مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
480 /
75

النفقة، و يخرج وارث الثلث ثلث النفقة، فإذا أدركوا قطعا النفقة عنهم» (1).

و الوجه: ما قاله ابن إدريس، و حمل هذه الرواية على الاستحباب دون الوجوب.

مسألة 24: قال الشيخ في (النهاية): و المسلمون يتوارث بعضهم من بعض

و إن اختلفوا في الآراء و الديانات، لأنّ الذي به تثبت الموارثة إظهار الشهادتين و الإقرار بأركان الشريعة من الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ دون فعل الإيمان الذي يستحقّ به الثواب (2). و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن إدريس (3).

و قال شيخنا المفيد: و يرث المؤمنون أهل البدع من المعتزلة و المرجئة و الخوارج و الحشوية، و لا ترث هذه الفرق أحدا من أهل الإيمان كما يرث المسلمون الكفّار، و لا يرث الكفّار أهل الإسلام (4).

و يوجد في بعض نسخ (المقنعة): و يتوارث المسلمون و إن اختلفوا في الأهواء، و لا يمنع تباينهم في الآراء من توارثهم، و إن كان بالإسلام و ظاهر حكمه يجب التوارث و تحلّ المناكحة دون الإيمان الذي يستحقّ به الثواب، و بتركه العقاب (5).

و هذه النسخة موافقة لما قاله الشيخ في (النهاية).

و قال أبو الصلاح: و لا يرث الكافر المسلم و إن اختلفت جهات كفره و قرب نسبه، و يرث المسلم الكافر و إن بعد نسبه، كابن خال مسلم و الموروث مسلم أو كافر له ولد كافر بيهودية (6) أو نصرانية أو جبرية أو تشبيه أو جحود (7) نبوّة أو إمامة، ميراثه لابن خاله المسلم دون ولده الكافر (8).

____________

(1) التهذيب 9: 368/ 1315.

(2) النهاية: 666.

(3) المهذّب 2: 160، الوسيلة: 394، السرائر 3: 270.

(4): المقنعة: 701.

(5): المقنعة: 701.

(6) في النسخ الخطية و الحجرية: يهودية. و ما أثبتناه من المصدر.

(7) في «ب» و المصدر: جحد.

(8) الكافي في الفقه: 374- 375.

76

و المعتمد: ما قاله الشيخ، لأنّ سبب التوارث الإسلام.

مسألة 25: [قال الشيخ في (النهاية)] (1): المرتدّ عن غير فطرة إذا لحق بدار الحرب و لم يقدر عليه،

اعتدّت منه امرأته عدّة المطلّقة، ثمَّ يقسم ميراثه بين أهله (2). و تبعه ابن البرّاج (3).

و قال ابن إدريس: لا تقسم تركته باعتبار لحوقه بدار الحرب، بل توقف، و هو على ملكه ما زال عنه بارتداده.

و ما ذكره في (نهايته) قد رجع عنه في مسائل (خلافه) و (مبسوطه) و ذهب إلى ما اخترناه، لأنّ قسمة أموال بني آدم و انتقالها منهم حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي (4).

و قول ابن إدريس جيّد.

مسألة 26: قال الشيخ في (النهاية): إذا لم يخلّف الميّت وارثا حرّا على وجه و خلّف وارثا مملوكا

ولدا كان أو والدا أو أخا أو إخوة أو أحدا من ذوي أرحامه، وجب أن يشترى من تركته و أعتق و اعطي بقية المال، و لم يكن لمالكه الامتناع من بيعه، بل يقهر عليه.

هذا إذا كان قدر ما خلّفه بقيمة المملوك أو أكثر منه، فإن كانت التركة أقلّ من قيمة المملوك، لم يجب شراء الوارث على حال، و كان المال لبيت مال المسلمين، و حكم الزوج و الزوجة حكم ذوي الأرحام في أنّه إذا لم يخلّف غيرهما، اشتريا و أعتقا و ورثا على ما بيّنّاه.

و قال بعض أصحابنا: إنّه إذا كانت التركة أقلّ من ثمن المملوك، استسعي

____________

(1) أضفناها لاقتضاء السياق.

(2) النهاية: 666.

(3) المهذّب 2: 161.

(4) السرائر 3: 271- 272.

77

في باقيه.

و لست أعرف بذلك أثرا، و ينبغي أن يكون العمل على ما قدّمناه (1).

و البحث هنا يقع في مقامين:

الأول: فيمن يجب شراؤه من الوارث،

و كلام الشيخ هنا عامّ في كلّ وارث قرب أو بعد حتى الزوج و الزوجة.

و هو ظاهر كلام ابن زهرة، فإنّه قال: و متى لم يكن للميّت إلّا وارث مملوك ابتيع من التركة، و عتق و ورّث الباقي (2). و كذا قال قطب الدين الكيدري (3).

و قال ابن الجنيد: فإن مات أبو العبد أو قريبه، و خلّف مالا و لا وارث له حرّ، ابتيع العبد ممّا خلّف أبوه أو قريبه، فيعتق، و يرث الباقي، و إن كان ما خلّفه الميّت لا يفي بثمن قريبه المملوك، فقد قيل: يدفع إلى السيّد، و يستسعى العبد في بقية قيمته.

و هذا الكلام يعطي اعتبار القرابة مطلقا، و يبقى حكم الزوجين على الأصل.

و هو أيضا قول ابن البرّاج (4) و أبي الصلاح، فإنّه قال: إذا لم يكن للموروث أقارب إلّا مملوك، ابتيع من الإرث و عتق و ورّث الباقي (5).

و قال المفيد: إذا مات الحرّ، و خلّف مالا و ترك أباه و هو مملوك، اشتري أبوه من تركته، و أعتق و ورث ما بقي من الذي نقد في ثمنه (6) من تركة ابنه، و كذلك إن ترك امّه أو ولده لصلبه، و ليس حكم الجدّ و الجدّة و ولد الولد حكم الوالدين الأدنين و الولد للصلب فيما ذكرناه، و لا يجب ابتياع أحد من ذوي أرحامه سوى الأبوين و الولد، إلّا أن يتبرّع المولى بعتق غيرهم من القرابة، فإن أعتقهم ورثوا (7).

____________

(1) النهاية: 668.

(2) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 546.

(3) إصباح الشيعة: 370.

(4) المهذّب 2: 155.

(5) الكافي في الفقه: 375.

(6) في النسخ الخطية و الحجرية: يده، بدل ثمنه. و ما أثبتناه من المصدر.

(7) المقنعة: 695.

78

فاقتصر- (رحمه الله)- على الوالدين و الولد للصلب دون من عداهم من الأجداد و أولاد الأولاد و الإخوة و الأعمام و الأخوال و أولادهم و غيرهم، و هو قول ابن حمزة (1)، و قوّاه ابن إدريس، و نقله عن السيّد المرتضى (2).

و الذي ذكره السيّد هنا: أنّه ممّا انفردت به الإمامية: أنّ من مات و خلّف مالا و أبا مملوكا و امّا مملوكة، فإنّ الواجب أن يشترى أبوه أو امّه من تركته، و يعتق عليه، و يورث باقي التركة (3).

و هذا القول لا تصريح فيه بمنع من عداهم، و لا ذكر فيه للولد أيضا.

و قال الصدوق في (المقنع): إذا مات رجل حرّ و ترك امّا مملوكة أو أبا (4)، فإنّ أمير المؤمنين عليّا (صلوات الله عليه و آله) أمر أن تشترى الأمّ من مال ابنها ثمَّ تعتق فيورثها (5).

و قال أبوه في (الرسالة): و إذا مات رجل حرّ و ترك امّا مملوكة، فإنّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و آله) أمر أن تشترى الأمّ من مال ابنها ثمَّ تعتق فيورّثها (6).

و قال سلّار: و الرقّ ضربان: أحدهما: تجب إزالته للإرث، و هو رقّ الأبوين، و رقّ باقي الأقارب لا يجب فيه ذلك (7).

و في هذا دلالة على اختصاص الأبوين بهذا الحكم دون الأولاد و غيرهم.

أمّا الأبوان و الأولاد: فإنّهم يشترون و يعتقون، لما رواه عبد الله بن سنان- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرجل يموت، و له أمّ مملوكة و له مال: أن تشترى امّه من ماله و تدفع إليها بقية المال

____________

(1) الوسيلة: 396.

(2) السرائر 3: 272.

(3) الانتصار: 308.

(4) في «ب، ص»: ابنا. و لم ترد الكلمة على اختلافها في المصدر.

(5) المقنع: 178.

(6) انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 291.

(7) المراسم: 219.

79

إذا لم يكن له ذو قرابة له (1) سهم في الكتاب» (2).

و في الحسن عن جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له:

الرجل يموت و له ابن مملوك، قال: «يشترى و يعتق ثمَّ يدفع إليه ما بقي» (3).

و أمّا الأقارب غير هؤلاء: فقد روى عبد الله بن طلحة عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل مات و ترك مالا كثيرا، و ترك أمّا و أختا مملوكتين، قال: «تشتريان من مال الميّت، ثمَّ تعتقان و تورّثان» (4).

و الظاهر أنّه ليس المراد الجمع بين الامّ و الأخت، لأنّ الأخت عندنا لا ترث مع الامّ.

و عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا مات الرجل و ترك أباه و هو مملوك، أو امّه و هي مملوكة، أو أخاه أو أخته، و ترك مالا و الميّت حرّ اشتري ممّا ترك أبوه أو قرابته، و ورّث ما بقي من المال» (5).

و هذه الطريقة غير سليمة عن الطعن، فنحن فيها من المتوقّفين.

و أمّا الزوجة: فقد روى الشيخ- في الصحيح- عن سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) إذا مات الرجل و له امرأة مملوكة اشتراها من ماله و أعتقها ثمَّ ورّثها» (6).

قال الشيخ: الوجه في هذا الخبر: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يفعل ذلك على طريق التبرّع، لأنّا قد بيّنّا أنّ الزوجة إذا كانت حرّة و لم يكن هناك وارث، لم يكن لها أكثر من الربع، و الباقي يكون للإمام، و إذا كان المستحقّ للمال أمير المؤمنين (عليه السلام)، جاز أن يشتري الزوجة، و يعتقها، و يعطيها بقية المال تبرّعا دون أن يكون فعل ذلك واجبا (7).

____________

(1) في «ص» و الكافي و التهذيب: «لهم».

(2) الاستبصار 4: 175/ 658، التهذيب 9: 333/ 1196، الكافي 7: 147- 148/ 7.

(3) الكافي 7: 147/ 4، الفقيه 4: 246/ 792، التهذيب 9: 334/ 1201، الاستبصار 4: 176/ 663.

(4) الكافي 7: 147/ 6، التهذيب 9: 333- 334/ 1198، الاستبصار 4: 175/ 660.

(5) التهذيب 9: 334- 335/ 1203، الاستبصار 4: 176/ 665.

(6) التهذيب 9: 337/ 1213، الاستبصار 4: 178- 179/ 674.

(7) الاستبصار 4: 179.

80

و الذي ذكره الشيخ محتمل، لكن تعليله ليس بجيّد، لأنّ كون الزوجة لها الربع لا غير لا ينافي ما تضمّنته الرواية، لاحتمال أن يكون ثمنها أقلّ من الربع، فتشتري ثمَّ تعطى بقية الربع.

نعم احتمال التبرّع ظاهر، فالعمل بذلك في حقّ الزوجين مشكل.

المقام الثاني: لو قصرت التركة عن القيمة،

نقل الشيخ عن بعض أصحابنا الشراء، و أنّه يستسعى المملوك في ثمن باقيه (1)، و كذا نقله ابن الجنيد و ابن البرّاج (2).

و الشيخ المفيد- (رحمه الله)- قال: إنّ التركة لبيت المال (3). و كذا سلّار (4).

و هذا هو المشهور، لأصالة عدم وجوب الشراء، خرج ما إذا وفت التركة، فيبقى الباقي على المنع.

على أنّ القول الآخر ليس بعيدا من الصواب، لأنّ عتق الجزء يشارك عتق الجميع في الأمور المطلوبة شرعا، فيساويه في الحكم.

مسألة 27: قال الشيخ في (النهاية): القاتل ضربان:

قاتل عمد، و لا يرث المقتول لا من التركة و لا من الدية، و قاتل خطأ، و يرث المقتول على كلّ حال ولدا كان أو والدا أو ذا رحم أو زوجا أو زوجة من نفس التركة و من الدية.

و قد رويت رواية بأنّ القاتل لا يرث و إن كان خطأ.

و هذه رواية شاذّة لا عمل عليها، لأنّ أكثر الروايات على ما قدّمناه.

و كان شيخنا- (رحمه الله)- يحمل هذه الرواية على أنّه إذا كان القاتل خطأ، فإنّه لا يرث من الدية، و يرث من التركة، ليجمع بين الأخبار. و على هذا أعمل، لأنّه أحوط (5).

____________

(1) النهاية: 668.

(2) المهذّب 2: 155.

(3) المقنعة: 695.

(4) المراسم: 219.

(5) النهاية: 671- 672.

81

و قال في (الخلاف): القاتل إذا كان عمدا في معصية، فإنّه لا يرث المقتول بلا خلاف، و إن كان خطأ، فإنّه لا يرث من ديته، و يرث ممّا سواها (1). و كذا قال في (المبسوط) (2).

و قال ابن الجنيد: القاتل عمدا لا يرث من الذي قتله، و كذا القاتل شبيه العمد، و أمّا القاتل خطأ فإنّه يرث من التركة، و لا يرث من الدية.

و قال المفيد: قاتل العمد لا يرث المقتول إذا كان بشبيه، و يرثه إذا كان قتله خطأ، و إنّما منع قاتل العمد من الميراث عقوبة له على جرمه و عظم ذنبه، و قاتل الخطأ غير مذنب، لأنّه لم يتعمّد لله تعالى خلافا، و لا أوقع بقتله له معصية (3).

