مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
53

بالدليل لا يجوز لغيره ان يمتثل بدون اذنه لعموم الدليل عليه لكونه مثلا من الحوادث الواقعة فلا بدّ فيه و أن يرجع الى الفقيه أو يتصدى به باذنه و ذلك كصلاة الميت إذا شك في اعتبار اذن الفقيه فيه.

و ان كان ثابتا بمقتضى الأصل فلا بدّ ان ينفى احتمال اعتبار إذنه بأصل البراءة.

و أما في الأمور الأخر التي نشك في أصل وجوبها بدون اذن الفقيه أو في مشروعيتها أو في كليهما كما تقدم فلا يفرق الحال فيها بين ما كان ولاية الفقيه ثابتة بدليل أو بأصل، بل في كلا الفرعين لا يجوز التصرف في الأوقاف و سهم الامام (عليه السلام) و أموال الصغار حسبة إلّا بإذن الفقيه سواء كان ولاية الفقيه ثابتة بالأصل أو بالدليل.

في ولاية عدول المؤمنين

قوله: مسألة: في ولاية العدول المؤمنين.

أقول: إذا قلنا بولاية الفقيه و أمكنت الإجازة منه في الموارد التي لا يجوز لغيره التصرف فيها إلّا بإذنه أو لم يمكن الاستيذان منه لعدم الوصول اليه و ان كان موجودا فحال غير الفقيه هنا حال الفقيه مع الإمام في صورتي الاستيذان و عدمه أما في فرض إمكان تحصيل الاذن منه فلا كلام فيه فلا بد من تحصيله منه و أما في فرض عدم إمكان الوصول اليه فيقع الكلام هنا في جهتين: الاولى:

في جواز ولاية غير الفقيه من العدل و غيره أو اختصاصها بالعدل الإمامي و بيان وظيفته في نفسه

، الثاني: في بيان وظيفة من عامل مع هذا الولي فهل يكون مالكا لما اشتراه أم لا؟

أما الكلام في الجهة الأولى:

فمقتضى الأصل

بالنسبة إلى الأمور التي

54

واجبة مطلقة و لكن يشك في اعتبار اذن الفقيه في صحته كصلاة الميت، فلا إشكال في صحة من أحد و لو من الفساق من المؤمنين و لا يجب تحصيل الاذن من عدول المؤمنين و لو في فرض التمكن من التحصيل.

و اما في الأمور التي يشك في أصل وجوبها إلا بإذن الفقيه كالتكاليف التي نحتمل ان يكون أصل وجوبها مشروطا به أو مطلقا فتجري فيها البراءة فيحكم بعدم الوجوب.

و أما فيما كان الشك في أصل المشروعية فلا يجوز لأحد أن يتصرف في ذلك لا وضعا و لا تكليفا إلّا بإذن عدول المؤمنين، مثلا لو مات أحد و ترك أموالا و أولادا صغارا فأحتاج الى بيع تلك الأموال من اثمار و نحوها مما تتلف ليومه أو في يومين فجواز هذا التصرف بالوضع مع إمكان الفقيه يحتاج الى اذنه فبدونه يتصرف فيه عدول المؤمنين أو غيرهم باذن منهم، و اما بدون إذنهم فلا يجوز و كك التصرف التكليفي كحفظ دراهمه و أمواله المحتاجة إلى الحفظ من دون احتياج الى التصرف الوضعي أو كان محتاجا بكلا التصرفين، بان يبيع و يحفظ لثمنه ففي جميع ذلك لا يجوز لغير العدول أن يتصد بذلك بدون اذن منهم.

و الوجه في ذلك هو ما تقدم في ولاية الفقيه من أنه ثبت بالأدلة القاطعة عدم جواز التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه مع احتياج ذلك المال الى التصرف فدار الأمر بين الأعم و الأخص بأن يتصرف فيه كل شخص أعم من الفاسق و العادل أو خصوص العادل و غيره باذنه فالمتيقن هو الثاني فيكفي مجرّد الشك في عدم جواز تصرّف غيره وضعا و تكليفا لإطباق الأدلة على عدم جواز فالخارج منها قطعا هي صورة الاذن من العدول أو تصديهم بنفسهم

55

على التصرف و من هذا القبيل الأوقاف العامة و سهم الامام (عليه السلام) من الخمس على التقريب الذي تقدم.

و قد مثل المصنف بما كان أصل مشروعيته مشكوكا ببعض مراتب النهي عن المنكر كما إذا وصل الى حد الجرح فإنه لا يجوز ذلك بمقتضى الأصل، لكونه ظلما و إيلاما فهو غير جائز بالأدلة الخاصة فلا إطلاق لأدلة النهي عن المنكر حتى يتمسك بها لإثبات مشرعية ذلك إلّا إذا كان منجر الى حد يخاف من اضمحلال الإسلام فهو كلام آخر، و التمسك في ذلك بان كل معروف صدقة واضع الفساد إذ الكبرى و ان كانت مسلّمة و انما الكلام في الصغرى و إثبات ان هذه المرتبة من النهي عن المنكر من المعروف الصدقة و ليس كك.

و هكذا الكلام إذا كان الشك في أصل المطلوبية و المشروعية إلّا بإذن الفقيه أو بالإطلاق فبالنسبة إلى المطلوبية تجرى البراءة و بالنسبة إلى المشروعية نجري أصالة عدم المشروعية.

و بالجملة فحال غير الفقيه من عدول المؤمنين مع تعذر الوصول اليه حال الفقيه مع تعذر الوصول الى الامام (عليه السلام) بلا زيادة و نقيصة، كما أن هذه النسبة محفوظة بالنسبة الى ما دون العدول مع تعذرهم بحفظ الاحتياط بأخذ المتيقن من كل مرتبة، فافهم.

و حاصل الكلام: إذا قلنا بثبوت الولاية للفقيه و أمكن الوصول اليه فلا بد من الاذن منه.

و ان تعذر الوصول إليه و كان موجودا في بلاد لا يمكن الاستيذان منه و لو بالمكاتبة فح فهل يجوز لكل احد ان يتصرّف فيما تصرف فيه الفقيه، و لو كان عاما فاسقا أو تصل النوبة إلى عدول المؤمنين الظاهر انه لا يجوز لأحد

56

أن يتصرّف فيما تصرف فيه الفقيه بعد تعذر الوصول اليه الّا بإذن من عدول المؤمنين لا وضعا و لا تكليفا إذ قد يكون الاحتياج الى التصرف الوضعي كما إذا مات احد و ترك ثمارا له فإنه لو لم يبع لكان فاسدا فحفظا لمال الصغير لا بدّ من بيعها.

و أخرى يكون الاحتياج الى التصرّف التكليفي كحفظ دراهم الغير و أخرى إلى كلا الأمرين.

ثم قد يكون شيء مفروض المطلوبية للشارع غير مضاف الى أحد و اعتبار نظائره الفقيه فيه ساقط له بفرض التعذر و كونه شرطا مطلقا له لا شرطا اختياريا مخالف لفرض العلم بكونه مطلوب الوجود مع تعذر الشرط فيكون اذن الفقيه ساقطا بلا شبهة إذ نشك في اعتباره مطلقا أو في حال الاختيار فنتمسك بإطلاق الواجب فندفع اعتبار الشرط و هذا كصلاة الميت، بل في مثل ذلك لا يجب الاستيذان من عدول المؤمنين و لو مع التمكن فيصديه كل من تصدى به و لو كان فاسقا إماميا.

و أخرى يكون الأمر مرددا بين أن يكون واجبا باذن الفقيه أو واجبا مطلقا، ففي هنا نجري البراءة عن أصل الوجوب.

و قد يكون الشك في أصل مشروعية شيء بدون اذن الفقيه كبعض مراتب النهي عن المنكر على مثله في المتن فان كان هنا إطلاق لأدلّة النهي عن المنكر يكون متبعا و يدفع به احتمال دخالة إذن الفقيه فيه و ان لم يكن فيه إطلاق فمقتضى الأصل عدم الجواز لكونه تصرفا في نفس الغير و ظلما و يلاما له فهو لا يجوز.

و ان كان الاحتياج الى التصرف مما لا بدّ منه مع كون الشك في أصل مشروعية التصرف بدون اذن الفقيه كالتصرف في الأوقاف العامة و سهم

57

الامام (عليه السلام) على النحو الذي تقدم و تعذر الوصول الى الفقيه، فح يدور الأمر بين التصرف المطلق و بين التصرّف مع الاذن من العدول المؤمنين فحيث ان التصرف مالي فلا يجوز بغير إذن أهله فالمتيقن من ذلك هو التصرّف باذن العدول و ان كان الشك في أصل المشروعية مع احتمال كونه واجبا تكليفا باذن الفقيه أو مطلقا كالتصرّف في أموال الصغار حسبة فبالنسبة إلى الوجوب تجرى البراءة و بالنسبة إلى أصل التصرّف الوضعي يستأذن من العدول لكونه هو المتيقن و هكذا في التصرّف التكليفي كحفظ ماله مثلا.

و بالجملة مكان عدول المؤمنين مع تعذر الوصول اليه مكان الفقيه مع تعذر الوصول الى الامام (ع) بمقتضى الأصل و مفاد يختلف كما عرفت بحسب الموارد.

هذا كله ما تقتضيه الأصل

و لكن قد ادعى ثبوت الولاية لعدول المؤمنين مع تعذر الوصول الى الفقيه بمقتضى الروايات

فلا بدّ من قراءة الروايات حتى يلاحظ دلالتها على ذلك.

منها صحيحة محمد بن إسماعيل

رجل مات من أصحابنا بغير وصيّة، فرفع أمره الى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله، و كان رجل خلّف ورثة صغارا و متاعا و جواري فباع عبد الحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهنّ إذ لم يكن الميت صيّر اليه وصيّة و كان قيامه بهذا بأمر القاضي لأنهنّ فروج، قال فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) و قلت له يموت الرجل من أصحابنا و لا يوصى الى أحد و يخلف الجواري فيقيم القاضي رجلا منّا لبيعهن، أو قال يقوم بذلك رجل فضعف قلة لأنهن فروج فما ترى في ذلك، قال: إذا كان القيم مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس الخير.

و محل الكلام هنا جهة المماثلة و انها في أيّ شيء فجعل المصنف

58

مورد الاحتمال فيها أربعة اما المماثلة في التشيّع أو في الوثاقة في ملاحظة مصلحة اليتيم و ان لم يكن شيعيا أو في الفقاهة بأن يكون من نواب الامام (عليه السلام) عموما في القضاء بين المسلمين أو في العدالة.

و أبعد المصنف الاحتمال الثالث و تبعه شيخنا الأستاد بدعوى انه لو كان المراد بها المماثلة في الفقاهة لكان مفهوم الشرط انه لو لم يكن القيم فقيها ففيه الباس و هذا ينافي كون التصرف في مال اليتيم و القيام بأمره من الأمور التي لا تسقط بتعذر اذن الفقيه فيدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين و النسبة بين الوثاقة و العدالة و ان كان عموما من وجه الا انه لا شبهة ان العدل أيضا لا بدّ من ان يتصرف فيما هو مصلحة اليتيم، فالعدالة في هذا الباب هي الأخص من الوثاقة و في الدوران بين الخاص و العام الخاص هو المتيقن و اذن فلا بدّ و ان يكون المتصدي عادلا و الممثالة تحمل على هذا.

و يرد عليه ان الإطلاق يكون متبعا إذا شك في تعين المراد، فيكون بمقتضى ظهور الكلام متعينا و اما إذا كان المراد معلوما بالعلم الخارجي فكان الشك في كيفية المراد فلا يمكن إثبات ذلك بأصالة عدم التقييد، كما في المقام.

و بعبارة أخرى قد حققنا في المفاهيم و في غيرها ان إطلاق المفهوم كسائر الإطلاقات من الحجج الشرعية و متبع بالنسبة إلى تعين المراد من المتكلم فالعلم بعدم إرادة الإطلاق من الخارج لا يضرّ بالإطلاق و لا يوجب عدم وجوده ففي المقام و ان كان ثبوت الولاية لغير الفقيه عند تعذر الوصول اليه مسلما و لكنه بالعلم الخارجي فهو لا يضرّ بثبوت المفهوم على الإطلاق و انه إذا لم يكن فقيه لا يجوز القيام بأمر الصغير كما هو واضح.

59

على انه ينتقض بجعل المماثلة في العدالة أيضا إذ لا شبهة في ثبوت الولاية لغير العادل عند تعذر العدول و تعذر تحصيل الاذن منه، فالإشكال المذكور من هذا الجهة مشترك.

و الانصاف أن كل من المحملات قابل الإرادة اذن فتكون الرواية مجملة فالمتيقن من المماثلة هو اجتماع جميع الجهات في الولي للصغير فلا تكون الرواية شاهدة لما نحن فيه، فافهم.

و حاصل الكلام: انه استدل على ولاية عدول المؤمنين مع الوصول الى الفقيه بروايات.

