنم، قيمة كلّ واحدة منها دينار واحد، أو مائتا حلّة إن كان من أصحاب البز، قيمة كلّ حلّة منها خمسة دنانير (2). و هو ظاهر كلام ابن أبي عقيل.

و قد تقدّم البحث في ذلك.

و في رواية ابن سنان- الصحيحة- عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلى أن قال: «و قيمة كلّ بعير مائة و عشرون درهما أو عشرة دنانير، و من الغنم قيمة كلّ ناب من الإبل عشرون شاة» (3).

مسألة 169: قال الشيخ في (المبسوط): إذا جرحه فأجافه و أطلعها من ظهره،

قال قوم: هنا جائفتان، و منهم من قال: جائفة واحدة، و هو الأقوى، لأنّ الجائفة ما نفذت إلى الجوف من ظاهر (4).

و قال في (الخلاف): هما جائفتان، لأنّه يسمّى كلّ واحدة منهما بأنّها جائفة ما في بطنه و ما في ظهره، فيجب أن تكونا جائفتين (5).

____________

(1) المبسوط 7: 119.

(2) المهذّب 2: 457.

(3) الكافي 7: 281/ 3، التهذيب 10: 158- 159/ 635، الاستبصار 4: 259/ 976.

(4) المبسوط 7: 125.

(5) الخلاف 5: 232، المسألة 15.

476

و قوله في (الخلاف) جيّد.

مسألة 170: قال الشيخ في (المبسوط): إذا جني على سنّه فسقطت ثمَّ أعادها في مغرزها بحرارة دمها ثمَّ ثبتت، ثمَّ قلعها بعد هذا قالع

فعليه حكومة، و الأولى عليه ديتها، لأنّه قلعها (1).

و قال في (الخلاف): إذا جني على سنّه فسقطت ثمَّ أعادها في مغرزها بحرارة دمها فثبتت ثمَّ قلعها بعد هذا قالع، كان عليه الدية، لعموم الأخبار (2).

و التحقيق أن نقول: إن ثبتت صحيحة، فعليه الدية، و إلّا فالأرش.

مسألة 171: قال الشيخ في (المبسوط): إذا كانت الدية أقلّ من عدد العاقلة،

قال قوم: توزّع على الكلّ بالحصّة حتى يكونوا في العقل سواء. و قال آخرون:

للإمام أن يخصّ بالعقل من شاء منهم: على الغني نصف دينار، و على المتجمّل ربع دينار، و لا شيء على الباقين، لأنّ في توزيعها على الكلّ بالحصص مشقّة، و ربما لزم على جنايتها أكثر منها، و هذا أقوى (3).

و قال في (الخلاف): توزّع على الجميع، لأنّ الدية وجبت على العاقلة كلّهم، فمن خصّ بها قوما دون قوم فعليه الدلالة (4).

و قوله في (الخلاف) حسن.

مسألة 172: قال الشيخ في (المبسوط): إذا كان المقتول مشركا و المدّعى عليه مسلما،

قال قوم: يقسم وليّه و يثبت القتل على المسلم. و قال قوم: لا قسامة لمشرك على مسلم. و الأوّل أقوى عندنا، لعموم الأخبار، غير أنّه لا يثبت به

____________

(1) المبسوط 7: 140.

(2) الخلاف 5: 245، المسألة 42.

(3) المبسوط 7: 180.

(4) الخلاف 5: 286، المسألة 110.

477

القود، و إنّما يثبت به المال (1).

و قال في (الخلاف): إذا كان المقتول مشركا و المدّعى عليه مسلما، لم تثبت القسامة، و به قال مالك: و قال أبو حنيفة و الشافعي: إنّه تثبت القسامة، فإذا حلفوا، ثبت القتل على المسلم بيمين المشرك.

دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، و إثبات القتل على المسلم بيمين المشرك يحتاج إلى دليل. و أيضا فلو أوجبنا القتل بيمينهم، لوجب أن يقاد به، و قد بيّنّا أنّه لا يقاد مسلم بكافر، و لو أوجبنا عليه الدية، لأوجبنا بيمين الكافر ابتداء على مسلم مالا، مع العلم بأنّهم يستحلّون أموال المسلمين و دماءهم (2).

و الوجه: ما قاله في (المبسوط).

