مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
480 /
425

خلقة المضغة و خلقتها التي تعرف بها؟ قال: «هي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشبكة، ثمَّ تصير إلى عظم» قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما؟ قال:

«إذا كان عظما شقّ له السمع و البصر و رتّبت جوارحه، فإذا كان كذلك فإنّ فيه الدية كاملة» (1).

و هذه الأخبار و غيرها تدلّ على أنّ مدّة التنقّل من حالة إلى أخرى من هذه الأحوال أربعون يوما، خلافا لما قاله ابن إدريس.

مسألة 94: المشهور: أنّه إذا ضرب الحبلى فماتت و مات الحمل في جوفها بعد تيقّن حياته،

وجب عليه دية الحبلى و نصف دية الذكر و نصف دية أنثى للحمل، اختاره الشيخان و سلّار و ابن البرّاج و ابن حمزة (2)، و هو أيضا قول ابن الجنيد.

و قال أبو الصلاح: و إن ألقت جنينا فاستهلّ أو تحرّك تحرّكا يدلّ على الحياة ثمَّ مات، فدية كاملة، إن ذكرا، فدية الذكر، و إن أنثى، فدية الأنثى، و إن مات الجنين المعلوم كماله و حياته من الضرب في بطنها فنصف ديته (3).

و قال ابن إدريس: الأولى استعمال القرعة في ذلك هل هو ذكر أو أنثى، لأنّ القرعة مجمع عليها في كلّ أمر مشكل، و هذا من ذلك (4).

لنا: أنّه قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) نقله الشيخ في (الخلاف) و ادّعى عليه إجماع الفرقة و أخبارهم، و أنّ أصحابنا لم يختلفوا فيه (5).

و روى يونس- في الصحيح- قال: عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي الحسن (عليه السلام)، فقال: «هو صحيح» و كان ممّا فيه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) جعل دية الجنين مائة دينار، إلى أن قال: «و إن قتلت امرأة و هي حبلى متمّ فلم يسقط ولدها، فلم يعلم أذكر هو أم أنثى، و لم يعلم

____________

(1) الكافي 7: 345/ 10، التهذيب 10: 283/ 1103.

(2) المقنعة: 762، النهاية: 778، الخلاف 5: 294، المسألة 125، المراسم: 242، المهذّب 2: 510، الوسيلة: 456.

(3) الكافي في الفقه: 393.

(4) السرائر 3: 417.

(5) الخلاف 5: 294، المسألة 125.

426

أبعدها مات أو مات قبلها، فديته نصفين: نصف دية الذكر و نصف دية الأنثى، و دية المرأة كاملة بعد ذلك» (1).

و رواه- في الصحيح- عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2).

و إذا كانت الروايات متطابقة على هذا الحكم، و أكثر الأصحاب قد صاروا إليها، فأيّ مشكل بعد ذلك في هذا الحكم حتى يرجع إليها و يعدل عن النقل و عمل الأصحاب؟ و لو استعملت القرعة في ذلك، استعملت في جميع الأحكام، لأنّا إذا تركنا النصوص، بقيت مشكلة هل التحريم ثابت أم لا؟ و كذا باقي الأحكام، و هذا في غاية السقوط.

و قول أبي الصلاح الظاهر أنّ مراده به ما أفتى به الأصحاب.

مسألة 95: قد بيّنّا أنّ دية الجنين بعد كمال خلقته و قبل ولوج الروح فيه،

مائة دينار، و إذا لم يتمّ، فإن كان نطفة، كانت ديته عشرين دينارا، و إن كان علقة، فأربعون، و إن كان مضغة، فستّون، و إن كان عظما، فثمانون، و هو قول الشيخ (3) و أكثر علمائنا (4).

قال أبو الصلاح: و إن ألقت عظما- و هو أن يصير في المضغة سبع عقد- فثمانون دينارا (5).

و للشيخ قول آخر في (الخلاف): إنّ دية الجنين إذا تمَّ خلقه مائة دينار، و إذا لم يتمّ، فغرّة عبد أو أمة، ذكره في كتاب الفرائض منه (6).

____________

(1) التهذيب 10: 285/ 1107.

(2) لم نجد رواية بالسند المذكور، بل رواية عبد اللّه بن مسكان عمّن ذكره عن الإمام الصادق (عليه السلام) في التهذيب 10:

281/ 1099، و الاستبصار 4: 299/ 1123، أو رواية عبد اللّه بن مسكان عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الكافي 7:

343/ 2.

(3) النهاية: 778.

(4) منهم: الصدوق في المقنع: 179، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 392- 393، و ابن إدريس في السرائر 3:

416، و ابن حمزة في الوسيلة: 456.

(5) الكافي في الفقه: 393.

(6) الخلاف 4: 113، المسألة 126.

427

و قال في كتاب الديات (1) منه كما قال في (النهاية) و غيرها، و هو المعتمد، لدلالة الروايات عليه، و قد سلفت (2).

مسألة 96: قال الشيخ في (النهاية): إذا عزل الرجل عن زوجته الحرّة بغير اختيارها،

كان عليه عشرة دنانير: عشر دية الجنين، يسلّمه إليها على ما روي في الأخبار (3). مع أنّه قال في كتاب النكاح من هذا الكتاب: يكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرّة، فإن عزل، لم يكن بذلك مأثوما، غير أنّه يكون تاركا فضلا (4).

و قال في كتاب النكاح من (الخلاف): العزل عن الحرّة لا يجوز إلّا برضاها، فمتى عزل بغير رضاها، أثم، و كان عليه عشر دية الجنين: عشرة دنانير، و للشافعي فيه وجهان، أحدهما: أنّه محظور- مثل ما قلناه- غير أنّه لا يوجب الدية، و المذهب أنّه مستحب و ليس بمحظور. دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم و طريقة الاحتياط (5).

و قال في كتاب الديات منه: إذا عزل الرجل عن زوجته الحرّة بغير اختيارها، فإنّ عليه عشرة دنانير، و خالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (6).

و قال المفيد في كتاب النكاح من (المقنعة): و ليس لأحد أن يعزل الماء عن زوجة له حرّة إلّا أن ترضى منه بذلك (7).

و قال في كتاب الديات منها: إذا عزل الرجل عن زوجته الحرّة بغير اختيارها، فإنّ عليه عشر دية الجنين يسلّمه إليها، و هي عشرة دنانير على ما جاء به

____________

(1) الخلاف 5: 292، المسألة 122.

(2) انظر: ما تقدّم في المسألة 90.

(3) النهاية: 779.

(4) النهاية: 482.

(5) الخلاف 4: 359، المسألة 143.

(6) الخلاف 5: 293، المسألة 123.

(7) المقنعة: 516.

428

بعض الأحاديث (1).

و قال ابن الجنيد: و قد روي إباحة العزل عن الحرّة عن علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد (عليهم السلام).

و قال ابن البرّاج: فإن عزل عن زوجته الحرّة، كان عليه عشرة دنانير (2). و كذا قال أبو الصلاح (3).

و قال ابن إدريس: قد روي أنّه إذا عزل الرجل عن زوجته الحرّة بغير اختيارها، كان عليه عشر دية الجنين يسلّمه إليها، و هذه رواية شاذّة لا يعوّل عليها و لا يلتفت إليها، لأنّ الأصل براءة الذمّة. و لأنّا قد بيّنّا أنّ العزل عن الحرّة مكروه و ليس بمحظور (4).

و الذي رواه الشيخ- في الصحيح- عن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) في قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام): «و أفتى في مني الرجل يفرغ (5) عن عرسه فيعزل عنها الماء و لم يرد ذلك: نصف خمس المائة عشرة دنانير» (6).

و لا امتناع في كراهة ذلك و إيجاب الدية للزوجة. و الوجه: الحمل على الاستحباب.

مسألة 97: قال الشيخ في (النهاية): و الفرق بين دية الجنين و الميّت

أنّ دية الجنين يستحقّها ورثته، و دية الميّت لا يستحقّها أحد من ورثته، بل تكون له خاصّة يتصدّق بها عنه (7).

و نحوه قال المفيد في (المقنعة) و أبو الصلاح (8).

____________

(1) المقنعة: 763.

(2) المهذّب 2: 510.

(3) الكافي في الفقه: 392.

(4) السرائر 3: 418.

(5) في المصدر: «يفزع» بالزاي المعجمة و العين المهملة.

(6) التهذيب 10: 285/ 1107.

(7) النهاية: 780.

(8) المقنعة: 760، الكافي في الفقه: 393.

429

و قال السيّد المرتضى: يكون لبيت المال (1).

قال ابن إدريس: هو الذي يقوى في نفسي، لأنّ ما ذهب إليه شيخنا في (نهايته) لا دليل عليه، و هذه جناية يأخذها الإمام على طريق العقوبة و الردع، فيجعلها في بيت المال (2).

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: أنّها عوض لغير مالك في الحقيقة، فوجب صرفها إلى ما ينفعه، و هو الصدقة.

و ما رواه محمد بن الصباح عن بعض أصحابنا في قضيّة المنصور مع الصادق (عليه السلام)، قال: «ليس لورثته فيها شيء، إنّما هذا شيء صار إليه في بدنه بعد موته يحجّ بها عنه، أو يتصدّق بها عنه، أو تصيّر في سبيل من سبل الخير» (3).

احتجّ الآخرون: بما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادق (عليه السلام)، قلت:

فمن يأخذ ديته؟ قال: «الإمام، هذا لله» (4).

و الجواب: لا منافاة بين الصدقة و بين كونها لله تعالى.

مسألة 98: المشهور: أنّ دية قطع رأس الميّت مائة دينار مطلقا.

و قد روى عبد اللّه بن مسكان عن الصادق (عليه السلام) في رجل قطع رأس الميّت، قال: «عليه الدية، لأنّ حرمته ميّتا كحرمته و هو حيّ» (5).

قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): لا منافاة بينهما، لأنّ كلّ واحد منهما في حال متى قطع رأس ميّت و كان ممّن أراد قتله في حياته، فعليه الدية، و متى لم يرد قتله في حياته، فعليه مائة دينار (6).

____________

(1) الانتصار: 272.

(2) السرائر 3: 419.

(3) التهذيب 10: 270- 271/ 1065، الاستبصار 4: 295/ 1113.

(4) التهذيب 10: 272- 273/ 1069، الاستبصار 4: 297/ 1117.

(5) الفقيه 4: 117/ 406، التهذيب 10: 273/ 1072، الاستبصار 4: 297/ 1118.

(6) الفقيه 4: 117 ذيل الحديث 406.

430

و في هذا التأويل بعد، و الأولى حمل الدية على دية الجنين، و هي مائة دينار، لا دية الحيّ.

مسألة 99: قال الشيخ في (النهاية): من أتلف حيوانا لغيره ممّا لا تقع عليه الذكاة،

كان عليه قيمته يوم أتلفه، و ذلك مثل الفهد و البازي و الصقر، فإن أتلف ما تقع عليه الذكاة على وجه يمكنه الانتفاع به، كان صاحبه مخيّرا بين أن يلزمه قيمته يوم أتلفه، و يسلّم إليه ذلك الشيء، أو يطالبه بقيمته ما بين كونه متلفا و كونه حيّا (1).

و نحوه قال المفيد و ابن البرّاج و سلّار (2).

و قال ابن إدريس: الفهد تقع عليه الذكاة، و قد سبق، و إذا أتلف ما تقع عليه الذكاة بالذكاة، كما لو ذبح شاة غيره، وجب عليه ما بين قيمتها حيّة و مذبوحة، و شيخنا قد رجع عمّا ذكره في (نهايته) في (مبسوطه) (3).

و الشيخ- (رحمه الله)- عوّل على أنّ الجاني أتلف معظم منافعه، و صيّره كالتالف، فضمن قيمته.

و قوله في (المبسوط) من الرجوع بالتفاوت هو المعتمد، لتحقّق الماليّة بعد الجناية، فكان الواجب الأرش.

مسألة 100: قال الشيخ في (النهاية): دية كلب السلوقي أربعون درهما

لا يزاد عليه، و دية كلب الحائط و الماشية عشرون درهما، و في كلب الزرع قفيز من طعام، و ليس في شيء من الكلاب غير هذه شيء على حال (4).

و كذا قال ابن البرّاج، إلّا أنّه قال عوض قفيز طعام: قفيز حنطة (5).

____________

(1) النهاية: 780.

(2) المقنعة: 769، المهذّب 2: 511، المراسم: 243.

(3) السرائر 3: 420.

(4) النهاية: 780.

(5) المهذّب 2: 512.

