مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
453

و كذا درهما قال لا بأس ان لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف، و منها (1) ما دل على جواز بيع ما تقبل من خراج الرجال و جزية رئوسهم و خراج النخل و غيره إذا كان شيء واحد منها معلوما و بالجملة فالروايات الواردة في المقام على ثلاث طوائف منها ثقات و حسان و منها ضعاف.

الاولى: ما دل على جواز بيع السمك مع الآجام و الثانية ما دل على جواز بيع الحمل بضميمة الصوف و الثالثة ما دل على جواز بيع الجزية و شرائها و نقلها من المتقبل بضميمة الجزء المعلوم منها.

و قد أشكل المصنف على الروايات و محصله يرجع الى وجوه، الأول أنه على تقدير العمل بالروايات فلا بد من الاقتصار بمواردها فلا يجوز التعدي عنها لأنها روايات قد وردت على خلاف القاعدة فيقتصر على مواردها المعلومة فلا يمكن أخذ ما يستفاد منها قاعدة كلية لتكون سارية في جميع الموارد حتى يكون تخصيصا للقاعدة المتقدمة من عدم جواز بيع المجهول في جميع الموارد في خصوص موارد الروايات.

الثاني: أن الروايات غير معمول بها حتى في مواردها فان الكف من السمك لا يجوز بيعه لكونه من الموزون و لذا جعلوه من الربويات، و كك أن مورد رواية الكرخي جواز بيع الحمل في البطون مع ضميمة الأصواف، و من الواضح أن الأصواف في نفسها مجهولة المقدار و كك أن ما في الاسكرجة من الحليب أيضا مجهول المقدار فلم يعمل أحد بهذا و القائلون بالجواز يقولون في ضمن المعلوم الى المجهول و لذا منع المشهور عن بيع أصواف

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 261.

454

الحيوان في ظهورها و القائلون بالجواز استدلوا برواية الكرخي.

الثالث: أن مورد بعض الروايات غير ما هو محل الكلام فان محل كلامنا هو بيع مجهول الأوصاف مع ضميمة المعلوم اليه و مورد رواية سماعة هو كون المبيع مجهول الحصول فإنه لا يعلم وجود اللبن في الضرع و عدم وجوده حتى يضمّ عند البيع بما في الاسكرجة.

و لكن الظاهر أن شيئا من الوجوه لا يكون وجها لطرد العمل بالروايات أما الوجه الأول فلأن الظاهر من الروايات هو التعليل الشامل للمورد و غيره فلا وجه للمناقشة بعدم التعدي من مورد الرواية الى غير موردها فان قوله (ع) فلو لم يكن في البطون حمل لكان الثمن في مقابل الأصواف و كك قوله فان لم يكن في الضرع لبن لكان الثمن في مقابل ما في الاسكرجة يفيد التعليل يعنى أن المناط في صحة البيع أن لا يذهب الثمن هدرا بل لا بد و أن يقع في مقابله شيء و هذا يعم الى جميع موارد بيع المجهول مع ضميمة المعلوم، و قد تقدم نظير ذلك في بيع عبد الآبق و قلنا بجواز التعليل من مورد الروايات لمكان هذه العلة التي ذكرت في تلك الروايات الواردة في بيع العبد مع الضميمة أيضا كما تقدم.

و أما الإشكال الثاني أعني عدم كون بعض هذه الروايات غير معمول بها ففيه أن جهة السؤال فيها انما هو خصوص جهة بيع المجهول مع ضميمة المعلوم و أما كون الضميمة معلومة أو غير معلومة من المكيل و الموزون أم لا فخارجة عن جهة السؤال فلعل السائل كان عالما بها و الحاصل لا يجوز دخل ما ليس مورد السؤال في الرواية بما هو مورد السؤال و رفع اليد لأجل ذلك عن الروايات، على أنه يحمل أن يكون ما في الاسكرجة معلوما لاحتمال كونها من المكيال و كذلك لا نقبل كون السمك من الموزون

455

دائما، بل كثير ما يباع بالعدد كما تعارف ذلك في أطراف الشط كثيرا نعم ربما يباع بالوزن و لكن أن الأصواف لعلّها كانت معلومة بالمشاهدة بأن كان أو ان جزئها و بيعت مع المشاهدة أو كانت مجزاة أصلا و بالجملة لا وجه لهذه المناقشة أيضا.

و أما الإشكال الثالث أعنى كون المبيع مجهول الحصول لا مجهول الوصف ففي هنا أيضا أن جهة السؤال فرض كون المبيع موجودا و ليس جهة السؤال فرض كون المبيع مجهول الحصول على ان كون اللبن في الضرع ليس من مجهول الحصول بل كثيرا يطمئن الإنسان، بل قد يكون اللبن موجودا في الضرع كما هو واضح فالحق أنه لا مانع من العمل بالروايات و جواز التعدي عنها فان فيها صحاح و موثقات.

الكلام في بيان أقسام التابع

قوله: بقي الكلام في توضيح التفصيل المتقدم.

أقول: بعد البناء من المصنف على عدم جواز بيع المجهول مع الضميمة تكلّم في معنى التابع فإن العلامة فصلّ في بيع المجهول بين ما كان الانضمام مستقلا فحكم بعدم الجواز و بين ما كان تابعا فحكم بالجواز.

و توضيح المقام أن التابع قد يكون داخلا في المبيع و يكون جزء منه و هذا كأسّ الجدران و الحيطان و أخشاب القبب و حديدتها فإنها تابعة لبيع الدار و جزء منها و هذا لا شبهة في جوازه أى يجوز بيع الدار مع كون هذه الأمور من التوابع مجهولة فان الغرض من كون المبيع معلوما كونه معلوما عند العرف بحيث يقال انّ هذا المبيع معلوم و ان كان بعض اجزائها

456

مجهولة بل لا يوجد مبيع في العالم يكون معلوما من جميع الجهات للمتبايعين فإنه لا يعرف حقائق الأشياء و خصوصياتها من جميع الجهات الّا علّام الغيوب و من ارتضاه لغيبة فإن بيع الحصر مثلا مع كونه معلوما بالمشاهدة و الزرع لا يعلم أنّه بأيّ مقدار من الخيوط اشتملت و هكذا و هكذا.

و هذا القسم من التّبع خارج عن محل الكلام لعدم كونه تبعا بل من الأجزاء و كلامنا في التبع الذي يكون خارجا عن المبيع و إطلاق التبع عليه مسامحة واضحة و من هنا ظهر ما في كلام العلامة في التذكرة من إطلاق التابع على أسّ الحيطان.

الثاني: أن يكون التابع أمرا مستقلا وراء المبيع و هذا لا يدخل في المبيع الّا بالاشتراط أو كونه جزء من المبيع من الأول بحيث يقع البيع عليهما معا و الّا فيكون خارجا عنه من غير أن يرتبط به أصلا.

نعم قد يكون داخلا في المبيع بحسب الارتكاز من غير أن يكون أمرا آخر مستقلا بل يكون مغفولا عنه في نظر المتبايعين كما إذا باع دجاجا فباض بعد البيع فإنه يكون للمشترى بحسب الارتكاز أو اشترى أجمة فظهر فيها سمك أو سمكين أو اشترى حيوانا فظهر كونه حاملا الى غير ذلك من الأمثلة فإن الارتكاز في جميع ذلك موجود على كون الأمر الخارج داخلا في المبيع و من هذا القبيل الجل للفرس و لكنّه داخل في صورة الاشتراط أيضا و على الجملة لا يدخل الأمر الخارجي المستقل في المبيع الّا بالاشتراط أو بوقوع البيع عليه من الأول بحيث يكون المبيع أمرا مركبا.

و عليه فلا وجه للتفصيل بين التابع العرفي و غير العرفي بأن يقال أن التابع قد يكون أمرا عرفيا فيكون داخلا في المبيع فلا تضر الجهالة فيه و قد يكون أمرا غير عرفيّ فلا يدخل في المبيع فإنه لا وجه لهذا التفصيل بعد

457

التفصيل المتقدم من ان انضمام المعلوم بالمجهول أن كان من قبيل كون المجهول تابعا فيصح و الّا فلا يصح فإنه لا معنى لدخول شيء خارجي عن المبيع المجزي عنه بنظر العرف و كونه من التوابع العرفية بعد ما عرفت أنه لا بدّ من دخول الأمر الخارجي أما من الاشتراط أو وقوع البيع عليه من الأول.

نعم يمكن أن يقال أن التابع قد يكون في الأمور العرفية أي فيما يعدّ في نظر العرف من شؤونات المتبوع كما هو واضح، و لكنه لا يصلح تفصيلا في المسألة.

و من هنا ظهر أنه لا وجه لما ذهب اليه شيخنا الأستاد و التظهره من الشهيد و المحقق الثاني و قواه من ان المراد من التابع هو ما يعد في العرف تابعا كمفتاح الدار و حمل نعجة و البيض الذي في جوف الدجاجة و اللبن في الضرع الدابة و نحو ذلك و أيضا ظهر مما ذكرنا من عدم دخول الأمر الخارجي في المبيع الّا بالاشتراط أو جعله جزء من المبيع من الأول.

على أنه لا وجه لما استظهره من المحقق القمي و صاحب الجواهر أن المراد من التابع هو التبعية في الجعل و التباني بمعنى أن المبيع و لو كان في الواقع هو المجهول و لكن للتخلّص عن الغرر يجعل تبعا للمعلوم كما في مورد التخلص عن الربا في البيع الخياري في كثير من المعاملات.

و ذلك لانه ليس الا كون الأمر الخارجي داخل في المبيع بإيقاع البيع عليه و على شيء آخر فلا يكون أيضا تفصيلا آخر في المسألة.

نعم قد يكون المعلوم متقدما في الذكر و المجهول متأخرا كقول البائع بعتك هذا الكيلو من الشكر مع هذا القند الموجود في الكس و قد يكون بالعكس اى يكون المعلوم متأخرا و المجهول متقدما و لكن هذا المقدار لا يكون وجها في التفصيل كما هو واضح.

458

و أما ما ذكره العلامة في التذكرة من أن التابع ما أخذ شرطا في المبيع في مقابل ما جعل جزء منه فقد اختاره أيضا شيخنا الأستاذ بدعوى أن المجهول لو كان تابعا للمبيع أو جعل شرطا لا تضرّ جهالته لان ما وقع في عقد المعاوضة مبيعا ليس مجهولا و ما هو مجهول لم يقع عليه العقد و لا يرد على هذا الوجه أن المبيع يكون ح مجهولا لعدم كون التابع معلوما فلا يعلم أن ما يقع من الثمن في مقابل المعلوم هو أى مقدار و وجه عدم الورود أن الشروط لا تقابل بشيء من الثمن و انما هو في مقابل المبيع فقط و فائدة الشروط انما هي تسلط المشروط له على الفسخ و هذا بخلاف ما كان المجهول هو جزء المبيع فإن الجهالة تسرى الى الجزء الأخر أيضا فيكون مجموع المبيع مجهولا.

الكلام في معنى التابع

و حاصل الكلام من الأول أنه وقع الكلام في جواز بيع المجهول مع ضميمة المعلوم اليه و عدمه و فصلّ العلامة بين ما كان المجهول تابعا فيجوز بيعه و بين ما إذا كان جزء مستقلا من المبيع فلا يجوز و لهذا وقع الكلام في معنى التابع.

و قد يراد منه ما يكون جزء من المبيع حقيقة و لكن يكون مغفولا عنه و غير دخيل في مالية المبيع أصلا سواء كان ذلك الجزء بنفسه له مالية أو لم يكن و من القسم الجيد أو من القسم الردى و هذا كأساس الدار فإنه دخيل في مالية المبيع فان الدار بدون الأساس لا قوام لها بل قد يصرف المال في نفس الأساس ما يحاذي ما يصرف في نفس الدار و لكنه مغفول عنه في

459

بيع الدار و غير ملحوظ فيه أصلا و من هذا القبيل قطن الجبة المرسومة في السابق حيث يضعونه في الجبة للحرارة و حفظ البرودة فإن هذا القطن لم يلحظ في بيع الجبة انه أى مقدار فالجهالة بمقداره لا تضرّ بالمبيع فان ما هو مورد للغرض منه هو وجود نفس القطن فيها بل ربما لا يكون الغرض متعلقا بوجود القطن، بل يكون الغرض قائما بوجود شيء فيه ليحفظ الإنسان بضمامته عن البرودة و ان كان من غير القطن و أما أنه أى مقدار فليس موردا للغرض، بل أنه أىّ شيء أيضا قد لا يكون موردا للغرض كما هو واضح، و من هذا القبيل القطن الموضوع في صدر الجبة أو الثوب الأخر ليمنعه الإرخاء فإنه قد يكون من الكرباس و قد يكون من غيره، و قد يكون زائدا و قد يكون ناقصا فشيء منها لا يكون محطا للغرض و ان كان مقوّما للمالية.