و أطلق و لم يفصّل إلى التركة و الدية.

و قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): قال الفضل بن شاذان النيسابوري: لو أنّ رجلا ضرب ابنه ضربا غير مسرف في ذلك يريد تأديبه، فمات الابن من ذلك الضرب، ورثه الأب، و لم تلزمه الكفّارة، لأنّ للأب أن يفعل ذلك، و هو مأمور بتأديب ولده، لأنّه في ذلك بمنزلة الإمام يقيم حدّا على رجل، فيموت الرجل من ذلك الضرب، فلا دية على الإمام و لا كفّارة، و لا يسمّى الإمام قاتلا إذا أقام حدّا لله عزّ و جلّ على رجل فمات من ذلك.

و إن ضرب الابن ضربا مسرفا، لم يرثه الأب، و كانت عليه الكفّارة.

فإن كان بالابن جرح فبطّه (4) الأب فمات الابن من ذلك، فإنّ هذا ليس بقاتل، و هو يرثه، و لا كفّارة عليه و لا دية، لأنّ هذا بمنزلة الأدب و الاستصلاح و الحاجة من الولد إلى ذلك و إلى شبهه من المعالجات.

و لو أنّ رجلا كان راكبا على دابّة فوطئت أباه أو أخاه ثمَّ مات من ذلك، لم يرثه، و كانت الدية على العاقلة، و الكفّارة عليه.

____________

(1) الخلاف 4: 28، المسألة 22.

(2) المبسوط 4: 79- 80.

(3) المقنعة: 703.

(4) بطّ الجرح: شقّه. لسان العرب 7: 261 «بطط».

82

و لو كان يسوق الدّابة أو يقودها فوطئت أباه أو أخاه فمات، ورثه، و كانت الدية على العاقلة للورثة، و لم تلزمه كفّارة.

و لو أنّ رجلا حفر بئرا في غير حقّه أو أخرج كنيفا أو ظلّة فأصاب شيء منها وارثا فقتله، لم تلزمه الكفّارة، و كانت الدية على العاقلة، و ورثه، لأنّ هذا ليس بقاتل.

ألا ترى أنّه إن فعل ذلك في حقّه لم يكن يقاتل، و لا وجب في ذلك دية و لا كفّارة، فإخراجه ذلك الشيء في غير حقّه ليس هو قتلا، لأنّ ذلك بعينه يكون في حقّه، فلا يكون قتلا.

و إنّما ألزم العاقلة الدية في ذلك احتياطا للدماء، و لئلّا يبطل دم امرئ مسلم، و لئلّا يتعدّى الناس حقوقهم إلى ما لا حقّ لهم فيه، و كذلك الصبي إذا لم يدرك و المجنون لو قتلا لورثا، و كانت الدية على عاقلتهما (1).

و قال ابن أبي عقيل: لا يرث عند آل الرسول (عليهم السلام) القاتل من المال شيئا، لأنّه إن قتل عمدا، فقد أجمعوا على أنّه لا يرث، و إن قتل خطأ، كيف يرث و هو يؤخذ منه الدية!؟ و إنّما منع الميراث احتياطا لدماء المسلمين لئلّا يقتل أهل المواريث بعضهم بعضا طمعا في المواريث.

و إذا أجمعوا جميعا في الجملة أنّ القاتل لا يرث ثمَّ ادّعى بعض الناس أنّه عنى بذلك العمد دون الخطأ، فعليه الدليل و الحجّة الواضحة، و لن يأتي في ذلك بحجّة أبدا.

و لو أنّ رجلا ضرب ابنه ضربا غير مبرّح (2) يريد به تأديبه فمات من ذلك الضرب، ورثه الأب، و لم تلزمه الكفّارة، لأنّ ذلك للأب و هو مأمور بتأديب ولده. فإن ضربه ضربا مسرفا، لم يرثه.

فإن كان بالابن قرح أو خراج (3)، فبطّه الأب، فمات من ذلك، ورثه، لأنّ

____________

(1) الفقيه 4: 233- 234.

(2) أي: غير شاقّ. لسان العرب 2: 410 «برح».

(3) الخراج: ورم يخرج بالبدن من ذاته. لسان العرب 2: 251 «خرج».

83

هذا ليس بقاتل، و لا كفّارة عليه و لا دية، لأنّ هذا بمنزلة الأدب و الاستصلاح، و الحاجة من الولد إلى ذلك و إلى أشباهه من المعالجات ماسّة.

و لو أنّ رجلا كان راكبا دابّة فوطئت أباه أو أخاه فمات، لم يرثه.

و لو كان يسوق الدابّة أو يقودها فوطئت الدابّة أباه أو أخاه فمات، لم يرثه، و كانت الدية على عاقلته لغيره من الورثة، و لم تلزمه الكفّارة.

و لو حفر بئرا في غير حقّه أو أخرج كنيفا أو ظلّة، فأصاب شيء منها وارثا له، فقتله، لم تلزمه الكفّارة، و كانت الدية على العاقلة، و ورثه، لأنّ هذا ليس بقاتل.

ألا ترى أنّه لو فعل ذلك في حقّه، لم يكن بقاتل، و لم يجب عليه في ذلك دية و لا كفّارة، فإخراجه ذلك في غير حقّه ليس هو قتلا، لأنّ ذلك بعينه يكون في حقّه، فلا يكون قاتلا.

و إنّما ألزم الدية في ذلك إذا كان في غير حقّه احتياطا للدماء، و لئلّا يبطل دم امرئ مسلم، و لئلّا يتعدّى الناس حقوقهم إلى ما لا حقّ لهم فيه.

و كذلك الصبي و المجنون لو قتلا لورثا، و كانت الدية على العاقلة.

و قال السيّد المرتضى: ممّا يظنّ انفراد الإمامية به، و لها فيه موافق، قولها: بأنّ القاتل خطأ يرث المقتول، لكنه لا يرث من الدية.

و استدلّ عليه: بالإجماع و بظواهر آيات المواريث.

و إذا عورضنا بقاتل العمد، فهو مخرج بدليل قاطع لم يثبت مثله في القاتل خطأ.

قال: و يمكن أن يقوّى ذلك أيضا بأنّ قاتل الخطأ معذور غير مذموم، و لا مستحقّ للعقاب، فلا يجب أن يحرم الميراث الذي يحرمه العامد على سبيل العقوبة.

ثمَّ عارض بقوله تعالى وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ (1) فلو كان القاتل وارثا، لما وجب عليه تسليم الدية.

____________

(1) النساء: 92.

84

ثمَّ أجاب: بأنّ وجوب تسليم الدية على القاتل إلى أهله لا يدلّ على أنّه لا يرث ما دون هذه الدية من تركته، لأنّه لا تنافي بين الميراث و بين تسليم الدية، و أكثر ما في ذلك أن لا يرث من الدية التي يجب عليه تسليمها شيئا، و إلى هذا نذهب (1).

و ابن البرّاج و أبو الصلاح وافقا الشيخ على المنع من الدية دون التركة في الخطأ (2) و [كذا] (3) ابن زهرة و ابن إدريس (4).

و قال سلّار: القتل ثلاثة: عمد، و خطأ، و خطأ يشبه العمد، و لا يمنع الإرث إلّا العمد خاصّة (5).

و قال ابن حمزة: القتل إمّا عمد عدوان، و لا يستحقّ القاتل شيئا من ميراثه، أو عمد غير عدوان، و لا يسقط حقّه من الميراث، أو خطأ، و يرث من التركة دون الدية، و قيل: يرث من الدية أيضا، و قيل: لم يرث من التركة أيضا (6).

و قد تلخّص من هذه الأقوال: الإجماع على منع القاتل عمدا، و الخلاف في القاتل خطأ، فابن أبي عقيل منع من إرثه مطلقا، و المفيد و سلّار لم يمنعاه مطلقا، و الشيخ و ابن الجنيد و السيّد المرتضى و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن زهرة، و ابن إدريس منعوه من الدية دون التركة.

و أمّا القتل شبيه العمد: فابن الجنيد ألحقه بالعمد في المنع، و سلّار ألحقه بالخطإ.

و المعتمد: ما قاله الشيخ في الخطأ.

أمّا المنع من الدية: فلأنّه يجب عليه دفعها إلى الوارث، و لو ورث منها لم يجب دفع الجميع.

____________

(1) الانتصار: 307- 308.

(2) المهذّب 2: 162، الكافي في الفقه: 375.

(3) أضفناها لاقتضاء السياق.

(4) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 546، السرائر 3: 274.

(5) المراسم: 218.

(6) الوسيلة: 395- 396.

85

و لما رواه فضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يقتل الرجل بولده، و يقتل الولد بوالده إذا قتل والده، و لا يرث الرجل الرجل إذا قتله و إن كان خطأ» (1).

و إنّما حملناه على الدية، جمعا بين الأدلّة.

و أمّا التوريث في الخطأ: فلما رواه عبد اللّه بن سنان- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قتل امّه أ يرثها؟ قال: «إن كان خطأ ورثها، و إن كان عمدا لم يرثها» (2).

و في الموثّق عن محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قتل امّه، قال: إن كان خطأ فإنّ له ميراثه، و إن كان قتلها متعمّدا فلا يرثها» (3).

و أمّا شبيه العمد: فالأولى إلحاقه بالخطإ، لأنّ المقتضي للمنع في العمد- و هو المؤاخذة له بنقيض مقصوده- مفقود (4) هنا كالخطإ، فالحق به.

احتجّ المانعون في الخطأ: بما رواه هشام بن سالم- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا ميراث للقاتل» (5) و هذا عامّ.

و بالحديث الأوّل الذي رواه فضيل بن يسار (6)، فإنّه عام في التركة و الدية.

و الجواب عن الأول: الحمل على العمد، جمعا بين الأدلّة.

و عن الثاني: بالحمل على المنع من الدية كذلك.

قال الشيخ: إنّه خبر مرسل مقطوع الإسناد، لأنّه يرويه معلّى بن محمد عن بعض أصحابه عن حمّاد بن عثمان عن فضيل بن يسار.

____________

(1) التهذيب 9: 379/ 1359، الاستبصار 4: 193/ 727.

(2) التهذيب 9: 379/ 1358، الاستبصار 4: 193/ 726.

(3) التهذيب 9: 379/ 1357، الاستبصار 4: 193/ 725.

(4) في «ب»: منتف.

(5) الكافي 7: 141/ 5، التهذيب 9: 378/ 1352.

(6) تقدّمت الإشارة إلى مصادره آنفا.

86

قال: و مع ذلك يحتمل أن يكون الوجه فيه ما كان يقوله شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان من أنّه لا يرث الرجل الرجل إذا قتله خطأ من ديته، و يرثه ممّا عدا الدية، و المتعمّد لا يرث شيئا لا من الدية و لا من غيرها، و كان بهذا التأويل يجمع بين الحديثين، و هذا وجه قريب (1).

مسألة 28: قال الشيخ في (النهاية): و كذلك إن كانت الإخوة و الأخوات من قبل الأب أو الأب و الامّ، كفّارا

أو مماليك، لم يحجبوا الامّ عن الثلث على حال (2). و لم يتعرّض للقاتل، و كذا سلّار (3).

و قال في (الخلاف): القاتل و المملوك و الكافر لا يحجبون. و استدلّ بإجماع الفرقة، بل إجماع الأمّة، و ابن مسعود خالف في هذا (4)، و قد انقرض خلافه (5).

و قال المفيد: و لا يحجب عن الميراث من لا يستحقّه لرقّ أو كفر أو قتل على حال (6). و كذا قال ابن الجنيد و ابن البرّاج (7).

و قال الصدوق: و القاتل يحجب و إن لم يرث، ألا ترى أنّ الإخوة يحجبون الامّ و لا يرثون (8)، و كذا قال ابن أبي عقيل.

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّه المشهور بين علمائنا، فيتعيّن العمل به.

و ما رواه الصدوق- في الصحيح- عن الفضل بن عبد الملك عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن المملوك و المملوكة هل يحجبان إذا لم يرثا؟ قال: «لا» (9).

____________

(1) التهذيب 9: 380.

(2) النهاية: 629.

(3) المراسم: 220.

(4) في «ب» و الطبعة الحجرية: فيه، بدل في هذا.

(5) الخلاف 4: 32- 33، المسألة 24.

(6) المقنعة: 704.

(7) لم نعثر عليه في المهذّب.

(8) الفقيه 4: 234.

(9) الفقيه 4: 247/ 798.

87

و لأنّه مشارك للكافر و المملوك في المنع من الإرث، فيشاركهما في منع الحجب.

و الصدوق و ابن أبي عقيل عوّلا على عموم قوله تعالى فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ (1) خرج عنه المماليك و الكفّار، للرواية الصحيحة عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن المملوك و المشرك يحجبان إذا لم يرثا؟ قال:

«لا» (2) فيبقى الباقي على العموم.

و لا بأس بهذا القول، فإنّه لم يبلغنا من الأحاديث في هذا الباب شيء يعتدّ به سوى هذا، و لا دلالة فيه على القاتل.

مسألة 29: ميراث ولد الملاعنة لامّه و من يتقرّب بها،

فإن لم يخلّف سوى امّه، كان ميراثه لها أجمع، قاله الشيخ في (النهاية).

قال: و قد روي أنّ ميراث ولد الملاعنة ثلثه لامّه، و الباقي لإمام المسلمين، لأنّ جنايته عليه، و العمل على ما قدّمناه (3). فجعل الشيخ ميراث ولد (4) الملاعنة لأمّه خاصّة دون بيت المال، و هو قول المفيد (5)- (رحمه الله)- و ابن أبي عقيل و الصدوق في (المقنع) (6) و أبوه في (الرسالة) و أبي الصلاح و ابن البرّاج و ابن إدريس (7).

و استدلّ الشيخ عليه في (الخلاف) بإجماع الفرقة (8).

