مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
153

حقه، و الفتوحة عنوة ليست لأحد حتى يرد اليه حقه، إذا عرف و لو كانت هنا رواية آخر فلم نجدها.

و اما عمومات أدلة الإحياء فقد تقدم الكلام في آخر المكاسب المحرمة عند التكلم في أن الأراضي المفتوحة عنوة تملك أو لا تملك عدم دلالتها على الملكية بالاحياء و كونها خارجة عن الأراضي المفتوحة عنوة لوجهين:- الأول: أن الاحياء ليس من أسباب الملكية بوجه، فإن غاية ما يستفاد منها على ما تقدم هو حتى الاختصاصى و الأولوية و أما الملكية فلا.

و ثانيا: أنها لا تشمل الأملاك الشخصية فاحياؤها لا يوجب الملكية بناء على أن الاحياء من الأسباب المملكة فالأراضى المفتوحة عنوة بمقتضى الروايات المتقدمة ملك للمسلمين فلا ربط لأدلة الإحياء لها فتكون أدلة حرمة التصرف في مال الغير حاكمة عليها كما لا يخفى.

و بالجملة لا تدل أدلة الاحياء أن الأراضي المفتوحة عنوة تملك بالاحياء بل مقتضى حرمة التصرف في مال الغير مانع عن ذلك.

(قوله: و أعلم أنه ذكر الفاضلان و جمع ممن تأخر عنهما في شروط العوضين بعد الملكيّة كونه طلقا).

أقول: و من جملة شرائط العوضين ذكروا كون الملك طلقا يتفرع عليه أمور كثيرة التي تعلق بها ما خرج عن كون الملكية طلقا كالنذر و الخيار و اليمين و الوقف و كون المبيع أم ولد و كالرهن الى غير ذلك مما يخرج المبيع عن كونه ملكا طلقا، و لكن فرعوا على هذا الشرط أمور ثلاثة و تكلّموا فيها على وجه الاستقلال و هو الرهن و الوقف و أم الولد.

[ما هو المراد بالطلق]

و ذكر المصنف ان المراد بالطلق تمام السلطنة على الملك بحيث يكون هذا

154

المعنى في الحقيقة راجع الى كون الملك مما يستقل المالك بنقله و يكون نقله ماضيا فيه لعدم تعلق حق به مانع عن نقله بدون إذن ذي الحق لمرجعه الى أن من شرط البيع أن يكون متعلقة مما يصح للمالك بيعه مستقلا و هذا لا محصل له فالظاهر أن هذا العنوان ليس في نفسه شرطا ليتفرع عليه عدم جواز بيع الوقف و المرهون و أم الولد، بل الشرط في الحقيقة انتفاء كل من تلك الحقوق الخاصة و غيرها فما ثبت منعه عن تصرف كالنذر و الخيار و نحوهما و هذا العنوان منتزع من انتفاء تلك الحقوق فمعنى الطلق أن يكون المالك مطلق العنان في نقله غير محبوس عليه لأحد الحقوق التي ثبت منعها للمالك عن التصرف في ملكه فالتعبير بهذا المفهوم المنتزع تمهيد لذكر الحقوق المانعة عن التصرف لا تأسيس لشرط ليكون ما بعده فرعا، بل الأمر في الفرعية و الأصالة بالعكس.

و قد أشكل عليه بأن المراد بالطلقية عبارة عن عدم قصور السلطنة و عدم كونه محجورا عن التصرف، اما لقصور في المقتضى كما إذا كان ملكه محدودا كالوقف الخاص فان الموقوف عليه في هذا الوقف و ان كان مالكا للعين الموقوفة على ما هو الحق كما اختاره المشهور الّا أنه لا يصح بيعه لهم لان بيع الموقت لا يصح في الشرع و اما لوجود المانع كالرهانة و الجناية و الاستيلاد و يتفرع على دلت عدم جواز بيع الوقف و نحوه.

الظاهر أن ما ذكره المصنف متين، فان ما ثبت من الموارد الخاصة من عدم جواز البيع للحقوق المتعلقة بها المانعة عن التصرف انما هي المانعة بذواتها، فالتعبير بذلك العنوان المنتزع للإشارة إلى ذكر الحقوق المانعة فإن ما يكون معتبرا في نفوذ البيع السلطنة على البيع فما ذكره شيخنا الأستاذ من المراد بالطلقية عبارة عن عدم قصور السلطنة إما لقصور في

155

المقتضى كالوقف، و اما لوجود المانع كالرهانة.

لا وجه له، اما الأول، فلأن بيع الوقف و ان لم يجز الّا أن عدم الجواز من جهة عدم السلطنة على البيع لعدم انتفاء تلك الحقوق المانعة لا أن الطلقية بذاتها شرط للبيع.

و اما الثاني: فبناء على عدم جواز بيع العين المرهونة كما هو المشهور استنادا إلى النبوي من أن الراهن و المرتهن ممنوعان عن التصرف، فكك إذ المالك ليس له السلطنة على البيع من جهة تعلق حق المرتهن بالعين و عدم كون المالك مسلطا على البيع لعدم انتفاء ما هو شرط في البيع لا ان الطلقية شرط في الملكية.

و بالجملة هذا العنوان ليس له موضوعية بما هو في نفسه و بذاته ليكون شرطا في الملكيّة، بل عنوان منتزع من الموارد الخاصة التي انتفى تلك الحقوق فيها على أنه سيأتي انه لا دليل على عدم جواز بيع الرهن، و اما النبوي فضعيفة السند، و غير منجزة بعمل المشهور.

و بالجملة أن الشرط في البيع ما دل الدليل على عدم جواز بيعه كالوقف و نحوه على ما ذكره الفقهاء، بل أنهاه بعضهم الى عشرين فهو بذاته مما لا يجوز بيعه لمنع الدليل عنه بالخصوص و عنوان الطلقية عنوان منتزع من تلك الموارد التي ورد الدليل بالخصوص على عدم جواز بيعه و مشير إليها و الّا فعنوان الطلقية ليس من الشروط ليكون الموارد المذكورة بعدها متفرعا عليه و انما الشرط نفس انتفاء تلك الأمور التي ذكرت في المقام و عد من شرائط العوضين فعدم وقوع التجارة عليها لأجل الأدلّة الخاصة و عدم جواز بيعها بذاتها فلا وجه لارجائها الى عنوان اشتراط الطلقية و القول بانتفائها في تلك الموارد كما هو واضح.

156

الكلام في بيع الوقف

قوله: مسألة: لا يجوز بيع الوقف

[الدليل الأول] إجماعا محققا في الجملة و محكيا.

أقول: لا شبهة في عدم جواز بيع الوقف فأن مقتضى كونه وقفا إيقاف الشيء و إبقائه على حاله على النحو الذي أوقفه المالك و عدم جواز التصرف فيه على وجه ينافي الوقف فإذا أنشأ الواقف هذا المعنى الذي عرف في النبوي المعروف يحبس الأصل و سبيل الثمرة و عرفه الأصحاب بقولهم تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة فينافي البيع مع مقتضاه فان مقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو نفوذ التصرف فيه ببيع و نحوه من المعاملات فهما لا يجتمعان لكونهما متناقضان

الثاني: دلالة الروايات العامة و العمومات على ذلك

و أن الوقف لا يجوز بيعه كقوله (ع) الوقف على حسب ما يوقفها أهلها، و في بعض النسخ يقفها أهلها فإن الوقف يستعمل لازما و متعدّيا من دون ان يتعدى بشيء و دلالة هذه الرواية على المقصود مما لا شبهة فيه، فان الواقف يقف على أن تبقى العين و ينتفع بمنافعها و الرواية الشريفة يمضي ذلك و تدل على أن الوقف لا بدّ و أن يلاحظ فيه غرض الواقف حتى لو كان مشترطا فيه عدم البيع أصلا لكان متبعا بحسب مقتضى العموم.

الثالث: قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

فأن ما أنشأه الواقف من الوقف مما تشمله الآية فيجب الوفاء به، فالبيع مناف لذلك.

الرابع: الروايات الخاصة في خصوص بعض الأوقاف

كرواية أبى على بن راشد قال: سألت أبا الحسن (ع) (قلت: جعلت فداك انى اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي فلما عمرتها خبرت أنها وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملك ادفعها الى ما أوقفت عليه، قلت لا أعرف لها ربّا قال

157

تصدق بغلتها) الظاهر أن المراد من الغلة ليست هي الحاصلة من زرع المشتري و الّا فهي لصاحب البذر في المغصوب و كيف في المقام الذي اشترى من غير علم بكونها وقفا، بل المراد من الغلة ما يحصل من الأرض بحسب طبعها من الخضر و الأشجار و المنافع الأخر.