431

و قال المفيد: قد وظّف في قيمة السلوقي المعلّم للصيد أربعون درهما، و في قيمة كلب الحائط و الماشية عشرون درهما، و ليس في شيء من الكلاب سوى ما سمّيناه غرم و لا لها قيمة (1). و كذا قال سلّار (2). و هو يعطي أن لا شيء في كلب الزرع.

و قال ابن الجنيد: دية الكلب الذي للصيد قيمته، و لا يتجاوز به أربعين درهما، و دية الكلب الأهلي زبيل من تراب.

و قال الصدوق: دية كلب الصيد أربعون درهما، و دية كلب الماشية عشرون درهما، و دية الكلب الذي ليس لصيد و لا ماشية زنبيل من تراب، على القاتل أن يعطي، و على صاحب الكلب أن يقبله (3).

و قال ابن إدريس: دية كلب الصيد- سواء كان سلوقيّا أو غير ذلك إذا كان معلّما للصيد- أربعون درهما، و شيخنا أطلق في دية الكلب السلوقي، و الأولى تقييده بكلب الصيد، لأنّه إذا كان غير معلّم على الصيد و لا هو كلب ماشية و لا زرع و لا حائط، فلا دية له و إن كان سلوقيّا، و إنّما أطلق ذلك لأنّ العادة و العرف أنّ السلوقي الغالب عليه أنّه يصطاد، و السلوقي منسوب إلى سلوق قرية باليمن، و دية كلب الحائط و الماشية عشرون درهما و المراد بالحائط البستان، لأنّ في الحديث: «أنّ فاطمة (عليها السلام) وقفت حوائطها بالمدينة» (4) و المراد بذلك بساتينها. و في كلب الزرع قفيز من طعام، و إطلاق الطعام في العرف يرجع إلى الحنطة، و ليس في شيء من الكلاب غير هذه الأربعة دية على حال (5).

و قول ابن الجنيد عندي حسن.

و عليه دلّت رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين

____________

(1) المقنعة: 769.

(2) المراسم: 243.

(3) المقنع: 192.

(4) الكافي 7: 48/ 5، الفقيه 4: 180/ 632، التهذيب 9: 144/ 603.

(5) السرائر 3: 421.

432

(عليه السلام) فيمن قتل كلب الصيد، قال: يقوّمه، و كذلك البازي، و كذلك كلب الغنم، و كذلك كلب الحائط» (1).

و في رواية الوليد بن صبيح عن الصادق (عليه السلام)، قال: «دية الكلب السلوقي أربعون درهما. أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك أن يديه لبني خزيمة» (2).

و عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «دية الكلب السلوقي أربعون درهما، جعل له ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و دية كلب الغنم كبش، و دية كلب الزرع جريب من برّ، و دية كلب الأهل قفيز من تراب» (3).

مسألة 101: قال المفيد- (رحمه الله)- في (المقنعة): و من ذلك (4) قتل ما لا تقع عليه الذكاة و لا يحلّ أكله مع الاختيار،

كالبغال و الحمر الأهلية و الهجن من الدوابّ و السباع من الطير و غيره (5).

قال ابن إدريس: هذا غير واضح و لا صحيح. أمّا البغال و الحمير و الخيل- سواء كانت عرابا أو هجانا- فإنّها على الأظهر و الأصحّ من أقوال أصحابنا و فتاويهم و مناظراتهم- مأكولة اللحم تقع عليها الذكاة، و هو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في سائر كتبه، و اختيار السيّد المرتضى في (انتصاره). و أمّا السباع من الطير و غيره فعندنا أنّ أسآرها طاهرة، و هي طاهرة، و تقع عليها الذكاة عندنا بغير خلاف، و إنّما لا تقع الذكاة على الكلب و الخنزير (6).

و هذا الذي اختاره هو المشهور و المعتمد.

و قال سلّار: البهيمة إمّا أن لا تدخل تحت ملك المسلم، و هو الخنزير و الدبّ

____________

(1) الكافي 7: 368/ 7، التهذيب 10: 310/ 1156.

(2) الكافي 7: 368/ 5، التهذيب 10: 309/ 1154.

(3) الكافي 7: 368/ 6، التهذيب 10: 310/ 1155.

(4) أي: ما يمنع من الانتفاع به.

(5) المقنعة: 768.

(6) السرائر 3: 423.

433

و القرد، أو تدخل، و هو ضربان: أحدهما: لا تقع عليه ذكاة، و هو ما لا يحلّ أكله (1).

و هذا على إطلاقه ليس بجيّد، و قد تقدّم البحث في ذلك كلّه.

تذنيب: قال المفيد: و المسلم لا يملك شيئا محرّما عليه، كالخمر و الخنزير و القرد و الدبّ (2). و كذا قال سلّار (3).

و قال ابن إدريس: لا أرى بأسا بتملّك الدبّ، لأنّه سبع، و يجوز بيع جلده بعد ذكاته و الانتفاع به بعد دباغه (4).

و هو الأقوى عندي، و قد تقدّم.

____________

(1) المراسم: 243.

(2) المقنعة: 769.

(3) المراسم: 243.

(4) السرائر 3: 424.

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

الفصل السابع: في اللواحق

مسألة 102: قال الصدوق في (المقنع): في ذكر الخنثى و أنثييه ثلث الدية (1).

و قال ابن الجنيد: و سواء في ذلك ذكر الصبي إذا لم يبلغ و العنّين و الخنثى المحكوم له بأنّه رجل، فإن كان محكوما بأنّه امرأة، كان فيه ثلث الدية.

و الوجه: أن نقول: إن كان قد حكم له بالرجوليّة، وجب عليه في كلّ واحد من ذكره و أنثييه دية كاملة، و إن حكم له بالانوثة، وجبت الحكومة، لأنّه زائد، و كذا إن اشتبه أمره، لأصالة البراءة.

مسألة 103: قال الصدوق في (المقنع): و في السمحاق- و هي التي دون الموضحة- خمسمائة درهم،

فإذا كانت في الوجه، فالدية على قدر الشين (2).

و المعتمد: ما تقدّم من أنّ في السمحاق سواء كانت في الرأس أو الوجه أربعة أبعرة قيمتها أربعون دينارا أو أربعمائة درهم، أمّا الموضحة فإنّ فيها خمسمائة درهم، و قد تقدّم (3).

____________

(1) المقنع: 180.

(2) المقنع: 181.

(3) تقدّم في المسألة 84.

436

مسألة 104: قال الصدوق في (المقنع): إذا ادّعى رجل على رجل قتلا و ليس له بيّنة،

فعليه أن يقسم خمسين يمينا بالله، فإذا أقسم، دفع إليه صاحبه فقتله، فإن أبى أن يقسم، قيل للمدّعى عليه: أقسم، فإن أقسم خمسين يمينا بالله أنّه ما قتل و لا يعلم له قاتلا، أغرم الدية إذا وجد القتيل بين ظهرانيهم (1). و كذا قال في (من لا يحضره الفقيه) (2).

و هذه الرواية رواها الشيخ عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (3). و في الطريق علي بن أبي حمزة، و هو ضعيف.

و المعتمد: أن نقول: وجود القتيل بين القبيلة أو في القرية إن كان موجبا للدية عليهم و أراد الوليّ الحلف على إثبات القصاص، كان له ذلك، فإن لم يفعل و ردّ اليمين على المنكر، فإذا حلّفوا القسامة، سقطت الدعوى عنهم، و إن طلبوا إثبات الدية، كان لهم ذلك بغير قسامة، و إن لم يوجب الدية إلّا بالقسامة، فإذا لم يحلف أولياء المقتول و حلف المدّعى عليه، سقطت الدعوى عنهم و لا دية.

مسألة 105: قال الصدوق في (المقنع): في ذكر العنّين الدية (4).

و كذا قال ابن الجنيد.

و المشهور: أنّ فيه ثلث الدية، لأنّه أشلّ، فيكون فيه ثلث دية الصحيح، كغيره من الأعضاء.

و قال في (المقنع): إذا أسلم الرجل ثمَّ قتل خطأ، قسّمت الدية على نحوه من الناس ممّن أسلم و ليس له موال (5).

و المشهور: أنّه إن كان قاتلا خطأ، كانت ديته عليه إن كان له مال، و إن لم يكن

____________

(1) المقنع: 185.

(2) الفقيه 4: 73/ 223.

(3) التهذيب 10: 167/ 663.

(4) المقنع: 186.

(5) المقنع: 188.

437

له مال، كانت الدية على الإمام، و إن كان مقتولا، فديته للإمام إذا لم يكن له وارث.

و قال في (المقنع): فإن قتل المكاتب رجلا خطأ، فإن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو ردّ في الرقّ، فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا استرقّوا، و إن شاؤوا باعوا، و إن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه و قد كان أدّى من مكاتبته شيئا، فإنّ على الإمام أن يؤدّي بقدر ما أعتق من المكاتب، و لا يطلّ دم امرئ مسلم، و أرى أن يكون ما بقي على المكاتب ممّا لم يؤدّ لأولياء المقتول يستخدمونه حياته بقدر ما بقي، و ليس لهم أن يبيعوه (1).

و هذا القول عندي أجود من قول شيخنا: إنّ النصيب من الرقّيّة يكون على مولاه (2).

نعم قوله: و ليس لهم أن يبيعوه، ممنوع، لأنّ الكتابة في نصيب الرقّيّة قد بطلت باسترقاقه.

مسألة 106: المشهور: أنّ في المنقلة خمسة عشر بعيرا.

و قال ابن أبي عقيل: و قد جاء بالتوقيف عنهم (عليهم السلام): أنّ في الباضعة ثلاثا من الإبل، و في المأمومة ثلاثا و ثلاثين من الإبل، و في السمحاق أربعا من الإبل، و في المنقلة عشرين من الإبل.

و الأوّل أقوى و أشهر بين الأصحاب، و عليه دلّت رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «و في المنقلة خمس عشرة من الإبل» (3).

و كذا في رواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) (4).

____________

(1) المقنع: 192.

(2) النهاية: 751.

(3) الفقيه 4: 124/ 432، التهذيب 10: 289/ 1123.

(4) التهذيب 10: 290/ 1124.

438

و رواية مسمع بن عبد الملك عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المأمومة ثلث الدية، و في المنقلة خمس عشرة من الإبل» (1).

مسألة 107: المشهور: أنّه إذا كان القاتل من أهل الحلل و أراد دفعها،

وجب عليه مائتا حلّة، كلّ حلّة ثوبان من برود اليمن.

و قال الصدوق في (المقنع): و على أهل اليمن الحلل مائة حلّة (2).

و رواه في كتاب (من لا يحضره الفقيه) عن الحسن بن محبوب عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهليّة مائة من الإبل، فأقرّها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمَّ إنّه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، و فرض على أهل الشاة ألف شاة، و على أهل الحلل مائة حلّة.

قال عبد الرحمن: فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّا رواه ابن أبي ليلى، فقال: «كان علي (عليه السلام) يقول: الدية ألف دينار، و قيمة الدينار عشرة دراهم، و على أهل الذهب ألف دينار، و على أهل الورق عشرة آلاف درهم، و عشرة آلاف لأهل الأمصار، و لأهل البوادي الدية مائة من الإبل، و لأهل السواد مائتي بقرة أو ألف شاة» (3).

و الذي ذكرناه أوّلا اختيار الشيخين و سلّار و أبي الصلاح و ابن البرّاج (4).

و قال ابن البرّاج قيمة كلّ حلّة خمسة دنانير (5).

و كذا ظاهر كلام ابن أبي عقيل، فإنّه قال: و على أهل الإبل و البقر و الغنم من

____________

(1) الكافي 7: 326/ 1، التهذيب 10: 290/ 1126.

(2) المقنع: 182.

(3) الفقيه 4: 78- 79/ 245.

(4) المقنعة: 735، النهاية: 736، المبسوط 7: 119، الخلاف 5: 226، المسألة 10، المراسم: 236، الكافي في الفقه: 391، المهذّب 2: 457.

(5) المهذّب 2: 457.

439

أيّ صنف كان قيمة عشرة آلاف درهم.

و إذا كان الضابط اعتبار القيمة، فلا مشاحّة في العدد مع حفظ قدر القيمة، و هي عشرة آلاف درهم أو ألف دينار.

مسألة 108: قال سلّار: إذا ذهب بحاجبه فنبت، ففيه ربع الدية،

و قد روي أنّ فيهما إذا لم ينبتا مائة دينار (1).

و الوجه عندي: الحكومة فيما إذا نبت- و هو قول أبي الصلاح (2)- للأصل.

مسألة 109: قال الشيخ في (النهاية): و متى ادّعى ذهاب بصره و عيناه مفتوحتان صحيحتان و لا يعلم صدق قوله،

حلّف حسب ما قدّمناه، و قد روي أنّه يستقبل بعينيه عين الشمس، فإن كان كما قال، بقيتا مفتوحتين في عين الشمس، و إن لم تكونا كما قال، غمّضهما (3).

