مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
103

و اما كونه ملكا لأي شخص فليس موردا للأصل كما إذا فرضنا فرشا مع عدم من يملكه في العالم فإنه بلا مالك فلا يخرجه ذلك عن المالية و كك نفرض العبد رقا بلا مالك فنستصحب ذلك حتى لو خلق شخص فملكه جاز، بل يجرى استصحاب العبودية للميت إذ كان هو عبدا إلى الان الأخير الذي هو آن الموت فنشك في زواله فنستصحبها، فيكون من جملة ما تركه فلا يكون حرا، بل لا وجه للاستصحاب أصلا إذ لا مخرج له عن عموم ما تركه الميت فمع وجود الإطلاق اللفظي لا يجرى الاستصحاب.

نعم، لو كان المشكوك و المتيقن هي العبودية للميت و العبودية للوارث لجرى الاشكال المذكور إذ نعلم بزوال العبودية للميت و نشك في حدوثه للوارث فيكون الاستصحاب فيه من القسم الثالث و لكنه ليس بمراد المصنف.

الثاني: انه كما تجري أصالة عدم كونه ملكا للوارث فكك تجرى أصالة عدم كونه ملكا للإمام (عليه السلام) فما الوجه في جريان الأول و عدم جريان الثاني، فهل هو الا ترجيح بلا مرجح، فلا يثبت كونه ملكا للإمام بأصالة عدم كونه للوارث، إلّا بالملازمة العقلية لانحصار الوارث بينهما فقد حقق في الأصول عدم اعتبار الأصول المثبتة.

و فيه ان كونه ملكا للوارث بأصالة عدم كونه ملكا للإمام ليس إلّا باللازمة العقلية كما قرر في الاشكال، فيكون الأصل مثبتا و لكن كونه للإمام ((عليه السلام)) بأصالة عدم كونه للوارث ليس من جهة الملازمة العقلية ليكون الأصل مثبتا، بل من جهة أنه يحرز بذلك الأصل احد جزءي الموضوع المركب اعنى عدم الوارث و الجزء الأخر فهو ما تركه الميت محرز بالأصل فتشمله عموم ما دلّ على وارثية الامام ((عليه السلام)) فيما تركه الميت و ليس له وارث.

و بعبارة اخرى ان ارث الإمام (عليه السلام) في طول الطبقات الوارث

104

فبانتفاء الطبقات الأولية تنتهي النوبة إلى الطبقات الثانوية فبالأصل نحرز عدم الوارث في الطبقة الأولى، فبالوجدان تحقق ما تركه الميت، فيكون الموضوع المركب من جزئين احد جزئية محرز بالوجدان و الأخر بالأصل محققا فتشمله أدلة وارثية الامام (عليه السلام) لمن لا وارث له، و هذا بخلاف في الطرف الأخر فإن إثبات الوارث بأصالة عدم إرث الإمام ((عليه السلام)) مثبت فلا تجرى كما لا يخفى.

و هكذا الأمر في جميع الموارد من الشبهات الحكمية و الموضوعية.

إما الشبهات الموضوعية كما إذا مات شخص فنشك في وجود وارثه في الطبقة الأولى، فبأصالة عدم الوارث مع صدق ما ترك على ما بقي منه من أمواله يثبت الموضوع المركب لإرث الطبقة الثانية.

و اما الشبهة الحكمية فكما إذا تسبب أحد في قتل أبيه فنشك ح في جواز إرثه و عدمه مع عدم وجود إطلاق يتمسك به، فالأصل عدمه فبضم الوجدان يتحقق التركة إليه يتم موضوع ارث طبقة الثانية.

ثم لا يخفى ما في كلام الشيخ هنا من المسامحة الواضحة حيث قال ان آية نفى السبيل تنفى مالكية الكافر و وجه المسامحة ان النافي لمالكية الكافر هو الأصل دون الآية، فان الفرض انها كانت معارضة بأدلة الإرث و ساقطة لأجلها.

قوله: هل يلحق بالإرث كل ملك قهري أو لا يلحق؟

أقول: قد عرفت ان المصنف أشكل في شمول أدلة الإرث للمقام، بل اعتمد في المسألة إلى الإجماع فقط، و عليه فهل الحكم ثابت في جميع النواقل القهرية أو يختص بالإرث فقط، فالظاهر هو العدم كما في المتن على حسب مبناه، فان الحكم الثابت بالإجماع يقتصر فيه على المقدار المتيقن فهو الإرث

105

و مع التنزل يتعدى الى سائر النواقل القهرية الغير الاختيارية و اما النواقل القهرية الاختيارية فلا.

قوله: أو يفرق بين ما كان سببه اختياريا أو غيره.

أقول: غرضه من اختيارية السبب و غيرها ليس كونه اختياريا للكافر الذي يريد تملكه، بل كونه اختياريا للآخر، أى المملك و الأول كالفسخ في البيع الخياري، بأن اشترى المسلم عبدا من الكافر ببيع خياري و فسخ العقد فان فسخه هذا مملك للكافر قهرا بأمر اختياري فهو الفسخ.

و الثاني: كتلف المبيع في زمان الخيار أو قبل القبض فيما إذا كان العبد ثمنا بان باع المسلم متاعا من الكافر و جعل ثمنه العبد المسلم أو عبدا أسلم بعد البيع و ان كان كافرا قبله، فان التلف في زمن الخيار أو قبل القبض ملك للعبد من الكافر بملك جديد الّا ان الملكية باقية بمقدار ما و انما يستقر بالفسخ لئلا يكون ملكا جديدا كما توهم.

قوله: و منه يعلم انه لو لم يبعه باعه الحاكم و يحتمل ان يكون ولاية البيع للحاكم مطلقا.

أقول: قد عرفت انه لا يقر المسلم في ملك الكافر و عليه إذا باعه فبها و الّا فيتصدى الحاكم بالبيع ثم هل للحاكم ولاية مطلقا على ذلك بحيث ليس للكافر ان يتصدى على ذلك، أو ليس له ولاية مطلقة و انما يتصدى بالبيع مع إباء الكافر عنه و احتمل المصنف الأول، بل عن الإيضاح انه تزول ملكيته أصلا و ليس له الّا استيفاء الثمن، و اختيار شيخنا الأستاذ ان يكون للحاكم ولاية مطلقة تمسكا بقوله (عليه السلام) في عبد كافر أسلم اذهبوا فبيعوه من المسلمين و ادفعوا اليه ثمنه و لا تقروه عنده، فإنه لو كان أمر البيع راجعا الى الكافر لقال (عليه السلام) ألزموه.

106

و فيه أولا: انه أمر غالبي إذ لا يرض المالك ببيع ماله باختياره، فلذا أمر (ع) بالبيع و يؤيد ذلك ذيل الرواية و لا تقرّوه عنده، إذ يعلم من ذلك ان الغرض عدم بقائه عنده لا كونه مسلوب الاختيار عن ماله.

و ثانيا: الآمر بالبيع هو الأمير (عليه السلام) فله الولاية المطلقة على جميع الناس و أموالهم، فأمر في مورد خاص بالبيع لا يدل على جوازه بدون اذن الكافر في سائر الموارد، و يظهر النتيجة في ذلك فيما لو أراد الكافر أن يزيل ملكية عبده عنه بنحو خاص كبيعه لشخص خاص من المسلمين أو وقفه على جهة خاص و هكذا فعلى القول بجواز تصديه بالبيع فله الاختيار في إزالة ملكيته بأي نحو شاء و على القول بكون الولاية للحاكم فليس له ذلك بل الاختيار التام في يد الحاكم فليس له الّا استيفاء الثمن ليس الّا.

و اما كلام الإيضاح من زوال الملك بنفسه و ليس للمالك الّا استيفاء الثمن مخالف للنص و الفتوى كما لا يخفى.

و الحق ان سلطنة البيع للمالك لعموم دليل السلطنة و انه ليس محجورا فيها و توهم كونه سبيلا فاسد إذ لا يصدق السبيل على ازالة الملك بالجبر و الالتزام، بل هو ذلة عليه من الشارع المقدس فيكف يكون سبيلا.

قوله: و كيف كان فإذا تولاه المالك بنفسه، فالظاهر انه لا خيار له.

أقول: فإذا وجب البيع للمالك سواء تصدى اليه بنفسه أو تصداه الحاكم فهل يجوز جعل الخيار فيه أو نقله ببيع غير لازم كالمعاطاة بناء على عدم إفادته إلّا الملك المتزلزل أو لا يجوز، بل لا بد و ان ينتقل ببيع لازم كما لا يخفى، ذهب المصنف الى عدم ثبوت الخيار هنا لتقدم آية نفى السبيل على أدلة الخيارات كما تقدمت على أدلة البيع حكومة و خالف في ذلك مع صد فحكم بثبوت الخيار و الرد بالعيب تبعا للدروس قال لان العقد لا يخرج عن

107

مقتضاه بكون المبيع عبدا مسلما لكافر لانتفاء المقتضي لأن نفى السبيل لو اقتضى ذلك لاقتضى خروجه عن ملكه فعلى هذا لو كان البيع معاطاة فهي على حكمها و لو أخرجه عن ملكه بالهبة جرت فيه أحكامها.

و يرد عليه ما في المتن من ان نفى السبيل لا يخرج منه الّا الملك الابتدائي إلخ.

و ربما قيل بابتناء الحكم على ان الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد، فان قلنا بالأول ثبت الخيار لان فسخ العقد يجعل الملكية السابقة كأن لم تزل و قد أمضاها الشارع و أمر بإزالتها بخلاف ما لو كان الملكية الحاصلة غير السابقة فإن الشارع لم يمضها.

و قد ذكرت الشافعية هذه في مواضع متعددة منها في بيع المعاطاة بناء على كونها مفيدة للملك الجائز ذكروا ان ما انتقل بالمعاطاة لو انتقل الى غيره بعقد جائز كالهبة ثم ارجع ذلك بالفسخ، فهل يبقى الحكم الاولى أو لا؟ فذكروا هنا هذه القاعدة و منه ما نحن فيه.

و لكن لا يبتني ذلك على أساس صحيح، إذ بعد ثبوت الحكم له بآية نفى السبيل لا وجه للفسخ بتوهم ان الزائل العائد كالذي لم يزل و بعدمه لأنه كالذي لم يعد، و بالجملة فلا بدّ من الاقتصار في تخصيص الآية على القدر المتيقن، نعم مثل هذه العبارات لها صورة لفظية فقط ليس الّا كما لا يخفى.

قوله (ره): و يشكل في الخيارات الناشئة عن الضرر

من جهة قوة أدلة نفى الضرر فلا يبعد الحكم بثبوت الخيار للمسلم.

أقول: فصّل المصنف هنا بين ما كان دليله نفى الضرر و ما كان دليله غير نفى الضرر، فاما الخيارات التي دليلها غير دليل نفى الضرر، فحكم

108

بتقديم آية نفى السبيل على أدلة الخيارات كتقدمها على أدلة البيع، فلا يثبت الخيار للمسلم أو للكافر لكونه موجبا لتملك الكافر العبد المسلم فهو سبيل منفي، نعم لا بأس بثبوت الأرش في مثل خيار العيب إذ ليس في مطالبة الأرش سبيل.

و اما الخيارات التي تثبت بأدلة نفى الضرر فنقول فيها بثبوت الخيار في البيع للمسلم دون الكافر من جهة قوة أدلة نفى الضرر فيثبت الخيار للمسلم المتضرر من لزوم البيع و لكن مع ذلك لا يثبت للكافر خيار فان هذا الضرر انما حصل من كفره الموجب لعدم قابليته تملك المسلم الّا ما خرج بالنص و الّا لكان مالكا، فالضرر مبين على اقدامه و بالجملة ان هنا تفصيلان يكون الثاني مترتبا على الأول و ان شئت فقل ان هنا تفصيل واحد منحل الى تفصيلين.

و يرد عليه وجوه على ما ذكره شيخنا الأستاذ و ان لم يرد بعضها الأول انه لو كان الدليل هو أدلة نفى الضرر فلا يفرق في ثبوت الخيار بها، بين المسلم و الكافر، بل يثبت لهما، و ذلك لان إيجاد المقدمات الإعدادية للضرر لا يوجب منع شمول أدلة نفى الضرر على الأحكام الضررية المتوجهة على ذلك الشخص المعدّ لمقدمات الضرر، بل المناط في شمولها لموضوعها كون الحكم الشرعي ضرريا على المكلف بحيث يلزم من الالتزام و التكليف ضرر عليه، و عليه فالكافر و ان كان بنفسه هيأ مقدمات الضرر و كفر باختياره و لكن لا يمنع ذلك عن شمول أدلة نفى الضرر لما ترتب على ذلك المقدمة الإعدادية أعني الحكم ليكون البيع العبد المسلم عليه لازما و لو كان ضرريا، بل هذا الحكم الضرري يوجب خيارية العقد فيثبت له الخيار أيضا و لو كان إيجاد المقدمات الإعدادية للضرر موجبا بمنع شمول أدلة الضرر

109

عليه فلزم القول بعدم شمولها لأمثاله في سائر الموارد أيضا، مثلا فلو لم يتحفظ المكلف نفسه من البرد فمرض فلازم ما ذكره المصنف عدم ارتفاع الأحكام الضررية عنه لعدم شمول أدلة نفى الضرر عليه.