و قال ابن الجنيد: إن لا عن و انتفى من الولد، ثمَّ أكذب نفسه و ادّعاه، ورث الولد الأب، و لم يرثه الأب و لا أحد من أقرباء الأب، و كان ميراثه لامّه، ثمَّ بعد

____________

(1) النساء: 11.

(2) التهذيب 9: 284/ 1027.

(3) النهاية: 680.

(4) في «ص» و الطبعة الحجرية: ابن.

(5) المقنعة: 696.

(6) المقنع: 177.

(7) الكافي في الفقه: 375، المهذّب 2: 164، السرائر 3: 276.

(8) الخلاف 4: 104، المسألة 113.

88

أمّه لأخواله.

و إن أقام ابن الملاعنة على نفيه فخلّف امّا لها عصبة، كان ميراثه لها، و إن لم يكن لها عصبة، كان لها ثلث ما خلّف، و الباقي لبيت مال المسلمين، لأنّ جنايته عليه.

و قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): ابن الملاعنة لا وارث له من قبل أبيه، و إنّما ترثه امّه و إخوته لامّه و ولده و أخواله و زوجته، فإن ترك أباه و امّه، فالمال لأمّه، فإن ترك امّه و امرأته، فللمرأة الربع، و ما بقي فللأمّ، فإن ترك امّه و أخاه، فالمال للامّ (1).

ثمَّ روى عن الباقر (عليه السلام) «أنّ ميراث ولد الملاعنة لأمّه، فإن كانت امّه ليست بحيّة، فلأقرب الناس من امّه أخواله» (2).

ثمَّ قال: قال مصنّف هذا الكتاب: متى كان الإمام غائبا، كان ميراث ابن الملاعنة لامّه، و متى كان ظاهرا، كان لامّه الثلث، و الباقي لإمام المسلمين.

و تصديق ذلك: ما رواه الحسن بن محبوب عن أبي أيّوب عن أبي عبيدة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «ابن الملاعنة ترثه امّه الثلث، و الباقي لإمام المسلمين» (3).

و عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في ابن الملاعنة أنّه ترثه امّه الثلث، و الباقي للإمام لأنّ جنايته على الإمام» (4).

و المعتمد: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّ الأمّ وارثة له، و شرط ميراث الإمام عدم المناسب، فالمال بأجمعه لها.

و الأخبار المتظاهرة (5) دالّة عليه:

روى زرارة- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام) «إنّ ميراث ولد الملاعنة

____________

(1) الفقيه 4: 234- 235.

(2) الفقيه 4: 236/ 750.

(3) الفقيه 4: 236 و الحديث رقم 751.

(4) الفقيه 4: 236/ 752.

(5) في «ب»: المتظافرة.

89

لأمّه، فإن كانت امّه ليست بحيّة فلأقرب الناس إلى امّه أخواله» (1) و غير ذلك من الأحاديث.

و الشيخ- (رحمه الله)- في (التهذيب) لمّا روى الحديثين اللذين ذكرهما الصدوق، قال: هذان الخبران غير معمول عليهما، لأنّا قد بيّنّا أنّ ميراث ولد الملاعنة لأمّه كلّه، و الوجه فيهما التقيّة (2).

و أمّا في كتاب (الاستبصار) فقال عقيبهما: الوجه في هاتين الروايتين أن نقول: إنّما يكون لها الثلث من المال إذا لم يكن لها عصبة يعقلون عنه، فإنّه إذا كان كذلك، كانت جنايته على الإمام، و ينبغي أن تأخذ الأمّ الثلث، و الباقي يكون للإمام، و متى كان هناك عصبة لها يعقلون عنه، فإنّه يكون جميع ميراثه لها، أو لمن يتقرّب بها إذا لم تكن موجودة (3). و هو كقول الصدوق.

و المعتمد: ما قلناه.

مسألة 30: قال الشيخ في (النهاية): ولد الملاعنة لا يرثه أبوه

سواء اعترف به بعد اللعان أو لم يعترف به، و لا أحد من جهته من جدّ و جدّة و إخوة و أخوات، و عمومة و عمّات و أولادهم، و هو لا يرث واحدا منهم أيضا على حال، اللّهم إلّا أن يعترف به أبوه بعد اللعان، فإن اعترف به، ورث الابن الأب دون غيره ممّن يتقرّب إليه من جهته (4).

و قال المفيد: و متى جحد الرجل ولده من الحرّة و لا عنها، ثمَّ رجع عن الجحد و أقرّ بالولد، ضرب حدّ المفتري، و ردّ إليه نسب الولد، فإن مات الأب و له مال، ورثه الولد، و إن مات الولد و له مال، لم يرثه الأب، لأنّه قد كان أنكره، و يوشك أن يكون إقراره به طمعا في ميراثه، فلا يمكّن منه بل يحرمه.

____________

(1) الكافي 7: 160/ 2، التهذيب 9: 338/ 1218.

(2) التهذيب 9: 343 ذيل الحديث 1231.

(3) الاستبصار 4: 182 ذيل الحديث 684.

(4) النهاية: 679.

90

و ترث الولد امّه إن كانت باقية، و إن مضت قبله، ورثه إخوته من قبل امّه، فإن لم يكن له إخوة لأمّه، ورثه أخواله و أقاربه من قبل أمّه، و لا يرثه الإخوة من قبل الأب، و لا قريب له من قبله (1).

و قال أبو الصلاح: و لا يرث ولد الملاعنة ملا عن امّه المصرّ على نفيه، و لا من يتعلّق بنسبة، و لا يرثونه و من يتعلّق بنسبة، و يرثه بعد الاعتراف به و الرجوع عن نسبه و من يتعلّق بنسبة، و لا يرث الأب و لا من يتعلّق بنسبة، و ترثه امّه و من يتعلّق بنسبها، و يرثهم على كلّ حال (2).

و نقل ابن إدريس قول الشيخ في (النهاية) ثمَّ نقل عقيبه قول أبي الصلاح، ثمَّ قال: و هذا هو الأقوى عندي، لأنّه إذا أقرّ به، حكم عليه بأنّه ابنه إلّا ما أخرجه الدليل.

و لأنّ الإقرار بمنزلة البيّنة بل أقوى، إلّا أنّ لقائل أن يقول: قد حكم الشارع في هذا الموضع أنّه ليس بولد له، كما لو أقرّ اللقيط بأنّه عبد، لا يقبل إقراره بالعبودية، لأنّ الشارع حكم بأنّه حر، فلا يقبل إقراره بالرقّ.

ثمَّ قال: و الذي أعتمده في هذه الفتوى: أنّ الولد يرثه بعد إقراره به دون غيره من قراباته، فإنّه لا يرثهم، و لا يرثونه، لإجماع أصحابنا على ذلك، و من شذّ منهم لا يلتفت إلى خلافه، فإنّه معروف النسب و الاسم، و هو أبو الصلاح صاحب كتاب (الكافي) الحلبي (3).

و هذا يدلّ على اضطرابه، و عدم تميّز قوّته المفكّرة.

و المشهور: الأول، لانقطاع سبب الإرث من جهة الأب، و عوده من جهة الابن باعتبار الإقرار لا يتعدّى حكم المقرّ.

تذنيب: هذا المكذّب نفسه بعد انقضاء اللعان هل يجب عليه الحدّ؟ قال الشيخ في (النهاية): لا حدّ عليه، و قد روي أنّ عليه الحدّ.

____________

(1) المقنعة: 542- 543.

(2) الكافي في الفقه: 375.

(3) السرائر 3: 275.

91

قال: و الأظهر ما قدّمناه أوّلا، لأنّه لا حدّ عليه بعد مضيّ اللعان (1).

و قال ابن أبي عقيل: يجب عليه الحدّ.

و الوجه: ما قاله الشيخ، لأنّ اللعان يسقط الحدّ، فلا يعود بغير سبب.

مسألة 31: روى الشيخ في (الاستبصار) أنّ ولد الملاعنة يرثه أخواله، و لا يرثهم

الولد روايات متعدّدة، ثمَّ تأوّلها بأنّها لا تنافي الأخبار الأولى الدالّة على أنّه يرثهم و يرثونه، فإنّ ثبوت الموارثة بينهم إنّما يكون إذا أقرّ به الوالد بعد انقضاء الملاعنة، لأنّ ذلك يبعّد التهمة من المرأة، و يقوّي صحّة نسبه، فيرث أخواله، و يرثونه، و الأخبار الأخيرة متناولة لمن لا يقرّ والده به بعد الملاعنة، فإنّ عند ذلك التهمة باقية، فلا تثبت الموارثة، بل يرثونه و لا يرثهم، لأنّه لم يصح نسبه.

و قد فصّل ما قلناه أبو عبد اللّه (عليه السلام) في رواية أبي بصير و محمد بن مسلم و أبي الصباح الكناني و زيد الشحّام، و أنّه إنّما تثبت الموارثة إذا أكذب نفسه، و ذكر في رواية أبي بصير- الأخيرة- و الحلبي معا أنّه إنّما لم يثبت ذلك إذا لم يدّعه أبوه، و كان ذلك دالّا على ما قلناه من التفصيل، و على هذا الوجه لا تنافي بينهما على حال (2).

و قال في (التهذيب): و قد روي أنّ الأخوال يرثونه و لا يرثهم، غير أنّ العمل على ثبوت الموارثة بينهم أحوط و أولى على ما يقتضيه شرع الإسلام (3).

و الوجه: ما قاله الشيخ في (التهذيب) و هو اختيار الأكثر (4)، و به قال ابن إدريس (5)، لما رواه زيد الشحّام عن الصادق (عليه السلام)، قال: «و هو يرث أخواله» (6).

____________

(1) النهاية: 521.

(2) الاستبصار 4: 181- 182.

(3) التهذيب 9: 341 ذيل الحديث 1225.

(4) منهم: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 2: 164، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 375.

(5) السرائر 3: 276.

(6) التهذيب 9: 340/ 1225، الاستبصار 4: 180/ 678.

92

و لأنّهم يرثونه فيرثهم، لأنّ نسبه من جهة الأمّ باق. و لأنّهم كالإخوة.

مسألة 32: قال الشيخ في (النهاية): ولد الزنا لا يرثه أحد إلّا ولده أو زوجه أو زوجته،

و هو أيضا لا يرث أحدا إلّا ولده أو زوجه أو زوجته، فإن مات و ليس له ولد و لا زوج و لا زوجة، فميراثه لإمام المسلمين، و لا يرثه أبواه و لا أحد ممّن يتقرّب بهما إليه على حال.

و قال بعض أصحابنا: إنّ ميراث ولد الزنا مثل ميراث ولد الملاعنة.

و المعتمد: ما قلناه (1).

و قال في (الخلاف): الظاهر من مذهب أصحابنا أنّ ولد الزنا لا يرث امّه و لا ترثه امّه و لا أحد من جهتها. و قد ذهب قوم من أصحابنا إلى أنّ ميراثه مثل ميراث ولد الملاعنة، و سواء كان ولدا واحدا أو ولدين، و أنّ أحدهما لا يرث الآخر إلّا على القول الثاني.

و لو كان ولد الزنا توأما ثمَّ مات أحدهما، فإنّه يرث الآخر منه من جهة الأمومة دون الأبوّة على قول من قال من أصحابنا: إنّه يجري مجرى ولد الملاعنة.

و استدلّ بالأخبار، و بأنّ الميراث تابع للنسب الشرعي، و ليس هنا نسب شرعي بين ولد الزنا و بين الامّ (2).

و قال ابن البرّاج: ميراث ولد الزنا يختلف أصحابنا فيه، فمنهم من يقول:

ولد الزنا لا يرث أباه و لا امّه و لا يرثه أبوه و لا امّه، و منهم من يقول: يرث امّه و من يتقرّب بها، و ترثه امّه و من يتقرّب بها. قال: و الأقوى عندي الأول (3)، و هو قول ابن حمزة و ابن إدريس (4)، و أبو الصلاح (5) اختار الثاني.

____________

(1) النهاية: 681.

(2) الخلاف 4: 104، المسألة 114.

(3) المهذّب 2: 165.

(4) الوسيلة: 403، السرائر 3: 276.

(5) الكافي في الفقه: 377.

93

و قال ابن الجنيد: لا يرث ولد الزنا ممّن زنى بامّه فولدته بمائه، و لا يرثه و إن ادّعاه، و ميراثه لامّه، كولد الملاعنة.

و قال الصدوق في كتاب (المقنع): إذا ترك الرجل ابن الملاعنة، فلا ميراث لولده منه، و كان ميراثه لأقربائه، فإن لم يكن، فلإمام المسلمين، إلّا أن يكون أكذب نفسه بعد اللعان، فيرثه الابن، و إن مات الابن، لم يرثه الأب.

و إذا ترك ابن الملاعنة امّه و أخواله، فميراثه كلّه لأمّه، فإن لم تكن له أمّ، فميراثه لأخواله. و إذا ترك ابنته و أخته، فميراثه كلّه لابنته. و إذا ترك خاله و خالته، فالمال بينهما سواء. فإن ترك أخا لأمّ و جدّه أبا امّه، فالمال بينهما سواء، و هكذا تكون مواريث ابن الملاعنة و ولد الزنا (1). فأجرى ولد الزنا مجرى ولد الملاعنة، و جعله في كتاب (من لا يحضره الفقيه) رواية (2).

و المعتمد: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّ سبب الميراث منقطع شرعا عن الأبوين، و لا يلحقهما، و لا يرث الأب، و لا يرثه إجماعا، فكذا الأمّ، لأنّها إحدى الأبوين، و لانقطاع النسب.

و ما رواه عبد اللّه بن سنان- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قلت:

فإنّه مات- يشير إلى ولد الزنا- و له مال، من يرثه؟ قال: «الإمام» (3).

