مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
480 /
125

و المشهور من أحوالهما أنّه يختصّ به دون صاحبه، إلّا أن يقيم بيّنة بأنّه له خاصّة أو بينهما مشترك، و ما كان استعماله مشتركا فهو بينهما إلّا أن يكون هناك بيّنة تفرّد أحدهما به، و قد تقدّم البحث في ذلك على الاستقصاء.

مسألة 57: قال الشيخ في (النهاية): و متى سقط بيت على قوم فماتوا و بقي منهم صبيّان أحدهما مملوك و الآخر حرّ،

و المملوك عبد لذلك الحرّ و لم يتميّز أحدهما من الآخر، أقرع بينهما، فمن خرج اسمه فهو الحرّ، و كان الآخر مملوكا له (1). و هذا هو المشهور.

و قال ابن أبي عقيل: و لو انهدمت دار على قوم يرث بعضهم بعضا فماتوا، فنجا منهم صبيّان أحدهما مملوك و الآخر حرّ و لا يدرى الحرّ من المملوك، أقرع بينهما فأيّهما خرج سهمه ورث المال، و الآخر يعتق، فإن كان الأول للحرّ منهما، أعتق، و جعل مولاه، كذلك روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قضى بها باليمن في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و روي أنّ أبا حنيفة دخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له الصادق (عليه السلام): «ما تقول في بيت سقط على قوم فنجا منهم صبيّان أحدهما حرّ و الآخر مملوك لصاحبه فلم يعرف الحرّ من المملوك؟» فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا و نصف هذا، و يقسّم المال بينهما، فقال الصادق (عليه السلام): «ليس كذلك، بل يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو الحرّ و يعتق الآخر، فيجعل مولاه».

و الصدوق روى في كتابه حديث أبي حنيفة (2).

فإن كانا قد ذهبا إلى ما تضمّنته الرواية، صارت المسألة خلافية و إلّا فلا.

و هذه الرواية إن صحّت، تعيّن العمل بمضمونها و إلّا فالأقوى ما ذكره الشيخ، و يحمل العتق على الاستحباب.

و الشيخ- (رحمه الله)- روى أحاديث كثيرة في (التهذيب) كلّها يتضمّن عتق

____________

(1) النهاية: 345.

(2) الفقيه 4: 226/ 717.

126

الآخر بعد القرعة (1)، فحينئذ يتعيّن الحمل على الاستحباب، أو نقول: الأصل الحرّية، فلا تثبت القرعة هنا باعتبارها، إذ لا إشكال مع وجود هذا الأصل، و إنّما يثمر القرعة تعيين المستحقّ للمال، فإذا خرجت على أحدهما أخذ المال، و بقي الآخر على الأصل. على أنّ المعتمد ما قلناه أوّلا.

مسألة 58: قال الصدوق في (المقنع): لو ترك بني أخ لأمّ،

و بني أخ لأب و أمّ، و بني أخ لأب، فلبني الأخ من الامّ الثلث بينهم بالسويّة، و ما بقي فلبني الأخ للأب و الامّ، و سقط بنو الأخ للأب.

فإن ترك بنات و بني ابن أخ لأمّ، و بنات و بني ابن أخ لأب و أمّ، و بنات و بني ابن أخ للأب، فللبنات و بني ابن الأخ للأمّ الثلث بينهم بالسويّة، و ما بقي فللبنات و بني ابن الأخ للأب و الامّ، و سقط بنات و بنو ابن الأخ للأب (2).

و ليس بجيّد، بل لبني الأخ أو لبني و بنات الأخ للأمّ السدس، و الباقي لبني الأخ أو لبني و بنات الأخ للأبوين أو للأب.

و كذا في بني و بنات ابن أخ لأمّ لهم السدس، و الباقي لبني و بنات ابن أخ لأبويه.

و الأصل في ذلك الاعتبار بالمنتسب به- و هو الأخ- فإن كان واحدا، كان لأولاده أو لأولاد أولاده السدس، و إن كان أكثر، فلأولادهما أو لأولاد أولادهما الثلث لكلّ نصيب من يتقرّب به.

مسألة 59: قال الصدوق في (المقنع): إن ترك أختا لأب و أمّ أو لأب، و جدّا،

فللأخت النصف، و ما بقي فللجدّ (3). و كذا قال أبوه في (الرسالة) (4).

و فيه إشكال، فإنّ الجدّ هنا إن كان من قبل الامّ، كان له السدس أو الثلث

____________

(1) انظر: التهذيب 9: 361/ 1290 و 362/ 1292 و 363/ 1296 و 1297.

(2): المقنع: 173.

(3): المقنع: 173.

(4) انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 289.

127

- على الخلاف- و الباقي ردّ عليهما، و إن كان للأب، كان له الثلثان، و للأخت الثلث، لما تقرّر من أنّ الجدّ كالأخ، و لو كان هنا أخ، لكان الحكم ذلك، و كذا الجدّ.

ثمَّ قال: فإن ترك أخوات لأب أو لأب و أمّ و جدّا، فللأخوات الثلثان، و ما بقي فللجدّ (1). و كذا قال أبوه (2).

و فيه إشكال أيضا، فإنّ الجدّ إن كان من قبل الامّ، كان له السدس على مذهبه، فإنّه قال بعد ذلك بلا فصل: فإن ترك جدّا لامّ و أخا لأب أو لأب و أمّ، فللجدّ من الامّ السدس و ما بقي فللأخ، و إن كان من قبل الأب، فإنّه يكون كالأخ مع الأخوات (3).

مسألة 60: المشهور: أنّ أمّ الولد تنعتق من نصيب ولدها

إذا كان حيّا بعد موت مولاها، فإن لم يكن سواها، عتق نصيب ولدها منها وسعت في الباقي لباقي الورثة.

و قال الصدوق في (المقنع): و إذا ترك الرجل جارية أمّ ولده و لم يكن ولده منها باقيا، فإنّها مملوكة للورثة، فإن كان ولده منها باقيا، فإنّها للولد، و هم لا يملكونها، لأنّ الإنسان لا يملك أبويه و لا ولده، و إن كان للميّت ولد من غير هذه- التي هي أمّ الولد- فإنّها تجعل في نصيب ولدها إذا كانوا صغارا، فإذا أدركوا تولّوا هم عتقها، فإن ماتوا من قبل أن يدركوا، رجعت ميراثا لورثة الميّت، كذلك ذكره أبي- (رحمه الله)- في رسالته إليّ (4).

و هذا القول قد اشتمل على حكمين:

الأول: عتقها عند بلوغهم بإعتاقهم و إيقاع لفظ ينعتق به.

____________

(1) المقنع: 174.

(2) انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 289.

(3) لم نجده في المقنع.

(4) المقنع: 178، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 291.

128

و الحقّ أنّها تنعتق من حين موت المولى من غير احتياج إلى مباشرة إعتاق.

الثاني: ردّها إلى الرقّ لو ماتوا قبل البلوغ.

و ليس بمعتمد، لأنّها قد انعتق نصيب ولدها منها، فلا تعود إلى الرقّ، و نصيب غيرهم تستسعى فيه.

و كأنّ الصدوق استضعف هذا الكلام، فنسبه إلى والده- (رحمه الله)- من غير أن يجزم هو به.

مسألة 61: قال الصدوق في (المقنع): إذا لم يكن للميّت وارث حرّ،

ورث المملوك ما له على قسمة السهام التي سمّى الله عزّ و جلّ لأصحاب المواريث (1).

و الظاهر أنّ مقصوده بذلك أنّه يشترى بتلك التركة على نسبة السهام، فالزوجة تشترى بثمن التركة، و الولد يشترى بالباقي، و لم يقصد الإرث الحقيقي، لأنّ المملوك لا يرث و لا يورث.

مسألة 62: قال ابن البرّاج: إذا مات إنسان و ترك ورثة بعضهم غائب

و بعضهم حاضر، و الغائب أحقّ من الحاضر و أولى بالميراث، وقف الميراث إلى حين حضور الغائب و يدفع إليه، فإن لم يحضر و تطاولت المدّة، قسّم على الحاضر، و كان ضامنا له إلى حين حضور الغائب، فإذا حضر، سلّم إليه، و إن مات الغائب بعد أن تسلّم الحاضر الميراث و كان للغائب وارث، كان على الحاضر تسليم الميراث إلى ورثة الغائب، و إن لم يكن له ورثة، كان الميراث للحاضر (2).

و هذا ليس بجيّد، لأنّ مال الغائب لا يجوز التصرّف فيه لأحد، بل يحفظه الحاكم له، فلا يجوز دفعه إلى الحاضر.

ثمَّ قوله: إن لم يكن له ورثة كان الميراث للحاضر، ليس بجيّد أيضا، بل يكون للإمام، و إنّما يكون للحاضر لو كان الحاضر وارثا للغائب.

____________

(1) المقنع: 179.

(2) المهذّب 2: 154- 155.

129

مسألة 63: قال أبو الصلاح: حكم الأجداد و الجدّات و إن علوا مع الإخوة حكم الأجداد الأدنين

بشرط فقدهم، و يترتّبون في التوريث ترتّب ولد الولد، فلا يرث من علا بدرجتين مع الجدّ الأدنى، و لا ذو الثلاث درج مع ذي الدرجتين هكذا أبدا إذا كانوا متساويين في الكلالة، فإن اختلفوا، لم يحجب بعضهم بعضا، كما لا يحجب الجدّ الأدنى من قبل الأب و الامّ الأعلى من قبل الأب أو الأمّ (1).

و هذا ليس بجيّد، بل الجدّ الأدنى يمنع الأعلى سواء اتّفقت درجتهم أو اختلفت، كغيرهم من الورّاث.

مسألة 64: قال أبو الصلاح: و رابع المستحقّين موالي النعمة،

و فرضهم مختصّ بوليّها و عصبته من بعده بشرط فقد ذوي الأنساب، فإن كان معه زوج أو زوجة، فللزوج النصف بالتسمية، و الباقي ردّ عليه دون مولى النعمة، و للزوجة الربع، و الباقي لمولى النعمة أو لعصبته (2).

و هذا ليس بجيّد، و المشهور: أنّ الزوج كالزوجة هنا، و أنّ لكلّ منهما نصيبه الأعلى، و الباقي لمولى النعمة، و لا ردّ على الزوج هنا.

مسألة 65: المشهور: أنّ الكفّار يتوارثون و إن اختلفوا في الملل.

و قال أبو الصلاح: و يرث الكفّار بعضهم بعضا و إن اختلفت جهات كفرهم ما عدا كفّار ملّتنا، فإنّهم يرثون غيرهم من الكفّار و لا يرثونهم (3).

و التخصيص ممنوع، لعدم الدليل عليه.

____________

(1) الكافي في الفقه: 373.

(2) الكافي في الفقه: 374.

(3) الكافي في الفقه: 375.

130

مسألة 66: المشهور: أنّ الطعمة للأجداد مستحبّة،

سواء كانوا لأب أو لامّ.

و قال أبو الصلاح: و لا طعمة لأجداد الأمّ (1).

و المعتمد: الأول.

لنا: تساويهما في الدرج و النسبة، فيتساويان في الحكم.

و ما رواه جميل بن درّاج- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام): «أنّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) أطعم الجدّة أمّ الأب السدس و ابنها حيّ، و أطعم الجدّة أمّ الأمّ السدس و ابنتها حيّة» (2).

و عن إسحاق بن عمّار عن الصادق (عليه السلام): في أبوين و جدّة لأمّ، قال:

«للامّ السدس و للجدّة السدس، و ما بقي و هو الثلثان للأب» (3).

و عن علي بن الحسن بن رباط رفعه إلى الصادق (عليه السلام)، قال: «الجدّة لها السدس مع ابنها و مع ابنتها» (4).

مسألة 67: قال معين الدين المصري (رحمه الله): و قد ذكرت مسألة فيمن ترك خنثى و أحد أبويه أوهما،

و قيل: إنّ فيها ردّا.

و لا أعلم له وجها، لأنّ الأصل أن لا ردّ، لأنّا لو تركنا و ظاهر القرآن لما زدناهما مع البنت على السدس شيئا، لأنّه سبحانه يقول وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ (5) و اسم الولد يقع على الأنثى كما يقع على الذكر، و إنّما رجعنا عن هذا الظاهر في مواضع الردّ بدليل، و هو الإجماع، و هذا المشكل أمره ليس بأنثى على الحقيقة، فيثبت الردّ.

فإن قيل: فالحكم بأنّ له ميراث نصف أنثى، فيثبت الردّ.