و منها ما ورد في حكاية وقف أمير المؤمنين (ع) بعد التسمية هذا ما تصدق به على ابن أبى طالب و هو حي سوى تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لا تباع و لا توهب حتى يرثها اللّه الذي يرث السموات و الأرض الى غير ذلك من الروايات الكثيرة، بل في بعضها لعني رسول اللّه (ص) بايع الوقف و في بعضها أن من أمن باللّه و باليوم الآخر لا يبع الوقف و استدل بها المصنف على عدم جواز بيع الوقف مطلقا بدعوى أن قوله (ع) صدقة لاتباع و لا توهب ليس وصفا لخصوص شخص العين الموقوفة، بل وصفا لنوع الصدقة التي في مقابل الأنواع الأخر من الصدقات المستحبة أو الواجبة و هذا هو الظاهر من المفعول المطلق المساق للنوع، فان قوله (ع) صدقة مفعول مطلق كقولك جلست جلسة الأمير، أي نوع جلوسه و هكذا في المقام أى نوع صدقة لا تباع و لا توهب و من الواضح أن هذا الوصف وصف لنوع الوقف، و ذكره هنا من جهة تطبيق الصغرى للكبرى لا أن الوصف وصف لخصوص الشخص الخاص الذي وقفه على بن أبى طالب ((عليه السلام)).

ثم استدل المصنف المصنف على عدم كون الوصف خارجيا معتبرا في الشخص بوجوه بعد استبعاده أولا أن سياق الاشتراط يقتضي تأخّره عن ركن العقد أعنى الموقوف عليهم خصوصا مع كونه اشتراطا عليهم.

الثاني: أنه لو جاز البيع في بعض الأحيان كان اشتراط عدمه على الإطلاق فاسدا، بل مفسدا لمخالفته للمشروع من جواز بيعه في بعض الموارد

158

كدفعه الفساد بين الموقوف عليهم أو رفعه أو طرو الحاجة أو صيرورته ممّا لا ينتفع به أصلا.

الثالث: أن هذا التقييد مما لا بدّ منه على تقدير كون الصفة فصلا للنوع أو شرطا خارجيا مع احتمال علم الامام (ع) بعدم طروّ هذه الأمور المبيحة و حينئذ يصح أن يستغنى بذلك عن التقييد على تقدير كون الصفة شرطا بخلاف ما لو جعل وصفا داخلا في النوع فان العلم بعدم طروّ مسوّغات للبيع في الشخص لا يغني عن تقييد إطلاق الوصف في النوع.

و هذه الوجوه التي ذكرها المصنف و ان كان متينا و واردا على فرض كون الوصف شرطا خارجيا و معتبرا في الشخص و لكن الذي ينبغي ان يقال و يسهل الخطب هو أن الشرط ان رجع الى الجواز بان شرط عدم جواز البيع في الوقف فهو أمر ممتنع لخروجه عن قدرته فان الجواز حكم شرعي و وضعه تحت يد الشارع كنزول المطر فلا معنى لشرط ما هو ليس في قدرته على أن اشتراط عدم الجواز معناه ان لم يجز لم يجز بيعه لان مفهوم الوقف هو السكون فهو بنفسه يقتضي ذلك و اشتراط الجواز أنه أن جاز فجاز، و ان كان الوصف وصفا لنفس الوقف فليس فيه مخالفة للمشروع بوجه، فان للواقف أن يشترط فيه ما يشاء لكونه مالكا و مسلطا على ماله فجاز له أن يقف كيف يشاء حتى له أن يشترط عدم البيع و لو مع عروض ما يسوغ البيع من المسوغات كما لا يخفى.

ثم قال المصنف: (و مما ذكرنا ظهر أن المانع عن بيع الوقف أمور ثلاثة:

حق الواقف حيث جعلها بمقتضى الوقف صدقة جارية ينتفع بها و حق البطون المتأخرة عن بطن البائع السابق و التعبد الشرعي المكشوف عنه بالروايات، فان الوقف متعلق لحق اللّه حيث يعتبر فيه التقرّب و يكون للّه تعالى و عمله و عليه عوضه).

159

أقول: و ليت شعري أنه من أين ظهر مما ذكره ان المانع هي الأمور الثلاثة، بل لا وجه لها بحسب نفسها أيضا أما حق الواقف فبمجرّد وقفه تخرج العين الموقوفة عن ملكه و كون العين صدقة جارية ينتفع بها لا يقتضي أن تكون العين متعلقة لحق الواقف و أما حق البطون المتأخرة فمع عدم وجودهم كيف يتعلق حق لهم بالعين فان المعدوم قبل وجوده كما لا يكون مالكا كذلك لا، يكون ذا حق مع أنه لو كان مانعا انما يمنع إذا بيع و صرف الثمن على الموجودين و اما لو اشترى به مثله فلا يلزم منه هذا المحذور و اما قوله (ع) الوقف على حسب ما يوقفها أهلها، فلا يدل على ذلك فان معناه أن ما أنشأه الواقف من حسب المال فقد أمضاه الشارع، و اما حق اللّه فان كان المراد به ان المنع عن بيعه انما هو للتعبد الشرعي الواصل بواسطة سفرائه من الروايات المتقدمة فلا كلام لنا فيه، و ان كان المراد من ذلك شيء آخر و إثبات حق له تعالى كالأنفال و نحوها فلا دليل دل على ذلك كما لا يخفى.

(قوله: ثم ان جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف الى ان يباع).

أقول: و قد ذكرنا أن الوقف بحسب نفسه يقتضي السكون و الوقوف فإنشاء الوقف إنشاء لسكون مال الوقف مقابل الحركة فمعنى السكون عدم عروض النقل و الانتقال عليه ببيع و نحوه مقابل المتحرك الذي عبارة عن طرق ما يقتضي الحركة عليه من البيع و غيره.

ثم ان جواز البيع الوقف تارة يكون بحيث يكون بدله و ثمنه ملكا للبائع الموقوف عليه و يتصرف فيه كيف يشاء كتصرف الملاك في أملاكهم.

و أخرى لا يكون ثمنه ملكا للبائع الموقوف بمعنى أن يقوم ثمنه مقام المثمن و يكون بدلا عليه و يترتب عليه جميع أحكام المبدل و كيف كان فجوازه يحتاج الى دليل، و اما جواز البيع بحيث يكون الثمن ملكا للمالك فبعيد فإنه رفع اليد عن ملكه و جعله وقفا على الموقوف عليهم فلا مقتضى لرجوعه الى المالك ثانيا،

160

هذا كله مما لا شبهة فيه.

و لكن وقع الكلام بين الشيخ و صاحب الجواهر تبعا للشيخ الكبير في أن جواز البيع يكشف عن بطلان الوقف بحيث انه بمجرّد جواز البيع يطرء عليه البطلان، كما ذهب اليه الشيخ الكبير و تبعه صاحب الجواهر فذكره في هذا المقام أن الذي يقوى في النظر بعد إمعانه أن الوقف ما دام وقفا لا يجوز بيعه، بل لعل جواز بيعه مع كونه وقفا من التضاد، نعم إذا بطل الوقف اتجه حينئذ جواز بيعه، قال بعض الأساطين في شرحه على القواعد حيث استدل على المنع عن بيع الوقف بعد النص و الإجماع، بل الضرورة بأن البيع و أضرابه ينافي حقيقة الوقف لأخذ الدوام فيه و أن نفى المعاوضات مأخوذ فيه ابتداء.

و بالجملة أن محصل كلامهما أن جواز البيع لا يجتمع مع الوقف فإذا أجاز البيع بطل الوقف سواء تحقق البيع في الخارج أم لم يتحقق، و قد خالف في ذلك شيخنا الأنصاري و تبعه شيخنا الأستاذ.

و حاصل كلام المصنف أن الوقف يبطل بنفس البيع لا بجوازه، فمعنى جواز بيع العين الموقوفة جواز ابطال وقفها الى بدل أولا إليه فإن مدلول صيغة الوقف و ان أخذ فيه و المنع عن المعاوضة عليه الا انه قد يعرض ما يجوز مخالفة هذا الإنشاء الدوام ثم أيده بتنزيله منزلة الهبة و قال كما أن مقتضى العقد الجائز كالهبة تمليك المتهب المقتضى لتسلطه المنافي لجواز انتزاعه من يده و مع ذلك يجوز مخالفته و قطع سلطنته عنه بالبيع لا بجواز فقط و بالجملة فكما أن مقتضى الهبة هو التمليك مع جواز استرداد العين الموهوبة و أنها لا تبطل بجواز البيع، بل بالبيع الخارجي و كك الوقف فيبطل بالبيع في الموارد الخاصة التي ثبت جواز بيعه في تلك الموارد لا بمجرد عروض جواز البيع عليه و يؤيد ذلك ما ذكره المحقق الثاني من انه لا يجوز رهن

161

جائزا و تقدم نظير ذلك في المعاطاة و قال لا يجوز رهن المأخوذ بالمعاطاة لكونها معاملة جائزة و الرهن وثيقة فلا يتحقق الا بالملك الطلق.