و عن زيد الشحّام عن الصادق (عليه السلام)، قال: «أيّما رجل وقع على جارية حراما، ثمَّ اشتراها، و ادّعى ولدها، فإنّه لا يورث منه، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر، و لا يورث ولد الزنا إلّا رجل يدّعي ولد جاريته» (4).

احتجّ الآخرون: بما رواه يونس، قال: «ميراث ولد الزنا لقرابته من قبل امّه على ميراث ابن الملاعنة» (5).

____________

(1) المقنع: 177.

(2) الفقيه 4: 232/ 740.

(3) الفقيه 4: 231- 232/ 739، التهذيب 9: 343/ 1234، الاستبصار 4: 183/ 686.

(4) التهذيب 9: 344/ 1236، الاستبصار 4: 183/ 688.

(5) التهذيب 9: 344/ 1238، الاستبصار 4: 183/ 689، و الكافي 7: 164 ذيل الحديث 4.

94

قال الشيخ: هذه رواية موقوفة لم يسندها يونس إلى إمام (1).

ثمَّ روى عن إسحاق بن عمّار عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام) «أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: ولد الزنا و ابن الملاعنة ترثه امّه و إخوته لأمّه أو عصبتها» (2).

و تأوّله بأنّه يجوز أن يكون سمع الراوي هذا الحكم في ولد الملاعنة، فظنّ أنّ حكم ولد الزنا حكمه (3).

مسألة 33: قال الشيخ في (النهاية): إذا خلّف الميّت وارثا له ما للرجال و ما للنساء،

فإنّه يعتبر حاله بالبول، فأيّهما سبق منه البول ورّث عليه، فإن خرج من الموضعين سواء، فأيّهما انقطع منه البول ورّث عليه، فإن انقطع منهما معا، ورّث ميراث الرجال و النساء: نصف ميراث الرجال و نصف ميراث النساء.

و قد روي أنّه تعدّ أضلاعه من الجانبين، فإن تساويا، ورّث ميراث المرأة، و إن زاد أحدهما على الآخر، ورّث ميراث الرجال، و الأوّل أحوط و أكثر في الروايات (4).

و قال في (الخلاف): يعتبر بالمبال، فإن خرج من أحدهما أوّلا، ورّث عليه، و إن خرج منهما، اعتبر بالانقطاع، فيورّث على ما ينقطع أخيرا، فإن اتّفقا، روى أصحابنا أنّه تعدّ أضلاعه، فإن تساويا، ورّث ميراث النساء، و إن نقص أحدهما، ورّث ميراث الرجال.

و المعمول عليه أن يرجع إلى القرعة، فيعمل عليها.

ثمَّ نقل عن الشافعي أنّه ينزّل بأسوإ حالتيه، فنعطيه نصف المال، لأنّه اليقين، و الباقي يكون موقوفا حتى يتبيّن حاله، فإن بان أنّه ذكر، اعطي ميراث الذكور،

____________

(1) التهذيب 9: 345، الاستبصار 4: 183 ذيل الحديث 689.

(2) التهذيب 9: 345/ 1239، الاستبصار 4: 184/ 690.

(3) التهذيب 9: 345 ذيل الحديث 1239، الاستبصار 4: 184 ذيل الحديث 690.

(4) النهاية: 677- 678.

95

و إن بان أنّه أنثى، فقد أخذ حقّه، و يعطى الباقي للعصبة.

و عن أبي حنيفة: أنّه يعطى النصف يقينا، و الباقي للعصبة.

و عن قوم من الحجازيّين و قوم من البصريّين أنّه يدفع إليه نصف ميراث الذكر و نصف ميراث الأنثى، فيعطى ثلاثة أرباع المال.

و استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم (1).

و قال في (المبسوط) (2) كقوله في (النهاية).

و قال المفيد: يعتبر بالبول، فإن بال من أحدهما دون الآخر، قضي له بحكم ما بال منه، و إن بال منهما جميعا، نظر من أيّهما ينقطع أخيرا، فيحكم له بحكمه، فإن بال منهما جميعا و قطع منهما جميعا، ورّث ميراث النساء و الرجال، فاعطي نصف سهم الأنثى و نصف سهم الذكر (3).

و قال ابن الجنيد: السنّة أن ينظر إلى المكان الذي يبول منه، فإن خرج من الذكر دون غيره، ورّث ميراث الذكر، و إن خرج من الفرج دون الذكر، ورّث ميراث الأنثى، و إن خرج منهما، كان الحكم لما سبق منه البول، فإن ورد معا، عدّت أضلاعه، فإنّ للمرأة ثمانية عشر ضلعا، و للرجل سبعة عشر ضلعا: من الجانب الأيسر ثمانية، و من الجانب الأيمن تسعة، و ضلع ناقص صغير من الجانب الأيسر.

و قال ابن أبي عقيل: الخنثى عند آل الرسول (عليهم السلام) فإنّه ينظر، فإن كان هناك علامة يتبيّن به الذكر من الأنثى من بول أو حيض أو احتلام أو لحية أو ما أشبه ذلك، فإنّه يورّث على ذلك، فإن لم يكن هناك ما يتبيّن به و كان له ذكر كذكر الرجل و فرج كفرج النساء، فإنّ له ميراث الذكر، لأنّ ميراث النساء داخل في ميراث الرجال، و هذا ما جاء عنهم (عليهم السلام) في بعض الآثار.

و قد روي عن بعض علماء الشيعة أنّه سئل عن الخنثى، فقال: روى بعض

____________

(1) الخلاف 4: 106، المسألة 116.

(2) المبسوط 4: 114.

(3) المقنعة: 698.

96

أصحابنا من وجه ضعيف لم يصح عندي: أنّ حوّاء خلقت من ضلع آدم، فصار للرجال من ناحية اليسار ضلعا أنقص، فللنساء ثمانية عشر ضلعا من كلّ جانب تسعة، و للرجال سبعة عشر ضلعا: من جانب اليمين تسعة، و من جانب اليسار ثمانية. و هذه علامة جيّدة واضحة إن صحّت.

و روي عنهم (عليهم السلام) أنّه يورّث من المبال، فإن سلسل البول على فخذه، فهي امرأة، و إن زرق البول كما يزرق من الرجل، فهو رجل.

و جميع ما ذكرنا كلّه من العلامات التي يعرف بها الرجال من النساء مثل الحيض و اللحية و الجماع و غير ذلك.

و لو أنّ رجلا مات و ترك خنثى مشكلا و أبوين، فللأبوين السدسان و ما بقي فللخنثى.

و قال علي بن بابويه: ينظر إلى إحليله إذا بال، فإن خرج بوله ممّا يخرج من الرجال، ورّث ميراث الرجال، و إن خرج البول ممّا يخرج من النساء ورّث ميراث النساء، و إن خرج البول منهما جميعا، فمن أيّهما سبق البول، ورّث عليه، فإن خرج البول من الموضعين معا، فله نصف ميراث الذكر و نصف ميراث الأنثى (1).

و قال الصدوق ابنه: نظر إلى إحليله، فإن خرج البول ممّا يخرج من الرجال، ورّث ميراث الرجال، و إن خرج ممّا يخرج من النساء، ورّث ميراث النساء، فإن خرج البول من الموضعين معا، ورّث نصف ميراث الذكر و نصف ميراث الأنثى (2).

و روي في حديث آخر أنّه إذا مات و لم يبل، فنصف ميراث الذكر و نصف ميراث الأنثى.

و قال السيّد المرتضى: ممّا انفردت به الإماميّة: أنّ من أشكلت حاله من الخناثى في كونه ذكرا أو أنثى، اعتبر حاله بخروج البول، فإن خرج من الفرج

____________

(1) انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 290- 291.

(2) المقنع: 176، و ليس فيه قوله الآتي: و روي. الأنثى.

97

الذي يكون للرجال خاصّة، ورّث ميراث الرجال، و إن كان خروجه ممّا يكون للنساء خاصّة، ورّث ميراث النساء، و إن بال منهما معا، نظر إلى الأغلب و الأكثر منهما، فعمل عليه، و ورّث به، فإن تساوى ما يخرج من الموضعين و لم يختلف، اعتبر بعدد الأضلاع، فإن اتّفقت، ورّث ميراث الإناث، و إن اختلفت، ورّث ميراث الرجال.

و خالف باقي الفقهاء في ذلك، و قالوا فيه أقوالا مختلفة كلّها يخالف قول الشيعة في ذلك، لأنّ أبا حنيفة و إن كان قد روي عنه اعتبار البول، كما يعتبره الإمامية، فإنّه يذهب إلى أنّه متى خرج البول من الفرجين جميعا، ورّثه بأحسن أحواله [فإن كان أحسن أحواله] (1) أن يكون ذكرا، أعطاه ذلك، و إن كان أحسن أحواله أن يكون أنثى، أعطاه ذلك.

و الشافعي يعطي الخنثى ميراث امرأة، و يوقف بقية المال حتى يتّضح أمره.

و أقوال الجميع إذا تأمّلت علم أنّها خارجة عن أقوال الإمامية و منفردة.

و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه: الإجماع المردّد.

و أيضا فإنّ باقي الفقهاء عوّلوا عند إشكال الأمر، و تقابل الأمارات على رأي و ظنّ و حسبان، و عوّلت الإمامية فيما يحكم به في الخنثى على نصوص و شرع محدود، فقولها على كلّ حال أولى (2).

و قال سلّار: إن بال من أحدهما، ورّث عليه، و إن بال منهما، ورّث على ما ينقطع عليه أخيرا، فإن قطع منهما ورّث النصف من ميراث النساء و النصف من ميراث الرجال (3).

و قال ابن البرّاج في كتابي (المهذّب) و (الكامل): إن خرج البول ممّا هو للرجال، ورّث ميراث الذكور، و إن خرج ممّا هو للنساء، ورّث ميراث الإناث، فإن خرج منهما جميعا، كان الاعتبار بما سبق منهما، فإن سبق ما للرجال، ورّث

____________

(1) أضفناها من المصدر.

(2) الانتصار: 306- 307.

(3) المراسم: 225.

98

ميراث الذكر، و إن سبق ما للنساء، ورّث ميراثهنّ، فإن لم يسبق أحدهما الآخر، كان الاعتبار بانقطاعه، فأيّهما انقطع منه قبل الآخر كان التوريث بحسبه، فإن انقطعا جميعا دفعة، اعطي نصف ميراث النساء و نصف ميراث الذكور (1).

و قال ابن حمزة: من أيّ الآلتين خرج البول ورّث عليهما، فإن خرج منهما، اعتبر الأسبق، فإن خرج منهما دفعة، فأيّهما انقطع أخيرا، ورّث عليه، فإن انقطعا دفعة، فهو مشكل، فإن بان أنثى، كان ميراثها ميراث النساء، و إن بان ذكرا، كان ميراثه ميراث الرجال، و إن أشكل أمره، ورّث نصف ميراث الرجل و نصف ميراث الأنثى.

و قيل: يفرض بنتا و نصف بنت.

فعلى الأوّل لو خلّف الرجل ابنا و بنتا و خنثى، فالفريضة من أربعين، و على الثاني من تسعة (2).

و قال ابن إدريس: يحكم بالبول، فمن أيّهما خرج ورّث عليه، فإن خرج منهما، اعتبر بالأسبق، فمن أيّهما سبق ورّث عليه، فإن خرج دفعة، اعتبر بالذي ينقطع منه البول أخيرا، فيورّث عليه، و يحكم به له، فإن جاء سواء دفعة و انقطعا سواء في وقت واحد، ففي هذه الحال يتصوّر مسألة الخلاف بين أصحابنا، فحينئذ يتحرّر النزاع، و أمّا في الأحوال الاولى فلا خلاف بينهم فيها أجمع، بل الخلاف فيما صوّرناه.

فذهب شيخنا في (المبسوط) و (النهاية) و (الإيجاز) إلى أنّه يورّث نصف ميراث الرجال و نصف ميراث النساء.

و ذهب جماعة من أصحابنا و الأكثرون منهم و المحصّلون إلى أنّه في هذه الحال المتنازع فيها يعتبر و يورّث بعدد الأضلاع، فإن نقص عدد أحد الجانبين عن الآخر، ورّث ميراث الرجال، و حكم عليه بحكمهم، و إن تساوى الجانبان في عدد الأضلاع، ورّث ميراث النساء، و حكم له بحكمهنّ.

____________

(1) المهذّب 2: 171.

(2) الوسيلة: 401- 402.

99

و هو مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان، فإنّه قال في كتاب (الاعلام)- و شرحه على جميع متفقّهة العامّة فيه و مستدلا عليهم-: و اتّفقت الإمامية في توريث الخنثى على اعتباره بالمبال، فإن كان خروج البول ممّا يكون للرجال خاصّة، ورّث ميراث الرجال، و إن كان خروجه ممّا يكون للنساء حسب، ورّث ميراث النساء، و إن بال منهما جميعا، نظر إلى الأغلب منهما بالكثرة، فورّث عليه، و إن تساوى ما يخرج من الموضعين، اعتبر باتّفاق الأضلاع و اختلافها، فإن اتّفقت، ورّث ميراث الإناث، و إن اختلفت، ورّث ميراث الرجال، و لم أجد أحدا من العامّة يعتبر في الخنثى ما ذكرناه على الترتيب الذي وصفناه.

و استدلّ بإجماع الفرقة، و ورود الخبر بذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعزوه إلى السنّة الثابتة عن نبي الهدى (صلّى اللّه عليه و آله)، و بطلان مقال من خالفه، و قطع على فساده من العامّة، إذ لم يعتمد في ذلك على حجّة في فساده، و قد ثبت أنّ الحقّ لا يخرج عن امّة محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو كانت الإمامية مبطلة فيما اعتقدته منه و كان من خالفها أيضا مبطلا في إنكاره لما ذكرناه، لخرج الحقّ عن امّة محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك باطل، لما بيّنّاه.