و كذلك إذا لم يتسهر فعجز عن الصوم و لزم منه ضرر عليه فلازمه عدم جواز الإفطار لكون الضرر مبنيا على مقدمة إعدادية هيأها بنفسه، و هكذا إذا سافر الى مكان لزم الصوم فيه أو إتيان أمر واجب ضرر عليه للحرارة أو للبرودة أو غيرهما فلازم ما ذكره المصنف هو عدم شمول أدلة نفى الضرر عليه و هكذا ففي المقام ان الكافر و ان كفر بنفسه و استعد لتوجه الضرر عليه و لكنه لا يمنع عن توجه أدلة نفى الضرر عليه و شمولها له كما هو واضح.

و بالجملة لو ثبت الخيار لأدلة نفى الضرر فيثبت لهما و الّا فلا يثبت لهما فلا وجه للتفصيل فاختيار أحد أطراف الأمر التخييري ليس بضرر مع اختياره الطرف الأخر و لكنه ليس بتمام و كلام المصنف تمام من هذه الجهة.

و ذلك من جهة أن الاحكام الضررية و ان ارتفعت بأدلة نفى الضرر سواء ترتبت على المقدمات التي أوجدها شخص المتضرر أو لا و لكن ما نحن فيه ليس كك فان جواز الفسخ الذي هو معنى الخيار الموجب لتملك الكافر و هكذا بجواز بيع العبد المسلم منه مشروط بإسلام الطرف و الّا فلا يجوز فحيث ان الكافر فاقد لهذا الشرط مع كون تحصيله في اختياره فلا يجوز فسخ عقده و ان كان الفاسخ مسلما فعدم جواز الفسخ للكافر و جوازه للمسلم ليس ضرريا على الكافر، فان في قدرته ان يسلم و يفسخ، و لكن باختياره يختار البقاء على الكفر و هذا نظير اشتراط البيع بالخروج من الدار مثلا، و الّا فلا بيع، فلا يقال ان من لم يخرج منها مضطر الى البيع إذ هو باختياره لم يخرج و هكذا و هكذا.

110

نعم، لو كان الأمر منحصرا بالفسخ في حال الكفر فقط و مع ذلك منع عن الفسخ يكون ذلك ضرريا عليه فليس كك و هذا نظير ما كان التوضي بالماء البارد ضررا و كان عنده ماء ان، فلا يتوهم ان الوضوء ضرر عليه فيرتفع بأدلة نفى الضرر، بل هو متخير بين الأمرين فمع اختيار أحدهما يكون الحكم ضرريا عليه لا مطلقا ففي المقام أيضا كك.

و الحاصل: ان الضرر لا يترتب على الكفر الذي توهم كونه من المقدمات الإعدادية للضرر، بل الضرر مترتب على ترك الإسلام و عدم قبوله و هو باختياره ترك الإسلام فلم يتمكن من الفسخ و الّا لجاز فسخه لو اختار الإسلام.

الثاني: ما ذكره من أن أدلة نفى الضرر لا يمكن ان يكون دليلا لشيء من الخيارات، كما سيأتي في بابها لعدم تكفلها على إثبات الحكم، و انما مفادها رفع الحكم الضرري فقط، و انما دليل مثل خيار الغبن و نحوه الذي توهم كونه أدلة نفى الضرر دليلا له هو الشرط الضمني الذي يثبت الخيار من جهة التخلف به كما هو واضح.

الثالث: لو سلمنا كون أدلة نفى الضرر صالحا للدليلية على بعض الخيارات و لكن ليس مقتضاه ثبوت الخيار هنا و توضيح ذلك انه لو قلنا بعدم حكومة آية نفى السبيل على أدلة البيع و الخيارات كما منع عنه المصنف فيما تقدم حيث قال و حكومة آية نفى السبيل على أدلة البيع غير معلومة، فح تقع المعارضة بينهما في مورد بيع العبد المسلم من الكافر و فسخ البيع الموجب لتملك الكافر العبد المسلم معارضة العموم من وجه، فح تصل النوبة الى الأصل العملي فهو في المقام استصحاب لزوم العقد اذن فيتقدم عليه دليل نفى الضرر فيثبت ما ذكره المصنف الّا أنه لم يقل به المصنف، فان قلنا بالحكومة كما هو ظاهر المصنف، و ان كان منع عنه سابقا و لكن ظاهر كلامه

111

العدول عنه بعده بان تكون آية نفى سبيل حاكمة على أدلة الخيارات و البيع كحكومة مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ على الاحكام الرجحية فح تقع المعارضة بينها و بين أدلة نفى الضرر لكون كل منهما حاكما على الأدلة الأولية فالمعارضة بين الدليلين الحاكمين إذ الآية تنفى الخيار لكونه موجبا لتملك الكافر المسلم و سبيلا عليه و أدلة نفى الضرر تثبته لكون لزوم ضرريا فح لا وجه لتقديم أدلة نفى الضرر على الآية من جهة قوة أدلتها لعدم الوجه على قوتها، اما من حيث السند فالاية مقطوعة الصدور بخلاف أدلة نفى الضرر فإنها غاية الأمر موثقة و اما بحسب الدلالة فكك أيضا لأن المفروض أن الآية شاملة لموارد تملك الكافر المسلم فلو لم تكن الآية متقدمة على أدلة نفى الضرر لقوتها فلا تتقدم أدلة نفى الضرر عليها لذلك كما لا يخفى، فافهم.

ثم ان هنا توهما أشار إليه العلامة في القواعد و لم يسبقه أحد من انه لو باع الكافر العبد المسلم من المسلم فوجد في الثمن عيبا جاز له ردّ الثمن و اما استرداد العبد ففيه نظر، بل يرد بدله و الّا يلزم السبيل المنفي بالآية.

و أجاب عنه المصنف بان

في ردّ البدل أيضا سبيل و لذا حكموا بسقوط الخيار فيمن ينعتق على المشتري و لو لا هذا لأمكن توجيه كلامه ان مقتضى الجمع بين الأدلة و نفى السبيل ثبوت الخيار و الحكم بالقيمة فيكون نفى السبيل مانعا شرعيا من استرداد الثمن كنقل المبيع في زمن الخيار و كالتلف الذي هو مانع عقلي.

و اما ما ذكره المصنف فلا وجه له بوجه فان استحقاق الكافر البدل ليس سبيلا على المسلم و الّا لزم كون استيفاء الثمن أيضا سبيلا و أما سقوط الخيار

112

في بيع من ينعتق على الكافر فمن جهة عدم قابلية المورد لذلك لصيرورته حرا بمجرّد البيع فلا يبقى مجال للرجوع الى البدل أيضا، و اما مطالبة القيمة في التلف في زمن الخيار أو النقل فيه الذي لا يمكن ردّ العين فيه فمن جهة ان للمالك حق مطالبة عين ماله فحيث لا يتمكن منه فيطالب ببدله لا أن له الخيار بحيث يفسح العقد و يطالب ببدله أو قيمته فإنه لا دليل عليه بوجه كما هو واضح.

و أما ما أفاده العلامة ففيه انه ان ثم دليل الخيار فيسترد العين و الّا فلا، و اما ردّ القيمة فلا مقتضى له أصلا ثبت له الخيار أم لم يثبت و محصل الكلام من الأول و تحقيقه و نتيجته في المعاملات فهو اما انه تارة نقول باختصاص الآية بنفي الجعل تكوينا بمعنى ان الكافر ليس له سبيل تكوينا على المؤمن كما استفيد ذلك من الآية صدرا و ذيلا و بإتيان النفي بلن و حيث ليس في الدنيا كك فتختص بالأخرة خصوصا بقرينة قوله تعالى اللّٰهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ و على هذا فتكون آية أجنبية عن المقام بالكلية.

و اخرى نقول باختصاصها بالنفي التشريعي، أى لن يجعل اللّه في عالم التشريعي سبيلا للكافر على المؤمن، فتكون ح حاكمة على جميع الأحكام الأولية كحكومة نفى العسر و الحرج عليها و على هذا فان لم تشمل الملكية أو شككنا في شمولها عليها فكالأول فلا تشمل المقام، و ان كانت شاملة عليها لكون ملكيّة الكافر على المسلم سبيلا عليه، و سلطنة عليه فكما تكون حاكمة على سائر الأحكام، فتكون حاكمة على العمومات الدالة على حصول الملك كأوفوا بالعقود، و نحوه، فلا يجوز بمقتضى الآية بيع العبد المسلم من الكافر و تملكه له الّا فيما دل دليل الخاص على جواز التملك

113

كما ادعى الإجماع على ذلك في الإرث و اما في غير موارد الإجماع و عدم الدليل على التملك فتكون آية نفى السبيل محكمة كاذهب اليه المصنف.

و ان كانت الآية شاملة لكل من نفى الجعل التشريعيّة و التكوينيّة بإرادة الجامع من السبيل الشاملة لهما و شملت للملكيّة أيضا فلا تكون الآية حاكمة على سائر الاحكام و لا على أدلة صحة المعاملات فان حكومتها عليها في فرض اختصاصها بالنفي التشريعي و على فرض ارادة الجامع فيكون النفي التشريعي من مصاديق الآية، و حينئذ تقع المعارضة بينها و بين أدلة صحة المعاملات «ك أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بالعموم من وجه فحيث ان عموم دليل الوفاء بالعقد وضعي لكونه جمعا محلا باللام، و عموم الآية بالإطلاق لكونه من جهة وقوع النكرة في سياق النفي الذي ثبت عمومه بمقدمات الحكمة فيكون أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مقدما على آية نفى السبيل إذا فيحكم بجواز بيع العبد المسلم من الكافر.

هذا كله في المعاملات التي تقدمت، و اما الخيارات فأيضا أن أريد من الآية خصوص النفي التكويني فتكون أجنبية عن المقام، و ان أريد منها النفي التشريعي فتكون حاكمة أيضا على جميع الاحكام و مع ذلك لو لم تشمل للملكية أو شككنا في شمولها لها فتكون أجنبية عن المقام أيضا فلا تكون حاكمة على أدلة الخيارات كما لم تكن حاكمة على أدلة البيع أي أجنبية عن ما نحن فيه.

و ان قلنا بشمولها للملكيّة أيضا فتكون حاكمة على أدلة الخيارات كما كانت حاكمة على أدلة المعاملات فيحكم بلزوم البيع و لزوم سائر المعاملات الواقعة عليها عند نقل الكافر ذلك من ملكه الى غيره.

و ان قلنا بعموم الآية للنفي التكويني و التشريعي بإرادة الجامع من

114

السبيل فلا تكون حاكمة، ح على أدلة الخيارات كما تقدم في المعاملات بل تقع المعارضة بين الآية و بين أدلة الخيارات بالعموم من وجه و بما انا ذكرنا في الأصول انه إذا تعارضه الآية مع الروايات بالعموم من وجه تتقدم الآية على الرواية لشمول الأخبار المتواترة الإمرة بطرح ما خالف كتاب اللّه أو أنه لم نقله أو زخرف الى غير ذلك من المضامين لصورة المعارضة بالعموم من وجه فإذا تتقدم آية نفى السبيل على أدلة الخيارات.

و لكن لا تجرى هذه الكبرى في خصوص المقام و لا تنطبق عليه و ذلك من جهة انا لا نحتمل جواز بيع العبد المسلم من الكافر و عدم جواز فسخه العقد، بل إذا جاز البيع جاز الفسخ بطريق اولى و هذا بخلاف العكس، فإنه يمكن الالتزام بجواز الفسخ و لا نلتزم بجواز البيع و على هذا فتقديم الآية على أدلة الخيارات يستلزم عدم جواز الفسخ و قد قلنا بجواز البيع بتقديم دليل الوفاء بالعقد على آية (نفى السبيل) و على هذا لو قدمنا الآية على أدلة الخيارات فلازمه تقديمها على أدلة البيع أيضا، لوقوع المعارضة بين الآية «نفى السبيل» و بين آية «أَوْفُوا» بالملازمة المذكورة فحيث عرفت أن عموم آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالوضع و عموم آية نفى السبيل بالإطلاق، فتكون آية أَوْفُوا، مقدمة على آية نفى السبيل فتكون أدلة الخيارات متقدمة عليها لتعاضدها بآية «أَوْفُوا».

و بالجملة عند معارضة الآية مع الرواية بالعموم من وجه و ان كانت الآية مقدمة على الرواية و ليس ذلك لتعارض الآيتين ليحكم بالتساقط لو لم يكن في أحدهما ترجيح بحسب الدلالة و لكن إذ تعاضدت الرواية بآية تكون تلك الآية في نفسها عند معارضتها بآية الأخرى المعارضة مع الرواية مقدمة عليها فقهرا تكون الرواية أيضا مقدمة على الآية لأجل تلك المعاضدة، كما

115

لا يخفى.

اذن فلا بد من العمل بأدلة الخيارات فيثبت جواز الفسخ للكافر و للمسلم كليهما، كما كان جواز البيع ثابتا لهما بان يبيع المسلم العبد المسلم من الكافر، غاية الأمر بمجرد الفسخ يجبر على البيع ثانيا كما انه يجبر على البيع مع الشرى ابتداء.