ثم أشكل عليهما بأنه ان أريد من بطلانه انتفاء بعض آثاره و هو جواز البيع المسبب عن سقوط حق الموقوف عليهم عن شخص العين أو عنها و عن بدلها حيث قلنا بكون الثمن للبطن الذي يبيع فهذا لا محل له فضلا عن أن يحتاج الى نظر فضلا عن إمعانه و ان أريد به انتفاء أصل الوقف كما هو ظاهر كلامه حيث جعل المنع من البيع من مقومات مفهوم الوقف ففيه مع كونه خلاف الإجماع إذ لم يقل أحد ممن أجاز بيع الوقف في بعض الموارد ببطلان الوقف و خروج الموقوف عن ملك الموقوف عليه الى ملك الواقف أن المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهومه، بل هو في غير المساجد و شبهها قسم من التمليك و لذا يطلق عليه الصدقة و يجوز إيجابه بلفظ تصدقت الا ان المالك له بطون متلاحقة فإذا جاز بيعه مع الابدال كان البائع وليّا عن جميع الملّاك في إبدال مالهم بمال آخر. إلخ.

و الذي ينبغي أن يقال في توجيه كلام صاحب الجواهر و شيخه وجوه:

الأول: أن يكون معنى قولهم إذا جاز البيع بطل الوقف هو صيرورة الوقف ملكا للواقف و رجوعه الى ملكه فهو بعيد، فإنه بعد خروجه عن ملكه فلا مقتضى لكونه مالكا له ثانيا.

الثاني: ان يخرج من الوقفية و صارت ملكا طلقا للموقوف عليهم بحيث لهم أن يفعلوا فيه ما شائوا من البيع و الهبة و الإعارة و الإجارة كبقية أموالهم الشخصية و هذا أيضا لا مقتضى له فكلا القسمين لا يحتاج الى نظر فضلا عن احتياجهما إلى إمعان النظر.

الثالث: أن يكون الوقف باطلا من جهة بمعنى بطلانه من الجهة التي عرض له ما يجوّز البيع فقط لا من بقية الجهات ليصير ملكا طلقا للموقوف عليهم

162

أو يرجع الى ملك الواقف و من الواضح أن هذا يحتاج إلى إمعان النظر فضلا عن النظر.

و على هذا ظهر الوجه في عدم جواز رهن الوقف إذ لا يخرج الوقف عن الوقفية بجواز بيعه من جهة عروض مجوّز من مجوّزات البيع كما ظهر أنه لا وجه لقياسه بالهبة فإن الهبة يجوز استرداده و الوقف لا يجوز استرداده لأنه عبارة عن الحبس و السكون مقابل الحركة فليس مفهومه الّا متقوّما بالإيقاف و السكون و عدم توارد البيع و الشراء و الهبة و الإجارة عليه بحيث يبقى طبقة بعد طبقة و جيلا بعد جيل، و هذا بخلاف الهبة فإنها ليست الّا تمليكا محضا.

ثم انه لا ثمرة لهذا البحث بعد التسالم على حرمة البيع الوقف قبل عروض المجوّز و على جواز البيع بعد عروض المجوّز ثم دوامه بدوام المجوز و ارتفاعه بارتفاع المجوّز.

ثم إذا طرء على الوقف جواز البيع و لم يبع في الخارج الى أن زال المانع فهل يزول الجواز أو يبقى على حاله فربما يقال ببقاء الجواز استصحابا لحكم المخصّص كما في حاشية الايروانى فان المقام من موارد دوران الأمر بين العمل بحكم المخصص و العمل بالعام بعد انقطاع عمومه فحيث انقطع عمومه في زمان فلا يبقى مجال للتمسك به، في الزمن الثاني لعدم المقتضى، بل نستصحب حكم المخصص اعنى جواز البيع.

و لكن الظاهر هو العمل بالعام في غير حالة التخصيص خصوصا إذا كان العموم استغراقيا لما قلنا في محله انه بعد تخصيص العام يتمسك به في مورد التخصيص و توضيح ذلك ان للوقف هنا ثلاثة حالات حالة قبل عروض الحالة الموجبة للبيع و المسوغة له و حالة عند عروض المسوّغ و حالة بعد عروض المسوّغ و ذكرنا في محله أيضا انه كما أن للعام عموم أفرادي عرضي و كك له عموم

163

أزماني سواء كان الحكم واحد أو متعددا منحلا إلى أحكام عديدة.

و على هذا فمقتضى العمومات الدالة على عدم جواز بيع الوقف انما تدل على عدم جوازه في جميع الحالات بحسب العرض و الطول، فقد خرج من تحتها صورة عروض الحالة المسوغة للبيع فيبقى الباقي تحت العموم و هذا واضح بناء على أن جواز البيع لا يوجب بطلانه، بل يسوغ البيع فقط و الّا فالوقف باق على حاله.

و أما بناء على مسلك صاحب الجواهر فكك أيضا لما عرفت أن قوله بالبطلان ليس معناه رجوع الوقف الى الواقف أو صيرورته ملكا طلقا للموقوف عليهم لما عرفت من بعد كلا المعنيين و عدم المقتضى لهما في البين، بل معناه هو البطلان من جهة خاصة أعني الجهة التي أوجبت بيع الوقف و سوغ المعاملة عليها و أما بقية الجهات فمحفوظة على حالها و هو الذي كان محتاجا الى النظر، بل إلى إمعان النظر.

و عليه فالتمسك بالعموم في غير المقدار الذي ثبت فيه التخصيص من الوضوح بمكان، بل الأمر كك حتى على المعنى الأول و الثاني فإن جواز بيع الوقف و ان أوجب بطلانه سواء كان بالعود الى الواقف أو بصيرورته ملكا طلقا للموقوف عليهم و لكن الفرض أن الإبطال ليس مستمرا إلى الأبد، بل انما كان عموم العام قبل ذلك شاملا لما بعد هذه الحالة التي بطل فيها الوقف و عليه فتمسك بالعموم في الغير المورد الذي نقطع بخروج الخاص و نعمل بالعموم فتحكم بمقتضاه على ثبوت الوقفية بعد البطلان أيضا فيكون العام مقتضيا لذلك فيحكم بالوقف إلى الأبد الى ان يرث اللّه الأرض و من فيها.

[الأقوال في الخروج عن عموم منع بيع الوقف]

(قوله: إذا عرفت ان مقتضى العمومات في الوقف عدم جواز البيع).

أقول: بعد ما حكم المصنف أن مجرد عروض جواز البيع على الوقف لا

164

يوجب البطلان، بل لا بد من وقوع البيع في الخارج فتعرض الى أن الوقف بحسب نفسه و الأصل الاولى لا يجوز بيعه، بل لا بدّ من البقاء و هو واضح لما عرفت أن مفهوم الوقف عبارة عن السكون فلا بدّ و ان يكون واقفا و ساكتا.

ثم يقع الكلام هنا في جهتين: الاولى: في الخروج عن مقتضى ذلك الأصل، بحسب الموضوع بمعنى أن أى وقف يجوز بيعه و أى وقف لا يجوز بيعه و الجهة الثانية: في الخروج عنه بحسب الحكم بمعنى أن المسوّغ لبيع الوقف أي شيء مع قطع النظر عن أن أى وقف يجوز بيعه و أى وقف لا يجوز بيعه و قد حصره بعضهم بواحد و هو وقوع الخلف بين الموقوف عليهم و بعضهم بثلاثة و بعضهم بخمسه الى غير ذلك من الاختلافات.

أما الجهة الأولى: فوقع الخلاف في ذلك بين الأصحاب كثيرا،

فذهب بعضهم الى عدم جواز البيع و عدم الخروج من عموم المنع أصلا،

و هو الظاهر من كلام الحلي و الشهيد، فان ظاهر قول الشهيد أن سد الباب و هو نادر مع قوته هو اختياره ذلك و ذهب بعضهم الى الجواز مطلقا.

و فصل بعضهم بين المؤبد و المنقطع

و ليس المراد من المنقطع ما إذا كان الوقف إلى سنة أو الى سنتين، بل معناه أن الوقف انما هو على طائفة خاصة من غير تقيد بزمان خاصّ و الّا فيكون حبسا الذي عبارة عن حبس العين مع كونها باقية على الملك و تسبيل المنفعة، و لكن حيث انه لطائفة خاصة ينقرض كثيرا بانقراضهم فيسمى ذلك بالوقف المنقطع الأخر و هذا بخلاف المؤبد فإن معناه أن الوقف لطائفة خاصة كأهل العلم من الشيعة في النجف مثلا كما وقفوا قرية في كرمانشاه كك و مع عدمهم لمطلق أهل العلم و مع عدمهم العياذ باللّه لفقراء الشيعة و مع عدمهم لأغنياء الشيعة و هكذا فمثل هذا الوقف لا ينقطع آخر بل يستمر و يدوم إلى الأبد و يبقى طبقة بعد

165

طبقة و جيلا بعد جيل.

و بالجملة التزموا بجواز البيع المنقطع دون المؤبد.

و فصّل بعضهم بقولهم بعكس ذلك، أى بجواز البيع في المؤبد و بعدمه في المنقطع

و لعل نظره الى ان المنقطع ينقطع بنفسه بخلاف المؤبد.