قال ابن إدريس: فقد رجع شيخنا عمّا ذكره في (مقنعته) بغير شكّ و لا ارتياب.

و هذا أيضا مذهب السيّد المرتضى، و استدلّ عليه أيضا بالإجماع.

ألا ترى- أرشدك اللّه- إلى استدلال هذين العالمين القدوتين بإجماع الإمامية على صحّة القول في هذه المسألة و فساد قول من خالفهما، و إلى ما ذهبا إليه أذهب، و عليه أعمل، و به افتي، إذ الدليل يعضده، و هو الإجماع و الخبر المتّفق عليه.

و قد كان بعض أصحابنا الماضين يتعاطى معرفة مسائل الخناثى و الضرب لها و استخراج سهامهم بغير انكسار، و كنّا نجيل في ذلك سهامنا مع سهامهم متبعين كلامهم قبل إعمال نظرنا في المسألة، إذ الإذن البكر تقبل ما يرد عليها بلا رويّة

100

و لا نظر، و هذا غير محمود عقلا و شرعا، فحيث تأمّلنا المسألة و أعطينا النظر حقّه، و سبرنا أقاويل أصحابنا و كتبهم، وجدناها بخلاف ما كنّا عليه، فكشفنا قناع صحّتها، و أوضحنا غياهب ظلمتها.

و يدلّ عليه أيضا: قوله تعالى ممتنّا على عباده وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً (1) يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (2) وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى (3) و ما قال في امتنانه: و الخنثى، و قال فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى (4) فلو كان المجعول قسما آخر، لذكره في امتنانه.

ثمَّ إنّ الشيخ رجع عمّا ذكره في (نهايته) و (إيجازه) و (مبسوطة) في (مسائل خلافه) و رجع إلى القرعة، و القرعة إنّما ترد في أمر مشكل لم يرد فيه بيان شرعي، و قد أقرّ- (رحمه الله)- أنّ أصحابنا رووا عدّ الأضلاع، مع أنّه سئل في (الحائريات) عن الخبر الذي ورد أنّ اللّه تعالى لمّا خلق آدم (عليه السلام) أخذ من جنبه الأيسر ضلعه الأعوج، فخلق منه حوّاء، و أنّ أضلاع الرجال تنقص، و أضلاع النساء تمام، فأجاب: بأنّه مشهور بين أهل النقل في أصحابنا و المخالفين، و هو جائز لا مانع منه، و هو في قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هذا قول يدلّ على أنّه إجماع المسلمين، فضلا عن طائفتنا (5).

و المعتمد: أنّه يرث نصف الميراثين.

لنا: ما رواه هشام بن سالم- في الموثّق- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«قضى علي (عليه السلام) في الخنثى له ما للرجال و له ما للنساء، قال: يورّث من حيث يبول، فإن خرج منهما جميعا، فمن حيث سبق، فإن خرج سواء، فمن حيث ينبعث، فإن كانا سواء، ورّث ميراث الرجال و النساء» (6).

____________

(1) النساء: 1.

(2) الشورى: 49.

(3) الليل: 3.

(4) القيامة: 39.

(5) السرائر 3: 277- 282.

(6) التهذيب 9: 354/ 1269.

101

و لأنّ القضيّة المعهودة في الشرع قسمة ما يقع فيه التنازع بين الخصمين مع تساويهما في الحجّة و عدمها و الأمر كذلك هنا، فإنّه إذا خلّف مع الخنثى ذكرا، فهو يقول: أنثى ذكر، و الذكر ينكره، فله ما اتّفقا عليه، و هو سهم الأنثى، و يقع التنازع في التفاوت بين السهمين، فيقسّم بينهما.

و لأنّه ليس أحد الاحتمالين أولى، فتعيّن الاقتسام. و قد روى عدّ الأضلاع علي بن عبد اللّه بن معاوية بن ميسرة بن شريح عن أبيه عن جدّه عن أبي جدّه ميسرة قضية شريح، و حكم علي (عليه السلام) (1)، و لم يحضر عندي عدالة الرواة الآن، فالاعتماد على الأول.

و اعلم أنّ عبارة ابن البرّاج فاسدة، لأنّه اعتبر السبق في الانقطاع و ورّث على السابق.

و أخذه من عبارة شيخنا في (النهاية) فإنّها موهمة، فإنّه قال: فأيّهما انقطع منه البول ورّث عليه (2).

و قول ابن أبي عقيل بأنّه يرث ميراث الرجال لدخول ميراث النساء فيه، ليس بمعتمد، لأنّ دخول ميراث النساء في ميراث الرجال لا يقتضي إعطاءه سهم الرجال، لجواز أن يكون امرأة، فيأخذ أكثر من حقّه.

و كذا الفرض الذي ذكره في الأبوين و الخنثى أنّه يكون للأبوين السدسان و الباقي للخنثى، ليس بجيّد، بل للخنثى تسعة عشر من ثلاثين و للأبوين الباقي، و يصحّ من غير كسر عليهما من ستّين.

مسألة 34: الذي ليس له ما للرجال و لا ما للنساء يورّث بالقرعة

عند أكثر علمائنا (3).

____________

(1) التهذيب 9: 354/ 1271.

(2) النهاية: 677.

(3) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 698، و الشيخ الطوسي في النهاية: 678، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه:

375.

102

و قال ابن الجنيد: فإن كان في الموضع ثقبة لا تشبه الفرج و لا له ذكر، نظر فإن كان إذا بال نحا ببوله ناحية من حذاء مباله، فهو ذكر، و إن لم ينح و بال على مباله فهو أنثى.

و المشهور: الأول.

لما رواه عبد اللّه بن مسكان- في الموثّق- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سئل (عليه السلام) و أنا عنده: عن مولود ليس بذكر و لا أنثى ليس له إلّا دبر كيف يورّث؟

قال: «يجلس الإمام و يجلس عنده أناس من المسلمين و يدعون اللّه و يجيل السهام عليه على أيّ ميراث يورّثه» (1).

و كذا رواه ثعلبة عن بعض أصحابنا عن الصادق (2) (عليه السلام).

احتجّ ابن الجنيد: بما رواه عبد اللّه بن بكير عن بعض أصحابنا في مولود ليس له ما للرجال و لا ما للنساء إلّا ثقب يخرج منه البول على أيّ ميراث يورّث؟ قال:

«إن كان إذا بال يتنحى بوله ورّث ميراث الذكر، و إن كان لا يتنحّى بوله ورّث ميراث الأنثى» (3).

و الجواب: ما ذكرناه أوضح طريقا و أشهر بين علمائنا.

و قد رواه الشيخ- في الصحيح- عن الفضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن مولود ليس له ما للرجال و لا ما للنساء، قال: «يقرع الإمام» (4). الحديث.

قال الشيخ لمّا ذكر رواية عبد اللّه بن بكير: لا تنافي الأخبار المتقدّمة، لأنّها محمولة على ما إذا لم يكن هناك طريق يعلم به أنّه ذكر أم أنثى، استعمل القرعة، فأمّا إذا أمكن- على ما تضمّنته الرواية الأخيرة- فلا يمتنع العمل عليها و إن كان الأخذ بالروايات الأوّلة أحوط و أولى (5).

____________

(1) التهذيب 9: 357/ 1276.

(2) التهذيب 9: 357/ 1275.

(3) التهذيب 9: 357/ 1277، الاستبصار 4: 187/ 702.

(4) التهذيب 9: 356/ 1273، الاستبصار 4: 187/ 701.

(5) الاستبصار 4: 187 ذيل الحديث 702.

103

مسألة 35: قال الشيخ في (النهاية): طلاق المريض غير جائز،

فإن طلّق، ورثته المرأة ما بينه و بين سنة إذا لم يبرأ من مرضه و لا تتزوّج المرأة، و إن لم تتزوّج و مضى لها سنة و يوم، لم يكن لها بعد ذلك ميراث، و يرث هو المرأة ما دامت في العدّة، فإذا خرجت من عدّتها، لم يكن لها منه ميراث، و لا فرق بين أن تكون التطليقة أوّله أو ثانية أو ثالثة و على كلّ حال (1).

و هذه العبارة موهمة أنّه يرثها في التطليقة الثالثة.

و نقله ابن إدريس عنه بمجرّد ذلك (2).

و الحقّ: أنّه لا يرثها مع البينونة، بل ترثه هي، لانقطاع العصمة باعتباره.

على أنّ الشيخ لم يصرّح بأنّه يرثها في البائن، بل قال: و لا فرق بين أن تكون التطليقة أوّله أو ثانية أو ثالثة بالنسبة إلى ميراثها منه.

مسألة 36: قال الشيخ في (النهاية): و أمّا المشكوك فيه فهو أن يطأ الرجل امرأته أو جاريته، ثمَّ يطأها غيره

في تلك الحال و تجيء بالولد، فإنّه لا ينبغي له أن يلحقه به لحوقا صحيحا، بل ينبغي أن يربّيه و ينفق عليه، فإذا حضرته الوفاة، عزل له شيئا من ماله قدر ما يتقوّى به على شأنه، و إن مات هذا الولد، لم يكن له شيء من تركته، و كانت لبيت المال إن لم يخلّف ولدا و لا زوجا و لا زوجة (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و قال ابن إدريس: ما ذكره الشيخ- (رحمه الله)- خلاف ما تقتضيه أصول مذهبنا، و الصحيح أنّ هذا الولد- الذي من زوجته- ولده شرعا يرثه إذا مات، و كذلك الولد يرث الوالد إذا لم ينتف منه باللعان مع امّه بغير خلاف بيننا.

____________

(1) النهاية: 509.

(2) السرائر 3: 283.

(3) النهاية: 681.

(4) المهذّب 2: 166.

104

و لقوله (عليه السلام): (الولد للفراش و للعاهر الحجر) (1) و الفراش عبارة عن العقد و إمكان الوطء على ما جرت به العادة، دون التمكين على ما في مقدور اللّه تعالى (2).

و الصدوق- (رحمه الله)- روى- في الصحيح- عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إنّ رجلا من الأنصار أتى إلى أبي (عليه السلام)، فقال: إنّي ابتليت بأمر عظيم: إنّ لي جارية كنت أطأها فوطئتها يوما و خرجت في حاجة لي بعد ما اغتسلت منها، فنسيت نفقة لي، فرجعت إلى المنزل لأخذها، فوجدت غلامي على بطنها، فعددت لها من يومي ذلك تسعة أشهر، فولدت جارية، فقال: لا ينبغي لك أن تقربها و لا تبيعها، و لكن أنفق عليها من مالك ما دمت حيّا، ثمَّ افرض عند موتك أن ينفق عليها من مالك حتى يجعل اللّه لك و لها مخرجا» (3).

و روى نحو ذلك، لكن كلّ ذلك في الجارية (4).

و أمّا في الزوجة فالإشكال الذي ذكره (5) ابن إدريس حقّ.

مسألة 37: قال الشيخ في (النهاية): و من تبرّأ عند السلطان من جريرة ولده و من ميراثه،

ثمَّ مات الولد و له مال، كان ميراثه لعصبة أبيه (6) دون أبيه (7). و تبعه ابن البرّاج (8).

و قال ابن إدريس: هذا خلاف إجماع أصحابنا و إجماع المسلمين، لأنّ الوالد

____________

(1) صحيح البخاري 3: 70، سنن أبي داود 2: 703/ 2273، سنن ابن ماجه 1: 646/ 2006، سنن البيهقي 7: 157 و 402 و 412، مسند أحمد 6: 129.

(2) السرائر 3: 285.

(3) الفقيه 4: 230/ 734.

(4) الفقيه 4: 230- 231/ 735 و 736.

(5) في «ص» و الطبعة الحجرية: قاله.

(6) في المصدر: امّه، و كذا في «ب».

(7) النهاية: 682.

(8) المهذّب 2: 167.

105

يضمن جريرة ابنه و يعقل عنه، و لا يصحّ التبرّي من المواريث على حال، و إنّما هذه رواية شاذّة من أضعف أخبار الآحاد أوردها شيخنا إيرادا لا اعتقادا.

و قد رجع عنها في (الحائريات): و عن العاقلة إذا تبرّأت من ميراث من تعقل عنه و جريرته أ يكون ذلك بمنزلة الأب؟ أو ما الحكم في ذلك؟ فأجاب- (رحمه الله)- و قال: الجواب: لا يصحّ له التبرّي، لأنّ الشرع إذا حكم به لم ينفع التبرّي، و ثبت حكمه، و الرواية التي في تبرّي الأب من جريرة الابن رواية شاذّة فيها نظر، فإن صحّت لا يقاس عليها غيرها (1).

و الوجه: ما قاله الشيخ في (المسائل الحائرية) للأصل، و القرآن الدالّ على التوارث.

و الصدوق- (رحمه الله)- روى عن أبي بصير، قال: سألته (عليه السلام): عن المخلوع يتبرّأ منه أبوه عند السلطان و من ميراثه و جريرته، لمن ميراثه؟ فقال: «قال علي (عليه السلام): هو لأقرب الناس إليه» (2).

و لا دلالة صريحة في هذه الرواية على ما ذكره الشيخ في (النهاية) فلا يصحّ الاحتجاج بها.

مسألة 38: قال الشيخ في (النهاية): اختلف أصحابنا في ميراث المجوس:

فقال قوم: إنّهم يورّثون بالأنساب و الأسباب الصحيحة التي تجوز في شرع الإسلام، و لا يورّثون بما لا يجوز فيه على حال.

و قال قوم: إنّهم يورّثون بالأنساب على كلّ حال، و لا يورّثون بالأسباب إلّا بما هو جائز في شريعة الإسلام.

و قال قوم: إنّهم يورّثون من الجهتين معا، سواء كان ممّا يجوز في شرع الإسلام أو لا يجوز.

و هذا القول عندي هو المعتمد و به تشهد الروايات.

____________

(1) السرائر 3: 286.

(2) الفقيه 4: 229/ 731، و فيه: «. لأقرب الناس إلى أبيه».