هذا كله بالنسبة إلى أدلة الخيارات غير ما إذا كان المدرك هي قاعدة لا ضرر، فلا شبهة أن كل واحد من قضية لا ضرر و آية نفى السبيل يكونان حاكمتين على الأدلة الأولية في عرض واحد و تقع المعارضة بين الدليلين الحاكمين بالعموم من وجه فما ذكره المصنف من تقديم أدلة نفى الضرر لقوته على الآية بلا وجه، بل لا بد من تقديم الآية على القاعدة بناء على ما ذكرناه من لزوم تقديم الآية على الرواية عند المعارضة بالعموم من وجه و يتساقطان فتصل النوبة إلى أدلة صحة البيع و لزومه، لان المانع عنه انما كان هو دليل نفى السبيل للحكومة فإذا ابتلى بالمعارضة فانتفى العموم الدال على الزوم.

و لكن لخصوصية المورد أيضا لا بد من تقديم قاعدة لا ضرر على الآية لمعاضدتها بآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فان تقديم آية «نفى السبيل» بالملازمة تنفى تقديم آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فان نفى الخيار و الحكم بلزوم البيع بآية نفى السبيل تقديمها على دليل الوفاء بالعقود إذ لا يحتمل الالتزام بعدم جواز الفسخ و الالتزام بجواز البيع، بل لو التزمنا بعدم جواز الفسخ فعدم جواز البيع اولى كما تقدم، اذن فالمعارضة بين آية «نفى السبيل» و قاعدة «لا ضرر» المعاضدة بآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بحيث ان عموم دليل الوفاء بالعقد وضعي و عموم آية نفى السبيل إطلاقي، فيتقدم على آية نفى السبيل فيحكم بجريان الخيار في بيع العبد المسلم على الكافر للمسلم و الكفار بناء

116

على صحة كونها مدركا لثبوت الخيار.

فتحصل أنه لا دليل على عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر و عليه ففي كل مورد تحقق الإجماع على المنع كما في البيع ابتداء فيتّبع و الّا فيحكم بالجواز، كالفسخ، إذ لا نطمئن بشمول الإجماع للفسخ أيضا، فإذا فسخ الكافر العقد و تملك العبد ثانيا فأجبر على البيع أيضا ثانيا كما لا يخفى.

استدراك مما تقدم و هو انا ذكرنا تقديم عمومات الصحة على آية نفى السبيل عند معارضتها معها أو بأدلة الخيارات و كذلك ذكرنا تقديم أدلة نفى الضرر على آية نفى السبيل عند حكومتها و حكومة آية نفى السبيل على سائر الأدلة الّا أن هذا الأخير ممنوع، إذ بعد حكومة الآية مع أدلة نفى الضرر على سائر الأدلة لا وجه لمعاضدة أدلة نفى الضرر بالعمومات بالملازمة كما كان هو الميزان في تقديمنا أدلة المضار عليه غيرها.

في حرمة بيع المصحف من الكافر

قوله: المشهور عدم جواز نقل المصحف الى الكافر.

أقول: ان قلنا بعدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر و كان المدرك فيه هو الإجماع، فلا شبهة في عدم شموله للمصحف و لا يمكن التعدي من مورده الذي هو المتيقن منه، و ان كان المدرك الآية أو الروايات، فقد ادعى شمولها بالمصحف بالأولوية القطعية الّا أنها ممنوعة كما هو واضح.

و توضيح ذلك ان محل الكلام هنا انما هو مطلق نقل القرآن الى الكافر و لو بالهبة و الإرث، بل لو ملكه المسلم فكفر فهو أيضا داخل في محل النزاع حتى لو كتبه في قرطاس و نحوه و الّا قد منع بعضهم كالمصنف و غيره من

117

الأعاظم من بيع المصحف من المسلم أيضا.

ثم ان هذا فيما لم يكن النقل مستلزما للجهات الخارجية الطارية على النقل من مثل الهتك أو مسّ اليد، و الّا فيكون داخلا في بيع المباح ممن يعلم أنه يصرفه في الحرام كبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا و بيع الخشب ممن يعلم أنه يصنعه صليبا أو صنما.

و بالجملة فمحط البحث هنا ما إذا كان النظر الى مجرد النقل فقط كأن اشتراه الكافر مثلا ليوقفه على المسلمين أو يجعله في مكتبة أو يحفظه في صندوق و نحو ذلك، و أما لو اقترن الى الجهات الخارجية فلا إشكال في الحرمة من غير اختصاص له بالكافر أصلا، ثم لا وجه للحكم بالكراهة هنا كما توهم، بل ان تم الدليل فيحكم بالحرمة و الّا فيحكم بالجواز بلا كراهة.

ثم ان كان مدرك الحكم في حرمة بيع العبد المسلم من الكافر هو الإجماع فلا شبهة في عدم شموله للمصحف لكونه دليلا لبيّا فيراد به المتيقن و ان كان المدرك هو آية نفى السبيل أو الروايات فيستدل بها على المقام بالفحوى كما سلكه المصنف و هو من ان الوجه في ذلك هو لزوم مراعاة احترام المؤمن احتراما يقتضي نفى سبيل الكافر عليه و هو يستدعي بالأولوية القطعية حرمة بيع المصحف أيضا، إذ هو أعظم احتراما و درجة من المؤمن، بل عليه يدور أساس الإسلام، بل لو دار الأمر بين حفظه و حفظ آلاف من المؤمنين يكون حفظه مقدما عليهم كما كان الأمر كذلك من صدر الإسلام و بدوه.

و على هذا فإذا نفى سبيل الكافر على المؤمن فبالأولوية ينفى سبيله على القرآن أيضا فيحرم نقله إليه بأي عنوان كان.

و فيه أولا نمنع كون مناط المنع في البيع العبد المسلم من الكافر هو الاحترام

118

و حفظ شئون المؤمن، بل يمكن ان يكون الوجه فيه هو شيء آخر و هو مبغوضية نفس تملك الكافر أو حكمة أخرى لا سبيل لنا إليها.

و على تقدير قبول المناط فنمنع الأولوية في ذلك إذ لا نسلم ان يكون احترام مطلق القرآن أولى من احترام المؤمن، بل انما هو نشأ من الخلط و الاشتباه إذ ما يجب احترامه و فداء النفوس له و الجهاد لحفظه انما هو القرآن الكلى الجامع بين الأشخاص بحيث بزواله زال الدين و انهدم شريعة سيد المرسلين و قد استفدى بذلك الأنبياء و الأوصياء و نفوسهم فضلا عن المؤمنين، بل ما من إمام الا و قد قتل لإحياء القرآن و قوانينه و هذا أمر واضح لا شبهة فيه.

و أما كون حفظ شخص القرآن المطبوع في مطبعة فلانية أولى من المؤمن غير معلوم، بل معلوم العدم، فان حفظ المؤمن أعظم درجة من ذلك و لا نحتمل ان بشك أحد في أنه لو دار الأمر بين إتلاف قرآن بإلقائه بالحبل المشدود فيه لإنقاذ مؤمن و بين تلف المؤمن أن إنقاذ المؤمن مقدم، و كذلك لو دار الأمر بين موت مؤمن جوعا و بين إتلاف القرآن لحفظه فلا شبهة في كون الأول مقدما على الثاني.

و بالجملة ما يكون حفظه أولى من حفظ المؤمن فخارج عن محلا الكلام و ما ليس كذلك فلا نسلم الأولوية فيه.

على أنه ربما يكون البيع موجبا للاحترام إذ كثيرا ما يطالعه و يهتدى به فلو لم يباع كيف يطلع على قوانينه الوافية يهتدى به فاحترامه يقتضي البيع لعله يوجب الإرشاد و توهم استلزامه الهتك مدفوع لما عرفت ان محل الكلام انما هو مع قطع النظر عن الجهات الخارجية كما لا يخفى.

و على تقدير ثبوت الحكم هنا، فهل يثبت في الاخبار المتواترة فيه

119

خلاف، و لا شبهة في عدم الشمول لو كان المدرك هو الإجماع لعدم شموله للمصحف، فضلا عن شموله للأخبار المتواترة.

و أما لو كان مدرك الحكم هي الآية أو الروايات فأيضا لا تشمل الأخبار المتواترة لعدم الأولوية هنا قطعا لو كانت ثابتة في المصحف بل يكفينا الشك كيف فهل يتوهم أحد أنه إذا دار الأمر بين حفظ النفس و بين حفظ الخبر المتواتر أن يحفظ الخبر المتواتر مقدم.

و على تقدير ثبوت الحكم في الخبر المتواتر فلا يشمل الخبر الواحد، فان مجرد الحجية لا يوجب ثبوت جميع الاحكام عليه كما ذهب اليه شيخنا الأستاذ ثم العجب من المصنف حيث استشكل في دليل الحكم و استحسن ما ذكروه فإنه لا ندري انه بعد التأمل في المدرك هل الفتوى بلا دليل حسن و هو أعرف بالحال.

القول في شرائط العوضين

قوله: يشترط في كل منهما كونه متمولا.

أقول: محصل كلامه أن من جملة شرائط العوضين أن يكون متمولا لأن البيع في اللغة مبادلة مال بمال، و بهذا يحترز عما لا نفع فيه كالخنافس و الديدان لخستها، و كذلك مثل الحبة من الحنطة فما لم يتحقق في الشيء التمول و الانتفاع به فأحرز كونه أكلا للمال بالباطل عرفا، فالظاهر فساد المعاملة و ان لم يحرز فيه ذلك، فان ثبت بدليل أو إجماع انه لا يجوز بيعه أخذ به و الّا فيرجع الى عمومات صحة البيع و التجارة و الى الرواية الخاصة و هي قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول و كل شيء يكون لهم فيه الصلاح

120

من جهة من الجهات فكل ذلك حلال بيعه و شراؤه.

و في كلامه مواقع للنظر،

الأول: اعتبار المالية في العوضين في البيع

لقول المصباح و ذلك لعدم حجية قوله، يكفي في صحة المعاملة على ما ليس بمال مجرد الغرض الشخصي، كما إذا اشترى مكتوبة جده بقيمة عالية للإبقاء مع عدم كونها قابلة للمعاوضة أو اشترى خنفساء بقيمة أو عقربا بقيمة كذا، للجل المداوي و نحوها كما لا يخفى، و قد تقدم في أول البيع جواز كون الحقوق ثمنا في المعاملة بأن باع شيئا ليرفع المشتري يده من حقه الفلاني صحيح و الوجه في ذلك كله هو ان البيع تبديل بين الشيئين برفع اليد عن أحدهما و جعل الأخر موردا للحق كما لا يخفى، فغاية الأمر يمنع ذلك عن التمسك بعمومات ما دلّ على صحة البيع بالخصوص، و اما ما دلّ على صحة مطلق العقود و التجارة عن تراض فلا، إذ لا شك في صدق التجارة عن تراض، و العقد على المعاملة الجارية على ما ليس بمال لما عرفت في بعض تنبهات المعاطاة أن في العرف لا يصدق عليه البيع، بل الثمن و المثمن على العوضين بل يصدق عليه مجرد المبادلة و المعاوضة كتبديل ثوب بثوب و عباء بعباء، و هكذا، و لا شبهة في صحة ذلك ل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، و السيرة القطعية كما هو واضح.

و الثاني: ما التزم به من انه مع الشك في التمول إن أحرز كون المعاوضة أكلا للمال بالباطل فيكون فاسدا.

و وجه الضعف انه بناء على كون المراد من الآية ما فسّر به المصنف من ارادة المعاملة السفهية كالمعاملة على ما لا نفع فيه، و الغرض عما ذكرناه من كونهما ناظرة إلى الأسباب انه لا يجتمع احتمال المالية مع صدق الأكل مال بالباطل، إذ معنى صدق أكل المال بالباطل انه ليس بمال ليكون أكل

121

المال بإزائه أكلا له بالباطل، و معنى الشك في التمول احتمال كونه مالا فما يحتمل فيه ماليته لا يكون من أكل المال بالباطل.

الثالث: ما تمسك به بعد عدم إحراز كونه من أكل المال بالباطل من العمومات،

و حكمه بالصحة بها، و برواية تحف العقول، و وجه الضعف أما رواية تحف العقول فقد تقدم الكلام في ضعفها و اضطرابها.

و أما العمومات، فالتمسك بها مع الشك في التمول الموجب للشك في صدق البيع تمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو واضح.

قوله: ثم انهم احترزوا باعتبار الملكية في العوضين.

أقول: لم يعتبر المصنف الملكية في العوضين ليحترز بها عن غير الملك كما هو واضح.

و دعوى اتحاد الملكية و المالية فاسد إذ بينهما عموم من وجه و الشيء قد يكون ملكا و لا يكون مالا كحبة من الحنطة و قد يكون مالا و لا يكون ملكا لأحد كالمباحات الأصلية و قد يجتمعان فاعتبار المالية لا يدل على اعتبار الملكية.

بل لا وجه لاعتبار الملكية في العوضين أصلا، إذ البيع ليس الّا التبديل بين الشيئين يقطع علاقة كل من المتبايعين عنهما و احداث علاقة أخرى فيهما و قد تقدم في أول البيع جواز كون الحق ثمنا في البيع كأن يبيع شيئا على ان يرفع المشتري يده عن حقه كالتحجير و غيره من الحقوق.