و على هذا لا تكون جهالتها موجبة لبطلان البيع فإنها لا تكون في مقابل الثمن من شيء أصلا فكما لا تضرّ جهالته بالبيع و لا تمنع عن صحته و كك هو خارج عن ما نحن فيه من أي أقسام التابع فان المذكورات و أمثالها من اجزاء المبيع لا من الأمور الخارجة عنه حتى يقال انها داخلة بالتبع أم لا كما هو واضح.

الثاني من أقسام التابع التابع العرفي بأن لا يكون الشيء جزء من المبيع بل من الأمور الخارجية و لكن العرف يحكم بحسب ارتكازهم بكون ذلك الأمر الخارجي من تبعات المبيع بحيث لا يحتاج دخولها في المبيع الى الذكر أصلا، و لا أن جهالتها توجب بطلان البيع فإنها أمور خارجة عن المبيع، بل غير ملحوظ في نفسها و مغفول عنها و انما الغرض تعلق بأصل المبيع و مثل هذه الأمور مع كونها من الأمور الخارجية لا تكون خارجة عن المبيع الّا باشتراط عدمها و الّا فمجرّد عدم التعرض لها يكفي في دخولها في

460

المبيع كما لا يخفى.

و هذه كدخول المسامير في الجدران في بيع الدار و يمكن أن يكون الكهرباء و الماء في هذا الزمان من هذا القبيل بان يكون مجرد السكوت عنهما كافيا في دخولها في المبيع فالجهالة بأي شيء منها لا توجب بطلان المعاملة و غرريّتها فإنها مع كونها خارجة عن المبيع غير دخيلة في مالية المبيع و مع كونها دخيلة فيها غير ملحوظة بنفسها و انما دخولها بالارتكاز فيكون داخلا في التفصيل بين ما يكون التابع داخلا بالاشتراط أو بالجزائية الذي فصّل به العلامة (ره) فلا معنى للتفصيل بين أن يكون التابع أمرا عرفيا أو غير عرفي فإن العرف ليس له أن يحكم بكون الشيء داخلا في المبيع الّا بالارتكاز المتقدم و قد عرفت أنه من أقسام الشرط و في الحقيقة أن هذا ليس تفصيلا في كون التابع المجهول موجبا للغرر و عدمه و تخصيصا لنهي النبي (ص) في بيع الغرر بل هو خارج عن الغرر تخصصا كما لا يخفى، فافهم.

و قد عرفت مفصّلا أن الشيء لا يدخل في المبيع الّا بالاشتراط، أو بالجزئيّة، فالعرف بما هو عرف ليس له أن يدخل شيئا في المبيع الّا بالارتكاز المذكور الذي عرفت أنه من جملة الشروط.

و أما التفصيل بين التابع و غير التابع و القول بان المجهول ان كان تابعا للمبيع فيصحّ و الّا فيبطل فان رجع الى الاشتراط فله معنى معقول و لكن ليس وجها آخر و تفصيلا وراء التفصيل بين الاشتراط و الجزئيّة الذي ذكره العلامة و ان أراد المفصّل شيئا آخر فلا نعقل له معنى محصلا فإنه لا يدخل شيء في المبيع إلّا بأحد الوجهين من الاشتراط و الجزئية و الّا فيكون كوضع الحجر في جنب الإنسان و أما ما ذكره المحقق القمي و

461

صاحب الجواهر من أن المجهول يكون تابعا في مقام الجعل و التباني فح لا يوجب غررية المعاملة و هذا بخلاف ما لو كان التبع في عالم الجعل و التباني و في مقام الإنشاء هو المعلوم و كان المبيع أى المتبوع هو المجهول فإنه ح تكون المعاملة غررية و باطلة.

و فيه ان كان المراد من ذلك هو التقديم و التأخير في الذكر فله وجه و لكنه لا يوجب مجرد التقديم و التأخير في الذكر التفصيل بأن يكون أنه ان قال البائع بعتك هذه الدار المعلومة و ما في الكيس الذي هو مجهول يصحّ البيع و لو انعكس بطل.

و ان كان المراد من ذلك هو الاشتراط و الجزئية بأن يكون المراد منه أنه لو كان المجهول داخلا في المبيع بعنوان الاشتراط صح البيع و ان كان بعنوان الجزئيّة بطل فله معنى معقول و لكنه ليس تفصيلا آخر في المسألة وراء ما ذكره العلامة (ره) من التفصيل بين الجزئية و الشرطية.

و ان كان المراد من هذا التفصيل غير ما ذكرناه فلا نعقل له معنى صحيحا ليرجع الى محصّل.

و أما ما ذكره المصنف من احتمال أن يكون مرادهم التابع بحسب القصد من المتبايعين و هو ما يكون المقصود من البيع غير المجهول.

فان كان المراد من القصد هو الغرض الشخصي بأن كان غرض المشتري هو الشيء المعلوم و ان كان قيمة المجهول أضعاف قيمة المعلوم، و لكن غرضه لم يتعلق الّا بالمعلوم فمن الواضع أن الأغراض الشخصية لا توجب رفع الغرر عن المعاملة كما تقدم في البحث عن بيع الغرر فان الغرر انما هو يتحقق في المعاملات بحسب النوع و ان كان البيع في اعتقاد المشتري غير غرري مثلا لو اشترى صبرة مجهولة من الحنطة و لم يكن مورد غرضه الا حقّة

462

واحدة فلا يوجب ذلك ارتفاع الغرر عن المعاملة بحسب الغرض النوعي و هكذا لو اشترى أجمة و لم يكن غرضه الّا القصب مع كونها مشتملة على الأسماك الكثيرة فإنه لا شبهة في كونه المعاملة غررية بحسب الغرض النوعي و ان كان غرض المشتري حاصلا و هكذا و هكذا.

و على الجملة فالاغراض الشخصية غير دخيلة في رفع الغرر و ان كان أصل قوام الغرر و تحققه شخصيا أى قائما باحتمال الخطر الذي هو أمر شخصي.

و ان كان المراد من القصد و الغرض هو الغرض النوعي و عليه فان كان المقصود الذي جعل تابعا من القلة بمكان لا يعتنيه العرف في مقابل المقصود بحيث لا يكون دخيلا في زيادة المالية للمبيع أصلا فلا شبهة في صحة البيع و هذا كما إذا اشترى آجاما و كان هو المقصود من البيع و كانت الأجمة مشتملة على السمكة أو سمكتين فان الجهل بهذا لا يضر بصحة البيع فلا يوجب كون المعاملة غررية فإن العادة قاضية بأن الأجمة لا تخلو من سمك عادة و من هذا القبيل بيع الدجاج ثم باضت فان الجهل بوجود البيض فيه لا يضرّ بصحة بيع الدجاج لعدم كون السمك في المثال الأول و وجود البيض في المثال الثاني غير مقصود و غير دخيل في مالية المبيع و ان كان كل من السمك و البيض يباعان مستقلا و يتساويان بالمال و لعل من هذا القبيل ما تقدم من التابع العرفي بل هذا النحو من غير مقصود داخل في المبيع بالارتكاز كما تقدم فليس وراء الاشتراط شيء آخر و ان كان غير المقصود كثيرا في نفسه بحيث يكون بنفسه موردا للغرض و محطّا للمقصود بل قد يكون قيمة غير المقصود مساويا مع قيمة المقصود أو أكثر منها، ففي هذه الصورة و ان لم تكن المعاملة غررية بالنسبة إلى المشتري لكون المقصود بمقدار يساوى

463

القيمة المذكورة و الثمن الذي يعطى للبائع و انما يكون غير المقصود له مجانا و لكن المعاملة غررية بالنسبة إلى البائع فإنه عامل معاملة لا يعلم أن ما خرج من كيسه أى مقدار و أن الثمن يساوي بأي مقدار من المثمن فتبطل للغرر كما هو واضح، فان هذه المعاملة من أوضح أفراد المعاملة الغررية على انه لا يدخل في المبيع إلّا بأحد الوجهين المتقدمين من الجزئية أو الشرطية و الّا فيكون أجنبيا عن العقد، بل يكون كوضع الحجر في جنب الإنسان و ح فلا يكون تفصيلا آخر غير ما ذكره العلامة من التفصيل بين أن يكون التابع المجهول جزء فيبطل البيع و بين كونه شرطا فلا يبطل و أما الوجوه الأخر فليست قابلة للتكلم عليها بوجه، و قد ذكر هذا الوجه العلامة (ره) أورد عليه المحقق الثاني بأن العبارة لا أثر لها فعلى كل حال فالمعاملة ان كانت غررية فتبطل و الّا فلا تبطل.

و قوّى هذا الوجه شيخنا الأستاذ و فرّق بين الجزء و الشرط بان الثمن يقسّط على الجزء و لكن لا يقسّط على الشروط.

أقول: الظاهر انه لا يمكن تصديق هذا التفصيل على وجه الإطلاق فإن لازم ذلك أنه إذا قال بعتك هذا الكيلو من السكر بعشرة دنانير بشرط أن يكون ما في الكيس لك فلا يعلم أن ما في الكيس درهم أو دينار أقل أو أكثر، فهذا من أوضح أفراد المعاملة الغررية فإن المعاملة في نظر العرف يلاحظ مع جميع شروطها و ان لم يكن للشروط قسط من الثمن، فلو عامل أحد هكذا بان باع داره التي تسوى بألف دينار بدينار بشرط أن يكون ما في الصندوق أيضا للبائع، فلا يعلم أن فيه أى مقدار من الفلس فلا يشك أحد في كون مثل هذه المعاملة غرريّة جدا.

464

و التحقيق ان يفصل في المقام بأن مدرك الحكم ببطلان البيع الغرري ان هو دليل نفى الغرر، فلا شبهة في كون مثل هذه المعاملة غررية كما عرفت و لكن عرفت المناقشة فيه من حيث السند و الدلالة و ان كان المدرك في المقام هو الإجماع بأن يقال انه قام الإجماع على كون الجهالة مبطلة للمعاملة فمن الواضح أنه دليل لبى فيقتصر على المورد المتيقن و هو ما إذا كانت الجهالة في المبيع لا في الشروط الّا أن يكون لأحد قطع على شموله للشروط أيضا و نحن لا نقطع بذلك.

و توهم ان الشرط يوجب رفع الغرر مع الخيار تخلّف الشرط كما تقدم فاسد فان هذا الشرط النتيجة فلا خيار فيه فان قول البائع بعتك الشيء الفلاني بكذا بشرط ان يكون ما في الكيس لك اشتراط كون ما في الكيس له قليلا كان أو كثيرا و يتحقق ذلك بمجرد تحقق البيع فلا تخلّف فيه حتى يوجب ثبوت الخيار.

الكلام في الاندار

قوله: مسألة يجوز أن ينظر لظرف ما يوزن مع ظرفه مقدار يحتمل الزيادة و النقيصة على المشهور.

أقول: بل ادعى عليه الإجماع و عن الفخر الدين التصريح بدعوى الإجماع و قد ذكرت أقوال في تفصيل:- الأول: جواز الاندار بشرطين كون المندر متعارف الاندار عند التجارة و عدم العلم بزيادة ما يندر.

الثاني: عطف النقيصة على الزيادة في اعتبار عدم العلم بها.

الثالث: اعتبار العادة مطلقا و لو علم الزيادة أو النقيصة.

465

الرابع: التفصيل بين ما يحتمل الزيادة فيجوز مطلقا و ما علم الزيادة فالجواز بشرط التراضي.

الخامس: عطف العلم بالنقيصة على الزيادة السادس: اناطة الحكم بالغرر.

و لكن النفي و الإثبات فيها لا يرد على مورد واحد

تحقيق الكلام هنا في جهتين:-

الاولى: في تحقق الاندار في مقام الإعطاء و القبض و الإقباض بعد الفراغ عن صحة البيع.