106

و أيضا فإنّ أنسابهم و أسبابهم و إن لم تكن جائزة في شريعة الإسلام، فهي جائزة عندهم، و هي نكاح على رأيهم و مذهبهم، و قد أمرنا بأن نقرّهم على ما يرونه من المذاهب، و نهينا عن قذفهم بالزنا. و قيل: أ ليس ذلك عندهم نكاحا؟

و إذا كان ذلك ثابتا، فينبغي أن يكون العمل عليه، مع أنّه قد رويت الرواية الصريحة- و قد أوردناها في كتاب (تهذيب الأحكام)- بأنّهم يورّثون من الجهتين جميعا و إن كان ذلك باطلا في شريعة الإسلام (1). و نحوه قال في (الخلاف) (2).

و قال ابن الجنيد: المشهور عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يورّث المجوسي إذا تزوّج بامّه أو أخته أو ابنته من وجهين: بوجه القرابة، و بوجه الزوجيّة (3).

و قال ابن أبي عقيل: و المجوس عند آل الرسول (عليهم السلام) يورّثون بالنسب و لا يورّثون بالنكاح، فإن هلك مجوسي و ترك امّه و هي أخته و هي امرأته، فالمال لها من قبل أنّها أمّ، و ليس لها من قبل أنّها زوجة شيء.

و إن ترك بنتا هي زوجة، فلها النصف من قبل أنّها بنت، و الباقي ردّ عليها، و لا ترث من قبل أنّها زوجة.

و لو أنّ مجوسيّا تزوّج ابنته فأولدها ابنتين ثمَّ مات، فإنّه ترك ثلاث بنات المال بينهنّ بالسويّة، فإن ماتت إحدى الابنتين فإنّها تركت أمّها و هي أختها، و تركت أختها لأبيها و أمّها، فالمال كلّه لامّها التي هي أختها لأبيها.

و قال المفيد (رحمه الله): إن ترك المجوسي امّه و هي زوجته، ورثت من جهة الأمومة دون الزوجية، و كذلك إن كانت أخته أو ابنته، فالحكم على ما ذكرناه يكون الميراث بالنسب دون السبب الفاسد (4).

و قال الصدوق في (المقنع): فأمّا مواريث أهل الكتاب و المجوس فإنّهم يورّثون من جهة القرابة، و يبطل ما سوى ذلك من ولاداتهم (5).

____________

(1) النهاية: 683- 684.

(2) الخلاف 4: 108، المسألة 119.

(3) الفقيه 4: 249/ 804، التهذيب 9: 364/ 1299، الاستبصار 4: 188/ 704.

(4) انظر: المقنعة: 699- 700 مع الهامش.

(5) المقنع: 179.

107

و قال في كتاب (من لا يحضره الفقيه): المجوس يرثون بالنسب و لا يرثون بالنكاح الفاسد، فإن مات مجوسي و ترك امّه و هي أخته و هي امرأته، فالمال لها من قبل أنّها أمّ، و ليس لها من قبل أنّها أخت و أنّها زوجة شيء.

و في رواية السكوني: أنّ عليّا (عليه السلام) كان يورّث المجوسي إذا تزوّج بامّه و أخته و ابنته من وجهين: من وجه أنّها امّه، و من وجه أنّها زوجته. و لا افتي بما ينفرد به السكوني بروايته (1). و فرّع على ذلك مسائل.

و ابن البرّاج (2) وافق شيخنا في (نهايته) و كذا سلّار و ابن حمزة (3).

و قال أبو الصلاح: إنّهم يورّثون بالنسب و السبب الصحيحين دون الفاسدين (4).

و قال ابن إدريس: اختلف قول أصحابنا في ميراث المجوس إذا تحاكموا إلى حكّام الإسلام على ثلاثة أقوال:

فقال قوم: إنّهم يورّثون بالأنساب و الأسباب الصحيحة التي تجوز في شرع الإسلام، [و لا يورّثون بما لا يجوز فيه على كلّ حال.

و قال قوم: إنّهم يورّثون بالأنساب على كلّ حال] (5) و لا يورّثون بالأسباب إلّا بما هو جائز في شريعة الإسلام.

و قال قوم: إنّهم يورّثون من الجهتين معا، سواء كان ممّا يجوز في شريعة الإسلام أو لا يجوز.

و هذا القول الأخير- الذي هو ثالث الأقوال- خيرة شيخنا في (نهايته) و سائر كتبه، و أوّل الأقوال اختيار شيخنا المفيد، فإنّه قال في كتاب (الاعلام)- و شرحه-: فأمّا ميراث المجوس فإنّه عند جمهور الإمامية يكون من جهة النسب الصحيح دون النكاح الفاسد.

____________

(1) الفقيه 4: 248- 249 و الحديث رقم 804.

(2) المهذّب 2: 170.

(3) المراسم: 224، الوسيلة: 403.

(4) الكافي في الفقه: 376.

(5) أضفناها من المصدر.

108

قال: و إلى هذا القول أذهب و عليه أعتمد و به افتي، لأنّ الله تعالى قال:

وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ (1) وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (2) فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (3) فإذا حكم الحاكم بما لا يجوز في شرع الإسلام، فقد حكم بغير الحقّ و بغير ما أنزل الله و بغير القسط، و لأنّه لا يجوز للحاكم الحكم بمذاهب أهل الخلاف.

و قول الشيخ: إنّه المعتمد، و به تشهد الروايات، ثمَّ قوله: مع أنّه قد رويت الرواية الصريحة بأنّهم يورّثون من الجهتين و إن كان باطلا في شرع الإسلام، متناف، لأنّ قوله أوّلا يعطي تعدّد الروايات، و ثانيا وحدتها، مع أنّه لم توجد روايات متعدّدة، مع أنّ أكبر كتب الأحاديث (تهذيب الأحكام) و لم يورد فيه سوى رواية يرويها مخالفنا في المذهب، و هو إسماعيل بن أبي زياد السكوني، و هو عاميّ المذهب (4).

ثمَّ نقل بعد كلام طويل ما ذكره الشيخ في (التهذيب) عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن الباقر عن علي (عليهما السلام) «أنّه كان يورّث المجوسي إذا تزوّج بامّه و بابنته من وجهين: من وجه أنّها امّه، و من وجه أنّها زوجته».

قال محمد بن الحسن: اختلف أصحابنا في ميراث المجوسي إذا تزوّج بإحدى المحرّمات من جهة النسب في شريعة الإسلام:

فقال يونس بن عبد الرحمن و كثير ممّن تبعه من المتأخّرين: إنّه لا يورّث إلّا من جهة النسب و السبب اللذين يجوزان في شريعة الإسلام، فأمّا ما لا يجوز في شريعة الإسلام فإنّه لا يورّث منه على حال.

و قال الفضل بن شاذان و قوم من المتأخّرين ممّن تبعوه على قوله: إنّه يورّث من

____________

(1) المائدة: 49.

(2) الكهف: 29.

(3) المائدة: 42.

(4) السرائر 3: 287- 289.

109

جهة النسب على كلّ حال و إن كان حاصلا عن سبب لا يجوز في شريعة الإسلام، فأمّا السبب فلا يورّث منه إلّا بما يجوز في شرع الإسلام.

و الصحيح عندي أنّه يورّث المجوسي من جهة النسب و السبب معا، سواء كانا ممّا يجوز في شريعة الإسلام أو لا يجوز، لدلالة الخبر الذي قدّمناه عن السكوني.

و ما ذكره أصحابنا من خلاف ذلك ليس به أثر عن الصادقين (عليهم السلام)، و لا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل إنّما قالوه لضرب من الاعتبار، و ذلك عندنا مطرح بالإجماع.

و أيضا فإنّ هذه الأنساب و الأسباب و إن كانا غير جائزين في شريعة الإسلام فهما جائزان عندهم، و يعتقدون أنّه ممّا يستحلّ به الفروج، و لا تستباح بغيره، فجرى مجرى العقد في شريعة الإسلام.

ألا ترى إلى ما روي أنّ رجلا سبّ مجوسيّا بحضرة أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فزبره و نهاه عن ذلك، فقال: إنّه تزوّج بامّه، فقال: «أما علمت أنّ ذلك عندهم النكاح؟».

و قد روي أيضا أنّه قال (عليه السلام): «إنّ كلّ قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه» و لو كان غير جائز لوجب أن لا يجوز إذا عقد على غير المحرّمات، و جعل المهر خمرا أو خنزيرا، لأنّه غير جائز في الشرع، و أجمع أصحابنا على جوازه (1).

و قال ابن إدريس: و ليس فيما ذكره الشيخ هنا دليل يعتمد و يوجب العلم و العمل، بل معظمها عنده الرواية عن السكوني، و قد بيّنّا ما فيها.

ثمَّ إنّه حكى في (التهذيب) أنّ أصحابنا على مذهبين اثنين فحسب: يونس و من تابعه، و مذهب ابن شاذان و من تبعه، فكيف يحدث هو- (رحمه الله)- قولا ثالثا!؟ و أصحابنا- على ما حكاه عنهم- على قولين.

و طوّل ابن إدريس في مناقضاته للشيخ، ثمَّ نقل عن السيّد المرتضى أنّه اختار

____________

(1) التهذيب 9: 364- 365، و الأحاديث 1299- 1301.

110

ما ذهب إليه في (المسائل الموصليات الثانية) فإنّه قال: المسألة التاسعة و المائة: أنّ ميراث المجوس من جهة النسب الصحيح دون النكاح الفاسد، و الحجّة في ذلك الإجماع المتكرّر (1).

و المعتمد: أنّهم يورّثون بالأنساب و الأسباب الصحيحة خاصّة، لأنّ ما عداهما باطل، فلا يتعلّق به حكم التوارث.

مسألة 39: قال الشيخ في (الخلاف) و (المبسوط): لا يقسّم مال المفقود حتى يعلم موته أو تمضي مدّة لا يعيش مثله إليها

بمجرى العادة، و إن مات له من يرثه المفقود، دفع إلى كلّ وارث أقلّ ما يصيبه، و وقف الباقي حتى يعلم حاله (2).

و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن إدريس (3).

و قال ابن الجنيد: و النظرة في ميراث من فقد في عسكر قد شهدت هزيمته و قتل من كان فيه أو أكثرهم أربع سنين، و في من لا يعرف مكانه في غيبته و لا خبر له عشر سنين، و المأسور في يد العدوّ يوقف ماله ما جاء خبره ثمَّ إلى عشر سنين.

و قال المفيد: إذا مات إنسان و له ولد مفقود لا يعرف له موت و لا حياة، عزل ميراثه حتى يعرف خبره، فإن تطاولت المدّة في ذلك و كان للميّت ورثة سوى الولد ملأ بحقّه، لم يكن بأس باقتسامه، و هم ضامنون له إن عرف للولد خبر بعد ذلك.

و لا بأس أن يبتاع الإنسان عقار المفقود بعد عشر سنين من غيبته و فقده و انقطاع خبره، و يكون البائع ضامنا للثمن و الدرك، فإن حضر المفقود، خرج إليه من حقّه (4).

____________

(1) السرائر 3: 292- 297.

(2) الخلاف 4: 119، المسألة 136، المبسوط 4: 125.

(3) المهذّب 2: 165- 166، الوسيلة: 400، السرائر 3: 298.

(4) المقنعة: 706.

111

و قال السيّد المرتضى: ممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ المفقود يحبس ماله عن ورثته بقدر ما يطلب في الأرض كلّها أربع سنين، فإن لم يوجد بعد انقضاء هذه المدّة، قسّم المال بين ورثته (1).

و روى الصدوق عن إسحاق بن عمّار، قال: قال أبو الحسن (عليه السلام) في المفقود: «يتربّص بماله أربع سنين ثمَّ يقسّم» (2).

قال (رحمه الله): يعني بعد أن لا تعرف حياته من موته، و لا يعلم في أيّ أرض هو، و بعد أن يطلب من أربعة جوانب أربع سنين و لا يعرف له خبر حياة و لا موت، فحينئذ تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها و يقسّم ماله بين الورثة على سهام اللّه عزّ و جلّ و فرائضه (3).

و قال أبو الصلاح: إذا فقد أحد الورثة، عزل سهمه حتى يكشف السلطان خبره أربع سنين، فإن عرفت حياته، فهو له و إلّا قسّم بين الورثة، و إن كان المفقود أولى بالميراث ممّن وجد، عزل جملة الإرث المدّة المذكورة إلى أن ينكشف الحال فيه، فيحكم بما شرّع في أمره (4).

و المعتمد: ما قاله الشيخ.

لنا: الأصل البقاء، و عصمة مال الغير حتى يثبت السبب الموجب لنقله.

و ما رواه معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام): في رجل كان له على رجل حقّ ففقد و لا يدري أين يطلبه، و لا يدري أ حيّ هو أم ميّت، و لا يعرف له وارثا و لا نسيب له و لا بلد، قال: «اطلبه» قال: إنّ ذلك قد طال فأتصدّق به؟ قال:

«اطلبه» (5).

و عن الهيثم، قال: كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام): إنّي أتقبّل الفنادق، فينزل عندي الرجل فيموت فجأة و لا أعرفه و لا أعرف بلاده و لا ورثته، فيبقى المال

____________

(1) الانتصار: 307.

(2) الفقيه 4: 240/ 766.

(3) الفقيه 4: 240 ذيل الحديث 766.

(4) الكافي في الفقه: 378.

(5) الكافي 7: 153/ 2، التهذيب 9: 389/ 1388، الاستبصار 4: 196/ 737 بتفاوت في بعض الألفاظ.

112

عندي، كيف أصنع به؟ و لمن ذلك المال؟ فقال: «اتركه على حاله» (1).