و يدل على ذلك جواز بيع الكلي في الذمة مع انه ليس ملكا لأحد أصلا و انما تحصل الملكية للمشترى بالشرى و يملك على ذمة البائع و من هنا نقض الامام (عليه السلام) على العامة لعدم قولهم بصحة بيع الكلى ببيع السلم لأنها من واد واحد كما تقدم في الاخبار المتقدمة في البيع الفضولي.

نعم، تعتبر الملكية في البيوع الشخصية للاخبار الخاصة من قولهم

122

(عليهم السلام) لا تبع ما ليس عندك كبيع مال الغير قبل الشرى و بيع الطير في الهواء و السمك في البحر، قبل الاصطياد، فإنها من قبيل بيع ما ليس عنده و من أظهر مصاديقه فلا شبهة في بطلانه.

بل، يمكن ان يقال بعدم اعتبارها في الأعيان الشخصية أيضا إذ معنى قولهم لا تبع ما ليس عندك هو ان ما ليس بمقدور التسليم لا يجوز بيعه بوجه، لا انه يجب ان يكون مملوكا للبائع.

و اما قولهم (عليهم السلام) لا بيع إلّا في ملك، فقد تقدم في بيع الفضولي ان المراد من الملكية ليس ملكية العين الشخصية، بل المراد منها مالكية البائع، التصرف من البيع و نحوه ككونه وليّا للمالك أو وكيلا أو مأذونا من قبله و هكذا.

ثم انه على تقدير اعتبار الملكية في العوضين لا وجه للاحتراز بها عن الأرض المفتوحة عنوة، فإنها ملك بلا اشكال، نعم ليس بطلق فإذا أريد الاحتراز عنها فلا بد من تقييد الملك بالطلق كما هو واضح.

ثم بيّن المصنف أقسام الملك من أنه:- تارة يكون طلقا لأحد كالاملاك الخاصة.

و أخرى لا يكون ملكية العين طلقا، و انما يكون تملك بمنافعه طلقا، كالأوقاف الخاصة، حيث انها ليست ملكا طلقا لأحد من الموقوف عليهم و لكن منفعتها ملك طلق لهم، و لهم مالكية مطلقة لذلك.

و ثالثة: لا تكون ملكيّة العين و لا ملكيّة المنفعة طلقا لأحد، و لكن إذا قبضت المنفعة تكون ملكا طلقا للقابض كالأوقاف العامة إذ هي و منافعها ليست ملكا طلقا لأحد و لكن إذا قبضوا منفعة يكون ملكا لهم بلا شبهة.

و رابعا: ان لا يكون ملكا طلقا لأحد لا عينا و لا نفعا و لكن إذا قبضوا

123

تكون العين و المنفعة كليتهما ملكا للقابض و ذلك كحق السادة و الفقراء في الزكاة، و في الخمس إذ هما ليسا ملكا طلقا لأحد منهم، بحيث إذا مات أحدهم فليقم وارثه مقامه إذ المالك هو الكلى فهو باق على حاله و انما ملك كل منهم العين و نفعها بعد القبض ملكا طلقا، و اما سهم الامام (عليه السلام) ففيه خلاف.

فالأراضي المفتوحة عنوة خارجة عن جميعها، أما عدم كونها ملكا طلقا لأحد فواضح، و اما عدم كونها من سائر الأقسام فأيضا كذلك فإنها لا تكون ملكا لأحد قبل القبض و بعده، و انما منافعها تصرف في مصالح المسلمين.

الكلام في أحكام الأراضي

ثم ان المصنف نقل الكلام إلى أقسام الأراضي لمناسبة ذكر بعض أقسامها و قد ذكرنا في آخر المكاسب المحرمة و حاصل الكلام هنا

ان الأراضي على أربعة أقسام:

الأول: ما يكون مواتا بالأصالة بأن لم تكن مسبوقة بالعمارة.

الثاني: أن تكون معمورة بالأصالة لا بمعنى كونها معمورة عند الخلقة و قبل خلق الخلق، بل بمعنى كونها معمورة بلا معمّر كرؤس الجبال و بطون الأودية و الأشجار في البحر و البر.

الثالث: ما عرض له الموت بعد الحياة كأرض الكوفة، بل ارض العراق إذ كانت أراضي معمورة و لذا كانت تسمى بأرض سواد.

الرابع: ما عرض له الحياة بعد الموت.

فهذه هي الأقسام الأربعة.

أما القسم الأول [أي ما يكون مواتا بالأصالة]

و الكلام فيه من جهات:

أما الأولى: فالأرض الموات كلها للإمام (عليه السلام)

للإجماع المحصل

124

و المنقول و عدم الخلاف بين الفقهاء، و للأخبار الكثيرة، و في المتن أنها مستفيضة بل متواترة.

و فيه أن أصل الحكم و ان كان مسلما و مجمعا عليه بين الفقهاء كما عرفت و لكن الأخبار الواردة فيها ليست مستفيضة فضلا عن كونها متواترة و ذلك لان جملة منها واردة في الأرض الخربة التي باد عنها أهلها و بقيت خربة فهي أجنبية عن المقام، فان كلامنا في الموات بالأصل لا ما يكون كك بانجلاء أهلها و لذا عنوانها في وسائل في باب الخمس بعنوان آخر فما هو موات بالأصل لا تطلق عليه الخربة، و رواية واحد واردة في خصوص الأرض الموات في باب احياء الموات من وسائل فلا تحقق بها الاستفاضة و التواتر.

نعم، في جملة من الروايات في ج 2 وسائل باب الأنفال من الخمس الأرض التي ميتة لا ربّ لها فهي للإمام (عليه السلام)، فلا شبهة في شمولها للموات من الأرض من غير اباد أهلها و لكنها ليست بمتواترة أيضا و لا مستفيضة.

نعم، لو كان المراد بالاستفاضة هو كونها ثلاثة أو أربعة فلا بأس بإطلاق المستفيضة عليها.

و بالجملة ان الغرض بيان عدم استفاضة الروايات و تواترها و الّا فأصل الحكم مسلم، بل يمكن الاستدلال على ذلك بآية الانفعال لكونها للإمام (عليه السلام) غاية الأمر نثبت الصغرى بدليل أخر، اى كونها انفالا فلا شبهة في ذلك للإطباق الروايات على كونها موات الأرض من الأنفال.

أما الجهة الثانية: فهل يشترط في التملك بها مجرد قوله ((عليه السلام)) في النبوي

موتان الأرض للإمام (عليه السلام) ثم هي لكم أيها المسلمون و كك في النبوي الأخر بحيث يكون بذلك ملكا للمسلمين بالسبق إليها، و ان لم

125

يحيوها أو لا بد في ذلك من الاحياء فظاهر النبويان و ان كان هو الملك بذلك و لكن مضافا الى ضعف السند فيهما انهما مقيدان بالاحياء فلا يكون ملكا لأحد بدونه كما في جملة من الروايات و بالجملة ان التملك مشروط بالاحياء فلا يتملك تلك الأراضي بدون الاحياء فلا يعمل بالنبويان.

الجهة الثالثة: ان الحلية و الملكية بالإحياء مختصّة بالشيعة

أو يشمل غيرهم من المسلمين أو لكل من أحياها مسلما كان أو كافرا، و الكافر أيضا ذمّيا كان أو حربيّا، فظاهر بعض الاخبار و ان كان هو اختصاص ذلك بالشيعة الّا أن النبويان المتقدمان يدلان على شمول الحكم لمطلق المسلمين و لكنها ضعيفة السند، بل يمكن أن يراد من المؤمن في بعض الاخبار من أحياها من المؤمنين مطلق المسلم الذي آمن باللّه و برسوله و بيوم الأخر، أى المؤمن في القرآن.

و لكن يكفي في عموم الحكم لغير الشيعة أيضا العمومات الواردة في مورد شراء الأرض من الذمي فقالوا (ع) أى قوم أحيوا أرضا فهي لهم و هم أحق بها، فان المورد و ان كان هو الذمي، و لكنه لا يكون مخصصا بعد عمومية الجواب فيكون شاملا لمطلق المحيي مسلما كان أو كافرا ذميا كان أو كافرا حربيا، و هذا الاخبار مذكورة في وسائل في إحياء الموات، و ما دلّ من الاخبار على كون موات الأرض للشيعة بالإحياء لا توجب التخصيص لعدم التنافي خصوصا مع الاحتمال المذكور من كون المراد من المؤمن مطلق من آمن باللّه و برسوله و بيوم القيامة في الاخبار التي ذكر فيها المؤمن و من هنا قال صاحب وسائل في عنوان المطلب ان الذمي إذا أحيى مواتا من أرض الصلح فهي له قبل هذا الباب فعنوانه أيضا مطلق يشمل مطلق المحيي و ان كان من غير المسلم.

126

و الجهة الرابعة: في أن الخراج الثابت في تلك الأراضي على المحيي هل هو ثابت لكل من أحياها شيعة كان أو غيرها،

أو ثابت لغير الشيعة و ربما يقال بثبوته لكل من أحياها و لو كان المحيي هو الشيعة لصحيحة الكابلي فمن أحيى من الأرض من المسلمين فيعمرها و ليؤد خراجها الى الامام ((عليه السلام)) من أهل بيتي و له ما أكل منها.

و لمصححة عمر بن يزيد يقول: من أحيى أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه الى الامام (ع) في حال الهدنة فإذا ظهر القائم (عليه السلام) فليوطن نفسه على أن يؤخذ منه الخبر، فالظاهر منها ان الحكم أعم فلا بدّ لكل من أحياها إعطاء الخراج الى الامام (ع) و عليه فيشكل القول بعدم وجوبه للشيعة لذهاب المشهور، بل فقهائنا أجمع الى عدم وجوب الخراج لهم، و حملها المصنف على وجهين، الأوّل: أنه يمكن حملها على بيان الاستحقاق و وجوب إيصال الطسق إذا طلب الامام (ع) لكن الأئمة بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) حلّلوا لشيعتهم و أسقطوا ذلك عنهم، كما يدل عليه قوله (ع) ما كان لنا فهو لشيعتنا، و يحتمل حمل هذه الاخبار المذكورة على حال الحضور و الّا فالظاهر عدم الخلاف في عدم وجوب مال الإمام في حال الغيبة، بل الأخبار متفقة على أنها لمن أحياها.

الّا أنها بعيدان، بل أجنبيان عن ظهور الروايتين.

أما الأول: فلأن الظاهر من الروايتين إيصال الطسق الى الامام (ع) في حال الهدنة كما هو ظاهر رواية عمر بن يزيد، و وجوب إخراج الخراج اليه كما هو ظاهر رواية الكابلي فحملهما على مجرّد الاستحقاق خلاف الظاهر، بل خلاف الصراحة.

و أما الثاني، فلأن الظاهر منها أيضا إخراج الخراج و إيصاله الى الامام

127

((عليه السلام)) مطلقا و لو في حال الغيبة و لذا قال (ع) في ذيل رواية عمر ابن يزيد فإذا ظهر القائم فليوطّن نفسه على أن يؤخذ منه يعني إذا لم يعطى ذلك الشخص الذي الأرض تحت يده فليوطن الامام نفسه لأخذه منه.

و بالجملة فليس في شيء من الروايتين ما يدل على الفرق بين الحضور و الغيبة و الاولى حملهما على غير الشيعة للأخبار الدالة على تحليل الأراضي للشيعة و كونهم محللون فيه كما في رواية مسمع و غيرها و يؤيد ذلك التفريق بين الشيعة و غيرها في رواية مسمع قال (ع): فهم فيه محلّلون، و محلل لهم ذلك الى أن يقوم قائمنا فيجيئهم طسق ما كان في أيدي سواهم فان كسبهم في الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا و يأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم منها صغرة، و أيضا يؤيد ذلك ذيل رواية عمر بن يزيد من قوله فإذا ظهر القائم فيوطن نفسه على أن يؤخذ منه مع ان قوله فيجيئهم طسق ما في أيديهم ظاهر في ان الخراج على الشيعة بعد قيام الحجة و أما قبله فلا خراج عليهم و كك الأخبار الدالة على أن الأرض كلها للإمام (ع) فالشيعة فيها محللون إذ لا معنى للخراج بعد ثبوت التحليل فيها الشامل للموات بالأصل أيضا.

و بالجملة لا شبهة في دلالة غير واحد من الروايات على عدم ثبوت تحليل ما للإمام من الأراضي لغير الشيعة بدون الخراج و كون كسبهم فيها حراما أدلّ دليل، و أقوى قرينة على ما ذكرناه من حمل الروايتين على غير الشيعة، كما هو واضح.

و توهم كون موردهما هي الشيعة فلا يمكن حملهما على غيرها توهم فاسد بداهة ان رواية الكابلي ليس فيها سؤال حتى نرى أنه شيعي أم غير شيعي و أما رواية عمر بن يزيد، فالراوي فيها و ان كان شيعيا و لكن المورد هو الرجل

128

الشامل للشيعة و أهل السنة فلا وجه لحمله على الشيعة، بل نسخة الوسائل سئل رجل من أهل الجبل و من الواضح أن أهل الجبل سني، بل ناصبي، في زماننا هذا فضلا عن الزمان السابق الذي لم يكن من الشيعة اسم و لا رسم.