و الثانية: في كون الاندار في مقام البيع و مرحلة إنشاء المعاملة و تصحّ البيع بحيث يكون سالما عن الغرر.

أما الجهة الاولى [في تحقق الاندار]

فلا شبهة في صحة البيع و عدم كون المعاملة غررية فإنها تحققت صحيحة فالإندار في مقام الإقباض لا يوجب قلب المعاملة عن صحتها الى غيرها و ح يجوز الاندار مع التراضي في مقام الإعطاء و لو بمقدار أكثر من الظرف فان المتاع مال للبائع فهو مسلّط على ماله فله أن يبذل مقدار منه أو جميعه، فقول شيخنا الأستاذ أن الاندار يوجب جهالة المبيع و لو بعد تحقق البيع صحيحا لا يمكن المساعدة عليه و ما ذكره كاشف الغطاء (ره) من كون الاندار موجبا للغرر فيكون البيع الذي وقع فيه الاندار باطلا في غير هذه الصورة كما سيأتي و ان لم يتراضيا بالإندار فأيضا لا وجه لبطلان البيع، بل يحكم بصحته إذا كان المبيع مما تعارف الاندار فيه كما بيع الادهان و الدبس و النفت و الاثمار و الأرز و غيرها فان كثيرا من الأشياء قد جرت العادة بالإندار فيه بعد البيع فإن رضى المالك به فلا كلام فيه كما تقدم، و ان لم يرض به المالك فبالشرط الضمني العقدي نجبره على

466

الاندار فان جريان العادة بذلك في حكم الاشتراط في ضمن العقد صريحا فح يجوز الاندار فلا يضرّ بصحة المعاملة أيضا.

و ان لم يرض البائع بالإندار و لم يكن المبيع من الأشياء التي تعارف فيه الاندار ليكون جوازه ثابتا بالشرط الضمني فنأخذ القدر المتيقن و نجري البراءة من المقدار الزائد عنه و باستصحاب عدم زيادة عن المقدار المتيقن كما هو واضح و نظير ذلك ما إذا مات البائع و المشتري بعد المعاملة و وقع النزاع في مقدار العوضين فإنه ح يؤخذ القدر المتيقن و تمسك في الباقي بأصالة عدم زيادة المبيع عن المقدار المتيقن و براءة الذمة من القدر الزائد منه.

فتحصل أن هذه الصورة خارجة عن مورد النقض و الإبرام و عن محل الأقوال المذكورة كما هو واضح.

الجهة الثانية: أن يكون الاندار حين البيع بحيث يقع البيع على المندر

بأن يقول بعتك هذا الدهن غير ظرفه مع كون الظرف و الدهن مجموعهما معلوما و لكن كل واحد منهما لم يكن معلوما و هكذا لو قال بعتك الشيء الفلاني و هو مع ظرفه عشرة حقق الظاهر أنه لا شبهة في بطلان البيع في هذه الصورة لكونه من أظهر أفراد الغرر إذ لا يعلم أنّ مقدار المبيع أى قدر وزنه فهل يحتمل أن الشيء إذا كان مجهولا لا يجوز بيعه مستقلا و لكن يجوز بيعه مع ضمّه إلى شيء آخر ليكون مقدار المجموع معلوما فهذا مثل اشترى الإنسان عشر كيلوات من الشكر و أخذ جملة منها و باع الباقي فإن معلومية المجموع لا يوجب صحّة بيع البقيّة المجهولة كما هو واضح، و لا يفرق في ذلك بين كون المتبايعين راضيا بالإندار أم لا، فان رضاهما لا يوجب صحة البيع المنهي عنه شرعا فهو نظير رضاهما ببيع الخمر و الخنزير

467

و القمار فنهى الشارع عن معاملة غير تابع برضى المتبايعين و ما ذكره الأصحاب و كاشف الغطاء (ره) من عدم كون رضى المتبايعين موجبا لرفع الغرر فمورده هذه الصورة و قد اتضح النفي و الإثبات في كلمات كثير من الأصحاب لو لم يكن كلّهم لم يرد على مورد واحد و من هنا اتضح أيضا مورد الروايات أيضا كما يتضح لمن يلاحظها و علم أن الروايات انما وردت على طبق القواعد لا على خلافها.

فتوهم أنها واردة في نفس البيع فيصحّ مع التراضي على خلاف القاعدة فاسدة عن حنان في الموثق (1) قال: كنت جالسا عند ابى عبد اللّه (ع) فقال له معمّر الزيات قال لأبي عبد اللّه (ع) انا نشتري الزيت في زقاقة فيحسب لنا النقصان لمكان الزقاق فقال له ان كان يزيد و ينقص فلا بأس و ان كان يزيد و لا ينقص فلا تقربه و قد استظهر المصنف منها كون المفروض في السؤال هو التراضي لأن الحاسب هو البائع أو وكيله و هما مختاران و المحسوب له هو المشتري.

أقول: معنى الرواية و اللّه العالم ان السؤال انما وقع عن الاندار بعد تحقق البيع و الشّرى، فقال الامام (ع) انه ان كان ما يندر يحتمل الزيادة و النقيصة فلا بأس به يعنى أنه يحتمل فهو موافق للعادة الجارية عليه في السوق و الخانات حيث يشترون الأمتعة من الاثمار و الألبان و يندرون لظروفها مقدارا يحتمل الزيادة و النقيصة فحيث أنه موفق للعادة و للسيرة الجارية على ذلك قال الامام (ع) فلا بأس به أن يكون زائدا عن مقدار الظرف و يحتمل أن يكون ناقصا عنه أو زائدا و أما إذا تعين كون الاندار زائدا

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 273 حد 4.

468

عن الظرف و لم يحتمل الزيادة فهو حرام لانه تصرف في مال الغير بدون اذنه، فلذا نهى عنه الامام (ع) فقال لا تقربه فهذه الرواية راجعة إلى بيان حكم الاندار بعد المعاملة لا في بيان حال الاندار عند البيع و ضمير لا تقربه يرجع الى الاندار لا الى البيع كما هو واضح فتدل على عدم الجواز في صورة الزيادة مطلقا رضى به البائع أم لا.

و دعوى ظهور الرواية في صورة التراضي من جهة أن المحاسب أما البائع أو وكيله و على كل حال فهما راضي بذلك دعوى فاسدة فإن العادة جارية حتى الان على كون المحاسب غير البائع و وكيله كما نشاهد في السوق و الخانات أن أهل البادية يجلبون الاثمار من الرقى و البرتقال و الرمان و غيرها أو الألبان و غيرها من الأمتعة و يقفون في الخارج و ينظرون إلى أمتعتهم فيوزن شخص واحد و يحاسب شخص آخر من صاحب الخان أو الدلال فيعطون قيمة أمتعته على حسب انصافهم أقل أو أكثر، ففي هذا المقام نهى الامام (ع) عن الاندار بالزيادة بحيث لا يحتمل النقيصة أو التساوي فقوله (ع) ان كان زائدا فلا تقربه ليس معناه أنه إذا احتمل الزيادة دون النقيصة مقابل احتمال الزيادة و النقيصة فإنه خلاف الظاهر من الرواية نعم لو رضى البائع بالزيادة كما هو المتعارف فعلا فلا بأس به على القاعدة حيث يوزنون الاثمار في الخانات من الرقى و غيره و بعد تمام العيار يأخذون الواحد أو الاثنين يعطونه للمشتري فإنه لا بأس به لجريان العادة عليه و رضى البائع بذلك و تدل على الجواز مع التراضي الروايتان الأخيرتان فتكونان مقيدتين لرواية معمّر الزيات فعلم مما ذكرناه انهما أيضا وردتا على طبق القاعدة فإن التصرف في مال الغير مع رضى منه جائز.

أحدهما رواية (1) على بن أبي حمزة و الثانية رواية (2) قرب الاسناد

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 272 باب 20 حد 1.

(2) وسائل: ج 12 ص 273 حد 3.

469

اللتان نقلهما المصنف.

ثم انه إذا انكشف الخلاف أما بالزيادة أو بالنقيصة فيكون داخلا تحت المسألة المتقدمة و هي إذا باع صبرة على انها عشرة أرطال فبانت زائدة أو ناقصة فقد تقدم ان مقتضى القاعدة هو الانحلال فيصح في الموجود و يبطل في الناقص.

و مع الزيادة يرد إلى البائع ان لم يرض بالبيع و الّا فيكون من المبيع على الحساب الذي بنوا عليه من كل رطل بكذا.

و قد عرفت أن الكلام فيه في مقامين:- الأول: في مقام تصحيح البيع لئلّا يكون بيع مجهول.

و الثاني: في مقام التسليم.

أما الأول: فلو اخرج مقدارا بعنوان الاندار لتصحيح البيع ثم ظهر الخلاف فيكون من مصاديق ما تقدم من انه لو باع صبرة ثم ظهر الخلاف بالزيادة أو النقيصة فهل يثبت الخيار لكل من البائع و المشتري أم لا، و قد عرفت هناك أن ثبوت الخيار متوقف على كون إلهية الاجتماعية دخيلة في ازدياد المالية و الا فينحل البيع الى الاجزاء فيصح في الموجود و يبطل في المعدوم.

و اما الاندار في مقام التسليم فلو أندروا للظرف مقدارا ثم ظهر الخلاف فلا خيار في شيء من الصور التي ذكرناها سابقا من التراضي أو الشرط الضمن العقدي أو الأخذ بالمتيقن و نفى الزائد بالأصل.

أما في صورة التراضي فلو رضيا بإندار مقدار للظرف ثم ظهر الخلاف فبالمقدار المندر فلا شبهة في صحة المعاملة و لزومها و أن خارج عن المقام لفرض رضى المالك بذلك و يكون الزائد على مقدار الظرف أو الناقص عنه

470

هبة من مالك المثمن أو مالك الثمن و أما مع عدم التراضي بالنسبة إلى الزائد منه أو الناقص فيرجع من له الحق إلى الأخر و مع عدم الزيادة و النقيصة فلا فاما من ليس لأحدهما حق على الأخر أصلا فله خيار و من له حق للآخر فيرجع الى حقه من دون خيار و هكذا الكلام في الشرط الضمني أيضا فإن العادة جارية بإندار مقدار من المبيع للظرف فهو مما لا بد منه و مع الزيادة من المقدار المتعارف أو النقيصة منه يرجع ذو الحق إلى الأخر و أما الزائد و الناقص في نفس المقدار المتعارف فيرجع الى الهبة كما عرفت في الصورة الاولى و أما فيما إذا أخذ المبيع القدر المتيقن ثم ظهر الخلاف فأيضا يرجع كل منهما الى غيره و لا يجوز لمن عنده الزائد أن لا يرده الى صاحبه، بل وجب عليه رده الى صاحبه فتحصّل أن في شيء من هذه الصور ليس لواحد من المشتري أو البائع خيار نعم لو منع البائع عن رد الناقص فثبت له حكمه بل اما يصح البيع بلا شيء أو يصح مع رد الزائد أو الناقص من المقدار المندر.

الكلام في بيع الظرف مع مظروفه

قوله: يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه و ان لم يعلم الا بوزن المجموع

أقول: حاصل ما ذكره المصنف هو ان الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا أنه يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون و ان لم يعلم بوزن المجموع و قال ان الذي يقتضيه النظر أن يجوز بيعه فيما نحن فيه منفردا عن الظرف حتى مع الجهالة أيضا فهذا يجوز بيعه منضما أيضا فإن الانضمام ليس بمانع و لا رافع للشرط و أما لو لم يكف في بيع أحد المنضمين معرفة وزن المجموع فالقطع بالمنع مع لزوم الغرر الشخصي و مثل عليه بأنه لو باع سبيكة من ذهب

471

مردّد بين مائة مثقال و ألف مع وصلة من رصاص قد بلغ وزنها ألفي مثقال فإن الإقدام على هذا البيع اقدام على ما فيه خطر يستحقه لأجله اللوم من العقلاء و أما مع انتفاء الغرر الشخصي و انحصار المانع بالنص و الإجماع، الدال على اعتبار الكيل في المكيل و الوزن في الموزون و بطلان بيع المجهول فيهما فالقطع بالجواز فان مفاد النص و الإجماع هو معرفة مقدار المبيع من حيث المجموع و أما معرفته بكل جزء جزء فلا دليل عليهما ثم قال و لو كان أحد الموزونين يجوز بيعه منفردا مع معرفة وزن المجموع دون الأخر كما لو فرضنا بيع الفضة بالشمع عند الصياغة كالخلخال مثلا و عدم جواز بيع الشمع كك فان فرضنا الشمع تابعا يجوز البيع و لا تضر جهالة الشمع و الّا فلا.

