مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
480 /
225

ابن أبي ليلى، فإنّه قال: لا يسقط برجوعه. و هو الذي يقتضيه مذهبنا، و حمله على الزنا قياس لا نقول به (1).

و قال ابن إدريس: هذا غير واضح، لأنّه لا دليل عليه من كتاب و لا سنّة مقطوع بها و لا إجماع، بل مخالف لكتاب اللّه تعالى، و تعطيل لحدوده، و لا يرجع في مثل ذلك إلى خبر شاذّ إن كان قد ورد، بل يجب عليه القطع (2).

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّ رجوعه توبة منه و ندامة، فيسقط عنه الحدّ.

و ما رواه جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «لا يقطع السارق حتى يقرّ بالسرقة مرّتين، فإن رجع، ضمن السرقة، و لم يقطع إذا لم يكن شهود» (3).

احتجّ: بما رواه الحلبي و محمد بن مسلم- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا أقرّ الرجل على نفسه أنّه سرق ثمَّ جحد فاقطعه و إن رغم أنفه» (4).

و الجواب: الحمل على ما إذا رجع عن إقراره بعد قيام البيّنة عليه بالفعل، فإنّه لا يقبل رجوعه.

مسألة 82: قال الشيخ في (النهاية): إذا تاب [السارق] بعد الإقرار،

جاز للإمام العفو عنه و إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه أردع في الحال، و يجب عليه ردّ السرقة على كلّ حال (5).

و قال أبو الصلاح: فإن تاب السارق و ظهر صلاحه قبل أن يرفع خبره إلى السلطان، سقط عنه القطع، و عليه غرم ما سرق، و إن تاب بعد ما رفع إليه،

____________

(1) المبسوط 8: 40.

(2) السرائر 3: 491، و المشار إليه بهذا: كلام الشيخ الطوسي في النهاية.

(3) التهذيب 10: 122/ 491، الاستبصار 4: 250/ 948.

(4) التهذيب 10: 126/ 503.

(5) النهاية: 718.

226

فالإمام خاصّة مخيّر بين قطعه و العفو عنه، و لا خيار لغيره (1).

و قال ابن إدريس: إذا أقرّ مرّتين عند الحاكم ثمَّ تاب بعد الإقرار، وجب عليه القطع، و لم يجز للإمام و الحاكم العفو عنه بحال، لأنّه تعطيل لحدود اللّه تعالى، و خلاف لكتابة و أوامره سبحانه.

و حمل ذلك على الإقرار بالزنا الموجب للرجم قياس، و القياس عندنا باطل لا نقول به.

و شيخنا في (مبسوطه) رجع عمّا قاله في (نهايته) و (مسائل خلافه) فقال: إذا ادّعى على رجل أنّه سرق منه نصابا من حرز مثله، و ذكر النصاب، فإن اعترف بذلك مرّتين، ثبت إقراره و قطع، و متى رجع عن اعترافه، سقط برجوعه عندهم إلّا ابن أبي ليلى، فإنّه قال: لا يسقط برجوعه. و هو الذي يقتضيه مذهبنا، و حمله على الزنا قياس لا نقول به.

و ما ذكره في (مبسوطه) هو الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه، و إنّما أورد شيخنا في (نهايته) أخبار آحاد إيرادا لا اعتقادا (2).

و المعتمد: الأول.

لنا: أنّ التوبة تسقط تحتّم أعظم الذنبين، فتسقط تحتّم أضعفهما.

و ما رواه أبو عبد اللّه البرقي عن بعض أصحابه عن بعض الصادقين (عليهم السلام)، قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأقرّ بالسرقة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أ تقرأ شيئا من كتاب اللّه؟ قال: نعم، سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: فقال الأشعث:

أ تعطّل حدّا من حدود اللّه تعالى؟ قال: و ما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، و إذا أقرّ الرجل على نفسه فذلك إلى الإمام إن شاء عفا و إن شاء قطع» (3).

____________

(1) الكافي في الفقه: 412.

(2) السرائر 3: 491- 492.

(3) الفقيه 4: 44/ 148، التهذيب 10: 129/ 516، الاستبصار 4: 252/ 955.

227

و ابن إدريس توهّم أنّ الشيخ أفتى بذلك عن قياس، و حاشاه عن ذلك، فإنّ مذهبنا تحريم العمل بالقياس، و الأدلّة لا تنحصر في الكتاب و السنّة المتواترة و الإجماع، فإنّ أخبار الآحاد معمول عليها، و تخصيص الكتاب بها ليس إبطالا للكتاب كما توهّمه، و نحن لم نثبت ذلك بالقياس بل بطريق الأولى، فإنّ المسقط لأقوى الذنبين أولى بالإسقاط لأدناهما، و إنّما اقتضى هذه الاغلوطات عدم قوّته المميّزة و نسبة شيخنا- (رحمه الله)- إلى ما لا يليق.

مسألة 83: المشهور بين علمائنا: أنّ النصاب الذي يجب فيه قطع السارق

ربع دينار ذهبا خالصا أو ما قيمته ذلك، سواء كان منقوشا أو لا، ذهب إليه الشيخان و السيّد المرتضى و سلّار و ابن البرّاج و أبو الصلاح و ابن حمزة و ابن زهرة (1) و أكثر علمائنا (2).

و قال ابن أبي عقيل: و السارق عند آل الرسول (عليهم السلام) يقطع في كلّ شيء سرق إذا بلغ قيمة ما يسرق دينارا فصاعدا.

و قال الصدوق في كتاب (المقنع): سئل أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) عن أدنى ما يقطع فيه السارق، فقال: «ربع دينار» و روي: أنّه يقطع في خمس دينار أو في قيمة ذلك. و روي أنّه يقطع في درهمين (3)- (4).

و قد روى الجميع في كتاب (من لا يحضره الفقيه) (5).

و قال ابن الجنيد: و قد روي عن أبي جعفر محمد بن علي و أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهم السلام) أنّ القطع في خمس دينار أو في درهمين، و روي أيضا الدرهمين عن موسى بن جعفر (عليهما السلام).

____________

(1) المقنعة: 802، النهاية: 714، المبسوط 8: 19، الخلاف 5: 411، المسألة 1، الانتصار: 268، المراسم: 258، المهذّب 2: 537، الكافي في الفقه: 411، الوسيلة: 417، الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 561.

(2) منهم: قطب الدين الكيدري في إصباح الشيعة: 522- 523، و المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4: 174، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 559.

(3) في المصدر: في عشرة دراهم.

(4) المقنع: 150.

(5) الفقيه 4: 45/ 155 و 156، و 49/ 172.

228

و المعتمد: الأول.

لنا: ما رواه محمد بن مسلم- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

قلت له: في كم يقطع السارق؟ فقال: «في ربع دينار» قال: قلت له: في درهمين، فقال: «في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ» قال: فقلت له: أ رأيت من سرق أقلّ من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ و هل هو عند اللّه سارق في تلك الحال؟ فقال: «كلّ من سرق من مسلم شيئا قد حواه و أحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، و هو عند اللّه سارق، و لكن لا يقطع إلّا في ربع دينار أو أكثر، و لو قطعت يد السارق فيما هو أقلّ من ربع دينار لألفيت عامّة الناس مقطعين» (1).

و تحمل الروايات الدالّة على القطع في درهمين أو خمسة على مساواة الدرهمين لربع الدينار الذهب في بعض الأوقات و هو وقت السؤال، أو لخمسة دراهم بحسب اختلاف أسعار الفضّة من الذهب.

مسألة 84: قال الشيخان: إذا سرق اثنان فصاعدا ما قيمته ربع دينار،

وجب عليهما القطع، فإذا انفرد كلّ منهما ببعضه، لم يجب عليهما القطع، لأنّه قد نقص من المقدار الذي يجب فيه القطع (2). و به قال السيّد المرتضى و ابن البرّاج و أبو الصلاح و ابن حمزة (3).

و للشيخ قول آخر في (الخلاف) و (المبسوط): أنّه لا يجب القطع إلّا أن يبلغ نصيب كلّ واحد منهم نصابا (4). و به قال ابن الجنيد و ابن إدريس (5)، و هو المعتمد.

لنا: أصالة البراءة، و لأنّ كلّ واحد منهم لم يفعل الموجب، و إلّا لزم استناد

____________

(1) الكافي 7: 221/ 6، التهذيب 10: 99/ 384، الاستبصار 4: 238/ 896.

(2) المقنعة: 804، النهاية: 718.

(3) الانتصار: 264، المهذّب 2: 540، الكافي في الفقه: 411، الوسيلة: 419.

(4) الخلاف 5: 420، المسألة 8، المبسوط 8: 28.

(5) السرائر 3: 492- 493.

229

الفعل الواحد إلى علل كثيرة، و هو محال، فالصادر عن كلّ واحد بعضه، و بعض الشيء ليس نفى ذلك الشيء، و إذا انتفى السبب انتفى الحكم.

احتجّ الشيخ: بأنّ موجب الحدّ ثابت، و هو سرقة النصاب، و قد صدرت عن الجميع، فيثبت عليهم القطع.

و الجواب: المنع من صدوره عن كلّ واحد بخصوصه.

مسألة 85: قال الشيخ في (النهاية): إذا شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين،

لم يكن عليه أكثر من قطع اليد، فإن شهدوا عليه بالسرقة الأولى و أمسكوا حتى يقطع، ثمَّ شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة، وجب عليه قطع رجله بالسرقة الأخيرة على ما بيّنّاه (1). و به قال الصدوق (2).

و قال ابن الجنيد: لو سرق السارق مرارا و لم يقدر عليه ثمَّ قدر عليه، قطعت يمينه فقط. و أطلق.

و قال الشيخ في (الخلاف): إذا سرق دفعة بعد اخرى و طولب دفعة واحدة بالقطع، لم يجب إلّا قطع يده فحسب بلا خلاف، فإن سبق بعضهم و طالب بالقطع فقطع ثمَّ طالب الباقون، روى أصحابنا أنّه يقطع للباقين أيضا.

و قال الشافعي و جميع الفقهاء: لا يقطع للآخرين (3)، لأنّه إذا قطع بالسرقة، فلا يقطع دفعة اخرى قبل أن يسرق.

و هذا قويّ غير أنّ الرواية ما قلناه.

دليلنا على ذلك: الآية و الخبر و إجماع الفرقة (4).

و قال في (المبسوط): إذا تكرّرت منه السرقة فسرق مرارا من واحد أو من جماعة و لم يقطع، فالقطع مرّة واحدة، لأنّه حدّ من حدود اللّه تعالى،

____________

(1) النهاية: 719.

(2) المقنع: 150.

(3) في المصدر: للباقين.

(4) الخلاف 5: 441، المسألة 36.

230

فإذا ترادفت، تداخلت، كحدّ الزنا و شرب الخمر، فإذا ثبت أنّ القطع واحد، نظرت: فإن اجتمع المسروق منهم و طالبوه بأجمعهم، قطعناه، و غرم لهم، و إن سبق واحد منهم فطالب بما سرق منه و كان نصابا، غرم و قطع، ثمَّ كلّ من جاء بعده من القوم فطالب بما سرق منه، غرمناه و لم نقطعه، لأنّا قد قطعناه بالسرقة، فلا يقطع قبل أن يسرق مرّة أخرى (1). و تبعه ابن إدريس (2)، و هو الأقوى.

لنا: أنّه حدّ، فلا يتكرّر بتكرّر سببه.

احتجّ الشيخ: بما رواه بكير بن أعين عن الباقر (عليه السلام): في رجل سرق فلم يقدر عليه، ثمَّ سرق مرّة أخرى و أخذ، فجاءت البيّنة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى و السرقة الأخيرة، فقال: «تقطع يده بالسرقة الاولى، و لا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة» فقلت: كيف ذاك؟ فقال: «لأنّ الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى و الأخيرة قبل أن يقطع بالسرقة الاولى، و لو أنّ الشهود شهدوا عليه بالسرقة الاولى ثمَّ أمسكوا حتى تقطع يده ثمَّ شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة قطعت رجله اليسرى» (3).

و الجواب: في الطريق سهل بن زياد، و فيه ضعف، فيبقى المستند أصالة البراءة.

تذنيب: قال الشيخ في (النهاية): إذا سرق السارق فلم يقدر عليه، ثمَّ سرق ثانية فأخذ، وجب عليه القطع بالسرقة الأخيرة، و يطالب بالسرقتين معا، فإن شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين، لم يكن عليه أكثر من قطع اليد، فإن شهدوا عليه بالسرقة الاولى و أمسكوا حتى قطع ثمَّ شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة، وجب عليه قطع رجله بالسرقة الأخيرة (4).

____________

(1) المبسوط 8: 38.

(2) السرائر 3: 494.

(3) الكافي 7: 224/ 12، التهذيب 10: 107- 108/ 418.

(4) النهاية: 719.

231

و قال الصدوق: فإن سرق رجل فلم يقدر عليه، ثمَّ سرق مرّة أخرى فأخذ فجاءت البيّنة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى و الأخيرة، فإنّه تقطع يده بالسرقة الاولى و لا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة. و لو أنّ الشهود شهدوا عليه بالسرقة الاولى ثمَّ أمسكوا حتى تقطع يده، ثمَّ شهدوا بعد ذلك بالسرقة الأخيرة، قطعت رجله اليسرى (1).