منها: صحيحة محمد بن إسماعيل

المذكورة و قد عرفت ان المحتملات فيها أربعة المماثلة في التشيع و المماثلة في الفقاهة و المماثلة في العدالة و المماثلة في الوثاقة، و قد عرفت ان الشيخ و شيخنا الأستاد قد اشكلا في إرادة الفقاهة من المماثلة للعلم بولاية عدول المؤمنين مع تعذر الوصول الى الفقيه مع ان مفهوم ذلك ينفى وصول النوبة إليهم لكونه انه إذا لم يكن القيم فقيها فلا يجوز، فإطلاقه ينفى جواز ولاية عدول المؤمنين أمكن الوصول الى الفقيه أو لم يمكن فاعتبر العدالة فيه في صورة التعذر إذ لم يكن القاضي المذكور في الرواية فقيها و لا عادلا و لا شيعيا حتى يتوهم انه لم يكن الوصول الى الفقيه متعذرا.

فنقول: اما احتمال التماثل في التشيّع فبعيد جدا إذ الظاهر من الرواية ان الشيعية مفروض الوجود و مفروغ عنه، و انما السؤال من جهة أخرى و ان نصب القاضي يجوّز جواز التصرّف للقيم أم لا؟ مع عدم كون القاضي شيعيا و لا فقيها في مذهبنا و لا عدلا، بل و لا ثقة على الظاهر و لو مع الشك.

و ذلك لان فرض السائل كون الرجل من أصحابنا و جعل القاضي العبد

60

الحميد فيما مع جريان العادة بجعل القيم من الأصدقاء و من المقربين المطلعين على خصوصيات أحوال الميت يساعد كونه شيعيّا.

و أما ما أورد المصنف و الأستاذ بإرادة

المماثلة في الفقاهة

ففيه أولا النقض بإرادة المماثلة في العدالة إذ المحذور المذكور وارد على هذا أيضا للعلم بوصول النوبة إلى المؤمنين الفاسقين مع تعذر العدل منهم العياذ باللّه مع انّ المفهوم ينتفى جواز توليتهم على ذلك.

و ثانيا: انه قد حقق في المفاهيم و غيرها ان أصالة عدم التقيد و ظهور الإطلاق انما يتبع فيما إذا كان الشك في أصل المراد فمقتضى ظهور الكلام و إطلاقه نستكشف مراد المتكلم و ينتج به له و عليه و هذا بخلاف ما لو علم المراد من الخارج و كان الشك في كيفية المراد فح لا يمكن التمسك بأصالة عدم التقييد ففي المقام قد علم المراد من الخارج بأنه مع تعذر الفقيه تصل النوبة إلى العدول من المؤمنين في الولاية على الصغار، و كان الشك في كيفية ذلك المراد من المفهوم فلا يجوز، ح التمسك بأصالة عدم التقييد لإطلاق مفهوم في بيان كيفية المراد حتى يتوهم ان إطلاق المفهوم ينفى وصول النوبة إلى المؤمنين العادلين فليس المورد مورد للتمسك بأصالة عدم التقييد أصلا، كما هو واضح، اذن فلا مجال لإشكال المصنف إذ هو مفروض التمسك بأصالة عدم التقييد و قد عرفت عدم وصول النوبة إليها.

و التحقيق ان الظاهر إرادة المماثلة من الرواية من جميع الجهات حتى في العربية و الكوفية و لكن نرفع اليد عن ذلك في الأمور التي نقطع بعدم مدخليتها في الحكم بنحو كالعربية و الكوفية و نحوهما و يبقى الباقي تحت الإطلاق، بل كلما نشك في خروجه و دخوله من جهة مدخليته و عدمه

61

و انما الخارج ما نعلم بعدم دخالته في الحكم، اذن فلا وجه لاعتبار العدالة فقط من جهة أخذ القدر المتيقن.

و عليه فلا بدّ من اعتبار الفقاهة و الوثاقة و العدالة و جميع الخصوصيات للمحسنة التي نحتمل دخالتها في الحكم في الولاية المجعولة في الرواية فافهم.

نعم، ربما يقال ان عبد الحميد هذا محتمل بين اثنين أحدهما ثقة لم تثبت فقاهته، و هو ابن سالم، و الآخر فقيه و لم يثبت وثاقته و هو ابن سعيد، فح تكون الرواية مجملة من حيث اعتبار الفقاهة و لكن الظاهر ان المراد منه هو عبد الحميد ابن سالم كما صرح به في الرواية حيث قال و جعل عبد الحميد بن سالم القيم بماله كما في التهذيب في باب الزيادة من الوصية و أن توثيقه لم ينحصر بهذه الرواية، بل ظاهر عبارة النجاشي في ابنه محمد بن عبد الحميد بن سالم هو ذلك مع إثبات كتاب له فيكون فقيها فلاحظ، بل يكفي في اعتبار المماثلة مجرّد الاحتمال في كونه فقيها فإنهم على انه لا يمكن الاستدلال بها بما نحن فيه لتوهم ورودها في خصوص عدول المؤمنين إذ محل كلامنا في ولاية عدول المؤمنين و اعتبار العدالة فيهم بعد تعذر الوصول الى الفقيه و لكن مقتضى الرواية بحسب الإطلاق ساكت عن صورة التعذر بالوصول اليه عن صورة الوصول بالإمام (عليه السلام) لإمكانه أيضا لهم و ان كان بعد أيام فإن الظاهر ان بيع جميع مال الصغار لم يكن ضرريا حتى لا يمكن الرجوع اليه (ع) كما ترك بيع الجواري حتى سئل عن الامام (ع).

نعم، بإطلاقها تدل على اعتبار العدالة في صورة التعذر أيضا، بل بالأولوية و لكن هذا غير ورودها في خصوص صورة التعذر و اعتبار العدالة في المؤمنين إذا كانوا وليّا، بل مع قطع نظر عن الشبهة المذكورة فلا بد من

62

اعتبار الفقاهة أيضا بمقتضى المماثلة كما عرفت، و بالجملة لا نفهم من الرواية ما يوجب اعتبار العدالة في الولي بعد تعذر الوصول الى الفقيه.

و منها موثقة سماعة

في رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصيّة و له خدم و مماليك كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك، قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس، و استفاد المصنف من ذلك اعتبار الوثاقة فيه و ان لم يكن فيه ملكة العدالة و حمل على ذلك رواية محمد بن إسماعيل المتقدمة إذ كان اعتبار العدالة في الولي المؤمن اعتماد عليها من جهة الأخذ بالقدر المتيقن فهذه الرواية يبين المراد و كون المناط هي الوثاقة و ان لم يكن عدلا و لا إماميّا.

و لكن الظاهر ان المراد من الثقة بالرواية غير ما فهمه المصنف إذا المعنى الذي ذكره ناشئ من الارتكاز بما ذكره أهل الرجال من معنى الوثاقة و الّا فالوثاقة في الروايات ليس هي العدالة، بل أخص منها إذ ربما يكون العادل غير ثقة في فعله لعدم التفاته بمزايا التصرف لبله و نحوه، و قد ورد في بعض الروايات الدالة على اعتبار العدالة في إمام الجماعة بأنه إذا كان ثقة ترضون دينه و في بعض الروايات ان فلانا ثقة في دينه و دنياه، و هذه الرواية أيضا ساكتة عن صورة التعذر من الفقيه بل من الامام أيضا

و منها صحيحة إسماعيل بن سعد

فإنها تدل على اشتراط تحقق عنوان العدالة حيث قال (عليه السلام) إذا رضى الورثة بالبيع و قام عدل في ذلك فهي أيضا أعم من صورة التعذر من الوصول الى الفقيه، بل الى الامام، و عدمه فيعتبر نفس العدالة في ذلك.

و الظاهر ان الذي يستفاد من الروايات هو جواز ولاية عدول المؤمنين في خصوص مال اليتيم توسعة و لو مع التمكن الاذن من الامام أو الفقيه،

63

إذ العادة جارية بعدم التمكن في جميع النقاط حتى القرى، و اما في غير التصرّف في مال اليتيم بالبيع فلا حتى الشرى لهم و لو كان مصلحة و هذه المدعى في غاية الوضوح خصوصا على الشبهة المذكورة في عدم اعتبار الفقاهة من جهة المماثلة فلا دلالة فيها على اعتبار العدالة في الولي عند التعذر من الفقيه الذي هو محل الكلام الّا على الإطلاق.

قوله: ثم انه حيث ثبت جواز تصرّف المؤمنين، فالظاهر انه على وجه التكليف الوجوبي أو الندبي لأعلى وجه النيابة من حاكم الشرع.

أقول: ربما يقال ان من ثبت الولاية له في زمان الغيبة على غيرهم كالوكلاء المتعددين في آن بناء واحد عن تصرّف مغاير لما بنى عليه الأول فأجاب عنه المصنف بان الوكلاء إذا فرضوا وكلاء في نفس التصرف لا في مقدماته فما لم يتحقق التصرف من أحدهم كان الأخر مأذونا في تصرف مغاير و ان بنى عليه الأول و دخل فيه، اما إذا فرضوا وكلاء عن الشخص الواحد بحيث يكون إلزامهم كالزامه و دخولهم في الأمر كدخوله و فرضنا أيضا عدم دلالة دليل وكالتهم على الاذن في مخالفة نفس الموكّل و التّعدّي عمّا بنى هو عليه مباشرة أو استنابة كان حكمه حكم ما نحن فيه.

و فيه ان المقدمات ليست من الأمور التي تقبل النيابة و الوكالة بل مورد الوكالة هي الأمور الاعتبارية كالتزويج و البيع و سائر المعاملات و اما المقدمات كسائر الأفعال التكوينية مثل الأكل و الشرب فغير قابلة للوكالة.

و الذي ينبغي ان يقال هو ان الظاهر ان ينظر الى دليل الوكالة فإن كان فيه إطلاق حتى يشمل صورة وضع الأخر يده على المال أو أكثر من ذلك فيجوز، بل مع الإطلاق و الشمول يجوز للوكيل الثاني ان يتصرف فيه على خلاف تصرّف نفس الموكل فضلا عن وكيله و ان لم يكن لدليل الوكالة إطلاق

64

فلا يجوز للثاني ان يتصرف في غير ما علم دخوله تحت وكالته و ان يضع الأخر يده عليه لقصور ما دل على جواز التصرف فيه و من هنا ظهر حكم الوصاية أيضا.

و اما الأب و الجد فكل منهما ان يتصرف في مال اليتيم حتى مع تصرف الأخر بان ينقض تصرفه فضلا إذا وضع يده عليه و لم يتصرّف بعد، فكل منهما ان يفسخ بيع الأخر الذي باعه خياريا و هكذا.

ثم انه فرّق المصنف بين الحكام و عدول المؤمنين في ثبوت الولاية لهم

حيث منع من مزاحمة الفقيه الأخر عن الفقيه الذي وضع يده على مال اليتيم و جوّزها في عدول المؤمنين و محصّل كلامه في وجههما ان الولاية الثابتة لعدول المؤمنين ليست الّا على وجه الجواز أو الوجوب أو الندب التكليفي، لا على وجه النيابة من حاكم الشرع فضلا عن كونه على وجه النصب من الامام (عليه السلام) فمجرّد وضع أحدهم يده على مال اليتيم لا يمنع الأخر عن تصرفاته نظير الأب و الجد حيث يجوز لكل منهما ان يتصرّف فيما وضع الأخر يده عليه.

و أما حكام الشرع فان استندنا في ولايتهم الى مثل التوقيع المتقدم و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا جازت المزاحمة لكل منهم عن تصرّف الأخر قبل تصرّفه إذ الخطاب فيه مختص بالعوام فلا يجوز لهم مزاحمة الفقيه في تصرفاته، و اما الفقهاء فكل منهم حجة يجوز أن يتصرّف في مال المولى عليه.

و أما لو استندنا فيها الى عمومات النيابة و تنزيل الفقيه منزلة الامام (عليه السلام)، فالظاهر عدم جواز مزاحمة الفقيه الذي وضع يده عليه إذ دخوله عليه كدخول الامام عليه، فلا يجوز مزاحمة الإمام فيما يريد الاقدام عليه على انه يلزم من جواز المزاحمة اختلال النظام سيما في مثل هذا الزمان الذي

65

شاع فيه القيام بوظائف الحكام ممن يدعي الحكومة.

و يرد على الثاني أولا انه لا دليل على النيابة كما تقدم حتى يقال أن مقتضاه هو تنزيل الفقيه منزلة الامام (عليه السلام) فلا يجوز مزاحمته و انما الولاية ثبت لهم و لغيرهم من المؤمنين على تقدير فقدانهم بمقتضى الأصل و الّا فليس هنا دليل لفظي يؤخذ بعمومه.

و ثانيا: انه على تقدير وجود الدليل اللفظي فعمومه يقتضي ثبوت الولاية لكل فقيه في عرض ولاية الأخر و كون كل منهم نازلا منزلة الإمام (ع) فلا يلزم من تصرف الثاني مزاحمة الإمام أو من هو في منزلته، اذن فيجوز لكل منهم مزاحمة الأخر، بل التصرف فيما تصرف فيه الأخر بالفسخ و نحوه إذا كان تصرف الأول بمثل بيع الخياري و اما كونه مستلزما لاختلال النظام من جهة كثرة المدعين لذلك، ففيه ان المدعى لذلك ان كان على وجه صحيح فلا يلزم فيه اختلال النظام فإن أحدهم يرى مصلحة فيبيع مال اليتيم و الأخر يرى مصلحة فيفسخ فأي اختلال نظام يترتب عليه، فإنه يكون مثل تصرّفات الأب و الجد حيث يتصرف أحدهما في مال المولى عليه على وجه و يتصرّف الأخر على خلافه، بل ينقضه بان يفسخ بيعه مثلا فهل يتوهم أحد لزوم اختلال النظام من ذلك.