و قال سلّار: فإن ادّعى ذهاب بصره و لم يظهر أمره، يقام مواجها لعين الشمس، فإن أطبقهما، فقد كذب، و إن لم يطبقهما، فقد صدق (4). فأفتى بما جعله الشيخ رواية، و كذا أبو الصلاح (5).

و الشيخ- (رحمه الله)- عوّل على ما رواه سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن العين يدّعي صاحبها أنّه لا يبصر، قال: «يؤجّل سنة ثمَّ يستحلف بعد السنة أنّه لا يبصر، ثمَّ يعطى الدية» قال: قلت: فإن هو أبصر بعد؟ قال: «هو شيء أعطاه اللّه إيّاه» (6).

و احتجّ سلّار: بما رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:

____________

(1) المراسم: 245.

(2) الكافي في الفقه: 397.

(3) النهاية: 765.

(4) المراسم: 245.

(5) الكافي في الفقه: 396.

(6) التهذيب 10: 266/ 1048.

440

«و أمّا ما ادّعاه في عينه فإنّه يقابل بعينه عين الشمس، فإن كان كاذبا، لم يتمالك حتى يغمّض عينيه، و إن كان صادقا، بقيتا مفتوحتين» (1).

و لا بأس عندي بذلك إذا استفاد الحكم منه ظنّا.

مسألة 110: قال المفيد: و ليس في كسر اليد و شيء من العظام و قطع شيء من الأعضاء التي تصلح بالعلاج قصاص،

و إنّما القصاص فيما لا يصلح من ذلك بشيء من العلاج (2).

و قال الشيخ في (النهاية): من قطع شيئا من جوارح الإنسان وجب أن يقتصّ منه إن أراد ذلك المقطوع، و إن جرحه جراحة فمثل ذلك، إلّا أن تكون جراحة يخاف في القود منها على هلاك النفس، فإنّه لا يحكم فيها بالقصاص، بل يحكم بالأرش، كالمأمومة و الجائفة و ما أشبههما. و كسر الأعضاء التي يرجى انصلاحها بالعلاج فلا قصاص أيضا فيها، بل يراعى حتى ينجبر الموضع إمّا مستقيما أو على عثم (3)، فيحكم حينئذ بالأرش، فإن كان شيئا لا يرجى صلاحه، فإنّه يقتصّ من جانيه على كلّ حال (4).

و قال سلّار: الجناية إن خيف من القصاص فيها تلف نفس المقتصّ منه في الأغلب، لا قصاص فيها، بل الدية، و إن لم يخف، فصاحب الجناية مخيّر بين القصاص و الدية، و لا قصاص فيما يبرأ و يصلح، و إنّما فيه الأرش، و القصاص فيما لا يبرأ (5).

و الوجه: أن نقول: إنّه لا قصاص في كسر الأعضاء و العظام، إمّا لما فيه من التغرير أو لعدم التوصّل إلى قدر الحقّ.

و أمّا غير الكسر: فإن خيف منه التلف، فلا قصاص أيضا، و إن لم يخف منه

____________

(1) الكافي 7: 323/ 7، التهذيب 10: 268/ 1053.

(2) المقنعة: 761.

(3) عثم العظم المكسور: إذا انجبر على غير استواء. الصحاح 5: 1979 «عثم».

(4) النهاية: 772.

(5) المراسم: 246.

441

التلف، وجب فيه القصاص، سواء برأ أو لا، لعموم قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ (1).

مع أنّ سلّار قال لمّا عدّ الجراحات: و لا قصاص إلّا في سبع منهنّ ما عدا المأمومة و الجائفة (2)، مع غلبة الظنّ ببرء أكثرها، فإن قصد من الجنايات التي تشتمل على الكسر، فقد وافق الشيخين.

و أبو الصلاح قال: إنّما يكون جارحا بما يوجب القصاص مع تكامل الشروط المذكورة في القود إذا كان ما قصده ممّا لا يرجى صلاحه، كقطع اليد و الرّجل و الإصبع، إلى غير ذلك، و لا يخاف معه تلف المقتصّ منه، فأمّا الكسر، و الفك المنجبر و الجرح الملتئم و المأمومة في الشجاج و الجائفة في الجوف و ما يجري مجراه فلا قصاص في شيء منه (3).

و فيه الإشكال السابق أوّلا.

مسألة 111: قال أبو الصلاح: و إذا قتل العبد أو الأمة حرّا مسلما أو حرّة،

وجب تسليم كلّ منهم إلى وليّ الدم برمّته، إن شاؤوا قتلوا، و إن شاؤوا تملّكوا ما معه من مال و ولد، و إن شاؤوا استرقّوه و ولده و تصرّفوا في ملكه (4).

و هذا ليس بجيّد على إطلاقه، فإنّ الصحيح عندنا أنّ العبد لا يملك شيئا، فجميع ما بيده لمولاه، و لا يجب دفعه إلى أولياء المقتول، بل الواجب دفع العبد لا غير.

و لو قلنا: إنّ العبد يملك، فإنّه ملك ناقص، فالأقوى أنّه لا يجب دفعه أيضا.

و أمّا الأولاد: فلا يجب دفعهم أيضا، سواء ولدوا بعد القتل قبل الدفع أو قبله، لأنّ الأولياء لا يملكون بنفس القتل، بل باختيار الاسترقاق.

____________

(1) المائدة: 45.

(2) المراسم: 247.

(3) الكافي في الفقه: 382.

(4) الكافي في الفقه: 385.

442

و لو كانت الأمة حاملا وقت القتل و دفعت، لم يملك الأولياء ولدها، بل يكون للمولى، سواء وضعته قبل الدفع أو بعده، عملا بالاستصحاب السالم عن معارضة ما ينافيه، و ليس هذا الدفع بأقوى من الدفع بالبيع، مع أنّه لا يجب دفع الولد هناك، فهنا أولى.

مسألة 112: قال الشيخان: إذا أقرّ واحد بقتله عمدا و أقرّ آخر بأنّه قتله خطأ،

تخيّر أولياؤه بين قتل المقرّ بالعمد، و ليس لهم على الآخر سبيل، و بين أخذ الدية من المخطئ، و ليس لهم على العامد سبيل (1).

و قال أبو الصلاح: و إذا أقرّ من يعتدّ بإقراره بقتل يوجب القود، و أقرّ آخر بقتله إيّاه خطأ، فأولياء المقتول بالخيار إن شاؤوا قتلوا المقرّ بالعمد، و لا سبيل لهم على المقرّ بالخطإ، و إن شاؤوا طالبوهما بالدية نصفين، فإن كان المقرّ بالعمد ممّن لا يقاد بالمقتول، لكونه صغيرا أو مؤوفا أو ذمّيّا أو عبدا، فعليهما جميعا الدية (2).

و الوجه: ما قاله الشيخان.

لنا: أنّ كلّ واحد منهما أقرّ بالتفرّد بالقتل، فأيّهما صدّق كذب الآخر، و تصديقهما معا ممتنع.

مسألة 113: قال أبو الصلاح: و إذا قتل الصغير أو المؤوف العقل حرّا أو عبدا

مسلما أو ذمّيّا، ذكرا كان أو أنثى، فعلى وليّهما الدية (3).

ثمَّ قال في موضع آخر: و دية قتل العبد على سيّده، و الصغير و المحجور عليه على وليّه، فإن كان خطأ، فعلى عاقلتهما (4).

____________

(1) المقنعة: 744، النهاية: 743.

(2) الكافي في الفقه: 386.

(3) الكافي في الفقه: 384.

(4) الكافي في الفقه: 394.

443

و قال في موضع آخر: و عاقلة الرقيق مالكه (1). و هذه العبارة رديئة.

و الوجه: أنّ جناية الصغير و المؤوف على عاقلتهما لا على وليّهما. و أمّا العبد فإن اختار مولاه الفداء، فداه، و إلّا دفعه إلى المجنيّ عليه، و قد تقدّم أنّ السيّد لا يعقل العبد.

و الظاهر أنّ مراد أبي الصلاح ذلك أيضا، لأنّه قال بعد ذلك: و إذا جنى العبد على حرّ جناية توفي بقيمته، فعلى سيّده تسليمه أو فداؤه، و إن كانت أقلّ من قيمته، فعليه فداؤه أو تسليمه و أخذ الفاضل من قيمته عن أرش الجناية (2).

و عبارة ابن الجنيد هنا حسنة، فإنّه قال: و لو جنى عبد لرجل على رجل، كانت جنايته في رقبته، و لو مات الجاني قبل القصاص منه، لم يجب على سيّده قود و لا دية و لا قيمة.

مع أنّه قال: و إذا كان أرش جناية العبد لا يحيط برقبته، كان الخيار إلى سيّده إن شاء فداه، و إلّا كان المجنيّ عليه شريكا في رقبة العبد بقدر أرش جنايته، و لو كان أرش جنايته يحيط برقبة العبد، كان الخيار إلى المجنيّ عليه أو وليّه، فإن شاء ملك الرقبة، و إن شاء أخذ من سيّده قيمته.

مسألة 114: قال أبو الصلاح: فعلى هذا التحرير يتنوّع القتل ستّة أنواع:

عمد يوجب القود، و خطأ محض و خطأ يشبه العمد يوجبان الدية على العاقلة (3).

و هذا ليس بجيّد، فإنّ المشهور أنّ دية شبيه العمد على القاتل، و أنّ العاقلة إنّما تضمن الخطأ المحض.

مسألة 115: اعتبر أبو الصلاح دعوى ذهاب السمع بالصوت الرفيع من حيث لا يعلم،

فإن ارتاع، فهو سميع، و إن لم يرتع، فهو أصمّ، و اعتبر ذهاب الشمّ

____________

(1) الكافي في الفقه: 392.

(2) الكافي في الفقه: 395.

(3) الكافي في الفقه: 396.

444

بتقريب الحراق إلى الأنف، فإن دمعت عيناه، فهو سليم، و إن لم تدمع، فقد ذهبت حاسّة شمّه (1).

و كذا ابن الجنيد اعتبر في الشمّ.

و الشيخ جعله في (النهاية) رواية، و اعتبر بالأيمان و الاستظهار بها (2).

و اعتبر أبو الصلاح أيضا دعوى عدم النطق بالإبرة، فإن خرج الدم أسود أو لم يخرج دم، فهو أخرس، و إن خرج أحمر، فهو سليم (3).

و الوجه: أن نقول: إن أفادت العلامة للحاكم ما يوجب الحكم، اعتبرها، و إلّا فالأيمان.

مسألة 116: قال أبو الصلاح: و يضمن الحرّ قيمة ما أفسده و أرش ما جناه

من عمد أو خطأ عن قصد أو سهو، و ما يحصل عند فعله أو ممّن يلي عليه (4).

ثمَّ قال: و الثالث: ما يقع من الرقيق أو المضمون الجريرة أو المحجور عليه من قتل خطأ أو فساد غير مقصود أو عمد ممّن لا يعقل، فيلزم الوليّ دية النفس و قيمة المتلف و أرش الجناية (5).

و هذا على إطلاقه ليس بجيّد، فإنّا قد بيّنّا أنّ المولى لا يضمن جناية عبده، بل له أن يدفعه، و لا ضمان أيضا على وليّ الطفل و المجنون، بل على العاقلة، و لا ضمان على العاقلة فيما تلف من الأموال، بل النفوس خاصّة.

مسألة 117: قال ابن الجنيد: إذا أركب السيّد عبده فجنى العبد،

كان الضمان على السيّد، و إن ركب العبد بغير إذنه فجنى، كانت جنايته في عنقه.

و الوجه: أن نقول: إن كان العبد صغيرا، فكذلك، و إن كان كبيرا، كان

____________

(1) الكافي في الفقه: 397.

(2) النهاية: 766.

(3) الكافي في الفقه: 397.

(4) الكافي في الفقه: 401.

(5) الكافي في الفقه: 402.

445

الضمان عليه مطلقا يتعلّق برقبته.

مسألة 118: قال ابن الجنيد: القسامة تثبت إذا كان القتيل به أثر القتل

من جراحة أو شدخ أو خنق، أو نحو ذلك، فإن لم يكن به أثر، فلا قسامة.

و قال الشيخ- (رحمه الله)- في (الخلاف): كلّ موضع قلنا قد حصل اللوث على ما فسّرناه، فللولي أن يقسم، سواء كان بالقتيل أثر القتل أو لم يكن أثر (1).

و هو الأقرب، للعموم.

و كأنّ ابن الجنيد نظر إلى انتفاء الظنّ بالقتل عند فقد العلامة و الأثر.