و قال أبو الصلاح: و إذا أقرّ بسرقات كثيرة أو قامت بذلك بيّنة، قطع لأوّلها، و اغرم جميعها (2).

و قال ابن حمزة: و إن توالى منه السرقة و شهدت البيّنة عليه بالجميع دفعة، لم يجب عليه غير قطع اليد، فإن شهدت عليه بسرقة واحدة و سكتت حتى قطعت يده ثمَّ شهدت عليه بأخرى، قطعت ثانيا (3).

و التحقيق أن نقول: إن شهدت البيّنات بالسرقات المتعدّدة قبل القطع، قطع على أيّ واحد كان، بحيث لو عفا الأول قطع بالثاني، و بالعكس، و إن شهدت بعضهم بعد قطعه، لم يقطع، و يقطع هنا على أسبق الشهادات عند الحاكم، سواء كانت تلك السرقة متأخّرة أو متقدّمة.

مسألة 86: قال الشيخ في (المبسوط): إذا نقبا معا و دخل أحدهما فوضع السرقة في بعض النقب فأخذها الخارج،

قال قوم: لا قطع على واحد منهما.

و قال آخرون: عليهما القطع، لأنّهما اشتركا في النقب و الإخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل أنّهما لو نقبا معا و دخلا و أخرجا معا، كان عليهما الحدّ كالواحد. و لأنّا لو قلنا لا قطع، كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة، [لأنّه لا يشاء شيئا] (4) إلّا شارك غيره فسرقا هكذا و لا قطع.

____________

(1) المقنع: 150.

(2) الكافي في الفقه: 412.

(3) الوسيلة: 419.

(4) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية و الحجرية كلمة غير مقروءة و واضحة، و ما أثبتناه من المصدر.

232

و الأوّل أصحّ، لأنّ كلّ واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز، فهو كما لو وضعه الداخل في بعض النقب فاجتاز مجتاز فأخذه من النقب، فإنّه لا قطع على واحد منهما (1). و تبعه ابن البرّاج في (جواهر الفقه) و (المهذّب) (2).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول مذهبنا أنّ القطع على الآخذ الخارج، لأنّه نقب و هتك الحرز و أخرج المال منه، بخلاف المجتاز، فإنّه لم يهتك حرزا، و أيضا الداخل إمّا أن يكون قد أخرج المال من الحرز أولا، فإن كان الأوّل، وجب عليه القطع، و لم يقل به أحد، فلم يبق إلّا أنّه لم يخرجه من الحرز و أخرجه الخارج من الحرز الهاتك له، فيجب عليه القطع، لأنّه نقب و أخرج المال من الحرز، و لا ينبغي أن تعطّل الحدود بحسن العبارات و تزويقاتها و صقلها و تزويقاتها (3)، و هو قولهم: ما أخرجه من كمال الحرز، أيّ شيء هذه المغلطة؟ بل الحقّ أن يقال:

أخرجه من الحرز أو من غير الحرز، لا عبارة عند التحقيق سوى ذلك، و ما لنا حاجة إلى المغالطات بعبارات كمال الحرز (4).

و هذا التطويل من ابن إدريس غير مفيد، و التحقيق أن نقول: إنّ المقدور الواحد إن امتنع وقوعه من القادرين، فالقطع عليهما معا، لأنّه لا فرق حينئذ بين أن يقطعا كمال المسافة دفعة و أن يقطعاها على التعاقب، فإنّ الصادر عن كلّ واحد منهما ليس هو الصادر عن الآخر، بل وجد المجموع منهما، و إن سوّغناه، فالقطع على الخارج، لظهور الفرق حينئذ بين وقوع القطع منهما دفعة أو على التعاقب.

مسألة 87: قال الشيخ في (المبسوط): إذا نقب و أخرج ثمن دينار و انصرف،

ثمَّ عاد من ليلته فأخرج ثمن دينار و كمل نصابا، قال بعضهم: لا قطع عليه، لأنّه

____________

(1) المبسوط 8: 26- 27.

(2) جواهر الفقه: 227، المسألة 784، المهذّب 2: 539.

(3) كذا في النسخ الخطية و الحجرية، و في المصدر: توريقاتها.

(4) السرائر 3: 497- 498.

233

لم يخرج في الأول نصابا، و أخذ في الثاني من حرز مهتوك.

و قال بعضهم: عليه القطع، لأنّه سرق نصابا من حرز هتكه. و هو الأقوى.

فإن أخرج أوّلا ثمن دينار ثمَّ عاد في الليلة الثانية و أخذ ثمن دينار فتكامل نصابا، قال قوم: لا قطع عليه، لأنّه لو عاد من ليلته لا قطع عليه.

و قال قوم: عليه القطع كما لو عاد من ليلته. و هو الأقوى عندي (1).

و قال في (الخلاف): إذا نقب وحده و دخل فأخرج ثمن دينار، ثمَّ عاد من ليلته أو من الليلة الثانية فأخرج ثمن دينار آخر و كمل النصاب، فلا قطع عليه، لأصالة البراءة، و لأنّه لمّا هتك الحرز أخرج أقلّ من النصاب فلم يجب عليه القطع، فلمّا عاد ثانيا لم يخرج من حرز، لأنّه كان مهتوكا، و لو لم نقل هذا للزم لو أخرجه حبّة حبّة في كلّ ليلة حتى كمل النصاب أن يجب عليه القطع، و هو بعيد.

و لو قلنا: يجب عليه القطع، لأنّ النبي (عليه السلام) قال: (من سرق ربع دينار فعليه القطع) (2) و لم يفصّل، كان قويّا (3)، و هذا يدلّ على تردّده (رحمه الله).

و شرط ابن حمزة في القطع اتّحاد إخراج النصاب، فلو أخرجه في دفعتين، لم يجب عليه القطع (4).

و قال ابن البرّاج: عليه القطع، و قال بعض الناس: لا قطع عليه، و ما ذكرناه هو الصحيح، لأنّه أخرج نصابا من حرز هتكه هو (5).

و قال ابن إدريس: يجب عليه القطع، و لو قلنا: إنّه لا قطع عليه، كان قويّا، لأنّه ما أخرج من الحرز في دفعة واحدة ربع دينار، و لا قطع على من سرق أقلّ منه.

و دليل الأوّل: أنّ النبي (عليه السلام) قال: (من سرق ربع دينار فعليه القطع)

____________

(1) المبسوط 8: 29.

(2) صحيح مسلم 3: 1312/ 1684، سنن أبي داود 4: 545/ 4383، سنن ابن ماجه 2: 862/ 2585 نقلا بالمعنى.

(3) الخلاف 5: 423- 424، المسألة 13.

(4) الوسيلة: 417.

(5) المهذّب 2: 541.

234

و لم يفصّل، و قوله تعالى وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1) و هذا سارق لغة و شرعا، و بهذا أفتي و عليه أعمل (2).

و هذا اضطراب عظيم. و الوجه: القطع إن لم يشتهر بين الناس هتك الحرز، و عدمه إن علم هتكه، لخروجه عن اسم الحرز حينئذ.

مسألة 88 [السرقة من ستارة الكعبة]

قال الشيخ في (المبسوط) و (الخلاف)- و تبعه ابن البرّاج (3)-: إنّه يجب القطع على من سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار إذا كانت محيطة بها.

و استدلّ عليه الشيخ: بعموم الآية و الخبر. و روى أصحابنا: أنّ القائم (عليه السلام) إذا قام قطع أيدي بني شيبة و علّق أيديهم على البيت، و نادى مناديه هؤلاء سرّاق اللّه (4)، لا يختلفون في ذلك (5).

و قال ابن إدريس: لا يجب القطع، لأنّ الحرز عندنا القفل و الغلق و الدفن، و ليست هذه الأشياء في حرز، و الأصل براءة الذمّة (6). و لا بأس بقوله.

و الآية و الخبر مخصوصان بالحرز إجماعا. و حديث أصحابنا لا يعطي قطع أيديهم على سرقة الستارة، بل جاز أن يكون على سرقة ما أحرز بقفل أو غلق أو دفن.

مسألة 89: قال ابن إدريس: إذا كان باب الدار مفتوحا و أبواب الخزائن مفتوحة،

فليس شيء منها في حرز إذا لم يكن صاحبها فيها، فإن كان فيها، فليس شيء في حرز إلّا ما يراعيه ببصره، مثل من كان بين يديه متاع- كالميزان بين

____________

(1) المائدة: 38.

(2) السرائر 3: 498.

(3) المهذّب 2: 542.

(4) الكافي 4: 242- 243/ 4، التهذيب 9: 213/ 842.

(5) المبسوط 8: 33، الخلاف 5: 429- 430، المسألة 22.

(6) السرائر 3: 499.

235

يدي الخبّازين، و الثياب بين يدي البزّازين- فحرز ذلك نظره إليه، فإن سرق من بين يديه و هو ينظر إليه، ففيه القطع، و إن سها أو نام عنه، زال الحرز، و سقط القطع.

و هكذا الحكم إذا استحفظ إنسان حمّاميّا ثيابه، فإن راعاها الحمّامي فهي في حرز، و إن سها عنها أو نام، فليست في حرز.

هذا على ما أورده شيخنا في (مبسوطه) و قد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك من أنّ الحرز القفل و الغلق و الدفن، و ما عداه لا دليل عليه من كتاب و لا إجماع، و ليس على من سرق من ذلك شيئا القطع، سواء راعاه ببصره أو لا، نظر إليه أو لا، بين يديه كان أولا، إلّا أن يكون في حرز (1).

و هذا القول لا بأس به، و قد تقدّم (2) البحث في ذلك.

مسألة 90: قال الشيخ في (المبسوط) إن دخل و أخذ جوهرة فابتلعها ثمَّ خرج

و هي في جوفه، فإن لم يخرج منه، فعليه ضمانها، و لا قطع عليه، لأنّه أتلفها في جوفه، كما لو كان مأكولا فأكله و خرج، فإنّه لا قطع كذلك هنا.

و إن خرجت الجوهرة، قال قوم: عليه القطع، لأنّه أخرجها في وعاء، فهو كما لو جعلها في جراب أو جيب.

و قال آخرون: لا قطع عليه، لأنّه قد ضمنها بقيمتها بابتلاعها، فهو كما لو أتلف شيئا في جوف الحرز ثمَّ خرج، و لأنّه أخرجها مكرها على إخراجها، بدليل أنّه ما كان يمكنه تركها و الخروج دونها، فهو كما لو نقب و اكره على إخراج المتاع.

و الأوّل أقوى، و إن كان الثاني قويّا أيضا (3). و هذا يدلّ على تردّده.

و قال ابن البرّاج: إذا دخل حرزا فأخذ منه جوهرة فابتلعها و خرج منه و هي

____________

(1) السرائر 3: 502.

(2) تقدّم في المسألة 74.

(3) المبسوط 8: 28.

236

باقية في جوفه، كان عليه القطع، لأنّه أخرجها كما لو جعلها في جراب أو ما أشبهه، و قد ذكر أنّه لا قطع عليه، و ما ذكرناه أظهر (1).

و قال ابن إدريس لمّا نقل كلام الشيخ في (المبسوط): و أمّا الذي يقوى في نفسي وجوب القطع عليه، لعموم الآية، و لأنّه نقب و أخرج النصاب و لم يستهلكه في الحرز و لا خارج الحرز (2).

و الوجه: أن نقول: إن كان قادرا على إخراجها، وجب عليه القطع، كالوعاء، و إلّا فلا و إن خرجت اتّفاقا، لأنّها كالمستهلكة.

مسألة 91: قال الشيخ في (النهاية): و إذا أخرج المال من الحرز و أخذ، فادّعى أنّ صاحب المال أعطاه،

درئ عنه القطع، و كان على من ادّعى عليه السرقة البيّنة بأنّه سارق (3).

و قال ابن أبي عقيل: و لو أنّ رجلا أخذ و هو حامل متاع من بيت، فقال:

صاحب البيت أعطانيه، و قال صاحب البيت: بل سرقته، لم يقطع، لأنّ هذا شبهة، و الحدود تدرأ بالشبهات.

و قال الصدوق في (المقنع) و كتاب (من لا يحضره الفقيه): و إذا دخل السارق بيت رجل فجمع الثياب، فيؤخذ في الدار و معه المتاع فيقول: دفعه إليّ ربّ الدار، فليس عليه قطع، فإذا خرج بالمتاع من باب الدار، فعليه القطع أو يجيء بالمخرج منه (4).

و هذا الفرق مشكل من الحيثية التي قالها (رحمه الله)، نعم بينهما فرق من حيثية أخرى، و هي: أنّ القطع إنّما يجب لو خرج بالقماش من المنزل لا بجمعه فيه، فإذا خرج به، وجب عليه القطع، و إذا ادّعى أنّ صاحب المنزل دفعه إليه، سقط عنه القطع، لأنّه ادّعى أمرا ممكنا، فحصلت الشبهة، فدرأت الحدّ عنه.