و يرد على الأول انه لا نفهم معنى لكون ولايتهم على وجه التكليفي الوجوبي أو الندبي إذ لا شبهة في نفوذ تصرفهم من البيع و الشراء و غيرهما من أقسام التصرفات عند فقد الحكام و ليس معنى الولاية إلّا ذلك التي ثبت من قبل الإمام و الّا فمجرّد الحكم التكليفي فهو من الأمور الحسبية الغير المربوطة بباب الولاية إذن فولاية العدول كولاية الفقيه فلا وجه للتفريق.

على ان الدليل الدال على ثبوت الولاية لهم لو تم فإنما هي كالولاية الثابتة للفقيه و انهم مع فقدهم كالفقيه مع فقد الامام (عليه السلام)، فالفرق

66

بينهما بلا وجه.

و توهم اختلال النظام في الثاني دون ولاية العدول مع كونهم أكثر فاسد، و التحقيق هنا هو ما تقدم سابقا من ان الولاية الثابتة للفقهاء و لعدول المؤمنين انما هي بحسب الأصل و أخذ القدر المتيقن من جواز التصرّف في مال الغير فنتيجته عدم جواز تصرّف الفقهية الأخر في مال المولى عليه بعد وضع الأول يده عليه أو تصرّفه فيه لكونه تصرفا في مال الغير فهو حرام إذ لم نحرز جوازه إلّا للأول لكونه هو المتيقن و هكذا الكلام في عدول المؤمنين فما ذكره المصنف في الحكام و ان كان متينا من حيث المدعى و لكنه لا يتم من جهة الدليل الذي ذكره.

و بالجملة فالأصل الاولى يقتضي عدم جواز التصرّف لأحد في مال غيره و بعد القطع بجوازه في مال اليتيم للحكام و لعدول المؤمنين في الجملة فالمتيقن منه هو عدم جواز تصرّف الثاني فيه بعد وضع الأول يده عليه أو تصرفه فيه.

قوله: اما ما ورد فيه العموم فالكلام فيه قد يقع في جواز مباشرة الفاسق.

أقول

ذكر المصنف هنا فروعا لا بأس بالإشارة إليها:-

الأول: انه هل يجوز مباشرة الفاسق في مال اليتيم مثلا أم لا؟

فحكم المصنف (ره) هنا بالجواز، و عدم اعتبار العدالة في منصب المباشر بدعوى شمول عموم أدلة فعل المعروف و ان كانت الأدلة الخاصة قاصرة و تلك العموم كقوله (ع) عون الضعيف من أفضل الصدقة و عموم قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و نحو ذلك.

و فيه الظاهر ان ما افاده ليس بتمام، بل لا بدّ من العمل بمقتضى الأصل الذي كان مفاده عدم جواز تصرف غير العادل في مال الصغير عند

67

فقد الفقيه لكونه هو القدر المتيقن في ذلك الخارج عن أصالة عدم جواز التصرف في مال الغير.

و أما عموم عون الضعيف من أفضل الصدقة فعلى تقدير صحة الحديث فهو ناظر الى الكبرى و ان كلما كان عونا للضعيف فهي صدقة و أما الصغرى فلا بد و ان تكون محرزة من الخارج فلا تكون الكبرى متكلفة لإثبات الصغرى إذ لا نسلم ان تكون تصرّف الفاسق في مال اليتيم من مصاديق الصدقة فضلا عن كونه من أفضلها و من هنا ظهر الجواب عن عموم قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإن الكبرى و ان كان مسلما و لكن لا نسلم ان تصرّف الفاسق في مال اليتيم من القرب الحسن بأي معنى أخذ القرب و الحسن على ما ذكره المصنف من معانيهما حتى في صور كون التصرف صلاحا أو لم يكن الترك أصلح من الفعل، بل كان الفعل أصلح من الترك إذ التصرّف حرام فلا يجوز بمثل تلك الاحتمالات ما لم تثبت الولاية للمتصرف في مال اليتيم كما لا يخفى، بل تدل على عدم جواز بيعه و تصرفه فيه، الأخبار المتقدمة الدالة على عدم جواز البشر من الفاسق الذي تصدى الى التصرف في مال اليتيم فإنه إذا لم يجز الشرى لم يجز البيع أيضا فإنه لا معنى لصحة البيع من طرف البائع و بطلانه من طرف المشتري، بل بطلان من أحد الطرفين يستلزم البطلان من الطرف الأخر أيضا.

و بالجملة لا وجه لتصرّف الفاسق في مال اليتيم بوجه و انه طريق غير حسن لعدم الدليل على جواز تصرّفه و عدم شمول العمومات المتقدمة عليه كما عرفت.

الثاني: في حكم الشراء من الفاسق

فالظاهر أيضا اشتراط العدالة فيه فلا يجوز الشراء منه و ان ادعى كون الفعل مصلحة، بل يجب أخذ المال

68

من يده حسبة لدلالة الروايات المتقدمة على اعتبار العدالة فيمن تصدى لبيع مال اليتيم ليكون الشرى منه كقوله (عليه السلام) في رواية زراعة و قام عدل في ذلك و غيره فقد فرق المصنف بين هذه المسألة و بين المسألة السابقة من انه لو وجد في يد الفاسق ثمن من مال الصغير لم يلزم الفسخ مع المشتري و أخذ الثمن من الفاسق و الوجه في ذلك هو ان الموضوع في المسألة السابقة هو إصلاح المال و مراعاة الحال و التصرف معنون بذلك العنوان و هو لا يحرز باخباره قولا أو عملا، و لا بأصالة الصحة إذ مورد أصالة الصحة انما هو فيما تحقق الفعل في الخارج و شك في صحته و فساده من ناحية بعض الشروط، ففي المقام لم يتحقق الفعل ليحمل على الصحة حين الشك في الصحة و الفساد، بل يريد المشتري أن يشترى من الفاسق فأصالة الصحة لا تحرز شرائط الفعل الذي في معرض الوقوع و هذا بخلافه في المسألة السابقة فإنّ الغرض الذي هو حفظ مال اليتيم و إصلاحه حاصل إذ لا يعلم ان ماله هو الثمن أو المثمن فبأصالة صحة المعاملة يحكم بكونه هو الأول.

و لكن الظاهر ان هذا الفرق فاسد فلا تجري أصالة الصحة لا تحرز شرائط الفعل الذي في معرض الوقوع و هذا بخلافه في المسألة السابقة فإنّ الغرض الذي هو حفظ مال اليتيم و إصلاحه حاصل إذ لا يعلم ان ماله

و لكن الظاهر ان هذا الفرق فاسد فلا تجري أصالة الصحة في كلتا المسألتين فإن مقتضى الروايات المتقدمة هو لزوم إحراز الشراء من العادل و لذا قال (عليه السلام) و قام عدل و ان التصرّف الصادر من غير العادل فاسد و ان كان فيه غبطة الصغير لعدم كونه وليّا.

و عليه و ان كان الثمن في يد الفاسق و تحققت المعاملة بتصرفه و لكن هذا التصرّف باطل لعدم صدوره عن أهله لعدم كونه وليّا ففعله هذا فاسد قطها، فكيف يحمل على الصحة بأصالة الصحة فإن مورد أصالة الصحة انما هو فيما كان للفعل صحة تأهليّة بعد وقوعه في الخارج فالفعل الواقع هنا فاسد قطعا لعدم صدوره عن اهله فكيف يحمل على الصحة بأصالة الصحة

69

فما ذكره من عدم جريان أصالة الصحة في الفرع الثاني و عدم قياسه بصلاة الميت جار هنا بلا زيادة و نقيصة.

و بالجملة بعد ما ثبت انه لا ولاية للفاسق على مال الصغير و ان تصرفاته ليست بنافذة في حقه فلا يفرق في عدم ترتيب الأثر على فعله بين الحدوث و البقاء ففي كلتا المسألتين يحمل فعله على الفساد كيف فإن أصالة الصحة لا يجعل الفاسق الذي ليس له التصدي بأمور الصغير جزما وليّا له و لا ينقض تعجبي من المصنف كيف رضى بجريانها هنا و تصحيح عمله بها بعد العلم بعدم كونه أهلا للتصرّف و هذا نظير ان يحمل بيع غير المالك، كالغاصب على الصحة بأصالة الصحة مع العلم بكونه غاصبا فهي توجب كونه مالكا و كك هنا ان أصالة الصحة لا تعجل غير الولي وليّا و لا تجعل الفعل الذي ليس له صحة تأهلية، بل فاسد جزما كما هو واضح.

و توهم كون الثمن في يد الفاسق يدل على الصحة بمقتضى قاعدة اليد توهم فاسد فإن قاعدة اليد انما تصلح المعاملة من جهة الشك في المالك ففي المقام انها لا تثبت الولاية لمن ليس بولي قطعا، نعم لو صدر الفعل ممن لا ندري أنه عادل أم لا فسيأتي حمل الفعل فيه على الصحة فكم فرق بين المسألتين.

نعم لو صدر البيع من شخص و شككنا في صحته و فساده من جهة الشك في كونه عادلا أو غير عادل من اعتبار العدالة في الولي أو شككنا في كونه وليّا أو غير ولى و لو كان عادلا فيحمل على الصحة فإن المناط في أصالة الصحة الذي هو تحقق الفعل في الخارج و الشك في صحته و فساده موجود هنا، فمقتضى أصالة الصحة يحمل بيعه على الصحة و هذا غير ما تقدم من صدور الفعل من غير أهله قطعا بحيث لا مجال لأصالة الصحة بوجه فافهم.

70

ثم لو أردنا اشتراء مال الصغير ممن نشك في انه عادل ليكون وليّا عنه و كان تصرفه نافذا أو فاسق لا ينفذ تصرّفه فلا يمكن حمله على الصحة بأصالة الصحة، فإنها إنما تجري في مورد تحقق الفعل في الخارج و شك في صحته و فساده كما عرفت، ففي هنا لم يتحقق الفعل بعد، فكيف يحمل على الصحة فأصالة الصحة لا يتكفل على إثبات أن المتصدي بالفعل الذي يريد إيجاده في الخارج ولى للصغير كما هو واضح.

و لا تجرى هنا قاعدة اليد أيضا لأنها لا تجعل من لا ندري ولايته على الصغير وليّا و يتضح ما ذكرناه بملاحظة ما تقدم من لزوم إحراز ان الشراء لا بد و ان يكون من العادل بمقتضى قوله (عليه السلام) و قام عدل على ذلك و الّا فلا يجوز الشراء و هذا غير ما ذكرناه من حمل فعله على الصحة مع الشك في الصحة و الفساد إذ هو بعد تحقق الفعل و كان فيه موضوع أصالة الصحة تماما.

و ربما يقال بقياس ذلك بالشك في تصرّف الولي من انه عادل أم لا؟

فكما يحمل فعله على الصحة فكك هنا.

و لكنه من العجائب و جوابه يظهر من كلامه إذ توقفنا في حمل الشراء ممن لا نعلم انه عادل أم لا، من جهة عدم العلم بعدالته و ولايته إذا الولي على مال الصغير انما هو العادل فما لم نحرز ذلك ان الفعل صدر من الولي و ان شرائنا ممن له التصرف في ماله فلا يجوز الاقدام عليه قبل الإحراز و هذا بخلاف ما صدر الفعل عن الولي مع العلم بكونه وليّا جزما و شككنا في عدالته و فسقه فإن الولاية و نفوذ التصرّف فيه محرز قطعا و انما الشك في أمر آخر غير مربوط بالولاية و بنفوذ التصرف فكم فرق بينهما.

ثم لو أخبر الفاسق على وقوع الفعل كإخباره على وقوع الصلاة على الميت أو بوقوع التصرّف من العادل مثلا، لا يسمع اخباره إذ لا دليل على

71

حجية خبر الفاسق و لا دليل على الاعتبار في خصوص المقام، بل يسمع قول المخبر بوقوع الفعل و ان لم يكن عادلا بناء على اختصاص أدلة اعتبار الخبر بالأحكام و عدم شموله على الموضوعات و ما نحن فيه أيضا كك فلا بد من ترتيب الأثر عليه من قيام البينة على ذلك كما هو واضح لا يخفى فافهم.

و الحاصل: انه يقع الكلام في جهتين:-

الاولى: في اعتبار العدالة في تصرّف المتصرف و عدم اعتبارها فيه.

و الثانية: في مشروعية معاملة الغير مع المباشر، و انه هل يعتبر عدالة المباشر أم لا؟ و انما لم نعتبر اعتبارها في جهة الاولى.

أما الجهة الأولى: فقد عرفت ان المصنف لم نعتبر العدالة في تصرف المتصرّف في مال الصغير مع فقدان الولي و تمسك في ذلك بقوله (عليه السلام) عون الضعيف من أفضل الصدقة، و قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فيجوز ان يتصرف الفاسق في مال الصغير و لو لم يستأذن من الحاكم.

و فيه انك قد عرفت عدم جواز تصرّف الفاسق في مال الصغير الّا مع الاستيذان من الولي أو الحاكم، و أما عون الضعيف من أفضل الصدقة فعلى تقدير قبول الصحة فلا دلالة فيه على المقصود إذ هو ناظر إلى مطلوبية الكبرى فلا يشمل ما يشك في كونه عونا إذ لا يتكفل الكبرى على إيجاد الصغرى، و كك قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إذ هو لا يثبت ان تصرّف الفاسق من القرب الحسن مضافا الى دلالة الروايات المتقدمة على اعتبار العدالة كما عرفت، اذن فلا يجوز لغير العادل التصرف في مال الصغير بمقتضى الأصل الذي عرفته.