____________

(1) الكافي في الفقه: 378.

(2) الكافي 7: 114/ 12، الفقيه 4: 204/ 680، التهذيب 9: 311- 312/ 1118، الاستبصار 4: 162/ 616.

(3) الفقيه 4: 205/ 684، التهذيب 9: 312/ 1119، الاستبصار 4: 163/ 617.

(4) الفقيه 4: 205/ 685، التهذيب 9: 312/ 1120، الاستبصار 4: 163/ 618.

(5) النساء: 11.

131

قلنا: و الحكم بأنّ له ميراث نصف ذكر يمنع منه، و إذا تقابلا سقطا، و بقينا على الأصل.

و الوجه: ثبوت الردّ بآية اولى الأرحام التي باعتبارها أوجبنا الردّ، و لم يتعدّ إلى العصبة، فللخنثى حينئذ مع أحد الأبوين تسعة عشر من ثلاثين، و كونه يرث نصف ميراث ذكر يقتضي منع الردّ في نصف النصيب.

مسألة 68: قال معين الدين المصري فيما لو خلّف أبوين و بنتا و إخوة يحجبون:

ورد الاختصاص بالردّ مجملا، و هو يقتضي أمرين: إمّا أن يكون للأب في الردّ سهمان من خمسة، و هما اللذان كانا له و للأمّ، لأنّ الإخوة إنّما يحجبون بوجود الأب، و إمّا أن يكون له سهم من أربعة، فيكون الردّ عليه و على البنت بمجموعهما، و الأول أقوى.

و ليس بجيّد، بل الأقوى الثاني، لقوله تعالى فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (1) و حينئذ يكون الباقي لباقي الورثة على نسبة سهامهم، و لا وجه لاختصاص الأب.

مسألة 69: قال معين الدين المصري: لو كان في الورثة حمل،

أخّر له نصيبان تامّان، هذا هو الأولى.

و قد ذكر أنّه يؤخّر نصيب ابن و نصيب بنت، و الأوّل أقوى.

و هذا الذي قوّاه هو الأقوى عندي، لأنّه أحوط.

مسألة 70: قال معين الدين المصري: و أمّا ولد الزنا فلا يرثه أحد إلّا زوجه أو زوجته و ولده خاصّة،

و كذلك هو لا يرث إلّا زوجه أو زوجته و ولده خاصّة، فإن لم يكن أحد، فللإمام، و ميراث ولده بعده لأمّه أو لمن يتقرّب بها بعد موتها على

____________

(1) النساء: 11.

132

الصحيح و بالعكس، لأنّ هذا الولد ليس بولد زنا و ليس هو ممّن لا ينتسب إلى أب و أمّ كما حكم في أبيه أو امّه أو فيهما.

و هذا يشعر بالخلاف، و ما اختاره هو الصحيح، لما ذكره من العلّة.

مسألة 71: قال معين الدين المصري: لو ترك ابن ابن أخ أو أخت من قبل أبويه أو من قبل أحدهما،

و جدّا له من قبل الأب، فإنّ الجدّ لا يمنع ابن ابن الأخ و إن كان أقرب منه بدرجتين، و لا يحوز الميراث دونه على قول بعض أصحابنا، بل يأخذ ابن ابن الأخ ميراث أبيه أو امّه على حدّ سواء، و يشارك الجدّ، و على قول بعضهم- و هو الأضعف- الجدّ يجوز الميراث دونه.

احتجّ الأولون: بأنّ ولد الأخ ممّن سمّى اللّه تعالى لأبيه فرضا في القرآن العزيز، و هو أقوى سببا ممّن يرث بالرحم، و عليه الإجماع، و به احتجّ السيّد المرتضى، و إن كان قد ذكر في موضع آخر: أنّ ولد ولد الأخ إذا نزل بدرجة لا يرث مع الجدّ.

و ليس له أصل، لأنّ ولد الولد- و إن نزل- فهو ولد على الحقيقة، و هو الذي استقرّ عليه المذهب، و عليه الإطباق الآن.

و هذا الذي اختاره معين الدين هو المعتمد.

مسألة 72: المشهور: أنّ العتيق لا يرث المنعم عليه.

و قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): إذا ترك الرجل مولى منعما أو منعما عليه و لم يترك وارثا غيره، فالمال له (1).

لنا: الأصل عدم الانتقال إليه، و إنّما صرنا إلى المنعم، لأنّه يشابه الأب، فإنّ الأب علّة في إيجاد الولد، و المنعم عليه في تمليكه نفسه، بخلاف العتيق الذي لا سبب له يقتضي ميراثه.

____________

(1) الفقيه 4: 224.

133

تمَّ الجزء السادس من كتاب (مختلف الشيعة في أحكام الشريعة) و يتلوه في أوّل الجزء السابع (1) كتاب الحدود، و فيه فصول، على يد مصنّفه العبد الفقير إلى رحمة اللّه تعالى حسن بن يوسف بن مطهّر الحلّي في ليلة السادس و العشرين من شهر رمضان المبارك من سنة ثمان و سبعمائة.

و الحمد لله ربّ العالمين، و صلّى اللّه على سيّدنا محمد سيّد الأوّلين و الآخرين و خاتم المرسلين و آله الطيّبين الطاهرين.

____________

(1) حسب تجزئة المصنّف (رحمه الله).

134

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

135

كتاب الحدود

و فيه فصول

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

[الفصل] الأول: في حدّ الزنا

مسألة 1: قال الشيخ في (النهاية) في باب شهادة النساء: إذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا،

فادّعت أنّها بكر، أمر النساء بأن ينظرن إليها، فإن كانت كما قالت، درئ عنها الرجم و الحدّ، و جلد الأربعة حدّ الفرية (1). و لم يذكر جلد الشهود في كتاب الحدود.

و ابن إدريس قال كما قال الشيخ في باب شهادة النساء، لكن قيّد أنّهم شهدوا بالزنا قبلا (2)، و هو جيّد.

و ذكر هذه المسألة في كتاب الحدود أيضا، و لم يذكر حدّ الشهود، بل قال:

فأمّا الشهود الأربعة فلا يحدّون حدّ القاذف، لأنّه لا دليل عليه. و لأنّ شهادتهم ظاهرها الصحّة. و إلى هذا القول ذهب شيخنا في (المبسوط) و لم يذكر في (النهاية) شيئا (3). و لعلّه نسي ما ذكره الشيخ في باب شهادة النساء.

و قال ابن الجنيد: و لو ادّعت المشهود عليها أنّها رتقاء أو عذراء، أو المشهود

____________

(1) النهاية: 332.

(2) السرائر 2: 137.

(3) السرائر 3: 429- 430.

138

عليه أنّه خصيّ، ارتآهما أهل العدالة، فإذا شهد أربعة من النساء بما ادّعت المرأة و رجلان بما ادّعاه الرجل أو بأحدهما، بطلت الشهادة، و صار الشهود قذفة.

و المعتمد: ما ذكره الشيخ في (المبسوط) (1) و به قال ابن حمزة (2)، لأنّه ليس تصديق شهادة النساء أولى من تصديق شهادة الرجم (3)، و أقلّ ما تحصل به الشبهة، فيدرأ بها الحدّ، لقوله (عليه السلام) (ادرؤوا الحدود بالشبهات) (4).

مسألة 2: قال الشيخ في (النهاية): إذا شهد أربعة نفر على امرأة بالزنا أحدهم زوجها،

وجب عليها الحدّ.

و قد روي أنّ الثلاثة يجلدون حدّ المفتري، و يلاعنها زوجها.

و هذه الرواية محمولة على أنّه إذا لم تعدّل الشهود، أو اختلفوا في إقامة الشهادة، أو اختلّ بعض شرائطها، فأمّا مع اجتماع شرائط الشهادة كان الحكم ما قدّمناه (5).

و قال ابن الجنيد: إذا كان أحد الأربعة الشهود زوجا، و كانت المرأة غير مدخول بها، صحّت الشهادة، و وجب الحدّ، و إن كان قد دخل بها، بطلت الشهادة، و كان عليه اللعان و على الثلاثة الحدّ.

و قال الصدوق في (المقنع): و إذا شهد أربعة شهود على امرأة بالفجور أحدهم زوجها، جلد الثلاثة الحدّ، و لا عنها زوجها، و لا تحلّ له أبدا (6).

و قال ابن البرّاج: إذا شهد أربعة نفر بالزنا و أحدهم زوجها، كان عليها الحدّ.

و قد ذكر أنّ الثلاثة يحدّون حدّ المفتري، و يلاعنها زوجها.

و ذكر بعض أصحابنا: أنّ هذه الرواية محمولة على أنّه لم تعدّل الشهود، أو

____________

(1) المبسوط 8: 10.

(2) الوسيلة: 410.

(3) في «ب»: الرجال.

(4) الفقيه 4: 53/ 190، تاريخ بغداد 9: 303.

(5) النهاية: 690.

(6) المقنع: 148.

139

اختلفوا في إقامة الشهادة.

و قد ذكرت في كتابي (الكامل): أنّ الأقوى في نفسي في ذلك أنّهم يحدّون، و لا يجب على المرأة حدّ، لأنّ زوجها في حكم الخصم لها، و شهادة الخصم على خصمه في الأمر الذي هو خصمه فيه ليست مقبولة، و إذا كان الأمر على ذلك لم يبق غير ثلاثة، فيجب عليهم حدّ الفرية (1).

و قال أبو الصلاح: فإن كان أحد الشهود الزوج، حدّوا الثلاث حدّ المفتري، و لا عن الزوج (2).

و قال ابن حمزة: إن كان زوجها أحد الشهود البيّنة و لم يقذفها، جاز، فإن قذفها، لم يجز، و لزم حدّ الثلاثة، و أسقط الزوج الحدّ باللعان إن شاء (3).

و قال ابن إدريس: إن شهد الزوج ابتداء من غير أن يتقدّم منه القذف لها مع الثلاثة المذكورة، قبلت شهادتهم، و وجب على المرأة الحدّ، فإن كان قد رمى الزوج المرأة بالزنا أوّلا ثمَّ شهد مع الثلاثة المذكورة عليها به، فلا تقبل شهادته.

ثمَّ نقل كلام الشيخ في (النهاية) ثمَّ قال عقيبه: إلّا أنّه قيّده في (مسائل خلافه) فقال: إذا شهد الزوج ابتداء من غير أن يتقدّم منه القذف مع ثلاثة على المرأة بالزنا، قبلت شهادتهم، و وجب على المرأة الحدّ، و هو الظاهر من أحاديث أصحابنا، و به قال أبو حنيفة، و قد روي أيضا أنّ الثلاثة يحدّون، و يلاعن الزوج.

و هذا الذي حقّقه في (مسائل خلافه) هو الأصحّ و الأظهر، و يتناولها قوله تعالى وَ اللّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (4) و لم يفرّق بين أن يكون الزوج أحدهم أو لا يكون، و هذا خطاب للحكّام (5).

و قول ابن إدريس لا بأس به.

و الشيخ- (رحمه الله)- ذكر في (الاستبصار) حديث إبراهيم بن نعيم عن

____________

(1) المهذّب 2: 525.

(2) الكافي في الفقه: 415.

(3) الوسيلة: 410.

(4) النساء: 15.

(5) السرائر 3: 430- 431.

140

الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، قال: «تجوز شهادتهم» (1).

ثمَّ قال: و قد روي أنّ الزوج يلاعنها و يجلد الباقون جلد المفتري، روى ذلك زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها قال: «يلاعن و يجلد الآخرون» (2).

قال: و الخبر الأول أولى بأن يعمل عليه، لأنّه موافق لكتاب اللّه تعالى:

قال تعالى وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ (3) بيّن أنّه إنّما يجوز اللعان إذا لم يكن للرجل من الشهود إلّا نفسه، فإنّه يلاعنها، و أمّا إذا أتى بالشهود الذين بهم يتمّ أربعة، فلا يجب عليه اللعان (4).

مسألة 3: قال الشيخ في (النهاية): إذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر، كان عليه أن يقيم عليه الحدّ،

و لا ينتظر مع مشاهدته قيام البيّنة، و لا الإقرار، و ليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به، و غيره و إن شاهد يحتاج أن يقوم له بيّنة أو إقرار من الفاعل على ما بيّنّاه (5).

و قال ابن إدريس: حكم النائب من قبل الإمام حكمه في الحكم بعلمه (6).

و هو الأقوى عندي، و قد تقدّم البحث في ذلك (7).