____________

(1) المهذّب 2: 540.

(2) السرائر 3: 503.

(3) النهاية: 715.

(4) المقنع: 150، الفقيه 4: 45.

237

و ما رواه الحلبي- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أخذوه و قد حمل كارة (1) من ثياب، فقال: صاحب المنزل أعطانيها، قال: «يدرأ عنه القطع إلّا أن يقوم عليه البيّنة، فإن قامت عليه البيّنة قطع» (2).

و إنّما حملناه على الخارج من المنزل، لما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في السارق إذا أخذ و قد أخذ المتاع و هو في البيت لم يخرج بعد، قال: ليس عليه قطع حتى يخرج به من الدار» (3).

مسألة 92: قال الشيخ في (النهاية): و من نبش قبرا و سلب الميّت كفنه،

وجب عليه القطع، كما يجب على السارق سواء، فإن نبش و لم يأخذ شيئا، أدّب بغليظ العقوبة، و لم يكن عليه قطع على حال، فإن تكرّر منه الفعل و فات الإمام تأديبه، كان له قتله، كي يرتدع غيره عن إيقاع مثله في مستقبل الأوقات (4).

و قال المفيد: يقطع النبّاش إذا سرق من الأكفان ما قيمته ربع دينار، كما يقطع غيره من السرّاق إذا سرقوا من الإحراز. و إذا عرف الإنسان بنبش القبور و كان قد فات السلطان ثلاث مرّات، كان الحاكم فيه بالخيار إن شاء قتله و إن شاء عاقبه و قطعه، و الأمر في ذلك إليه يعمل في ذلك بحسب ما يراه أزجر للعصاة و أردع للجناة (5).

و قال الصدوق في (المقنع): إذا وجد رجل ينبش قبرا، فليس عليه القطع، إلّا أن يوجد و قد نبش مرارا، فإن كان كذلك، قطعت يمينه (6).

و قال في كتاب (من لا يحضره الفقيه): النبّاش إذا كان معروفا بذلك، قطع،

____________

(1) الكارة: ما يحمل على الظهر من الثياب. الصحاح 2: 810 «كور».

(2) الكافي 7: 224/ 10، التهذيب 10: 107/ 416.

(3) الكافي 7: 224/ 11، التهذيب 10: 107/ 417.

(4) النهاية: 722.

(5) المقنعة: 804.

(6) المقنع: 151.

238

و روي أنّ عليّا (عليه السلام) قطع نبّاش القبر، فقيل له: أ تقطع في الموتى؟ فقال:

«إنّا لنقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا» (1).

و روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) اتي بنبّاش فأخذه بشعره و جلد به الأرض، ثمَّ قال: «طؤوا عباد اللّه عليه» فوطئ حتى مات (2).

و قال ابن الجنيد: النبّاش بمنزلة السارق إذا أخرج الكفن من القبر، قطع، فإن تعدّى ذلك إلى أن وطأ و كان محصنا، رجم، و إن كان غير محصن، جلد.

و قال أبو الصلاح: يقطع النبّاش إذا أخذ من الأكفان ما يجب في مثله القطع (3).

و قال سلّار: القبر عندنا حرز، فلأجل هذا يقطع النبّاش إذا سرق النصاب، فإن أدمن ذلك- و فات السلطان- ثلاث مرّات، فإن اختار قتله قتله، و إن اختار قطعه قطعه أو عاقبه (4).

و قال ابن البرّاج: النبّاش إذا نبش قبرا و أخذ كفن الميّت، كان عليه القطع، كما يكون على السارق سواء، فإن نبش القبر و لم يأخذ منه شيئا، أدّب و غلظت عقوبته، و لم يكن عليه القطع على حال، فإن تكرّر الفعل منه و لم يؤدّبه الإمام، كان له قتله ليرتدع غيره في المستقبل عن مثل ذلك (5).

و قال ابن حمزة: النبّاش من ينبش القبور، فإن نبش قبرا و لم يأخذ شيئا، عزّر، أخرج الكفن إلى ظاهر القبر أو لم يخرج، فإن أخرج من القبر ما قيمته نصابا، قطع، فإن فعل ثلاث مرّات و فات السلطان، فإذا ظفر به بعد الثلاث، كان الإمام فيه بالخيار بين العقوبة و القطع، و إن عزّر ثلاث مرّات، قتل في الرابعة (6).

____________

(1) الفقيه 4: 47، و الحديث رقم 163.

(2) الفقيه 4: 47/ 164.

(3) الكافي في الفقه: 412.

(4) المراسم: 258.

(5) المهذّب 2: 554.

(6) الوسيلة: 423.

239

و قال ابن إدريس: و من نبش قبرا و سلب الميّت كفنه و أخرجه من القبر و كان قيمته ربع دينار، فإنّه يجب عليه القطع، و يكون المطالب بذلك الورثة، لأنّه على حكم ملكهم، بدلالة أنّه لو أكل الميّت سبع أو أخذه سيل و بقي الكفن، فإنّه يكون للورثة دون غيرهم، و يجب عليه مع القطع التأديب المردع.

فإن كان قد نبش القبر و لم يأخذ شيئا، أو أخذ و كان الكفن دون ربع دينار، فإنّه لا قطع عليه، بل يجب عليه العقوبة المردعة، فإن نبش ثانية، فإنّه يجب عليه القطع إذا أخذ الكفن، سواء كانت قيمته ربع دينار أو أقلّ من ذلك، و لا يراعى في مقدار الكفن النصاب إلّا في الدفعة الاولى فحسب، لقولهم (عليهم السلام):

«سارق موتاكم كسارق أحيائكم» و لا خلاف أنّ من سرق من حيّ دون ربع دينار عندنا لا يجب عليه القطع.

فإن قيل: فهذا يلزم في الدفعة الثانية.

قلنا: لمّا تكرر منه الفعل صار مفسدا ساعيا في الأرض فسادا، فقطعناه لأجل ذلك، لا لأجل كونه سارقا ربع دينار.

و الأخبار مختلفة، فبعضها يوجب عليه القطع مطلقا، و بعضها يوجب عليه التعزير، و لا يوجب عليه القطع، فحملنا ما يوجب القطع منها: إذا سرق الكفن و أخرجه من القبر، و كان قيمته ربع دينار، فقطع، لقولهم (عليهم السلام): «سارق موتاكم كسارق أحيائكم» على ما قدّمناه، أو على من يتكرّر منه ذلك، و كان معتادا لفعل ذلك و إن لم يأخذ ما يبلغ قيمة الكفن ربع دينار و إن لم يأخذ كفنا أيضا على ما ذهب إليه شيخنا في (استبصاره) و حملنا منها ما يوجب التعزير و العقوبة: إذا نبش أوّل مرّة و لم يكن له عادة بذلك و لم تكن قيمة الكفن تبلغ ربع دينار، أو أنّه لم يأخذ الكفن، و قد عمل بجميعها، و كان لكلّ منها وجه تقتضيه الأدلّة.

و قال شيخنا في (استبصاره) لمّا اختلفت عليه الأخبار، فإنّه أورد جملة منها بوجوب القطع، ثمَّ أورد جملة أخرى بالتعزير فحسب، فقال: فهذه الأخبار الأخيرة كلّها تدلّ على أنّه إنّما يقطع النبّاش إذا كان ذلك له عادة، فأمّا إذا لم يكن

240

ذلك عادته، نظر: فإن كان نبش و أخذ الكفن، وجب قطعه، و إن لم يأخذ، لم يكن عليه أكثر من التعزير.

قال: و على هذا تحمل الأخبار التي قدّمناها.

قال ابن إدريس: بقي عليه- (رحمه الله)- أنّه أسقط جميع الأخبار التي رويت في أنّ «سارق موتاكم كسارق أحيائكم» لأنّه- (رحمه الله)- لم يراع النصاب في شيء منها في وساطته بينها، فقد سقطت جملة، و هذا بخلاف عادته، و خرم لقاعدته في وساطته.

ثمَّ نقل كلام الشيخ في (النهاية) ثمَّ عقّبه بنقل كلام المفيد، و قال عقيبه: و نعم ما قال، فإنّه الذي تقتضيه أصول المذهب، و يحكم بصحّته أعيان الآثار عن الأئمّة الأطهار.

و أيضا الأصل براءة الذمّة، فمن قطعه في غير المتّفق عليه يحتاج إلى دليل.

ثمَّ نقل كلام الشيخ في (الخلاف) من أنّ النبّاش يقطع إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض، لعموم قوله تعالى وَ السّارِقُ و هذا سارق، لأنّ السارق هو من أخذ الشيء مستخفيا متفزّعا، و قوله (عليه السلام): (القطع في ربع دينار) و لم يفصّل، فهذا الاستدلال بالخبر فيه مقدار النصاب.

ثمَّ قال عقيب ذلك: و الذي أعتمد و افتي به و يقوى في نفسي: قطع النبّاش إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض، و سلب الميّت، سواء كان قيمة الكفن ربع دينار أو أقلّ من ذلك أو أكثر، في الدفعة الأولى أو الثانية، لإجماع أصحابنا و تواتر أخبارهم بوجوب قطع النبّاش من غير تفصيل، و فتاواهم و عملهم على ذلك.

و ما ورد في بعض الأخبار و أقوال بعض المصنّفين بتقييد و تفصيل ذلك بالمقدار في الدفعة الاولى فمثل ذلك (1) لا يخصّص العموم، لأنّ تخصيص العموم يكون دليلا قاهرا مثل العموم في الدلالة (2).

____________

(1) في النسخ الخطية و الحجرية: قبل ذلك. و ما أثبتناه من المصدر.

(2) السرائر 3: 512- 515.

241

و هذا يدلّ على اضطرابه في هذه المسألة، لتناقض كلاميه.

و المعتمد: أن نقول: إن نبش و أخرج من القبر إلى وجه الأرض الكفن الذي قدره ربع دينار، وجب عليه القطع أوّل مرّة، فإن تكرّر منه النبش مرّات متعدّدة، جاز قتله، سواء أخذ أولا، و إن سرق غير الكفن، لم يجب عليه القطع، سواء زاد عن النصاب أو لا، إلّا مع التكرّر.

و إن كان الكفن أقلّ من النصاب، فلا قطع عليه إلّا مع التكرّر.

لنا: أنّه سارق، فتثبت أحكامه فيه من اعتبار النصاب و غيره.

و ما رواه حفص بن البختري- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

سمعته يقول: «حدّ النبّاش حدّ السارق» (1).

و عن أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الأحياء» (2).

و عن إسحاق بن عمّار عن الصادق (عليه السلام): «أنّ عليّا (عليه السلام) قطع نبّاش القبر، فقيل له: أ تقطع في الموتى؟ فقال: إنّا لنقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا» (3) و التشبيه يستدعي الاشتراط في الأموات كما يشترط في الأحياء.

و أمّا غير الكفن: فإنّ القبر ليس حرزا له، للأصل.

و أمّا القتل مع التكرّر: فلأنّه مفسد.

و ما روي أنّ عليّا (عليه السلام) أمر بأن يطأه الرجال حتى يموت (4)، و ليس ذلك في أوّل مرّة، لما تقدّم من وجوب القطع كما يقطع في السرقة، فتعيّن أن يكون مع التكرّر.

احتجّ الصدوق: بما رواه على بن سعيد عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته

____________

(1) الكافي 7: 228/ 1، التهذيب 10: 115/ 457، الاستبصار 4: 245/ 926.

(2) الكافي 7: 229/ 4، التهذيب 10: 115/ 458، الاستبصار 4: 245/ 927.

(3) التهذيب 10: 116- 117/ 464، الاستبصار 4: 246/ 933.

(4) الكافي 7: 229/ 3، التهذيب 10: 118/ 470، الاستبصار 4: 247/ 939.

242

عن النبّاش، قال: «إذا لم يكن النبش له بعادة لم يقطع، و يعزّر» (1).

و عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) في النبّاش: «إذا أخذ أوّل مرّة عزّر، فإن عاد قطع» (2).

و الجواب: أنّها محمولة على النبش من غير أخذ، جمعا بين الأدلّة.

مسألة 93: قال الشيخ في (النهاية): من وجب عليه قطع اليمين و كانت شلّاء،

قطعت و لا تقطع يسراه، و كذلك من وجب عليه قطع رجله اليسرى فكانت كذلك قطعت و لا تقطع رجله اليمنى (3). و نحوه قال في (الخلاف) (4) و كذا قال ابن الجنيد و الصدوق و ابن إدريس (5).

و قال في (المبسوط): إن قال أهل العلم بالطبّ: إنّ الشلّاء متى قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة، كانت كالمعدومة، و إن قال: تندمل، قطعت الشلّاء (6). و به قال ابن البرّاج و ابن حمزة (7)، و هو المعتمد.

لنا: أنّ الحدّ إذا لم يشتمل على القتل يتعيّن فيه الاحتياط في الاحتفاظ، و التقدير حصول الحذر من القتل، فيسقط احتياطا في بقاء النفس.

احتجّ الشيخ: بما رواه عبد الله بن سنان- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام): في رجل أشلّ اليد اليمنى أو أشلّ الشمال سرق، قال: «تقطع يده اليمنى على كلّ حال» (8).