و نحن نقول: إن انتفى الظنّ، فلا قسامة، لانتفاء اللوث حينئذ، و التقدير خلافه.

و قال في (المبسوط): كلّ موضع حصل اللوث، فللوليّ أن يقسم، سواء كان بالقتيل أثر القتل أو لا، و قال قوم: إن كان به أثر القتل، فكذلك، و إن لم يكن أثر، فلا قسامة. قال: و هذا أقوى (2).

و هو يوافق قول ابن الجنيد.

مسألة 119: قال ابن الجنيد: و لا قسامة في بهيمة و لا في شيء من العروض و لا في عبد مقتول.

و قال الشيخ في (الخلاف): إذا قتل عبد و هناك لوث، فلسيّده القسامة، لعموم الأخبار الواردة في وجوب القسامة في القتل (3).

مسألة 120: المشهور: أنّ دية الذمّيّ ثمانمائة درهم.

و قال ابن الجنيد: فأمّا أهل الكتاب الذين كانت لهم ذمّة من رسول اللّه

____________

(1) الخلاف 5: 310، المسألة 8.

(2) المبسوط 7: 215.

(3) الخلاف 5: 312، المسألة 11.

446

(صلّى اللّه عليه و آله) و لم يغيّروا ما شرطه عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فدية الرجل منهم أربعمائة دينار أو أربعة آلاف درهم، و أمّا الذين ملكهم المسلمون عنوة و منّوا عليهم باستحيائهم- كمجوس السواد و غيرهم من أهل الكتاب بالجبال و أرض الشام- فدية الرجل منهم ثمانمائة درهم، و المرأة من كلا الصنفين ديتها نصف دية نظيرها من الرجال.

و المشهور: الأول، للروايات الدالّة عليه من غير تفصيل.

روى ابن مسكان- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «دية اليهودي و النصراني و المجوسي ثمانمائة درهم» (1).

و في الصحيح عن أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له:

إبراهيم بن عمر يقول: إنّ دية اليهودي و النصراني و المجوسي سواء، قال: «نعم قال الحقّ» (2).

و في الصحيح عن ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن دية النصراني و المجوسي و اليهودي، فقال: «ديتهم جميعا سواء ثمانمائة درهم» (3) و غير ذلك من الروايات.

احتجّ: بما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: «دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم، و دية المجوسي ثمانمائة درهم» (4).

و أجاب الشيخ: بأنّه محمول على المعتاد لقتل أهل الذمّة (5). و لا بأس بذلك.

مسألة 121: قال ابن الجنيد: و إن حكم عليه بديات لأجنّة قتلهم،

كان عليه من الكفّارة لكلّ جنين رقبة مؤمنة.

____________

(1) الكافي 7: 309/ 1، التهذيب 10: 186/ 728، الاستبصار 4: 268/ 1010.

(2) الكافي 7: 309/ 5، التهذيب 10: 186/ 729، الاستبصار 4: 268/ 1011.

(3) الكافي 7: 310/ 11، التهذيب 10: 186/ 730، الاستبصار 4: 268/ 1012.

(4) الفقيه 4: 91/ 296، التهذيب 10: 187/ 737، الاستبصار 4: 269/ 1019.

(5) التهذيب 10: 187 ذيل الحديث 737، الاستبصار 4: 269- 270.

447

و قال الشيخ في (الخلاف): و أمّا الكفّارة فلا تجب بإلقاء الجنين على ضاربها (1).

و في (المبسوط): كلّ موضع تجب فيه الغرّة تجب فيه الكفّارة عند قوم، و قال قوم: لا كفّارة. و هو الأقوى، لأنّ الأصل براءة الذمّة (2).

و قول الشيخ جيّد، عملا بالأصل، و عدم ما ينافيه.

مسألة 122 [دية الأعضاء المعيبة]

قال ابن الجنيد: و ما كان من الأعضاء معيبا ولادة و قد جرت العادة بعدم المنفعة بالعضو، ففي الجناية على العضو ثلث دية العضو لو كان صحيحا فجني عليه بذلك الجناية، و ذلك كيد الأعسم، و اليد الشلّاء، و الرّجل العرجاء، و لسان الأخرس، و كذلك ما كان منها حادثا و قد جرت العادة بأنّه لا يعود إلى السلامة، مثل ذكر الخصيّ و أنثييه و عين الأعمى، و إن كان العارض ممّا يجوز مزايلته، و يجوز رجوع العضو إلى حال السلامة، فالجناية عليه كالجناية على العضو الصحيح، كاللسان إذا خرس من علّة، و العنين إذا حدث بالذكر، و إذا حدث الشلل من الجناية و أزالت النفع من العضو و إن بقي العضو، ففيه دية العضو.

و هذا يعطي أنّ في ذكر الخصيّ ثلث الدية. و المشهور: أنّ فيه الدية كاملة، لأنّ العيب ليس في الذكر بل في غيره، و تجويز الرجوع إلى حال السلامة لا يكفي في إيجاب الدية بكمالها بل ظنّ الرجوع، و العضو الأشلّ و إن ذهبت منفعته لا يجب فيه كمال الدية، بل ثلثاها على المشهور.

مسألة 123: قال الشيخ في (النهاية): و إذا انشقّت الشفتان حتى بدت الأسنان منها و لم تبرأ،

فدية شقّها ثلث دية النفس، فإن عولجت فبرأت و التأمت، فديتها خمس دية النفس، و في شقّ إحداهما بحساب ذلك، فإن التأمت و صلحت،

____________

(1) الخلاف 5: 292، المسألة 122.

(2) المبسوط 7: 195.

448

ففيها خمس ديتها (1)، و كذا قال المفيد (2).

و قال ابن الجنيد: فأما الشفتان: ففي العليا إذا شقّت ثلث ديتها، و في السفلى نصف ديتها.

و المشهور: الأول.

مسألة 124: قال ابن الجنيد: و في الحيوان إذا فقئت عينه ربع ديته.

و قال في (النهاية): و في عين البهيمة إذا فقئت ربع قيمتها على ما جاءت به الآثار (3).

و نحوه قال ابن البرّاج و ابن حمزة (4).

و المفيد- (رحمه الله)- أوجب الأرش في جرح الحيوان و كسر أعضائه (5)، و أطلق، و هو الأقوى في النظر، لأنّه مال فاعتبر أرشه كغيره من الأموال، لكن الروايات متظافرة على ما قاله الشيخ (رحمه الله).

و قال سلّار: فأمّا الجناية في أعضائها فبحسب قيمتها (6).

مسألة 125: قال ابن الجنيد: و ان نفذت في الأنف نافذة لا تنسدّ،

فديتها ثلث دية الأنف، فإن انسدّت، فخمس دية الأرنبة: مائة دينار، فإن كانت نافذة في أحد المنخرين إلى الحاجز بين المنخرين، فديته عشر دية الأرنبة: خمسون دينارا.

و الشيخان قالا: إن نفذت في الأنف نافذة لا تنسدّ، فديتها ثلث الدية، فإن عولجت فبرأت على غير عثم، فديتها خمس دية الأنف: مائتا دينار، فإن كانت

____________

(1) النهاية: 777.

(2) المقنعة: 767.

(3) النهاية: 781.

(4) المهذّب 2: 512، الوسيلة: 428.

(5) المقنعة: 769- 770.

(6) المراسم: 243.

449

النافذة في أحد المنخرين إلى الخيشوم- و هو الحاجز بين المنخرين- فعولجت فبرأت، فديتها عشر دية الأنف مائة دينار (1). و كذا قال ابن البرّاج و ابن إدريس (2)، و نحوه قال سلّار (3).

و قال أبو الصلاح: و في الأرنبة نصف الدية، و في أحد المنخرين ربع الدية، و في النافذة فيهما نصف الدية، فإن صلحت و التأمت، فخمس الدية، و في النافذة في أحد المنخرين سدس الدية، فإن التأمت، فعشر الدية (4).

و في كتاب ظريف: «فإن قطعت روثة الأنف، فديتها خمسمائة دينار، و إن نفذت فيه نافذة لا تنسدّ بسهم أو رمح، فديته ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون دينارا و ثلث، و إن كانت نافذة فبرأت و التأمت، فديتها خمس دية روثة الأنف: مائة دينار، فما أصيب فعلى حساب ذلك، و إن كانت النافذة في أحد المنخرين إلى الخيشوم- و هو الحاجز بين المنخرين- فديته عشر دية روثة الأنف: خمسون دينارا، و إن كانت الرمية نفذت في أحد المنخرين و الخيشوم إلى المنخر الآخر، فديتها ستّة و ستّون دينارا و ثلثا دينار» (5) و هو قريب ممّا قاله ابن الجنيد، لكن المشهور بين الأصحاب ما قاله الشيخان.

مسألة 126: قال الشيخ في (المبسوط): فإن قطع أحد المنخرين،

قال قوم: فيه ثلث الدية، لأنّ هاهنا حاجزا و منخرين، فإذا قطع منخرا واحدا، ففيه ثلث الدية، و قال بعضهم: فيه نصف الدية. و هو مذهبنا، لأنّه ذهب بنصف المنفعة و نصف الجمال (6).

و قال ابن الجنيد: فإذا قطعت الأرنبة، فديتها خمسمائة دينار، و في كلّ

____________

(1) المقنعة: 767، النهاية: 776- 777، الخلاف 5: 237، المسألة 26.

(2) السرائر 3: 411، و لم نعثر على قول ابن البرّاج في المهذّب و جواهر الفقه.

(3) المراسم: 244.

(4) الكافي في الفقه: 397.

(5) الكافي 7: 331/ 2، التهذيب 10: 298- 299/ 1148.

(6) المبسوط 7: 131.

450

واحدة من جانبي الأنف ثلث دية الأنف إذا قطعت دون الأرنبة و الحاجز.

و قال أبو الصلاح: و في أحد المنخرين ربع الدية (1).

و قول ابن الجنيد حسن.

مسألة 127: قال ابن الجنيد: و لا تضمن العاقلة قيم العبيد إذا قتلهم أقرباؤهم خطأ،

و لا أرش جراحتهم، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ألزم العاقلة الديات، و إنّما يؤخذ عن العبيد قيم لا دية لا خلاف في ذلك، و لأنّهم كأموال ملّاكهم.

و قال الشيخ في (المبسوط): إن قتله خطأ محضا، فالقيمة على عاقلته عندنا، و كذلك في أطرافه (2). و في (الخلاف) (3) كذلك، و كلام أبي الصلاح (4) يشعر بأنّ العاقلة تضمنها، و قد سبق.

و قال ابن البرّاج: إذا قتل حرّ عبدا، وجبت قيمته في ذمّته، و كذلك إن قطع أو قتله عمد الخطأ، و إن كان قد قتله خطأ محضا، فالقيمة على عاقلته، و كذلك في أطرافه (5).

و قول ابن الجنيد حسن.

مسألة 128: قال ابن الجنيد: و لو جنى العبد خطأ، فبادر مولاه فأعتقه،

جاز عتقه، و ضمن الدية كملا لأولياء المجنيّ عليه. و لو دبّره متطوّعا أو كاتبه أو باعه و الجناية تحيط برقبته، بطل فعل السيّد في ذلك كلّه إن لم يجز وليّ المقتول أو المجروح، فإنّه يستحقّ رقبة العبد بما فعله السيّد، و يرضى بالدية.

و الوجه: التسوية بين العتق و غيره من التصرّفات في أنّها تصحّ، و يضمن السيّد الدية أو الأقلّ من الدية و قيمة العبد على الخلاف. نعم لو كان السيّد

____________

(1) الكافي في الفقه: 397.

(2) المبسوط 7: 158.

(3) الخلاف 5: 269، المسألة 85.

(4) انظر: الكافي في الفقه: 392.

(5) المهذّب 2: 487.

451

معسرا، فالوجه: ما قاله ابن الجنيد.

و يمكن المصير إلى قول ابن الجنيد، لأنّها رقبة تعلّقت بها الجناية، فلا يمضى تصرّف المولى فيها، كالمرهون، و يفارق العتق غيره، لأنّه مبنيّ على التغليب و السراية.

مسألة 129: المشهور: أنّ الأمّ تقتل بالولد لو قتلته عمدا،

و كذا الأجداد من قبلها.

و قال ابن الجنيد: و لا يقاد والد و لا والدة و لا جدّ و لا جدّة لأب و لا لامّ بولد و لا ولد ولد إذا قتله عمدا.

لنا: عموم فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً (1) خرج عنه الأب، للأحاديث الدالّة عليه، و الجدّ من قبله، لأنّه أب فبقي الامّ و الأجداد من قبلها على الأصل.

احتجّ: بأنّ الأمّ يصدق عليها أنّها واحد الوالدين، فساوت الآخر.

و الجواب: المنع من المساواة.