مسألة 4: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا،

فشهد اثنان منهم أنّه أكرهها، و الآخران أنّها طاوعته، فلا حدّ على المرأة، لأنّه لم تثبت المطاوعة.

و أمّا الرجل فقال الشيخ في (الخلاف): قال الشافعي: لا يجب عليه الحدّ.

____________

(1) الاستبصار 3: 35/ 118.

(2) الاستبصار 3: 36/ 119.

(3) النور: 6.

(4) الاستبصار 3: 36 ذيل الحديث 119.

(5) النهاية: 691.

(6) السرائر 3: 432.

(7) تقدّم في ج 8، كتاب القضاء و توابعه، المسألة 11.

141

و هو الأقوى عندي. و قال أبو حنيفة: عليه الحدّ.

ثمَّ استدلّ بأصالة براءة الذمّة، و احتاج إيجاب الحدّ إلى دليل. و لأنّ الشهادة لم تكمل بفعل واحد، و إنّما هي شهادة على فعلين، لأنّ الزنا طوعا غير الزنا كرها (1).

و قال في (المبسوط): لا حدّ على المرأة، لأنّ الشهادة لم تكمل، و الرجل لا حدّ عليه أيضا.

و قال بعضهم: إنّ عليه الحدّ، و هو الأقوى عندي، لأنّ الشهادة قد كملت في حقّه على الزنا، لأنّه زان في الحالين.

و من قال بالأول قال: لأنّ الشهادة لم تكمل على فعل واحد، فإنّ الإكراه غير المطاوعة (2).

و هذا عكس ما قاله في (الخلاف) فإنّه قوّى هناك كلام الشافعي، و قوّى هنا كلام أبي حنيفة.

و قال ابن الجنيد: لو شهد اثنان من الأربعة بأنّ الرجل استكره المرأة، و شهد الآخران بأنّها طاوعته، و ادّعت المرأة الإكراه، سقط الحدّ عن المرأة، و لزم الحدّ الرجل. و به قال ابن حمزة و ابن إدريس (3).

و قوله في (الخلاف) أجود عندي.

لنا: أنّ الزنا بقيد الإكراه مغاير له بقيد المطاوعة، كما أنّ الزنا في أحد الزوايا مغاير له في الزاوية الأخرى، و كما لم تسمع الثانية- و إن اتّفقا على مطلق الزنا- فكذا في الأولى، للتغاير.

و احتجاج الشيخ بكونه زانيا ممنوع، لأنّه إنّما يثبت المطلق بشهادة الأربعة لو لم تختلف المشخّصات له، أمّا مع اختلافها فلا.

و ابن إدريس لقصور فهمه و عدم قوّته المميّزة لم يتفطّن لذلك، و تعجّب من

____________

(1) الخلاف 5: 383، المسألة 24.

(2) المبسوط 8: 8.

(3) الوسيلة: 410، السرائر 3: 432.

142

استدلال الشيخ بالمغايرة، و ادّعى أنّ الشهادة كملت بالزنا، لأنّ من شهد بالإكراه فقد شهد بالزنا، و من شهد بالمطاوعة فقد شهد أيضا بالزنا، فالفعل واحد و إن اختلفت أسبابه (1). و هو غلط ظاهر.

مسألة 5: إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا،

فشهد واحد أو ثلاثة و لم يشهد الرابع، لم يثبت على المشهود عليه الزنا، لأنّ الشهادة ما تكاملت بلا خلاف، و من لم يشهد لا شيء عليه أيضا بلا خلاف، و من شهد فعليه حدّ القذف، قاله الشيخ في (الخلاف) و نقله عن أبي حنيفة و أصحابه، و الشافعي في أحد قوليه، و قال في الآخر: لا يجب الحدّ (2).

و قال الشيخ في (المبسوط): الذي يقتضيه مذهبنا: أنّ عليهم الحدّ، و على ما يحكون أصحابنا في قصّة المغيرة لا حدّ عليهم (3).

و الشيخ نقل قصّة المغيرة في (الخلاف) و جعله دليلا بعد استدلاله بإجماع الفرقة.

فقال: و قد روي ذلك عن علي (عليه السلام)، و عمر، و لا مخالف لهما.

أمّا علي (عليه السلام) فروي أنّ أربعة أتوه ليشهدوا على رجل بالزنا، فصرّح ثلاثة و قال الرابع: رأيتهما تحت ثوب، فإن كان ذلك زنا فهو ذلك.

و أمّا عمر فالقضيّة مشهورة، و هو أنّه استخلف المغيرة بن شعبة على البصرة و كان نازلا في أسفل الدار و نافع و أبو بكرة و شبل بن معبد و زياد في علوّها، فهبت ريح ففتحت باب البيت و رفعت الستر، فرأوا المغيرة بين رجلي امرأة، فلمّا أصبحوا تقدّم المغيرة ليصلّي، فقال أبو بكرة: تنحّ عن مصلّانا، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن يرفعوا إليه، و كتب إلى المغيرة: قد يحدّث عنك بما إن كان صدقا لو كنت متّ قبله لكان خيرا لك، فاشخص إلى المدينة، فشهد نافع و أبو بكرة

____________

(1) السرائر 3: 433.

(2) الخلاف 5: 389، المسألة 32.

(3) المبسوط 8: 9.

143

و شبل بن معبد، فقال عمر: أؤدي المغيرة الأربعة، فجاء زياد ليشهد، فقال عمر:

هذا رجل لا يشهد إلّا بالحقّ إن شاء اللّه، فقال: أمّا بالزنا فلا أشهد و لكنّي رأيت أمرا قبيحا، فقال عمر: اللّه أكبر، و جلد الثلاثة، فلمّا جلد أبو بكرة، قال: أشهد أنّ المغيرة زنى، فهمّ عمر بجلده، فقال له علي (عليه السلام): «إن جلدته فارجم صاحبك» يعني ارجم المغيرة، فموضع الدلالة أنّ هذه قضيّة ظهرت و اشتهرت، و لم ينكر ذلك أحد.

و قيل في تأويل قول علي (عليه السلام) لعمر: «إن جلدت أبا بكرة ثانيا فارجم صاحبك»: تأويلان: أصحّهما: أنّ معناه إن كانت هذه شهادة غير الأولى، فقد كملت الشهادة أربعة، فارجم صاحبك، يعني إنّما أعاد ما شهد به، فلا تجلده بإعادته (1).

و قول الشيخ في (المبسوط) مشكل.

و ابن الجنيد قال: لو شهد ثلاثة و تأخّر الرابع إلى تصرّم مجلس الحكم، أو قدر ساعة، صاروا كلّهم بمعنى القذفة.

قال الشيخ في (الخلاف): و من قال لا حدّ عليهم استدلّ بقوله تعالى:

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (2) فأخبر أنّ القاذف من إذا لم يأت بأربعة شهداء حدّ، و ليس هذا منهم، فإنّه لا يحدّ إذا أتى بأقلّ منهم، و هو إذا شهد معه ثلاثة، فكلّ من خرج من قذفه بأقلّ من أربعة شهود لم يكن قاذفا (3).

و صاحب (الشامل) قال: إذا لم يتمّ عدد الشهود، كأن شهد ثلاثة أو شهد واحد، فهل يكونون قذفة يجب عليهم حدّ القذف؟ فيه قولان:

أحدهما: و هو المنصوص المشهور: أنّهم يحدّون، و به قال مالك و أبو حنيفة.

و الثاني: أنّهم لا يحدّون، لأنّه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم،

____________

(1) الخلاف 5: 389- 390، المسألة 32.

(2) النور: 4.

(3) الخلاف 5: 390- 391، المسألة 32.

144

فلم يجب عليه الحدّ، كما لو شهد الأربعة ثمَّ رجع واحد منهم، لم يحدّ الباقين.

و هذا القول عندي لا يخلو من قوّة، و إلّا لأدّى ذلك إلى امتناع الشهود عن إقامتها، لأنّ تجويز أن يترك أحدهم الشهادة يقتضي تجويز إيقاع الحدّ عليه، فيمتنع من أدائها.

و لأنّ أصحابنا نصّوا على أنّه لو شهد أربعة فردّت شهادة واحد منهم بأمر خفيّ لا يقف عليه إلّا الآحاد، يقام على المردود الشهادة الحدّ دون الثلاثة، لأنّهم غير مفرطين في إقامتها، فإنّ أحدا لا يقف على بواطن الناس، فكان عذرا في إقامتها، فلهذا لا حدّ، و ما ذكرناه من الأمور الباطنة.

مسألة 6: إذا استكره امرأة على الزنا،

فلا حدّ عليها إجماعا، و عليه الحدّ، و لها مهر المثل، و به قال ابن إدريس.

قال: و قال أبو حنيفة: لا مهر لها، و اختاره شيخنا أبو جعفر في كتاب الحدود من (مسائل خلافه) إلّا أنّه رجع عنه في (مبسوطه) و في موضع آخر من (مسائل خلافه).

و استدلّ شيخنا على سقوطه: بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إنّه (نهى عن مهر البغي) (1) و قال: البغي الزانية.

قال: و هذا استدلال يرغب عن ذكره، هل هذه المكرهة بغيّ حتى يستشهد بهذا الحديث على نفي مهرها؟ (2).

و قول ابن إدريس جيّد، و الحديث غير متناول لها على ما قاله.

و الشيخ قال في كتاب الصداق من (الخلاف): إذا وطأ امرأته فأفضاها بأن صيّر مجرى البول و مدخل الذكر واحدا، فإن كان قبل تسع سنين، لزمه نفقتها ما دامت حيّة، و عليه مهرها و ديتها كاملة، و إن كان بعد تسع سنين، لم يكن عليه شيء غير المهر.

____________

(1) صحيح البخاري 3: 110، سنن ابن ماجه 2: 730/ 2159، سنن الدارمي 2: 255، مسند أحمد 1: 147.

(2) السرائر 3: 436.

145

هذا إذا كان في عقد صحيح أو عقد شبهة، فأمّا إذا كان مكرها لها، فإنّه تلزمه ديتها على كلّ [حال] (1) و لا مهر لها، و سواء كان البول مستمسكا أو مسترسلا، و قال الشافعي: عليه ديتها و مهرها. و لم يفصّل قبل تسع سنين أو بعده (2).

و ليس في هذا رجوع عمّا قاله أوّلا.

و قال في (المبسوط): إذا استكره امرأة على الزنا فلا حدّ عليها، لأنّها ليست بزانية، و عليه الحدّ، لأنّه زان، و أمّا المهر فلها مهر مثلها عند قوم، و قال آخرون:

لا مهر لها، و هو مذهبنا، لأنّ الأصل براءة الذمّة.

ثمَّ قال: و الأحكام التي تتعلّق بالوطء على ثلاثة أضرب، أحدها: معتبر بهما، و هو الغسل، فالغسل يجب على كلّ واحد منهما، و الحدّ، فإن كانا زانيين، فعلى كلّ واحد منهما الحدّ، و إن كان أحدهما زانيا، فعليه الحدّ دون الآخر، و أمّا المهر فمعتبر بها، فمتى حدّت فلا مهر، و إذا سقط الحدّ، وجب لها المهر (3).

و هذا الكلام الأخير كالناقض للأوّل حيث قال: لا حدّ عليها، لأنّها ليست زانية، و لا مهر لها.

و قال في الصداق من (المبسوط): و هكذا إن أكره امرأة و وطأها بشبهة فأفضاها، وجب المهر و الدية، و عندنا خاصّة أنّه يلزم النفقة عليها (4)، و هو موافق لما اخترناه.

مسألة 7: قسّم الشيخ الزناة في (النهاية) على خمسة أقسام:

منهم من يجب عليه الحدّ بالقتل على كلّ حال، سواء كان مسلما أو كافرا، شيخا كان أو شابّا، و على كلّ حال و هو كلّ من وطأ ذات محرم له امّا أو بنتا أو أختا أو بنتها، أو بنت

____________

(1) أضفناها من المصدر.

(2) الخلاف 4: 395، المسألة 41.

(3) المبسوط 8: 10.

(4) المبسوط 4: 318.

146

أخيه، أو عمّته أو خالته، فإنّه يجب عليه القتل على كلّ حال، و كذا الذمّي إذا زنى بمسلمة، و من غصب امرأة على فرجها، و من زنى بامرأة أبيه، فإنّه يفتل، سواء كان محصنا أو غير محصن (1). و لم يذكر جلدا و لا رجما. و كذا قال أبو الصلاح في الزاني بالمحرّمات بالنسب (2)، و ابن البرّاج (3) تبع الشيخ.