و الجواب: أنّه محمول على حالة عدم خوف التلف.

تذنيب: قال ابن الجنيد: القطع عن يمين السارق و إن كانت شلّاء، فإن كانت

____________

(1) التهذيب 10: 117/ 465، الاستبصار 4: 246/ 934.

(2) التهذيب 10: 117/ 468، الاستبصار 4: 246/ 936.

(3) النهاية: 717.

(4) الخلاف 5: 441، المسألة 37.

(5) المقنع: 151، السرائر 3: 489.

(6) المبسوط 8: 38.

(7) المهذّب 2: 544، الوسيلة: 420.

(8) الكافي 7: 225/ 16، التهذيب 10: 108/ 419، الاستبصار 4: 242/ 915.

243

يساره شلّاء، لم تقطع يمينه و لا رجله، و كذلك لو كانت يده اليسرى مقطوعة في قصاص فسرق، لم تقطع يمينه، و حبس في هذه الأحوال، و أنفق عليه من بيت مال المسلمين إن كان لا مال له.

و هو وجه، لأنّ الشلّاء كالمعدومة حيث لا انتفاع بها، و لو كانت يساره مقطوعة، لم تقطع يمينه، و كذا لو كانت شلّاء.

و يؤيّده: ما رواه المفضل بن صالح عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا سرق الرجل و يده اليسرى شلّاء لم تقطع يمينه و لا رجله» (1).

مسألة 94: قال الشيخ في (النهاية): المحتال على أموال الناس بالمكر و الخديعة

و الرسالات الكاذبة و غير ذلك يجب عليه التأديب و العقاب، و أن يغرم ما أخذ (2).

و قال الصدوق: فإن أتى رجل رجلا فقال: أرسلني إليك فلان لترسل إليه بكذا و كذا، فدفع إليه ذلك الشيء فلقي صاحبه فزعم أنّه لم يرسله إليه و لا أتاه بشيء، و زعم الرسول أنّه قد أرسله إليه و قد دفعه إليه، فإن وجد عليه بيّنة أنّه لم يرسله، قطعت يده، فإن لم يجد بيّنة، فيمينه بالله ما أرسله، و يستوفي من الرسول المال، فإن زعم أنّه حمله على ذلك الحاجة، قطع، لأنّه سرق مال الرجل (3).

و احتجّ عليه: بما رواه في كتاب (من لا يحضره الفقيه) عن حمّاد عن الحلبي- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام): في رجل أتى رجلا، فقال: أرسلني فلان إليك لترسل إليه بكذا و كذا، فأعطاه و صدّقه، فلقي صاحبه فقال له: إنّ رسولك أتاني فبعثت معه بكذا و كذا، فقال: ما أرسلته إليك و لا أتاني أحد بشيء، فزعم الرسول أنّه قد أرسله و قد دفعه إليه، قال: «إن وجد عليه بيّنة أنّه لم يرسله، قطعت يده، و إن لم يجد بيّنة، فيمينه بالله ما أرسله، و يستوفي الآخر

____________

(1) التهذيب 10: 108/ 420، الاستبصار 4: 242/ 916.

(2) النهاية: 721- 722.

(3) المقنع: 151.

244

من الرسول المال» قال: فإن زعم أنّه حمله على ذلك الحاجة؟ قال: «يقطع لأنّه سرق مال الرجل» (1).

و الجواب: أنّه محمول على ما إذا اعتاد ذلك، فإنّ للإمام أن يعزّره و يؤدّبه بما يراه رادعا له و لغيره، فجاز أن يكون للإمام أن يقطعه، جمعا بين الأدلّة.

مسألة 95: قال الصدوق في (المقنع): العبد إذا أبق من مواليه ثمَّ سرق

لم يقطع و هو آبق، لأنّه مرتدّ عن الإسلام، و لكن يدعى إلى الرجوع إلى مواليه و الدخول في الإسلام، فإن أبى أن يرجع إلى مواليه، قطعت يده في السرقة ثمَّ قتل، و المرتدّ إذا سرق بمنزلته (2).

و قال في كتاب (من لا يحضره الفقيه): العبد الآبق إذا سرق لم يقطع، و كذلك المرتدّ إذا سرق، و لكن يدعى العبد إلى الرجوع إلى مواليه، و المرتدّ يدعى إلى الدخول في الإسلام، فإن أبي واحد منهما، قطعت يده في السرقة ثمَّ قتل (3).

و قال ابن الجنيد: إن سرق العبد و هو آبق، لم يقطع في إباقه، و كذلك روي عن أبي عبد الله (عليه السلام).

و المشهور: وجوب القطع على المرتدّ و العبد الآبق، لعموم الآية (4).

و ما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عبدي إذا سرقني لم أقطعه، و عبدي إذا سرق غيري قطعته، و عبد الإمارة إذا سرق لم أقطعه لأنّه فيء» (5).

و عن يونس عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «المملوك إذا سرق من مواليه لم يقطع، و إذا سرق من غير مواليه قطع» (6).

____________

(1) الفقيه 4: 43/ 144.

(2) المقنع: 152.

(3) الفقيه 4: 47.

(4) المائدة: 38.

(5) الكافي 7: 237/ 20، التهذيب 10: 111/ 437.

(6) الكافي 7: 237/ 22، التهذيب 10: 111/ 438.

245

و هذه الأخبار عامّة، فلتجر على عمومها حيث لا معارض لها.

و لأنّ الآبق و المرتدّ أولى بالزجر من غيرهما.

قال الشيخ في (الخلاف): إذا سرق العبد، كان عليه القطع كالحرّ، آبقا كان أو غيره، و عليه إجماع الصحابة، و به قال الشافعي. و قال أبو حنيفة: لا قطع على الآبق بناء على أصله في القضاء على الغائب، فقال: قطع الآبق قضاء على سيّده و السيّد غائب، فلا قطع.

و استدلّ الشيخ: بالآية و الخبر.

و لأنّ عبدا لابن عمر أبق فسرق، فبعث به إلى سعيد بن العاص- و كان أمير المدينة- ليقطعه، فأبى، فقال ابن عمر: في أيّ كتاب وجدت أنّ الآبق لا يقطع؟

ثمَّ أمر به ابن عمر فقطع (1)- (2).

مسألة 96: المشهور: أنّ الأم تقطع إذا سرقت من مال الولد دون الأب.

و قال أبو الصلاح: تقطع أصابع السارق الأربع من اليد اليمنى حرّا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذمّيّا، قريبا أو أجنبيّا، إلّا سرق الوالدين من ولدهما على كلّ حال (3).

لنا: العموم. و قول أبي الصلاح لا بأس به، لأنّها أحد الأبوين، فيسقط القطع عنها كما يسقط عن الأب، لاشتراكهما في وجوب الإعظام.

مسألة 97: قال أبو الصلاح: من باع حرّة زوجة أو أجنبيّة، قطع، لفساده في الأرض،

و فرّق بين المبتاع و بينها، و إن كان قد وطأها بعد العلم بحالها، حدّ حدّ الزاني، و حدّت إن طاوعته، و إن غصبها نفسها، فلا شيء عليها و لا يرجع على بائعها بشيء، بل يؤخذ منه الثمن و يسلّم إلى المغلوبة على نفسها يتصدّق به عن

____________

(1) الموطّأ 2: 833/ 26.

(2) الخلاف 5: 431- 432، المسألة 26.

(3) الكافي في الفقه: 411.

246

المطاوعة، و إن لم يعلم بحالها، فلا شيء عليه، و يرجع على البائع بما أخذه، فيعطى المغلوبة، و يتصدّق به على المطاوعة (1).

و الوجه: أنّ المشتري إن كان عالما، فهو كالمشتري من الغاصب العالم، و قد تقدّم أنّه هل يرجع بالثمن مع وجوده أم لا؟ قولان، أمّا مع عدم الثمن: فلا رجوع له قطعا، و كذا ينبغي أن يكون الحكم هنا، لأنّه قد أباحه إتلافه بغير عوض، و أمّا الوطء: فيحدّ به و تحدّ هي أيضا إن طاوعته و كانت عالمة بالتحريم، و لا مهر لها، و إن غصبها، فلا حدّ عليها، و لها مهر المثل على الواطئ، و لا يرجع على بائعها بشيء على ما تقدّم تفصيله، و لا يؤخذ منه الثمن و يسلّم إلى المغلوبة على نفسها ليتصدّق به على المطاوعة، بل لها مهر المثل عليه.

و إن كان المشتري جاهلا، فلا حدّ عليه، و يرجع على البائع بالثمن الذي دفعه، و للمرأة عليه مع الإكراه أو الجهل المهر.

مسألة 98: المشهور: أنّه لا قطع على من سرق من المساجد و الأسواق.

و قال ابن أبي عقيل: يقطع السارق من أيّ موضع سرق من بيت كان أو سوق أو مسجد أو غير ذلك.

قال: و قد جاء عنهم (عليهم السلام) «أنّ صفوان بن أميّة كان مضطجعا في المسجد الحرام فوضع رداءه و خرج ليهريق الماء، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي؟ فانطلق فوجد صاحبه فرفعه إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اقطعوا يده، فقال صفوان:

من أجل ردائي يا رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: فأنا أهبه له، فقال (عليه السلام):

هلّا كان هذا قبل أن ترفعه إليّ» (2).

فإن قصد ابن أبي عقيل أنّه يقطع بالسرقة من الأسواق و المساجد مع الإحراز أو المراعاة، صحّ، و إلّا كان في موضع المنع.

____________

(1) الكافي في الفقه: 412.

(2) الكافي 7: 251/ 2، التهذيب 10: 123/ 494، الاستبصار 4: 251/ 952.

247

مسألة 99: قال الشيخ في (النهاية): من سرق شيئا من كمّ إنسان أو جيبه و كانا باطنين،

وجب عليه القطع، فإن كانا ظاهرين، لم يجب (1). و كذا قال المفيد في (المقنعة) (2).

و في (الخلاف): من سرق من جيب غيره و كان باطنا بأن يكون فوقه قميص آخر، أو من كمّه و كان كذلك، كان عليه القطع، و إن سرق من الكمّ الأعلى و الجيب الأعلى، فلا قطع عليه، سواء شدّه في الكمّ من داخل أو من خارج (3).

و قال في (المبسوط): جيب الإنسان إن كان باطنا، فهو حرز لما فيه، و كذلك الكمّ عندنا، و إن كان ظاهرا فليس بحرز. و قال قوم: الجيب حرز لما يوضع فيه في العادة. و لم يفصّلوا. و إن شدّة في كمّه كالصرّة، ففيه القطع عند قوم، سواء جعله في جوف كمّه و شدّه كالصرّة من خارج الكمّ، أو شدّه من داخل حتى صارت الصرّة في جوف كمّه. و قال قوم: إن جعلها في جوف الكمّ و شدّها من خارج، فعليه القطع، و إن جعلها من خارج و شدّها من داخل، فلا قطع. و هو الذي يقتضيه مذهبنا (4).

و قال ابن حمزة: إن طرّ جيب القميص الداخل و ذهب بالمال، كان سارقا، و إن طرّ جيب القميص الخارج و أخذ المال أو من الكمّ الخارج و لم يكن صاحب القميص اضطبعه، لم يكن سارقا و إن اضطبعه، كان سارقا (5).

و المشهور: الأول، لما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام)، قال: «اتي أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) بطرّار قد طرّ دراهم من كمّ رجل، فقال: إن كان طرّ من قميصه الأعلى لم أقطعه، و إن كان طرّ من قميصه الداخل قطعته» (6).

____________

(1) النهاية: 718.

(2) المقنعة: 803.

(3) الخلاف 5: 451، المسألة 51.

(4) المبسوط 8: 45.

(5) الوسيلة: 419.

(6) الكافي 7: 226/ 5، التهذيب 10: 115/ 455، الاستبصار 4: 244/ 922.

248

و عن مسمع أبي سيار عن الصادق (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) اتي بطرّار قد طرّ من رجل من ردائه دراهم، فقال: إن كان طرّ من قميصه الأعلى لم نقطع، و إن كان طرّ من قميصه الأسفل قطعناه» (1).

مسألة 100: قال المفيد (رحمه الله): و لا يقطع السارق من الحمّامات و الخانات و المساجد،

لأنّها ليست بإحراز إلّا أن يكون الشيء محرزا في الحمّام و الخان و المسجد بشدّ أو قفل أو دفن، فيقطع إن كان قدر ربع دينار (2).

فإن أراد بالشدّ وضعه في كارة و شدّه فيها مع المراعاة، كان كقول الشيخ من أنّ المراعاة بالعين حرز، لكن لا حاجة إلى الشدّ، لأنّه لو راعاه و كان ظاهرا من غير شدّ، وجب القطع عند الشيخ، و إن عنى بالشدّ شدّه على وسطه أو في بعض أعضائه، كيده أو رجله من دون المراعاة، فلا قطع، و بالجملة فهذا اللفظ مشكل.

و قال ابن الجنيد: و كذلك لا يقطع في الحمّامات و الخانات إلّا أن يكون على الثياب حافظ أو يكون المسروق قد أحرزها في وعاء أو جعلها حيث يمتنع على الآخذ لها.