مسألة 130: قال الشيخ في (النهاية): إذا قتل رجل رجلين أو أكثر منهما و أراد أولياء المقتولين القود،

فليس لهم إلّا نفسه، و لا سبيل لهم على ماله و لا ورثته و لا عاقلته، و إن أرادوا الدية، كان لهم عليه عن كلّ مقتول دية كاملة على الوفاء (2). و تبعه ابن البرّاج و ابن إدريس (3).

و قال في (الخلاف): إذا قتل واحد عشرة، فلكلّ واحد القود، إذ لا يتعلّق حقّه بحقّ غيره، فإن قتل الأوّل، سقط حقّ الباقين، و إن بادر أحدهم فقتله، سقط حقّ كلّ واحد من الباقين، و به قال الشافعي إلّا أنّه قال: يسقط إلى بدل هو كمال الدية في ماله. و استدلّ بإجماع الفرقة، و الأصل براءة الذمّة من إثبات

____________

(1) الاسراء: 33.

(2) النهاية: 746- 747.

(3) المهذّب 2: 469، السرائر 3: 348.

452

البدل. على أنّا قد بيّنّا أنّ الدية لا تثبت إلّا بالتراضي (1). و هو اختياره في (المبسوط) (2).

و قال ابن الجنيد: و لو قتل جماعة عمدا فحضر أولياؤهم يطالبون بالقود، أقيد بالأوّل، و كان لمن بعده الدية في ماله، و لو عفا الأول، سلّم إلى الثاني، و لو لم يقم بيّنة بأنّه الأول و أقرّ القاتل بمن قتله أوّلا، قبل قوله، و لو طلب جميعهم الدية، كان عفوا عن القود، و كانت الديات في ماله.

و قول ابن الجنيد هو الوجه عندي، لقوله (عليه السلام): (لا يطلّ دم امرئ مسلم) (3).

و قول المفيد في (المقنعة): إنّه إذا كان له مال فاختار أولياء المقتولين الديات، كان عليه ديات الجماعة، و إن لم يكن له مال، فليس لهم إلّا نفسه، فإذا قتل، كان مستقادا بجميع من قتل، و لم يكن لأولياء المقتولين رجوع على ورثته بشيء (4)، لا ينافي ما قلناه.

مسألة 131: قال ابن الجنيد: و إذا شهدت الشهود عند الحاكم بالقتل،

حبس المدّعى عليه القتل إلى أن يتبيّن حال الشهود. و لو ادّعى الولي البيّنة حبس إلى سنة، فإن أقامها، و إلّا خلّي.

و لو شهد شاهدان أنّ عمرا قتل زيدا عمدا، و شهد ثلاثة شهود أنّ بكرا قتل زيدا عمدا، نظر إلى دعوى وليّ زيد، فإن كانت على بكر، طولب الوليّ بأن يقسم مع الشهود على الذي يدّعي، فإن أقسم، استحقّ الدم، و إن لم يقسم الوليّ أو كان القتل خطأ، عرض على الشهود اليمين، فإن هم حلفوا، استحقّ الوليّ الدية على المحلوف عليه أو على عاقلته، فإن تشاحّ الشهود في اليمين، أقرع

____________

(1) الخلاف 5: 182- 183، المسألة 47.

(2) المبسوط 7: 60.

(3) انظر ما علّقنا عليه في المسألة 1.

(4) المقنعة: 745.

453

بينهم، فأيّهم حلف أخذ بقوله، و إن نكلوا جميعا عن اليمين، كانت الدية على القاتلين: على الذي شهد عليه ثلاثة: ثلاثة أخماس الدية، و على الذي شهد عليه اثنان: خمسا الدية.

فإن كان الثلاثة الشهود يشهدون على الاثنين أنّهما قتلا و الشاهدان يشهدان على الثلاثة الذين شهدوا عليهما أنّهم القتلة، فإن أقسم الولي على إحدى الطائفتين، كان له الخيار فيهم في القود أو الدية، و إن لم يقسم الولي على إحداهما، كانت الدية بينهم: على الشاهدين ثلاثة أخماس الدية، و على الثلاثة خمساها.

و في هذا الكلام إشكال.

أمّا حبس المدّعى عليه قبل إثبات الحقّ فقد سبق البحث فيه مع الشيخ.

و الوجه: أنّه لا يحبس، لأنّه تعجيل للعقوبة قبل ثبوت سببها، و كذا لو ادّعى الوليّ البيّنة.

و أمّا تعارض البيّنات: فالوجه أنّ الولي على أيّهما ادّعى سقط حقّه عن الآخر، و تثبت دعواه بالبيّنة، و لا تحتاج إلى القسامة، بل يثبت القود مع الدعوى و الشهادة بدون القسامة. و إحلاف الشهود لا سبيل إليه إذا لم يعهد ذلك في الشرع، و لا تقسم الدية أخماسا، بل تثبت على من تتوجّه الدعوى عليه.

و إذا شهد كلّ من المشهود عليه و الشاهد على صاحبه، سقطت الشهادة مع حصول الشبهة و قيام التهمة.

مسألة 132: قال ابن الجنيد: و للوليّ أن يقتل قاتل قريبه بمثل القتلة التي قتله بها إن وثق بأنّه لا يتعدّى،

و الاختيار أن لا يقع القود إلّا بالسيف.

و المشهور عند علمائنا: أنّه لا يمكّن من ذلك، بل يقتل بالسيف، لما رواه موسى بن بكر عن العبد الصالح (عليه السلام) في رجل ضرب رجلا بعصا، فلم يرفع العصا حتى مات، قال: «يدفع إلى أولياء المقتول و لكن لا يترك يتلذّذ به

454

و لكن يجاز عليه بالسيف» (1).

احتجّ: بعموم قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ (2) و هو وجه قريب من الصواب.

مسألة 133: قال ابن الجنيد: و إذا أقرّ رجل بقتل رجل خطأ، فادّعى الولي بأنّه قتله عمدا،

فإن أقسم الولي، استحقّ القود، و إن لم يقسم، كانت الدية في مال المقرّ.

و هذا يعطي تقديم قول الوارث لو اختلف هو و الجاني في صفة القتل.

و قال الشيخ في (المبسوط): إذا ادّعى على رجل أنّه أقرّ بقتل وليّه عمدا، فأقام شاهدين، فشهد أحدهما أنّه أقرّ بقتله عمدا، و شهد الآخر على إقراره بالقتل فقط، فقد ثبت القتل بشاهدين، فيطالب بالبيان، فإن قال: قتلته عمدا، قتلناه باعترافه، و إن قال: قتلته خطأ، فإن صدّقه الوليّ تثبت دية الخطأ عليه مؤجّله في ماله، و إن كذّبه الوليّ، فالقول قول المدّعى عليه (3).

و هو يشعر بتقديم قول الجاني في صفة القتل.

و قول ابن الجنيد جيّد، لأنّ إقراره بالقتل لوث، فكان للوليّ إثباته بالقسامة.

مسألة 134: قال ابن الجنيد: لو جرح مسلم مسلما فارتدّ المجروح ثمَّ أسلم فمات مسلما،

كان القود عندي للأولياء إن أحبّوا، لأنّ توسّط الحال بالردّة لا حكم لها مع وجوب القود في ابتداء الجناية و لو كانت نفسا و انتهى بها لما آلت إلى النفس، و لأنّ حكم الردّة غير مسقط حقّ المسلم إذا أسلم بعدها.

و الشيخ- (رحمه الله)- فصّل في (المبسوط) فقال: إن أقام على الردّة مدّة يسري فيها الجراح ثمَّ عاد إلى الإسلام، فلا قود، لأنّ القصاص إنّما يجب بالقطع

____________

(1) الكافي 7: 279/ 6، التهذيب 10: 157/ 629.

(2) البقرة: 194.

(3) المبسوط 7: 253.

455

و كلّ السراية، بدليل أنّه لو قطع مسلم يد مسلم فارتدّ المقطوع و مات على ردّته، لا قود عليه، و لو قطع يد مرتدّ فأسلم المرتدّ و مات مسلما، لا قود فيه، فإذا كان وجوبه بالقطع و كلّ السراية، فإنّ بعض السراية هنا هدر، لأنّها حال الردّة، فقد مات من أمرين: مضمون و غير مضمون، فسقط القود، لأنّ القصاص لا يتبعّض، و إن عاد إلى الإسلام قبل أن يكون لها سراية حال الردّة، ثمَّ مات، قال قوم: لا قود، لأنّه حصل حال السراية حال لو مات فيها لا قود، فوجب أن يسقط القود رأسا. و قال آخرون: عليه القود، لأنّ الجناية و كلّ السراية حصلت حال التكافؤ، فكان عليه القود، و هو الأقوى عندي (1). و تبعه ابن البرّاج (2).

و قال في (الخلاف): الأقوى عندي أنّه يجب عليه القود، لأنّ الإسلام وجد في الطرفين حال الإصابة، و حال استقرار الدية، فتجب الدية كاملة أو القود (3).

و هذا عندي أقوى.

لنا: أنّه لو قتله قاتل حال رجوعه إلى الإسلام، لوجب عليه القود و إن سرت جراحة الأوّل مدّة مديدة، و القتل هنا مستند إلى الجناية، فكان على فاعلها القود، كغيره.

مسألة 135: قال ابن الجنيد: و عفو المقتول خطأ عن جنايته كوصيّته يصحّ منها ما يصحّ من وصاياه،

فأمّا عفوه عن القاتل عمدا فباطل لا يصحّ لوجهين:

أحدهما: أنّه عفا عمّا لا يملك، و الثاني: أنّه وصيّة لقاتل عمدا، و هي لا تصحّ عندنا.

و لو شاء وليّ المقتول عمدا العفو، لم يكن له ذلك إذا كان على المقتول دين لا وفاء له، إلّا إذا ضمن الوليّ الديون.

و لو كانت الجناية جراحة خطأ، فآلت إلى التلف و كان المجنيّ عليه قد عفا عن

____________

(1) المبسوط 7: 26.

(2) المهذّب 2: 465- 466.

(3) الخلاف 5: 164، المسألة 25.

456

الجرح، كان على عاقلة الجاني الدية إلّا قدر دية الجرح الذي عفا له عنه، فإن كان عفا عن الجرح و ما يتولّد منه، كان ذلك كالوصيّة إن كانت الجناية عمدا فآلت إلى التلف و قد عفا عن الجراح و ما يتولّد منه من قصاص أو دية، فإن قال: إن كانت نفسا، لم يصحّ العفو عن النفس، لأنّ ذلك حقّ يجب لغيره، فنزيل القود للخلاف و الشبهة، و نوجب الدية على القاتل في ماله.

و قال الشيخ في (المبسوط): إذا قطع إصبعه عمدا ثمَّ عفا المجنيّ عليه، فإن سرت إلى الكفّ، فلا قود في الإصبع، لأنّه قد عفا عنه، و أمّا الكفّ بعد الإصبع فلا قود فيها، لأنّه لا قصاص في الأطراف بالسراية، و يجب على الجاني دية ما بعد الإصبع، و هو أربع أصابع، و سواء قال: و عمّا يحدث منها أو لم يقل، لأنّ الحادث هنا وجوب دية ما بعد الإصبع، فهو عفو و إبراء عمّا لم يجب. و إن سرى إلى النفس، فالقود في النفس لا يجب، لأنّه عفا عن القود في الإصبع، و إذا سقط فيها سقط في الكلّ، لأنّ القصاص لا يتبعّض، و هذا القصاص يسقط عن النفس، سواء قلنا: تصحّ الوصية من القاتل أو لا نقول، لأنّ القولين فيما كان مالا، فأمّا القصاص فإنّه يصحّ، لأنّه ليس بمال، بدليل أنّه قد يعفو عن القود من لا يصحّ أن يعفو عن المال، كالمحجور عليه للسفه.

و الذي رواه أصحابنا أنّه إذا جنى عليه فعفا المجنيّ عليه عنها ثمَّ سرى إلى نفسه: أنّ لأوليائه القود إذا ردّوا دية ما عفا عنه على أولياء المقتصّ منه، فإن لم يردّوا لم يكن لهم القود.

فأمّا دية النفس: فإن قال: عفوت عنها و ما يحدث من عقلها.

فإن كان بلفظ الوصيّة فهو وصيّة لقاتل، و هل تصح؟ قال قوم: لا، لقوله (عليه السلام): (ليس للقاتل شيء) (1) و قال آخرون: تصحّ. و هو الذي يقتضيه مذهبنا، لأنّه لا مانع منه، فمن قال: لا تصحّ قال: تكون الدية ميراثا. و من قال:

تصحّ، أخرجت من الثلث.

____________

(1) سنن أبي داود 4: 694/ 4564، سنن البيهقي 6: 219.