و فصل بعضهم بين أصل الوقف حيث قال بعدم الجواز

و بين اجزائه و آلاته التي انحصر طريق الانتفاع بالبيع فقط، كحصر المسجد و جذوعه و بعض آلاته التي سقط عن الانتفاع به في هذا المسجد بنحو من الأنحاء و هو المحكي عن الإسكافي و فخر الإسلام، و يمكن التفصيل بين ما يكون الوقف تحريرا كالمساجد و نحوها و بين سائر الأوقاف، و يلتزم بعدم جواز البيع في الأول دون الثاني، الّا انه ليس تفصيلا في الحقيقة لأن المساجد خارج عن مورد البحث، فان الظاهر ان مورد البحث ما اعتبر فيه التمليك و المساجد تحرير و عليه فما سيأتي من المصنف من التفصيل بين المساجد و غيره، تنبيه على أصل المطلب لا تفصيل في الوقف بين جواز البيع في قسم و عدمه في آخر

و الكلام فعلا يقع في جواز بيع الوقف المؤبد في الجملة.

[الوقف على قسمين تمليكي و فكي]

و بعد ما نقل المصنف كلمات الأصحاب فصّل في الوقف المؤبد، بينما يكون ملكا للموقوف عليهم و بينما لا يكون ملكا لأحد، بل يكون فك ملك نظير تحرير كالمساجد و المدارس و الربات و الخانات و ان كان في الحقيقة ليس تفصيلا كما عرفت بناء على عدم دخولها في ملك المسلمين فان الموقوف عليهم انما يملكون الانتفاع دون المنفعة و قال المصنف ان محل الخلاف هو القسم الأول، أي ما يكون الوقف تمليكا و أما القسم الثاني فالظاهر عدم الخلاف في عدم جواز بيعه لعدم الملك و على هذا فلو خربت القرية و انقطعت المارة عن الطريق الذي فيه المسجد لم يجز بيعه و صرف ثمنه في

166

احداث مسجد آخر أو تعميره أو صرفه في مصالح المسلمين.

نعم يجوز الانتفاع بها بالزرع و الغرس مع ملاحظة الآداب بعدم التنجيس و الهتك كما جاز الانتفاع به قبل الخراب بالجلوس و النوم و سائر الأشغال من المباحث و غيرها إذا لم تزاحم المسجدية، نعم يحتمل جواز إجارتها و صرف الأجرة في مصالح المسلمين.

و لكن الظاهر أنه لا فرق بين البيع و الإجارة فإنه بعد خروجها عن الملكية لأحد و حرمة كما لا يجوز بيعه و تمليكه و كك لا يجوز إيجاره.

ثم ان المراد من عدم جواز التصرف فيها تصرفا مالكيا خصوص الحرمة التكليفية و الّا فلا يترتب عليه ضمان بوجه و لذا لو سكن فيها أحد أو اشتغل ما لاشغال المنافية للمسجدية فليس عليه ضمان.

[لا خلاف في عدم جواز بيع الوقف الفكي]

و بالجملة ان كان الوقف تمليكا و لو كان للنوع فهو محل الكلام في المقام و ان كان تحريرا و فك ملك فهو لا يجوز بيعه بوجه لعدم كونه ملكا لأحد حتى يجوز بيعه و يباشره أحد الملاك وكالة أو الحاكم ولاية، بل يبقى على حالها الى ان يرث اللّه الأرض و من فيها، نعم يجوز الانتفاع بها ما لا يزاحم المسجدية و ان تصرف فيها بما يزاحم المسجدية فعل فعلا محرما فلا ضمان بالأجرة لأن الفرض انه ليس بملك لا للخاص و لا للعام كما لا يخفى انتهى الكلام الى تفصيل المصنف بين ما يكون الوقف تمليكا و بين ما يكون تحريرا.

و تحقيق الكلام هنا ان ما يكون تحريرا كالمساجد فان المتيقن من التحرير هو المسجد، فالظاهر أنه لا يجوز بيعه فإن حقيقة البيع على ما عرفت عبارة عن المبادلة بين الشيئين في جهة الإضافة إلى المالك بحيث يكون كل واحد من الشيئين مضافا الى شخص فيتبدل كل من الإضافتين بتبديل المالين و من البديهي ان المساجد غير مضافة الى أحد بإضافة الحقيقة أو بإضافة الملكيّة و مع انتفاع الإضافة كيف يسوّغ البيع أو التجارة عن تراض أو بقية

167

المعاملات لما عرفت مفصّلا أنه لا بيع إلّا في ملك، و لا بيع الّا فيما يملك و لذا قلنا ان كل ما ليس داخلا تحت الملك كالطير في الهوى و المباحات الأصليّة قبل الحيازة لا يجوز بيعه.

و توهم أن المساجد أيضا نحو من التمليك للمسلمين كما ان الزكاة ملك للفقراء و الأصناف الأخر أو نقرض مسجدا يملكه المالك للمسلمين وقفا.

توهم فاسد فان المساجد من قبيل التحرير كالعبد المعتق و أنها للّه لا بمعنى كونها ملكا له و مضافا اليه ليتوهم جواز بيعها من جهة تلك الإضافة المصححة للبيع، بل بمعنى كونها معبدا للمسلمين ليعبد فيها للّه تعالى و يتقرب به فيها و لعل الى هذا المعنى ينظر قوله تعالى وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ بل هو المحتمل القريب من سائر المعاني و هذا هو المستفاد من بعض الروايات فلا يقاس ذلك بالزكاة فإن الجهة فيها مالك بخلافه في المساجد فإنه ليس فيها جهة إضافة حقا أو ملكا فلا يصح بيعها بوجه.

و أما الوقف بمعنى التمليك للمسلمين، بان يجعل مكانا خاصا مسجدا بعنوان التمليك لا التحرير فخارج عن الفرض فإنه لا يكون مسجدا و متمحضا للّه، بل يكون مثل الحسينيات و نحوها.

و بالجملة أن من الضروري أن المساجد ليس الّا تحريرا و فكا للملك لا تمليكا و عليه فلا يكون بيعه جائزا لعدم وجود الإضافة فيها الى أحد و لو الى الجهة كالزكاة بحيث يباع المسجد و يكون بدله قائما مقامه في تلك الجهة فهذا قسم من الوقف العام.

[كلام كاشف الغطاء في الأوقاف العامة مع اليأس عن الانتفاع بها]

و من هنا ظهر ما في كلام كاشف الغطاء حيث ذكر جواز اجارة المسجد الذي خربت القرية و انقطعت المارة عنه و خرب و ذلك فإن صحة الإجارة تتوقف على كونه مضافا الى شخص لتكون الأجرة داخلة تحت ملكه و قد عرفت أن

168

باق على وسعته فإنه لا يلزم في الثالث توفية المسجد ليس مضافا الى شخص.

نعم، يصح الزّرع و الغرس فيه و الانتفاع به بغيرهما مع ملاحظة الآداب كما هو واضح.

الثاني: أن يكون وقفا للذرّية بحيث يوقف أرضا خاصا لهم لتكون منفعته لهم طبقة بعد طبقة و جيلا بعد جيل

فلا شبهة أن هذا القسم من الوقف تحبيس و تمليك أما كونه تحبيسا فلان الوقف على ما فسروا تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة و قد جعل الواقف ذلك الوقف كك كما لا يخفى.

و اما كونه تمليكا لهم فلمقتضاء السيرة القطعية العقلائية على ذلك فإنه لا يشك أحد في انه إذا ثبت في ذلك ما يوجب الضمان على شيء يكون ذلك الشيء لهم و لو غصبه غاصب لوجب عليه رده الى الذرية بمقتضى اليد و السيرة و من المعلوم أنه لو لم يكن هنا تمليك لكان الحكم فيها مثل المساجد من غير ان يوجب الأشغال و الغاصب الضمان على الأجرة فلازم هذه السيرة هي الملكية على أن مقتضى الوقف على الذرية يقتضي ذلك بمقتضى مفهوم الوقف فإنه لو كان ذلك مجرد التحبيس لكان المناسب أن يقول الواقف وقفت لهم بحيث يكون لهم لا عليهم و هذا بخلاف التمليك فان الواقف يملك العين الموقوفة لهم و لكن يضيّق دائرة السلطنة على الموقوف عليهم و لا يجعلونهم مطلقا في العين الموقوفة لتكون سلطنتهم سلطنة مطلقة و سلطنة لهم، بل يضيّق دائرة السلطنة عليهم بالشرط في ضمن الوقف و بنفسه نظير الشرط الخارجي بحيث يكون الموقوف عليهم مالكا للمنفعة فقط ملكية مطلقة و أما العين فليس لهم عليها مالكية الّا من جهة ان تكون المنفعة لهم و أما يفعلون للعين الموقوفة بما شائوا فلا و اذن فتكون السلطنة عليهم لا لهم و لذا قال الواقف عند الوقف وقفت عليهم.