و أما الجهة الثانية: أعني جواز الشرى ممن ليس بعادل

فقد اعتبر المصنف

72

العدالة هنا للرواية المتقدمة، بل حكم بوجوب أخذ المال من يده، و لا يمكن تصحيحه بحمل فعل المسلم على الصحيح بأصالة الصحة إذ الموضوع هنا عنوان بسيط أعني إصلاح مال الصغير فنشك في تحققه و عدمه فلا يحرز بأصالة الصحة و ليس ذلك مثلا إتيان صلاة الميت فإنها بعد تحققها في الخارج فنحمل على الصحة إذا الواجب هنا هي الصلاة الصحيحة و قد علم صدور أصلها من الفاسق و إذا شك في صحتها أحرزت بأصالة الصحة بخلافه هنا إذ عرفت ان الواجب هو العنوان البسيط فلم يتحقق في الخارج و هو كاخبار الفاسق بوقوع الصلاة على الميت ثم نزله منزلة بلوغ البائع فإنه لا يحرز بأصالة الصحة ثم حكم بجريانها فيما إذا وجد الثمن في يد الفاسق من مال الصغير و تردد الأمر بين كون الثمن ملكا للصغير أو المثمن فبأصالة صحة المعاملة من الطرفين يحكم بكون الثمن من مال الصغير ثم أمر بالتدبر.

و يرد عليه أولا: انه ليس في الأدلة السابقة ما يدل على ان الموضوع في المقام هو إصلاح مال و مراعاة الحال ليكون الشك فيه شكا في أصل تحققه فلا يمكن إحرازه بأصالة الصحة، بل الظاهر منها عدم جواز التصرف في ماله الّا بوجه عيّنه الشارع، و ذلك الوجه هو الوجه الحسن على ما ذكر في الآية، فالموضوع في المقام هو عنوان القرب المشروط بكون على وجه حسن، فأصل القرب محرز بالوجدان فشرطه فهو كونه بوجه حسن بأصالة الصحة.

و بالجملة انه لا وجه للمنع عن جريان أصالة الصحة بوجه و لو كانت الآية إلّا بالتي هي أصلح فإنه ح تكون الأصلحية شرطا للقرب لا موضوعا للحكم.

و ثانيا: على تقدير كون الموضوع هو إصلاح المال فلا وجه لإجراء أصالة الصحة فيما إذا تردد الأمر بين كون مال الصغير هو الثمن أو المثمن، إذ مجرد التردد لا يوجب إجراء أصالة الصحة فاصل عنوان إصلاح المال مشكوك الوجود فلا يحرز بأصالة الصحة فلا وجه له ان يفرق بين المسألتين بل يشكل الأمر ح لو كان المتصدي هو العادل و شككنا في كونه إصلاحا في حق الصغير

73

و مراعاة له أم لا؟ فيكون أصل عنوان الإصلاح مشكوكا فلا يحرز بأصالة الصحة و لعل الى ما ذكرناه أشار بالأمر بالتدبر، فافهم.

و الذي ينبغي ان يقال انه ليس لنا دليل لفظي دل على حجية أصالة الصحة و كونها من الأصول المعتبر و اما قوله «ضع فعل أخيك المسلم على أحسنه» فقد قرر في محله انه خارج عن حدود أصالة الصحة التي من الأصول المعتبرة في الفقه، فان مورد ضع فعل أخيك على أحسنه هو عدم حمل فعل الأخ على الحرام، مثلا لو علم أنه تكلم بشيء فيحمل على أحسنه من انه لم يفحش لا انه حمل على أنه سلم ليكون رده واجبا و كك عامل معاملة فتحمل على انها ليست ربوية لا أنها معاملة صحيحة، فالمقصود أنه حكم أخلاقي نظير صدق أخيك و لو يجيئك خمسون قسامة فكذبهم فمعناه لا ترتب الأثر على قولهم فاحمل كلامه على أحسنه لا انه كذبهم و احملهم على الكذب.

و انما الدليل على اعتبارها السيرة القطعية المستمرة في بعض الموارد و الظاهر ان الضابطة فيها هو ما كان الفاعل الذي يحمل فعله على الصحة مسلطا على التصرف و مالكا له و بعد إحراز سلطنته عليه فإذا شك في بعض الشرائط فيكون فعله محمولا على الصحة و الوجه فيه هو ان السيرة دليل لبىّ لا يؤخذ بها إلّا بالمقدار المتيقن و عليه فلا يجوز لأن يحمل الفعل الصادر من الفاعل الذي لا ندري كونه مالكا على التصرف و عدم كونه مالكا عليه على الصحة فلا يمكن الحكم بصحة المعاملة إذا صدر الفعل من الفاسق و شك في ان الثمن هو مال الصغير أو المثمن و هكذا لا يمكن الحكم بالصحة بأصالة الصحة إذا صدر الفعل من الفاسق و لكن نحتمل أنه استأذن من العادل أو من الولي أم لا لعدم إحراز مالكيته على التصرف فلا يكون موردا للسيرة و هكذا و هكذا و من هنا لا يمكن إجراء أصالة الصحة و تصحيح عقد الوكالة بها إذا شك في كون البائع وكيلا من قبل المالك أو فضوليا في بيعه، هذا إذ لم يحرز انه مالك للتصرف حتى يحمل فعله على الصحة و بكونه بعنوان الوكالة و من هذا

74

القبيل الشك في البلوغ و هكذا كل ما كان من هذا القبيل، و الوجه هي كلمة واحدة و هو كون الدليل على أصالة الصحة هي السيرة فهي لبيّة فيؤخذ بالمقدار المتيقن فلا يشمل الموارد المشكوكة فالمورد المتيقن لها هو ما ذكرناه.

لا يقال انه إذا اعتبر في جريان أصالة الصحة مالكية المتصرف على التصرف فبماذا تحملون على الصحة فما إذا تردد البيع الصادر من البائع بين كونه بيعا صحيحا أو بيعا ربويا مع عدم كونه مالكا على إيجاد البيع الربوي.

فإنه يقال انه يكفى في ذلك مالكيته على الطرف الذي تحمل فعله عليه بأصالة الصحة فلا يلزم كونه مالكا على جميع أطراف المحتملات كما لا يخفى فيكفي في المثال المذكور كونه مالكا على إيجاد البيع الصحيح فيحمل عليه مع التردد بينه و بين البيع الفاسد هذا كله فيما إذا لم يكن المال في يد المتصرف، و اما إذا كان ذو اليد على المال و كان المال تحت يده فادعى كونه مالكا للتصرف بكونه وليّا أو مستأذنا منه مع إمكان ما ادعاه فهل يمكن حمل فعله على الصحة هنا أم لا؟

الظاهر أنه لا يمكن حمله على الصحة هنا أيضا لعدم السيرة على ذلك بل لا بد و ان تؤخذ المال منه فضلا عن نفوذ تصرّفه فإنه مع العلم بكونه غير مالك و ان ما بيده مال الصغير فمجرّد احتمال كونه مالكا على التصرف بالاستيذان أو الوكالة من وليه أو كونه وليّا لا يجوز حمل فعله على الصحة، لعدم العلم بجريان السيرة فيه، بل يكفى الشك في عدم الجريان لما عرفت من كونها دليلا لبيّا فيؤخذ القدر المتيقن منه فما لم يكن عالم بالسيرة فلا يمكن حمل فعله على الصحة.

نعم، يمكن الحمل فعله على الصحة لو كان ظاهر الحال تقتضي مالكيته و اعترف بعدم كونه مالكا، بل وكيلا من قبله أو مأذون منه بحيث لولا الاعتراف لعومل معه معاملة المالك كما إذا أردنا أن نشتري شيئا من البقال فقلنا

75

أعطه بسر كذا، فقال انه مال الغير أو مال اليتيم لا اعطى إلا بثمن كذا، فليس لنا ان نأخذه و نقول فقد اعترفت بكونه مال الغير فاثبت وكالتك عنه، بل يصدق قوله فيحمل معاملاته على الصحة إذ السيرة قائمة على ذلك في أمثاله فلم يتوقف أحد في المعاملة عليه.

و بالجملة فموارد الاطمئنانات الشخصية خارجة عما ذكرناه من عدم حمل فعل الغير على الصحة، إذ يحمل فيها فعل الغير على الصحة، و اما لو علمنا انه استولى على مال الغير فلا ندري انه وكيل في التصرف أو لا فيدعى الوكالة و يتصرف فيه، فلا يكون تصرفه هذا نافذا فلا يمكن ترتيب الأثر عليه.

ثم من قبيل ما ذكرناه من اشتراط حمل فعل المسلم على الصحة بكونه مالكا على التصرف ترتيب الأثر بقول الحكام الشرعية، أو مدعى التولية على وقف و نحوه، فإنه إذا شككنا في عدم مالكيته على التصرف من جهة الشك في اجتهاده أو عدالته أو في الجهات الأخرى فلا يجوز أن يحمل فعله على الصحة لعدم شمول السيرة عليه.

نعم، لو أحرزنا مالكيته على التصرف و شككنا في الشرائط الأخرى، فأصالة الصحة في فعله و قوله و حكمه جارية بلا اشكال، فافهم.

قوله: ثم انه هل يشترط في ولاية غير الأب و الجد ملاحظة الغبطة لليتيم أم لا؟

أقول: المشهور اعتبار المصلحة في التصرّف في مال اليتيم، بل عن بعضهم الإجماع على ذلك بل عن التذكرة في باب الحجر كونه اتفاقيا بين المسلمين و استدل عليه المصنف بقوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و ذكر حيث ان توضيح الآية لم يذكر على ما ينبغي في كلام أحد من المعترضين لبيان آيات الاحكام، فلا بأس بتوضيح ذلك في هذا المقام

76

و محصل كلامه ان القرب في الآية يحتمل معاني أربعة:- الأول: مطلق التقليب و التقلب و لو من مكان الى مكان فلا يشمل ما ليس فيه تقليب كابقائه عند أحد أو على حاله.

و الثاني: وضع اليد عليه بعد كونه بعيدا عنه فيكون النهي نهيا عن ذلك، فلا يشمل حكم ما بعد الوضع.

الثالث: ما يعد في العرف تصرفا كالاقتراض و البيع و الإجارة و شبهها.

الرابع: مطلق الأمر الاختياري المتعلق بمال اليتيم أعم من الفعل و الترك فالمعنى لا تختاروا في مال اليتيم فعلا أو تركا الّا ما كان أحسن من غيره.

و أما لفظ الأحسن في الآية يحتمل ان يراد به ظاهره من التفضيل و يحتمل أن يراد منه الحسن نظير قوله تعالى أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ و على الأول فيمكن أن يؤخذ التفضيل المطلق أى لا يجوز التصرف في مال اليتيم الّا بوجه يكون أصلح من غيره من التصرفات، أو يكون المراد به الأفضلية على الترك أى قربا يكون أحسن تركه و على الثاني فيمكن أن يراد بالأحسن ما يكون فيه صلاح فلا يجوز التصرف إذا لم يكن فيه صلاح و يمكن أن يراد به ما لا مفسدة فيه، و ان لم يكن فيه صلاح أيضا ثم اختار من احتمالات القرب الاحتمال الثالث و من احتمالات الأحسن الاحتمال الأول أي ما يكون بمعنى التفضيل المطلق، و عليه فإذا كان بيع مال الصغير أصلح، فبعناه بعشرة دراهم، ثم فرضنا أنه لا يتفاوت إبقاء الدراهم لليتيم أو تبديله بالدينار فأراد الولي أن يجعله دينارا، فلا يجوز بعد كونه أصلح من تركه، بل هما سيان و أن كان يجوز ذلك من الأول إذا كانت المصلحة في الابتداء في تبديل المال بالنقد من غير فرق في تبديله بالدينار أو الدراهم و أما لو

77

جعلنا الحسن بمعنى لا مفسدة فيه فيجوز ذلك كما يجوز لو أخذ بالاحتمال الرابع للقرب إذ كما ان الولي مخيّر في الأول بين جعله دينارا أو درهما فكك له التخيير بقاء إذ ليس لأحد الفردين مزية على الأخر لا في الابتداء و لا في الاستدامة فيكون القدر المشترك بينهما هو الحسن فيكون مخيّرا ابتداء و استدامة.

ثم قال ان الانصاف هو أن مرجوحية المعنى الرابع في نظر العرف ثم استظهر من بعض الروايات ان المناط في جواز التصرّف في مال اليتيم هو عدم الضرر عليه كما ان المناط في الحرمة وجود الضرر عليه.

و الذي ينبغي ان يقال ان شيئا من المعاني الأربعة لا يرتبط بالقرب اما الاحتمال الثالث فلأن مثل البيع و الاقتراض و الإجارة و نحوها مما يعد في العرف تصرفا ليس قربا فإنه هو الإتيان و ليس في أمثال ذلك قرب و إتيان بوجه و اما المعنى الرابع فهو ليس بتمام في نفسه، بل يعد جعله من معاني القرب من العجائب إذ لا يصدق القرب على الترك و على الاعدام فهل يقال لمن ترك شيئا انه قرب منه.