457

و إن كان بلفظ العفو و الإبراء، فهل العفو و الإبراء من المريض وصيّة أم لا؟

قال قوم: هو وصيّة، لأنّه يعتبر من الثلث. و قال آخرون: هو إسقاط و إبراء، و ليس بوصيّة، لأنّ الوصيّة نقل ملك فيما يأتي، و الإبراء إسقاط في الحال، فلهذا لم يكن العفو كالوصيّة. و عندنا أنّه ليس وصيّة، و هل يعتبر من الثلث؟ فيه لأصحابنا روايتان.

فمن قال: إنّه كالوصيّة، فالحكم فيه كما لو كان بلفظ الوصيّة، و قد مضى، و من قال: هو إبراء و ليس بوصيّة، صحّ عمّا وجب، و هو دية الأصابع، و لم يصح فيما عداه، لأنّه إبراء عمّا لم يجب (1).

و الوجه: أن نقول: العفو كالوصيّة في أنّه يخرج من الثلث، و إنّه يصح ممّا وجب لا ممّا يتجدّد.

و الوصيّة تجوز للقاتل عمدا على التفصيل الذي سبق منّا في كتاب الوصيّة (2).

و يصحّ العفو عن القود من الوليّ و إن كان على المقتول دين، لأنّ الواجب عندنا إنّما هو القود، و الدية تثبت بدلا، فليس للغرماء الاعتراض.

و إذا قال: عفوت عن الجناية و عمّا يتجدّد منها، لم يتناول ما يتجدّد، لأنّه إبراء ممّا لم يجب، بخلاف الوصيّة، و لا يسقط القود باعتبار العفو الباطل.

و قول الشيخ في (المبسوط): لا قصاص في الأطراف بالسراية، ممنوع، لأنّه كما يجب في النفس بالسراية ففي الأطراف أولى، و سقوط القصاص في الإصبع لا يستلزم سقوطه في النفس.

تذنيب: قال ابن الجنيد: و لو وصّى المجنيّ عليه بأن يعفى عن قاتله و كانت الجناية خطأ، كانت كالوصيّة المتطوّع بها، و إن كان عمدا، ادرئ القتل و الزم الدية في ماله.

و الوجه عندي: التسوية بينهما في إسقاط الدية في العمد، كما يسقط القود.

____________

(1) المبسوط 7: 109- 111.

(2) انظر: ج 6 ص 335- 336، المسألة 112.

458

مسألة 136: قال ابن الجنيد: و إذا قطعت اليد من نصف الذراع،

كان الخيار إلى المجنيّ عليه إن شاء قطع الكف و أخذ قدر أرش ما قطع من ذراعه زائدا على كفّه بحكومة ذوي عدل، و إن شاء اقتصّ من مفصل المرفق، و أعطى قدر أرش ما أخذه من ذراع الجاني زائدا على حقّه بحكومة ذوي عدل.

و قال الشيخ في (المبسوط): و إن قطع يده من بعض الذراع، فلا قصاص فيها من بعض الذراع، لأنّ نصف الذراع لا يمكن قطعه خوفا على إتلافه، أو أخذ أكثر من حقّه، فيكون المجنيّ عليه بالخيار بين العفو على مال و له دية يد و حكومة فيما زاد عليها من الذراع و بين القصاص فيقتصّ اليد من الكوع و يأخذ حكومة فيما بقي من الذراع (1).

و قول الشيخ هو الأشهر فتعيّن العمل به، و به قال ابن البرّاج (2).

تذنيب: قول الشيخ و ابن البرّاج يعطي أنّ في الزائد على الكفّ حكومة.

و قال ابن إدريس: يعتبر بالمساحة، فيثبت في اليد القود، لأنّ لها مفصلا، و عليه نصف دية الذراع لو قطع نصفه (3).

مسألة 137: قال الشيخ في (النهاية): الأعور إذا فقأ عين صحيح،

قلعت عينه و إن عمي، فإنّ الحقّ أعماه، فإن قلعت عينه، كان مخيّرا بين أن يأخذ الدية كاملة أو يقلع إحدى عيني صاحبه، و يأخذ نصف الدية (4).

و قال ابن الجنيد: الأعور إذا فقأ عين صحيح، فقئت عينه، لأنّ الحقّ أعماه إن شاء الوليّ، فإن فقأ صحيح عين أعور ولادة أو بمرض أو في سبيل اللّه، كان الخيار إلى المجنيّ عليه، فإن شاء أخذ الدية كاملة للبصر، و إن شاء فقأ

____________

(1) المبسوط 7: 79.

(2) المهذّب 2: 473.

(3) السرائر 3: 395.

(4) النهاية: 765- 766.

459

إحدى عيني الجاني و أخذ منه نصف الدية، و إن شاء أعطى نصف دية و فقأ عيني الجاني.

و الوجه: ما قاله الشيخ في (النهاية) و قد تقدّم (1) البحث في ذلك، و لا وجه لقلع العينين، فإن جعلهما بمثابة العين الواحدة، فلا وجه لدفع نصف الدية حينئذ، و الأولى ما قاله الشيخ، و عليه الروايات.

مسألة 138: قال ابن الجنيد: و لو كانت لرجل إصبع زائدة في غير منبت الأصابع فقطعت،

لم يكن فيها قصاص، و كان فيها ثلث الدية، و إن كان منبتهما واحدا و قطعتا جميعا، وقع بهما قصاص بإصبع واحدة.

و الوجه: أنّ له القصاص و أخذ دية الزائدة، و هي ثلث دية الأصلية، لأنّهما عضوان قطعا، فلا يسقط أحدهما بالاجتماع.

مسألة 139: قال ابن الجنيد: لو قطع رجل اذن رجل فاقيد فأخذ المستقاد منه أذنه فألصقها فالتصقت،

كان للمجني عليه أن يقطعها ثانيا، فإن كان الأوّل أعاد اذنه فالتصقت ثمَّ طلب القود، لم يكن له أوّلا و لا ثانيا.

و الوجه: أنّ له القصاص، لأنّ هذا الالتصاق لا يقرّ عليه، بل تجب إزالته، فلا يسقط القصاص بما لا استقرار له في نظر الشرع.

مسألة 140: قال ابن الجنيد: و الأولى عندنا بالقصاص من الجراح دون النفس أن يكون بعد أن يبرأ المجنيّ عليه،

لئلّا يتعدّى الجراح إلى التلف أو زيادة على ما يجب به وقت وقوعه، و إذا أخّر ذلك عرف ما يمكن أن يقع به القصاص وقت برئه، و إن اختار المجنيّ عليه أن يقتصّ قبل البرء، كان ذلك له، فإن زاد الجرح، لم يكن على الذي يستقاد منه زيادة في اقتصاص و لا دية. و لو برأ المجنيّ عليه

____________

(1) تقدّم في المسألة 59.

460

فاقتصّ ثمَّ انتقضت جراحة المجني عليه فآلت إلى تلف، لم يكن فيها قود، و على الجاني الدية بعد أرش ما اقتصّ منه للشبهة.

و قال الشيخ في (المبسوط): القصاص يجوز من الموضحة عند قوم، و قال قوم: لا يجوز إلّا بعد الاندمال، و هو الأحوط عندنا، لأنّها ربما صارت نفسا (1).

و قول ابن الجنيد قويّ في جواز المبادرة إلى القصاص، لأنّه حقّ يثبت له، فيندرج تحت قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ (2) لكن قوله: فإن زاد الجرح، لم يكن على الذي يستقاد منه زيادة في اقتصاص و لا دية، بل يجب عليه دية الزيادة و القصاص إن كان ممّا يقتصّ فيه. و كذا قوله: لو برأ المجنيّ عليه فاقتصّ ثمَّ انتقضت جراحة المجنيّ عليه فآلت إلى تلف لم يكن فيها قود، بل الوجه: وجوب القود لحصول السبب، و هو الجناية عمدا.

مسألة 141: قال المفيد في (المقنعة): و من سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أو واحدا من الأئمّة (عليهم السلام)،

فهو مرتدّ عن الإسلام، و دمه هدر، يتولّى ذلك منه الإمام، فإن سمعه منه غير الإمام فبدر إلى قتله، عصى اللّه، و لم يكن عليه قود و لا دية، لاستحقاقه القتل على ما ذكرناه، لكنه يكون مخطئا بتقدّمه على السلطان (3).

و قال الشيخ في (النهاية): و من سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أو واحدا من الأئمّة (عليهم السلام)، كان دمه هدرا، و حلّ لمن سمع ذلك منه قتله ما لم يخف في قتله على نفسه أو على غيره (4).

و الوجه: ما قاله المفيد، لأنّه حدّ، و المستوفي للحدود هو الإمام، و رواية أبي عاصم السجستاني (5) دالّة عليه.

____________

(1) المبسوط 7: 75.

(2) المائدة: 45.

(3) المقنعة: 743.

(4) النهاية: 730.

(5) الكافي 7: 376/ 17، التهذيب 10: 213/ 844.

461

مسألة 142: قال المفيد: السيّد إذا قتل عبده عمدا،

كان عليه كفّارة صنيعه:

عتق رقبة مؤمنة، و إن أضاف إليه صيام شهرين متتابعين و إطعام ستّين مسكينا فهو أفضل و أحوط له في كفّارة ذنبه (1). و هذا يشعر باكتفاء العتق.

و الشيخ- (رحمه الله)- قال في (النهاية): من قتل عبده متعمّدا، كان عليه كفّارة قتل العمد (2). و عليه المشهور، و هو الأقوى، لدلالة الروايات عليه:

روى أبو بصير- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «من قتل عبده متعمّدا فعليه أن يعتق رقبة، و أن يطعم ستّين مسكينا و يصوم شهرين» (3).

و في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يقتل عبده متعمّدا أيّ شيء عليه من الكفّارة؟ قال: «عتق رقبة و صيام شهرين متتابعين و صدقة على ستّين مسكينا» (4).

مسألة 143: قال الشيخ في (المبسوط)- و تبعه ابن البرّاج (5)-: إذا قطع إنسان يد غيره و قطع آخر رجله، و أوضحه ثالث فسرى إلى نفسه،

كان جميعهم قتلة له، و كان وليّه مخيّرا بين أن يقتصّ أو يعفو، فإن اقتصّ، كان له أن يقتصّ في الجراح، فيقطع القاطع ثمَّ يقتله، و يوضح الذي أوضحه ثمَّ يقتله (6).

و قال في (الخلاف): إن أراد وليّ الدم قتلهم قتلهم، و ليس له أن يقتصّ منهم، ثمَّ يقتلهم، و قال الشافعي: له أن يقطع قاطع اليد و يقتله، و كذلك يقطع رجل قاطع الرّجل ثمَّ يقتله، و كذلك يوضح الذي أوضحه ثمَّ يقتله. دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم (7).

____________

(1) المقنعة: 749.

(2) النهاية: 752.

(3) الكافي 7: 303/ 4، التهذيب 10: 234/ 929.

(4) التهذيب 10: 235/ 934.

(5) المهذّب 2: 463.

(6) المبسوط 7: 14.

(7) الخلاف 5: 158، المسألة 16.

462

و قول الشيخ في (الخلاف) هو المشهور، و في قوله في (المبسوط) بعض القوّة.

مسألة 144: قال الشيخ في (المبسوط): إذا قطع كفّا زائدا إصبعا و يده غير زائدة،

فإن عفا المجنيّ عليه على مال ثبت له دية يد كاملة و حكومة في الإصبع الزائدة، و إن اختار القصاص، اقتصّ، و كان له حكومة في الإصبع الزائدة، و لا تبلغ تلك الحكومة دية إصبع أصليّة بحال، لأنّا لا نأخذ في الخلقة الزائدة ما نأخذ في الأصلية (1). و تبعه ابن البرّاج (2).

و الوجه: أنّ في الزائدة ثلث دية الأصلية على ما تقدّم.

مسألة 145: قال الشيخ في (النهاية): و في الأنف إذا استؤصلت الدية كاملة،

و كذلك إذا قطع مارنها، كان فيه الدية (3).

و تبعه ابن إدريس فقال: و في الأنف إذا استؤصلت و استوعبت جدعا الدية كاملة، و كذلك إذا قطع مارنها فحسب، كان فيه الدية أيضا، و المارن: مالان منها و نزل عن الخياشيم (4).

و قال في (المبسوط): الذي يؤخذ قصاصا و يجب فيه كمال الدية هو المارن من الأنف، و المارن ما لان منه، و هو ما ينزل عن قصبة الخياشيم التي هي العظم، لأنّ له حدّا ينتهي إليه، فهو من قصبة الأنف، كاليد من الساعد، و الرّجل من الساق.