و التحقيق أن يقال أن المبيع تارة يكون من الموزون ظرفا و مظروفا مع الجهل بمقدارهما و أخرى يكون المظروف من الموزون و الظرف من غيره فعلى الأول فلا يجوز البيع أصلا سواء كان غرريا أم لا لما عرفت سابقا من اعتبار الكيل في المكيل و اعتبار الوزن في الموزون. بل قلنا أن بيع الموزون بلا وزن باطل و ان لم يكن فيه غرر و مثلنا لذلك بأنه لو جعل مقدار من الحنطة في أحد طرفي الميزان و مقدارا من الأرز في الطرف الآخر فتبادلا مع كونها على قيمة واحدة فإنه يبطل هذا البيع لا لكونه غرريا، بل لاعتبار الوزن فيه حتى مع عدم الغرر و أما إذا لم يكن الظرف من الموزون مع العلم بمقدار المظروف فهذا على نحوين:- الأول: أن يبيع المظروف و الظرف مجموعا على عشرة دنانير مثلا انه يقول البائع بعتك مجموع خمسة أرطال من الحنطة الموجودة في هذا الظرف مع ظرفه على عشرة دنانير بحيث لا يعلم أن ما يقع في مقابل الظرف أى مقدار

472

من الثمن و ما وقع في مقابل المثمن أىّ مقدار منه فهذا لا شبهة في صحته فان المانع عن صحة البيع هو الغرر و المفروض انه منفي و كذا المانع الأخر و هو عدم وزن المظروف مع كونه من الموزون و الظرف انه موزون أيضا غاية الأمر لا يعلم أن ما في مقابل المظروف أىّ مقدار من الثمن و ما في مقابل الظرف أىّ مقدار منه فهذا غير لازم بعد عدم الغرر كما لا يخفى.

الثاني: أن يبيع مجموع الظرف و المظروف بخمسة عشرة ليكون على الظرف خمسة و على المظروف عشرة على حساب كل رطل بدينارين مع كون المظروف خمسة أرطال فإنه يكون ثمن كل واحد من الظرف و المظروف معيّنا فهذا أيضا لا شبهة في صحته فان انضمام الظرف بالمظروف هنا كانظمام شيء أجنبي بالمبيع ككتاب الرسائل فلا يلزم منه محذور كما عرفته في الشق الأول و تظهر الثمرة بين الصورتين أن في الاولى مع ظهور شيء من المظروف أو الظرف مستحقا للغير فلا بدّ من إرجاع المجموع من الظرف و المظروف الى العرف حتى يقوم المجموع ثم يقوم كل واحدة منهما و الرجوع الى التفاوت بالنسبة و هذا بخلافه في الصورة الثانية فإن قيمة كل من الظرف و المظروف معينة في نفسه.

الثالث: أن يكون الظرف و المظروف من الموزون و كان مقدار كل منهما مجهولا مع كون المجموع معلوما كما إذا فرضنا أن الظرف سبيكة من الفضة و المظروف سبيكة من الذهب و نعلم أن منا مائة مثقال من الذهب و ألف مثقال من الفضة و نشك أن تسعة مائة مثقال أ هي من الفضة أم من الذهب مع العلم بكون المجموع ألفين مثقال فذهب بعضهم الى فساد البيع لكونه غرريا و بيع جزاف إذ لا يعلم أن تسعة مائة مثقال ذهب أم فضّة فأي خطر

473

أعظم من ذلك.

و لكن الظاهر هو صحة البيع في هذا القسم و بيان ذلك أن مورد كلامنا اعنى كون البيع غرريا انما هو فيما يكون الجهل بوجود المبيع و لا يدرى المتبايعان انه موجود أم لا أو فيما يكون الجهل بأوصاف المبيع التي دخيلة في المالية و أما الجهل بالقيمة فغير مربوط بالغرر و انما هو من موارد خيار الغبن فلو باع مثقالا من الذهب بدينار أو اشتراه أحد بثلاثة دنانير فإنه يثبت لهما خيار الغبن بعد معرفة القيمة و لم يتوهم أحد هنا فساد المعاملة لكونه غرريا و كذلك لو أقدم على الغبن مع العلم فإنه يحكم بالصحة أيضا و في المقام أن مائة مثقال من الذهب و ألف مثقال من فضة معلوم و التسعة مائة مجهول أنه ذهب أو فضّة فلو باع كل مثقال من الذهب بدينارين و كل مثقال من الفضّة بدرهم و ان لم يعلم مقدار الذهب أو مقدار الفضة منفردا منفردا فلا وجه لبطلان البيع فإنه من مصاديق بيع الصبرة و قد عرفت صحة بيعها مجموعا بعنوان كل رطل بكذا فان انضمامها الى ما يعلم بمقدار المجموع لا يوجب البطلان و على هذا فإذا باع مجموع ألفين مثقال كل مثقال بدرهم مع العلم بالغبن و الاقدام عليه فلا وجه لبطلان المعاملة و بالجملة أن الغبن في المعاملة غير الغرر فيها فلو أقدم المتعاملان على الغبن أو انجبر الغبن بالخيار فلا وجه للحكم بالبطلان للغرر كما لا يخفى.

و على الإجمال أن كل من الظرف و المظروف و ان كانا مو الموزونين و لم يعلم بمقدار كل منهما على التفصيل و لكن ذلك مثل بيع الصبرة كل رطل بكذا فيجوز للبائع ان يبيع ذلك المجموع المركب بأن كل مثقال من الذهب بدينارين و كل مثقال من الفضة بدرهم و صحة البيع في مثل ذلك لا يستلزم العلم بمقدار الصبرة أصلا و كك يصحّ بيع مجموع الذهب و الفضة على حساب كل

474

مثقال بدرهم مع الاقدام على الغبن فلا وجه للحكم بالبطلان للغرر فان مورد الغبن غير موارد الغرر كما عرفت.

و على كل حال فلو كان الظرف و المظروف كليهما من الموزون و لم يعلم مقدار كل واحد منهما على التعيين و لكن علم مقدار المجموع من حيث المجموع فيصح بيعه على حساب كل رطل بكذا و كذا يصح بيع مجموعها بقيمة الذهب أو بقيمة الفضة مع الاقدام بالغبن فان الغبن غير الغرر كما عرفت.

الكلام في استحباب التفقه في الدين

قوله (ره): مسألة: المعروف بين لأصحاب تبعا لظاهر تعبير الشيخ بلفظ ينبغي استحباب التفقه في مسائل الحلال و الحرام المتعلقة بالتجارات ليعرف صحيح العقد من فاسده و يسلم من الربا.

أقول: قد وقع الإشكال في هذا التعبير أى بالاستحباب مع أن تعلم الاحكام من الواجبات للايات و الروايات الكثيرة منها آية (1) النفر و توضيح المسألة أنه قد يجب تعلم الأحكام الشرعية صونا لها عن الاندراس و هذا لا تختص بأحد دون أحد بل هو جار في حق كل أحد و يجب عليهم كفاية كما هو مقتضى التعبير بمن في قوله تعالى فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ إلخ، و هذا القسم من التعليم كما لا يختص بشخص دون شخص، بل يجب على كل شخص و لكن كفاية بحيث لو تعلم من به الكفاية لسقط عن الباقين كما عرفت من الآية و كك لا تختص بحكم دون حكم، بل يجب تعلم جميع

____________

(1) التوبة: آية 121.

475

الاحكام لكي لا تندرس بل تبقى حسب طول الزمان حتى المسائل التي لا يبتليها كمسائل الحيض و النفاس و الحدود و نحوها ثم أن التعلم في هذا القسم لا بد و أن يكون عن اجتهاد و استنباط فان بقائها انما كذلك فهذا قسم من وجوب التعلم على الاجتهاد بعنوان الكفاية فلو تركوه لعوقب الجميع.

و قد يجب التعلم لأجل العمل بها فان تركه موجب لتفويت الواقع و هذا انما يكون في المسائل التي يبتليها المكلف عادة و لا يجري في غيرها فهذا انما يجب عينا لكل أحد و لا يلزم أن يكون ذلك بحسب الاجتهاد، بل يجوز ان يكون به و بالتقليد أيضا و كل من ترك التعلم في تلك المسائل حتى وقع في الحرام الواقعي يعاقب عليه فهل العقاب على ترك الحكم الواقعي، أو على نفس ترك التعلم نزاع بين الأردبيلي و المشهور حيث قال المشهور يكون العقاب لترك الواقع و ذهب المحقق الأردبيلي إلى كونه لنفس ترك التعلم و تفصيل الكلام في علم الأصول، و هذا أيضا قسم من تعلم الاحكام فلا يجب الا فيما يطمئن ان يبتلى به و أما في غيره فلا.

و قد يجب هذا عقلا و نقلا أما النقل فالروايات الكثيرة الدالة على وجوب تعلم الاحكام مثل أن يقال للرجل يوم القيامة لماذا عملت فيقول ما علمت و يقال لماذا علمت و أما العقل فلدفع الضرر المحتمل ففي كل واقعة يجب أن يتعلم من حكمها معاملة كانت أو غيرها لذلك و مع الترك و الوقوع في الحرام الواقعي فيعاقب كما إذا ارتكب بالبيع الربوي و تزيد المعاملات على غيرها بعدم جواز التصرف في شيء من الثمن و المثمن لاحتمال فساد المعاملة أما المثمن فلاستصحاب بقائه في ملك مالكه مع ذلك الاحتمال فلا يجوز التصرف فيه الا مع العلم بالناقل و أما الثمن فلاحتمال انتقاله إلى البائع فلا يجرى

476

هنا استصحاب عدم انتقاله إلى البائع لعدم جريانه قبل الفحص و هذا بخلافه في المثمن فإنه لا مانع من جريانه لكونه موافقا للاحتياط فيجري قبل الفحص.

و على الاجمال لا يجوز ترك التعلم في المسائل التي يطمئن بابتلائه بها لاحتمال الغرر الموجب لوجوب التعلم و لا يجوز التصرف في الثمن و المثمن في المعاملات لما ذكرناه.

و هنا قسم ثالث و هو أن يحتمل الإنسان أن يبتلى بمسائل في طول عمره فهذا يستحب تعليمه لأدلة الاحتياط كما إذا كان أحد يتجر بالقند و الشكر فإنه لا يبتلى عادة بمعاملة الحيوان و مع ذلك يحتمل ابتلائه بذلك و هكذا مسائل الزكاة و نحوها فان التاجر في هذا الزمان لا يبتلى عادة بالزكاة و مع ذلك يحتمل ابتلائه بها فيستحب تعلمه و كذلك لا يحتمل الإنسان عادة ان يبتلى بالذهاب إلى الخارجة و مع ذلك يستحب أن يتعلم احكامه من حكم القبلة و الطهارة و النجاسة و المعاملة معهم لاحتمال ابتلائه به أو لتعليم الناس و هكذا و هكذا و لكن لا يجب ذلك لأنه يطمئن بعدم الابتلاء كما لا يجب للرجل معرفة أحكام المرأة و لا يجب للمرئة معرفة أحكام الرجل من صلاته و صومه و لبسه و غيرها و إذا ابتلى احد بما كان مطمئنا بعدم ابتلائه و وقع في الحرام الواقعي لا يعاقب على ترك التعلم فان اطمينانه بعدم الابتلاء حجة له عند اللّه و به يكون معذورا في الوقوع على الحرام كما هو واضح فمراد الفقهاء من حكمهم باستحباب تعلّم مسائل الحلال، و الحرام، هو هذا القسم كما مثلنا، بمثل معرفة مسائل خيار الحيوان و مسائل الزكاة.