و شيخنا المفيد قال في (المقنعة): و إذا زنى الذمّي بمسلمة، ضربت عنقه، و من زنى بذات محرم له- كعمّته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أخته- ضربت عنقه، و كذا الحكم فيمن زنى بامّه أو ابنته أو أخته، و من عقد على واحدة ممّن سمّيناه و هو يعرف رحمه منها ثمَّ وطأها، ضربت عنقه، و من غصب امرأة على نفسها و وطأها مكرها لها، ضربت عنقه، محصنا كان أو غير محصن (4).

و قال ابن إدريس: الذي يجب تحصيله في هذا القسم- و هو الذي يجب عليه القتل على كلّ حال- أن يقال: إن كان محصنا، وجب عليه الجلد أوّلا ثمَّ الرجم، فيحصل امتثال الأمر في الحدّين معا، و لا يسقط واحد منهما، و يحصل أيضا المبتغى الذي هو القتل لأجل عموم أقوال أصحابنا و أخبارهم، لأنّ الرجم يأتي على القتل و يحصل الأمر بحدّ الرجم، و إن كان غير محصن، وجب عليه الجلد، لأنّه زان، ثمَّ القتل بغير الرجم (5).

و احتجّ الشيخان: بما رواه زرارة- في الحسن- عن أحدهما (عليهما السلام):

في رجل غصب امرأة نفسها، قال: «يقتل» (6).

و عن جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: أين تضرب هذه الضربة؟ يعني من أتى ذات محرم، قال: «تضرب عنقه» أو قال:

«رقبته» (7).

____________

(1) النهاية: 692.

(2) الكافي في الفقه: 405.

(3) المهذّب 2: 519.

(4) المقنعة: 778.

(5) السرائر 3: 438.

(6) الكافي 7: 189/ 3، التهذيب 10: 17/ 48.

(7) الكافي 7: 190/ 2، التهذيب 10: 23/ 69، الاستبصار 4: 208/ 778.

147

ثمَّ إنّ الشيخ- (رحمه الله)- روى عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«إذا زنى الرجل بذات محرم حدّ حدّ الزاني إلّا أنّه أعظم ذنبا» (1).

قال الشيخ: و ليس منافيا لما تقدّم من ضربه بالسيف، لأنّ القصد قتله، و فيما يجب على الزاني الرجم و هو يأتي على النفس، فالإمام مخيّر بين أن يضربه ضربة بالسيف أو يرجمه (2). و هذا قول الشيخ لا بأس به عندي.

مسألة 8: قسّم الشيخ الزاني المحصن في (النهاية) إلى شيخين و شابّين،

فإن كانا شيخين، جلدا مائة ثمَّ رجما، و إن كانا شابّين، رجما بغير جلد (3). و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة (4).

و أطلق الشيخ المفيد و ابن الجنيد و سلّار، القول في المحصن أنّه يجلد أوّلا ثمَّ يرجم (5).

و قال ابن أبي عقيل: و حدّ الزاني عند آل الرسول (عليهم السلام) إذا كانا بكرين، جلدا مائة و نفيا سنة، و حدّ المحصن و المحصنة إذا زنيا الرجم. و لم يتعرّض للجلد.

و قال السيّد المرتضى: ممّا ظنّ انفراد الإمامية به- و أهل الظاهر يوافقونهم فيه- القول: بأنّه يجمع على الزاني المحصن الجلد و الرجم، يبدأ بالجلد و يثنّى بالرجم، و داود يوافقهم عليه.

و خالف باقي الفقهاء في ذلك، و قالوا: لا يجتمع الجلد و الرجم، بل يقتصر في المحصن على الرجم.

و احتجّ: بإجماع الطائفة، و لأنّه لا خلاف في استحقاقه الرجم، و إنّما الخلاف في استحقاقه الجلد، و يدلّ على استحقاقه إيّاه قوله تعالى:

____________

(1) التهذيب 10: 23/ 71، الاستبصار 4: 208/ 780.

(2) التهذيب 10: 23 ذيل الحديث 71، الاستبصار 4: 209 ذيل الحديث 780.

(3) النهاية: 693.

(4) المهذّب 2: 519، الوسيلة: 411.

(5) المقنعة: 775، المراسم: 251- 252.

148

الزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا (1) الآية، و المحصن داخل فيه، و استحقاقه الرجم غير مناف لاستحقاقه الجلد (2).

و أطلق القول و لم يفصّل، و كذا الصدوق في (المقنع) (3) و تبعه ابن إدريس، لقوله تعالى الزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا (4).

قال: و ما اخترناه مذهب السيّد المرتضى، و اختيار شيخنا المفيد و الجلّة من المشيخة الفقهاء من أصحابنا.

و شيخنا قد رجع في (التبيان) فقال: يجلد الزاني و الزانية إذا لم يكونا محصنين كلّ واحد منهما مائة جلدة، و إذا كانا محصنين أو أحدهما، كان على المحصن الرجم بلا خلاف، و عندنا أنّه يجلد أوّلا مائة جلدة ثمَّ يرجم، و في أصحابنا من خصّ ذلك بالشيخ و الشيخة إذا زنيا محصنين، فأمّا إذا كانا شابّين محصنين، لم يكن عليهما غير الرجم، و هو قول مسروق، و في ذلك خلاف ذكرناه في (الخلاف) (5).

و الشيخ قال في (الخلاف): المحصن إذا كان شيخا أو شيخة، فعليهما الجلد ثمَّ الرجم، و إن كانا شابّين، فعليهما الرجم. و قال داود و أهل الظاهر: عليهما الجلد ثمَّ الرجم- و لم يفصّلا- و به قال جماعة من أصحابنا. و قال جميع الفقهاء: ليس عليهما إلّا الرجم دون الجلد.

ثمَّ استدلّ بقوله تعالى الزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا (6) و لم يفصّل.

و روى عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): (خذوا عنّي، قد جعل اللّه لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة و تغريب عام، و الثيّب بالثيّب الجلد ثمَّ الرجم) (7).

____________

(1) النور: 2.

(2) الانتصار: 254- 255.

(3) المقنع: 144.

(4) النور 2.

(5) السرائر 3: 440- 441.

(6) النور: 2.

(7) صحيح مسلم 3: 1316/ 1690، سنن ابن ماجه 2: 852- 853/ 2550، سنن الدارمي 2: 181، مسند أحمد 5:

313 و 317.

149

و فيه إجماع الصحابة.

و جلد علي (عليه السلام) شراحة يوم الخميس و رجمها يوم الجمعة، فقيل له:

أ تحدّها حدّين؟ فقال: «حددتها بكتاب اللّه، و رجمتها بسنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)» (1)- (2).

و قال في (المبسوط): و حدّ الثيب- و هو المحصن- من أصحابنا من قال: يجب عليه الجلد ثمَّ الرجم، و منهم من قال: إنّما يجب ذلك إذا كانا شيخين، فإن كانا شابّين، فعليهما الرجم لا غير، و عند المخالف يجب الرجم بلا تفصيل، و بعضهم يجمع بينهما و لا يفصّل (3).

و احتجّ الشيخ: بما رواه عبد اللّه بن طلحة عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«إذا زنى الشيخ و العجوز، جلدا ثمَّ رجما عقوبة لهما، و إذا زنى النصف (4) من الرجال رجم و لم يجلد إذا كان قد أحصن» (5).

و احتجّ الباقون: بعموم الآية (6).

و بما رواه محمد بن مسلم- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام) «في المحصن و المحصنة جلد مائة ثمَّ الرجم» (7).

و كذا رواه زرارة عنه (عليه السلام) (8).

و هذا هو الأقوى عندي.

مسألة 9: قسّم الشيخ في (النهاية) الزاني غير المحصن على قسمين:

البكر و غيره، و فسّر البكر: بأنّه المملك على المرأة من غير دخول، و غيره: من ليس بمملك،

____________

(1) المستدرك- للحاكم- 4: 364 و 365، مسند أحمد 1: 140 و 141.

(2) الخلاف 5: 366- 368، المسألة 2.

(3) المبسوط 8: 2.

(4) رجل نصف- بالكسر- من أوساط الناس. مجمع البحرين 5: 24.

(5) التهذيب 10: 4/ 10، الاستبصار 4: 200/ 750.

(6) النور: 2.

(7) التهذيب 10: 4/ 13، الاستبصار 4: 201/ 753.

(8) التهذيب 10: 5/ 16، الاستبصار 4: 201/ 756.

150

و أوجب على البكر جلد مائة و التغريب سنة و جزّ الشعر إن كان رجلا، و لا جزّ على المرأة و لا تغريب، و على غير البكر جلد مائة لا غير، رجلا كان أو امرأة (1).

و قال في (الخلاف) و (المبسوط): البكر عبارة عن غير المحصن، فإذا زنى البكر، جلد مائة و غرّب عاما إن كان ذكرا، و إن كان أنثى، لم يكن عليها تغريب (2).

و قال المفيد (رحمه الله): و إذا زنى الرجل- و قد أملك بامرأة- و كان زناه قبل أن يدخل بها، جزّت ناصيته، و جلد مائة جلدة، و نفي عن المصر حولا كاملا (3).

و قال ابن أبي عقيل: إذا كانا بكرين، جلدا مائة، و نفيا سنة، و حدّ المحصن و المحصنة إذا زنيا الرجم.

ثمَّ فسّر المحصن: بأنّه الذي يكون له زوجة حرّة مسلمة يغدو عليها و يروح.

و لم يفسّر البكر، و الظاهر أنّه في مقابلته، لكنّه لم يصرّح بذلك.

و قال الصدوق في (المقنع): إن كانا محصنين، ضربا مائة جلدة ثمَّ رجما (4).

و إن كانا غير محصنين، فعليه و على المرأة جلد مائة (5). و الذي قد أملك و لم يدخل بها يجلد مائة و ينفى (6).

و قال ابن الجنيد: إذا زنى غير المحصن، جلد مائة، و غرّب سنة من بلده إذا كان حرّا. و لم يشترط الملاك.

و قال أبو الصلاح: إن كان حرّا مسلما محصنا و كان شيخا، جلد مائة سوط، و أمهل حتى يبرأ الضرب، ثمَّ رجم حتى يموت، و إن كان شابّا، رجم حسب، و إن كان أحدهما محصنا لغائبة عنه أو حاضرة لا يتمكّن من الوصول إليها، جلد مائة سوط، و غرّب عاما، و إن لم يكن محصنا، جلد مائة سوط (7).

____________

(1) النهاية: 694.

(2) الخلاف 5: 368، المسألة 3، المبسوط 8: 2.

(3) المقنعة: 780.

(4) المقنع: 144.

(5) المقنع: 143.

(6) المقنع: 146.

(7) الكافي في الفقه: 405.

151

و ابن البرّاج (1) تبع الشيخ (رحمه الله)، و كذا ابن حمزة (2).

و قال ابن إدريس: البكر هو غير المحصن، سواء كان مملكا أو لا (3). كما قاله الشيخ في (الخلاف).

و الأقرب: ما اختاره الشيخ في (النهاية).

لنا: أنّ الأصل براءة الذمّة.

و ما رواه سماعة عن الصادق (عليه السلام)، قال: «الحرّ و الحرّة إذا زنيا جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة، فأمّا المحصن و المحصنة فعليهما الرجم» (4).

احتجّ الآخرون: بما رواه عبد الله بن طلحة عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«إذا زنى الشاب الحدث السن جلد و نفي سنة من مصره» (5).

و الجواب: المراد بذلك إذا كان مملكا، لما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام)، قال: «و من لم يحصن يجلد مائة و لا ينفى، و التي قد أملكت و لم يدخل بها تجلد مائة و تنفى» (6).

و في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: «الشيخ و الشيخة جلد مائة و الرجم، و البكر و البكرة جلد مائة و نفي سنة» (7).

و عن عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام): قال: «كان علي (عليه السلام) يجلد البكر و البكرة و ينفيهما سنة» (8).

و البكر هو المملك، لما رواه زرارة في الحديث السابق (9).

و ما رواه محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين عليه

____________

(1) المهذّب 2: 519- 520.

(2) الوسيلة: 411.

(3) السرائر 3: 441- 442.

(4) الكافي 7: 177/ 2، التهذيب 10: 3/ 6.

(5) التهذيب 10: 4/ 10، الاستبصار 4: 200/ 750.

(6) التهذيب 10: 4/ 12.

(7) التهذيب 10: 4/ 14، الاستبصار 4: 201/ 754.