169

و بالجملة مقتضى تلك العبارة هي التمليك فإنه لو كان الغرض هو التحبيس لقال وقفت لهم لا عليهم، فان من الواضح انه إذا كان الشخص مالكا لشيء و لم تكن سلطنة مطلقة تكون السلطنة عليهم لا لهم كما هو واضح.

و الحاصل: أنا نستفيد كون الوقف على الذرية تمليكا لا تحبيسا من نفس عبارة الواقف عند الوقف لكونها ظاهرة في التمليك باعتبار التعبير بعلى الظاهرة في تضييق دائرة السلطنة بمقتضى الشرط بمجرد الوقف نظير تضييق الدائرة للسلطنة بالشروط الخارجية.

و اما جواز بيعه، فالظاهر أنه مما لا اشكال فيه كما سيأتي فإن المانع الذي كان في التحرير غير موجود هنا كما لا يخفى، فإن الإضافة المالكية موجودة و تصرف الموقوف عليهم متعذر لفرض عروض الجهة المجوزة للبيع و ليس في البين ما يمنع عن التصرف كأدلة حرمة التصرف في مال الغير فتكون أصالة الإباحة محكمة.

الثالث: ان يكون وقفا عاما كالوقف على العلماء و السادات

و طلاب المدارس و الزوار و الفقراء و نحوها من الجهات العامة و هو على قسمين:-

الأول) ان يكون وقفا للكلي كالوقف على العلماء و الطلاب

كوقف الحمامات و الدكاكين و الاملاك لهم لتكون منافعها ملكا طلقا لهم بحيث يكون حبس الأصل و تسبيل الثمرة لهم بحيث تكون المنفعة لهم و يملكون منافعها و تقسم عليهم كما في القسم الثاني نظير أوقاف على العلماء و طلاب المدارس، فان غلتها تقسم عليهم و يملكون نفس المنفعة و لا يلزم توفية جميع الاقسام هنا كما يلزم في الوقف على الذرية، و غاية الأمر أن الفرق بينهما من جهة أن دائرة الوقف في القسم الثاني تضييق و توسع بكثرة الموقف عليهم و قلتهم بحيث إذا كثروا فتوسع دائرة القسمة و إذا قلّوا فتضيق دائرته و اما في القسم الثالث فهي

170

القسمة على جميع السهام و الموقوف عليهم، بل يجوز الإعطاء لواحد و الاختصاص به لان الوقف لجهة و هي متحقق بواحد لصدق الجهة و تحقق الإعطاء لأهل العلم، و هذا بخلافه في القسم الثاني، فإنه لا بدّ فيه من ملاحظة جميع الموقوف عليهم و توفية القسمة لهم قلّوا أو كثروا و من ذلك يختلف القسمة سعة و ضيقا باختلاف الموقوف عليهم كثرة و قلة و أنه لا بدّ من إعطاء كلهم قسمة حقيقة حتى لو مات أحدهم بعد حصول الغلة فتنقل الى وارثه و هذا بخلافه في القسم الثالث.

ثم ان هذا القسم من الوقف أيضا تمليك لعين ما تقدم في القسم الثاني من اقتضاء نفس مفهوم الوقف، ذلك و أنه لو غصبه غاصب يحكم بضمانه بخلاف التحرير و أن السيرة العقلائية تقتضي أن يعامل مع مثل تلك الأوقاف معاملة الملكيّة لقيامها على الضمان و وجوب الرد على النحو المأخوذ فبالملازمة تدل على الملكية غاية الأمر ملكا للجهة نظير الزكاة و الصدقات و نحوهما و الظاهر أنه لا شبهة في جواز بيع هذا القسم أيضا مع عروض الجهة المجوّزة للبيع فإنه مع وجود المقتضى له و شمول عمومات صحة البيع عليه و عدم وجود المانع عنه فلا شبهة في ذلك فانا نشك في صحة المعاملة عليها مع تعذر استعماله فما أعد له و وقف عليه فنتمسك بأصالة الإباحة و قوله (ع) الوقف على حسب ما يوقفها أهلها ناظر الى حفظ جهة الوقف مع الإمكان لا مع التعذر.

الثاني) ان يكون وقفا على الجهة العامة من دون ان يكون الموقوف عليهم مالكا على المنفعة،

بل مالكا على الانتفاع كما ربما يعتبر تملك الانتفاع بمعنى أن الوقف على تلك الجهة كما أنه ملك لهم مضيقا فكك ملكهم بالمنفعة أيضا مضيق بمعنى أنهم مالكون بمنفعة خاصة أي السكن مثلا و الّا فلا معنى للملك على الانتفاع إذ لا معنى لمالكية الإنسان على فعله بخلافه في القسم

171

المتقدم فإنهم مالكون بالمنفعة مطلقا و ملكا طلقا بحيث لهم بيع تلك المنفعة و هبتها و إذا ماتوا تنتقل الى وارثهم و ان كان أصل الوقف ليس ملكا طلقا لهم و هذا بخلافه في هذا القسم، فان الموقوف عليهم يملكون المنفعة الخاصة ملكا مضيقا كالسكنى مثلا من غير أن يجوز لهم بيعها و إذا ماتوا تنتقل تلك المنفعة إلى الوارث، و من هنا لو غصبه غاصب يضمن الأجرة للجهة لا لخصوص الساكن في ذلك، و هذا القسم كالمدارس و الربط و الخانات و نحوها و الظاهر أن هذا أيضا تمليك للجهة العامة للوجوه المتقدمة و السيرة العقلائية هنا أوضح من السيرة في القسمين المتقدمين، فان هذا القسم من الأوقاف كان موجودا في الزمن الجاهلية أيضا وقفا على طبق مسلكهم فإنها قائمة على ضمان الغاصب فبالملازمة تدلّ على الملكية و مما ذكرناه ظهر ما في كلام المصنف من عطف الرباط و الخانات و القناة على المساجد فإنه فرق واضح بينهما إذ الوقف في المساجد تحرير فلا يجوز بيعه بوجه كما عرفت و لكن الوقف للرباط و الخانات و المدارس ليس تحرير فلا يجوز بيعه بوجه كما عرفت و لكن الوقف للرباط و الخانات و المدارس ليس تحريرا، بل تمليك للجهة العامة فيجوز بيعها فكم فرق بينهما.

و أما المشاهد

فهل هي مثل المساجد أو كأوقاف العامة و يقع البحث فيها في جهتين: الأول) في أرضها، و الثانية) في الآلات التي توقف عليها من السّراج و القناديل و الذهب و الفضة و الفرش و نحوها.

اما الكلام في أرضا: فالظاهر أنها ملحقة بالمساجد و ليست ملكا لأحد بل تحرير محض و من هنا الحقوها بالمساجد في جميع الأحكام الشرعية و عليه فلا يصح بيعها بوجه، بل يعامل معها معاملة المساجد.

و الحاصل: أن الوقف على أنحاء منها ان يكون تحريرا كالمساجد و المشاهد المشرفة فإنها للّه و وقفوها لان تكون معابد للمسلمين من غير أن

172

تكون ملكا لأحد أو لجهة كما أن البيع و الكنائس معابد لليهود و النصارى، من غير أن تكون ملكا لأحد و عليه فلا يجوز بيعها كما عرفت، و اما الوقف للصلاة مثلا فليس بمسجد كما تقدم، و أما لا يكون الوقف تحريرا فيكون تمليكا سواء كان وقفا على الذرية أو وقفا على الكلى كوقف الحمامات و الدكاكين و نحوهما على الكلى كالعلماء و الصلحاء و الفقراء و الزوار و نحوهم من العناوين الكلية بحيث تكون المنفعة ملكا طلقا لهم أو وقفا على الجهة كالرباط و الخانات و القناطر و نحوها فإنها وقف على الجهة لينتفعوا منها فقط بحيث كما ان ملكهم على الوقف مضيق فكك ملكهم على المنفعة أيضا مضيق و ربما يعبر عن ذلك بملك الانتفاع و لكنه لا معنى له، و الوجه في كونه تمليكا هو قيام السيرة العقلائية على ضمان الغاصب لهذه الأوقاف بخلاف المساجد فبالملازمة نكشف كونه تمليكا و هذا لا شبهة في جواز بيعها مع عروض المسوّغ لها كما سيأتي في مسوغات بيع الوقف.

ثم ان هنا قسما آخر من الوقف فيكون به الاقسام خمسة و هو الوقف على الوقف نظير الأوقاف على المساجد و المشاهد و المدارس كما جرت السيرة على وقف الدكاكين و الحمامات و العقار على المدارس و المساجد و المعابد و الظاهر أنها تمليك عليها و ان كانت نفس المساجد و المعابد و الظاهر أنها تمليك عليها و ان كانت نفس المساجد غير مملوكة و ذلك فان قوام الملكيّة انما هو بالإضافة بين المالك و المملوك فتلك الإضافة خفيفة المؤنة فكما يمكن اعتبار الملكية للاحياء و الأموات من ذوي الشعور و العقول، فكك يمكن اعتبارها الغير ذوي الشعور أيضا من الجمادات كما يمكن اعتبارها للكلي و اعتبار الكلى ملكا للشخص مع الإضافة إلى الذمة على ما تقدم.