و يؤيد هذا الحمل ما في ذيل رواية عمر بن يزيد من قوله ((عليه السلام)) فليوطن نفسه على أن يؤخذ منه و من المعلوم أنه لو كان المراد منهم هي الشيعة لم يأخذ الإمام (ع) الأرض منهم، بل يبقى عندهم و يأخذ منهم الخراج و أوضح تأييد لذلك قوله (ع) في رواية مسمع التفصيل بين الشيعة و غيرهم و جعل الشيعة في حلّ في الخراج و أما غيرهم فان كسبهم في ذلك حرام فان حليته مشروطة بإعطاء الخراج فلم يعطوها للإمام (ع) فيجيء الإمام (ع) فيخرجهم عنها صفرة أى خالية اليد أو صغرة، أى صاغرا و ذليلا على حسب اختلاف النسخة فيعلم من ذلك أن الخراج لغير الشيعة و أما الشيعة فهم في حل من ذلك و مع الغضّ عن جميع ذلك فالروايات الدالة على حليّة الأراضي للشيعة في حال الغيبة تكون مقيد لهاتين الروايتين و بالجملة لا مانع من حملها على غير الشيعة بوجه.

قوله: و سيأتي حكاية إجماع المسلمين على صيرورتها ملكا بالاحياء.

أقول: المشهور، بل المجمع عليه أن الأراضي الموات بالأصل تكون ملكا لمن أحياها و لكن الظاهر خلافه، و توضيح ذلك أن الاخبار الواردة في ذلك على ثلاث طوائف:- الأولى: ما دلّ على أنها لمن أحياها و أنها له.

و الثانية: ما دلّ على أن المحيي أحق بها من غيره.

و الثالث: ما جمع الأمرين الملكية و الأحقية و لا شبهة أن ما اشتمل على اللام

129

في كونه ظاهرا في إفادة الملكية و لكن لا بد من رفع اليد عن ظهوره و ارادة مجرد الاختصاص من ذلك و ذلك من جهة أنه ذكر في جملة من الاخبار التي تقدم بعضها في الجهة الرابعة أن غير الشيعة لا بدّ و ان يعطى الخراج، و الّا فيكون كسبهم في تلك الأراضي حراما و من الواضح أنه لا معنى لحرمة الكسب في ملك نفسه، و وجوب إخراج الخراج منه فيعلم من ذلك أنه لم يحصل بالاحياء الّا مجرّد حق الاختصاص و اللام في قولهم من أحيى أرضا فهي له، المجرد الاختصاص.

و بالجملة فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية و بين الالتزام بورود التخصيص على دليل السلطنة أو الالتزام بتصرّف الامام (ع) في ملك الغير بولايته الشخصية بحيث حكم بثبوت الخراج و الّا فيكون الكسب حراما فلا شبهة أن الأول أولى و أسهل للالتزام كما لا يخفى و على هذا فيكون الحكم بعد جواز الكسب على طبق القاعدة و كذلك إخراجهم من الأرض و أخذها منهم بعد ظهور الحجة فإن الملك ملك الغير فإذا لم يف المتصرف على ما شرطه عليه مالك الأرض فيكون كسبه حراما على حسب القواعد لكونه غصبا.

و من هنا اندفع ما توهم من أن التملك مشروط بأداء الخراج فإذا منعوا عنه فلا يكون الملك حاصلا.

و وجه الاندفاع أنه لا معنى للخراج مع الملكية و أن رفع اليد عن الملكية أسهل من رفع اليد عن دليل السلطنة أو الالتزام بتصرف الامام (عليه السلام) في مال الغير مع كونه للغير بالولاية و هذا بخلاف ما قلنا أن الأرض ملك للإمام و جواز التصرف فيها مشروط بإعطاء الخراج و الّا فيكون حراما كما هو كذلك في جميع الموارد بحسب القواعد.

130

و يدل على ذلك مضافا الى ما ذكرناه أمران، الأول: ما ورد في الاخبار الكثيرة من أنه ليس لمحيى الأرض تعطيلها و الّا فلغيره إحيائها و إجراء أنهارها فيكون أحق به من غيره و قد عقد في الوسائل باب لذلك في إحياء الموات و ان لم يتعرّض له الفقهاء فلو كان الاحياء موجبا للملكية فلما ذا سقط حقه بالتعطيل أزيد من ثلاث سنوات فان الناس مسلطون على أموالهم يفعلون فيها ما يشائون فهل لأحد ان يزاحمه في أموالهم الشخصية لمكان التعطيل فيعلم من أنه لم يثبت لمحيى الأرض الّا حق الاختصاص فيزول بالعطلة أو بعدم الوفاء بالشرط أعنى إعطاء الخراج، نعم حلل ذلك لشيعة كما هو واضح.

الأمر الثاني: انه لو كانت الأراضي الموات بالأصل مملوكة للمحيي لكان ملكا لهم دائما مع أنه ذكر في رواية مسمع أن الحل ثبت فيها للشيعة و ليس لهم فيها خراج الى ان يقوم صاحب الأمر و بعده فيجيئهم طسق ما في أيديهم و اما غيرهم فكسبهم فيها حرام لعدم إعطائهم خراجها و بعد القيام يخرجهم من الأرض و ينزعها من أيديهم و في ذيل رواية الكابلي أن الشيعة في حل في تلك الأراضي و ليس فيها عليهم خراج الى أن يقوم القائم (ع) فيضرب عليهم الخراج فيها فلو كان الاحياء موجبا للملكيّة فتكون تلك الأراضي كسائر الأملاك الشخصية فهل يتوهم أحد أن الامام يضرب الخراج لها على الملاك أو يأخذها من يد غير الشيعة فكل ذلك دليل على عدم حصول الملكية للأراضي الميتة بالاحياء، و انما الثابت لهم في ذلك مجرّد حق الأولوية و الاختصاص بحيث لا يزاحمهم غيرهم في ذلك.

لا يقال أنه لا شبهة في جواز بيع تلك الأراضي كما في الاخبار الدالة على اشترائها من ذمي فلو لم تكن ملكا فلا وجه لجواز البيع.

131

فإنه يقال نعم، لا شبهة في جواز البيع و لكن لا يدل ذلك على كونها ملكا للمحيي، بل يبيع منها ما ثبت له من الحق فيها فان البيع كما عرفت هو التبديل بين الشيئين بحيث يقوم كل منهما مقام الأخر في جهة الإضافة ففي المقام يقوم بالمبادلة كل من العوض و المعوض مقام الأخر فالعوض هو الثمن و المعوض هو الحق الثابت في تلك الأرض كحق التحجير و حق الجلوس كما هو المرسوم في اليوم في الدكاكين المسمى في الفارسية (بسر قفلى) فجواز البيع من هذه الجهة.

و مما ذكرناه انحل الفرع المبتلى به كثيرا و قد سئلنا عنه مرارا و هو ثبوت الخمس في نفس الأرض الموات بعد الأحياء إذا كان الإحياء للتجارة دون مؤنة نفسه و عياله فإنه على ما ذكرناه لا خمس في نفس الأرض لعدم كونه ملكا للمحيي ليدخل تحت المنافع الحاصلة يوما فيوما، بل يثبت الخمس في منافعها بعد مضى الحول كما هو واضح.

و الحاصل: أن الكلام كان في أن الأراضي الميتة هل تملك بالإحياء أم لا، و قلنا أن المشهور، بل المجمع عليه و ان كان هو التملك بالاحياء.

و لكن الظاهر هو عدم حصول الملكية لأحد بالاحياء و يدل على ذلك ثبوت الخراج لغير الشيعة و ثبوت التحليل لهم مع انه انما يناسب التحليل و الخراج مع عدم الملكية و كذلك يدل عليه حرمة كسب غير الشيعة في تلك الأراضي و إخراج الأرض من أيديهم بعد قيام الحجة و جعل الطسق للشيعة كما في رواية مسمع حيث قال فيجيئهم طسق ما كان في أيديهم، مع أنه لو كان ملكا للمحيي لم يكن مجال لشيء من المذكورات.

و ذكر أنه لا وجه للقول بالملكيّة إلّا ظهور اللام المذكور في جملة من الاخبار من أنه من أحيى أرضا مواتا فهي له في الملكية لا مجرّد الاختصاص.

132

و فيه أنه مضافا الى أن المذكور في عدة من الروايات هي الأحقية فلو لم تكن ذلك قرينة لإرادة مجرد الاختصاص من اللام فتكفينا القرائن المذكورة لرفع اليد عن ظهور اللام في الملكية لأنه يدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور اللام في الملكيّة و بين الالتزام بكون الخراج و حرمة الكسب و إخراج الأرض من أيدي غير الشيعة في زمان الظهور التصرف في ملك الغير، و لكن مع التصرف في أدلة حرمة التصرف في مال الغير و حرمة أكله إلّا بإذنه بدعوى أن الامام أولى بذلك من نفس المالك فلا ريب أن الأول أولى برفع اليد من الثاني.

و أما أخبار التحليل فهي على طائفتين، الأول: ثبوت التحليل للشيعة و كونهم محللون في الأرض و في مال الامام (ع).

و الثانية: ما دلّ على التحليل بلسان أنه ما كان لنا فلشيعتنا فهم فيه محللون فلا ريب أنه لا بدّ من رفع اليد من ظهور اللام في الملكية في قولهم لشيعتنا و ارادة التحليل المجرد إذ مفادها هو العام من غير اختصاص المحيي و غيره، و من البديهي ان غير المحيي لا يملك الأرض إجماعا، فيعلم من ذلك أنهم محلّلون في ذلك لسهولة الأمر و طيب الولادة كما تعارف هذا التعبير كثيرا يقال في مقام الاذن للغير في التصرّف في المال أن ما كان لي فهو لك أى يباح لك التصرّف فيه كيف شاء.

و بالجملة لا يستفاد من شيء من أخبار التحليل التمليك أيضا.

و دعوى ان اللام قد استعمل في جميع مراتب الاختصاص و انما يرفع اليد عنه بالنسبة الى غير المحيي، و اما في المحيي فنلتزم بالملكية دعوى جزافية، فإنه ان كان المراد من ذلك إرادة الملكية و غير الملكية في استعمال واحد فهو غير جائز فلا يمكن في استعمال واحد، و ان كان المراد ارادة الجامع و المطلق الشامل لها ففيه أن المعاني الحرفية غير قابلة للإطلاق و التقييد، بل انما يراد اما مطلقا أو مقيدا كما لا يخفى.

133

ثم ان هنا وجها ثانيا أدق لعدم إرادة الملكية من اللام في اخبار التحليل بدعوى أن الامام (ع) قد حلّل ما له للشيعة مع انحفاظ إلهية له، أى حال كونها له فهي للشيعة من غير تقييد بزمان الحال و الماضي و الاستقبال و المحيي و غيره و من البديهي هذا لا يجتمع الّا مع التحليل إذ بالتمليك لا يحفظ لهبة الامام (ع) و مالكيته على ان لكل إمام أن يفعل ذلك و يحلل فلو أريد التمليك من تحليل أحدهم (عليهم السلام) لما بقي موضوع للثاني، و القول بعود الملك ثانيا الى الامام الثاني بعد الأول التزام بلا وجه.

و اما الخراج فلا دليل على ثبوته للشيعة إلّا إطلاق روايتين أحدهما مصححة عمر بن يزيد و الثانية رواية الكابلي، أما الأول فالظاهر من نفسها انه لغير الشيعة و لذا قال في ذيلها فإذا ظهر الامام فليوطن نفسه على أن يؤخذ منه، و اما الثاني فليس دلالتها إلّا بالإطلاق كما في ذيل الرواية فإن الاستثناء يدل على دخول الحكم في المستثنى منه بإرادة استعمالية و ان لم يعلم دخوله فيه بإرادة جدية فهذا الظهور المبنى على الإطلاق دون الوضع لا بدّ من رفع اليد عنها و تقييدها برواية مسمع ليحمل على غير الشيعة و ان أبيت الّا من إبقائها في ظاهرها فيقع المعارضة بين رواية الكابلي و بين رواية مسمع الدالة على عدم ثبوت الخراج للشيعة في حال الغيبة حيث قال فيها «فيجيئهم طسق ما كان في أيديهم» قبل ظهور الامام (ع) فيعلم من ذلك أنه لا خراج عليهم قبل المجيء و بعد التساقط يرجع الى اخبار التحليل.

القسم الثاني: أن تكون عامرة بالأصالة

كأطرف الشطوط و سواحل الأنهار و بطون الأودية و رؤس الجبال و الجزائر المعمورة بالأصالة و قلنا أن معنى

134

كونها عامرة بالأصالة هو كونها عامرة بلا عامر، و قد عبر المصنف في ذلك بقوله عامرة بلا معمر، و الظاهر أنه لم يوجد استعمال المعمر في التعمير بل استعمل اسم الفاعل منه عامر و المعمّر من العمر، يقال لمن عمره كثير.