(8) التهذيب 10: 4/ 11، الاستبصار 4: 200/ 751.

(9) سبق آنفا.

152

السلام في الشيخ و الشيخة أن يجلدا مائة، و قضى في المحصن الرجم، و قضى في البكر و البكرة إذا زنيا جلد مائة، و نفي سنة في غير مصرهما، و هما اللّذان قد أملكا، و لم يدخل بها» (1).

مسألة 10: المشهور: أنّ المرأة [الزانية] لا نفي عليها،

قاله الشيخ (2) (رحمه الله)، و تبعه المتأخّرون.

و استدلّ في (الخلاف): بإجماع الفرقة و أخبارهم، و أصالة البراءة، و لقوله تعالى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (3) فلو كانت الحرّة يجب عليها التغريب لكان على الأمة نصفها، و قد بيّنّا أنّه لا تغريب على الأمة، لقوله (عليه السلام): (إذا زنت أمة أحدكم فليحدّها) (4) فكان هذا كلّ الواجب (5).

و كلام ابن أبي عقيل يدلّ على أنّها تنفي سنة كالرجل، للأخبار السالفة في المسألة السابقة.

لكن المشهور ما قاله الشيخ، لما فيه من الصيانة لها و منعها عن الإتيان بمثل ما فعلت.

مسألة 11: قال الشيخ في (النهاية): حدّ الإحصان في الرجل هو أن يكون له فرج يتمكّن من وطئه يكون مالكا له،

سواء كان بالعقد أو ملك اليمين، و يراعى في العقد الدوام، فإنّ المتعة لا تحصن، و لا فرق بين أن يكون الدائم على حرّة أو أمة أو يهوديّة أو نصرانيّة، فإنّ جميع ذلك يحصن الرجل، و ملك اليمين أيضا يحصن.

و الإحصان في المرأة مثل الإحصان في الرجل سواء، و هو أن يكون لها زوج

____________

(1) التهذيب 10: 3/ 9، الاستبصار 4: 202/ 759.

(2) النهاية: 694، الخلاف 5: 368، المسألة 3.

(3) النساء: 25.

(4) سنن أبي داود 4: 614/ 4470.

(5) الخلاف 5: 368- 369، المسألة 3.

153

يغدو إليها و يروح، مخلّى بينها و بينه، غير غائب عنها، قد دخل بها، حرّا كان أو عبدا و على كلّ حال (1).

و مثله قال السيّد المرتضى و شيخنا المفيد و ابن البرّاج (2).

و قال ابن الجنيد: و الإحصان الذي يلزم صاحبه إذا زنى الرجم: هو أن يكون الزوجان حرّين بالغين مسلمين، و قد وقع الوطء بينهما، و الرجل غير ممنوع وقت زناه من وطء زوجته لغيبته عنها و لا حبس و لا علّة في محضرها.

و قال ابن أبي عقيل: و المحصن هو الذي يكون له زوجة حرّة مسلمة يغدو عليها و يروح.

فقد اتّفقا على اعتبار إسلام الزوجة و حرّيتها.

و ابن الجنيد زاد: اعتبار حرّية الرجل.

و قال سلّار: العاقل المحصن: إذا شهد عليه أربعة رجال عدول، و لا حائل بينه و بين وطء زوجته، و كان نكاحها للدوام، فإنّ المتعة لا تحصن، فأمّا ملك اليمين فقد روي أنّه يحصن (3).

و هذا يعطي أنّه لا يفتي بأنّ ملك اليمين يحصن.

و أبو الصلاح وافق شيخنا في أنّ الإحصان يحصل بالزوجة الحرّة و الأمة و ملك اليمين (4)، و كذا ابن إدريس (5).

و المعتمد: ما اختاره الشيخ في (النهاية).

لنا: ما رواه إسحاق بن عمّار- في القويّ- عن الكاظم (عليه السلام)، قال:

سألته عن الرجل إذا هو زنى و عنده السريّة و الأمة يطؤها تحصنه الأمة تكون عنده؟

قال: «نعم إنّما ذاك لأنّ عنده ما يغنيه عن الزنا» قلت: فإن كانت عنده أمة زعم أنّه لا يطؤها؟ فقال: «لا يصدّق» قلت: فإن كانت عنده امرأة متعة تحصنه؟ قال «لا،

____________

(1) النهاية: 693.

(2) الانتصار: 258، المقنعة: 775- 776، المهذّب 2: 519- 520.

(3) المراسم: 252.

(4) الكافي في الفقه: 405.

(5) السرائر 3: 438.

154

إنّما هو على الشيء الدائم عنده» (1).

و في الصحيح عن حريز عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن المحصن، قال: فقال: «الذي يزني و عنده ما يغنيه» (2).

و في الصحيح عن إسماعيل بن جابر عن الباقر (عليه السلام)، قال: قلت له:

ما المحصن رحمك اللّه؟ قال: «من كان له فرج يغدو عليه و يروح» (3).

احتجّ الآخرون: بما رواه الحلبي- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال: «لا يحصن الحرّ المملوكة، و لا المملوك الحرّة» (4).

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، قال: «و كما لا تحصنه الأمة و النصرانيّة و اليهوديّة إن زنى بحرّة فكذلك لا يكون عليه حدّ المحصن إن زنى بيهوديّة أو نصرانيّة أو أمة و تحته حرّة» (5).

و الجواب عن الأول: أنّه لا دلالة فيه، لأنّ مقتضاه أنّ الحرّ لا يحصن الأمة حتى إذا زنت وجب عليها الرجم، كما لو كانت تحته حرّة، لأنّ حدّ المملوك و المملوكة خمسون جلدة و لا رجم عليهما.

و عن الثاني: قال الشيخ: يحتمل أنّ هؤلاء كانوا عنده على سبيل المتعة، فلهذا حكم بأنّهنّ لا يحصنه (6).

مسألة 12: لمّا قسّم الشيخ في (النهاية) الزناة خمسة أقسام، و جعل الخامس من ليس بمحصن و لا مملك، قال:

و من هذه صورته إذا زنى فجلد، ثمَّ زنى ثانية فجلد، ثمَّ زنى ثالثة فجلد، ثمَّ زنى رابعة، كان عليه القتل (7).

و كذا قال شيخنا المفيد: إنّ غير المحصن إذا زنى فجلد، ثمَّ عاد إلى الزنا ثانية

____________

(1) التهذيب 10: 11/ 26، الاستبصار 4: 204/ 763.

(2) التهذيب 10: 12/ 27، الاستبصار 4: 204/ 764.

(3) التهذيب 10: 12/ 28، الاستبصار 4: 204/ 765.

(4) التهذيب 10: 12/ 30، الاستبصار 4: 205/ 767.

(5) التهذيب 10: 13/ 31، الاستبصار 4: 205/ 768.

(6) التهذيب 10: 13 ذيل الحديث 31، الاستبصار 4: 205 ذيل الحديث 768.

(7) النهاية: 694.

155

فجلد، ثمَّ عاد ثالثة فجلد، فإن عاد رابعة بعد جلد ثلاث مرّات، قتل، و كذا المرأة تقتل في الرابعة بعد حدّها ثلاث مرّات (1).

و قال السيّد المرتضى: ممّا انفردت به الإمامية القول: بأنّ الحرّ البكر إذا زنى فجلد ثمَّ عاد فجلد ثمَّ عاد الثالثة فجلد، أنّه إن عاد الرابعة قتله الإمام (2). و هو الظاهر من كلام ابن الجنيد، و به قال سلّار و ابن البرّاج و أبو الصلاح و ابن حمزة (3).

و قال الصدوق في (المقنع) و أبوه في (الرسالة): يقتل في الثالثة بعد إقامة الحدّ مرّتين (4). و به قال ابن إدريس (5).

و قال الصدوق: و روي أنّهما يقتلان في الرابعة (6).

و للشيخ في (الخلاف) قول غريب: أنّه يقتل في الخامسة بعد جلد أربع مرّات، قال فيه: و قد روي أنّه يقتل في الرابعة (7).

و المعتمد: ما قاله الشيخان.

لنا: ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: «الزاني إذا جلد ثلاثا يقتل في الرابعة» يعني إذا جلد ثلاث مرّات (8).

و لأنّ فيه صيانة للنفس عن الإتلاف، و هو مطلوب للشارع.

احتجّ ابن إدريس: أنّ الأظهر من أقوال أصحابنا و الذي تقتضيه أصول مذهبنا أنّه يقتل في الثالثة، لإجماعنا أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، و هذا منهم بغير خلاف (9).

____________

(1) المقنعة: 776.

(2) الانتصار: 256.

(3) المراسم: 251، المهذّب 2: 520، الكافي في الفقه: 407، الوسيلة: 411.

(4) المقنع: 144، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 309.

(5) السرائر 3: 442.

(6) لم نجده في المقنع المطبوع.

(7) الخلاف 5: 408، المسألة 55.

(8) الكافي 7: 191/ 1، التهذيب 10: 37/ 129، الاستبصار 4: 212/ 790.

(9) السرائر 3: 442.

156

و بما رواه يونس عن الكاظم (عليه السلام)، قال: «أصحاب الكبائر كلّما أقيم عليهم الحدّ قتلوا في الثالثة» (1).

و الجواب: أنّه كيف يصحّ ادّعاؤه الإجماع مع أنّ جلّة أصحابنا و أكثرهم ممّن ذكرناه خالف فيه!؟

و عن الحديث: قال الشيخ: إنّه مخصوص بما عدا حدّ الزنا من شرب الخمر و غيره، على ما نبيّنه (2).

و هو حسن، لأنّ ما ذكرناه خاصّ، و حديثه عام، فيقدّم حديثنا.

تذنيب: قال الشيخ في (النهاية): المملوك و المملوكة يقتلان في التاسعة بعد إقامة الحدّ ثماني مرّات (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و قال في (الخلاف): يقتل المملوك في الثامنة (5). و به قال السيّد المرتضى (6)، و هو أيضا قول شيخنا المفيد (7)، و علي بن بابويه (8)، و ولده الصدوق في (المقنع) و سلّار و ابن حمزة و أبي الصلاح و ابن إدريس (9).

و الأوّل أقوى.

لنا: أنّه أصون للنفس عن التلف، فيتعيّن العمل به.

و ما رواه زرارة أو بريد العجلي عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: أمة زنت، قال: «تجلد خمسين جلدة» قلت: فإنّها عادت، قال: «تجلد خمسين» قلت: فيجب عليها الرجم في شيء من الحالات؟ قال: «إذا زنت ثماني مرّات يجب عليها الرجم» قلت: كيف صار في ثماني مرّات؟ قال: «لأنّ الحرّ إذا زنى

____________

(1) الكافي 7: 191/ 2، التهذيب 10: 37/ 130، الاستبصار 4: 212/ 791 بتفاوت في بعض الألفاظ.

(2) التهذيب 7: 37 ذيل الحديث 130.

(3) النهاية: 695.

(4) المهذّب 2: 520.

(5) الخلاف 5: 408، المسألة 55.

(6) الانتصار: 256.

(7) المقنعة: 779.

(8) انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 278.

(9) المقنع: 148، المراسم: 253، الوسيلة: 411، الكافي في الفقه: 407، السرائر 3: 442.

157

أربع مرّات فأقيم عليه الحدّ قتل، فإذا زنت الأمة ثماني مرّات رجمت في التاسعة» (1).

احتجّ الآخرون: بما رواه بريد- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«إذا زنى العبد ضرب خمسين، فإن عاد ضرب خمسين، فإن عاد ضرب خمسين، إلى ثماني مرّات، فإن زنى ثماني مرّات قتل» (2).

و الجواب: لعلّ المراد إذا زنى ثماني مرّات و أقيم عليه الحدّ فيها، قتل في التاسعة.

مسألة 13: قال الشيخ في (النهاية): إذا زنى الرجل بصبيّة لم تبلغ و لا مثلها قد بلغ،

لم يكن عليه أكثر من الجلد، و ليس عليه رجم، فإن أفضاها أو عابها، كان ضامنا لعيبها.

و كذلك المرأة إذا زنت بصبيّ لم يبلغ، لم يكن عليها رجم، و كان عليها جلد مائة، و يجب على الصبيّ و الصبيّة التأديب (3). و تبعه ابن البرّاج (4)، و هو قول الصدوق في (المقنع) (5).

و قال المفيد: من زنى بصبيّة حدّ، و تؤدّب الصبيّة من غير حدّ، و المرأة إذا مكّنت الصبي من وطئها بغير نكاح، أقيم عليها الحدّ، و لم يقم على الصبيّ بل يؤدّب (6). و لم يذكر تفصيل الحدّ، بل أطلق.