و بالجملة أن اعتبار الكلى لغير ذوي الشعور من الأشخاص الجمادية ليس أخف من اعتبارها للكلي و اعتبار الكلى ملكا لذوي الشعور كما هو واضح،

173

بل هذا المعنى موجود في بناء العقلاء أيضا مع قطع النظر عن الشرع فان في بنائهم اعتبار الملكية على غير ذوي الشعور.

و عليه فآلات المسجد و أسبابه لا تلحق بالمسجد في الحكم بجواز البيع فان نفس المسجد ليس ملكا لأحد كما عرفت و هذا بخلاف آلات فإنها تمليك للمسجد فيجوز بيعها إذا عرض لها ما يسوغ البيع و لا يبعد، بل من القريب أن من هذا القبيل الموقوفات التي وقفت على المشاهد المشرفة من القناديل و السّراج و نحوهما فإنها تمليك لها لينتفع بها فيها بالمنافع التي أعدت لها و لو كانت هي التزين و تعظيم الشعائر فإنه لا يترتب فائدة على القناديل المعلقة من المشاهد و الجواهر المعلقة مع كونها بأغلى القيم و أعلاها الّا التزيين و التعظيم فلا يجوز بيع شيء منها الّا بعروض مجوّز فليس حكمها حكم المشاهد، فإنك عرفت أنها ليست ملكا لأحد، بل هي تحرير كالإماء و العبيد إذا أعتقوا و هذا بخلاف هذه الأمور فإنها تمليك للمشاهد فيجوز بيعها عند عروض المجوّز و من أخذها يكون ضامنا.

و من هذا القبيل وقف الدكاكين و الحمامات و بقية الأملاك على المدارس و المساجد و المشاهد و لكن فرق بينها و بين آلات المسجد و قناديل الحرم و جواهره التي وقفت للتزيين و التعظيم و هو ان الدكاكين و نحوها وقفت عليها لتكون منافعها لها بحيث تصرف فيها نظير صرف منافع الموقوفات على الكلي في أفرادها فتكون تلك المنافع ملكا طلقا لها و مملوكا شخصيا لهؤلاء و كك منافع تكون ملكا طلقا للمساجد و المشاهد بحيث ان لمتوليها بيع تلك المنافع و تبديلها بشيء آخر من غير عروض مجوّز لها ثم بيع ذلك أيضا و تبديلها بشيء آخر من الدار و الدكان و نحوها و هذا بخلاف الأصل أعني ذي المنفعة فإنه لا يجوز بيعها الّا بعروض المجوّز كما أن ما يكون وقفا للعناوين

174

الكلية أو الذرية تكون منفعتها ملكا طلقا لهم يفعلون فيها ما يشائون بخلاف أصل الوقف الذي حصل منه النفع فحقيقة الوقف الذي عبارة عن تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة موجودة هنا من غير أن يكون تحريرا و هذا بخلاف مثل آلات المسجد و المشاهد و ما كان وقفا لها للتعظيم و التكريم فان نفعها عبارة عن التعظيم فقط فليس لها نفع سواه و سوى التزيين فيكون نظير الوقف على الجهة كالمدارس و القناطر و الربط و الخانات فليس للموقوف عليهم الّا الانتفاع بالتفرج و نحوه، أي انهم ما لكون بمنفعة خاصة لا بجميع منافعا فان مالكيتهم مضيق فيها كتضيق مالكيتهم على أصلها لا أنهم مالكون بالانتفاع فإنه لا معنى للوقف، بان يكون الموقوف عليهم ان يملكون على فعلهم و جملة من تلك الآلات نفعها يكون منحصرا باستراحة الزوار و المصلين و جملة منها تكون ذو جنبتين أى يكون نفعها تعظيما للشعائر و عائدا إلى استفادة الزوار و المصلين و على كل حال فليست وقفا على الجهة، بل وقف على نفس المساجد و المشاهد و تمليك لها و لكن الداعي يختلف تارة يكون انتفاع الناس فقط، و أخرى تعظيم الشعائر من حيث التزيين فقط، و ثالثة يجتمعان و كيف كان فما كان نفعه عائدا إلى الواردين فمن حيث أنهم واردين لهذا المحل و زوارها و المصلين فيها.

ثم انه من هذا القبيل الاجزاء المستحدثة في المساجد و المشاهد كاسقف و الجدران و نحوهما فإنها تمليك لها من غير أن تكون تحريرا و لذا يجوز بيعها بعد الخراب إذا لم يمكن صرفها في نفسها، بل يمكن القول بذلك فيها إذا لم تكن مستحدثة، بل صار وقفا على هذا النحو كما إذا ابني بناء ثم جعله مسجدا، بل الأمر كك في جميع اجزاء المشاهد و المساجد أى ما كان الوقف تحريرا فجميع اجزائها من الأرض و الجدار و السقف و سائر

175

الأجزاء كلّها وقف على نحو التمليك المسجد و المشهد و ان المسجد و المشهد غيرها أى المكان التي تلك الأجزاء موجودة فيها فإنها بحسب التحليل و الدقة ليست بمسجد و مشهد، بل من أجزائها و ان كان يحرم تنجيسها و هتكها الّا أن ذلك من جهة كونها جزء للمسجد و المشهد و تحقيق هذه الدعوى.

أن المسجد انما هو المكان الذي يحتاج اليه كل جسم و يفتقر اليه و ليس هذا المكان عبارة عن الأرض و لا الهواء الموجود في الفضاء، بل هما أيضا من الأجسام المحتاجة إلى المكان، بل المكان و ان كان شيئا يحتاج فهمه الى النظر الدقيق، بل مما يتحير فيه العقول و يختلف فيه أهل الفلسفة أيضا في بحث الاعراض و في بحث غناء الواجب تعالى من المكان و لكن الظاهر و لو بحسب المسامحة العرفية أنه عبارة عن البعد الخالي من كل شيء حتى من الهوى و لذا لو أخرجت جميع اجزاء المسجد من الأرض و السقف و الجدران الى محل آخر و اترس محلها تراب و جص غيرها ترتب حكم المسجد على الاجزاء الجديدة و انسلخت عن الاجزاء الخارجة و هكذا الحكم في غير المساجد من الأملاك الشخصية فإن المكان الذي متعلق حق الناس إذا خلا عن جميع الاجزاء من التراب و الأجر و الجص و بفرض المحال عن الهواء أيضا، بل الى تخوم الأرض بالفرض المحال لو كان الى تخوم الأرض متعلق حق الغير و ان لم يكن كك فان متعلق الحق ما يعتبره العقلاء للملاك من الفوق و التحت و كك في المساجد في غير المسجد الحرام، فإنه ورد روايتين في خصوص مسجد الحرام انه مسجد من تخوم الأرض إلى عنان السماء.

فإذا خليت عن التراب الى تخوم الأرض بالفرض المحال هل يتوهم أحد أن حق المالك زال عن هذا المكان، بل نفس ذلك المكان متعلق حق

176

الغير و ملك له فليس لأحد أن يزاحمه.

و بالجملة أن المكان سواء كان مسجدا أو ملكا لأحد ليس عبارة عن الأرض و الهواء، بل جميعها موجود في المكان و ذلك المكان مسجد و ملك للغير من الفوق و التحت بالمقدار المتعارف لا من تخوم الأرض إلى عنان السماء كما توهم أنه من تخوم الأرض إلى عنان السماء مسجد فإنه بلا مدرك فلو خليت الأراضي من جميع الأجزاء الأرضية، بل الهواء أيضا محالا فالمكان الخالي من الفوق و التحت مسجد و ملك للغير بالمقدار الذي يعتبره العقلاء ملكا في الاملاك و هذا المقدار أيضا مسجد و كك الأمر في المسجد الحرام أيضا فلو خربت الكعبة العياذ باللّه و أخرجت الأحجار و التراب عنها، فلم تزل الكعبة، بل زالت اجزائها بحيث لا فرق بين البناء الموجود فيها و الهواء الموجود في السماء الرابع فان جميعها كعبة و كك الى تخوم الأرض فالكعبية غير قائمة بذلك البناء و الذي يدل على صدق هذه الدعوى مضافا الى ما ذكرناه ما ذكره شيخنا الأستاذ من ان المساجد و كك المشاهد تحرير ملك و فك له إلى الأبد حتى يرث اللّه الأرض بحيث لا ينقلب عما هو عليه بوجه مع أن جدرانها و كك سائر أجزائها عن السقف و غيره لا تبقى إلى الأبد بل تخرب و يتجدد ببناء آخر و لو بعد ألف سنة فلو كان قوام المسجدية و المشهدية بتلك الاجزاء لزالت و لم تبقى إلى الأبد فهو خلف و مناقضة و نكشف من ذلك أن المسجدية غير قائمة بها و انما هي أجزاء المسجد كما لا يخفى.