و أما المعنى الثاني فلا وجه له أيضا إذ لا وجه لتخصيص القرب بالابتداء و عدم شموله للاستدامة فإنه تخصيص بلا مخصص و كك لا وجه للرابع و تخصيصه بالتقليب و التقلب و عدم شموله لا بقائه في حاله أو عند احد مع انه يمكن أن يكون نفس الإبقاء عند أحد استيلاء عليه، بل معنى القرب هو الإتيان إلى الشيء خارجا و الاستيلاء فتارة ينسب إلى الأفعال كقوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ و الأخرى إلى الأعيان كقوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ فالمعنى هنا و اللّه العالم انه لا يجوز الاستيلاء على مال اليتيم و تملكه الّا بوجه يكون حسنا و مصلحة و عليه فيكون النهي متمحضا للتكليفي لعدم ارتباط

78

الآية بالمعاملات بوجه ليكون النهي إرشادا إلى الفساد كما ذكرنا مرارا من كون النهي في باب المعاملات إرشاد إلى الفساد.

و بالجملة ان الآية خارجة عن المعاملات و ليست لها تماس بها لكي يباحث في فسادها و عدمها، بل هي مسوقة للنهى عن أكل ماله و الاستيلاء عليه فهي نظير على اليد ما أخذت حتى تؤدّى.

ثم انه لا يفرق في ذلك بين كون الاستيلاء حدوثا أو بقاء فلو كان مال زيد الصغير وديعة عند عمرو فالى سنة أحرزه، ثم استولى عليه و تملكه و تصرف فيه تصرفا الملاك فتشمله الآية أيضا إذا النهي منحل إلى نواهي عديدة على نحو العموم الاستغراقي.

ثم اختلف في ان المراد بالتي أي شيء فقيل انها كناية عن النية أي لا تقربوا مال اليتيم إلّا بنية حسن، فيكون الباء صلة زائدة. و قيل ان المراد منها الكيفية أي لا تقربوا مال اليتيم إلّا بكيفية حسن و ذكرنا سابقا ان المراد منها الطريقة و يكون الباء للسببية و ليس هو وصفا للقرب كما توهم و الا كان الصحيح ان يقال إلّا بالذي هو أحسن، ثم لا شغل لنا في انه أى شيء أريد منها أو من الأحسن بعد مما علمت خروج الآية عن باب المعاملات و كونها ناهية عن أكل مال اليتيم و الاستيلاء عليه بأي نحو من أنحاء التصرفات كما انه لا شغل لنا للبحث في أنه أى طريق ليجوز التصرف في مال اليتيم على هذا الوجه بعد ما عرفت انه لا ولاية لأحد على الصغير و التصرف في ماله من الفقيه و الحاكم الشرع فضلا عن عدول المؤمنين و كيف بفساقهم حتى التصرفات التي كانت على مصلحة الصغير فضلا عما لا مصلحة فيه أو فيه، مفسدة لماله إلا في مورد خاص فهو صورة موت الشخص فأريد بيع ماله فدلّت الرواية على قيام العدل بذلك و بيعه من قبلهم و انما التصرف يجوز

79

في ماله حسبة و ان نظر الشارع تعلق بحفظه و حفظ ماله من كل أحد فإذا شوهد ان داره تخرب أو ماله يتلف أو هو نفسه في معرف التلف فيجب لكل أحد على مراتبهم حسبة يحفظوا ماله و نفسه و اما في غير تلك الموارد فلا يجوز لأحد ان يتصرّف و لو كان على مصلحة الصغير فكيف ما إذا لم يكن فيه صلاح، فافهم.

قوله: نعم ربما يظهر من بعض الروايات ان مناط حرمة التصرف هو الضرر.

أقول: قد عرفت عدم دلالة الآية على الولاية فضلا عن اعتبار المصلحة في تصرفهم بل لا بد من العمل بمقتضى الأصل حيث علمنا جواز التصرف في مال اليتيم في بعض الموارد حسبة كما إذا كان في شرف الخراب فإنه يجوز بل يجب البيع و تبديله بالأحسن و اما بيع ماله ابتداء و لو كان أصلح فلا يجوز للفقيه فكيف بغيره إلا في موارد القسمة قد ورد النص بقيام العدل عليها و على هذا فلا بدّ من الاقتصار بالقدر المتيقن من التصرف فهو صورة اختيار الأصلح فلو كان هنا مشتريان فيشترى أحدهما بخمسين و الأخر بمائة فلا يجوز بيعه بخمسين إلّا إذا كان في بيعه بمائة ما يوجب التشويش و الاضطراب لكون المشتري شخصا متقلبا بجعل الخيانة في معاملاته.

و ربما قيل ان المناط عدم الضرر فقط و ان لم يكن فيه نفع لروايتين:- إحداهما: رواية الكاهلي عن الدخول على اليتامى فقال (عليه السلام) ان كان في دخولهم عليهم منفعة لهم فلا بأس، و ان كان فيه ضرر فلا، و استظهر منها المصنف ان المراد من منفعة الدخول ما يوازي عوض ما يتصرّفون من مال اليتيم عند دخولهم فيكون المراد بالضرر في الذيل ان لا يصل الى الأيتام ما يوازي ذلك فلا تنافي بين الصدر و الذيل.

80

و زعم بعضهم ان الرواية إنما تعرضت لحكم صورتين إحداهما صورة وجود المنفعة لليتامى و الثانية صورة الضرر منهم، و اما الصورة التي يوازي النفع مع الضرر بحيث لم يبق في البين لا نفع و لا ضرر فسكوت عنها و قوله (عليه السلام) في الذيل ان فيه ضرر عليه فلا يجوز بيان لأحد شقي المفهوم لكونه أغلب فتكون الرواية أجنبية عن اعتبار عدم الضرر فقط في تصرفات الولي و لكن الظاهر ان ما فهم المصنف من الرواية هو الوجيه و ذلك من جهة ان طبع الدخول على اليتامى لا يخلو عن الضرر لكونه مستلزما لاستخدام دارهم و الأكل من طعامهم و الجلوس على بساطهم الى غير ذلك من التصرفات التي لا شبهة في كونها في نفسها ضررا عليهم فدخولهم على اليتيم بحسب الطبع ضرر عليهم و على هذا فنظر الامام (عليه السلام) من التجويز فيما إذا كان دخولهم عليهم منفعة ملاحظة المواراة بين ما يصل إليهم من الداخلين و بين ما يقع عليهم من الضرر فيحكم بالجواز مع وجود النفع لهم و بعدمه مع كونه ضررا عليهم و عليه فلا يكون في البين شق ثالث.

و لكن الظاهر ان الرواية خارجة عما نحن فيه إذ هي ليست متعرضة لجواز بيع مال الصغير و التصرف فيه و ان كان أصلح لهم، بل قلنا لا يجوز التصرف الا بالمقدار المتيقن الذي تقتضه الحسبة إلا في مورد القسمة، بل هي معترضة لبيان جواز الدخول عليهم و الأكل من أموالهم إذا لم يكن فيه ضرر بأن يصل منهم إليهم في مقابل ما ورد عليهم من الضرر و لو كان النفع امرا اعتباريا كدخول الشخص التشخص عليهم بحيث يوجب ذلك عدم جرئة الناس عليهم، بل هذا المقدار الذي تعرض له الرواية أمر وجداني، بل مما يحكم به العقلاء إذ لو لم يدخل عليهم أحد و لم يصل الى أمورهم لملاحظة الأصلح فالاصلح لم تحفظ كيانهم و وقعوا في معرض التلف

81

الثانية: رواية ابن مغيرة قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انّ لي ابنة أخ يتمة فربما اهدى لها الشيء فأكل منه ثم أطعمها بعد ذلك الشيء من مالي فأقول يا رب هذا بهذا قال لا بأس فقد ظهر جوابها من الرواية الأولى أيضا، فإن غرض الامام (عليه السلام) ملاحظة مصلحة اليتيم في الدخول عليه و الأكل مما اهدى إليهم فإن المهدي إليهم عادة يكون أكثر مما يكفيهم من الغذاء فالزائد عنه يكون فاسدا و اما إذا ورد عليهم شخص آخر و أكل ذلك فأعطى إياهم مالا آخر في بدله فيكون أصلح لهم بلا شبهة فهي خارجة عن حدود المعاملات، كما لا يخفى.

و بالجملة مورد الروايتين غير المعاملات من الأمور التي قد حكم العقلاء على جوازه و رضى به الوجدان كما هو واضح، هذا تمام الكلام في الولاية.

الكلام في بيع العبد المسلم على الكافر

قوله: مسألة: يشرط فمن ينتقل اليه العبد المسلم ثمنا أو مثمنا ان يكون مسلما.

أقول: من جملة شرائط المتعاقدين أن يكون المشتري مسلما إذا كان المبيع عبد مسلما فلا يجوز نقل العبد المسلم الى الكافر و هذا الحكم لا يختص بالبيع، بل يجري في جميع ما يوجب تملك الكافر المسلم و لو كان بغير البيع إذ الغرض عدم تملك الكافر على المسلم بناء على عدم جوازه لا حرمة البيع منهم و استدل على ذلك بوجوه:- الأول: التسالم بين الفقهاء على عدم الجواز و دعوى الإجماع عليه، فعهدته على مدعيه فيكون ذلك حجة لمن يطمئن به.

الثاني: الروايات الواردة في عدم استقرار ملك الكافر على المسلم و

82

استدامته بأنه لو ملكه قهرا بارث بان كان العبد المسلم تحت يد الكافر فأجبر على البيع فمات و انتقل الى وارثه فبيع على الوارث فيعطى ثمنه منهم لا ان العبد المسلم كان للكافر من غير أن يجبر بالبيع فمات و انتقل الى الوارث و الاخبار الواردة في إسلام العبد الكافر في ملك سيده فإنه بيع عليه أو كانا مسلمين فارتد المولى و كفر فإنه بيع العبد عليه و هكذا فيستفاد منها عدم استدامة ملك الكافر على المسلم و انه لا يستقر بقاء فيدل على عدم الملك حدوثا أيضا إذ لا يفرق فيه بين حدوث و البقاء فإذا لم يرض الشارع بذلك بقاء لم يرض به حدوثا أيضا و نزلوا ذلك بمنزلة استفادة حرمة تنجيس المسجد من الأمر بالإزالة إذ لو لم تكن التنجيس محرّما لم يكن وجه لوجوب الإزالة و أيضا نظير ذلك ما إذا أمر بإخراج أحد من الدار، فإنه يستفاد منه حرمة إدخاله الدار فان غرض المولى عدم وجوده فيها و كونه مبغوضا له لا مجرّد إخراجه و إدخاله ثانيا.

و فيه ما أجاب به المصنف

ان الأمر بإزالة ملك الكافر عن المسلم بقاء حكم تكليفي بحيث يحرم إبقائه في ملكه و يجب إخراجه عنه فلا يدل على عدم ملكه ابتداء الذي هو من الأحكام الوضعية نعم يدل على عدم كون ملكه مستقرا حدوثا كما دلّ على ذلك بقاء.

و بعبارة أخرى لا دلالة فيها على أزيد مما تدل على حكم البقاء فهي تدل على وجوب ازالة ملك الكافر عن العبد المسلم بقاء وجوبا تكليفا فيدل على حرمة تملك الكافر العبد المسلم أيضا تكليفا، و اما انه لا يملك بالشراء أو بالصلح أو بالهبة فلا يستفاد منها.

نعم، لو دلت تلك الروايات على انعتاق العبد المسلم في ملك الكافر بقاء لدلت على عدم ملكه له حدوثا أيضا و ليس الأمر كك و انما هي متعرضة

83

لجهة الحكم التكليفي فقط من جهة البقاء كما لا يخفى.

و من هنا ظهر الجواب عن النص الوارد في عبد كافر أسلم فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) اذهبوا فبيعوا من المسلمين و ادفعوا ثمنه الى صاحبه و لا تقروه عنده.

و وجه الظهور ان التخصيص بالمسلمين انما هو من جهة ان الداعي على الأمر بالبيع هي إزالة ملك الكافر و النهي عن إبقائه عنده فلا يحصل ذلك الغرض بنقله الى كافر آخر فلا يدل ذلك على فساد بيعه من الكافر ابتداء و عدم صحته و ان الكافر لا يملكه من الأول.

و لا وجه لما ذكره شيخنا الأستاذ من ان أمر الأمير المؤمنين (عليه السلام) بالبيع من المسلم و نهيه عن الاستقرار عند الكافر يدل بالملازمة العقلية على عدم تملك الكافر العبد المسلم ملكا مستقرا فهي نظير ما لو قيل أزل النجاسة عن المسجد فكما يفهم منه حرمة إدخال النجس فيه كذلك يستفاد من عدم استقرار ملك الكافر على المسلم عدم حدوث ملكه عليه كذلك.

لما عرفت من عدم الملازمة بينهما بوجه فما افاده المصنف متين جدا و بعد بيانه على الذي في المتن لا يبقى مجال لما ذكره شيخنا الأستاذ بل لا نفهم معنى كلامه.

و الحاصل: انه استدل على عدم تملك الكافر للمسلم بوجوه:-

منها: التسالم

فهو راجع الى وجدان كل أحد فمن يطمئن به فيصدقه

و منها: الأخبار الواردة في موارد عديدة

الدالة على وجوب بيع العبد المسلم على الكافر.