ثم انه ربما يتوهم التعارض بين ما دل على تعلم الاحكام و بين ما دل

477

على مطلوبية الاكتساب فان ما دل على استحباب الاكتساب أعم من أهل العلم و غيره و جمع بينهما صاحب الحدائق بالالتزام بأن أهل العلم خارج عن تحت تلك الأخبار الدالة على مطلوبية الاكتساب و لكنه واضح الدفع لعدم تماميته ثبوتا و إثباتا أما ثبوتا فلانه كثيرا لا ينافي الكسب لطلب العلم كما إذا عرف كسبا يصرف وقته فيه قليلا و لكن يربح كثيرا فان مثل هذا كيف يقال في حقه انه ليس في حقه طلب الكسب و أما ابتلاء فان الناظر في تلك الأخبار الدالة على مطلوبية الاكتساب يرى أنها أعم فلا وجه لإخراج أهل العلم عن تحتها لعدم الدليل عليه على أنه قد لا يكون الكسب مزاحما لتحصيل العلم كما إذا كان له خط جيّد فيكتب سطرا و يبعه بدينار فان مثل ذلك لا يزاحم تحصيله بل يستحق بذلك التفصيلتين و فاض بأجر تحصيل العلم و تحصيل الكسب فأي شيء أعظم من ذلك كما عرفت فلا وجه لرأي الحدائق ثبوتا و إثباتا فان الكاسب حبيب اللّه و ان كان طالبا للعلم.

و بعبارة أخرى قد دلّت الروايات الكثيرة على استحباب تحصيل العلم و كون الأخبار الدالة على استحباب الكسب مختصا بغير أهل العلم و أيد ذلك بجملة من الاخبار الدالة على حسن التوكل و أن أهل العلم لا بد و ان يتوكل على اللّه تعالى في أموره و يطلب من اللّه تعالى رزقه و أيضا أيده بكلام الشهيد في المنية و لكن الظاهر أنه لا دلالة في شيء من المذكورات على مقصد الحدائق كما افاده المصنف فان حسن التوكل على اللّه لا يدل على الاعراض عن الكسب و ليس معناه أن الإنسان يتوكل على اللّه و يقعد

478

في بيته بل معناه أنه يجب لكل شخص أن يتوكل على اللّه في أموره بالخصوص أهل العلم فإنهم قواد الذين بل كانت الأئمة متوكلون على اللّه و مع ذلك كانوا يشتغلون بالكسب و كان الأمير (عليه السلام) أول من آمن باللّه و متوكلا عليه و مع ذلك موجر نفسه لليهودي و يشتغل بالزراعة و التجارة و في مجموعة الورام أن الباقر (ع) كان يرجع من البستان و كان متكئا على الغلامين فاعترضه أحد الصواف مالك قد خرجت في هذه الحرارة لطلب الدنيا فقال (عليه السلام) ليس هذا طلبا للدنيا بل من العبادة.

و بالجملة لا إشعار في شيء مما دل على لزوم التوكل و حسنه على ترك الكسب و الاشتغال بطلب العلم و الّا لجاز الاستدلال بها على القعود عن الكسب و الحركة و التوكل على اللّه فان اللّه و ان أمر بالتوكل و مع ذلك أبى أن يجرى الأمور إلّا بأسبابها فلا بدّ من الحركة نحو الحاجة و التوكل على اللّه في جميع الأمور سواء كان في طلب العلم أو في طلب الكسب نعم هل العلم امتياز خاص في لزوم التوكل فإنهم يقودون الناس الى اللّه فلا بد و أن يكون إيكالهم اليه محضا.

على أنك قد عرفت أن ما افاده صاحب الحدائق ليس بتمام ثبوتا و إثباتا أما ثبوتا فلانه قد لا يزاحم الكسب تحصيل العلم أصلا و مع ذلك كيف يلتزم بعدم شمول أدلة استحباب الكسب في حقه و قد عرفت مثاله، و أما إثباتا فلعدم الدليل عليه بوجه كما لا يخفى.

الكلام في تزاحم الكسب و طلب العلم

و التحقيق أن يقال أنه لا معارضة بين أدلة استحباب طلب العلم و

479

بين أدلة استحباب طلب الكسب، بل هما من قبيل المتزاحمين و بيان ذلك أنه قد يكون كل من طلب العلم و طلب الكسب مستحبا في حقه كما إذا كان عارفا لمسائلة و أحكام دينه بالمقدار المعتد به و بالمقدار الذي يبتليه عادة و كان أيضا من الحافظين للدين عن الاندراس موجودا من المجتهدين و كان عنده أيضا من المال ما يكفيه بمئونته و مئونة عياله الواجب النفقة فإن مثل هذا الشخص يستحب له تحصيل العلم في المسائل التي يحتمل ابتلائه بها أو يتعلم لتعليم الناس أو يتعلم ليدخل نفسه في سلك المجتهدين الموجودين بمقدار الكفاية ففي مثل ذلك يكون المقام من باب تزاحم المستحبين فيكون كسائر المستحبات فان في كل آن يبتلى الإنسان بذلك كثيرا فالآن يستحب لنا زيادة الأمير (عليه السلام) و قضاء حوائج المؤمنين و إتيان النوافل و هكذا مع أنا لا تقدر على جميعها فله أن يترك جميعها و هكذا المقام و ليس من مقام التعارض هنا شيء و لكن ليس لمن كان كل من الكسبين مستحبا الوقوع في الحرج من جهة عدم القدرة على الامتثال حتى يتعين في حقه أحدهما فإن هذا مختص بالحكمين الالزاميين و أما المستحبات فيجوز ترك جميعها أجمع أو إتيان أحدهما على حسب اختياره.

و لكن يقع الكلام هنا في ترجيح أحدهما على الأخر فهذا يختلف فان كان ما يترتب على تحصيله من الفوائد من ترويج الدين و احياء شريعة سيّد المرسلين و إرشاد العوام و اهدائهم الى الدين أهم من الفوائد المترتبة على الكسب فيرجع طلب العلم على طلب الكسب كما إذا لم يترتب على كسبه إلّا إعانة فقير واحد أو توسعة عياله فقط أو زيارة أحد الأئمة (عليهم السلام).

و ان كان ما يترتب على كسبه أهم مما يترتب على طلب العلم، فالأمر بالعكس كما إذا كان المترتب عليه تعمير المدارس و المساجد و المشاهد

480

و إتمامه الحوزة العلمية و تأمين معاش أهل العلم و قواد الدين و دفع الكرب عن فقراء الإسلام، و لكن لا يترتب على طلبه العلم الّا تعليم جاهل و أحد مسألة واحدة بحيث لو لم يتعلمه ليتعلم من غيره و مع عدم وجود المرجح في البين يتخير في اختيار أيهما شاء بل له ذلك مع وجود المرجح لأحدهما أيضا فإن الفرض أن كليهما مستحب كما لا يخفى غاية الأمر مع ترك الأهم و أخذ المهم لزم ترك الاولى.

و قد يكون أحدهما مستحبا و الأخر واجبا فح يجب أخذ الواجب لكونه معجزا عن المستحب كما إذا كان عارفا بمقدار ما يبتليه عادة من الاحكام و كان من حفاظ الدين من فيه الكفاية و لكن كان عنده من الأشخاص من يجب إنفاقه فح يتعين الكسب في حقه و إذا كان الأمر على العكس فيجب تحصيل العلم دون التكسب كما إذا كان الأمر على العكس.

و قد يكون كل منهما واجبا كفائيا في حقه فله اختيار أيهما شاء مع عدم المرجح كالواجبتين التخيرية و ان كان في أحدهما ترجيح، فيختار ذو الترجيح و ان كان مع كونهما واجبا في حقه كفاية قد قام بأحدهما شخص فيكون الأخر في حقه واجبا عينيا مع عدم قيام شخص آخر عليه.

و قد يكونان واجبين عينا فح يكون المقام من تزاحم الواجبين عينين فان كان أحدهما أهم فيختاره على الأخر و الا فيتخير في ذلك كسائر الواجبات التخييرية.

و أما جواز صرف من يشتغل بالتحصيل من الوجوه الشرعية مع تمكنهم من الكسب أما سهم الامام (ع) فيجوز صرفه مع مراعاة الجهات الشرعية بحيث لا يعد كلا للإمام (ع) بل تكون له خدمة له (ع) و أما لو صرف وقته في المجالس و مضى عمره بالمماطلة و المساهلة، بل ربما يكون ضرره أشد من خدمته فلا

481

يجوز له أن يصرف من سهم الامام (ع) و أما إذا كان له خدمة للدين و ان تمكن من تحصيل الرزق بالتكسّب فيجوز له أن يصرف من سهم الامام (ع).

و الحاصل: أن المناط في صرف سهم الامام (ع) هو القطع برضى الامام ((عليه السلام)) و الا فلا يجوز له ذلك بوجه.

و أما سائر الوجوه البرية من النذر و الوقف و الصدقات و غيرها مما وضعت للجهات العامة فيجوز صرفها لأهل العلم أيضا على النحو الذي قرره الناذر و الواقف فلا يشترط فيها الفقر و لا ما يعتبر في صرف سهم الامام (ع) من اشتراط، بل المناط هنا هو انطباق الجهات البرية على الشخص.

و أما الزكاة و الخمس فلا يجوز لمن يكون قادرا على الكسب أن يصرف منهما أصلا ما لم يكن التحصيل في حقه واجبا فان مصرف الزكاة هو الفقراء و مصرف الخمس هو الفقراء من بنى هاشم و فسروا الفقير بأنه لا يقدر على تحصيل قوته فعلا أو بالقوة و من يحسن الصناعة فليس بفقير و مجرّد كون تحصيل العلم مستحبا في حقه لا يجوز له الأخذ منهما و الّا لجاز أن يشتغل بالاعمال المستحبة و يصرف من الزكاة و الخمس بان يصلى النوافل دائما و يأكل من الزكاة أو من سهم سبيل اللّه فإنه موضوع للجهات التي كانت راجعة إلى الدين.

الكلام في تلقى الركبان و مرجوحيته

قوله: مسألة: لا خلاف في مرجوحية تلقى الركبان.

أقول: الأقوال في المسألة ثلاثة، قول بالحرمة و قول بالكراهة و قول بعدم الحرمة و الكراهة أما الحرمة فاستدل عليها بالروايات الناهية عن

482

التلقي الركبان و لكنها ضعيفة السند و دعوى الاطمئنان بصدور بعضها لكثرتها و استفاضتها دعوى جزائفية فإنها لا توجب الاطمئنان بالصدور و مع تسليم ذلك فلا يفيد لغير من حصل له الاطمئنان و الظن بالصدور لا يفيد لعدم كونه حجة فلا يغني من الحق شيئا، بل لو كان التلقي الركبان حراما لظهر بين الفقهاء على رئوس الاشهاد و ليس كك.

و أما القول بالكراهة فهو مبنى على أمرين أحدهما تمامية أخبار من بلغ الدالة على التسامح في أدلّة السنن بدعوى أنها ظاهرة في ما بلغ عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم )ثواب على عمل فعمله أحد برجاء أنه صدر من رسول اللّه فيثاب على ذلك العمل و ان كان رسول اللّه (ص) لم يقله و لو أريد من تلك الأوامر الدالة على التسامح في أدلة السنن الإرشاد إلى حكم العقل بحسن إتيان العمل رجاء و احتياطا لدرك الواقع فلا يدل على التسامح في أدلة السنن.

الأمر الثاني أن تكون شاملة للكراهة أيضا فلو اقتصر على مواردها و هي ما كان فيه أمر ففي موارد الكراهة ليس أمر، بل نهى فلا تشمل المقام و مع تسليم المقدمتين يصحّ التمسك بتلك الاخبار في المقام لإثبات كراهة التلقي و مع تسليم هاتين المقدمتين فلا وجه للإشكال هنا بأنه لو سلمنا شمول أدلة التسامح للمكروهات و لكن التمسك بها في المقام بدعوى أن ذلك انما يفيد في مورد ورد خبر ضعيف يدلّ على الكراهة فإنه يلتزمها لذلك الخبر الضعيف و أما في المقام فان تمت الأخبار المذكورة فتدل على الحرمة و الّا فلا حرمة و لا كراهة فإن وجودها كعدمها و كذلك الحال في الاخبار الضعيفة الظاهرة في الوجوب فإنها لا تشمل ذلك و قد ناقش بذلك بعض الأعلام لإثبات الاستحباب أو الكراهة بالأخبار الضعيفة الدالة على

483

الحرمة أو الوجوب.