بقي هنا شيء و هو أن ثوب الكعبة هل هي وقف للكعبة أو للزائرين أو للخدمة و انه على تقدير كونه وقفا للكعبة كيف يجوز أخذه في كل سنة و صرفه في غير مصارف الكعبة.

177

أقول: الظاهر أنه بذل للبيت الى ان يكون لها سنة واحدة فلا يجوز التصرف فيه الى سنة ثم يأخذه المتصدي للكعبة و يتصرف فيه ببذله الى خدمته أو الى رواه كيف شاء، بل سمع أن في المصر موضع وقف على ذلك بحيث أن يصنع منه في كل سنة ثوبا للكعبة.

و بالجملة أن ثوب الكعبة لا يقاس ببقية أموال المساجد و المعابد و المشاهد فإنه لا يجوز التصرف في بقية أموالها بنحو و هذا بخلاف ثوب الكعبة فإنه يجوز التصرف فيها بعد سنة لأنه من الأول جعل هكذا خصوصا لو صح ما سمع ما ذكرناه من تهيئته موضع لذلك في المصر.

و بالجملة ثوب الكعبة ليس وقفا لها ليستشكل فيه بأنه كيف يسوغ بيعه بعد سنة مع كون الوقف مؤبدا، بل هو هدية للبيت ينتفع به الى سنة و لا يجوز لأحد ان يتصرف فيه الى سنة ثم يؤخذ و يتصرف فيه فمن الأول جعل هبة للبيت إلى سنة ثم الى المسلمين أو الخدمة و نحوهم و يشهد على ذلك ما ورد من جواز بيع أستار الكعبة و الانتفاع به كما في رواية مروان بن عبد الملك و اما ما ذكر من عدم جواز التكفين به فمن جهة الاحترام لتنجسه بما يخرج من أسفل الميت.

الكلام في مسوغات بيع الوقف

(قوله: إذا عرفت جميع ما ذكرنا فاعلم أن الكلام في جواز بيع الوقف يقع في صور).

أقول: ذكرت أمور يجوز بها بيع الوقف

منها ان يخرب الوقف

و ان كان المذكور في كلامهم هو ذلك و لكن الخراب ليس موضوعا للحكم، بل موضوع

178

الحكم هو عدم إمكان الانتفاع به و الخراب مقدمة لذلك و من هنا لا ينحصر الحكم بالخراب فقط، بل يجري في كل مورد سقط عن الانتفاع به كما يجري في الخراب أيضا، و ذلك كالدار الموقوفة إذا خربت و كذلك اخشابها و الحيوانات الموقوفة لمسجد إذا ذبحت أو الأعيان الموقوفة إذا سقطت عن الانتفاع بها كالدور غيرها إذا كانت في قرية خربت أو غار عنها أهلها و بقيت الدار الموقوفة مسلوبة عنها المنافع و هكذا الظروف و الأخشاب و الأحجار و نحوها.

فتحصل انه لا موضوعية للخرابية

ثم انه يقع الكلام هنا في جهتين:-

الاولى: من جهة المقتضى و الثانية: من جهة المانع.

اما الكلام في الجهة الأولى، [أي المقتضي]

فحاصل ما ذكره المصنف أن المانع من بيع الوقف أمور، فلا يجري شيء منها في المقام الأول الإجماع.

و فيه ان ادعى الإجماع على عدم جواز بيعه كما هو كك سواء كان إجماعا تعبديا أو له كك، الّا انه لا يجري في المقام إذ لا خلاف في جواز بيعه عند خرباه و سقوطه عن الانتفاع به.

الثاني ما في رواية على بن راشد لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك.

و فيه انها منصرفة الى غير هذه الحالة لأن النظر فيها ان كان الى موردها فلا شبهة ان مورد كلامنا ما يكون الوقف ساقطا عن الانتفاع به و في الرواية ليس كك و لذا فرضت فيها الغلة فلو كانت ساقطة عن الانتفاع بها لم تكن ذات غلّة و ان كان النظر إلى إطلاقها فلا شبهة في انصرافه الى غير هذه

179

الصورة لأن الواقف وقف الأرض لتبقى موقوفة و ينتفع الموقوف عليهم بها لتكون المنفعة ملكا طلقا لهم أو يملكون بالمنفعة الخاصة المعبر عنها بملك الانتفاع بالمعنى الذي ذكرنا و الّا فلا معنى للوقف لان يملك الموقوف عليهم بفعلهم فإذا سقط الموقوفة عن هذه الحالة فتخرج عن لزوم إبقائها إلى الأبد فتخرج عن الوقفية التي كانت عبارة عن حبس العين و تسبيل الثمرة من حيث جواز البيع لا من جميع الجهات ليقال ان لازم ذلك سقوط الوقف عن الوقفية كما تقدم ذلك في توجيه كلام صاحب الجواهر و أستاذه كاشف الغطاء فمن الأول لم يشمل إطلاق الرواية على ذلك و منصرف الى غير تلك الحالة كما ادعاه المصنف (ره) من أنها منصرفة الى غير تلك الحالة.

و اما قوله (ع) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فذكر المصنف أولا أنه ناظر الى وجوب مراعاة الكيفية المرسومة في إنشاء الوقف و ليس منها عدم بيعه بل عدم جواز البيع من أحكام الوقف و ان ذكر في متن العقد و أفاد ثانيا و لم سلم أن المأخوذ في الوقف إبقاء العين فإنما هو مأخوذ فيه من حيث كون المقصود انتفاء البطون به مع بقاء العين و المفروض تعذره هنا.

أقول: لا وجه لما أفاده أولا فإنه يرد عليه أولا انه مناقض لما استدل به سابقا على عدم جواز بيع الوقف، و ثانيا: أنه لا وجه لتخصيص الرواية بالكيفيات مع شمول إطلاقها للبيع أيضا فيحكم بعدم جواز بيع الوقف و عدم جواز التصرف فيه على غير جهة قصد الواقف أخذ بالإطلاق.

و ثالثا: على فرض عدم شمولها للكيفيات فالأدلة الأخرى الناظرة على إمضاء الوقف على طبق المعنى اللغوي الذي عبارة عن الحبس و السكون و على طبق المعنى الشرعي الذي ذكره الفقهاء اعنى حبس العين و تسبيل الثمرة كافية في الماضية فلم ترد لأدلة المانعة على نحو التعبد فعدم جواز

180

بيع الوقف ليس للتعبد، نعم ما افاده ثانيا من اعتبار إبقاء العين في مفهوم الوقف و لكن اعتبر ذلك مقيدا بانتفاع البطون فمع عدم إمكان الانتفاع فلا يكون حقيقة الوقف متحققة هنا من حيث جواز البيع فقط لا من الجهات الأخرى بحيث يكون الوقف مطلقا باطلا فحينئذ لا تمنع عن البيع الأدلة المانعة بوجه لما عرفت انها مسوقة لإمضاء ما اعتبر في مفهوم الوقف فقط و ليست ناظرة إلى جهة التأسيس فمع انتفاء حقيقة الوقف و مفهومه من جهة جواز البيع فلا تبقى في البين أدلة الإمضاء أيضا.

أما الكلام في جهة الثانية [أي المانع]

فهو ما أشار إليه

بقوله، و الحاصل أن الأمر دائر بين تعطيله حتى يتلف، إلخ.

أقول: انه لا إشكال في وجود المقتضى لبيع الوقف إذا عرضه ما يوجب سقوطه عن الانتفاع به و تحقيق ذلك ان الأمر حينئذ دائر مدار تعطيل الوقف حتى يتلف و بين انتفاع البطن الموجود به و بين تبديله لينتفع به البطن المتأخر و الظاهر جواز تبديله بل لزومه لينتفع به البطن الموجود و البطون المتأخرة و ذلك فإن العبارة المقترنة بكلمة الواقف حتى يرث اللّه الأرض و من فيها مع كون العين الموقوفة مما لا بقاء لها إلى الأبد قطعا مع عدم المعنى لوقف المنقطع تدل على ان الخصوصية غير دخيلة في العين الموقوفة و أن الملحوظ فيها انما هي طبيعي المالية في ضمن اى شخص كان فما دام يمكن الانتفاع بعينها فبها و الّا فيبدّل بعين أخرى عن جنسها أو من غير جنسها فينتفع بها مثلا لو وقف عبدا أو حمارا أو شيئا آخر مما لا دوام فيه على صلاح المسجد حتى يرث اللّه الأرض و من عليها فلا بد و أن يكون نظر الواقف إلى طبيعي المال و الّا فلا معنى لتعقيب كلامه بهذه العبارة لعدم كونها قابلة للبقاء فإذا سقطت عن الانتفاع بها يبدل بشيء آخر فينتفع به و هكذا لتبقى إلى

181

الأبد الّا ان يعرضه بشيء و يهلكه فحينئذ ينتفي الموضوع و هكذا الأمر في العين التي تصلح للبقاء و لكن عرض لها ما يسقطها عن الانتفاع بها كالدار الموقوفة في قرية فإنه إذا غار أهلها سقطت هذه الدار عن الانتفاع بها فحينئذ يجوز بيعها و تبديلها بشيء آخر فلا يصرف ثمنها الى الموجودين لينقطع الوقف و ان كانت لعرصة هذه الدار بقاء لما عرفت أن غرض الواقف انما هو البقاء الى أن يرث اللّه الأرض و من فيها و الإتلاف مناف لغرض الواقف و من هنا اندفع ما توهم من أن الأوقاف التي لا بقاء لها فإنما تصير ملكا طلقا للبطون اللاحقة فيجوز لهم أن يفعلوا فيها ما يشائون على أن لازم ذلك أن يجوز بيعها بمجرّد موت الطبقة السابقة و ان لم يعرض للوقف ما يسقطه عن الانتفاع به و هو خلاف البداهة.