و أصالة البراءة إنّما يعمل بها ما لم يظهر المضادّ و قد ظهر، لأنّ ثبوت اللوث ينفي ظنّ استصحاب أصالة البراءة.

و دليل إثبات القتل على المسلم: عمومات الأخبار الدالّة على إثبات القتل بالقسامة كما في الأموال، و كما لا يجوز تخصيص عموم قوله (عليه السلام):

(اليمين على المنكر) (3) بالمسلم كذا هنا.

و الملازمة الاولى- و هو وجوب القود لو ثبت بيمينهم القتل- ممنوعة، فإنّ القتل قد يثبت بالبيّنة إجماعا، و لا يثبت به القود، بل المال.

و الملازمة الثانية منقوضة بدعوى المال مع الشاهد الواحد.

مسألة 173: قال الشيخ في (الخلاف): إذا كان المدّعي واحدا، فعليه خمسون يمينا بلا خلاف،

و كذلك المدّعى عليه إن كان واحدا، فعليه خمسون يمينا، فإن كان المدّعون جماعة، فعليهم خمسون يمينا عندنا، و لا يلزم كلّ واحد خمسون يمينا، و كذا في المدّعى عليه إن كان واحدا، لزمه خمسون يمينا، و إن كانوا

____________

(1) المبسوط 7: 216.

(2) الخلاف 5: 311- 312، المسألة 10.

(3) سنن الدار قطني 4: 218/ 51 و 52، سنن البيهقي 10: 252.

478

جماعة، لم يلزمهم أكثر من خمسين يمينا.

و للشافعي فيه قولان في الموضعين: أحدهما مثل ما قلناه في الموضعين، و الثاني: يلزم كلّ واحد خمسون يمينا في الموضعين، إلّا أنّه قال: أصحّهما: أنّ في جنبة المدّعي خمسين يمينا بالحصص من الدية، للذكر مثل حظّ الأنثيين، فإن تبعّض في كلّ واحد (1) كمل يمينا تامّة، و أصحّهما في جنبة المدّعى عليه أن يلزم كلّ واحد خمسون يمينا.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضا الأصل براءة الذمّة، و ما قلناه مجمع على لزومه، و ما قالوه ليس عليه دليل (2).

و قال في (المبسوط): فإن كان المدّعى عليه واحدا، حلف خمسين يمينا، و إن كانوا جماعة، قال قوم: يحلف كلّ واحد خمسين يمينا. و قال آخرون: يحلف الكلّ خمسين يمينا، و هو مذهبنا، و لكن على عدد الرؤوس، الذكر و الأنثى فيه سواء.

و الأقوى في المدّعى عليه: أن يحلف كلّ واحد خمسين يمينا، و في المدّعي أنّ على الكلّ خمسين يمينا، و الفرق بينهما أنّ كلّ واحد من المدّعى عليهم ينفي عن نفسه ما ينفيه الواحد إذا انفرد، و هو القود، فلهذا حلف كلّ واحد ما يحلف الواحد إذا انفرد، و ليس كذلك المدّعي، لأنّ الكلّ سواء يثبتون ما يثبته الواحد إذا انفرد (3).

فإن قصد بقوله: و الأقوى في المدّعى عليه، عنده، صارت المسألة خلافيّة، و إلّا فلا.

و الوجه: ما قاله في (الخلاف).

مسألة 174: قال الشيخ في (المبسوط): فإن ادّعى رجل على رجل أنّه قتل وليّا

____________

(1) كذا، و في المصدر: فإن ينقص في واحد.

(2) الخلاف 5: 314، المسألة 13.

(3) المبسوط 7: 222.

479

له و هناك لوث، فحلف المدّعي و استوفى منه الدية ثمَّ جاء رجل آخر فقال:

ما قتله المحلوف عليه و أنا الذي قتلته فالضمان عليّ، فهل للحالف أن يدّعي على المقرّ؟ قال قوم: ليس له أن يدّعي عليه، لأنّ قول الوليّ في الابتداء: ما قتله إلّا فلان وحده، إقرار منه أنّ هذا المقرّ ما قتله و لا تقبل منه دعواه عليه.