مسألة 101: قال ابن الجنيد: لو سرق من المشرك خمرا،

حكم له بقيمة الخمر خلّا على المسلم إذا سرقها و استهلكها، و على الذمّي أيضا بالقيمة إن سرق مسلما ذلك، و ينهك ضربا، لدخوله حرز المسلم بغير إذنه.

و الوجه: أنّ المسلم إذا سرق الخمر من ذمّي مستتر بها و أتلفها، وجب عليه قيمتها عند مستحلّيها، و لا ينحصر في الخلّ، بل يقوّم بالذهب و الفضّة.

و أمّا الذمّي إذا سرق الخمر من المسلم، فلا شيء عليه، لأنّه لا قيمة له عنده، فلا مطالبة له بشيء.

____________

(1) الكافي 7: 236/ 8، التهذيب 10: 115/ 456، الاستبصار 4: 244/ 923.

(2) 3: المقنعة: 804.

249

نعم لو أمسكها للتخليل، وجب عليه إعادتها مع بقائها، فإن أتلفها، فلا شيء عليه.

مسألة 102: قال الشيخ في (النهاية): و من سرق حرّا فباعه،

وجب عليه القطع، لأنّه من المفسدين في الأرض (1).

و قال في (الخلاف): إذا سرق عبدا صغيرا لا يعقل أنّه لا ينبغي أن يقبل إلّا من سيّده، وجب عليه القطع، و إن سرق حرّا صغيرا، فلا قطع عليه، و به قال أبو حنيفة و الشافعي.

و قال مالك: عليه القطع. و قد روى ذلك أصحابنا.

دليلنا: إجماع الفرقة على أنّ القطع لا يجب إلّا في ربع دينار فصاعدا، و الحرّ لا قيمة له بحال (2).

و قال في (المبسوط): إن سرق حرّا صغيرا، روى أصحابنا أنّ عليه القطع، و به قال قوم. و قال أكثرهم: لا يقطع.

و نصرة الأوّل: قوله تعالى وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (3) و لم يفرّق (4).

و المشهور: الأوّل، لأنّ وجوب القطع في سرقة المال إنّما كان لصيانته و حراسته، و حراسة النفس أولى، فوجوب القطع فيه أولى، لا من حيث إنّه سارق مال، بل من حيث إنّه من المفسدين.

مسألة 103: قال الشيخ في (الخلاف): إذا كانت يمينه ناقصة الأصابع و لم يبق إلّا واحدة،

قطعت بلا خلاف، و إن لم تبق إصبع، قطع الكف، و إن كانت شلّاء،

____________

(1) النهاية: 722.

(2) الخلاف 5: 427 و 428، المسألتان 18 و 19.

(3) المائدة: 38.

(4) المبسوط 8: 31.

250

روى أصحابنا أنّها تقطع، و لم يفصّلوا.

و للشافعي قولان: الأظهر مثل ما قلناه، و في أصحابه من قال: لا تقطع، لأنّه لا منفعة فيها و لإكمال و لا جمال، و إن كانت شلّاء، رجع إلى أهل المعرفة بالطبّ، فإن قالوا: إذا قطعت اندملت، قطعت، و إن قالوا: تبقى أفواه العروق مفتّحة، لم تقطع.

دليلنا: قوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1) أراد إيمانهما بلا خلاف و لم يفصّل، و الخبر مثل ذلك، و إجماع الفرقة على ما قلناه دليل في هذه المسألة (2).

و قال في (المبسوط): إذا سرق و له يمين كاملة أو ناقصة قد ذهبت أصابعها إلّا واحدة، قطعنا يمينه الكاملة أو الناقصة، للآية و الخبر، و إن لم يكن فيها إصبع و إنّما بقي منها الكفّ وحدها، أو بعض الكفّ، قال قوم: تقطع. و قال آخرون: لا تقطع، و تكون كالمعدومة، فيتحوّل القطع إلى رجله اليسرى، لأنّه لا منفعة فيما بقي و لا جمال، و من قال: تقطع، للآية و الخبر. و عندنا لا تقطع، لأنّ القطع عندنا لا يتعلّق إلّا بالأصابع، فمن ليس له أصابع لم يجب قطع غيرها إلّا بدليل (3).

و هو المعتمد، لما ذكره (رحمه الله)، و احتجاجه في (الخلاف) بالآية و الخبر مدفوع بما قاله في (المبسوط).

مسألة 104: قد نقلنا فيما تقدّم (4) عن الشيخ ابن الجنيد- (رحمه الله)- أنّ السارق لو سرق و كانت يده اليسرى مقطوعة في قصاص أو شلّاء،

لم تقطع يمينه، و حبس.

____________

(1) المائدة: 38.

(2) الخلاف 5: 441- 442، المسألة 37.

(3) المبسوط 8: 38.

(4) تقدم تحت عنوان «تذنيب» ذيل المسألة 93.

251

و قال الشيخ في (المبسوط) و (الخلاف): تقطع يمينه، و استدلّ بالظواهر كلّها و لم يفرّق فيها (1).

و احتجّ ابن الجنيد: بما رواه المفضل بن صالح عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا سرق الرجل و يده اليسرى شلّاء لم تقطع يمينه و لا رجله» (2).

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: لو أنّ رجلا قطعت يده اليسرى في قصاص فسرق، ما يصنع به؟

قال: فقال: «لا تقطع» (3).

و الجواب: المنع من صحّة سند الأول، فإنّه مرسل.

و عن الثاني: باحتمال إظهار التوبة منه، جمعا بين الأدلّة.

مسألة 105: قال الشيخ في (الخلاف): إذا قامت عليه البيّنة بأنّه سرق نصابا من حرز لغائب

و ليس للغائب وكيل بذلك، لم يقطع حتى يحضر الغائب، و كذلك إن قامت عليه البيّنة بأنّه زنى بأمة غائب، لم يقم عليه الحدّ حتى يحضر، فإن أقرّ بالسرقة أو بالزنا، أقيم عليه الحدّ فيهما.

و استدلّ: بأنّه يجوز أن يكون الغائب أباح له العين المسروقة، أو ملّكه إيّاها، أو وقفها عليه، أو كانت ملكا للسارق عنده غصب من أبيه، أو وديعة، أو غير ذلك، أو أباح له وطء الأمة، أو متعه بها، و إذا احتمل ذلك لم يقطع و لم يحدّ، للشبهة، فأمّا مع الإقرار: فإنّه يقام عليه الحدّ و القطع، لأنّه يثبت عليه الحدّ و القطع بإقراره، و هما [من] (4) حقوق اللّه، فلا يقف على حضور الغائب، و الظاهر يوجب قطعه و إقامة الحدّ عليه، و هو قوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (5) و قوله:

____________

(1) المبسوط 8: 39، الخلاف 5: 442، المسألة 38.

(2) التهذيب 10: 108/ 420، الاستبصار 4: 242/ 916.

(3) التهذيب 10: 108/ 421، الاستبصار 4: 242/ 917.

(4) أضفناها من المصدر.

(5) المائدة: 38.

252

فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (1)- (2) و قوّاه في (المبسوط) (3) أيضا.

و قال ابن إدريس: الحقوق ثلاثة: حقّ لله تعالى محض، كالزنا و الشرب، و يقيمه الإمام من غير مطالبة آدمي، و حقّ لآدمي محض، و لا يطالب به الإمام إلّا بعد مطالبتهم إيّاه باستيفائه، و حقّ لله تعالى، و يتعلّق به حقّ آدمي، كحدّ السارق، فلا يطالب به الإمام و لا يستوفيه إلّا بعد المطالبة من الآدمي، فعلى هذا التحرير لو قامت البيّنة عليه بأنّه سرق نصابا من حرز لغائب و ليس للغائب وكيل يطالب بذلك، لم يقطع حتى يحضر الغائب و يطالب، فأمّا إن قامت عليه البيّنة أو أقرّ بأنّه قد زنى بأمة غائب، فإنّ الحاكم يقيم عليه الحدّ، و لا ينتظر مطالبة آدمي، لأنّه حقّ محض لله تعالى، و لهذا قال الشيخ في (الخلاف): لو سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة أو شراء، لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها بعد أن ترافعا إلى الحاكم أو قبله، بل إن ملكها قبل الترافع لم يقطع، لا لأنّ القطع سقط، لكن لأنّه لا مطالب له بها، و لا قطع بغير مطالبة بالسرقة، و نعم ما قال (4).

و المعتمد: أنّ الزنا و السرقة أن ثبتا بالبيّنة، فالوجه ما قاله الشيخ، للتجويز الذي ذكره إن ادّعى في الأمة التحليل أو الاتّهاب، و إلّا فلا. و بالجملة فإنّ الشبهة حاصلة، و هي دارئة للحدود.

و إن ثبتا بالإقرار، حدّ في الزنا، و لم يقطع في السرقة، لأنّه لا مطالب بها، و لا حدّ في السرقة إلّا بعد المطالبة، و هو اختيار ابن إدريس أيضا.

مسألة 106: قال الشيخ في (الخلاف) و (المبسوط): من سرق باب دار رجل،

قلعه و أخذه، أو هدم من حائطه آجرا و بلغ قيمته نصابا، كان عليه القطع، لعموم

____________

(1) النور: 24.

(2) الخلاف 5: 445- 446، المسألة 42.

(3) المبسوط 8: 41.

(4) السرائر 3: 495.

253

الآية و الخبر. و كذا يقطع لو قلع حلقة الباب المسمرة فيه، لأنّ حرزها ذلك (1).

و تبعه ابن البرّاج (2).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول مذهبنا أنّه لا قطع على من أخذ ذلك بحال، لأنّ الحرز عندنا القفل و الغلق و الدفن، و ليست هذه الأشياء في حرز، و الأصل براءة الذمّة، و لا إجماع من علمائنا عليه، بل ما ذهب منهم سوى شيخنا أبي جعفر و من تابعه، و لم يرد عن الأئمّة (عليهم السلام) أخبار لا آحاد و لا متواترة (3).

و ما قاله ابن إدريس لا بأس به.

مسألة 107: قال الشيخ في (المبسوط)- و تبعه ابن البرّاج (4)-: بأنّ باب الدار متى نصب و دار في مكانه فهو في حرز،

سواء كان مغلقا أو مفتوحا، و أمّا أبواب الخزائن التي فيها، فهي كالمتاع في الدار، فإن كانت هذه الأبواب مغلقة، فهي في حرز، و إن كانت غير مغلقة، فإن كان باب الدار مفتوحا، فهي في غير حرز، و إن كان باب الدار مغلقا، فهي في حرز (5).

و الوجه: أن نقول: نصب الباب إن كان إحرازا، كانت أبواب الخزائن المنصوبة في حرز و إن لم تكن مغلقة و لا كان باب الدار مغلقا، كباب الدار، بل هذا أولى للتخطّي في الدار مع المنع منه، و إن لم يكن إحرازا، لم يكن نصب الباب على الدار إحرازا.

مسألة 108: قال الشيخان: إذا سرق ثانيا بعد قطع يمينه،

قطعت رجله اليسرى من أصل الساق.

____________

(1) الخلاف 5: 452، المسألة 53، المبسوط 8: 25.

(2) المهذّب 2: 538.

(3) السرائر 3: 501.

(4) المهذّب 2: 538.

(5) المبسوط 8: 25.

254

قال في (النهاية): و يترك عقبه ليعتمد عليها في الصلاة (1).

و قال في (المقنعة) عقيب قوله: من أصل الساق: و ترك له مؤخّر القدم ليعتمد عليه عند قيامه في الصلاة (2).

و قال السيّد المرتضى: و في الرّجل تقطع من صدر القدم و يبقى له العقب.

و خالف فيه باقي الفقهاء، فذهبوا إلى أنّه تقطع الرّجل من المفصل من غير تبقية قدم (3).

و قال سلّار: تقطع رجله اليسرى من أصل الساق و يترك له القدم (4)- (5).

و هذه عبارة رديئة.

و قال أبو الصلاح: فإن سرق ثانية، قطع مشط رجله اليسرى من المفصل دون مؤخّر القدم و العقب (6).

و قال ابن حمزة: و يلزم قطع رجله اليسرى من الناتئ في ظهر القدم، و يترك العقب (7).

و قال الشيخ في (المبسوط) و (الخلاف): القطع عندنا في الرّجل من عند معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم، و يترك له ما يمشي عليه، و عندهم المفصل الذي بين الساق و القدم (8).

و في رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (9)، و إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام) (10): «تقطع رجله و يترك عقبه يمشي عليها».

و في رواية سماعة عن الصادق (عليه السلام): «فإن عاد قطعت رجله من

____________

(1) النهاية: 717.

(2) المقنعة: 802.

(3) الانتصار: 262.

(4) كذا، و في المصدر: العقب، بدل القدم.

(5) المراسم: 259.

(6) الكافي في الفقه: 411.

(7) الوسيلة: 420.

(8) المبسوط 8: 35، الخلاف 5: 437- 438، المسألة 31.

(9) الكافي 7: 222/ 2، التهذيب 10: 102/ 398.