ثمَّ ينظر فإن قطعه كلّه، فالمجنيّ عليه بالخيار بين القود أو كمال الدية، لأنّ في الأنف الدية، فإن قطعه مع قصبة الأنف، فهو كما لو قطع اليد من بعض الساعد،

____________

(1) المبسوط 7: 87.

(2) المهذّب 2: 479.

(3) النهاية: 766.

(4) السرائر 3: 382.

463

المجنيّ عليه بالخيار بين أن يعفو و له كمال الدية في المارن، و حكومة في القصبة، كما لو قطع يده من نصف الساعد، فإنّ له أن يعفو و يأخذ كمال الدية، و حكومة في الساعد، و إن اختار أخذ القصاص في المارن و حكومة في القصبة كالساعد سواء (1). و تبعه ابن البرّاج (2).

و الوجه: ما قاله الشيخ، لما رواه عبد اللّه بن سنان- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «في الأنف إذا استؤصل جدعه الدية» (3).

و في الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: «و في الأنف إذا قطع المارن الدية» (4).

و قد ظهر من هاتين الروايتين وجوب الدية في الأنف جميعه و في مارنه.

مسألة 146: إذا جنت أمّ الولد،

قال الشيخ في (المبسوط): كان أرش جنايتها على سيّدها بلا خلاف، إلّا أبا ثور، فإنّه قال: أرش جنايتها في ذمّتها تتبع به بعد العتق (5).

و قال في (الخلاف): إذا جنت أمّ الولد، كان أرش جنايتها في ذمّتها تتبع به بعد العتق، و هو اختيار المزني. و عندنا أنّ جنايتها مثل جناية المملوك سواء على ما مضى القول فيه من أنّ السيّد بالخيار بين أن يؤدّي أرش جنايتها أو يسلّمها.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم على أنّها مملوكة يجوز بيعها (6).

و قال ابن البرّاج: إذا جنت أمّ الولد جناية، كان على سيّدها أرش جنايتها (7).

و هو موافق لقول الشيخ في (المبسوط).

و الوجه: ما قاله في (الخلاف) لعموم الأدلّة الدالّة على أنّ السيّد لا يعقل عبده.

____________

(1) المبسوط 7: 95- 96.

(2) المهذّب 2: 481.

(3) الكافي 7: 312/ 4، التهذيب 10: 246/ 972.

(4) الكافي 7: 311/ 3، التهذيب 10: 245/ 970.

(5) المبسوط 7: 160.

(6) الخلاف 5: 271- 272، المسألة 88.

(7) المهذّب 2: 488.

464

و قوله في (المبسوط) ليس بعيدا من الصواب، لأنّ المولى باستيلاده منع من بيع رقبتها، فأشبه ما لو أعتق الجاني عمدا.

مسألة 147: قول المقتول قبل موته: قاتلي فلان، لا يعدّ لوثا،

قاله الشيخ في (المبسوط) و (الخلاف) (1) و تبعه ابن إدريس (2).

و قال ابن البرّاج في كتابيه معا: إنّه لوث يثبت معه القسامة (3).

و الوجه: الأول، لقوله (عليه السلام): (البيّنة على المدّعي) (4) و هذا مدّع.

احتجّ: بأنّ الظنّ يحصل بصدقه، لأنّه إخبار مسلم عند وفاته و قربه من الآخرة، فيغلب على الظنّ صدقه.

و الجواب: العمل بالنصّ أولى.

مسألة 148: قال الشيخ في (النهاية): دية العبد قيمته يوم قتله

إلّا أن يزيد على دية الحرّ، فإن زاد على ذلك، ردّ إلى دية الحرّ (5). و كذا قال المفيد في (المقنعة) (6) و هو المشهور بين علمائنا.

و قال ابن حمزة: و إن قتل عبد غيره، لزمه قيمته ما لم تتجاوز دية الحرّ، فإن تجاوزت، ردّت إلى أقلّ من دية الحرّ و لو بدينار (7).

و الروايات على الأوّل:

روى ابن مسكان- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «دية العبد قيمته و إن كان نفيسا، فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، و لا يتجاوز به دية الحرّ» (8)

____________

(1) المبسوط 7: 215، الخلاف 5: 310، المسألة 9.

(2) السرائر 3: 401.

(3) المهذّب 2: 500.

(4) سنن الترمذي 2: 399/ 1356، سنن الدار قطني 4: 157/ 8، سنن البيهقي 8: 279 و 10: 252.

(5) النهاية: 750.

(6) المقنعة: 740.

(7) الوسيلة: 433.

(8) الكافي 7: 304/ 5، التهذيب 10: 192/ 760، الاستبصار 4: 274/ 1038.

465

و كذا غيره من الروايات. و قول ابن حمزة لا وجه له.

مسألة 149: قال الشيخ في (النهاية): إذا قتل العبيد بعضهم بعضا أو تجارحوا،

أقيد بينهم، و اقتصّ لبعضهم من بعض (1). و أطلق، و كذا قال ابن إدريس (2).

و قال في (المبسوط) و (الخلاف): إذا قتل عشرة أعبد عبدا دفعة، فالقود عليهم، فإن اقتصّ، فلا كلام، غير أنّ عندنا إن زادت أثمانهم على قيمة عبده، وجب عليه ردّ ما فضل، و إن كان ثمنهم وفقا لقيمته أو دونها، فلا شيء عليه، و لم يعتبر ذلك أحد (3).

و قال ابن حمزة: و إن قتل عبد عبدا، لزم القود مع تفاوت القيمتين من غير ترادّ (4). و ليس بمعتمد.

و الوجه: الترادّ إن كان الجاني أكثر قيمة، كما في المرأة و الرجل.

مسألة 150: قال ابن حمزة: و إن قتل حرّان آخر، و كان قتل أحدهما عمدا و الآخر خطأ،

أو قتل عاقل و صبي أو مجنون حرّا، لم يلزم القصاص، و لزم الدية، و كان ما يصيب من الدية الحرّ العاقل العامد في ماله مغلّظا، و نصيب المخطئ أو الصبي و المجنون على عاقلته (5).

و المشهور: أنّه يجب القود على العامد بعد ردّ الفاضل عن جنايته، و قد تقدّم البحث في ذلك مع الشيخ.

مسألة 151: المشهور: أنّ دية عمد الخطأ تستأدى في سنتين.

و قال ابن حمزة: تستأدى في سنة إذا كان القاتل في غنى و يسار، و في سنتين

____________

(1) النهاية: 751.

(2) السرائر 3: 354.

(3) المبسوط 7: 7- 8، الخلاف 5: 150، المسألة 6.

(4): الوسيلة: 435.

(5): الوسيلة: 435.

466

إذا لم يكن (1).

و الاعتماد على المشهور أقوى.

مسألة 152: قال ابن حمزة: و إن ذهب السمع من إحدى الأذنين بسبب من اللّه تعالى،

ففي الأخرى الدية كاملة، و إن ذهب بسبب من الناس لم يتغيّر حكم الأخرى (2).

و نحن نمنع ذلك، فإن حمله على الأعور، منعنا القياس، لبطلانه عندنا، و إن قاله لدليل، طالبناه به.

مسألة 153: قال ابن حمزة: و دية العمشاوين ثلث دية النفس (3).

و قال الشيخ في (المبسوط): و في العينين الدية، و في ضوئهما الدية، و لا فصل بين أن تكونا صغيرتين أو كبيرتين، مليحتين أو قبيحتين، عمشاوين أو صحيحتين (4). و هو الأقرب، للعموم.

قال صاحب (الصحاح): العمش في العين: الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها (5).

مسألة 154: قال ابن حمزة: و إن شقّ ما بين المنخرين،

ففيه خمسون دينارا، فإن بقي منفرجا، ففيه زيادة حكومة (6).

و قال الشيخ في (المبسوط): فإن شقّ الحاجز بين المنخرين، ففيه حكومة، سواء اندمل أو بقي منفرجا، غير أنّه إذا كان منفرجا، فالحكومة فيه أكثر منه إذا

____________

(1) الوسيلة: 441.

(2) الوسيلة: 445.

(3) الوسيلة: 446.

(4) المبسوط 7: 127.

(5) الصحاح 3: 1012 «عمش».

(6) الوسيلة: 447.

467

كان ملتحما (1). و هو الأقرب- و به قال ابن إدريس (2)- عملا بالأصل من عدم التقدير بالخمسين.

مسألة 155: قال ابن حمزة: فإن رضّ أحد خمسة أعضاء:

المنكب و العضد و المرفق و الرسغ و الكفّ، و انجبر على عثم، ففيه ثلث دية اليد، فإن انجبر على غير عثم، ففيه مائة دينار، و قيل: مائة و ثلاثون دينارا و ثلث (3).

و في كتاب ظريف: «فإن رضّ المرفق فعثم، فديته ثلث دية النفس: ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون دينارا و ثلث دينار، فإن كان فكّ، فديته ثلاثون دينارا، و في المرفق الآخر مثل ذلك سواء، و دية الرسغ إذا رضّ فجبر على غير عثم و لا عيب ثلث دية اليد: مائة دينار و ستّة و ستّون دينارا و ثلثا دينار» (4).

مسألة 156: قال ابن حمزة: فإن كانت الجناية على النفس عمدا محضا،

كانت القسامة خمسين يمينا، و إن كان معه شاهد واحد، كان عليه خمس و عشرون يمينا (5).

و قال الشيخ في (المبسوط): و إن كانت الدعوى عمدا محضا يوجب القود، حلف المدّعي خمسين يمينا مع اللوث، سواء كان اللوث شاهدا أو غير شاهد (6).

و هو الأحوط، فيتعيّن العمل.

مسألة 157: قال ابن حمزة: و إن كان من يحلف ثلاثة، حلف كلّ واحد سبع عشرة يمينا (7).

و هو قول الشيخ في (المبسوط) (8).

____________

(1) المبسوط 7: 131.

(2) السرائر 3: 398.

(3) الوسيلة: 453، و فيه: مائة و ثلاثة و ثلاثون. و أيضا سقطت فيه كلمة «مائة».

(4) الفقيه 4: 59/ 194، التهذيب 10: 301 و 302/ 1148.

(5) الوسيلة: 460.

(6) المبسوط 7: 212.

(7) الوسيلة: 460.

(8) انظر: المبسوط 7: 222.

468

و الأقرب: أنّه لا حاجة إلى اليمين الزائدة، بل يتولّى الوليّ اليمين المتكرّرة.

مسألة 158: قال الشيخ في (المبسوط) في كتاب الجراح: إذا قتل مسلم كافرا، لم يقتل به،

سواء كان معاهدا أو مستأمنا أو حربيّا، و عليه التعزير و الدية و الكفّارة (1).

و قال في كتاب كفّارة القتل فيه: إن كان المقتول مسلما في دار الإسلام، ففيه الدية و الكفّارة بلا خلاف، و إن كان معاهدا قتل في دار الإسلام، ففيه الدية بلا خلاف، و الكفّارة عند الفقهاء (2).

و قال في (الخلاف): لا تجب الكفّارة بقتل الذمّيّ و المعاهد، و خالف جميع الفقهاء في ذلك، و أوجبوا فيه الكفّارة. و استدلّ بأصالة البراءة، و قوله تعالى:

وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ (3) الضمير في كان يرجع إلى المؤمن (4).

و هذا هو الأصحّ، و الظاهر أنّ قوله الأول في (المبسوط) كلام المخالفين دون أن يكون ذلك اعتقاده.

مسألة 159: إذا جنى العبد، تعلّق أرش الجناية برقبته،

فإن أراد سيّده أن يفديه، قال في (المبسوط): يفديه عند قوم بأقلّ الأمرين من قيمته أو أرش جنايته، لأنّه إن كانت قيمته أقلّ، فليس عليه غير قيمة عبده، و إن كانت الجناية أقلّ، فليس عليه غيرها، و عند آخرين بالخيار بين أن يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، أو يسلّمه للبيع، لأنّه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بذلك القدر أو أكثر، و هذا أظهر في رواياتنا، و الأوّل الأقوى (5).

____________

(1) المبسوط 7: 5 و 6.

(2) المبسوط 7: 245.

(3) النساء: 92.

(4) الخلاف 5: 319، المسألة 1.

(5) المبسوط 7: 7.

469

و قال في (الخلاف): إذا جنى العبد، تعلّق أرش الجناية برقبته، فإن أراد السيّد أن يفديه، كان بالخيار بين أن يسلّمه برمّته أو يفديه بمقدار أرش جنايته.

و نقل عن الشافعي وجهين هذا أحدهما. ثمَّ استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم (1).

و هو المعتمد، لما قاله في (المبسوط).