و فيه انها تدل على وجوب إزالة العلقة المالكية للكافر من العبد المسلم بقاء وجوبا تكليفيا فلا يدل على عدم صحة التملك حدوثا وضعا.

84

نعم، لو كانت دالة على انعتاقه عليه بقاء في تلك الموارد لدلت على عدم حدوث الملكية حدوثا أيضا للملازمة العرفية بينهما و ليس كك.

و منها: ما عن الأمير (عليه السلام) و لا تقرّوه عنده فبيعوه من مسلم.

و فيه أولا ما تقدم من انها تدلّ على حرمة إبقاء العبد المسلم في ملك الكافر تكليفا فلا يدل على عدم التملك حدوثا وضعا بل تكليفا فتقييده (عليه السلام) بالبيع من مسلم من جهة عدم حصول الغرض و هو ازالة ملك الكافر عن المسلم بالبيع من غيره فالنهي عن التقرر عنده نهى تكليفي محض.

و ثانيا: ان الأمر بالبيع و الناهي عن إبقائه عند الكافر هو الأمير (عليه السلام) و لا شبهة بيعه من الكافر حرام فهو (عليه السلام) لا يأمر بالحرام.

و بالجملة الرواية أجنبية عن تملك الكافر العبد المسلم ابتداء.

و منها الآية المباركة لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا بدعوى ان تملك الكافر المسلم بالبيع أو بغيره سبيل عليه فهي منفي بالاية المباركة.

قال المصنف: ان باب المناقشة فيها واسع

ثم أشكل عليها بوجوه و قبل جميع المناقشات ان السبيل عبارة عن السلطة الخارجية فالملكيّة من الأمور الاعتبارية فلا يصدق عليها السبيل.

الثاني: ما أورده المصنف أولا أن الآية لا دلالة فيها بنفسها و لو بقرينة السياق على المطلوب إذ مقتضى النفي بلن التابيديّة هو نفى السبيل من الكافر الى المسلم في آن من الآنات فهذا المعنى غير قابل للتخصيص بوجه فيعلم من ذلك ان المراد منه ليس نفى السبيل تكوينا بداهة ثبوته للكافر على المسلم في جميع الأزمنة أو في أكثرها لكون المؤمن في ذلّ و مشقة دائما و لا ان المراد نفى التملك ثبوت ملكيته عليه كثيرا كما

85

إذا كان عنده عبد مسلم فلم يلتفت اليه المسلمون ليبيعوه فمات و انتقل الى وارثه أو أرادوا بيعه فمات أو لم يقدروا على بيعه فمات و انتقل الى وارثه فان في جميع هذه الصور تملك الكافر للمسلم، بل تسالم الفقهاء على جواز بيع المسلم من الكافر إذا كان ممن ينعتق عليه فيتجلى من ذلك كلّه ان الآية أجنبية عن هذه الأمور و الّا لزم القول بالتخصيص فقد قلنا ان الآية آبية عن التخصيص.

اذن فلا بدّ و ان يراد من الآية معنى لا يقبل التخصيص و لو بقرينة ما قبلها و هو قوله تعالى فَاللّٰهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ و من الواضح ان الحكومة الإلهية بين العباد مختصّ بالأخرة فتكون الآية راجعة إليها إذ فيها ليس للكافر على المسلم سبيل بوجه فان اللّه يحكم بينهم دون غيره، فلا ظلم في حكمه تعالى.

و بالجملة مقتضى ظهور نفس الآية و مقتضى سياقها و صدرها اختصاصها بالأخرة فلا يشمل السبيل الدنيوي فضلا عن شموله على التملك.

هذا حاصل ما ذكره المصنف مع التوضيح و الإضافة منا فلا مناص عنها بوجه.

ثم ناقش ثانيا بأنه لو أغمضنا النظر عما ذكرناه و قلنا بشمولها بالسبيل الدنيوي و تملك الكافر المسلم فلا يساعده ما ورد في تفسيرها من ارادة الحجة عن السبيل و ان الإسلام لعلو شأنه و رفعة مقامه و مكانة حقانيته و وضوح حججه و بيناته يعلو على كل الأديان و لا يعلو عليه دين و مذهب، فالمراد من الآية هو نفى تفوق حجة الكافر على حجة الإسلام كما خاطب النبي الأكرم (ص) أهل الجاهلية مرارا هل لكم من سلطان و بينة و حجة و قد نطق بذلك القرآن المجيد في موارد عديدة و الروايات المتكثرة و ان

86

الكافرين كلما طالبوه عن النبي (ص) من البينات فأتاه و لكنهم عجزوا عن مقاومته بالحجج و البينات و قد ورد في تفسيره ان قوما زعم بذلك عدم قتل الحسين (عليه السلام)، بل رفعه اللّه فألزمهم الإمام (عليه السلام) بأنه و قد قتل من هو أشرف منه أعنى على و ابنه الحسن (ع) و بأنه لو كان الأمر كك، فلم قتل الأنبياء كما حكاه اللّه تعالى في كتابه، بل المراد انه ليس للكفار حجة على المسلمين فإنهم يغلبون عليهم في كل حجة و الّا فالسيرة العملية جرت على أن المسلمين من المظلومين و المقهورين من زمن آدم الى هذا الزمان، إذ أوّل من تصدى الى ذلك ابن آدم قابل حيث قتل هابل، فجرى الحسد و العداوة بين الناس، بل في بعض الاخبار: ما منّا الّا مسموم أو مقتول. فيعلم من جميع ذلك و ممّا ورد في تفسير الآية من العيون المشار إليه ان المراد من الآية نفى الحجة في الدنيا و الّا فمن جهة غير الحجة فالكفار لهم سبيل على المؤمنين بلا ريب ثم قال المصنف و تعميم الحجة على معنى يشمل الملكية و تعميم الجعل على وجه يشمل الاحتجاج و الاستيلاء لا يخلو عن تكلّف.

و فيه انه يمكن المناقشة في هذا الوجه من جهة ان الحجة و ان لم تشمل الملكية الّا ان تفسير الآية بها لا يوجب اختصاصها بها بل من الممكن ان يراد من السبيل معنى جامع و مفهوم عام يشمل الحجة و غيرها و يكون التفسير بالحجة من باب بيان المصداق و عليه فيشمل السبيل الملكية أيضا مع قطع النظر عن عدم شموله لها في نفسها.

و بالجملة لو أمكن شمول السبيل على الملكية فتفسير الامام (عليه السلام) الآية بالحجة لا يوجب عدم شمولها للملكية، بل يمكن شمولها لو أريد من السبيل معنى جامع و قد ورد في هذا المعنى و ان تفسير آية بفرد ليس

87

تخصيصها لها به، بل من باب تطبيق الكلى على الفرد اخبار ذكرها في كتاب سمى مقدمة البرهان و فيها ان القرآن يجرى كما تجرى الشمسى و القمر فلو أن آية نزلت على قوم فلا يختص به و الّا نفد القرآن بزوال القوم، بل من باب التطبيق.

و عليه فلو طبق الجبت و الطاغوت بالشيخين فليس معناه انه لا يمكن ارادة غيرهما منها و من هذا تنحل شبهات كثيرة في ذلك الباب و قد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث التفسير.

ثم ناقش الشيخ في الآية ثالثا بعد الغض عن المذكورات من جهة تعارض عموم الآية مع عموم ما دلّ على صحة البيع و وجوب الوفاء بالعقود و حل أكل المال بالتجارة و تسلط الناس على أموالهم و حكومة الآية عليها غير معلومة.

و فيه انه لا يفهم ما يريد من هذه المناقشة إذ لو قلنا بتقدم عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على الآية المذكورة كما هو الظاهر إذ عمومه بالوضع لوضع الجمع المحلى للعموم فيها فيشمل مورد النزاع فيحكم بصحة بيع عبد المسلم من الكافر، و الّا فالتعارض بينهما بالعموم من وجه، ففي مورد الاجتماع يحكم بالتساقط و تكون أصالة الفساد محكمة فلا يكون وجه للصحة، ح بل تكون النتيجة نتيجة التمسك بعموم نفى السبيل كما هو واضح.

ثم قال مضافا الى ان استصحاب الصحة في بعض المقامات يقتضي الصحة إذا كان الكافر مسبوقا بالإسلام أو كان العبد مسبوقا بالكفر، فان فيها نستصحب صحة البيع الثابت قبل الكفر، و في غير هذه الموارد نحكم بالصحة لعدم القول بالفصل و لا تعارضه أصالة الفساد في سائر الموارد لحكومة، استصحاب الصحة عليها.

88

و فيه ان كلامه هذا من أوله الى آخره غير صحيح إذ الاستصحاب هنا تعليقي لا نقوله به لعدم ثبوت الحكم المنجز هنا لنستصحبه، بل الثابت قبل الكفر أنه لو باع لصح فاستصحابه الاحكام فلا نقول به.

و ثالثا: ان الكافر و المسلم في نظر العرف موضوعان متباينان، فإذا كفر المولى أو أسلم العبد فلا وجه لاستصحاب حكم ما قبل الكفر و الإسلام لتبدل الموضوع في نظر العرف.

و مع الغض عن جميع ذلك، فلا وجه لعدم القول بالفصل في الأحكام الظاهرية و انما هو في الأحكام الواقعية، و اما الأحكام الظاهرية فالتفكيك فيها من الكثرة بمكان و الّا يلزم اسراء الحكم من موضوع الى موضوع آخر فهو قياس باطل مثلا لو كان هناك ماء ان كلاهما بمقدار معين، فكانت الحالة السابقة في إحداهما الكريّة و في الأخر القلة فاستصحاب كل من الحالتين يغاير استصحاب الحالة الأخرى لكون كل منهما تابعا على شك و يقين، فليس لأحد ان يجرى الاستصحاب في أحدهما و يحكم بثبوت الحكم في الأخر بالملازمة بينهما، لكونه اسراء حكم من موضوع الى موضوع آخر فهو قياس و هكذا لو توضأ بأحد، أطراف العلم الإجمالي غفلة فيحكم ببقاء الحدث و طهارة البدن الى غير ذلك من الموارد و من هنا قلنا بانّ سلمان لو استصحبت حكما من أحكام الشرائع السابقة لا يثبت ذلك في حقنا بالاشتراك في التكليف فان الاستصحاب تابع للشك و اليقين من كل أحد فشك السلمان و يقينه غير الشك و اليقين الموجود فينا.

و بالجملة مورد عدم القول بالفصل في الأحكام الواقعية لوجود الملازمة بينها دون الأحكام الظاهرية لعدم وجود الملازمة بينها كما عرفت.

89

على انه مع الغض عن جميع ذلك و تمامية عدم القول بالفصل فلا وجه لمعارضة أصالة الفساد في مورد آخر فهو ببيع العبد المسلم ابتداء من الكافر مع أصالة الصحة في الموردين المذكورين الذين جرى فيها الاستصحاب، نعم جريانها في مورد واحد و معارضتها فيه تقديم أصالة الصحة على أصالة الفساد للحكومة لا ريب فيه، و لكنه غير تعارضها إذا جريا في موردين، بل يعمل بكل منهما في مورده من غير تعارض و تمانع أصلا.

و الحاصل: أن حاصل كلام المصنف هو لو كان العبد و المولى كافرين فأسلم العبد أو كان المشتري مسلما فكفر فإنه في هذه الموارد يجرى استصحاب صحة البيع الثابت قبل الكفر و الإسلام و في غيره هذه الموارد يتم المطلب بعدم القول بالفصل و على تقدير عدم جريان عدم القول بالفصل فأصالة الصحة في هذين الموردين يعارض بأصالة الفساد في سائر الموارد، كما إذا لم يعلم الحالة السابقة فإن مقتضى أصالة الفساد اعنى عدم انتقال مال أحد إلى شخص آخر جارية فيها فيقع المعارضة بينهما فتقدم أصالة الصحة على أصالة الفساد للحكومة.

و يرد عليه أولا: ان الاستصحاب هنا تعليقي، فلا نقول بجريانه فلا نقول بحجيته في الأحكام التعليقية، و مع الغض عنه فلا يجري في الشبهات الحكمية و مع الغض أيضا فالموضوع هنا متبدل حيث ان موضوع الجواز في أحدهما الكفر و الأخر الإسلام قد تبدل كل منهما إلى الأخر فهما في نظر العرف من المتباينين فيكون الاستصحاب اسراء حكم من موضوع الى موضوع آخر.

و ثانيا: ان عدم القول بالفصل بناء على اعتباره و حجيته انما يتم في الأحكام الواقعية أي الأحكام الثابتة بالأمارات مع القطع بالملازمة بينهما و اما الأحكام الظاهرية أي الأحكام الثابتة بالأصول سواء كانت محرزة أو غير

90

محرزة فلا يجرى فيها و لذا يحكم في مقدار خاص من الماء تارة بالقلة إذا كان مسبوقا بها، و اخرى بالكثرة إذا كان مسبوقا بها، و يحكم في مكان خاص بوجوب القصر تارة و بوجوب الإتمام أخرى لاختلاف الحالة السابقة الى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي وقع التفكيك فيها في الأحكام الظاهرية.

و الوجه في ذلك: ان جريان الاستصحاب تابع لوجود اليقين و الشك فأينما وجدا نحكم بجريانه و الّا فلا، سواء توافق مفادهما أم تخالفا، كما لا يخفى.