(10): الكافي 7: 224/ 13، التهذيب 10: 102- 103/ 399.

255

وسط القدم» (1).

و في رواية عبد اللّه بن هلال عن الصادق (عليه السلام): «إنّما تقطع الرّجل من الكعب و يترك له من قدمه ما يقوم و يصلّي و يعبد ربّه» (2).

و رواية إسحاق أوضح طريقا، فليعمل عليها.

مسألة 109: قال الشيخ في (المبسوط): إذا وجب قطع يمين السارق فأخرج إلى القاطع يساره فقطعها،

قال قوم: إن قطعها مع العلم بأنّها يساره و أنّه لا يجوز قطعها مكان يمينه، لم يسقط قطع يمينه، و يقاد منه، و إن قال القاطع: دهشت و ما علمت أنّها يساره، أو علمت أنّها يساره و ظننت أنّ قطعها يقوم مقام اليمين، فلا قود، و تقطع يمين السارق. و قال قوم: لا تقطع. و الأول أقوى، لأنّ يساره ذهبت بعد وجوب القطع في يمينه كما لو ذهبت قصاصا (3).

و قال ابن الجنيد: و من أريد قطع يمينه فقدّم شماله فحسبوها يمينه فقطعت، فقد روي أنّ أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، قال: «لا تقطع يمينه، قد مضى الحكم».

و قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): إذا أمر الإمام بقطع يمين السارق فتقطع يساره بالغلط، فلا تقطع يمينه إذا قطعت يساره (4). و هو الأقوى.

لنا: أنّه قطع مساوي اليمين، فيسقط القطع، لاستيفاء مساوي الحقّ منه.

و ما رواه محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أمر به أن تقطع يمينه فقدّمت شماله فقطعوها و حسبوها يمينه، و قالوا: إنّما قطعنا شماله أ تقطع يمينه؟ فقال: لا تقطع و قد قطعت شماله» (5).

____________

(1) الكافي 7: 223/ 8، التهذيب 10: 103/ 400.

(2) التهذيب 10: 103/ 401.

(3) المبسوط 8: 39.

(4) الفقيه 4: 45.

(5) الكافي 7: 223/ 7، التهذيب 10: 104/ 406.

256

و الجواب عمّا ذكره الشيخ في (المبسوط): بالفرق، فإنّ قطع اليسار في القصاص ليس استيفاء لحقّ السرقة و لا لمساويه، فيبقى في عهدة الاستحقاق، بخلاف قطعها في السرقة.

مسألة 110: قال الشيخ في (النهاية): المحارب هو الذي يجرّد السلاح،

و يكون من أهل الريبة في مصر أو غير مصر، في بلاد الشرك كان أو في بلاد الإسلام، ليلا كان أو نهارا، فمتى فعل ذلك كان محاربا، و يجب عليه إن قتل و لم يأخذ المال أن يقتل على كلّ حال، و ليس لأولياء الدم العفو عنه، فإن عفوا عنه، وجب على الإمام قتله، لأنّه محارب، و إن قتل و أخذ المال، وجب عليه أوّلا أن يردّ المال، ثمَّ يقطع بالسرقة، ثمَّ يقتل بعد ذلك و يصلب، و إن أخذ المال و لم يقتل و لم يجرح، قطع ثمَّ نفي عن البلد، و إن جرح و لم يأخذ المال و لم يقتل، وجب ان يقتصّ منه، ثمَّ ينفى بعد ذلك من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل إلى غيره، و كذلك إن لم يجرح و لم يأخذ المال، وجب عليه أن ينفى من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل إلى غيره، ثمَّ يكتب إلى أهل ذلك المصر بأنّه منفي محارب، فلا يؤاكلوه و لا يشاربوه و لا يبايعوه و لا يجالسوه، فإن انتقل إلى غير ذلك من البلدان كوتب أيضا أهلها بمثل ذلك، فلا يزال يفعل به ذلك حتى يتوب، فإن قصد بلاد الشرك، لم يمكّن من الدخول فيها، و قوتلوا على تمكينهم من دخولها (1).

و تبعه ابن البرّاج (2).

و نحوه قال في (الخلاف) و هو: أنّه إذا شهر السلاح و أخاف السبيل بقطع الطريق، كان حكمه متى ظفر به الإمام التعزير، و تعزيره أن ينفيه من البلد، و إن قتل و لم يأخذ المال، قتل، و القتل متحتّم عليه لا يجوز العفو عنه، و إن قتل و أخذ المال، قتل و صلب، و إن أخذ المال و لم يقتل، قطعت يده و رجله من خلاف، و ينفى من الأرض متى ارتكب شيئا من هذا، و يتبعهم أينما حلّوا كان في طلبهم،

____________

(1) النهاية: 720.

(2) المهذّب 2: 553.

257

فإذا قدر عليهم، أقام عليهم هذه الحدود (1). و كذا في (المبسوط) (2).

و قال المفيد: و أهل الدعارة إذا جرّدوا السلاح في دار الإسلام و أخذوا الأموال، كان الإمام مخيّرا فيهم: إن شاء قتلهم بالسيف، و إن شاء صلبهم حتى يموتوا، و إن شاء قطع أيديهم و أرجلهم من خلاف، و إن شاء نفاهم من المصر إلى غيره، و وكّل بهم من ينفيهم عنه إلى ما سواه حتى لا يستقرّ بهم مكان إلّا و هم منفيّون عنه مبعدون إلى أن يظهر منهم التوبة و الصلاح، فإن قتلوا النفوس مع إشهارهم السلاح، وجب قتلهم على كلّ حال بالسيف أو الصلب حتى يموتوا، و لم يتركوا على وجه الأرض أحياء (3).

و الخلاف بين الشيخين في موضعين:

الأوّل: التخيير و الترتيب، فالمفيد قال بالأول، و الشيخ قال بالثاني.

الثاني: الصلب يكون بعد القتل عند الشيخ، و كلام المفيد يعطي أنّه يصلب حيّا.

و قال ابن الجنيد: و الآية على الترتيب، فمن قتل قتل أو فعل به ما يكون مؤدّيا له إلى تلف نفسه، مثل: أن يقطع و لا يحسم، أو يصلب و لا ينزل به حتى يموت.

و قد روى عبد اللّه بن طلحة عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)، أنّه قال:

«يحكم على المحارب بقدر ما يعمل، و ينفى بحمل في البحر ثمَّ يقذف به حتى يكون حدّا يوافق القطع و الصلب» (4).

و ليس للوالي أن يفعل به ما لا يؤدّي إلى تلف نفسه إذا قتل، لأنّ اللّه عزّ و جلّ قد حكم على القاتل بالقود، و إن أخذ المال و لم يقتل، قطع، و كان التخيير بعد ذلك إلى الوالي، ليس أن يكون له أن يتخيّر إزالة حكم قد ثبت بآية أخرى، و لو قطع ثمَّ قتل من أخذ المال و قتل كان جائزا إذا كان المقتول غير المأخوذ ماله،

____________

(1) الخلاف 5: 458، المسألة 2.

(2) المبسوط 8: 47- 48.

(3) المقنعة: 804- 805.

(4) الكافي 7: 247/ 10 نحوه.

258

فإن كان فعله للحالين برجل واحد، كان الإمام مخيّرا أن يفعل ذلك به، فإن شاء قتله و دخل الحدّ الأصغر في الحدّ الأكبر، و هو القتل.

و قال سلّار: المجرّد للسلاح في أرض بلاد الإسلام الساعي فيها فسادا إن شاء الإمام قتله، و إن شاء صلبه، و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف، و إن شاء نفاه من الأرض (1).

فاختار التخيير، كما ذهب إليه المفيد، و به قال ابن إدريس (2)، و هو الأقوى.

لنا: الآية (3)، فإنّ أو يقتضي التخيير.

و ما رواه جميل بن درّاج- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا إلى آخر الآية، فقلت: أيّ شيء عليهم من هذه الحدود التي سمّى اللّه؟ قال: «ذاك إلى الإمام إن شاء قطع، و إن شاء صلب، و إن شاء نفى، و إن شاء قتل» قلت: النفي إلى أين؟ قال: «ينفى من مصر إلى مصر آخر» و قال: «إنّ عليّا (عليه السلام) نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة» (4).

احتجّ الشيخ: بما رواه عبيد اللّه (5) المدائني عن الصادق (عليه السلام)، قال:

قلت له: جعلت فداك أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قال: فعقد بيده ثمَّ قال:

«يا أبا عبد اللّه (6) خذها أربعا بأربع» ثمَّ قال: «إذا حارب اللّه و رسوله و سعى في الأرض فسادا فقتل قتل، و إن قتل و أخذ المال قتل و صلب، و إن أخذ المال

____________

(1) المراسم: 251.

(2) السرائر 3: 505.

(3) المائدة: 33.

(4) الكافي 7: 245/ 3، التهذيب 10: 133/ 528، الاستبصار 4: 256/ 970.

(5) في «ب، ع» و الطبعة الحجرية: عبد اللّه. و ما أثبتناه من المصدر.

(6) في «ب، ع» و الطبعة الحجرية: يا عبد اللّه. و ما أثبتناه من المصدر.

259

و لم يقتل، قطعت يده و رجله من خلاف، و إن حارب اللّه و سعى في الأرض فسادا و لم يقتل و لم يأخذ المال، نفي من الأرض» قال: قلت: و ما حدّ نفيه؟ قال:

«سنة ينفى من الأرض التي يفعل (1) فيها إلى غيرها ثمَّ يكتب إلى ذلك المصر بأنّه منفي، فلا تؤاكلوه و لا تشاربوه و لا تناكحوه حتى يخرج إلى غيره، فيكتب إليهم أيضا بمثل ذلك، و لا يزال هذه حاله سنة، فإذا فعل به ذلك تاب و هو صاغر» (2).

و الجواب: لا منافاة بين الخبرين، فجاز أن يكون الثاني منوطا بنظر الإمام إذا أدّاه إلى هذا التفصيل كان فعله أولى من غيره.

تذنيب: إذا قتل، تحتّم القتل- قاله المفيد- إمّا الصلب أو غيره. و كذا قال ابن الجنيد، و سواء قتل مكافئا أو لا، و سواء عفا وليّ المقتول أو لا، و ليس للإمام نفيه هنا دون قتله، قاله ابن إدريس (3). و هو جيّد.

قال: و إن أخذ المال، قطع، سواء أخذ ما يجب فيه قطع السارق أو أقلّ منه، من حرز أو من غيره (4).

مسألة 111: قال الشيخ في (المبسوط) و (الخلاف): أحكام المحاربين تتعلّق بالرجال و النساء سواء

على ما فصّلناه في العقوبات، للآية، و عموم الأخبار (5).

و قال ابن الجنيد: و كذلك كلّ النساء إلّا أنّهنّ لا يقتلن.

و قال ابن إدريس: هذان الكتابان معظمهما فروع المخالفين، و هو قول بعضهم اختاره (رحمه الله)، و لم أجد لأصحابنا المصنّفين قولا في قتل النساء في المحاربة.

و الذي تقتضيه أصول مذهبنا أن لا يقتلن إلّا بدليل قاطع. فأمّا تمسّكه بالآية فضعيف، لأنّها خطاب للذكران دون الإناث. و من قال: تدخل النساء في خطاب الرجال على طريق التبع، فذلك مجاز، و الكلام في الحقائق، و المواضع

____________

(1) في «ب» و التهذيب: «فعل».

(2) التهذيب 10: 131/ 523، الاستبصار 4: 256/ 969.

(3) السرائر 3: 505- 506.

(4) السرائر 3: 506.

(5) المبسوط 8: 56، الخلاف 5: 470، المسألة 15.

260

التي دخلن في خطاب الرجال فبالإجماع (1).

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: ما رواه محمد بن مسلم- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«من شهر السلاح في مصر من الأمصار فعقر اقتصّ منه» (2) الحديث، و لفظة «من» تتناول المذكّر و المؤنّث بالحقيقة إجماعا.

و لأنّ تعليق هذه العقوبة على هذا الوصف يشعر بالعلّيّة بالمناسبة و الاقتران،.

و العلّة أينما تحقّقت ثبت معلولها، و لا عبرة بخصوصيّات الفاعلين، كالعبد و الحرّ و العالم و الجاهل.

ثمَّ إنّ ابن إدريس قال بعد ذلك: قد بيّنّا أنّ أحكام المحاربين تتعلّق بالرجال و النساء سواء على ما فصّلناه من العقوبات، للآية و لم تفرّق بين الرجال و النساء، فوجب حملها على عمومها (3).

و هذا اضطراب منه، و قلّة تأمّل، و عدم مبالاة بتناقض كلاميه.

مسألة 112: قال الشيخ في (الخلاف) و (المبسوط): إنّه يصلب [المحارب] بعد قتله

و لا يكون قبله (4).

و قال المفيد: إنّه يصلب حيّا (5). و به قال ابن إدريس (6)، للآية (7)، و الحديث الذي رواه جميل بن درّاج (8).

و الشيخ عوّل على حديث عبيد اللّه (9) المدائني، و قد سلف (10).

____________

(1) السرائر 3: 508.