و قال ابن الجنيد: و إذا كان أحد المشهود عليهما غير بالغ، رجم الرجل إن كان محصنا.

و قال أبو الصلاح: إذا كان حرّا محصنا مسلما، جلد مائة سوط، و أمهل

____________

(1) الكافي 7: 335/ 7، التهذيب 10: 27/ 86.

(2) التهذيب 10: 28/ 87.

(3) النهاية: 695.

(4) المهذّب 2: 521.

(5) المقنع: 145.

(6) المقنعة: 779.

158

حتى يبرأ الضرب ثمَّ يرجم حتى يموت، و إن كان شابّا، رجم حسب، و إن كان أحدهما محصنا بغائبة عنه أو حاضرة لا يتمكّن من الوصول إليها، جلد مائة سوط، و غرّب عاما، و إن لم يكن محصنا، جلد مائة سوط، سواء كانت المزني بها حرّة أو أمة، مسلمة أو ذمّية، صغيرة أو كبيرة، أو معقودا عليها عقدا لا تحلّ معه بسبب أو رضاع أو نسب، عاقلة أو مجنونة، حيّة أو ميتة، و إن كانت الزانية حرّة مسلمة عاقلة مؤثرة، فعليها إن كانت محصنة بزوج حاضر يصل إليها الرجم، و إن كانت بكرا أو محصنة بزوج لا يصل إليها جلدت مائة، و لا تغريب عليها، سواء كان الزاني بها حرّا أو عبدا، مسلما أو كافرا، صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا (1).

و حكى ابن إدريس كلام شيخنا في (النهاية) و جعله رواية، و قال: إنّه مذهب شيخنا في (نهايته).

و ذهب شيخنا المفيد: أنّ على الرجل و على المرأة الحدّ، و أطلق، و هو الصحيح عندي، لأنّ الإحصان و الزنا وجدا معا، و هما الموجبان للجلد و الرجم (2).

و المعتمد: ما قاله الشيخ في (النهاية).

لنا: أنّ اللّذّة فيه أنقص، فلا يجب فيه من العقوبة ما يجب في الأكمل.

و ما رواه أبو بصير- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام): في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة، قال: «يجلد الغلام دون الحدّ، و تجلد المرأة الحدّ كاملا» قيل له: فإن كانت محصنة؟ قال: «لا ترجم لأنّ الذي نكحها ليس بمدرك، و لو كان مدركا رجمت» (3).

و رواه الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه) (4).

____________

(1) الكافي في الفقه: 405.

(2) السرائر 3: 443.

(3) الكافي 7: 180/ 1، التهذيب 10: 16/ 44.

(4) الفقيه 4: 18/ 39.

159

و شيخنا المفيد- (رحمه الله)- لا ينافي كلامه ما قاله الشيخ، لأنّ كمال الجلد يسمّى حدّا، كما قال الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث و غيره.

مسألة 14: قال الشيخ في (النهاية): الرجل إذا زنى بمجنونة،

لم يكن عليه رجم (1)، و تبعه ابن البرّاج (2)، و جعله ابن إدريس رواية (3)، و هو يدلّ على استضعافه.

و كلام أبي الصلاح يعطي وجوب الرجم عليه مع الإحصان (4).

و قال ابن الجنيد: إذا كان أحد المشهود عليهما غير بالغ، رجم الرجل إن كان محصنا، و إن كانت المرأة المجنونة، حدّ الرجل دون المرأة. و لم يذكر ما هو الحدّ؟

فيحمل ظاهرا على المعهود من الرجم في المحصن، و الجلد في غيره.

و الوجه: ما قاله الشيخ، لنقص الزنا هنا، كما قلناه في الصبيّة، و لأصالة البراءة.

مسألة 15: قال الشيخان: المجنون إذا زنى،

وجب عليه الحدّ كاملا جلد مائة إن لم يكن محصنا، و الرجم إن كان محصنا (5). و تبعهما ابن البرّاج (6).

و قال الشيخ في (المبسوط): حدّ الإحصان عندنا هو كلّ حرّ بالغ كامل العقل كان له فرج يغدو إليه و يروح على جهة الدوام متمكّنا من وطئه.

ثمَّ قال: و أصحابنا لم يراعوا كمال العقل، لأنّهم رووا أنّ المجنون إذا زنى وجب عليه الرجم أو الحدّ (7).

و قال في (الخلاف): ليس من شرط إحصان الرجم الإسلام، بل من شرطه

____________

(1) النهاية: 696.

(2) المهذّب 2: 521.

(3) السرائر 3: 444.

(4) الكافي في الفقه: 405.

(5) المقنعة: 779، النهاية: 696.

(6) المهذّب 2: 521.

(7) المبسوط 8: 3.

160

الحرّية و البلوغ و كمال العقل و الوطء في نكاح صحيح، فإذا وجدت هذه الشرائط فقد أحصن إحصانا يرجم (1).

و هو يعطي عدم الرجم على المجنون.

و قال ابن الجنيد: و الإحصان الذي يلزم صاحبه إذا زنى الرجم هو أن يكون الزوجان حرّين بالغين مسلمين و قد وقع الوطء بينهما و الرجل غير ممنوع وقت زناه من وطء زوجته.

و هذا يعطي عدم اشتراط العقل.

و نحوه قال السيّد المرتضى (2).

و قال الصدوق في (المقنع): إذا زنت المجنونة لم تحدّ، و إذا زنى المجنون حدّ، لأنّ المجنون يأتي و هي تؤتى (3).

و قال سلّار: نقول: إنّ الزانيين على ضربين: محصن و غير محصن، فالمحصن على ضربين: عاقل و مجنون، فالمجنون يدرأ عنه الحدّ (4).

و قال ابن إدريس: لا حدّ على المجنون و المجنونة، لأنّهما غير مخاطبين بالتكاليف و الأحكام، و لا قام على ذلك دليل فيهما، و الأصل براءة الذمّة، فلا يرجع عنه إلى أخبار الآحاد (5).

و قسّم أبو الصلاح المجنون إلى مطبق لا يفيق و لا يهتدي شيئا، فلا شيء عليه، و إلى من يصحّ منه القصد إلى الزنا، فيجلد مائة محصنا كان أو غيره (6).

و المعتمد: إسقاط الحدّ عن المجنون و المجنونة.

لنا: أنّه عقوبة تترتّب على ثبوت التحريم في حقّ فاعل موجبها، و هو منتف هنا، لانتفاء أصل التكليف عنهما، فلا يثبت مقتضاه.

____________

(1) الخلاف 5: 402، المسألة 46.

(2) الانتصار: 258.

(3) المقنع: 146 بدون التعليل.

(4) المراسم: 252.

(5) السرائر 3: 444.

(6) الكافي في الفقه: 406.

161

احتجّ الشيخ: بما رواه أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال:

«إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحدّ، فإن كان محصنا رجم» قلت: و ما الفرق بين المجنون و المجنونة و المعتوه و المعتوهة؟ فقال: «المرأة إنّما تؤتى و الرجل يأتي، و إنّما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللذّة، و إنّ المرأة إنّما تستكره و يفعل بها و هي لا تعقل ما يفعل بها» (1).

و الجواب: بعد صحة السند، الحمل على من يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصيله، لأنّ العلّة التي ذكرها الإمام (عليه السلام) تدلّ عليه.

مسألة 16: قال الشيخ في (النهاية): و من زنى و تاب قبل قيام البيّنة عليه بذلك درأت التوبة عنه الحدّ،

فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه، وجب عليه الحدّ، و لم يجز للإمام العفو عنه، فإن كان أقرّ على نفسه عند الإمام ثمَّ أظهر التوبة، كان للإمام الخيار في العفو عنه أو في إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة، و متى لم يتب، لم يجز للإمام العفو عنه على حال (2). و تبعه ابن البرّاج و ابن إدريس (3).

لكن ابن إدريس قال: هذا إذا كان الحدّ رجما يوجب تلف نفسه، فأمّا إن كان الحدّ جلدا، فلا يجوز العفو عنه، و لا يكون الحاكم بالخيار فيه، لأنّا أجمعنا على أنّه بالخيار في الموضع الذي ذكرناه، و لا إجماع على غيره، فمن ادّعاه و جعله بالخيار و عطّل حدّا من حدود اللّه تعالى، فعليه الدليل (4).

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّ المقتضي لإسقاط الرجم عنه اعترافه بالذنب، و هو موجود في الجلد، لأنّه إحدى العقوبتين. و لأنّ التوبة تسقط تحتّم أشدّ العقوبتين فإسقاطها لتحتّم

____________

(1) الكافي 7: 192/ 3، التهذيب 10: 19/ 56.

(2) النهاية: 696.

(3) المهذّب 2: 521، السرائر 3: 444.

(4) السرائر 3: 444.

162

الأخرى الأضعف أولى.

تذنيب: قال شيخنا المفيد: من زنى و تاب قبل أن تقوم الشهادة عليه بالزنا

أدرأت عنه التوبة الحدّ، فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه، كان للإمام الخيار في العفو عنه أو إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له و لأهل الإسلام، فإن لم يتب، لم يجز العفو عنه في الحدّ بحال (1). و وافقه أبو الصلاح (2).

و الشيخ أبو جعفر و ابن إدريس أوجبوا الحدّ إذا تاب بعد قيام الشهادة (3) عليه، و إنّما خيّروا الإمام إذا تاب بعد الإقرار. و هو المشهور.

مسألة 17: قال الشيخ في (النهاية): و من عقد على امرأة في عدّتها و دخل بها

علما بذلك وجب عليه الحدّ، و إن كانت عدّتها عدّة الطلاق الذي يملك فيه رجعتها، كان عليها الرجم، و إن كانت التطليقة بائنة أو كانت عدّة المتوفّى عنها زوجها، كان عليها جلد مائة لا غير، فإن ادّعيا أنّهما لم يعلما أنّ ذلك لا يجوز في شرع الإسلام، لم يصدّقا فيه، و أقيم عليهما الحدّ (4). و نحوه قال المفيد (5).

و قال ابن إدريس: إن ادّعيا أنّهما لم يعلما أنّ ذلك لا يجوز في شرع الإسلام، و كانا قريبي العهد بالإسلام، فإنّه يدرأ الحدّ عنهما، لقوله (عليه السلام): (ادرؤوا الحدود بالشبهات) (6) و هذه شبهة بغير خلاف، فإن كانا بخلاف ذلك، لم يصدّقا فيه، و أقيم الحدّ، لأنّه شائع ذائع بين المسلمين لا يختص بعالم دون عامي جاهل، فلا شبهة لهما في ذلك، فليلحظ الفرق بين الموضعين.

و شيخنا أبو جعفر أطلق ذلك في (نهايته) إطلاقا، و الأولى ما فصّلناه (7).

____________

(1) المقنعة: 777.

(2) الكافي في الفقه: 407.

(3) في «ب، ع»: البيّنة.

(4) النهاية: 696.

(5) المقنعة: 780.

(6) الفقيه 4: 53/ 190، تاريخ بغداد 9: 303.

(7) السرائر 3: 445.

163

و هو جيّد، و كأنّ مراد الشيخين- (رحمهما الله)- ذلك، فلا منازعة هنا في الحقيقة.

مسألة 18: قال الشيخ في (النهاية): و من وطأ جارية من المغنم قبل أن يقسّم،

قوّمت عليه، و أسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها، و الباقي بين المسلمين، و يقام عليه الحدّ، و يدرأ عنه بمقدار ما كان له منها (1) و تبعه ابن البرّاج (2)، و هو قول ابن الجنيد أيضا.

و قال المفيد (رحمه الله): من وطأ جارية من المغنم قبل أن يقسّم، عزّره الإمام بحسب ما يراه من تأديبه، و قوّمها عليه، و أسقط من قيمتها سهمه، و قسّم الباقي بين المسلمين (3).

و قال ابن إدريس: من وطأ جارية من المغنم قبل أن يقسّم و ادّعى الشبهة في ذلك، فإنّه يدرأ عنه الحدّ.

و قد روي أنّها تقوّم عليه و يسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها، و الباقي بين المسلمين، و يقام عليه الحدّ، و يدرأ عنه بمقدار ما كان له منها.

و الأولى ما ذكرناه، لأنّ الاشتباه حاصل في ذلك بلا خلاف. و لأنّه يظنّ أنّ سهمه أكثر منها. و لأنّ الأصل براءة الذمّة، و الحدّ يحتاج إلى دليل (4).