و ثالثا: ان أصالة الصحة انما تعارض أصالة الفساد في العقود متقدم للحكومة إذا كانا واردين على مورد واحد كما إذا شك في ان عقد الفلاني صحيح أو فاسد، فمقتضى عدم انتقال مال كل من المتعاملين إلى الأخر هو الفساد و مقتضى أصالة الصحة هو الصحة فتكون مقدمة على أصالة الفساد لحكومتها عليها إذ لو لم تتقدم لكانت ملغاة إذ ما من مورد من موارد أصالة الصحة إلّا فأصالة الفساد فيه موجودة فلو كانت حاكمة على أصالة الصحة لم تكن فائدة في جعل أصالة الصحة.

و أما في الموردين، بان كان الجاري في مورد هي أصالة الصحة، كالمثالين المتقدمين، و في مورد آخر هي أصالة الفساد فلا تكونان من المتعارضين فضلا عن تقدم أصالة الصحة على الأخر للحكومة.

و بالجملة لا دليل على عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر، نعم لو تم هنا إجماع أخذ به و الّا فنحكم بالجواز، و اما قوله (ص): الإسلام يعلوا و لا يعلى عليه، شيء فمضافا الى ضعف السند فيه ان المراد منه علو نفس الإسلام لوضوح محجة و براهينه و بيّناته ليتم للّه الحجة البالغة و يهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة و لا يكون للناس حجة بعد الرسل

91

لا علو المسلمين على الكفار بداهة مشاهدة علو الكفار على المسلمين كثيرا بل المسلمون مظلومون في كل دورة و كورة كما أشرنا إليه قبيل هذا.

ثم لو بنينا على عدم الجواز فهل يختصّ الحكم بالبيع فقط أو يجري في غيره كمطلق تمليك المنفعة أو تمليك عينه بالصلح أو كان العبد مورد الحق الكافر كالارتهان أو كان تمليكا للمنفعة كالإجارة أو اباحة لها كالعارية أو مجرّد استيمان كالوديعة فهل يختص الحكم بالعبد أو يجري في غيره أيضا فإن كان المدرك للحكم هو الإجماع فالمتيقن منه هو البيع فلا يجري في غيره تمليكه إياه بالصلح أو بالهبة أو تمليك منفعة بالإجارة أو العارية أو جعله عنده وديعة أو رهنا.

و ان قلنا بان المدرك لذلك هو الآية المتقدمة و قلنا بشمولها لمطلق السلطة و لو كانت بالاستخدام أو الاستيجار فيشمل ح جميع موارد السلطة و الاستيلاء عليه.

و على هذا فنقول اما الوديعة فلا شبهة في جواز وديعة العبد المسلم عنده أو إجارة الكافر لحفظه إذ ليس الغرض منها الّا الحفظ من دون تسلط للكافر عليه بوجه ليكون استيلاء محرما و أما الإجارة فلا بدّ و ان يفصل فيها فإنها كانت بحيث تقتضي استيلاء الكافر على المسلم فلا يجوز كالإجارة المطلقة المتعلقة بجميع منافع الحر و العبد و مجرّد ان الحر ليس قابلا للتملك و الغصبية لا يقتضي سلب سلطة الكافر إذ لو ملك الكافر عمل المسلم بحيث لم يكن له ان يملك غيره فهذا سبيل منه عليه بلا شبهة و ارتياب.

و أما لو كانت الإجارة متعلقة بذمة المسلم كما لو آجر نفسه لان يخيط له ثوبا أو آجر عبده كذلك فان مجرّد ذلك ليس سبيل عليه، بل هي مثل الاقتراض منه فهل يتوهم أحد أنه سبيل على المسلم و الّا لما استقرض

92

الأمير ((عليه السلام)) من اليهود، بل ربما يكون الأجير اشخص من المستأجر كالخياط الذي استأجر نفسه لخياطة ثوب أحد من الكافرين الذي أدنى منه بمراتب أو غير ذلك من الأمور و هكذا العارية.

و اما الارتهان فهو أيضا كك إذ مجرّد تعلق حق الكافر بالعبد المسلم لا يستلزم إثبات السبيل عليه، بل انما يستلزمه إذا كان تحت سلطته و مستوليا عليه كما هو واضح.

و بالجملة ففي كل مورد لزم من اجارة المسلم حرا كان أو عبدا من الكافر أو إعارته منه أو رهنه عنده سبيل عليه فلا يجوز و الّا يجوز، و قد ذكر ذلك أوضح من ذلك في تقرير شيخنا الأستاد.

قوله: ثم ان الظاهر من الكافر كل من حكم بنجاسته.

أقول

يقع الكلام في بيان الكافر،

قال المصنف ان الظاهر من الكافر كل من حكم بنجاسته و لو انتحل الإسلام كالنواصب و الغلات و المرتدّ.

و فيه ان ما ذكره عجيب من حيث المدعى و الدليل اما الأول فإن المرتد كافر حقيقة إذ المراد به من لم يؤمن باللّه و برسوله و بيوم الأخر، فلا وجه لتفريع ذلك على كون المراد من الكافر من حكم بكفره.

نعم هذا يتم في النواصب و الغلات لدخولها تحت الكافر حكما و الّا فهما من افراد المؤمن حقيقة إذ المراد من المؤمن في القرآن من يؤمن باللّه و برسوله و بيوم الأخر فهم كك و ان كان أحدهما ناصبا لأهل البيت و الأخر غاليا فيهم.

و اما من حيث الدليل فمن جهة ان موضوع البحث هنا هو الكافر و عدم جواز بيع المسلم منه سواء كان طاهرا أو نجسا فبحث نجاسته الكافر أجنبيّ عن ذلك، بل بينهما عموم من وجه إذ قد تكون النجاسة ثابتة في

93

موضع فلا يشملهم عنوان الكافر كالنواصب فإنهم نجس بلا شبهة فقوله (عليه السلام) لا شيء أنجس من الكلب و الناصب بنا أهل البيت، أنجس من الكلب و مع ذلك يجرى عليهم حكم الإسلام في الإرث و النكاح و غيرهما من أحكام الإسلام، و ان كان شر من الكافر، نعم نجاسة الغلات ليست مسلمة، و قد يترتب حكم الكفر على مورد من غير ان تثبت فيه النجاسة كالكتابي بناء على طهارتهم لكون طهارتهم و نجاستهم مختلف فيه بين الأصحاب، و قد يجتمعان.

و بالجملة ان البحث عن حرمة بيع المسلم من الكافر و عن نجاسة الكافر و النواصب بحثان لا تماس بينهما بوجه، اذن فلا وجه لما افاده المصنف من المدعى و الدليل و ما فرع عليه من الحكم.

و اما الأطفال و المجانين منهم

فقد استشكل المصنف في ثبوت الحكم لهم.

فنقول: بناء على عدم جواز بيع المسلم من الكافر لا شبهة في ساريته إلى الأطفال و المجانين منهم اما الأطفال منهم على قسمين، لأنهم اما مميزون أو غير مميزين، اما الأول: فلا إشكال في صدق الكافر عليهم حقيقة إذ المراد من الكافر كما عرفت من ينكر الصانع و رسوله و يوم الأخر أو يكون مشركا باللّه و الطفل المميز إذا أنكر الصانع أو أشرك به و أنكر يوم القيامة فيصدق عليه انه كافر حقيقة.

و اما الثاني فان لم يصدق عليهم عنوان الكفر حقيقة الّا ان الحكم ثابت لهم جزما للقطع بعدم الفصل.

و اما المجنون فتارة يكون جنونه في حال الكفر بان كان يهوديا أو نصرانيا أو ملحدا أو مشركا فعرض له الجنون في تلك الحالة فهو كافر أيضا

94

حقيقة فيقال انه يهودي أو نصراني أو ملحد مجنون و مرتكزاته أيضا مرتكزات الكفر و الإلحاد.

و اخرى يكون جنونه من البدو و أول الأمر فهو و ان لم يصدق عليه عنوان الكافر و لكن يشمله الحكم بعدم القول بالفصل جزما بين افراد المجانين.

هذا كله من طرف المشتري، و اما من جهة المبيع أى بيع الطفل المؤمن و المجنون المؤمن من الكافر فيظهر حكمه مما ذكرناه إذ لا ينكر صدق المؤمن على بعض افراد الطفل لعرفانه المبدء و المعاد، بل ربما يكون ايمانه أكمل من أكثر البالغين و كك لا شبهة في صدقه على المجنون في حال الإسلام، فيتم الحكم في غيرهما بعدم القول بالفصل جزما كما هو واضح، إذ لم يقل احد بجواز بيع بعض افرادهما و بعدم جواز بعض افرادهما الأخر ثم ان مفروض الكلام في المجنون ما إذا كان البيع له بان كان المتصدي للبيع غير مستقل في التصرف و الّا فلو كان المتصدي له ولى له و كان كافرا و مستقلا في التصرف كيف شاء فهذا لا يجوز بلا شبهة بناء على عدم الجواز.

و اما المخالف

فليس بكافر قطعا فلا يشمله حكمه فيجوز بيع العبد المسلم منهم لإقرارهم بالشهادتين ظاهرا و باطنا و اما ما دلّ على كفرهم فلا يراد بظاهرها، فقد قلنا في أبحاث الطهارة ان المراد من الكفر ترتب حكمه عليه في الآخرة و عدم معاملة المسلم معهم فيها، بل يعاقبون كالكافر و لا يثاب بأعمالهم الخيرية الصادرة منهم في الدنيا كالصلاة و غيرها.

نعم، بناء على عدم تزويج المؤمنة من المخالف لا يجوز بيع الأمة منهم.

و أمّا بيعهم من الكفار

ففي هنا مقامات:

الأول: في بيع السني منهم

بحيث كان معتقدا باللّه و برسوله و بيوم القيامة و لكن لم يعتقد بالولاية، الظاهر أنه لا يجوز إذ المراد من نفى السبيل من الكافر على المؤمن هو

95

نفى السبيل عمن ليس بمنكر للصانع و للرسول كما هو المقصود من المؤمن في تمام القرآن فبيعه منهم إثبات سبيل لهم على المؤمن و اختصاص المؤمن في اصطلاح اليوم بالشيعة انما هو من زمان الصادقين (ع) بإرادة الايمان بالولاية و ان من لا يؤمن بالولاية فلا ايمان له و نحو ذلك من المؤمن الوارد في الروايات كقولهم: المؤمن لا يقل بالمخالف فان المراد منه هو المؤمن بالولاية قطعا الّا انه اصطلاح من زمان الصادقين (عليهما السلام) كما عرفت و هذا لا يوجب ارادة ذلك من الايات القرآنية مع التصريح في القرآن بإرادة غير ذلك، حيث قال «يؤمن باللّه و برسوله».

و بالجملة انه لا يجوز بيع السني المقر باللّه و برسوله و بالقيامة من الكافر قطعا، لكونه مؤمنا حقيقة فيلزم من بيعه منهم إثبات السبيل عليه و قد نفى ذلك بالاية.

الثاني: انه يجوز بيع المخالف الذي نعلم بكونه كافرا،

و ان أقر بالشهادتين و بالقيامة، و لكنه من الخوف و ذلك كأكثر المسلمين في زمان الرسول (ص) حيث أقروا بالشهادتين لخوف السيف من دون ان يصدقهم قلوبهم و قد سماهم اللّه تعالى في كتابه بالمنافق و الوجه في ذلك هو عدم شمول الآية لهم فإنهم ليسوا بمؤمنين إذ الإيمان عبارة عن التصديق القلبي فليس فيهم تصديق باللّه و برسوله و لذا قال اللّه تعالى إِذٰا جٰاءَكَ الْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ لعدم تصديقهم نبوة النبي (ص) بل هم أشد من الكفار و لذا قال اللّه تعالى إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ.

و بالجملة و ان قلنا ان المراد من الايمان في القرآن غير ما هو المراد

96

به في الاخبار و في اصطلاح و ان المؤمن في القرآن معنى أعم و لكن مع ذلك لا يشمل المنافقين لعدم ايمانهم باللّه أصلا.

نعم، يصدق عليهم الإسلام لكونه مترتبا على الإقرار بالشهادتين فقط و ان لم يقارن بالتصديق القلبي فيترتب عليهم حكم الإسلام في المعاملات، و الإرث، و الذي يوضح ذلك ان الإسلام قابل بالكفر في القرآن في الايات الكثيرة و الايمان بالإسلام في قوله تعالى قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ إذ لو كان المراد من الايمان هو الإسلام لما قابلا في هذه الآية الشريفة.