احتجّ الآخرون: بأنّ الزوجة تعتدّ للوفاة بعد مضيّ أربع سنين، و عصمة الفروج أشدّ في نظر الشرع من عصمة الأموال، و إنّما تصحّ العدّة إن حكم الشرع بموته. و الرواية التي رواها الصدوق.

و هذا القول لا بأس به مع طلبه في البلاد كما في الاعتداد.

مسألة 40: قال المفيد في (مقنعته): و من مات و خلّف تركة في يد إنسان لا يعرف له وارثا،

جعلها في الفقراء و المساكين، و لم يدفعها إلى سلطان الجور و الظلمة من الولاة (2). مع أنّه قال في الكتاب قبل ذلك: فإن مات إنسان لا يعرف له قرابة من العصبة و لا الموالي و لا ذوي الأرحام، كان ميراثه لإمام المسلمين خاصّة يضعه فيهم حيث يرى، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعطي تركة من لا وارث له- من قريب و لا نسيب و لا مولى- فقراء أهل بلده و ضعفاء جيرانه و خلطائه، تبرّعا عليهم بما يستحقّه من ذلك و استصلاحا للرعيّة حسب ما كان يراه في الحال من صواب الرأي، لأنّه من الأنفال، كما قدّمناه في ذكر ما يستحقّه الإمام من الأموال، و له إنفاقه فيما شاء و وضعه حيث شاء، و لا اعتراض عليه للأمّة في ذلك بحال (3)، ثمَّ عقّبه بما ذكره أوّلا.

و روى الصدوق عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، قال: «من مات و ليس له وارث و لا قرابة و لا مولى عتاقة قد ضمن جريرته فماله من الأنفال» (4).

قال: و قد روي في خبر آخر: «إنّ من مات و ليس له وارث فميراثه لهمشهريجه» يعني أهل بلده (5).

قال الصدوق: متى كان الإمام ظاهرا، فماله للإمام، و متى كان الإمام غائبا

____________

(1) الكافي 7: 154/ 4، التهذيب 9: 389/ 1390، الاستبصار 4: 197/ 738.

(2) المقنعة: 706.

(3) المقنعة: 705.

(4) الفقيه 4: 242/ 773 بتفاوت يسير.

(5) الفقيه 4: 242/ 774 و فيه: «لهمشاريجه».

113

فماله لأهل بلده متى لم يكن له وارث و لا قرابة أقرب إليه منهم بالبلديّة (1).

و قال ابن الجنيد: إذا لم يعرف للميّت وارث من ذوي رحم أو عصبة أو مولى عتاقه أو علاقة، انتظر بماله و ميراثه طالب، فإن حضر أو وكيله و أقام البيّنة بما يوجب توريثه منه، سلّم إليه، و إلّا فميراثه مردود إلى بيت مال المسلمين، و أختار أن يكون بشهادة، فمتى حضر من يستحقّه سلّم إليه.

و قال الشيخ في (الخلاف): ميراث من لا وارث له [لا] (2) ينتقل إلى بيت المال، و هو للإمام خاصّة، و عند جميع الفقهاء ينتقل إلى بيت المال، و يكون للمسلمين. و استدلّ بإجماع الفرقة.

ثمَّ قال: كلّ موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء و عندنا للإمام إن وجد الإمام العادل سلّم إليه بلا خلاف، و إن لم يوجد، وجب حفظه له عندنا، كما تحفظ سائر أمواله التي يستحقّها (3).

و المشهور: أنّ ميراث من لا وارث له للإمام خاصّة، لما رواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (4) قال: قال: «من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال» (5).

و عن محمد بن مسلم- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام)، قال: «من مات و ليس له وارث من قبل قرابته و لا مولى عتاقه ضمن جريرته فماله من الأنفال» (6).

ثمَّ إنّ الشيخ روى عن داود بن فرقد عمّن ذكره عن الصادق (عليه السلام)، قال: «مات رجل على عهد أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و لم يكن له وارث، فدفع أمير المؤمنين (عليه السلام) ميراثه إلى همشاريجه» (7).

____________

(1) الفقيه 4: 242 ذيل الحديث 774.

(2) أضفناها من المصدر.

(3) الخلاف 4: 22، المسألتان 14 و 15.

(4) الأنفال: 1.

(5) الكافي 7: 169/ 4، التهذيب 9: 386/ 1379، الاستبصار 4: 195/ 732.

(6) الكافي 7: 169/ 2، الفقيه 4: 242/ 773، التهذيب 9: 387/ 1381، الاستبصار 4: 196/ 734.

(7) الاستبصار 4: 196/ 736، و التهذيب 9: 387/ 1383.

114

و روى نحوه عن السري يرفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).

ثمَّ قال: هاتان الروايتان مرسلتان شاذّتان، و ما هذا حكمه لا يعارض به الأخبار المسندة المجمع على صحّتها مع عدم منافاتهما لما تقدّم، لأنّه (عليه السلام) فعل ذلك تبرّعا منه (عليه السلام) (2).

و ما قاله الشيخ جيّد، و المعتمد: العمل على المشهور من كونه للإمام، و به قال ابن إدريس (3)، و تأويل الصدوق لا بأس به، و كأنّه الذي اختاره المفيد (رحمه الله).

مسألة 41: اختلف علماؤنا في ميراث الغرقى،

فقال الشيخ (رحمه الله): إنّهم يتوارثون يرث بعضهم من بعض من نفس تركته لا ممّا يرث من الآخر (4).

و هو الظاهر من كلام الشيخ علي بن بابويه و ابنه الصدوق فإنّهما قالا: لو أنّ أخوين غرقا و لأحدهما مال و ليس للآخر شيء، كان المال لورثة الذي ليس له شيء إذا لم يكن لهما أحد أقرب من بعضهم من بعض (5).

و به قال ابن الجنيد، فإنّه قال: القرابات إذا ماتوا معا- إذا عدمت الدلائل التي يستدلّ بها على وفاة بعضهم قبل بعض- ورّث بعضهم من بعض من صلب مال كلّ واحد منهم قبل ميراثه من صاحبه، و أضيف ما يحصل له من ميراث صاحبه إلى ما يبقى من ماله بعد الذي ورّث صاحبه منه، ثمَّ قسّم ميراث كلّ واحد منهم على ورثته الأحياء.

و قال ابن أبي عقيل: يرث الغرقى و الهدمى عند آل الرسول (عليهم السلام) من صلب أموالهم، و لا يرثون ممّا يورّث بعضهم بعضا شيئا. و به قال أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن حمزة (6).

____________

(1) الاستبصار 4: 196/ 735، و التهذيب 9: 387/ 1382.

(2) الاستبصار 4: 196 ذيل الحديث 736.

(3) السرائر 3: 299- 300.

(4) النهاية: 674، المبسوط 4: 118.

(5) المقنع: 178.

(6) الكافي في الفقه: 376، المهذّب 2: 168، الوسيلة: 401.

115

و قال المفيد و سلّار: إنّه يرث ممّا يورّث منه أيضا (1).

و المعتمد: الأول.

لنا: أنّ ثبوت ذلك يستلزم المحال، فيكون محالا.

بيان الشرطية: أنّ توريثه ممّا ورّث منه يستلزم فرض الميّت حيّا، و هو محال عادة، فثبوت القول بذلك يستلزم المحال، فيكون محالا.

و ما رواه حمران بن أعين عمّن ذكره عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في قوم غرقوا جميعا أهل البيت، قال: «يورّث هؤلاء من هؤلاء و هؤلاء من هؤلاء، و لا يرث هؤلاء ممّا ورّثوا من هؤلاء شيئا، و لا يرث هؤلاء ممّا ورّثوا من هؤلاء شيئا» (2).

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام) «في أخوين ماتا لأحدهما مائة ألف درهم و الآخر ليس له شيء، ركبا في السفينة فغرقا فلم يدر أيّهما مات أوّلا، فإنّ المال لورثة الذي ليس له شيء، و لم يكن لورثة الذي له المال شيء» (3).

قال الشيخ في (المبسوط): لو ورّث ممّا ورّث من صاحبه، لم تنقطع القسمة أبدا (4).

احتجّ المفيد- (رحمه الله)- بأنّه قد ورد تقديم الأكثر نصيبا في الموت، فيورّث الآخر منه، و لو لم يكن التوارث ممّا ورّث من صاحبه، لم تكن للتقديم فائدة.

و الجواب: لا يجب في فوائد الشرع العلم بها لنا، فإنّ أكثر العلل الشرعية خفيّة عنّا، و المصالح المعتبرة في نظره يعجز عن إدراكها، و يحكم بالانقياد لها و وجوب اتّباعها و إن خفيت عنّا حكمها و غاياتها.

على أنّا نمنع وجوب التقديم، بل يحمل ذلك على الاستحباب.

____________

(1) المقنعة: 699، المراسم: 225.

(2) التهذيب 9: 362/ 1294.

(3) الكافي 7: 137/ 2، الفقيه 4: 225/ 716، التهذيب 9: 360/ 1286 بتفاوت.

(4) المبسوط 4: 118.

116

تذنيب: قال الشيخ في (المبسوط): تقديم الأضعف في الميراث لا يتغيّر به حكم،

لكنّا نتّبع الأثر في ذلك (1). و به قال ابن إدريس (2).

و قال في (الإيجاز): إنّه غير واجب (3). و هو المعتمد.

و قال أبو الصلاح: الأولى تقديم الأضعف في التوريث (4).

مسألة 42: قال الشيخ في (النهاية): إذا غرق جماعة يتوارثون في وقت واحد،

أو انهدم عليهم حائط و ما أشبه ذلك و لم يعلم أيّهم مات قبل صاحبه، ورّث بعضهم من بعض (5).

و في إعادة ذلك إشكال، فإن قصد به الحائط، لم يعمّ الحكم، و إن قصد به الهدم أو الغرق، عمّ، فلفظة ليس صريحا في شيء، لكن الأوّل أقوى، لقربه.

لكنّه قال في آخر كلامه في الغرقى: و إذا مات نفسان حتف أنفهما، لم يورّث بعضهما من بعض، و يكون ميراث كلّ واحد منهما لمن يرثه من الورّاث الأحياء، لأنّ هذا الحكم جعل في الموضع الذي يجوز فيه تقديم موت كلّ واحد منهما على صاحبه (6).

و هذا التعليل يشعر بالتعميم، و ليس نصّا منه أيضا، و كذا في (المبسوط) ذكر التعليل (7).

و المفيد- (رحمه الله)- قال: إذا غرق جماعة يتوارثون أو انهدم عليهم جدار أو وقع عليهم سقف فماتوا و لم يعلم أيّهم مات قبل صاحبه، ورّث بعضهم من بعض (8).

____________

(1) المبسوط 4: 118.

(2) السرائر 3: 300.

(3) الإيجاز (ضمن الرسائل العشر): 276.

(4) الكافي في الفقه: 376.

(5) النهاية: 674.

(6) النهاية: 677.

(7) المبسوط 4: 119.

(8) المقنعة: 698- 699.

117

ثمَّ قال في آخر الباب: و إذا مات جماعة يتوارثون بغير غرق و لا هدم في وقت واحد، لم يورّث بعضهم من بعض، بل جعلت تركة كلّ واحد منهم لورّاثه الأحياء خاصّة (1).

و هو يدلّ على تخصيص هذا الحكم بالهدم و الغرق لا غير.

و قال ابن الجنيد: القرابات إذا ماتوا معا- إذا عدمت الدلائل التي يستدلّ بها على وفاة بعضهم قبل بعض- ورّث بعضهم من بعض.

و هو يدلّ على تعميم الحكم.

و قال أبو الصلاح: و إن لم يعلم بوقت موتهم بهدم أو غرق أو قتل معركة أو غير ذلك، ورّث كلّا بعضهم من بعض (2).

و قال ابن حمزة: إذا غرق اثنان أو أكثر دفعة أو احترقوا أو هدم عليهم أو قتلوا و لم يعلم تقدّم موت أحدهم و لا تأخّره، ورّث كلّ منهما من صاحبه (3).

و هو تصريح بالتعميم.

و الأقرب: الأوّل.

لنا أنّ الأصل عدم توريث أحدهما من صاحبه، لعدم العلم ببقائه بعده، خرج عنه الغرقى و المهدوم عليهم، للنصوص الدالّة عليه، فيبقى الباقي على أصالة المنع.

احتجّ، بأنّ العلّة الاشتباه، و هي موجودة في القتل و الحريق.

و الجواب: المنع من التعليل بمطلق الاشتباه، فجاز أن تكون العلّة الاشتباه المستند إلى أحدهما. على أنّ قول ابن حمزة لا يخلو من قوّة.

مسألة 43: المشهور عند أكثر علمائنا: أنّ الواحد من الأبوين مع البنتين

يكون له السدس و لهما الثلثان، و الباقي ردّ عليهم على النسبة أخماسا (4).

____________

(1) المقنعة: 699.

(2) الكافي في الفقه: 376.

(3) الوسيلة: 400- 401.

(4) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية 625، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 370، و ابن حمزة في الوسيلة:

386.

118

و قال ابن الجنيد: و إن حضر أحد الأبوين و الابنتان، كان لمن حضر من الأبوين السدس، و الباقي للابنتين.

لنا: أنّ الفاضل لا بدّ له من مستحقّ و ليس غير هؤلاء، لأنّ هؤلاء أقرب، و لا بعض هؤلاء، لعدم الأولوية، فتعيّن الجمع على النسبة.

و ما رواه بكير عن الباقر (عليه السلام) في رجل ترك ابنته و امّه «إنّ الفريضة من أربعة لأنّ للبنت ثلاثة أسهم و للامّ السدس سهم، و بقي سهمان، فهما أحقّ بهما من العمّ و ابن الأخ و العصبة، لأنّ اللّه تعالى قد سمّى لهما، و لم يسمّ لهم، فيردّ عليهما بقدر سهامهما» (1).

و هذه العلّة موجودة في البنتين و أحد الأبوين.