و هذا القسم أيضا لا شبهة في كونه للإمام (ع) و ان لم يرد نصّ خاص على كونه للإمام (ع) كما ورد في القسم الأول و لكن

يدل على ذلك طائفتين من الروايات

الأولى الأخبار الدالة على ان مطلق الأرض للإمام (ع)

و ليس للغير فيها إلا حق الاختصاص بالتعمير و العمل، بل في رواية سهل أن الأرض للّه و وقف للعباد فلا تكون ملكا لأحد و من هنا ذكر في بعض الروايات أنه ليس لأحد تعطيلها أزيد من ثلث سنين و قد ذكر جمع الى كون مطلق الأرض ليست لأحد، بل للإمام (ع) كصاحب البلغة و الشيخ الطوسي على ما حكى عنه، و المحقق الايروانى و غيرهم، و انما الشيعة محلّلون في ذلك، فإطلاق شامل لما نحن فيه أيضا، و قد استشهدنا بها على عدم الخراج للشيعة، و اما غير الشيعة فلم يثبت لهم فيها تحليل.

الثانية: ما دلّ على كون الأرض التي لا رب لها من الأنفال و الأنفال للإمام (ع)

كحسنة على بن إبراهيم و رواية العياشي عن أبى بصير، فان ما كان عامرا بالأصالة من الأرض فهي للإمام (عليه السلام).

نعم، في مرسلة على بن إبراهيم عن حماد، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح تقييد الأرض التي لا ربّ لها بكونها ميتة و لكن لا يدل ذلك على التقييد و اختصاص الحسنة أيضا بالميتة أما إذا لم نقل بثبوت المفهوم للوصف كما لم نقل فواضح، فان القيد التي بها للغالب فان القول بمفهوم الوصف من جهة أن لا يكون القيد لغوا و إذ اعتذرنا عن عدم لغوية القيد بجملة مورد على الغالب فلا يكون الوصف لغوا فلا ينحصر عدم اللغوية بإثبات

135

المفهوم فقط.

و اما بناء على القول بمفهوم الوصف كما مشى المصنف على هذا المبنى فأيضا لا يصلح للتقييد فإنه أولا إنما يوجب الاحتراز و التقييد دالا على المفهوم إذا لم يرد مورد الغالب كما في المتن و الّا فلا مفهوم له كما في قوله تعالى وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فان كون الربائب في الحجور من جهة الغلبة و ثانيا أن حمل المطلق على المقيد انما في مورد يكون بينهما التنافي كأعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة و أما فيما ليس بينهما تناف فلا وجه للحمل كقوله الخمر حرام و كل مسكر حرام، و هكذا و لكن هذا لا يجري في المقام لان معنى كلام المصنف على فرض كون القيد للاحتراز و معه يكون التنافي بين المطلق و المقيد من الواضح بمكان و لكن الذي يسهل الخطب هو ما ذكرناه من عدم المفهوم للوصف، بل يمكن منع الغلبة فإنه من أين أحرز أن الغالب في الأرض التي لا رب لها هي الميتة، بل في كثير النقاط أن الأراضي التي لا رب لها و ليست ميتة كأراضي الجبل مازندران و غيرها كثيرة جدا، و اما ما في تقرير شيخنا الأستاذ من الاستدلال بذلك بقولهم (ع) و كل ارض لم يجر عليها ملك مسلم فهو للإمام (عليه السلام) فليس برواية و لم نجده في كتب الحديث.

و الحاصل: أن ما كان عامرا بالأصل فهو للإمام (ع) للأخبار الدالة على أن مطلق الأرض للإمام (عليه السلام) و للأخبار الدالة على أن كل ارض لا ربّ لها فهي للإمام، و ما في مرسلة الحماد من أن كل أرض ميتة لا ربّ لها فهي للإمام، لا يصلح لتقييد ذلك إذ القيد ورد مورد الغالب كقوله تعالى وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ فلا مفهوم له، فلا يكون للاحتراز.

و لكن لا وجه لذلك فإنه من أين أحرز أن القيد محمول على الغالب إذ

136

لا وجه للقول بأن أكثر الأرض التي لا رب لها ميتة مع أن أكثرها معمورة بلا شبهة، كأراضي الهند و جبل مازندران و غيرهما مع أنه لا تنافي بين المطلق و المقيد فلا وجه لحمل أحدهما بالاخر الّا أن يقال ان القيد إذا كان للاحتراز فيكون بينهما تناف فيحمل المطلق على المقيد و الذي يسهل الخطب أنه لا مفهوم للوصف و عليه فلا يكون بينهما تناف فضلا عن حمل أحدهما بالاخر نظير كل مسكر حرام و الخمر حرام و أعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة.

على أن رواية حماد مرسلة فليست قابلة لتقييد الحسنة التي دلّت على أن مطلق الأرض التي لا ربّ لها فهي للإمام (عليه السلام) هذا كله في كونها للإمام (عليه السلام).

ثم انه لا يختص حق الأولوية أو الملكية بالإحياء، بل يعم العمل و جرى الأنهار و تكثير الأشجار و إصلاح بعض الخصوصيات و عليه فكل أرض معمورة بالأصل، وضع عليه اليد و عمل فيها، فيجري فيها الجهات المتقدمة في القسم الأول من البحث، من أنه لا فرق في ذلك بين الشيعة و غير الشيعة و بين المسلم و غير المسلم، و في أنه هل يحصل التملك بذلك أم لا؟ و هل الخراج الثابت فيها لمطلق من وضع عليها اليد و لو كان العامل فيها هي الشيعة أو يختص بغير الشيعة، و أما لو لم يكن فيها عمل فلا وجه لهذه الأبحاث، بل هي باقية على ملك الامام، فلا يجوز لأحد أن يتصرّف فيها للأخبار الدالة على حرمة التصرف في مال الغير إلّا بإذنه.

نعم، فالشيعة بالخصوص محللون فيها للأخبار الدالة على أن كلما للإمام فهو حلال للشيعة، و قد تقدم أن ما في بعض تلك الاخبار من التعبير بان ما لنا فهو لشيعتنا فللأم يفد الملكيّة قد تقدم جوابه.

ثم الكلام يقع في أنه هل تحصل الملكية لهذا القسم من الأرض بالحيازة

137

و السبقة و وضع اليد عليها أم لا وجهان، الظاهر انها لا تكون ملكا لأحد بالحيازة، و اختار المصنف كونها ملكا بالحيازة و استدل عليه بالنبوي المعروف من سبق الى ما لم يسبقه أحد فهو أولى به.

و فيه مضافا الى أنه ضعيفة السند أنه لا دلالة فيه على الملكية، فإن غاية ما يستفاد منه أن المحيز يكون أحقّ الى ما سبقه اليه فلا تحصل بذلك السبق ملكيّة للسابق الى تلك الأراضي.

و ثانيا على تقدير أن المراد من الأولوية و الأحقية هي الأولوية الملكيّة دون مجرّد حق الاختصاص فما نحن فيه خارج عن ذلك فإنه في مورد لا يكون ملكا لأحد، بل من المباحات الأصلية فيكون السبق إليها موجبا لحصول الملكيّة و كالأوقاف العامة من الخانات و الرباط و المساجد، فان السبق فيها يفيد حقّ الاختصاص.

و أما في أملاك الغير فلا يفيد السبق شيئا لا حقّ الاختصاص و لا الملكية و الّا لجاز لكل أحد أن يأخذ مال غيره و يتملكه بالسبق و يكون ذلك من جملة الأسباب و الوسائل لأكل مال الناس، فلا يلتزم به متشرع و لا فرق في ذلك بين مال الامام و غيره، فإنه أيضا لا يجوز التصرف في مال الامام (عليه السلام) الّا باذنه، و أما التمسك في ذلك بقوله «من حاز ملكا» فلا وجه له لعدم كونه رواية، و على فرض كونه رواية فإنما هو في المباحات الأصلية لا في أموال الناس.

و ربما يقال بحصول الملكية هنا بقوله (عليه السلام) من استولى على شيء فهو له، كالاستدلال به في مطلق الحيازات.

و فيه أن هذا و ان كان صحيحا من حيث السند و لكن لا دلالة فيها على المطلوب إذ غاية ما يستفاد منها أن الكبرى مسلم و أن أسبق و الاستيلاء على شيء يوجب الملكية و لكن لا يثبت الصغرى و أن مال الامام (عليه السلام) يكون

138

ملكا لأحد بالسبق، بل هو من هذه الجهة كأموال سائر الأشخاص فلا يكون الاستيلاء عليه الّا غصبا لا مملكا.

على أن هذه الجملة المباركة المذكورة في ذيل بعض الروايات الراجعة الى أن مات الزوج و الزوجة و لم يعلم أيهما مقدم و أيهما مؤخر و كانت لكل منهما أموال مخلوطة بالاخر فقال (عليه السلام) من استولى على شيء فهو له بمعنى أن كل ما يكون مختصا بالرجل فهو له، و كل ما يكون مختصا للمرأة فهو لها للاستيلاء و اليد، اذن فالرواية من أدلة اليد و انه طريق الى كشف الملكية و كاشف عنها لا أنها تدلّ على كون الاستيلاء مملوكا.

و بعبارة أخرى أن الاستيلاء دليل الملكية و كاشف عنه لا أنه مملك كما لا يخفى، فافهم.

اذن فلا يبقى دليل معتبر لأصل كون الحيازة مملكة فضلا عن دلالتها على الملكية في أموال الغير، إلّا في الموارد الخاصة التي ورد الدليل بالخصوص على إفادة الحيازة الملكية كما في الصيد و نحوه، نعم السيرة القطعية العقلائية الممضاة للشرع قائمة على كون الحيازة مملكة، بل هذا المعنى فطري الحيوانات فإنه بعد سبق حيوان على صيد و فريصة و أخذه فلا يزاحمه الأخر، بل يرفع اليد عنه، بخلافه قبل الأخذ فإنهما يتسابقون في الأخذ.

نعم، يمكن الاستدلال على التملك بالحيازات لقوله (عليه السلام) في ج 3 الوسائل، عين الدولة عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن على (عليه السلام) أنه سأله عن رجل أبصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه قال للعين ما رأت و لليد ما أخذت، فإن قوله (عليه السلام) لليد ما أخذت أن ما حازه الإنسان ملكه فمفاد ذلك نظير من حاز ملك يدل

139

على أن المحيز يملك كلما حازه، و لكنه ضعيفة السند للسكوني و أيضا لا يشمل المقام لما عرفت أنه لا يملك الإنسان مال غيره بالحيازة و السبق و انما ذلك في المباحات الأصلية.

و تحصّل من جميع ما ذكرناه أن الأرض العامرة بالأصالة فهي للإمام (عليه السلام)، فلاحظ الأخبار الدالة على كونها للإمام و الاخبار الدالة على الحقيقة بالاحياء و العمل فلا يملكه أحد بالحيازة الّا أن يعمل فيها عملا بأن للعامل حق الاختصاص فقط، فيجب عليه الخراج أن كان غير شيعي فلا يجوز لغير الشيعة أن يتصرّف فيها، بل لو حازها غير الشيعة فلها أخذها من يده لكونه غاصبا فلا يقاس ذلك بالموات بالأصل.

القسم الثالث: ما عرض له الحياة بعد الموت فهل تكون ملكا للمحيي أو لا؟

وجهان، قد تقدم الكلام فيه في القسم الأول، فإن البحث في القسم الأول كان في الموات بالأصل و أنه يصير ملكا للمحيي أم لا؟ و هذا القسم عين القسم الأول، غاية الأمر حصل فيه الاحياء الذي سبب الملكية أو سبب لحق الاختصاص، فالبحث عن ان المحيي يملك أو لا يملك، يغني عن البحث عن أن الحياة في الأرض توجب الملكية أم لا؟

فتحصل أن الأرض التي كانت عامرة بالأصل فهي للإمام و لكن حللها للشيعة و من عمل فيها، بل في بعض الروايات وقف للعباد و ان كان ضعيفا لوجود سهل بن زياد في طريقه و هي ليست ملكا لأحد و لا تملك بالحيازة و كذلك أشجارها لكونها تابعة للأرض و من نماءتها فلا ينفك حكمها عنها.

نعم، يمكن دعوى السيرة القطعية على أن من حاز من أشجارها فملكها و لو كان المحيز من أهل الخلاف، بل من أهل الذمة من الكفار إذ لم نسمع الى الآن من ردع الحطابين من غير الشيعة عن شغلهم و أخذ الأئمة و

140

غيرهم من المتشرعة الحطب من أهل الذمة إذا حازوها و جائوا بها الى البلاد للبيع و الشرى، بل يعاملون معها معاملة الملك و يشترونها منهم فلو كانت الحيازة فيها لا توجب الملكيّة و كانت الأخشاب و الأحطاب باقية على ملك مالكها أعني الإمام (ع) لكانوا يعاملون معها معاملة مال الغير فهل يملك أحد ما أخذه من أرض الغير من الأشجار و الأحطاب.

و بالجملة و ان كانت الأرض المعمورة بالأصل للإمام (ع) و لا تكون ملكا لأحد بالحيازة و كانت نماءاتها تابعة لها حسب القاعدة و لكن نفك بين الأرض و نمائها بالسيرة القطعية القائمة على ملكيّة المحيز بما حازه من أشجار تلك الأرض و احطابها كما لا يخفى على المتأمل.