و قال آخرون: له أن يدّعي عليه، لأن قول الوليّ: قتله فلان وحده، لم يقطع به، و إنّما قاله بغالب ظنّه، و هذا المعترف يخبر عن قطع و يقين، فكان أعرف بما اعترف به، فلهذا كان له مطالبته به.

و الأقوى عندي الأوّل، لأنّا بيّنّا أنّه لا يجوز له أن يحلف إلّا على علم، و إذا ثبت ذلك فكأنّه قال: أنا أعلم أنّ الثاني ما قتله، فيكون مكذّبا له. على أنّا قد بيّنّا قضيّة الحسن (عليه السلام) في مثل هذا، و أنّ الدية من بيت المال (1).

و قال في (الخلاف): إذا ادّعى رجل على رجل أنّه قتل وليّا له و هناك لوث، و حلف المدّعي القسامة و استوفى الدية، فجاء آخر و قال: أنا قتلته و ما قتله ذلك، كان الوليّ بالخيار بين أن يصدّقه و يكذّب نفسه و يردّ الدية و يستوفي منه حقّه، و بين أن يكذّب المقرّ و يثبت على ما هو عليه.

و للشافعي قولان، أحدهما: ليس له أن يدّعي على المقرّ، لأنّ قوله في الأوّل: ما قتله إلّا فلان، إقرار منه أنّ هذا المقرّ ما قتله، فلا تقبل منه دعواه عليه، و القول الثاني: له أن يدّعي عليه، لأنّ قول الوليّ: قتله فلان، إنّما هو إخبار عن غالب ظنّه، و المخبر يخبر عن قطع و يقين، فكان أعرف بما قال.

دليلنا: قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): (إنّ إقرار العاقل جائز على نفسه) و هو إذا قبل من الثاني فقد كذّب نفسه في الأوّل، فقبل ذلك منه، و إقرار الثاني مقبول على نفسه، لعموم الخبر (2).

و الوجه: ما قاله الشيخ في (المبسوط) لما علّل به فيه.

____________

(1) المبسوط 7: 242.

(2) الخلاف 5: 315- 316، المسألة 16.

480

مسألة 175: قال الشيخ في (المبسوط): إذا سحر رجلا فمات من سحره،

سئل فإن قال: سحري يقتل غالبا و قد سحرته و قتلته عمدا، فعليه القود، كما لو أقرّ أنّه قتله بالسيف عمدا، و قال قوم: لا قود عليه بناء على أصل أنّه لا يقتل إلّا إذا قتل بالسيف، و إذا قتل بالمثقل فلا قود، و الأوّل الذي يقتضيه مذهبنا (1).

و قال في (الخلاف): إذا أقرّ أنّه سحر فقتل بسحره متعمّدا، لا يجب به القود، لأصالة براءة الذمّة، و أنّ هذا ممّا يقتل به يحتاج إلى دليل، و لأنّا قد بيّنّا أنّ الواحد منّا لا يصحّ أن يقتل غيره بما لا يباشر به إلّا أن يسقيه ما يقتله به على العادة، مثل السمّ، و ليس السحر بشيء من ذلك. و قد روى أصحابنا أنّ الساحر يقتل.

و الوجه في هذه الرواية: أنّ هذا من الساحر إفساد في الأرض و السعي فيها به، فلذلك وجب فيه القتل (2).

و الوجه: أن نقول: إن كان للسحر حقيقة يصحّ باعتبارها التأثير، وجب القود، و إلّا فلا.

و ليكن هذا آخر ما أردنا إثباته في هذا الكتاب مقتصرين عليه، حامدين لله تعالى على آلائه، شاكرين له على فواضل نعمائه، مصلّين على سيّد أنبيائه محمّد المصطفى و على المعصومين من أبنائه (3).

____________

(1) المبسوط 7: 260- 261.

(2) الخلاف 5: 330- 331، المسألة 16.

(3) و جاء في الطبعة الحجرية هكذا: فرغت من تسويد الجزء السابع من (مختلف الشيعة في أحكام الشريعة) و به تمَّ الكتاب من تسويده في خامس عشر ذي القعدة من سنة ثمان و سبعمائة، و الحمد لله وحده، و صلى اللّه على سيّد المرسلين محمد النبي و آله الطيّبين الطاهرين.

و كتب الفقير إلى اللّه حسن بن يوسف بن المطهّر مصنّف الكتاب.