(2) الكافي 7: 248/ 12، التهذيب 10: 132/ 524، الاستبصار 4: 257/ 972.

(3) السرائر 3: 510.

(4) الخلاف 5: 462، المسألة 5، المبسوط 8: 48.

(5) المقنعة: 804.

(6) السرائر 3: 508.

(7) المائدة: 33.

(8) التهذيب 10: 133/ 528، الاستبصار 4: 256/ 970.

(9) في «ب، ع» و الطبعة الحجرية: عبد اللّه. و ما أثبتناه من المصدر.

(10) سلف في المسألة 110.

261

قال ابن إدريس: قال شيخنا المفيد: يصلب حيّا و ينزل من خشبته بعد ثلاثة أيّام و يغسّل و يكفّن و يحنّط و يصلّى عليه، لأنّه قتل حدّا لا قودا. و شيخنا أبو جعفر قال في (مبسوطه) على ما قدّمناه: قتله قودا. فكان يلزمه أن يؤمر أوّلا بالاغتسال و التكفين ثمَّ يصلب، و هو لا يرى غسله إلّا بعد نزوله من خشبته.

قال: و الصحيح ما ذهب إليه شيخنا المفيد من التخيير (1)، و قد سبق (2).

مسألة 113: قال الشيخ في (الخلاف): إذا قتل (3) المحارب ولدا أو عبدا،

أو كان مسلما قتل ذمّيّا، فإنّه يقتل.

و للشافعي قولان: أحدهما مثل ما قلناه، و الثاني- و هو أصحّهما عندهم-:

لا يقتل.

دليلنا: قوله تعالى أَنْ يُقَتَّلُوا (4) و قد بيّنّا أنّ معناه أن يقتلوا إن قتلوا، و لم يفصّل، و تخصيصه يحتاج إلى دليل.

و القول الثاني قويّ أيضا، لقوله (عليه السلام): (لا يقتل والد بولده (5)، و لا يقتل مؤمن بكافر) (6) إلّا أنّ المحارب يتحتّم عليه القتل، لكونه محاربا.

ألا ترى أنّه لو عفا الوليّ عنه وجب قتله، فلا يمتنع على هذا أن يجب قتله و إن كان قتل ولده أو ذمّيّا، لكونه محاربا (7).

و هذا يدلّ على تردّده.

لكنّ الأقوى الأول- قال في (المبسوط): و الأوّل يقتضيه عموم الأخبار (8)-

____________

(1) السرائر 3: 508.

(2) سبق في المسألة 110.

(3) في «ب، ع» و الطبعة الحجرية: كان، بدل قتل. و ما أثبتناه من المصدر.

(4) المائدة: 33.

(5) سنن البيهقي 8: 39، مسند أحمد 1: 49، سنن الدار قطني 3: 141/ 180.

(6) سنن ابن ماجه 2: 888/ 2660، سنن البيهقي 8: 29، مصنّف عبد الرزّاق 10: 99/ 18507، مسند أحمد 2: 180 و 194 و 275، المستدرك- للحاكم- 2: 141، شرح معاني الآثار 3: 192.

(7) الخلاف 5: 463- 464، المسألة 6.

(8) المبسوط 8: 49.

262

و به قال ابن إدريس (1)، و قد تقدّم.

مسألة 114: قال الشيخ في (الخلاف): قد بيّنّا أنّ المحارب إذا أخذ المال، قطع،

و لا يجب قطعه حتى يأخذ نصابا يجب فيه القطع في السرقة.

و للشافعي قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، و عليه عامّة أصحابه.

و قال بعضهم: يقطع في قليل المال و كثيره، و هو قويّ أيضا، لأنّ الأخبار وردت أنّه إذا أخذ المال، وجب قطعه، و لم يقيّدوه، فوجب حملها على عمومها.

و دليلنا أنّ ما اعتبرناه مجمع على وجوب القطع به، و ما قالوه ليس عليه دليل.

و أيضا قوله (عليه السلام): (القطع في ربع دينار) (2)- (3).

و قال ابن إدريس: لا يعتبر النصاب، بل يقطع في الأقلّ، و لا يعتبر الحرز أيضا (4). و هو الذي قوّاه الشيخ في (المبسوط) (5) و هو المعتمد.

لنا: أنّ حكم المحاربة مغاير لحكم السرقة، و تجب فيه أحكام لا تجب في السرقة، فيتّبع فيها النصوص الدالّة على أحكامها من غير التفات إلى أحكام السرقة.

مسألة 115: قال الشيخ في (الخلاف): و إذا جرح المحارب جرحا يجب فيه القصاص في غير المحاربة،

مثل قطع اليد أو الرّجل، أو قلع العين أو غير ذلك، وجب عليه القصاص بلا خلاف و لا يتحتّم، بل للمجروح العفو، و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر: أنّه يتحتّم.

____________

(1) السرائر 3: 506.

(2) صحيح مسلم 3: 1312/ 1684، سنن ابن ماجه 2: 862/ 2585، سنن النسائي 8: 78، سنن الدار قطني 3: 189- 190/ 315- 317، سنن البيهقي 8: 254، بتفاوت يسير.

(3) الخلاف 5: 464، المسألة 7.

(4) السرائر 3: 506.

(5) المبسوط 8: 49.

263

دليلنا: أنّ الأصل جواز العفو، و الحتامة يحتاج إلى دليل (1).

و قال في (المبسوط): إن كان الجرح دون النفس، نظرت، فإن كان ممّا لا يوجب القود في غير المحاربة، لم يجب به في المحاربة، و إن كان ممّا يوجب القصاص في غير المحاربة- كاليد و الرّجل و الاذن و العين- وجب القصاص في المحاربة، لكن هل يتحتّم أم لا؟ قال قوم: لا يتحتّم. و قال آخرون: يتحتّم. و هو الأقوى (2).

و ما ذكره في (المبسوط) أقوى.

لنا: أنّه يتحتّم القتل، فكذا الجرح، حسما لمادّة الفساد، و مجازاة له على فعله بمثله.

____________

(1) الخلاف 5: 466، المسألة 10.

(2) المبسوط 8: 51.

264

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

265

الفصل الرابع: في حدّ الفرية

مسألة 116: قال الشيخ في (النهاية): إذا قال لغيره: يا ابن الزانية،

أو:

يا ابن الزاني، أو: قد زنت بك أمّك، أو: ولدت من الزنا، وجب أيضا عليه الحدّ، و كان المطالبة في ذلك إلى امّه، فإن عفت عنه، جاز عفوها، و لا يجوز عفو غيرها (1). و تبعه ابن البرّاج (2).

و هذا حقّ في قوله: يا ابن الزانية، أو: زنت بك أمّك، أمّا قوله: يا ابن الزاني، فإنّ الحدّ لأبيه، و قد ذكره الشيخ (3) بعد ذلك بقليل. بقي قوله: ولدت من الزنا.

قال ابن إدريس: هذا غير واضح، لاحتمال أن يكون الزاني هي الأمّ أو الأب، و إذا كان مشتركا، لم تختص المطالبة بالأمّ (4).

و هذا الاحتمال الذي ذكره ابن إدريس حسن.

لكن ذكره شيخنا المفيد (رحمه الله)، قال: و قول الرجل لغيره: يا ولد زنا، مثل

____________

(1) النهاية: 723.

(2) المهذّب 2: 547.

(3) النهاية: 723- 724.

(4) السرائر 3: 517- 518.

266

قوله: زنت بك أمّك، في القذف سواء (1).

و هو يؤيّد ما ذكره الشيخ، و كأنّ الظاهر في العرف ذلك، فلهذا اختصّت المطالبة بالأمّ.

و لأنّ أصل الولادة من الامّ، و هي مستندة إليها، فاختصّت بالإضافة، و لهذا فإنّه لو قال: ولدتك أمّك من الزنا، كان قذفا لها، و قد صرّح به ابن إدريس (2) مع قيام الاحتمال المذكور.

مسألة 117: قال الشيخ في (النهاية): فإن قال له: ابنك زان، أو لائط، أو بنتك زانية، أو قد زنت،

كان عليه الحدّ، و للمقذوف المطالبة بإقامة الحدّ عليه، سواء كان ابنه أو بنته، حيّين أو ميّتين، و كان إليه أيضا العفو إلّا أن يسبقه الابن أو البنت إلى العفو، فإن سبقا إلى ذلك، كان عفوهما جائزا (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و قال المفيد: فإن قذف ابنته، كان الحقّ له، سواء كانت البنت حيّة أو ميّتة، إلّا أن تسبقه بالعفو عنه و هي مالكة لأمرها بالبلوغ و كمال العقل، فلا يكون له عليه حقّ في حدّه (5).

و قال ابن إدريس: الذي يقتضيه المذهب أنّهما إن كانا حيّين غير مولّى عليهما، فالحقّ لهما و هما المطالبان به، و لا يجوز لأحد العفو عنه دونهما، و لهما العفو عنه، لأنّ حدّ القذف حقّ من حقوق الآدميين يستحقه صاحبه المقذوف به دون غيره (6).

و الوجه: ما قاله ابن إدريس.

____________

(1) المقنعة: 794.

(2) السرائر 3: 518.

(3) النهاية: 724.

(4) المهذّب 2: 547.

(5) المقنعة: 794.

(6) السرائر 3: 518- 519.

267

احتجّ الشيخ: بأنّ العار هنا لا حق للأب، فكان له المطالبة بالحدّ.

و الجواب: المنع من الملازمة.

مسألة 118: قال الشيخ في (النهاية): من أقيم عليه الحدّ في القذف ثلاث مرّات،

قتل في الرابعة (1).

و نقله ابن إدريس، و قال: الصحيح أنّه يقتل في الثالثة، و هو اختيار شيخنا أبي جعفر في (استبصاره) (2).

و الوجه: الأول، و قد تقدّم (3) البحث في ذلك في الزنا.

مسألة 119: قال الشيخ في (النهاية): إذا قال لمسلم: أمّك زانية، أو: يا ابن الزانية، و كانت امّه كافرة أو أمة،

كان عليه الحدّ تامّا، لحرمة ولدها المسلم الحرّ (4). و تبعه ابن البرّاج (5)، و هو قول ابن الجنيد.

و قال ابن إدريس: الأصل مراعاة التكافؤ للقاذف أو علوّ المقذوف (6).

و هو حسن، لأصالة البراءة، و المنع من كون الولد مسلما يقتضي إيجاب الحدّ.

و الشيخ عوّل على ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق (عليه السلام)، قال: النصرانية و اليهودية تكون تحت المسلم فيقذف ابنها، [قال:

«يضرب حدّا] (7) لأنّ المسلم قد حصنها» (8).

و لا بأس بالعمل بهذه الرواية، فإنّها واضحة الطريق.

____________

(1) النهاية: 725.

(2) السرائر 3: 519.

(3) تقدّم في المسألة 12.

(4) النهاية: 725.

(5) المهذّب 2: 548.

(6) السرائر 3: 520.

(7) في «ب، ع» و الطبعة الحجرية: فيضرب القاذف. و ما أثبتناه من المصدر.

(8) التهذيب 10: 67/ 248.

268

مسألة 120: قال الشيخ في (النهاية): إذا قال لغيره: قد زنيت بفلانة، و كانت المرأة ممّن يجب لها الحدّ كاملا،

وجب عليه حدّان: حدّ للرجل، و حدّ للمرأة، و كذلك إن قال: لطت بفلان، كان عليه حدّان: حدّ للمواجه، و حدّ لمن نسبه إليه (1). و تبعه ابن البرّاج (2)، و هو قول شيخنا المفيد و أبي الصلاح (3).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه الأدلّة أنّه لا يجب على قائل ذلك سوى حدّ واحد و إن كان المقول لهما بالغين حرّين، لأنّه إذا قال له: زنيت بفلانة، أو: لطت بفلان، فقد قذفه بلا خلاف، و أمّا المرأة و الرجل فليس بقاذف لهما، لأنّه قد لا تكون المرأة زانية بأن تكون مكرهة على الزنا، و كذلك الرجل قد لا يكون مختارا، بل يكون مكرها على اللواط، فالزنا و اللواط متحقّقان في جهة المقول لهما و غير متحقّق في جنبة من فعل به ذلك، فالشبهة حينئذ حاصلة بغير خلاف، و بالشبهة لا يحدّ، لقوله (عليه السلام) المجمع عليه: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) (4) و هذا القول للواقع به الفعل من أعظم الشبهات، فليلحظ ذلك، و إنّما أورد ذلك شيخنا في (نهايته) إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله (5).

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّه أضاف الزنا و اللواط إليهما، فيجب به الحدّ، لتحقّق القذف، و الشبهة التي ذكرها لم يعتد بها الشارع، و لم يلتفت إليها، لحصول السبب به، و لهذا إذا قال له: يا منكوحا في دبره، وجب عليه حدّ القذف إجماعا، مع تطرّق الاحتمال الذي ذكره.

و لأنّ الزنا و اللواط إن تحقّقا مع حصول الكراهة من أحدهما، تحقّقا مع حصولها منهما، فإنّ من أكره غيره على فعل اللواط و أكره الصبي على الانفعال

____________

(1) النهاية: 725- 726.