أقول: يمكن منع السيرة لوجهين، الأول: أن الأئمة (ع) لما اقتدروا على الردع، و الثاني: انه لم يكن في حوال المدينة أو العراق اللتان في تحت سلطنتهم في زمان سلطنتهم أرض تكون معمورة بالأصالة و جائوا منها أشجارا و أحطابا حتى يعامل معها معاملة الملك بالحيازة كما لا يخفى.

أما القسم الرابع: من الأرض فهي ما كان خرابا بعد العمارة و مواتا بعد ما كان محياة

فهي على قسمين:-

الأول: ما باد عنها أهلها و صارت خربة لذلك و بانجلاء أهلها عنها

فقد ورد في جملة من الروايات أنها للإمام (ع) و هي خارجة عن موضوع بحثنا.

القسم الثاني: أن يكون خرابها مستندا الى التعطيل و الترك

و جاء الثاني و عمرها و أجرى أنهارها فهل يزول بذلك حق الأول؟ فيكون حق الاختصاص أو التملك للثاني أو لا يزول حقه مطلقا، أو يفصّل بين ما كان تملك الشخص الأول بالاحياء فيزول حقه أو بغير الاحياء من الهبة و الاشتراء و نحوها فلا يزول حقه بذلك و القول بالتفصيل منقول عن العلامة في التذكرة

141

بل في الجواهر نقل الإجماع عنه على ذلك الّا أن كلام العلامة خال عنه و ليس فيه دعوى الإجماع، بل و لم ينقل من أحد قبل العلامة.

و قد استدل على كون الثاني أحق من الأول بروايات الاحياء فان إطلاق الاخبار الدالة على أن من أحيى أرضا فهي له، كون المحيي الثاني أحق.

و فيه أن تلك الأخبار بإطلاقها دلّت على أن من أحيى أرضا فهي له من غير تقييد بكونها للمحيي ما دام الحياة أو مطلقا و لو بعد الخراب و على هذا فهي تدلّ على كون الأول أحق بها من الثاني إذ بعد كون الأرض متعلقا لحق الغير أو كونها ملكا للغير فلا تكون مشمولة لأدلة الاحياء فان أدلة عدم جواز التصرف في ملك الغير أو حقه حاكمة على أدلة الاحياء و جواز التصرف في المباحات الأصلية و لا تعارض بينها و الّا فلزم ملاحظة التعارض بين أدلة حرمة التصرف في مال الغير و بين عمومات أدلة صحة البيع و تجارة عن تراض و نحوها.

و بالجملة لا وجه للاستدلال في المقام بأدلة الإحياء كما لا يخفى، و العمدة في المقام الاستدلال على ذلك بالأخبار الدالة على أن من أتى الأرض الخربة فأحياها فهي له، و قد ذكر ذلك في جملة من الروايات، و العمدة منها صحيحتان إحداهما صحيحة الكابلي فإن فيها و الأرض كلّها لنا فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها الى الامام (ع) من أهل بيتي و له ما أحل منها (فان تركها أو أخر بها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها).

و ثانيهما صحيحة ابن وهب في ج 10 و في ص 131 فان فيها «قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و جرى أنهارها و عمرها فان عليه فيها الصدقة فإن كانت أرضا لرجل قبله

142

فغاب عنها و تركها و أخرجها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض للّه عز و جل و لمن عمّرها، فان مقتضى هاتين الصحيحتين ان الحق للثاني و اما الأول فسقط حقه بخراب الأرض و ليس له فيها حق.

و لكن في المقام صحيحتان تدلان على عدم زوال حق الأول بذلك بل يجب على الثاني أن يعطى حق الأول من الأرض إحداهما صحيحة سليمان بن خالد في ج 2 التهذيب ص 158 (قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها ماذا عليه قال: عليه الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤدّ إليه حقه) و ثانيهما صحيحة الحلبي في ج 2 التهذيب ص 173 و فيها (عن الرجل يأتي الأرض الخربة الميتة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها ماذا عليه فيها؟ قال: الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: فليرد اليه حقه) و هاتان الروايتان متحدتان من حيث المضمون و الألفاظ، و قد يقع التعارض بين الطائفتين و حيث أن روايتي سليمان بن خالد و الحلبي مطلق من حيث أن الملك كان مستندا بخصوص الإحياء أو كان مستندا الى غيره من الشرى و الهبة و نحوهما بحيث يمكن ان تكون الخربة من الملك بالإحياء، أو الملك بالشراء، و رواية الكابلي دالة على ان الملك أو الاختصاص كان من جهة الإحياء فقط، و انما صارت الخربة عن الملك بالاحياء فتكون رواية الكابلي مقيدة لرواية سليمان بن خالد فتكون رواية ابن خالد مختصّة بخصوص التملك بغير الاحياء و حيث ان رواية ابن وهب كانت مطلقة من حيث أن الملك بالإحياء أو بغيره فتكون رواية سليمان بعد التقييد خاصة و رواية ابن وهب عامة بعد انقلاب النسبة فتكون رواية ابن وهب مقيدة برواية سليمان بن خالد فتصير النتيجة أن الأرض التي كانت مملوكة بالإحياء أو متعلقا لحق المحيي

143

بذلك فليس فيها حق لمن تركها اعنى المحيي الأول و أما لو كان المالك الأول مالكا بغير الاحياء كالشراء و نحوه و تركها أو أخربها و عمرها شخص آخر، فلا بدّ من أداء حقه لسبق حقه عليه و عليه فيثبت القول بالتفصيل المحكي عن العلامة، فربما ترمى رواية سليمان الى ضعيف السند تارة و الى الإرسال أخرى، كما في البلغة و حاشية بعض مشايخنا المحققين، إذ لا نعرف وجها لها بعد كونها صحيحة السند، فإنه لا شائبة في سندها بوجه و على تقدير كونها كك، فرواية الحلبي بعين ذلك المضمون و الألفاظ فهي صحيحة و مع الغض عن جميع ذلك فلا وجه لتوهم انجبار ضعيفها بعمل المشهور إذ لم ينقل القول بالتفصيل الّا عن العلامة و ذكر الإجماع في كلامه لعله سهو من قلم صاحب الجواهر على أنه لا نسلم أصل الانجبار كما لا يخفى.

و هذا الجمع بحسب الكبرى، و ان كان صحيحا كما ذكرناه في التعادل و التراجيح، و قلنا أن المناط في باب التعارض هو تعارض الحجتين و لو بعد ملاحظة النسبة بين بعضها مع بعض الأخر و لا يقتصر النظر فيه الى التعارض البدوي.

و لكن يرد على هذا الجمع بالخصوص هنا أمران: أحدهما: انه ان كان النظر في الأراضي المملوكة بما كان مملوكا به مطلقا، و لو كان الاحياء مبدء في التملك، و الّا فالأسباب القريبة للتملك هو غير الاحياء فلا يبقى مورد لرواية سليمان بن خالد الّا نادرا، فيلزم حملها على المورد النادر فهو بعيد إذ قلما توجد من الأراضي أن لا ينتهى مبدء التملك فيها الى الاحياء فان أصل التملك في أكثرها هو ذلك، نعم قد يكون المبدء فيه هو قطع الأرض من الأئمة لشخص.

و بالجملة بعد قيد رواية سليمان بن خالد برواية الكابلي فاختصت

144

رواية سليمان بالأراضي المملوكة بغير الاحياء و إذا قلنا بان المراد من الأراضي المملوكة بالاحياء مطلق ما كان أصلها مملوكة بالاحياء، فلم يبق مورد لرواية سليمان الّا نادرا فلا يمكن الالتزام بذلك، و ان كان النظر في سببية الإحياء أو غيره التملك الى السبب القريب دون السبب البعيد، فحينئذ و ان كان المورد لرواية سليمان كثيرا و لكن لم يبق لرواية ابن وهب الّا قليل فإن أكثر الأراضي لو لم يكن كلها انما هي مملوكة بغير الاحياء فعلا فإذا أخرجنا الأراضي المملوكة بغير الاحياء عن تحت رواية ابن وهب برواية سليمان، و قلنا بأنه لا بدّ في ذلك من ردّ حق المحيي الأول لكان الباقي تحت رواية ابن وهب الأرض المملوكة بالإحياء الذي يكون سببا قريبا للتملك بحيث كان تملك المالك لها بالاحياء و صارت خربة عن التملك بالاحياء من دون تعلق البيع و الشراء عليها و مثل ذلك لا يوجد الّا قليل.

و بالجملة ان هذا الجمع انما استلزم لحمل إحدى الطائفتين على المورد النادر فهو غير مرضى كما لا يخفى.

الثاني: فهو العمدة هو أنا ذكرنا في باب التعادل و التراجيح أنه إذا ورد مطلق أو عام ثم ورد خاصان أو مقيدان و كان بين الخاصتين عموم مطلق جاز تخصيص العام أو تقييد المطلق بكلا الخاصين الذين بينهما عموم مطلق لعدم التنافي بينهما مثلا إذا ورد أكرم العلماء ثم ورد لا تكرم العاصين منهم، ثم ورد و لا تكرم المرتكب للكبائر فلا شبهة في تخصيص العام بكل من الخاصين، إذ لا تنافي بينهما بوجه و مقامنا من هذا القبيل، فإن روايتي سليمان بن خالد و الحلبي عام من جهة أن الأرض الخربة التي جائها المحيي الثاني أعم من ان تكون مملوكة بالإحياء أو بغير الاحياء، فصارت خربة و أن كونها خربة أعم من ان تكون مستندة الى تركها و خرابها

145

كما في روايتي الكابلي و ابن وهب، أو كانت الخربة بالقهر و الاضطرار كمنع الغاصب و الجائر و جريان السيل و إتيان المطر و عدم قدرته على الاشتغال و نحوها من الموانع بحيث لا يكون الخراب بالترك الاختياري و اخرابا من المحيي و رواية ابن وهب و ان كانت في نفسها أعم من كون الملكية بالإحياء أو بغيرها لعدم فرض الاحياء فيها و لكنها أخص من رواية سليمان بن خالد لان الخراب فيها من الترك الاختياري أو الخراب الاختياري كما هو مقتضى عطف إخرابها على تركها في رواية الكابلي.

و رواية الكابلي مختصّة بخصوص التملك بالاحياء و ان كانت من جهة الترك و الخراب مساوية فتكون أخص من رواية ابن وهب، فمفاد كلا الخاصّين هو ان المحيي أحق بما أحياه من الأرض الخربة سواء كانت مملوكة بالإحياء أو بغيرها، و أنه لا حق للمحيي الأول فلا بعد في ذلك فهو واضح بناء على عدم كون الأراضي مملوكة لأحد كما اخترناه للروايات الدالة على أن الأرض كلها للإمام و ان كان قد ورد لها تخصيص في جملة من الموارد كالاملاك الشخصية و الموارد المفتوحة عنوة و غير ذلك، و ان من وضع عليه اليد بالإحياء أو العمل لا يزيد الّا حقّ الاختصاص و الأولوية، بل في رواية سهل و ان الأرض كلها للّه فهي وقف للعباد و لكنها ضعيفة و من الواضح انه لا يجوز تعطيلها لان غرض الشارع عمارة الأراضي و انها ليست كسائر الاملاك كالكتب و نحوها حق يفعل مالكها فيها ما يشاء و لو عطلها خمسين سنة، بل في بعض الروايات لا يجوز تعطيل الأرض أزيد من ثلث سنوات فان طبع الأرض تقتضي ان تعطل سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات للتقوية و اما إذا صار أكثر فيبتني ذلك بالمسامحة و بتعطيل مال الامام و ما هو وقف للعباد و قد ذهب الى عدم كون مطلق الأراضي ملكا لأحد جملة من الأعاظم كصاحب البلغة و غيره.

146

و بالجملة لا شبهة في أنه بناء على عدم كون الأرض ملكا لأحد يكون أولوية المحيي الثاني بمكان من الوضوح لعدم لزوم التصرف في دليل حرمة التصرف في مال الغير.

و أما بناء على أن الأرض تملك كما هو المشهور و المعروف، فك أيضا فإنه بمقتضى ما دلّ على أولوية المحيي الثاني و كونه أحق بالأرض المحياة من المحيي الأول نلتزم بالتصرف في أدلة حرمة التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه فان اذن الشارع أسبق و شرط اللّه قبل شرطكم كما في رواية الطلاق من يب و على كل حال نقيد بهما معا روايتي سليمان بن خالد و الحلبي فتصير النتيجة أن المحيي الثاني أحق بالأرض فليس للأوّل مزاحمته لكونه كسائر الناس في ذلك و لا حق له في الأرض الّا أن يكون الخراب بنفسه أو لمنع الجائر و الغاصب عن الاحياء أو لكثرة الماء و طغيان الشط عليه و نحوها فان في أمثال ذلك فلا يزول حق المحيي الأول، بل هو أحق بالأرض و ان جائها الثاني فأحياها و عمّرها، فليردّ إلى الأول حقه و هذا هو القول الرابع في المسألة و الظاهر لم يقل به أحد فيما نعلم.