و فيه أنه قلنا في البحث عن أدلة التسامح أنها تشمل لما دل على الحرمة و الوجوب إذا كان ضعيفا و ذلك فان ما دل على الوجوب يدل على جواز العقاب على الترك و على ثبوت الثواب على الفعل فبضعف الرواية الدالة على الوجوب يسقط العقاب على الترك لخروجه عن الحجية و يبقى الثواب على حالة لأدلة التسامح لصدق البلوغ هنا أيضا.

ثم ذكروا لحرمة التلقي أو كراهته شروطا الأول أن لا يكون التلقي أربعة فراسخ و أزيد و الّا فيدخل ذلك تحت عنوان المسافرة فإن الذهاب أربعة فراسخ و الإياب منها سفر شرعي فالمسافرة للتجارة ليس فيها بأس بل مطلوب في الشريعة و مندوب اليه و قد ذكر ذلك الشرط في اخبار التلقي فهل الغاية أي رأس الأربعة داخلة أو خارجة فذكر بعضهم أنها داخلة و لكن الجمع بين صدر رواية النقيصة و ذيلها يدل على خروج الحد عن المحدود، كما ذكره المصنف (ره) على أن الوصول إلى الغاية تحقق موضوع المسافرة فيخرج بذلك عن عنوان التلقي و يدخل تحت عنوان السفر للتجارة كما لا يخفى.

الشرط الثاني: انه يعتبر أن يكون الذهاب بعنوان التلقي فلو كان ذلك لغرض آخر فصادف في الطريق ذلك فعامل معهم فيكون خارجا عن مورد الاخبار لعدم صدق التلقي للتجارة و أيضا يعتبر أن يكون التلقي لأجل التجارة فلو تلقى لأجل استقبال القادم فصادف التجار في الطريق فاشترى منهم متاعهم فأيضا يكون ذلك خارجا عن مورد الاخبار لعدم صدق التلقي للتجارة نعم الظاهر من قوله (ع) في رواية (1) عروة و المسلمون

____________

(1) الكافي: ج 5 ص 168 باب التلقي حديث 2.

484

يرزق اللّه بعضهم بعضا هو عموم الحكم لغير صورة قصد التلقي و قصد التجارة فكأن الغرض هو وصول مال التجارة إلى المدينة فان في رؤية الناس ذلك حكمه عجيب فإنه يوجب امتلاء أعين الناس جدا.

و فيه أن هذا ليس بعلة للحكم بل حكمه له و الا فيجري ذلك فيما إذا اشترى جميع مال التجارة شخص واحد حين الدخول بالبلد على أن المتلقى أحد المسلمين فالغرض من ذلك هو بيان أنه لا يمنع أحد من توجه التجارة إلى المدينة فالمسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض فإنه إذا توجهت التجارة إلى البلد فيشترى نوع الناس منها على القيمة الرخيص.

ثم انه ذكر في رواية عروة حكم آخر و هو قوله و لا بيع حاضر لبادى و لكن الظاهر من ذلك هو أن لا يبيع الحاضر متاع الباد و لا يصد بذلك، بل يخلى بينه و بين أهل البلد فإنه لو يصد بذلك أهل البلد لباع متاعه بقيمة عالية فيكون نوع الناس في مضيقة بخلافه إذا تصدى شخص البادي بذلك فإنه يبيع بقيمة الرخيص فيكون في ذلك توسعة لنوع الناس مثلا إذا باع البادي للبقالين رخيصا فيبيع البقالين لأهل البلد كك فيكونون في مضيقة.

و ليس المراد من قوله (ع) و لا يبيع الحاضر لبادى أنه لا يبيع الحاضر متاع شخص لباد فإنه غير محتمل جدا فإن البادي يحتاج إلى المأكل و المشرب فكيف لا يسوغ لأهل البلد أن لا يبيع لبادى، بل يجوز ذلك بلا شبهة حتى في الطريق ثم انه لا فرق في ذلك بين البيع و غيره من الصلح و نحوه فان الغرض من النهي عن التلقي سواء كان حراما أو مكروها هو ترك التلقي للتجارة و التجارة غير منحصرة بالبيع ثم ان من قبيل تلقى الركبان كراهة أو حرمة استقبال الخدمة الزوار لأجل إعطائهم

485

المسكن، بل لا بد و ان يخلوا سبيلهم فان المسلمين يرزق اللّه بعضهم من بعض كما لا يخفى كما لا فرق بين كون التلقي لاشتراء متاعهم كما تقدم أو للبيع منهم بان يكون غرض الركبان شراء المتاع فتلقاهم أحد الحاضرين فباع منهم ما يحتاجون اليه.

ثم ان في بعض الروايات أن الركبان إذا باعوا من الحاضر فجائوا سوق فلهم الخيار.

أقول: ان كانت المعاملة مشتملة الغبن، فيثبت لهم خيار الغبن من غير احتياج إلى الرواية و الّا فلا وجه للخيار فإنه لا معنى لثبوت الخيار بمجرد الدخول في السوق على ان الظاهر بحسب الفهم العرفي هو صورة كون المعاملة مشتملة على الغبن، فان ظاهر قوله (ع) إذا جائوا بالسوق فلهم الخيار، يعنى لو كانوا مغبونين لا مطلقا على أن الرواية ضعيفة السند، و اما النجش فقد تعرض له في المكاسب المحرمة فلا وجه للإعادة (و معناه ان يزيد الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها ليسمع غيره فيزيد بزيادة).

الكلام فيما إذا دفع الإنسان إلى غيره مالا

قوله: مسألة: إذا دفع الإنسان إلى غيره مالا ليصرفه في قبيل يكون المدفوع اليه منهم و لم يحصل للمدفوع إليه، إلخ.

أقول: تارة يدفع المالك ماله لشخص و يكون المدفوع اليه مستقلا في التصرف فيه كيف ما يشاء فلا يكون رأى الدافع ح متبعا بوجه و هذا كما إذا كان المدفوع اليه وكيلا للدافع بان يدفع اليه مالا ليصرفه في محله و المدفوع

486

اليه مخير في ذلك كيف ما يشاء و من هذا القبيل دفع الوجوه الشرعية إلى المجتهدين ليصرفوها في مواردها.

و أخرى يدفع الدافع الى المدفوع مالا و يعين موارده فهل يجوز له الأخذ منه مع انطباق ما عينه الدافع عليه أم لا، كما إذا دفع اليه سهم الامام (ع) أو الخمس أو الزكاة أو غيرها من الوجوه الشرعية و قال أعطها للصنف الفلاني و كان المدفوع اليه منهم هذا بناء على كون ولاية تلك الوجوه تحت يد المالك أو كان البائع هو الحاكم الشرعي بناء على ثبوت الولاية له عليها أو كان المدفوع من أموال الطلقة للدافع فهو على أقسام شتى:- الاولى: أن تقوم قرينة خارجية على عدم رضى الدافع بأخذ المدفوع منه فإنه ح لا يجوز له الأخذ منه لانه تصرف في مال غيره بدون اذنه فهو حرام و نظيره أن يعين له مقدارا خاصّا و قامت القرينة على عدم جواز أخذه أزيد من ذلك المقدار الخاص.

الثاني: أن يظهر الدافع قرينة حالية أو مقالية على جواز أخذ المدفوع اليه من المال المدفوع و هذا و كك الشق الأول مما لا اشكال فيه و انما الإشكال في الصورة الثالثة و هو يدفع اليه مالا و يقول ادفعه في أصناف معينة و كان المدفوع اليه منهم فهل يجوز له الأخذ منه بالمقدار الذي يدفع الى أفراد الأصناف أم لا.

و كك يقع الإشكال في الشق الأخر في الصورة الثانية و انه إذا اعتقد الدافع بأن المدفوع اليه أو فرد أخر غيره من المحصلين المبتدين و قد عيّن لهم عشرة مع أنه من العالين و قد عيّن لهم عشرين و كك إذا عيّن على أفراد منهم خمسين باعتقاد أنهم من المتوسطين أو العالين و قد كانوا من المبتدين

487

اعتقاد الدافع و ان كان على خلاف الواقع أو يتبع الواقع و ان كان على خلاف اعتقاد الدافع و الظاهر أنه ان كلامه أعطى هذا للفقراء بعنوان القضية الحقيقة فح يتبع الواقع و الّا فيتبع اعتقاد الدافع و مراد المصنف من الموضوعية هو الأول، و مراده من الداعوية هو الثاني.

و بعبارة أخرى أن كلامه بعنوان القضية الحقيقة فيكون الواقع متبعا، و انما ذكره بعض المصاديق على خلاف الواقع من باب الخطأ في التطبق و ان كان غرضه من كلامه هو المصرف لما في الخارج و بيان ما يعلم أنه من هذا الصنف فيتبع اعتقاده فإن الداعي انما يتفرع على الاعتقاد لا الواقع و كلامه معرف لما اعتقد به و ان لم يكن هنا ظهورا فيدخل في القسم الثالث و اما القسم الثالث: و كك الثاني مع عدم الظهور في شيء اختلفت هنا كلمات الفقهاء فذهب جمع من الأصحاب إلى حرمة الأخذ و لذا قالوا: لو قالت امرأة بشخص زوجني من أحد فلا مجوز له ان يزوجها من نفسه، فان ظاهر الوكالة كونها التزويج لغيره و كذا لو وكله لاشتراء شيء فلا يجوز ان يبيعه مال نفسه و ذهب جمع آخر الى الجواز فيما إذا طلق من دون زيادة على غيره و فصّل بعضهم بأنه ان قال الدافع ضع هذا المال في الفقراء مثلا و كان المدفوع اليه منهم فيجوز له الأخذ منه بقدر ما يخصه و ان قال أعطه للفقراء فلا يجوز فإن الإعطاء ظاهر من كون المعطى له غير المعطى و لكن هذا التفصيل ليس تفصيلا في المسألة بل تعيين لظهور كلام الدافع.

و هنا تفصيل آخر و هو انه إذا قال الدافع أعطه للفقراء مع علمه بكون المدفوع اليه من الفقراء لم يجز له الأخذ بما يخصه من المال فإنه لو كان بناء الدافع الإعطاء له لخصه بالذكر أيضا، و ان لم يعلم بفقره جاز له الأخذ

488

بما يخصه فان غرض الدافع وصول المال الى هذا الصنف فهو منهم و لكن هذا التفصيل أيضا ليس تفصيلا في المسألة، بل هو بيان لمورد ظهور كلام الدافع فإذا فتنحصر الأقوال بالقولين الجواز مطلقا و المنع كك.

و قد استدل على عدم الجواز بما هو مقتضى الأصل الاولى هو عدم جواز التصرف في مال أحد إلّا بإذنه فلا يجوز له التصرف في ذلك و كك الأمر لو وكلته امرأة في تزويجها من أحد أو وكله أحد في شراء شيء له، فإنه لا يجوز له تزويجها من نفسه كما لا يجوز له بيع ماله من الموكل فإن الأصل عدم الجواز الّا فضولة فان ظهور الوكالة أن يكون التزويج و البيع و الشراء من غير نفسه لظهور الوكالة في المغايرة.

و بالجملة ففي المقام مقتضى حرمة التصرف في مال غير هو عدم الجواز الّا مع الاذن فيه من صاحب المال و أيضا استدل على عدم الجواز بقوله ((عليه السلام)) في صحيحة ابن الحجاج المستندة في التحرير الى الصادق (ع) و ان أضمرت في غيره، فإنه لا يضر الإضمار من أحد بعد اطلاع غيره على المنقول عنه و قد قلنا في مبحث الاستصحاب في الروايات التي استدلت بها على حجية الاستصحاب أن الروي الواحد سأل الإمام (ع) عن عدة أحكام و قال في مقام النقل عاطفا بعض الجمل على البعض بقوله و سألته و سألته و حيث قطعوا الاخبار و قد حصل الإضمار من التقطيع فإذا اطلع أحد بأصل الرواية فينقلها بغير إضمار كما اطلع بحر العلوم على ذلك في روايات الاستصحاب حيث نقل بعضها عن الصادق (ع) و بعضها عن الباقر (ع) و بعضها عن أحدهما (ع) و كك في المقام و قد اطلع العلامة على أن المنقول عنه هو الصادق (ع) فنقل الرواية عنه (ع).