و الوجه: أن نقول: إن وطأ مع الشبهة، فلا حدّ و لا تعزير، و إن وطأ مع علم التحريم، عزّر، لعدم علمه بقدر النصيب، و إنّما يتحصّل بعد القسمة، و تجويز أن يكون له أقلّ أو أكثر شبهة في إسقاط الحد.

و احتجّ الشيخ: بما رواه عمرو بن عثمان عن عدّة من أصحابنا عن الصادق (عليه السلام)، أنّه سئل عن رجل أصاب جارية من الفيء، فوطئها قبل أن يقسّم،

____________

(1) النهاية: 697.

(2) المهذّب 2: 522.

(3) المقنعة: 781.

(4) السرائر 3: 446.

164

قال: «تقوّم الجارية، و تدفع إليه بالقيمة، و يحطّ له منها ما يصيب منها من الفيء، و يجلد الحدّ، و يدرأ عنه من الحدّ بقدر ما له فيها» (1) الحديث.

و الجواب: أنّه محمول على ما إذا عيّنها الإمام لجماعة هو أحدهم.

مسألة 19: قال الشيخان: و الأعمى إذا زنى، وجب عليه الحدّ،

كما يجب على البصير، و لم يسقط عنه الحدّ بعماه، فإن ادّعى أنّه اشتبه عليه الأمر، فظنّ أنّ التي وطأها كانت زوجته أو أمته، لم يصدّق في ذلك و أقيم عليه الحدّ.

و قد روي أنّ امرأة تشبّهت لرجل بجاريته و اضطجعت على فراشه ليلا، فظنّها جاريته فوطئها من غير تحرّز، فرفع خبره إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأمر بإقامة الحدّ على الرجل سرّا و إقامة الحدّ على المرأة جهرا (2).

و تبعهما ابن البرّاج، إلّا أنّه لم يجعل رواية التشبّه رواية، بل فتوى، فقال: إذا تشبّهت امرأة لرجل بجاريته و نامت على مرقده ليلا، فظنّ أنّها جاريته فوطئها من غير تحرّز، كان عليه الحدّ سرّا، و على المرأة جهرا (3). و تبعهما سلّار أيضا في الأعمى (4).

و قال ابن إدريس: الأعمى إذا زنى كالبصير، فإن ادّعى أنّه اشتبه عليه الأمر، فظنّها زوجته أو أمته و كانت الحال شاهدة بما ادّعاه بأن تكون على فراشه نائمة قد تشبّهت بزوجته أو أمته، فإنّه يدرأ عنه الحدّ، للشبهة، و إن كان شاهد الحال بخلاف ذلك، فإنّه لا يصدّق، و أقيم عليه الحدّ.

و قد روي أنّ امرأة تشبّهت لرجل بجاريته و اضطجعت على فراشه ليلا، فظنّها جاريته، فوطئها من غير تحرّز، فرفع خبره إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأمر بإقامة الحدّ على الرجل سرّا و إقامته على المرأة جهرا، أورد هذه الرواية شيخنا

____________

(1) الكافي 7: 194/ 2، التهذيب 10: 30/ 100.

(2) المقنعة: 783- 784، النهاية: 698- 699.

(3) المهذّب 2: 524.

(4) المراسم: 254.

165

أبو جعفر في (نهايته) و رجع عنها في مسائل (خلافه) فقال: إذا وجد الرجل امرأة على فراشه، فظنّها زوجته، فوطئها، لم يكن عليه الحدّ، و به قال الشافعي.

و قال أبو حنيفة: عليه الحدّ. و قد روى ذلك أيضا أصحابنا.

دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، و شغلها يحتاج إلى دليل (1).

و الوجه: أنّ الأعمى إن ادّعى الشبهة، قبل منه، لأنّه مسلم، و الأصل في أخباره المطابقة، و هو في مظنّة ما أخبر به، و أمّا الواجد على فراشه، فإنّه لا حدّ عليه، للشبهة.

و الشيخ- (رحمه الله)- لم يفت في (النهاية) بل ذكرها رواية، فقال: و قد روي. و كذا شيخنا المفيد، فلا منافاة بين كلامه في (النهاية) و كلامه في (الخلاف) بحيث يكون قوله فيه رجوعا عمّا ذكره، نعم الخلاف مع ابن البرّاج حيث ذكره فتوى لا رواية.

مسألة 20: قال الشيخ في (النهاية): و من افتضّ جارية بإصبعه،

غرم عشر ثمنها، و جلد من ثلاثين سوطا إلى تسعة و تسعين سوطا عقوبة لما جناه، و إن كانت الجارية حرّة، غرم عقرها، و هو مهر مثل نسائها بلا نقصان (2). و تبعه ابن البرّاج (3).

و قال الصدوق في (المقنع): فإن افتضّت جارية جارية بإصبعها، فعليها المهر، و تضرب الحدّ (4).

و قال المفيد: و من افتضّ جارية بإصبعه، ضرب من ثلاثين سوطا إلى ثمانين عقوبة على ما جناه، و الزم صداق المرأة، لذهابه بعذرتها (5). و به قال سلّار (6).

____________

(1) السرائر 3: 447- 448.

(2) النهاية: 699.

(3) المهذّب 2: 523.

(4) المقنع: 145.

(5) المقنعة: 785.

(6) المراسم: 255.

166

و قال ابن إدريس: إن كانت أمة روي أنّه يغرم عشر ثمنها، و يجلد من ثلاثين سوطا إلى تسعة و تسعين سوطا عقوبة.

و الأولى أنّه يغرم ما بين قيمتها بكرا و ثيّبا، و إن كانت حرّة، غرم عقرها، و هو مهر مثل نسائها (1).

و الشيخ- (رحمه الله)- روى- في الصحيح- عن ابن سنان و غيره عن الصادق (عليه السلام): في امرأة افتضّت جارية بيدها، قال: «عليها المهر، و تضرب الحدّ» (2).

و في الصحيح عن ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى بذلك، و قال: تجلد ثمانين» (3).

و الرواية يتعيّن العمل بها، و الظاهر أنّهما واردتان في الحرّة، أمّا الأمة فالأقوى الأرش.

تذنيب: قال ابن إدريس: إذا زنى بامرأة، فإن كانت أمّه ثيّبا مطاوعة، فلا شيء لمولاها، لنهي النبي (عليه السلام) عن مهر البغي (4)، و إن كانت مكرهة، فعلى الزاني لمولاها مهر أمثالها.

و ذهب بعض أصحابنا إلى أنّ عليه نصف عشر قيمتها.

قال: و الأوّل الصحيح، لأنّ هذا ورد فيمن اشترى جارية و وطأها و كانت حاملا و أراد ردّها، فإنّه يردّها و يردّ معها نصف عشر ثمنها، و القياس عندنا باطل، و إن كانت بكرا، فإن أكرهها، فعليه مهر أمثالها، و عليه ما نقص من قيمتها قبل افتضاضها، و هو أرش البكارة يجمع بين الشيئين معا: بين المهر و ما نقص من القيمة، لأنّ أحدهما لا يدخل في الآخر، ألزمناه المهر، لأنّها مكرهة غير بغيّ، و ما نقص من القيمة بأخذ بكارتها، لأنّها جناية على مال الغير، فيجب أن يلزم

____________

(1) السرائر 3: 449.

(2) التهذيب 10: 47/ 172.

(3) التهذيب 10: 59/ 215.

(4) صحيح البخاري 3: 110، سنن ابن ماجه 2: 730/ 2159، سنن الدارمي 2: 255، مسند أحمد 1: 147.

167

بأرش ما جناه و أتلفه. و إن كانت مطاوعة، فلا مهر، لأنّها بغيّ، بل عليه ما نقص من قيمتها فحسب، و إن كانت حرّة ثيّبا مطاوعة عاقلة، فلا شيء لها، و إن كانت مكرهة، فعليه عقرها، و هو مهر أمثالها، لأنّها غير بغيّ، و إن كانت بكرا مطاوعة، فلا شيء لها، لأنّها زانية، و بكارتها ذهبت باختيارها، و إن كانت مكرهة، فلها مهر نسائها فحسب دون أرش البكارة، و لا يجمع بينهما (1). و قد سبق البحث في ذلك.

مسألة 21: قال الشيخان: المحصن الذي يجب عليه الجلد ثمَّ الرجم

يجلد أوّلا ثمَّ يترك حتى يبرأ جلده، فإذا برأ، رجم (2). و تبعهما ابن البرّاج و أبو الصلاح (3).

و قال سلّار: يجلد الزاني أوّلا مائة جلدة ثمَّ يرجم حتى يموت (4).

و قال ابن الجنيد: و يجلد المحصن قبل رجمه بيوم.

و قال ابن إدريس: و قد روى أصحابنا أنّه لا يرجم حتى يبرأ جلده، فإذا برأ رجم.

و الأولى حمل الرواية على جهة الاستحباب دون الفرض و الإيجاب، لأنّ الغرض في الرجم إتلافه و هلاكه (5).

و نمنع كون الغرض الإتلاف مطلقا، بل جاز أن يكون بعض الغرض و يكون البعض الآخر قصد التعذيب.

مسألة 22: قال الشيخ في (النهاية): إذا كان الرجم وجب عليهما بإقرارهما على أنفسهما ثمَّ فرّ أحدهما

و كان قد أصابهما شيء من الحجر، لم يردّا، و تركا حتى يمضيا، فإن فرّا قبل أن ينالهما شيء من الحجر، ردّا على كلّ حال، و إن كان

____________

(1) السرائر 3: 449- 450.

(2) المقنعة: 775، النهاية: 699.

(3) المهذّب 2: 527، الكافي في الفقه: 407.

(4) المراسم: 252.

(5) السرائر 3: 451.

168

قد وجب بالبيّنة، ردّ حتى يستوفي منه الحدّ بالرجم (1). و تبعه ابن البرّاج (2) و نحوه قال ابن الجنيد.

و قال المفيد: إن فرّ من البئر وقت الرجم و كان عليه شهود بالزنا، ردّ إليها و رجم حتى يموت، و إن فرّ منها و لم يكن عليه شهود بالزنا و إنّما أخذ بإقراره، ترك و لم يردّ، لأنّ فراره رجوع عن الإقرار، و هو أعلم بنفسه (3). و لم يشترط في عدم الردّ إصابة الحجر، و كذا سلّار و أبو الصلاح (4).

و لمّا نقل ابن إدريس كلام الشيخين قال: و لي في ذلك نظر (5).

و الصدوق قال في (المقنع) (6) كقول المفيد.

ثمَّ قال: و روي في المرجوم إذا فرّ أنّه إن كان أصابه ألم الحجارة فلا يردّ، و إن لم يكن أصابه ألم الحجارة، فليردّ حتى يصيبه ألم الحجارة (7). و قول المفيد عندي أقوى.

و قد روى الشيخ عن الحسين بن خالد، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام):

أخبرني عن المحصن إذا هو هرب عن الحفرة هل يردّ حتى يقام عليه الحدّ؟ فقال:

«يردّ و لا يردّ» قلت: كيف ذاك؟ فقال: «إذا كان هو المقرّ على نفسه ثمَّ هرب من الحفرة بعد ما يصيبه شيء من الحجارة لم يردّ، و إن كان إنّما قامت عليه البيّنة و هو يجحد ثمَّ هرب يردّ و هو صاغر حتى يقام عليه الحدّ» (8).

فإن صحّت هذه الرواية، تعيّن المصير إليها.

مسألة 23: قال الشيخ في (النهاية): و إذا أراد الوالي ضرب الزاني أو رجمه،

____________

(1) النهاية: 700.

(2) المهذّب 2: 527.

(3) المقنعة: 775.

(4) المراسم: 252، الكافي في الفقه: 408.

(5) السرائر 3: 452.

(6) المقنع: 144.

(7) لم نجد الرواية في المقنع.

(8) الكافي 7: 185/ 5، التهذيب 10: 34/ 117.

169

ينبغي أن يشعر الناس بالحضور ثمَّ يجلدهما بمحضر منهم، لينزجروا عن مواقعة مثله، قال تعالى وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) و أقلّ ما يحضر عذابهما واحد فصاعدا (2).

و البحث هنا يقع في أمرين:

الأول: في وجوب الحضور [لطائفة من المؤمنين عند إقامة الحد على الزاني]

، و كلام الشيخ هنا لا يشعر به، لأنّ لفظة «ينبغي» يستعملها الشيخ في هذا الكتاب تارة للوجوب و اخرى للاستحباب، و هي أكثر.