احتجّ: بدخول النقص على البنتين بدخول الزوجين، فالفاضل لهما.

و بما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام): في رجل مات و ترك ابنتيه و أباه، قال: «للأب السدس و للابنتين الباقي» (2).

و الجواب: المنع من صلاحية ما ذكره أوّلا للعلّيّة، و صحّة السند، فإنّ في طريق الرواية الحسن بن محمد بن سماعة، و هو ضعيف، أو يحمل ذلك على ما إذا كان مع البنتين ذكر، و عليه يحمل كلام ابن الجنيد.

على أنّه- (رحمه الله)- جعل للزوج الربع عطيّة، و للأب السدس فرضا، و للبنت النصف فرضا لو اجتمعوا، و جعل الباقي- و هو نصف السدس- ردّا على الأب و البنت على قدر حصّتهما: للأب سهم من أربعة، و للبنت ثلاثة أسهم من أربعة مضافا إلى سهميهما.

مسألة 44: المشهور: أنّ ذوي الأرحام من قبل الأب يتقاسمون المال بالسويّة.

و قال ابن الجنيد: و ذوو أرحام الأمّ أيضا، فالذي دلّ عليه الدليل أنّهم يتقاسمون ما أحرزوه بجهة الامّ للذكر مثل حظّ الأنثيين، لأنّه صار كميراثهم

____________

(1) التهذيب 9: 272- 273/ 985.

(2) التهذيب 9: 274/ 990.

119

منها. و لنا في هذا نظر.

و هذا يدلّ على توقّفه في ذلك و تردّده، و هو جيّد.

مسألة 45: المشهور: أنّ العمّ أولى من ابن الخال،

فلا شيء لابن الخال مع العمّ، لأنّه أقرب، فيكون أولى.

و قال ابن الجنيد: و إذا اجتمع ذوو أرحام الأب و ذوو أرحام الأمّ فكان أحد الرحمين أقرب إلى الميّت، كعمّ و ابن خال، أخذ العمّ الثلاثين، و أخذ ابن الخال الثلث.

و المعتمد: الأوّل، لما رواه أبو أيّوب عن الصادق (عليه السلام)، قال: «كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به، إلّا أن يكون وارث أقرب إلى الميّت منه فيحجبه» (1).

و لأنّ العمّ أقوى من الخال، لأنّه أكثر منه نصيبا، و الخالة تحجب ابن العمّ، فالعمّ أولى بأن يحجب ابن الخال.

و يدلّ على الأول: ما رواه سلمة بن محرز عن الصادق (عليه السلام)، قال في ابن عمّ و خالة، قال: «المال للخالة» و قال في ابن عمّ و خال، قال: «المال للخال» (2).

مسألة 46: المشهور: أنّ الأجداد إنّما يطعمون لو زاد نصيب أولادهم- و هم الأبوان- عن السدس،

فإن كان سهم أحدهما السدس، لم تستحب الطعمة، و أنّ الطعمة هي السدس من أصل المال.

و قال ابن الجنيد: و إن كان ما يأخذه ولد الحاضر- يعني من الأجداد- من الميراث بالتسمية ما يتجاوز السدس، كان السدس للحاضر طعمة من سهم ولده الذي يقرب إلى الميّت به لا من أصل المال.

____________

(1) التهذيب 9: 325/ 1170.

(2) التهذيب 9: 328/ 179، الاستبصار 4: 171/ 645، و فيه: سلمة بن محوز.

120

و المعتمد: الأول، للأصل.

مسألة 47: المشهور: أنّه لا ميراث للأجداد مع الأبوين و البنت،

بل يكون الفاضل ردّا على البنت و الأبوين أو أحدهما، لأنّ هؤلاء أقرب، فيكونون أولى.

و قال ابن الجنيد: فإن حضر جميع الأبوين أو أحدهما مع الجدّ أو الجدّة مع الولد للميّت من لا يستوعب بما اسمي له و للوالدين جميع المال، كابنة و أبوين و جدّ، كان ما يبقى بعد حقّ الأبوين و الابنة ميراثا لمن حضر من الجدّين أو الجدّتين، لمشاركتهم أحد الأبوين في التسمية التي أخذوا بها الميراث الذي عيّن لهم.

و المعتمد: الأول، لما تقدّم.

و لما رواه الحسن بن صالح عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن امرأة مملّكة لم يدخل بها ماتت و تركت أمّها، و أخوين لها من أبيها و أمّها، و جدّها أبا أمّها، و زوجها، قال: «يعطى الزوج النصف، و تعطى الامّ الباقي، و لا يعطى الجدّ شيئا، لأنّ ابنته حجبته عن الميراث، و لا يعطى الإخوة شيئا» (1).

و لا فرق بين الامّ و البنت في ذلك، لتساويهما في الرتبة، فإذا حجبت إحداهما حجبت الأخرى.

مسألة 48: ولد الولد و الوالد أولى من الجدّ عند علمائنا،

لأنّهم أقرب.

و قال ابن الجنيد: إذا حضر مع الجدّ الوالد أو ولد الولد، أخذ الجدّ السدس و كان الباقي للوالد أو لولد الولد.

فإن قصد في الوالد أنّه يأخذ معه السدس طعمة، فهو صواب، و إن قصد أنّه يأخذه ميراثا، فهو ممنوع، و أمّا مع ولد الولد فلا شيء له طعمة و لا ميراثا.

____________

(1) الكافي 7: 113/ 8، التهذيب 9: 310/ 1111، الاستبصار 4: 161/ 608.

121

مسألة 49: قد تقدّم (1) أنّ القابلة تقبل شهادتها في ربع ميراث المستهلّ إذا شهدت بالحياة.

و قال ابن الجنيد: و لو كانت القابلة وحدها شاهدت ذلك- يعني ما يدلّ على الحياة كالبكاء و الصياح و العطاس- لعلّة منعت من حضور غيرها، قبلت شهادتها، و لو كان حاضر الولادة جماعة فشهد بعضهنّ بحال الحياة بعد الولادة و أنكر الباقيات، قبلت شهادة الواحدة إذا كانت من أهل العدالة في ربع الميراث، و الاثنتين في النصف. و قد قيل: إنّه تقبل شهادتهما في جميع الميراث، و تجعل كشهادة العدلين على الحقوق.

قال: و لنا في ذلك نظر.

و المعتمد: ما تقدّم.

مسألة 50: المرتدّ عن غير فطرة إذا لم يكن له وارث مسلم

و كان له ورثة كفّار، قال في (النهاية): يكون ميراثه لبيت المال، و قد روي أنّه يكون ميراثه لورثته الكفّار، و ذلك محمول على ضرب من التقيّة، لأنّه مذهب العامّة (2).

و قال ابن الجنيد: إن كان المرتدّ ممّن كان مشركا فأسلم ثمَّ رجع إلى الشرك و لا قرابة له مسلم، كان ميراثه لقرابته المشركين، كذلك روى ابن فضّال و ابن يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

قال: و لنا في ذلك نظر.

و هو يعطي توقّفه عن العمل بهذه الرواية، كما اختاره الشيخ.

و قال الصدوق في (المقنع): و النصراني إذا أسلم ثمَّ رجع إلى النصرانية ثمَّ مات فميراثه لولده النصراني (3).

____________

(1) تقدّم في ج 8، كتاب القضاء و توابعه، المسألة 74.

(2) النهاية: 667.

(3) المقنع: 179.

122

و الحقّ: ما قلناه أوّلا.

مسألة 51: المشهور: أنّ الوارث المسلم إذا كان واحدا، لم يشاركه الكافر إذا أسلم،

و لم يفصّل علماؤنا إلى كون التركة باقية أو تالفة، بل أطلقوا القول في ذلك.

و قال ابن الجنيد: فإن كان الوارث واحدا فأسلم نظيره أو الذي يحجبه عن الميراث و كانت التركة عينا باقية في يد الوارث الأوّل، شاركه إن كان نظيره، أو حازه دونه إن كان حاجبا له، فأمّا ما كان الأول أتلفه و لا عين له في يده فلا يرجع على المسلم، و كذلك لو مات الوارث الأوّل و ورثه ورثته ثمَّ أسلم الثاني بعد ذلك، لا حقّ له في التركة الاولى و الثانية.

و في عبارة شيخنا المفيد إيهام، فإنّه قال: فإن ترك ولدين أحدهما حرّ و الآخر مملوك، كانت تركته للحرّ منهما دون المملوك، فإن أعتق المملوك قبل نفوذ الميراث، كان بينهما جميعا، و كذلك إن ترك ولدين أحدهما مسلم و الآخر كافر، كانت تركته للمسلم دون الكافر، فإن أسلم الكافر قبل قسمة الميراث، كان الميراث بينه و بين أخيه المسلم (1).

و في الثانية يحمل المسلم على الجنس حتى تتحقّق القسمة، أمّا الأوّل فلا يجب فيه ذلك، لأنّه ذكر النفوذ، و يصدق في غير القسمة.

و المعتمد: الأول.

لنا: أنّه حين الموت لا بدّ للتركة من مالك، لاستحالة بقاء مال لا مالك له، و ليس غير المسلم، أمّا الكافر: فلكفره لا يصح أن يكون مالكا، و أمّا غيره:

فلبعده عن الميّت، فيتعيّن المسلم، فلا ينتقل عنه.

و مقتضى هذا الدليل: عدم المشاركة مع الجماعة، لكن صرنا إلى اعتبار القسمة، للنقل. و لعدم استقرار ملك كلّ واحد من الورثة على عين من التركة،

____________

(1) المقنعة: 695.

123

فكان في حكم مال الميّت. و لأنّه لا يرث لو أتلفها، فكذا قبله. و لأنّه لا يرث لو مات و انتقلت التركة إلى ورثته، فكذا مع بقائه، لوجود الانتقال إليه في هذه الأحوال.

تذنيب: حكم العبد إذا أعتق حكم الكافر إذا أسلم، فلا يرث لو أعتق بعد الموت، و كان الوارث واحدا، لما تقدّم.

و قال ابن الجنيد عقيب كلامه الأوّل: و العتاقة للعبد كالإسلام للكافر في ذلك.

و قد تقدّم البحث في ذلك.

مسألة 52: قال ابن الجنيد في باب الولاء: و الذي يقول في تطوّعه بالعتق:

أنت حرّ سائبة لا ولاء لي عليك، و نختار لهذا أن يشهد على ذلك ليبرأ من جريرته.

و هذا يعطي عدم وجوب اشتراط الإشهاد في التبرّي.

و قال في باب الميراث بالولاء: و المعتق تطوّعا إن لم يشهد على أنّ عتيقه سائبة، كان ولاؤه و ميراثه له.

فإن قصد بذلك في الظاهر، فهو حقّ، و إن قصد بذلك في نفس الأمر، منعناه، و قد تقدّم البحث في ذلك.

مسألة 53: قال ابن الجنيد: و إن كان أب الغلام زوّج ابنه بنته في حجره،

فمات الابن، ورثته الصبيّة، و إن ماتت الصبيّة، لم يرثها الغلام، إلّا أن يكون ورثتها بالنسب و الرحم رضوا بعقد نكاح الوصيّ عليها.

و في هذا الكلام إشكال، لأنّا نقول: إن كان للّذي عقد على البنت ولاية شرعية عليها في النكاح، لزم، و توارثا معا، و إن لم يكن له ولاية النكاح، كان النكاح جائزا من قبلها، و لازما من قبل الولد حيث عقد عليه الأب، فإذا مات الولد، لم ترثه الصبيّة، إلّا أن تبلغ و ترضى بالعقد، و إذا ماتت الصبيّة، لم يرثها الصبي، سواء رضي ورثتها بالنسب و الرحم بعقده أو لا، فإنّ رضاهم لا يصيّر

124

الجائز لازما في حال الحياة و لا بعد الموت، لانتفاء سبب الميراث، و هو النكاح اللازم.

مسألة 54: ألحق ابن الجنيد طلاق الأسير في يد عدوّ لا يأمنه على نفسه على الأغلب من حاله،

و طلاق المأخوذ ليقاد منه أو ليقام عليه الحدّ المخوف مثله عليه بطلاق المريض في اعتبار إرث الزوجة منه إلى سنة، لاشتراكها (1) في السبب، و هو قصد نفي الإرث عنها عند ظهور أمارة التلف، بخلاف الصحيح.

و لا بأس به، لكنّ المشهور اختصاص الحكم بالمريض، اتّباعا للنصّ، و تصحيحا لإيقاع الطلاق من العاقل، و جريا على الأصل في استلزامه توابعه من البينونة.

مسألة 55: قال ابن الجنيد: و امرأة المفقود ترثه و يورّث منها ما لم يطلّقها أو وليّه أو السلطان،

و كذلك إن صحّت وفاته و قد وقع بها الطلاق أوّله أو ثانية من وليّه ما لم تخرج من عدّتها، فإن كانت ثالثة برجعتين منه، لم ترثه، و لو خرجت من عدّتها بطلاق الوليّ أو السلطان و اعتدّت و نكحت زوجا آخر فقدم الأول و قد ماتت، كان الأول أحقّ بميراثها و إن كان الثاني قد حازه.

و المعتمد: أن نقول: إنّه يورّث بعد أربع سنين مع طلبه و عدم ظهور خبره، أمّا مع طلاق السلطان أو بدونه- على ما تقدّم من البحث في ذلك- فحينئذ لا يرث الأول، لأنّ نكاحه سقط في نظر الشرع، و لهذا لا ينفسخ نكاحها من الثاني.

مسألة 56: اختار ابن الجنيد في تداعي الورثة متاع المنزل:

أنّ ما كان فيه ممّا لا يصلح للرجال أو ما كان فيه ممّا لا يصلح للنساء كالسلاح و نحوه، فالظاهر يوجب الحكم به لمن جرت العادة.

____________

(1) في «ب، ص» و الطبعة الحجريّة: لاشتراكهما. و الصحيح ما أثبتناه.