مسألة 160: قال الشيخ في (المبسوط): إذا ألقاه في البحر فقبل وصوله إلى الماء التقمه الحوت،

قال قوم: عليه القود، لأنّه أهلكه بنفس الإلقاء، بدليل أنّه لو لم يأخذه الحوت كان هلاكه فيه، فكأنّ الحوت أتلفه بعد أن حصل منه ما فيه هلاكه، كما لو قتله ثمَّ ألقاه. و قال آخرون: لا قود، لأنّه ما هلك بنفس الإلقاء و لا بما قصد هلاكه به، و إنّما هلك بشيء آخر، كما لو رمي به من شاهق فاستقبله غيره بالسيف فقدّه بنصفين، فإنّ القود على الثاني، لأنّ هلاكه به، و لا قود على الدافع، و القولان قويّان، غير أنّ الأوّل أقواهما (2). و هذا يدلّ على تردّده.

و قال في (الخلاف): للشافعي قولان، أحدهما: عليه القود، لأنّه أهلكه بنفس الإلقاء- و هو الصحيح الذي نذهب إليه- و الثاني: لا قود عليه، لأنّ الهلاك حصل بغيره (3).

و هنا جزم بما قوّاه في (المسوط) و هو الوجه، لما ذكره (رحمه الله).

مسألة 161: قال الشيخ في (المبسوط): لو قطع حرّ يد عبد ثمَّ أعتق ثمَّ قطع آخر رجله ثمَّ عاد الأوّل فذبحه قبل الاندمال،

فإن اختار الوارث القود، سقط حقّ السيّد، لأنّه لا يجتمع القصاص و أخذ دية اليد قبل الاندمال بحال، و إن عفا على مال، وجبت دية حرّ مسلم اعتبارا بحال الاستقرار، يكون للسيّد منها أقلّ

____________

(1) الخلاف 5: 149، المسألة 5.

(2) المبسوط 7: 19.

(3) الخلاف 5: 162- 163، المسألة 22.

470

الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية (1).

و هذا بناء منه على دخول أرش الطرف في أرش النفس و قصاصه في قصاصها، و قد تقدّم البحث فيه.

مسألة 162: قال الشيخ في (المبسوط): لو قطع حرّ يد عبد ثمَّ أعتق، ثمَّ قطع آخر يده، و ثالث رجله، ثمَّ سرى الجميع،

فلا قود على الأوّل، و عليه ثلث الدية، و ما للسيّد منه؟ قال قوم: له أقلّ الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية.

و قال آخرون: له أقلّ الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية. و الأوّل أصحّ عندنا، لأنّ الأوّل لمّا جنى عليه هو ملك للسيّد، فلمّا جنى عليه آخران بعد العتق و ليس ذلك للسيّد و كانت جنايتهما حال الحرّية في حكم المعدومة في حقّ السيّد، إذ لا فرق بين عدمها و بين وجودها، و لا حقّ له فيها، فإذا كانت كالمعدومة، كان الجاني حال الرقّ كالمنفرد بالجناية، فلو انفرد بها ثمَّ أعتق العبد ثمَّ سرى إلى نفسه، كان على الجاني أقلّ الأمرين من أرش الجناية أو كمال الدية، فإذا شارك من لا حقّ للسيّد فيه صار عليه الثلث، و كان هذا الثلث مع الآخرين ككلّ الدية معه، فأوجبنا عليه أقلّ الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، لأنّه إن كان الأرش أقلّ من ثلثها، فلا شيء له في الزيادة، و إن كان أكثر من ثلثها، فما وجب على الجاني في ملكه إلّا ثلثها، فلا يستحقّ عليه أكثر منها.

و احتجّ الآخرون: بأنّه جنى عليه جان و هو ملك للسيّد، فلمّا أعتق جنى عليه آخران في غير ملكه.

و لو جنى عليه جان في ملكه و آخران في غير ملكه ثمَّ مات عبدا، بأن يبيعه السيّد بعد جناية الأوّل فجنى الآخران عليه في ملك المشتري ثمَّ مات، كان عليهم قيمته، على كلّ واحد ثلثها.

و هكذا لو جنى عليه الأوّل ثمَّ ارتدّ ثمَّ جنى عليه آخران و هو مرتدّ ثمَّ مات،

____________

(1) المبسوط 7: 36.

471

كان على الجاني قبل الردّة ثلث قيمته، ثبت أنّ على الجاني حال الرقّ ثلث قيمته إذا مات عبدا، فلو أعتق بعد جناية الأوّل و جنى عليه آخران حال الحرّيّة، كان الواجب على الجاني حال الرقّ ثلث الدية، و كان عليه ثلث القيمة إذا مات عبدا، و ثلث الدية إذا مات حرّا، فأوجب للسيّد من ذلك أقلّ الأمرين من ثلث قيمته أو ثلث الدية، لأنّه إن كان ثلث القيمة أقلّ، فلا شيء للسيّد فيما زاد على ثلثه بالسراية حال الحرّيّة، و إن كان ثلث الدية أقلّ، فلا يلزمه أكثر ممّا وجب عليه بالجناية في ملكه (1).

و قال في (الخلاف): إذا جنى جان على عبد غيره في حال الرقّ فقطع يده ثمَّ أعتق، فجنى عليه آخران حال الحرّيّة، فقطع أحدهما يده و الآخر رجله ثمَّ مات، فإنّه يجب على الجاني في حال الرقّ ثلث قيمة العبد وقت جنايته ما لم يتجاوز ثلث الدية، فإن تجاوز، وجب عليه ثلث الدية (2). و استدلّ بما ذكره في (المبسوط) أخيرا.

و نحن في هذه المسألة من المتوقّفين.

مسألة 163: قال في (المبسوط): إذا أمر خليفة الإمام رجلا بقتل رجل بغير حقّ،

فإن علم المأمور بذلك، لم يجز له قتله، فإن أطاعه، فعليه القود و الكفّارة و إن اعتقد المأمور أنّ قتله حقّ و أنّ خليفة الإمام لا يقتل إلّا بحقّ و أنّ طاعته فيما أمر به من هذا واجبة، فالذي يقتضيه مذهبنا: أنّ على المأمور القتل، لأنّه المباشر للظواهر كلّها (3).

و قال في (الخلاف): و إن لم يعلم إلّا أنّه اعتقد أنّ الإمام لا يأمر بقتل من لا يجب قتله، فقتله، قال الشافعي: لا قود على القاتل، بل على الإمام. و الذي يقتضيه مذهبنا: أنّ هذا المأمور إن كان له طريق يعلم أنّ قتله محرّم فأقدم عليه من

____________

(1) المبسوط 7: 37- 40.

(2) الخلاف 5: 165، المسألة 27.

(3) المبسوط 7: 41.

472

غير توصّل إليه، فإنّ عليه القود، و إن لم يكن من أهل ذلك فلا شيء عليه، و على الآمر القود، لأنّه إذا تمكّن من العلم بذلك و لم يفعله فقد اتي من قبل نفسه و باشر قتلا لم يجز له، فوجب عليه القود، و إذا لم يكن متمكّنا، فلا قود عليه بلا خلاف، و أنّ القود على الآمر (1).

و هذا التفصيل عندي جيّد.

مسألة 164: قال في (المبسوط): إذا وجب له على غيره قصاص،

فإن كان نفسا، فلوليّ الدم أن يقتصّ بنفسه، لقوله تعالى وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً (2)- (3).

و قال بعض علمائنا: ليس له ذلك إلّا بإذن الحاكم (4)، حذرا من التجاوز و التخطّي.

و قال في موضع آخر منه: فإذا وجب لرجل على غيره قود في نفس أو طرف، لم يكن له أن يستوفيه بنفسه بغير سلطان، لأنّه من فروض الأئمّة، فإن خالفه و بادر و استوفى حقّه، وقع موقعه، و لا ضمان عليه، و عليه التعزير. و قال بعضهم: لا تعزير عليه، و الأوّل أصحّ، لأنّ للإمام حقّا في استيفائه (5).

و قال في (الخلاف): إذا وجب لإنسان قصاص في نفس أو طرف، فلا ينبغي أن يقتصّ بنفسه، فإنّ ذلك للإمام أو من يأمره الإمام بلا خلاف، فإن بادر و استوفاه بنفسه، وقع موقعه، و لا شيء عليه، لأصالة البراءة، و من أوجب التعزير، فعليه الدلالة (6).

و الوجه: ما ذكره الشيخ أوّلا للآية (7)، و التجاوز حرام ليس له فعله.

____________

(1) الخلاف 5: 166، المسألة 28.

(2) الاسراء: 33.

(3) المبسوط 7: 56.

(4) ممّن قال به أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 383، و ابن إدريس في السرائر 3: 412.

(5) المبسوط 7: 100.

(6) الخلاف 5: 205، المسألة 80.

(7) الاسراء: 33.

473

مسألة 165: قال ابن الجنيد و أبو الصلاح و غيرهما: في الساعدين و العضدين الدية (1).

و كلام الشيخ يشعر في (المبسوط) بأنّ فيهما حكومة (2).

و في الأوّل قوّة، لعموم قولهم (عليهم السلام): «كلّ ما في البدن منه اثنان ففيه الدية» (3).

مسألة 166: قال الشيخ في (الخلاف): إذا قطع يد رجل، كان للمجنيّ عليه أن يقتصّ من الجاني في الحال

و الدم جار، و لكنّه يستحب أن يصبر لينظر ما يكون منها من اندمال أو سراية إلى النفس (4).

و قال في (المبسوط) كذلك، ثمَّ قال: و فيه خلاف، و يقتضي مذهبنا التوقّف، لأنّه إن سرى إلى النفس، دخل قصاص الطرف في النفس عندنا (5).

و الأوّل أقوى، لعموم قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ (6).

مسألة 167: قال الشيخ في كتابي (المبسوط) و (الخلاف): دية الخطأ شبيه العمد تغلّظ في الشهر الحرام،

و إذا قتل ذا محرم محرم، مثل الأبوين و الإخوة و الأخوات و أولادهم، و التغليظ في هذه المواضع هو أن يلزم دية و ثلث من أيّ أجناس الديات كان (7).

و في (النهاية): لم يذكر التغليظ في قتل الأقارب، و لا المفيد في (المقنعة).

و الرواية التي وصلت إلينا في التغليظ رواية كليب بن معاوية عن الصادق

____________

(1) الكافي في الفقه: 398. و انظر: الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 559، و السرائر 3: 395.

(2) انظر: المبسوط 7: 143.

(3) الفقيه 4: 100/ 332، التهذيب 10: 258/ 1020.

(4) الخلاف 5: 196، المسألة 65.

(5) المبسوط 7: 81.

(6) المائدة: 45.

(7) المبسوط 7: 116- 117، الخلاف 5: 222- 223، المسألتان 6 و 7.

474

(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من قتل في شهر حرام فعليه دية و ثلث» (1).

و الأولى الاقتصار في التغليظ على المتّفق عليه.

مسألة 168: قال الشيخان: دية العمد ألف دينار جيادا إن كان القاتل من أصحاب الذهب،

أو عشرة آلاف درهم إن كان من أصحاب الورق جيادا، أو مائة من مسانّ الإبل إن كان من أصحاب الإبل، أو مائتا بقرة مسنّة إن كان من أصحاب البقر، أو ألف كبش إن كان من أصحاب الغنم، أو مائتا حلّة إن كان من أصحاب الحلل (2).

و الكلام هنا يقع في أمرين:

الأوّل: هل هذا التوزيع واجب أو مستحب؟ على معنى أنّ صاحب الذهب هل يجوز له العدول عنه إلى باقي الأجناس من غيره، و كذا صاحب الإبل يعدل عنها إلى غيرها من الأجناس أم لا؟ ظاهر هذا الكلام يقتضي المنع.

و في رواية ابن الفضيل عن الصادق (عليه السلام)، قال: «في قتل الخطأ مائة من الإبل، أو ألف من الغنم، أو عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار» (3) الحديث، و هذا يقتضي التخيير.

و في حديث (4) آخر كما ذكره الشيخان.

و الوجه: التخيير كما في زكاة الفطرة خصّص كلّ قوم بشيء على جهة الاستحباب.

الثاني: هل يعتبر في الأجناس غير النقدين مساواة قيمتها لأحدهما؟

قال الشيخ في (المبسوط): قد قلنا إنّ عندنا ستّة أصول كلّ واحد أصل في نفسه، و ليس بعضها بدلا عن بعض، بل كلّ واحد منها بدل عن النفس، و هي

____________

(1) التهذيب 10: 215/ 848.

(2) المقنعة: 735، النهاية: 736.

(3) الكافي 7: 282/ 7، التهذيب 10: 158/ 634، الاستبصار 4: 258/ 974.

(4) الكافي 7: 280/ 1، الفقيه 4: 78/ 245، التهذيب 10: 160/ 640، الاستبصار 4: 259/ 975.