و قال في (الخلاف): يستحب أن يحضر عند إقامة الحدّ على الزاني طائفة من المؤمنين بلا خلاف، لقوله تعالى وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (3)- (4).

و مثله قال في (المبسوط) (5). و تبعه ابن البرّاج (6).

و قال المفيد: و إذا أراد الإمام أو خليفته جلد الزانيين، نادى بحضور جلدهما، و إذا اجتمع الناس، جلدهما بمحضر منهم، لينزجر من يشاهدهما عن مثل ما أتياه، و يكونا عبرة لغيرهما و موعظة لمن سواهما، قال تعالى وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (7)- (8).

و قال أبو الصلاح: و إذا أراد وليّ الأمر إقامة الحدّ على الزانيين أو أحدهما، فليكن ذلك بمحضر جماعة من المسلمين (9).

و قال ابن حمزة، يعتبر وقت إقامة الحدّ أربعة أشياء: إحضار طائفة من خيار الناس (10).

و قال ابن إدريس: الذي أذهب إليه أنّ الحضور واجب، لقوله تعالى:

____________

(1) النور: 2.

(2) النهاية: 701.

(3) النور: 2.

(4) الخلاف 5: 374، المسألة 11.

(5) المبسوط 8: 8.

(6) المهذّب 2: 528.

(7) النور: 2.

(8) المقنعة: 780- 781.

(9) الكافي في الفقه: 406.

(10) الوسيلة: 412.

170

وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) و لا خلاف أنّه أمر و الأمر للوجوب (2).

و لا بأس بقوله هنا.

الثاني: في أقلّ عدد يحضر [عند إقامة الحد على الزاني]

، قال الشيخ في (النهاية): و أقلّ ما يحضر عذابهما واحد (3).

و قال في (الخلاف): أقلّ ذلك عشرة.

قال: و به قال الحسن البصري، و قال ابن عباس: أقلّه واحد، و روى ذلك أيضا أصحابنا. و قال عكرمة: اثنان. و قال الزهري: ثلاثة. و قال الشافعي:

أربعة.

ثمَّ استدلّ بالاحتياط، لأنّه إذا حضر عشرة دخل الأقلّ فيه، و لو قلنا بأحد ما قالوه لكان قويّا، لأنّ لفظ «الطائفة» يقع على جميع ذلك (4).

و قال ابن إدريس: الذي أقول في الأقلّ: إنّه ثلاثة نفر، لأنّه من حيث العرف دون الوضع، و العرف إذا طرأ، صار الحكم له دون الوضع الأصلي، و شاهد الحال يقتضي ذلك، و ألفاظ الأخبار، لأنّ الحدّ إن كان قد وجب بالبيّنة، فالبيّنة ترجمة و تحضره، و هم أكثر من ثلاثة، و إن كان باعترافه، فأوّل من يرجمه الإمام ثمَّ الناس مع الإمام، و إن كان المراد و المعنى حضور غير الشهود و الإمام، فالعرف و العادة اليوم أنّ أقلّ ما يقال: جئنا في طائفة من الناس، أو جاءتنا طائفة من الناس، المراد به الجماعة عرفا و عادة، و أقلّ الجمع ثلاثة، و شاهد الحال يقتضي أنّه أراد تعالى الجمع و فيه الاحتياط، و خيرة شيخنا في (الخلاف) لا وجه له، فأمّا الرواية فمن أخبار الآحاد و قد بيّنّا ما في ذلك (5).

و المعتمد في ذلك: المصير إلى العرف، فمهما دلّ عليه لفظ «الطائفة» صرف إليه، و إلّا فعلى الموضوع اللغوي، لانتفاء العرف الشرعي فيه.

____________

(1) النور: 2.

(2) السرائر 3: 453.

(3) النهاية: 701.

(4) الخلاف 5: 374- 375، المسألة 11.

(5) السرائر 3: 454.

171

مسألة 24 [حد المقر على نفسه بحد و لم يبينه]

قال الشيخ في (النهاية): و قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن أقرّ على نفسه بحدّ و لم يبيّنه أن يضرب حتى أن ينهى هو عن نفسه الحدّ (1). و أفتى به ابن البرّاج (2).

و قال ابن إدريس: و من أقرّ على نفسه بحدّ و لم يبيّنه، ضرب أعلى الحدود و هي المائة، إلّا أن ينهى هو عن نفسه من دونها، و بعد تجاوز الحدّ الذي هو الثمانون، فإن نهى عن نفسه قبل بلوغ الثمانين سوطا الذي هو حدّ شارب الخمر، فلا يقبل منه، و ضرب إلى أن يبلغه، فهذا تحرير هذه الفتيا. و قد روي أنّه يضرب حتى ينهى هو عن نفسه الحدّ (3).

و المعتمد: الأول، لما رواه محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في رجل أقرّ على نفسه بحدّ و لم يسمّ أيّ حدّ هو، قال: «أمر أن يجلد حتى يكون هو الذي ينهى عن نفسه الحدّ» (4).

و لأنّ حدّ القوّاد أقلّ من ثمانين فكيف يتعيّن الثمانون!؟.

و لأنّ التعزير قد يسمّى حدّا مجازا و الأصل براءة الذمّة، فجاز إرادته.

مسألة 25: قال الشيخ في (النهاية) و ابن البرّاج و ابن إدريس: إذا شهد الأربعة بوطء ما دون الفرج و لم يشهدوا بالزنا،

قبلت شهادتهم، و وجب على فاعل ذلك التعزير (5). و أطلقوا.

و قال المفيد: يجب التعزير بحسب ما يراه الإمام من عشر جلدات إلى تسعة و تسعين جلدة (6).

____________

(1) النهاية: 702.

(2) المهذّب 2: 529.

(3) السرائر 3: 455.

(4) الكافي 7: 219/ 1، التهذيب 10: 45/ 160.

(5) النهاية: 690، المهذّب 2: 525، السرائر 3: 429.

(6) المقنعة: 774.

172

و في تقدير شيخنا إشكال، و الأقرب أنّه بحسب ما يراه الإمام، فجاز أن تقتضي المصلحة جلده أقلّ من عشر جلدات.

مسألة 26: قال المفيد (رحمه الله): و إن اختلفت الشهود في الرؤية، بطلت شهادتهم،

فإن كانت وقعت بالزنا، جلدوا الحدّ، و إن كانت وقعت بغيره ممّا ذكرناه، وجب عليهم التأديب (1).

و المعتمد: أنّ الاختلاف في القسم الثاني إن كان على وجه يمتنع الجمع بين شهاداتهم، وجب التأديب، و إن أمكن، وجب التأديب على المشهود عليه، إذ لا يشترط الأربعة في الشهادة على ذلك.

مسألة 27: قال المفيد: إذا أقرّ على نفسه بالزنا أربع مرّات

على اختيار منه للإقرار، وجب عليه الحدّ (2). و أطلق و لم يشترط تعدّد المجالس، و كذا أطلق الشيخ في (النهاية) و ابن البرّاج و ابن إدريس (3).

و قال الشيخ في (الخلاف) و (المبسوط): لا يجب الحدّ بالزنا إلّا بإقرار أربع مرّات في أربعة مجالس (4).

و المعتمد: الأول.

لنا: الأصل عدم الاشتراط، و لأنّ تعدّد المجالس لا مدخل لها في قبول الإقرار و عدمه، إذ لا يثمر ظنّا و لا علما بصدق المقرّ أو بكذبه.

و ما رواه جميل عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يقطع السارق حتى يقرّ بالسرقة مرّتين، و لا يرجم الزاني حتى يقرّ أربع مرّات» (5).

احتجّ الشيخ: بما رواه أبو العباس عن الصادق (عليه السلام)، قال: «أتى النبي

____________

(1) المقنعة: 774.

(2) المقنعة: 775.

(3) النهاية: 689، المهذّب 2: 524، السرائر 3: 429.

(4) الخلاف 5: 377، المسألة 16، المبسوط 8: 4.

(5) التهذيب 10: 8/ 21، الاستبصار 4: 204/ 762.

173

(صلّى اللّه عليه و آله) رجل، فقال: إنّي زنيت، فصرف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وجهه عنه، فأتاه من جانبه الآخر، ثمَّ قال مثل ما قال، فصرف وجهه منه، ثمَّ جاء إليه الثالثة، فقال: يا رسول اللّه: إنّي زنيت و عذاب الدنيا أهون عليّ من عذاب الآخرة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أ بصاحبكم بأس؟ يعني جنّة قالوا: لا، فأقرّ على نفسه الرابعة، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يرجم» (1).

و الجواب: أنّه لا حجّة فيه، لأنّه وقع اتّفاقا لا أنّه شرط.

مسألة 28: قال الشيخ في (النهاية): فإذا أراد الإمام أن يرجمه،

فإن كان الذي وجب عليه ذلك قد قامت عليه به بيّنة، أمر أن يحفر له حفيرة و دفن فيها إلى حقويه ثمَّ يرجم، و المرأة مثل ذلك تدفن إلى صدرها ثمَّ ترجم (2). و تبعه ابن البرّاج و ابن إدريس (3).

و قال المفيد: ثمَّ يحفر له حفيرة إلى صدره ثمَّ يرجم بعد ذلك (4). و إذا وجب على المرأة رجم، حفر لها بئر إلى صدرها كما يحفر للرجل ثمَّ تدفن فيها إلى وسطها و ترجم، هذا إذا كان عليها شهود بالزنا، و إن كانت مقرّة بلا شهود، لم تدفن، و تركت كما يترك الرجل، فإن خرجت هاربة لم ترد (5).

و قال الصدوق: و الرجم أن يحفر له حفيرة مقدار ما يقوم فيها، فيكون بطوله إلى عنقه (6).

و قال سلّار: يحفر له حفيرة، و يقام فيها إلى صدره ثمَّ يرجم، و المرأة تقام إلى وسطها (7).

____________

(1) الكافي 7: 185/ 6، التهذيب 10: 8/ 22.

(2) النهاية: 699- 700.

(3) المهذّب 2: 527، السرائر 3: 451.

(4) المقنعة: 775.

(5) المقنعة: 780.

(6) المقنع: 144.

(7) المراسم: 252.

174

و قال أبو الصلاح: فإن كان حدّهما أو أحدهما رجما فليحفر زبية (1)، و يجعل فيها المرجوم، و يردّ التراب عليه إلى صدره إن كانت إقامة الحدّ بعلم الإمام أو ببيّنة، و إن كانت بإقرار، لم يرد عليهما التراب (2).

و في رواية سماعة عن الصادق (عليه السلام)، قال: «تدفن المرأة إلى وسطها ثمَّ يرمي الإمام و يرمي الناس بأحجار صغار، و لا يدفن الرجل إذا رجم إلّا إلى حقويه» (3).

و لا بأس بالعمل بمضمونها.

مسألة 29: قال أبو الصلاح: أو يعلمه سلطان الحقّ (عليه السلام) زانيا و هو ممّن يصحّ منه القصد،

سواء كان مختارا له أو مكرها، صاحيا أو سكران (4).

و فيه إشكال، فإنّ الإكراه يتحقّق في طرف المرأة قطعا و في تحقّقه في الرجل إشكال ينشأ من أنّه لا يحصل إلّا مع ميل و قصد، فإنّ الخوف يقطع الشهوة و يمنع الانتشار، فإذا وطأ، لم يكن مكرها، و من أنّ الخوف من أن لا يفعل و الفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك قدرته عليه.

و بالجملة فإن قلنا: يتحقّق الإكراه في طرف الرجل، سقط الحدّ، و إن قلنا:

لا يتحقّق، بطل قوله: أو مكرها.

و أمّا المرأة: فإنّ الإكراه يسقط عنها الحدّ قطعا، مع أنّ الشيخين قالا في باب الزنا- و تبعهما ابن البرّاج و غيره-: إنّه لا حدّ مع إكراه و إجبار، و إنّما يجب الحدّ بالأفعال المحظورة على الاختيار (5).

مسألة 30: قال الشيخان و ابن البرّاج: حكم الزنا بالمرأة في الدّبر

حكم الزنا

____________

(1) الزّبية: حفرة تحفر للأسد. الصحاح 6: 2366 «زيا».

(2) الكافي في الفقه: 406- 407.

(3) الكافي 7: 184/ 4، التهذيب 10: 34/ 113.

(4) الكافي في الفقه: 404، و فيه: سلطان الحدّ.

(5) المقنعة: 784، النهاية: 699، المهذّب 2: 524.