و كيف كان قال سألته عن رجل أعطاه رجل رجلا مالا ليصرفه في محاويج

489

أو في مساكين و هو يحتاج أ يأخذ منه لنفسه و لا يعلمه؟ هو قال: لا يأخذ شيئا حتى يأذن له صاحبه.

و قد استدل المجوزون بكون العنوان شاملا للأخذ أيضا فيجوز له الأخذ و أما رواية ابن الحجاج فقد تعارضت بالروايات الأخرى الدالة على الجواز المذكورة في المتن بعضها من ابن الحجاج و بعضها من غيره و فيها صحاح و حسان فتكونان متعارضتين و متكافتين لعدم ترجيح إحداهما على الأخرى.

و توهم عدم التكافؤ من جهة أن المجوزة هي ثلاثة روايات فتكون مشهورة فتتقدم على المانعة التي هي رواية واحدة فهو توهم فاسد، فان المراد من الشهرة الموجبة لترجيح احد المتعارضين على الأخر ليس هو كون أحدهما كثيرة و لاخر قليلة بل المراد من ذلك أى من الشهرة كون أحدهما مجمعا عليه بين الأصحاب بحيث ينقلها رواة الحديث بخلاف الأخر بأن لم ينقلها الّا نادر، و من الواضح أن الطائفتين في المقام متساوية في هذا الجهة في الاشتهار و عدمه فيتكافئان و على هذا فذكر المصنف أن كون الطائفتين واردتين على وجه التعبد بعيد جدا بأن يكون المراد من المانعة هو عدم جواز أخذ المدفوع من المال الذي دفع اليه حتى مع ظهور اللفظ في الجواز و يكون المراد من المجوزة هو جواز ذلك حتى مع ظهور كلام الدافع في عدم جواز الأخذ فلا يمكن حملها على التعبد المحض و عليه فلا بد من حمل المانعة على صورة عدم الظهور لكلام الدافع في الأخذ من المال بما يخصه و حمل المجوزة على صورة كون كلامه ظاهرا في جواز الأخذ منه و مع عدم الظهور لشيء منها فيرجع الى مقتضى الأصل و هو عدم جواز التصرف في مال أحد إلّا بإذن مالكه فهذا حاصل كلام المصنف في المقام.

490

و الحاصل: أنه حمل روايات المنع على صورة عدم الظهور لكلام المعطى في أخذ المعطى له من المال و روايات الجواز على فرض الظهور لذلك فيه و لكنه بعيدا جدا فإنه لا داعي للسؤال عن الجواز بعد ظهور كلام المعطى في الجواز فان ما أعطاه انما هو ماله فجاز التصرف فيه بإذنه فإذا أذن لغيره في ذلك فلا مورد للسؤال كما أنه مع عدم الاذن لا يجوز التصرف فيه فإنه حرام و بعد ظهور الكلام في أحد الأمرين لا مورد للسؤال كما هو واضح.

الكلام في الجمع بين الروايات المجوزة و المانعة

و قد يجمع بين الطائفتين بحمل المانعة على الكراهة بقرينة ما دل على الجواز كما هو مقتضى الجمع بين النهي و الترخيص فان قوله (ع) في صحيحة ابن الحجاج (1): (لا يأخذ شيئا حتى يأذن له صاحبه) ظاهر في عدم الجواز و قوله (ع) نعم، في رواية (2) سعيد بن يسار و قوله (ع) لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطى لغيره صريح في الجواز فمقتضى الجمع العرفي نحمل المانعة على الكراهة.

و فيه أن ظاهر قوله (ع) لا يأخذ شيئا منه الا بإذنه أنه ناظر الى عدم جواز التصرف في مال أحد إلّا باذنه و عليه فلا يمكن حملها على الكراهة كما منعه بعض مشايخنا المحققين.

و قد يجمع بينهما بحمل المانعة على فرض تعيين المالك و مواضع مسماة

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 206 باب 84 حديث 3.

(2) وسائل: ج 12 ص 206 باب 84 حديث 1.

491

لصرف المال فإنه لا يجوز للمتصدي أن يأخذ لنفسه و حمل المجوّزة على فرض أن لا يعين المالك للمال مواضع خاصة فإنه يجوز له الأخذ لنفسه و استشهد عليه بصحيحة (1) ابن الحجاج عن الرجل يعطى الرجل الدراهم يقسمها و يضعها في مواضعها و هو ممن يحل الصدقة قال لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطى غيره و لا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعه في مواضع مسماة إلّا باذنه.

و فيه أن هذا الجمع أيضا بعيد عن ظاهر رواية المانعة أعني صحيحة الأولى لابن الحجاج فإنها آبية عن ذلك سؤالا و جوابا فان قوله (ع) في جواب السائل عن رجل أعطاه مالا ليصرفه في محاويج أو مساكين و هو يحتاج أ يأخذ منه لنفسه و لا يعلمه هو قال لا يأخذ شيئا حتى يأذن له صاحبه مطلق، و كك السؤال فيبعد حملهما على فرض تعيين المالك مواضع للمال المعطى.

و الصحيح أن يقال في وجه الجمع هو حمل الروايات المانعة على فرض كون المال المعطى من متملكات شخص المعطى كما إذا ورد في بلد فأراد أن يقسم مالا في صنف من غير نظر الى كونهم فقراء أو أغنياء فأعطاه شخص أن يقسم بينهم فإنه لا يجوز للأخذ أن يأخذ منه لنفسه حتى مع اتصافه بما اتصف به المبذول لهم فإنه مال لشخص الباذل فلا يجوز التصرف فيه الّا باذنه.

و ربما يورد على ما ذكرناه من الجمع بين الروايات بحمل المانعة على الأموال الشخصية و حمل المجوّزة على الأموال النوعية بأن مقتضى صحيحة ابن الحجاج (2) في رجل أعطاه مالا ليقسمه في المساكين و له عيال محتاجون

____________

(1) وسائل: ج 6 ص 200 حديث 3 من باب 4.

(2) وسائل: ج 12 ص 206 حديث 2.

492

أ يعطهم منه من غير أن يستأذن (يستأمر خ ل) صاحبه، قال: نعم، هو جواز أخذ المعطى له لنفسه سواء كان من مال نفسه أو من الأموال النوعية و بهذا الاسناد ما يدل على عدم الجواز إلّا بالإذن عن صاحبه فيقع بينهما المعارضة فتسقطان لذلك فيرجع الى العمومات الدالة على عدم الجواز فإنه يقال أن مقتضى رواية (1) أخرى لابن الحجاج المذكور في باب الزكاة هو الجواز في الصدقة فإنه قال سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يعطى الدراهم ليقسمها و يضعها في مواضعها و هو ممن تحل له الصدقة، قال لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطى لغيره، إلخ، فبهذا نقيد الصحيحة الثانية الدالة على عدم الجواز مطلقا فتكون الصحيحة الثانية أخص من الصحيحة الأولى، كان بمقتضى انقلاب النسبة فنخصّص بها الصحيحة الأولى فتكون النتيجة أن في الأموال الشخصية لا يجوز إلّا بإذن المالك و في الأموال النوعية يجوز و حمل الروايات المجوّزة على الأموال النوعية كالوجوه الشرعية المنطبقة على الآخذ و غيره كالزكاة و الخمس و الصدقات و ردّ المظالم كما إذا أعطاها أحد لعالم أن يصرفه في محله فإنه جاز له الأخذ منه بمقدار حاجته و ان لم يكن لكلام المعطى ظهور في أخذه لنفسه إذا قال المعطى أعطه لصنف فلان ظهوره في الإعطاء للغير و نفس الآخذ منصرف عن ذلك، و على هذا فيجوز للأخذ أن يأخذ لنفسه بمقدار احتياجه خصوصا إذا كان ممن يجوز تصرفه فيه كالعلماء و المجتهدين فإن ولاية الوجوه الشرعية لهم في حال الغيبة.

و يدل على ذلك أن المذكور في روايات الجواز هو الزكاة و الصدقات

____________

(1) وسائل: ج 6 ص 200 حديث 3.

493

و أما المذكور في رواية المنع هو المال الشخصي بقرينة قوله (ع) (لا يأخذ شيئا حتى يأذن له صاحبه) حيث فرض صاحبا للمال المبذول و اعتبر اذنه في دفع المال المبذول لغير من عينهم فتكون كلتا الطائفتين من الروايات واردة على طبق القاعدة فإن مقتضى القاعدة في الأموال الشخصية عدم جواز التصرف إلّا بإذن صاحبه و مقتضى القاعدة في الأموال النوعية هو جواز بذله لمن انطبق عليه سواء اذن المعطى لذلك أم لا، و على هذا فيبقى في المقام شيء و هو أنه على هذا فلا وجه لسؤال السائل فنقول أن الوجه في ذلك هو احتمال أن يجوز للمتصدي بذلك أن يأخذ منه مع الاحتياج حيث ان صاحب المال قال اصرفه في محاويج و مساكين فاحتمل الآخذ جواز أخذه منه لأنه أيضا محتاج فأجاب الإمام (ع) أنه لا يجوز إلّا بإذن صاحبه.

و فيما كان المال نوعيا كالزكاة و غيرها احتمل السائل عدم جواز أخذه حيث يحتمل أن يكون اذن المعطى دخيلا في جواز التصرف فيه أيضا كأموال شخصه فأجاب الإمام (ع) بأنه لا بأس بذلك مع الاحتياج، فيجوز المتصدي أن يأخذ منه لنفسه بمقدارها ببذله لغيره فافهم.

الكلام في احتكار الطعام

قوله: مسألة: احتكار الطعام و هو كما في الصحاح و عن المصباح جمع الطعام و حبسه يتربّص به الغلاء لا خلاف في مرجوحيته.

أقول: يقع الكلام في جهات:

الاولى: في حكم الاحتكار

الظاهر أنه لا خلاف في مرجوحيّته في الجملة أعم من الحرمة و الكراهة، و لكن اختلفت كلماتهم في ذلك فذهب المشهور إلى الحرمة مع عدم وجود الباذل و ذهب جمع آخر إلى الكراهة مطلقا لكون الناس مسلطين على أموالهم، فلا وجه

494

لحرمته إلّا إذا عرض عليه عنوان آخر يقتضي حرمته كما إذا حكم الحاكم في المخمصة بالبيع فإنه يحرم الاحتكار ح لحكم الحاكم، و الّا فلا وجه لحرمته لنفس الاحتكار.

و الظاهر ان الاحتكار حرام مع عدم وجود باذل في البلد و أما مع وجوده فيجوز الاحتكار لكون الناس مسلطين على أموالهم و هذا القول قد اختاره المصنف.

و قد استدل المصنف على ذلك بروايات منها صحيحة (1) سالم الحناط فإنها ظاهرة في الحرمة مع عدم وجود الباذل حيث استفصل الامام (ع) في ذلك و قال الحناط ما أبيع أنا من ألف جزء جزء يعنى أن الحنطة الموجودة عندي كجزء واحد من ألف جزء من الحنطة الموجودة في البلد احتكاره، فإنه لا يوجب ظهور الغلاء في البلد نظير أن نشتري وزنة من الأرز فتحتكره فإنه لا يوجب ظهور الغلاء أصلا و قال الامام (ع) فلا بأس ثم قال أن المحتكر هو حكيم بن حذام حيث كان يحتكر الطعام المجلوب إلى المدينة فمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم )قال يا حكيم إياك أن تحتكر، فان كلمة أيّا تحذير فتفيد الحرمة.

و منها (2) صحيحة الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) أنه سئل عن الحكرة، فقال إنما الحكرة أن يشترى طعاما و ليس في المصر طعام غيره فتحتكره فان كان في المصر طعاما غيره فلا بأس أن يلتمس سلعتك الفضل فان مفهوم ذيل الرواية هو حرمة الاحتكار مع عدم وجود طعام في البلد،

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 316 باب 28 حديث 3.

(2) وسائل: ج 12 ص 315 باب 28 حديث 11.

495

غيره بحيث يظهر في البلد لأجل احتكاره غلاء واضح.

و منها (1) ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما كتبه الى مالك الأشتر على ما في نهج البلاغة و كان فيما كتبه فامنع من الاحتكار فان رسول اللّه (ص) منع منه الى أن قال فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه فنكل و عاقب في غير إسراف فإنه لو كان الاحتكار مكروها لما جاز أن يأمر الإمام (ع) الأشتر بان يعاقب المحتكر.