الكلام في بيع الأراضي المفتوحة عنوة

ثم ان

المصنف لما تكلّم في أحكام الأرضين تكلم في الأراضي المفتوحة عنوة لتكميل الأقسام

فنقول

أن الأراضي المملوكة للكفار على أقسام:

الأول: أن تكون باقية على ملكهم فعلا

فلا كلام لنا فيه.

الثاني: ان يسلموا طوعا و يدخلوا في الإسلام برغبتهم منهم أيضا

مالكون لارضهم و لا وجه لخروجها عن ملكهم فهذا أيضا خارج عن المقام.

147

الثالث: أن يموتوا و يتركوا أملاكهم إرثا

و منها أراضيهم فتكون أموالهم و كذلك أراضيهم ملكا للإمام (عليه السلام)، لانه لا وارث له غير الامام (ع)، و هذا لا يختصّ بهم، بل الأمر كذلك في المسلمين أيضا.

الرابع: الأرض التي انجلى عنها أهلها من غير حرب

و هي من الأنفال فللّه و رسوله و بعده للإمام (ع).

الخامس: الأرض التي أخذت من الكفار بالحرب و القهر و الغلبة،

و بالخيل و الركاب، و هي تسمى بالأراضي المفتوحة عنوة، و هي محلّ الكلام في المقام.

و هنا قسم سادس: و هي الأرض التي لم تتصف بشيء من الأمور المذكورة

و لم يجر عليها الخيل و الركاب، و انما أخذت من الكفار صلحا و صولحوا عليها من غير حرب كأرض الخيبر فإنها أخذت من الكفار و أعطيت لهم ليعطوا الجزية أو بقيت على ملكهم و ضربت الجزية عليهم و تسمى هذه بأرض الصلح و بأرض الخراج و فيما كانت ملكا للمسلمين فهي ملك لجميعهم من الموجودين و الذين يكونون موجودا بعد ذلك و قلنا ان معنى كونها ملكا لهم هو صرف منافعها في مصالحهم من تعمير القنطرة و نحوها و إعطاء مقدار منها لبعض الفقهاء، بل لوليّ الأمر أن يملك مقدارا من نفس رقبة الأرض لواحد من المسلمين، بل للجائر ذلك إذا قلنا أن فعله ممضى للشارع و قد تقدم الكلام في ذلك، و في معنى الجائر في المكاسب المحرمة

و كيف كان فيقع الكلام فعلا في جهتين:

الاولى: أنه هل تملك تلك الأراضي و تجرى عليها آثار الملك و لو تبعا للآثار أم لا؟

الثانية: أنه إذا قلنا بجواز تملكها فهل يجب الخراج فيها لمن بيده تلك الأراضي مطلقا أو يفرق بين الشيعة و غيرها و يلتزم بعدمه على الشيعة

148

أو بين العمال و غيرهم و يلتزم بعدمه في الأول دون الثاني أو بين من يحل له أخذه و أكله من المسلمين و بين غيرهم، و يلتزم بعدمه في الأول دون الثاني وجوه:-

أما الكلام في الجهة الاولى [أنه هل تملك تلك الأراضي و تجرى عليها آثار الملك و لو تبعا للآثار أم لا؟]

فان كان المشهور أن الأراضي المفتوحة عنوة تملك و لو تبعا للآثار الّا أنه لا نعرف لذلك وجها صحيحا فالظاهر من الاخبار انها لا تملك و انما هي ملك المسلمين، و في صحيحة الحلبي (قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السواد ما منزلته قال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن دخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن يخلق بعد، فقلنا:

أ نشتريه من الدهاقين؟ قال: لا يصلح الّا أن تشتريها منهم على أن تصيرها للمسلمين فان شاء ولّى الأمر أن يأخذها أخذها) الى غير ذلك من الروايات الصريحة في أنها ملك للمسلمين فلا تملك بوجه، و قد نقل المصنف جملة منها و ما قيل انها تملك تبعا للآثار لا مدرك له بوجه، بل في رواية أبي برده المسؤول فيها عن بيع أرض الخراج قال (ع) من يبيعها هي أرض المسلمين قلت يبيعها الذي هي في يده، قال: يصنع بخراج المسلمين ماذا. إلخ فإن الظاهر منها و من غيرها أنها ليست ملكا لأحد و الّا لكان بيعها جائزة و ما ورد في بعض الروايات كرواية أبي بردة و غيرها من جواز بيعها لا تدل على جواز بيعها، بل هي تدل على عدم جواز بيعها كيف فان قوله (ع) من يبيعها هي أرض المسلمين صريح في عدم جواز، و قوله ثم قال: لا بأس، اشتر حقه منها، ليس فيها دلالة على جواز البيع بل تدل على معنى ان بيعها قيام المشتري مقام البائع في الجهة التي كانت راجعة للبائع من استعمالها و الانتفاع بها و أداء الخراج منها نظير بيع دكاكين الغير أى حق الاختصاص الثابت للجالس.

149

و بعبارة أخرى يسمى باصطلاح العلمي بحق الاختصاص ففي الحقيقة أن البائع يبع حقه الاختصاص فنفس هذا دليل يدل على عدم جواز بيعها.

و بالجملة لا يجوز تملك تلك الأراضي و لا بيعها، بل يبيع الحق الاختصاص كما هو صريح الروايات و لا يفرق بين ذلك بين نفس الأرض و أجزائها.

و عليه فلا يجوز بيع أجزاء تلك الأراضي من الجص و الآجر و الكوز و نحوها من أجزاء الأرض و اما قيام السيرة فسيأتي الكلام فيها، نعم لو انفصلت الاجزاء عن الأرض جاز بيعها كما إذا أخرجوا التراب من مكان بعد الإصلاح بحيث صار زائدا فيجوز أخذه و الانتفاع به، فإنه للمسلمين و الأخذ أيضا منهم و من طرق الانتفاع به صرفه في الكوز و الأجر و بيعها.

و من هنا يعلم أنه لا يجوز تأسيس المسجد فيها فإنه يتوقف على وقف الأرض و فكه عن الملك و من الواضح انها ليست ملكا لأحد حتى يوقفها المالك و يجعلها مسجدا.

تنبيه:

أنه ذكر المصنف رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج فبنى بها أو لم يبنى غير ان أناسا من أهل الذمة نزلوها له أن يأخذ منهم أجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤسهم، قال:

يشارطهم فما أخذ بعد الشرط فهو حلال أخذها و من المعلوم انها لا يرتبط بالمقام بوجه، فان جواز أخذ أجرة البيوت بعد المشارطة أى ربط له الى عدم جواز بيعها حتى تبعا للآثار المملوكة فيها، بل يمكن دعوى كونها مشعرة إلى جواز بيعها حيث قرر قول السائل اشترى أرضا من أرض الخراج و لكن يمكن منع ذلك من جهة ان المراد بأرض الخراج يمكن أن تكون أرض الصلح أو أن جهة الاشتراء يكن موردا للسؤال، و أيضا ذكر في المقام مرسلة

150

الحماد فهي على إرسالها مشتمل على حكم لم يقل به أحد فيما نعلم و هو جواز أخذ العشر الذي هي الزكاة قبل القسمة و من المعلوم أن وجوب أداء الزكاة مشروط بوصول حق كل من الشركاء الى حد النصاب، و بعد أخذ كل منهم أنصبائهم يلاحظ حقه مستقلا، فان وصل الى حد النصاب يجب فيه الزكاة و الّا فلا.

الجهة الثانية: الظاهر انه يجب الخراج على من كانت الأرض تحت يده

لما تقدم من رواية أبي بردة قال (عليه السلام): من يبيعها و هي أرض المسلمين يصنع بخراج المسلمين الى ان قال: و يحول حق المسلمين عليه اى على المشتري فيعلم من ذلك ان الخراج مما لا بدّ منه فيجب على كل من كانت الأرض تحت يده على أن نفس كون الأرض للمسلمين يقتضي وجوب الخراج مع قطع النظر عن الرواية فإن الثابت جزما انما هو جواز التصرف في تلك الأراضي و اما التصرف من غير خراج و أجرة فلم يثبت فيكون حراما و تصرفا في مال الغير بدون اذنه فهو غير جائز فلا بد من أدائه الى الامام (ع) إذا أمكن و الّا فللفقهاء و لمن ولىّ أمور المسلمين أو للجائر بناء على إمضاء فعله من الامام (ع).

و بالجملة مقتضى الأدلة المطبقة على عدم جواز التصرف في مال الغير هو عدم جواز التصرف شخص في الأراضي المفتوحة عنوة و الانتفاع بها و باجزائها بوجه، و لكن ثبت بالقطع جواز أصل التصرف فيها و اما بدون الأجرة و الخراج فلا، فلا بدّ للمتصرّف و من ينتفع بها من أداء خراجها.

ثم بقي هنا أمران

الأول: أن السيرة القطعية و ان قامت على جواز التصرف في أراضي العراق

و أرض الغري و كربلاء و بيع رقبتها و أجزائها و أخشابها من زماننا الى زمان المعصومين (ع) و لكن الكلام في الصغرى و أن

151

أى أرض منها مفتوحة عنوة و لم يثبت كون الاجزاء أو الرقبة التي تباع من المفتوحة عنوة حتى لا يجوز التصرف فيها و بيعها و الّا فلو ثبت كون أرض من الأراضي مفتوحة عنوة فلا يجوز تملكها و بيعها الّا بالمعنى الذي ذكرناه.

و دعوى العلم الإجمالي بوجود الأرض المفتوحة عنوة في تلك الأراضي العراقية و حواليها و ان كانت دعوى صحيحة الّا أنه لا يوجب التنجيز، فان جميع تلك الأراضي ليس محلا للابتلاء ليوجب تنجّز التكليف، بل مقتضى العمل بدليل الحاكمة على الأصول أن نعامل مع تلك الأراضي معاملة الملكية كما لا يخفى.

و توضيح الحال في المقام و قد عرفت أن الأراضي المنسوبة إلى الكفار على أقسام:- منها: ما بقيت على ملكهم من غير ان تخرج منه.

و منها: ما بقيت على ملكهم بعد إسلامهم بالطوع.

و منها: الأراضي الصلحية الخراجية و هي التي صولحوا بها لتبقى على ملكهم و يعطون الخراج عليها أو أخذت من ملكهم و لكن أعطيت لهم لأخذ الخراج.

و منها: ان تكون مفتوحة عنوة و الأرض المفتوحة عنوة تارة تكون معمورة حين الفتح و أخرى ميتا و ما كانت معمورة بالأصل فهي ملك المسلمين، و أيضا أن جملة من تلك الأراضي قد ملكت بتمليك الامام و كثير منها ملكت بتملك السلطان الجائر خصوصا في زمان العثمانيين و مع كثرة المحتملات و ثبوت اليد على تلك الأراضي المقتضي للملكيّة فكيف يمكن إحراز أن الأرض الفلانية عن المفتوحة عنوة حتى لا يجوز أخذها.

نعم، لو كان جميع تلك الأراضي التي تعلم بوجود الأرض المفتوحة عنوة

152

بين تلك الأراضي يلزم الاجتناب عنها لكون العلم منجزا في هذه الصورة و هذا العلم الإجمالي بوجود الأرض المفتوحة عنوة كالعلم الإجمالي بوجود الوقف في جميع دور النجف و كربلاء، بل العراق، و العلم الإجمالي بوجود مال الغصب فيها، و العلم الإجمالي بمنع الإرث عن بعض الوارثين خصوصا البنات فإنهن يمنعن من الإرث كثيرا و تقسم أموالهم على غير الجهة المشروعة فهل يتوهم أحد أن العلم الإجمالي في هذه الموارد يوجب تنجز العلم الإجمالي و كذلك العلم الإجمالي في المقام و ما قيل من الجواب في هذه الموارد فهو الجواب هنا أيضا، و الّا فليس للمقام خصوصية زائدة.

و بالجملة مركز الكلام هنا هو أنه لا بدّ في وجوب الاجتناب من الأرض لأجل كونها مفتوحة عنوة من إحراز أمرين الفتح عنوة و كونها معمورة حال الفتح و الّا فلا وجه للاجتناب عنها بوجه، و اما بعد ثبوت الفتح فلا مناص من عدم جواز التملك فيها و لا في أجزائها و أخشابها و أن مقتضى اليد في أراضي العراق و ما يحتمل كون الأرض المفتوحة عنوة فيها أمارة الملكية فلا يرفع اليد عنها بالاحتمال فيما يعتمد عليه هذان الأمران إحراز الفتح مع العمارة في عدم جواز التملك و العمل باليد في جواز البيع و الشرى مع عدم الإحراز.

و على هذا فلا وجه للإشكال في بيع أراضي العراق و لا في أجزائها، فإن احتمال كونها من الأراضي المفتوحة عنوة احتمال بدوي لا يعتنى به.

[الأمر الثاني] (قوله: أو بين ما عرض له الموت من الأرض المحياة حال الفتح).

أقول: ربما يقال بأن الأراضي التي كانت معمورة حال الفتح ثم ماتت و أحياها الأخر تكون ملكا للمحيي لعموم أدلة الاحياء و لخصوص رواية سليمان ابن خالد المتقدم، فهي أجنبية عن المقام، فإنها واردة في الأرض الخربة فهي غير المفتوحة عنوة، و لذا قال (ع) و ان كان يعرف صاحبها فيؤدى اليه