(2) المهذّب 2: 548.

(3) المقنعة: 793، الكافي في الفقه: 414.

(4) الفقيه 4: 53/ 190، تاريخ بغداد 9: 303.

(5) السرائر 3: 520.

269

يتحقّق اللواط مع اشتراك الكراهة، و كما تطرّق الاحتمال إلى المنسوب إليه كذا يتطرّق إلى المقذوف، ففرقه بينهما لا وجه له.

ثمَّ يحتمل أن يكون المنسوب إليه مختارا و المقذوف مكرها، فلا يجب الحدّ قطعا بالنسبة إلى المقذوف، و هو باطل قطعا، فإذن الاحتمال الأول لا أثر له هنا.

مسألة 121: قال الشيخ في (الخلاف) و (المبسوط): إذا قذف جماعة واحدا بعد واحد،

كلّ واحد منهم بكلمة مفردة، فعليه لكلّ واحد منهم حدّ القذف، سواء جاءوا به متفرّقين أو مجتمعين، و إن قذفهم بكلمة واحدة فقال: زنيتم، أو أنتم زناة، فإن جاءوا به متفرّقين، كان لكلّ واحد منهم حدّ كامل، و إن جاءوا به مجتمعين، كان عليه حدّ واحد لجماعتهم (1).

و نحوه قال في (النهاية) و شيخنا المفيد في (المقنعة) و سلّار و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن إدريس، و ادّعى عليه الإجماع (2).

و قال الصدوق: إن قذف قوما مجتمعين بكلمة واحدة، فعليه حدّ واحد إذا لم يسمّهم، و إذا سمّاهم، فعليه لكلّ رجل سمّاه حدّ، و روي في رجل قذف قوما أنّه إن أتوا به متفرّقين، ضرب لكلّ واحد منهم حدّا، و إن أتوا به مجتمعين، ضرب حدّا واحدا (3).

و قال ابن الجنيد: و لو قذف جماعة بكلمة واحدة، جلد حدّا واحدا، فإن سمّى واحدا واحدا فأتوا به مجتمعين، ضرب به حدّا واحدا، و إن أتوا به متفرّقين، ضرب لكلّ واحد منهم حدّا.

و المشهور: الأوّل، لما رواه جميل- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل افترى على قوم جماعة، فقال: «إن أتوا به مجتمعين ضرب

____________

(1) الخلاف 5: 404، المسألة 48، المبسوط 8: 16.

(2) النهاية: 725، المقنعة: 796- 797، المراسم: 256، الكافي في الفقه: 414، المهذّب 2: 548، السرائر 3: 519.

(3) المقنع: 149.

270

حدّا واحدا، و إن أتوا به متفرّقين ضرب لكلّ واحد حدّا» (1).

قال الشيخ: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد عن الحسن عن زرعة عن سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل افترى على نفر جميعا، فجلده حدّا واحدا» (2).

فالوجه فيه أحد شيئين:

أحدهما: أن نحمله على التفصيل الذي تضمّنه الخبر الأول من أنّه إنّما وجب عليه حدّ واحد إذا أتوا به مجتمعين، و لو جاءوا به متفرّقين، لكان عليه لكلّ إنسان حدّ على الكمال.

و الثاني: أن نحمله على أنّه إذا قذفهم بكلمة واحدة، كان عليه حدّ واحد، و إن قذفهم بألفاظ مختلفة، كان عليه لكلّ إنسان حدّ (3).

لما رواه الحسن العطّار عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل قذف قوما جميعا، فقال: «بكلمة واحدة؟» قلت: نعم، قال: «يضرب حدّا واحدا، و إن فرّق بينهم في القذف ضرب لكلّ واحد منهم حدّا» (4).

و ابن بابويه و ابن الجنيد احتجّا بالخبر الأول، و لا بأس به، فإنّه أوضح طريقا.

مسألة 122: قال الشيخ في (النهاية): و ليس للإمام أن يعفو عن القاذف على حال،

بل ذلك إلى المقذوف على ما بيّنّاه، سواء كان أقرّ على نفسه، أو قد قامت به عليه بيّنة، أو تاب القاذف أو لم يتب، فإنّ العفو في جميع هذه الأحوال إلى المقذوف (5). و تبعه ابن البرّاج (6)، و به قال ابن إدريس (7).

لما رواه سماعة، قال: سألته عن الرجل يفتري على الرجل، ثمَّ يعفو عنه، ثمَّ

____________

(1) التهذيب 10: 68/ 254، الاستبصار 4: 227/ 848.

(2) الاستبصار 4: 227/ 850.

(3) الاستبصار 4: 227 ذيل الحديث 850.

(4) الاستبصار 4: 227/ 851.

(5) النهاية: 727.

(6) المهذّب 2: 549.

(7) السرائر 3: 521.

271

يريد أن يجلده بعد التوبة، قال: «ليس له ذلك بعد العفو» (1).

و قال الشيخ في (الاستبصار): إذا رفعته المقذوفة إلى الامام أو الحاكم، لم يكن لها بعد ذلك عفو، عقيب ما روى عن محمد بن مسلم- في الصحيح- قال: سألته عن الرجل يقذف امرأته، قال: «يجلد» قلت: أ رأيت إن عفت عنه؟

قال: «لا، و لا كرامة» (2) جامعا بين هذا الحديث و بين الحديث السابق.

و الوجه: الأوّل.

مسألة 123: قد تقدّم (3) في كتاب الشهادات كيفيّة التوبة من القذف.

قال الشيخ في (المبسوط): إذا كانت التوبة عن فعل، كالزنا و السرقة و اللواط و الغصب و شرب الخمر، [فهي] (4) الإتيان بالضدّ ممّا كان عليه، و هو صلاح عمله، لقوله تعالى إِلّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ (5).

فإذا ثبت أنّها صلاح عمله، فمدّته التي تقبل بها شهادته سنة.

و من الناس من قال: يصلح عمله ستّة أشهر.

و إن كانت عن قول، كقذف السبّ، فصفة التوبة أن يقول: القذف باطل حرام، و لا أعود إلى ما قلت.

و هل تفتقر عدالته- التي تقبل بها شهادته- إلى صلاح العمل أم لا؟ قال قوم:

مجرّد التوبة مجزئة.

و قال قوم: لا بدّ من صلاح العمل. و هو الأقوى، للآية (6).

و صلاح العمل عند من شرطه سنة على ما مضى.

و أمّا قذف الشهادة، فهو أن يشهد بالزنا دون أربعة، فإنّهم فسقة، و التوبة هنا

____________

(1) التهذيب 10: 79/ 308، الاستبصار 4: 232/ 872.

(2) الاستبصار 4: 232، الحديث 874 و ذيله.

(3) تقدّم في ج 8، كتاب القضاء و توابعه، المسألة 75.

(4) أضفناها لأجل السياق.

(5): الفرقان: 70.

(6): الفرقان: 70.

272

أن يقول: ندمت على ما كان منّي، و لا أعود إلى ما اتّهم فيه، و لا يقول: و لا أعود إلى ما قلت، لأنّ الذي قاله شهادة، فيجزئه أن يقول، لا أعود إلى ما اتّهم فيه، فإن قال هذا، زال فسقه، و ثبتت عدالته، و قبلت شهادته، و لا يراعى صلاح العمل (1).

قال ابن إدريس: هذا الذي ذكره شيخنا في (مبسوطه) صحيح سديد إلّا في قوله وحده: صلاح العمل سنة أو ستّة أشهر، فإنّ هذا مذهب الشافعي، فأمّا نحن- معشر شيعة أهل البيت (عليهم السلام)- فلا نعتبره بزمان و لا مدّة، بل لو عرف ذلك منه في ساعة واحدة، كان صلاح عمله.

و قد رجع شيخنا عن ذلك في (الخلاف) فقال: إذا أكذب نفسه و تاب، لا تقبل شهادته حتى يظهر منه العمل الصالح، و هو أحد قولي الشافعي، إلّا أنّه اعتبر ذلك سنة، و لم نعتبره نحن، لأنّه لا دليل عليه (2).

و الذي ذكره في (الخلاف) هو المعتمد.

و قال شيخنا المفيد: و من قذف مسلما لم تقبل له شهادة بعد القذف، إلّا أن يظهر توبته بتكذيبه نفسه في المقام الذي قذف فيه (3). و لم يعتبر غير ذلك، و هو حسن.

مسألة 124: قال الشيخ في (النهاية): إذا قال له: أنت ولد حرام،

أو: حملت بك أمّك في حيضها، لم يكن عليه حدّ الفرية، و كان عليه التعزير (4). و تبعه ابن البرّاج (5)، و قال به شيخنا المفيد أيضا، و زاد: أو قال له: أنت ولد خبث (6).

و قال ابن إدريس: إذا قال له: أنت ولد حرام، فهو كقوله: أنت ولد زنا،

____________

(1) المبسوط 8: 178- 179.

(2) السرائر 3: 527.

(3) المقنعة: 792.

(4) النهاية: 728.

(5) المهذّب 2: 550.

(6) المقنعة: 795.

273

لعدم الفرق بينهما في العرف و عادة الناس و ما يريدونه بذلك (1).

و المعتمد: ما قاله الشيخان، لأصالة البراءة. و نمنع العرف فيما قاله ابن إدريس.

مسألة 125: قال المفيد: إذا سبّ جماعة بغير الزنا و اللواط

ممّا يوجب السبّ به التعزير، فجاءوا به مجتمعين، عزّر لجماعتهم بتعزير واحد، و إن جاءوا به متفرّقين، عزّر لكلّ واحد منهم تعزيرا على حدته (2). و تبعه سلّار و أبو الصلاح (3).

و قال ابن إدريس: الأولى عندي أن يعزّر لكلّ واحد منهم، فإنّه قد آلمه.

و حمل ذلك على القذف الصريح في الجماعة بكلمة واحدة قياس لا نقول به، و شيخنا أبو جعفر غير قائل بما قاله شيخنا المفيد في هذه الفتيا (4).

و المعتمد: ما قاله المفيد.

لنا: أصالة البراءة.

و لأنّه لا تصريح هنا بسبّ كلّ واحد بخصوصه، لأنّ دلالة الخاصّ على مدلوله أقوى من دلالة العامّ عليه.

و لأنّ موجب الحدّ أقوى، فإذا وجب التداخل عند الاجتماع فالأضعف في السببية أولى.

مسألة 126: قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): المرأة إذا قذفت زوجها و هو أصمّ،

يفرّق بينهما، ثمَّ لا تحلّ له أبدا (5).

و هو قول غريب لم أظفر به قولا لغيره.

____________

(1) السرائر 3: 529.

(2) المقنعة: 797.

(3) المراسم: 256، الكافي في الفقه: 414 و 419.

(4) السرائر 3: 535.

(5) الفقيه 4: 36 ذيل الحديث 111.

274

و المعتمد: عدم التحريم المؤبّد، عملا بالأصل.

احتجّ: بالحمل على المرأة.

و الجواب: القياس عندنا باطل.

مسألة 127: المشهور: أنّ اللعان يثبت بأمرين: القذف و نفي الولد.

و قال الصدوق: إذا قذف امرأته، ضرب ثمانين جلدة، فإن قذفها و أنكر ولدها، لا عنها، و فرّق بينهما، و لم تحلّ له أبدا، و إن أكذب نفسه قبل أن يلاعنها، جلد الحدّ، و لم يفرّق بينهما، و الزم الولد، و اللعان لا يكون إلّا بنفي الولد (1).

و قال في كتاب (من لا يحضره الفقيه): روى مسمع أبو سيار عن الصادق (عليه السلام): في أربعة شهدوا على امرأة بالفجور أحدهم زوجها، قال:

«يجلدون الثلاثة، و يلاعنها زوجها، و يفرّق بينهما، و لا تحلّ له أبدا» (2).

و قد روي أنّ الزوج أحد الشهود (3).

ثمَّ قال: هذان الحديثان متّفقان، و ذلك أنّه متى شهد أربعة على امرأة بالفجور أحدهم زوجها و لم ينف ولدها، فالزوج أحد الشهود، و متى نفى ولدها مع إقامة الشهادة عليها بالزنا، جلد الثلاثة الحدّ، و لا عنها زوجها، و فرّق بينهما، و لم تحلّ له أبدا، لأنّ اللعان لا يكون إلّا بنفي الولد (4).

لنا: قوله تعالى وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلّا أَنْفُسُهُمْ الآية (5).

و ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج- في الصحيح- قال: سأل عباد البصري أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر: كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال:

____________

(1) ورد في المقنع: 149 هكذا: و إذا قذف الرجل امرأته، لاعنها و فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا، و إن كذّب نفسه قبل أن يلاعنها، جلد الحدّ و لم يفرّق بينهما و الزم الولد.

و في الهداية: 72: إذا قذف الرجل امرأته، ضرب ثمانين جلدة، و لا يكون اللعان إلّا بنفي الولد.

(2): الفقيه 4: 37/ 117 و 118.

(3): الفقيه 4: 37/ 117 و 118.

(4) الفقيه 4: 37 ذيل الحديث 118.

(5) النور: 6.