و قد منع المصنف عن بيع المخالف و لو كان منافقا نعلم كفره بدعوى

ان المراد من المؤمن في آية نفى السبيل انما هو المقر بالشهادتين و نفيه عن الاعراب الذين قالوا آمنا و لما يدخل الايمان في قلوبكم انما كان لعدم اعتقادهم بما أقروا فالمراد بالإسلام هنا ان يسلم نفسه للّه و رسوله في الظاهر، لا الباطن، بل قوله تعالى وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ دل على ان ما جرى على ألسنتهم من الإقرار بالشهادتين كان إيمانا في خارج القلب، و الحاصل ان الايمان و الإسلام كانا في زمان نزول الآية بمعنى واحد

و فيه: انه لا معنى لثبوت الايمان في خارج القلب و إرجاع السلب في الآية إلى إرادة عدم دخوله من الظاهر في الباطن و ذلك لان الإيمان أمر قلبي لا معنى لثبوته في خارج، كما هو المقصود منه لغة الذي عبارة عن التصديق، فليس المراد من الآية الّا معناه اللغوي من التصديق فلا معنى للتصديق في خارج القلب و التعبير بعدم الدخول ليس من جهة أن للايمان محلان. محل في خارج القلب و محل في داخل القلب، بل من جهة أن محله ليس الّا القلب و ذلك نظير قولك لما يدخل الرحم في قلبه

97

فإنه من جهة ان الرحم مورد القلب ليس الّا لا ان هنا رحم في ظاهر القلب و رحم في باطن القلب، و هكذا السخاوة و الشجاعة و الشقاوة و غيرها من الصفات و الكيفيات النفسية فإن التعبير بعدم دخولها في القلب من جهة عدم وجود المحل لها غير القلب كما هو واضح، لا انها تثبت في خارج النفس و من هنا ظهر ما في ذيل كلامه ان الإسلام و الايمان في القرآن بمعنى واحد إذ لو كان واحدا لم يبق وجه للمقابلة بينهما.

ثم استشهد على مراده برواية حمران بن أعين فقد ظهر جوابه مما ذكرناه أيضا، بل هي شاهدة على ما ذكرناه كالاية إذ التعبير بعدم دخول الايمان في القلب شاهد على ان مورده هو القلب و ان الايمان لا يصدق بدونه و ليس مجرد الإقرار بالشهادتين ايمان، بل هو الإسلام محض كما هو واضح و قد رأيت في بعض كلمات السيد شرف الدين أيده اللّه تعالى ما لا بأس بنقله حيث أجاب عن قول العامة بأن أصحاب الرسول كلهم عدول بأنه لو كان كك لزم القول بان وجود النبي (ص) كان موجبا لفسق بعضهم و نفاق الأخر، فإن اللّه تعالى أخبر في كتابه بوجود المنافق بينهم الذي أسفل دركا من الكافر فإذا مات الرسول (ص) فصار موته سببا لاتحادهم و عدالتهم مع ان اللّه تعالى يقول وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلّٰا رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ فهو كلام متين في غاية المتانة.

نعم لو كان الدليل على عدم جواز البيع هو الإسلام يعلوا و لا يعلى عليه، أو ما عن الأمير (عليه السلام) اذهبوا فبيعوه (اى العبد المسلم) و لا تقروه عند لشمل المنافق أيضا.

قوله: ثم انه قد استثنى من عدم جواز تملك الكافر للعبد المسلم مواضع.

أقول: بناء على عدم جواز بيع المسلم من الكافر فقد استثنى منه أمور:

98

الأول: ان يكون البيع مستعقبا للانعتاق القهري واقعا

كما إذا باع المسلم عبدا مسلما من الكافر و كان أبا له أو باع امة و كانت من أرحامه فإنه ينعتق هذا عليه بمجرد البيع فإنه جائز بلا شبهة فإنه لو قلنا بعدم الملكية التحقيقية، بل مجرد الفرض و التقدير فواضح إذ ليس هنا الملكية فضلا عن ان يلزم هنا سبيل للكافر على المؤمن و ان قلنا بالملكية التحقيقية انا ما أيضا كك فان تملك الكافر المسلم لا يجوز إذا كانت للملكية أثر و كان ترتبه عليها سبيلا عليه و ليس للملكية آنا ما اثر ليلزم من ترتبه عليها سبيل عليه.

و قد استدل المصنف على عدم الجواز بدعوى

ان ذلك منّة على المسلم بان يباع من الكافر و ينعتق عليه.

و فيه انه لو تم انما يتم موجبة جزئية لا كليّا إذ ربما لا يلتفت الكافر بالموضوع و انه ممن ينعتق عليه أو بالحكم و ان الإنسان لا يملك بعموديه فلا يكون هنا منّة أصلا و على تقدير المنّة و لو موجبة جزئية فأيّ دليل دلّ على عدم جواز منّة الكافر على المؤمن و لم يرد انه لا منة للكافر على المؤمن، فلو كانت المنّة من الكافر على المؤمن غير جائزة لزم عدم جواز الاستقراض منه مع انه جائز بلا شبهة، بل عليه جرت السيرة القطعية إلى زمان المعصومين (عليهم السلام).

الثاني: ان يكون العبد المسلم ممن ينعتق عليه ظاهرا

فهو على قسمين إذ قد يكون المقر به عبدا واقعا و لكن لا يعلم انه ممن ينعتق عليه واقعا أولا الّا أنه يجعل ممن ينعتق عليه باعترافه بذلك فح يكون ذلك مثل القسم الأول فإن قلنا بالملكية التحقيقية انا ما فلا يكون مثلها موجبا لإثبات السبيل و الّا فالأمر أوضح.

و اخرى يتعرف الكافر بكون العبد الفلاني حرا ثم أكذب نفسه فأقدم على

99

بيعه فهل يحكم بصحة البيع مع عدم تسليم الحر منه بحسب اعترافه و ان كان في الواقع عبدا و يؤخذ منه الثمن لعدم نفوذ اعترافه في حقوق الغير أو يحكم بصحة البيع و اختار المصنف عدم الصحة بدعوى العلم الإجمالي بكونه اما صادقا فلا يصح شراء الحر و اما كاذبا فكذلك لعدم صحة شراء الكافر للمسلم فنعلم تفصيلا ببطلان الشراء ثم عقبه بالأمر بالتأمل بعد قوله الّا ان يمنع اعتبار مثل هذا العلم.

و الظاهر ان الأمر به إشارة إلى كلام صاحب الحدائق حيث فصل في تنجز العلم الإجمالي بين ما كان في أطرافه جامع تحقيقي يكون موضوعا للحكم و مما جعل عليه ذلك و بين ما لم يكن كذلك، بل يكون بينهما جامع انتزاعي ففي الأول يكون العلم الإجمالي منجزا كما إذا كانت النجاسة مرددة بين هذا الكأس و الكأس الأخر، و كان الغصب مرددا بين هذا الثوب و الثوب الأخر.

و اما الثاني فلا يكون العلم الإجمالي منجزا، بل يكون كل من الطرفين مورد للأصل كما إذا تردد بين كون الكأس الشرقي متنجسا أو الغربي مغصوبا فإنه لم يجعل الحكم على الجامع بينهما بخلاف الأول و قد نقل المصنف كلام صاحب الحدائق في الرسائل و جعله تفصيلا في تنجز العلم الإجمالي ثم

قال هذا إذا لم يتولد منه علم تفصيلي و الّا فلا مناص عن التنجز و عليه فمقامنا من هذا القبيل.

و لكن أشكل عليه شيخنا الأستاذ بأنه لا وجه للبطلان على كل تقدير فإنه على تقدير صدق الاعتراف يكون كسائر الموارد التي يجوز بيع عبد المسلم من الكافر و ينعتق عليه فلا يكون العلم الإجمالي منجز كما لا يخفى.

الثالث: أن يأمر الكافر بالعتق

و يقول أعتق عبدك عنى فقد مرّ في

100

المعاطاة انه لا داعي للالتزام بالملكية هنا انا ما للجمع بين الأدلة حيث انها دلّت على صحة استيفاء مال أو عمل محترم بأمر معاملي و دلّت على انه لا عتق إلّا في ملك فمقتضاه دخول العبد في ملك الآمر و خروجه عنه و عليه يكون ذلك مثل العمودين فلا شبهة في جوازه إذ ليس هذا سبيلا على المسلم و انما لملكية بمقدار تصحّ العتق فقط نظير بيع ذي الخيار المبيع فإنه بيعه هذا يوجب دخول المبيع في ملكة آنا ما فينتقل إلى المشتري.

و ان قلنا بعدم احتياج العتق الى ذلك و كفاية كون المعتق مالكا و ان لم يكن المعتق عنه كك فالأمر أوضح.

و منها: اشتراط العتق في البيع.

و فيه: انه ان كان المراد منه التزلزل من جهة الشرط فهو لا يختص بصورة الاشتراط، بل يجري في جميع موارد البيع الخياري، بل الأمر فيها اولى لكون الخيار و التزلزل فيها من الأول فهذا بخلافه هنا فان التزلزل انما يثبت بعد التخلف كما لا يخفى.

و ان كان المراد من التزلزل من جهة كون المشروط له مالكا لاجبار المشروط عليه على البيع فهو موجود في جميع موارد مالكية الكافر للمسلم فلا يختص بصورة الاشتراط كما لا يخفى.

و بالجملة: لم تتصور وجها لهذا الاستثناء بوجه.

قوله: و اما التملك القهري.

أقول: كما لو ورثه الكافر أو من اجبر على بيع فمات فهل ينتقل العبد المسلم بذلك الى الكافر أو استأجر على عمل فجعل اجره العبد المسلم أو غير ذلك من الانتقالات فنقول

ان كان مدرك الحكم في أصل عدم تملك الكافر المسلم هو الإجماع

فلا شبهة في عدم شمول الانتقال إذ المتيقن منه هو فرض

101

التملك فلا يشمل صورة الانتقال.

و ان كان المدرك في ذلك قوله (عليه السلام) فبيعوه و لا تقروه عنده

فهو يدل على لزوم البيع بعد التملك فلا يشمل التملك الابتدائي فضلا عن الانتقال القهري.

و ان كان المدرك هي آية نفى السبيل

فبناء على شمولها الملك و كونه سبيلا أيضا فتكون معارضة بأدلة الإرث بالعموم من وجه لو لم تكن مقدمة عليها بالحكومة كما تقدم في المسألة الاولى و بعد التساقط فمقتضى القاعدة كونه ملكا للإمام (عليه السلام) إذا الفرض ان العبد خرج عن ملك الميت و لم ينتقل الى الورشة بأدلّة الإرث و مقتضى الأصل هو عدم انتقاله إلى الورثة فيكون ملكا بلا مالك فينتقل الى الامام (عليه السلام).

و لشيخنا الأستاد هنا كلام

محصله ان الآية و ان كانت معارضة بالعموم من وجه بأدلة صحة العقود في المسألة السابقة و لكن لا تجرى ذلك في المقام لخصوصية المورد إذ الإضافة الملكية بين المالك و المملوك كالخيط الذي يصير واسطة بين الشيئين فأحد طرف هذا الخيط مشدود بالمال و طرفه الأخر مشدود بالملك ففي البيع و نحوه من معاوضات المالية تبدّل المالك عن طرف الخيط و لكن يبقى طرفه الأخر على رقبة المال بلا تبدّل أصلا، بحيث يزول ملكية المالك عن الملك فيحدث له ملك آخر بالمبادلة و هذا بخلافه في الإرث فإن الإضافة المالكية الثابتة للمالك باقية على حالها غاية الأمر ينوب الوارث عن الميت بعد موته فيقوم مقامه فتقوم الإضافة معه بلا تبدل فيها أصلا، و عليه فليس هنا ملكية جديدة ليكون هنا سبيل، فيشمله الآية، بل الملكية الأولية بلا زوال أصلا.

و عليه فلا تكون الآية معارضة بأدلة الإرث، بل تكون أدلة الإرث محكمة.

102

و فيه ان الملكيّة قائمة بالاعتبار الذي لا يتحقق الا بالطرفين نظير المقولات الإضافيّة، بل أخص منها فلا يعقل بقاء ذلك بارتفاع احد طرفيه بل يرتفع بارتفاعه اذن فلو قام ذلك الاعتبار بشخص آخر أو بحال آخر فيكون غير ذلك الاعتبار الاولى فهذا كالاضافات الخارجية مثلا لو كان هنا سقف فتكون هنا فوقية فإذا تبدل السقف بخيمة فتبدل الفوقية الأولية بالفوقية الثانوية فلا تبقى على حالها مع ان لها كان نحو وجود فأمر الإضافة الملكية أهون من ذلك فكيف يبقى بزوال احد طرفيه اذن فتكون الملكية الحاصلة للورثة ملكية جديدة و موردا للاية كما لا يخفى فتحقق المعارضة بلا شبهة.

و على هذا فمقتضى الجمع بين الأدلة كونه للإمام (عليه السلام) إذا الفرض انه مات مالكه الأصلي و لم ينتقل الى المالك فيصدق عليه انه مال بلا مالك فتشمله لأدلة الدال على إرث الإمام (عليه السلام) مع انتفاء الوارث.

و لا يكون منعتقا على الميت و لا على الوارث لأصالة بقاء رقبته كما في المتن أى لأصالة عدم حريته فيكون للإمام (عليه السلام) ثم اعتمد المصنف إلى الإجماع و

قال ان العمدة في المسألة ظهور الاتفاقات على الإرث و قد أشكل على ذلك بوجوه الأول ان استصحاب الرقية من القسم الثالث للاستصحاب الكلى فلا يكون جاريا و ذلك من جهة ان العبدية و كونه رقا للميت زال و نشك انه صار رقا لشخص آخر اما لا فيكون مشكوك الحدوث فلا يكون الاستصحاب فيه جاريا فيكون حرا.

و فيه ان ظاهر عبارة المصنف و ان كان موهما لذلك الّا انه ليس مراده بل غرضه ان أصل الرقية كان امرا ثابتا فنشك في صيرورته حرا أم لا فنستصحب ذلك الرقية.

و بعبارة أخرى أن المراد من هذا الاستصحاب هو أصالة عدم الحرية