و منها صحيحة (2) أخرى للحلبي حيث سأل عن صلاحية الاحتكار، فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنه يكره و الكراهة في كلمات الامام (عليه السلام) أعم من الحرمة و الكراهة المصطلحة و ليس لها ظهور في الثاني، و قد ورد في روايات الربا أن عليا (عليه السلام) كان يكره الربا فلا تكون هذه الرواية موجبة لصرف الروايات الأخرى الظاهر في الحرمة.

و منها ما في مجالس المفيد عن أبى مريم الأنصاري (3) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (ص) أيما رجل اشترى طعاما فحبسه أربعين صباحا يريد به الغلاء للمسلمين ثم باعه و تصدق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع، و في هذه الرواية مناقشة من حيث السند و الدلالة، أما المناقشة في الدلالة فلأنه لو كان احتياج الى الطعام كان احتكاره حراما حتى في ثلاثة أيام و ان لم يكن احتياج اليه لم يكن حراما حتى في ستين يوما، فلا موضوعية للأربعين.

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 315 حديث 13.

(2) وسائل: ج 12 ص 313 حديث 2.

(3) وسائل: ج 12 ص 314 حديث 6.

496

و الظاهر أن الرواية راجعة إلى بيان جهة اخلاقية تعبدا حيث أن الظاهر منها أن المحتكر انما حبس الطعام بنية السوء فهي الغلاء من غير أن يكون نظره الاسترباح و قد حكم الامام (ع) تعبدا أن من كان على هذه النية و لم يرجع الى أربعين يوما فتصدق مجموع الطعام لا يكون ذلك كفارة لما فعل فتكون الرواية خارجة عن المقام أصلا و ناظرة إلى قباحة نية السوء و أما من حيث السند فقال المصنف في كتاب الصلاة و في هنا ان اشتمال سند الرواية ببني فضال لا يوجب الوهن فيها، فان الظاهر إنما أخذت من كتبهم، و قد قال العسكري (عليه السلام) عند السؤال عنها خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا ثم ازداد في المقام على ما في الصلاة ان كلام العسكري (عليه السلام) دليل على اعتبار جميع ما في كتب بنى فضّال فيستغن بذلك من ملاحظة من قبلهم في السند فان كلامه (عليه السلام) أولى بعدم ملاحظة ما قبلهم في السند من كلام الكشي من ادعاء الإجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة.

و فيه أما الكلام في اعتبار الإجماع المدعى تصحيح ما يصح عن جماعة فهو مخدوش في نفسه فإنه نرى أنهم ينقلون في رواياتهم المسندة عن الضعفاء فنعلم بذلك أنهم ينقلون عنهم أيضا مراسليهم فلا يكون مراسليهم بأجمعها حجة لكون كل مرسلة داخلة في أطراف الشبهة.

على أن هذا الإجماع ليس حجة في نفسه لعدم كونه إجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم فغاية الأمر فمفاده أن جماعة من الرواة قد ثبت نقلهم عن الثقات فلا يلاحظ ما قبلهم من السند في مرسليهم و مسنداتهم و قد عرفت اشتمال مسنداتهم على ضعف في السند و أما ما ذكره في حق كتب بنى فضال فكلام الامام (ع) ناظر الى أن انقلاب عقيدتهم لا يوجب الوهن

497

في روايتهم و أن فساد عقيدتهم لا تضرّ باعتبار روايتهم بل ما نقلوا من الروايات فهو باقي على الحالة الأولية فلا يناقش فيها من جهة فساد عقيدتهم و أما أن جميع كتبهم معتبرة و لو كان بعضها مشتملا على ضعف السند من غير ناحية بني فضال بان نقلوا عن الضعفاء فلا يظهر من الرواية، فإن هذا الاحتمال لم يكن في حقهم قبل فساد عقيدتهم، بل كان قبل ذلك يلاحظ أسانيد ما نقوله من الأحاديث ان كان صحيحا أخذ به و الّا فلا، فهلا أتى فساد عقيدتهم مقاما لهم بحيث صار جميع ما في كتبهم معتبرا حتى لا ينظر الى ما قبلهم من السند الذي كان ينظر اليه قبل فساد عقيدتهم فما افاده المصنف هنا لا يمكن المساعدة عليه و كيف كان فلا شبهة في حرمة الاحتكار فكان الشارع أراد كون الأرزاق بين الناس و ليس لأحد حق منعها عنهم و دليل سلطنتهم قاصرة عن ذلك بحكم الشارع كما ذكرنا في بحث الأراضي أنه ليس لأحد منع الأراضي زائدا عن المقدار المتعارف فان الشارع يريد ان تكون الأراضي معمورة لا خربة فكذلك الحال هنا.

ثم انه بعد الفراغ عن حرمة الاحتكار يقع الكلام في جهات الاولى: في موارد الحكرة في أنها في أيّ شيء تتحقق و الذي يستفاد من المطلقات المتقدمة أن موضوع الاحتكار هو الطعام فكل ما يصدق عليه الطعام عرفا بحيث كان في عرف البلد قوام الناس و حياتهم نوعا بهذا الطعام فمنعه عن الناس احتكار و هذا يختلف باختلاف البلدان و العادات فمثل قشر اللوز طعام في بعض البلدان، و من الحطب في بعضها الأخر و مثل الشعير ليس بطعام في بلاد الهند حتى قيل لا يوجد فيها شعير الّا بمقدار الدواء و نحوه، و لكنه طعام في بلاد العراق و الايران و الأزر طعام في نوع البلاد خصوصا الرشت و مازندران و هكذا الزبيب و التمر و ليس بطعام

498

في بعضها الأخر، بل مثل الزبيب في العراق و التمر في بعض نقاط الايران يعد من الفواكه و على الإجمال أن هذا شيء يختلف بحسب اختلاف الأمكنة و الأزمنة و العادات فكلما يصدق عليه الطعام فاحتكاره مع عدم وجود في السوق حرام و الّا فلا وجه للحرمة كما إذا احتكر احد الزبيب في النجف أو التمر في بعض نقاط الايران فلا يقال انه فعل حراما، نعم قد يكون حراما لأجل طروّ عنوان آخر عليه كما إذا احتاج أحد الى ما احتكره أخر للدواء و نحوه بحيث إذا لم يبعه منه لمات فإنه يحرم الاحتكار و المنع عن البيع و الإعطاء هنا و لكن لا لحرمة الاحتكار بنفسه، بل لأجل طروّ عنوان محرم عليه بمقتضى العنوان الثانوي.

و أما الروايات الحاصرة للاحتكار بأمور خاصة فهي مختلفة و في بعضها حصره في أربع الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر، و عن الفقيه زيادة الزيت و في رواية قرب الاسناد بإضافة السمن أيضا، و في رواية السكوني بإضافة السمن و الزيت و لكن كلها متفقة في نفى الاحتكار بمفهومها في غير الأمور المذكورة فيها و لكن الذي يسهل الخطب أن كلها ضعيفة السند فلا يمكن رفع اليد بها عن المطلقات الثابت حجيتها و الا لزم رفع اليد عن الحجة بغير الحجة الشرعية.

فالمناط في حرمة الاحتكار هو صدق احتكار الطعام على ما أخذه المحتكر و حبسه فلا يبعد شمولها مثل الزيت و السمن و الملح فان المراد من الطعام ما يطعم به الإنسان و تقوم به حياة البشر، و من الواضح أن هذا ليس مجرّد الحنطة و الشعير و الأرز فإنها ليس بنفسها ما يطعم به في الخارج، بل انما قوام طعاميته بالمقارنات من السمن و الزيت و اللحم و الملح و المقدمات من النار و نحوها، و على هذا فلا يبعد أن يكون منع النفت عن

499

الناس و احتكاره عنهم حراما فان قوام اطعمة النوع بذلك و يدل على ذلك ذكر الصنف في بعض الروايات (1) و كذلك السمن و ان كانت الرواية ضعيفة فإن من الواضح ان الزيت و السمن ليسا من الطعام بل انما هما من مقومات الطعام كما لا يخفى، و يدل على ذلك أيضا قوله (ع) في صحيحة (2) الحلبي فإنه يكره أن يحتكر و يترك الناس و ليس لهم طعام فان ترك الناس بغير طعام ليس لمنع الحنطة و الشعير فقط، بل بمنع كلّما يكون دخيلا في تحقق الطعام من المقدمات و المقارنات فإن العلة و المنع واقعا في حرمة الاحتكار ترك الناس بغير طعام كما لا يخفى.

و بالجملة فكل ما يكون دخيلا في قوام طعام البشر بحسب عادة نوع الناس بحيث يلزم من منعه ضيق النوع في الحرج و المشقة و الضرر و العسرة فيكون احتكاره حراما و قد قلنا ليس لأحد السلطنة على حبس طعام الناس و احتكاره و ان كان مالا لنفسه كما قلنا ليس لأحد حبس الأراضي و منعها عن العمارة كما تقدم في محله.

الجهة الثانية: أنه ذكر في رواية السكوني إن الحكرة في الرخصة أربعين يوما و في الغلاء و الشدة ثلاثة أيام

و الظاهر أنه لا يمكن تصديقه فإنه ان كان للناس احتياج الى ذلك بحيث كان فيهم غلاء و مخمصة فلا يجوز الحبس ساعة واحدة و الّا فيجوز الحبس ستة أشهر، بل سنة بل أكثر على ان الرواية ضعيفة، و نعم ما صنع الشهيد حيث حمل الرواية على فرض أن يكون الشدة و الاحتياج الى ما حبسه المحتكر في الغلاء بثلاثة أيام و في الرخصة

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 314 حديث 7.

(2) وسائل: ج 12 ص 315 باب 28 حديث 1.

500

بأربعين يوما و ان كان الحمل بعيدا و لكنه أولى من الطرح.

الجهة الثالثة: هل يختص مورد الاحتكار بشراء الطعام فقط أو يتحقق بكل ما يقع في يده

و لو كانت الغلة حاصلة من الزرع أو الإرث أو الهبة، الظاهر هو الثاني فإن المناط في حرمة الاحتكار هو جمع الغلة، و ترك الناس بغير طعام و لا يفرق في ذلك بين الشراء و غيره.

ثم الظاهر أنّ الاحتكار اما حرام أو مباح بناء على حرمته مع عدم الباذل و أما بناء على كراهته فاما مكروه أو مباح في نفسه فلا يتصف بالأحكام الخمسة كما ذكره المصنف نعم يمكن ان يتصف بالأحكام الخمسة بلحاظ العناوين الثانوية.

الجهة الرابعة: أن الاحتكار حرام إذا كان يترك الناس بغير طعام مع احتياجهم اليه

و أما لو كان غرضه جمع الطعام و بيعه في وقت نزول العسكر أو الزوار لئلا يقعوا في مضيقة فلا يكون الاحتكار حراما و باعتبار هذه العناوين الطارية يكون الاحتكار متصفا بالأحكام الخمسة و لكن الاحتكار في نفسه، اما حرام أو مباح، كما لا يخفى.

الخامس: الظاهر أنه لا إشكال في جواز إجبار المحتكر على البيع

حتى بناء على كراهة الاحتكار و لكن ليس للحاكم إلّا الإجبار على البيع فقط، و اما التسعير فليس له ذلك، بل للمالك أن يعين ذلك لان الناس مسلطون على أموالهم و قد ورد في بعض الأحاديث (1) أنه سئل النبي (ص) عن الشعير فقال (ص) انه في يد اللّه، نعم لو أجحف في القيمة بحيث كان ازديادتها نحوا من الاحتكار يمنع الحاكم عن ذلك بحيث يبيع المالك بقيمة

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 317 باب 30 حديث 1.

501

السوق، أو أكثر منه، بمقدار لا يمنع الناس عن الشراء، بأن تكون قيمة كل حقة من الحنطة مائة فلس و يبيع المحتكر بدينارين فإنه أيضا احتكار، كما لا يخفى.

الحمد للّه أولا و آخر و ظاهرا و باطنا، و قد وقع الفراغ عن كتاب البيع في يوم الأحد 24 شهر جمادى الأولى سنة 1375 ه، و يتلوه ان شاء اللّه تعالى المجلد السادس بتوفيق الملك العلام، و الحمد للّه وحده و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين و سلم تسليما.