و يؤيد ما ذكرناه أن الأوقاف و لو كانت من قبيل الربط و الخانات لا بقاء لها إلى الأبد فمع ذلك أى معنى لاقتران صيغة الوقف فيها بأنها وقف الى ان يرث اللّه الأرض و من فيها أي ينفى ما سوى اللّه كما ذكرت هذه الجملة في وقف على (ع) في الرواية المتقدمة الحاكية عن ذلك فيعلم من ذلك ان المراد هو ما ذكرناه، نعم مع كون العين الموقوفة هي الأرض فتكون العرصة الخالية من كل شيء قابلة للبقاء.

و من هنا اندفع ما في المتن من انه إذا كان الوقف مما لا يبقى بحسب استعداده العادي إلى آخر البطون فلا وجه لمراعاتهم بتبديله بما يبقى لهم فينتهي ملكه الى من أدرك آخر أزمنة بقائه و لعله الى ذلك أشار بالأمر بالتأمل.

و يضاف الى جميع ما ذكرناه العمومات الدالة على صحة المعاملات من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فإنها تقتضي صحة بيع

182

الوقف إذا سقط عن الانتفاع بها فان المانع عنها انما كانت هي الأدلة الدالة على عدم جواز بيع الوقف فإذا سقطت هي عن المانعية فتكون هي محكمة و مقتضية لجواز البيع كما لا يخفى.

و بالجملة أن أدلة عدم جواز بيع الوقف فيما إذا كانت العين الموقوفة باقية على حالها و أمكن الانتفاع بها في الجهة التي وقفها الواقف لأجلها و إذا سقطت عن الانتفاع بها لم تكن مشمولة لها.

و بعبارة أخرى أن ما دلّ على المنع عن بيع الوقف ليس وارد على نحو التعبد، بل إمضاء لما أنشأه الواقف من جعله ساكنا و غير متحرك بالبيع و الهبة و جعله مهرا للزوجة و غيرها من التصرفات كما يقتضيه مفهوم الوقف أيضا و إذا سقطت العين الموقوفة عن الانتفاع بها ارتفع المنع عن بيعها و خرجت العين عن الوقفية من هذه الجهة و جاز بيعها كما لا يخفى.

ثم انه يقع الإشكال في أنه بعد ما جاز بيع الوقف مع عروض ما يخرجه عن الانتفاع بها و بدل بشيء آخر فكيف يصير ذلك وقفا كمبدله مع عدم تعلق الإنشاء من الواقف عليه.

و على تقدير تعلق الإنشاء به فلا فائدة فيه فإنه لا يملك بالبدل حين وقف المبدل فما لا يملكه لا يجوز وقفه لانه لا وقف إلّا في ملك و بعد تبديله بالثمن فليس ملكا للواقف و على تقدير رجوعه الى ملكه لا يكون وقفا إلّا بإنشاء جديد فهو منفي، بل مقتضى القاعدة حينئذ أي مع الرجوع الى ملكه اما كونه ملكا للواقف على تقدير حياته و للورثة مع موته و هذا هو الذي يقتضي كون البدل وقفا للبطون جيلا بعد جيل لا ما ذكره المصنف من كون الملكية للموجودين فعلية و للمعدومين شاتية فإن الملكية الشأنية للمعدومين موجودة في أموال جميع الناس بالنسبة إلى الورثة فليس منحصرا بالمقام، بل ملكية

183

المعدومين انما هو بإنشاء الواقف لا أن المعدومين يتلقون الملكية من الموجودين بموتهم كما يوهمه ظاهر عبارة المصنف و ان لم يكن مرادا له فان مراده هو ما ذكرناه.

و الذي ينبغي ان يقال ان الإنشاء و ان تعلق بالعين الشخصية الموجودة في الخارج و لكن لا خصوصية للخصوصية الخارجية في العين الموقوفة و انما هي هذه العين الخارجية مع لحاظ المالية العارية عن الخصوصية الشخصية فهذه المالية في هذه العين الموقوفة الخارجية ما دامت موجودة و بعدها تكون باقية في العين الآخر مع التبديل و اذن فالمالية المحفوظة مع الإمكان متعلق الوقف فلا فرق في كونها وقفا بإنشاء الواقف و هذا و الخدشة فيه في مقام الثبوت.

و اما في مقام الإثبات فالقرينة على ذلك كون الوقف مؤبدا الى ان يرث اللّه الأرض و من فيها و عدم إمكان إبقاء العين إلى الأبد فيعلم من ذلك أن الوقف انما تعلق بشيء له أمد حسب طول الزمان بقدر الإمكان غاية الأمر ما دامت العين الموقوفة بشخصها باقية فخصوصياتها أيضا متعلق الوقف حين الإنشاء و لذا لا يجوز تبديلها قبل عروض المجوّز اذن فالبدل وقف بإنشاء نفس الواقف لا بإنشاء آخر على أنه لو كان ملكا للبطن الموجود لا تنقل حق كل منهم بمجرد موته الى وارثه مع أنه ليس كك.

ثم انه يقع الكلام في جهات:-

الاولى: هل البدل ملك للواقف أو للموجودين أو حكمه حكم الأصل في كونه وقفا

فالظاهر أنه وقف كأصله فليس ملكا للواقف و لا للموقوف عليهم إذ لا مقتضى له، بل ملك للموقوف عليهم ملكية قاصرة لا ملكية مطلقة و بدل على ذلك نفس جواز بيع الأصل مع عروض المجوّز فإنه لو كان ذلك ملكا للموقوف عليهم

184

لم يكن وجه لجواز البيع و لا للزومه، بل يكون ملكا لهم بمجرد عروض المجوّز فيعلم من ذلك ان الموقوفة أمر قابل للبقاء فما دام يمكن بقائها في العين الخارجية فبها و إذا توجّه الى الزوال فيباع فيبدل بشخص آخر كما عرفت مفصّلا و لو كان ذلك ملكا للموقوف عليهم الموجودين لكان حق كل منتقلا الى وارثه بموت واحد منهم و ليس كك.

و الذي يوضح ذلك و كون البدل وقفا أنه لو أتلفه أحد فهل يتوهم أحد أن ما ضمنه يكون للموقوف عليهم بل لا شبهة في كونه وقفا كالأصل و يجعل مقامه و تثبت لهم الملكية لها ملكية قاصرة بمعنى ليس لهم أن يفعلوا في البدل، ما شائوا من الهبة و البذل و جعله مهرا للزوجة إلّا جواز البيع و من هذا القبيل المثلان الذان ذكرهما المصنف.

الأول: ان دية العبد المقتول مشترك بين البطون فثمنه أولى بذلك حيث انه بدل شرعي يكون الحكم به متأخرا عن تلف الوقف فجاز عقلا مع سراية حق البطون اللاحقة إليه بخلاف الثمن فإنه يملكه من يملكه بنفس خروج الوقف عن ملكهم على وجه المعاوضة الحقيقية فلا يعقل اختصاص العوض بمن لم يختص بالمعوض.

الثاني: أن بدل الرهن الذي حكموا بكونه رهنا لأن حق الرهنية متعلق بالعين من حيث أنه ملك لمالكه الأول فجاز أن يرتفع لا الى بدل ارتفاع ملكية المالك الأول بخلاف الاختصاص الثابت للبطن المعدوم فإنه ليس قائما بالعين من حيث انه ملك البطن الموجود، بل اختصاص موقت نظير اختصاص البطن الموجود منشئ بإنشائه مقارن له بحسب الجعل متأخر عنه في الوجود.

و بالجملة تعلق غرض الواقف بدوام الوقف و كونه مؤبدا و جواز بيعه إذا

185

عرضه ما يسقطه عن الانتفاع به و كون بدله وقفا في موارد الإتلاف و الغصب كما أن بدل الرهن رهن جميعها يدل على كون البدل قائما مقام المبدل بعد البيع كما هو واضح.

نعم، بعد ما كان حكم المبدل جاريا على البدل فهل يحتاج إلى صيغة الوقف أم لا يحتاج، فالظاهر أن هذا الاحتمال احتمال لغو و ذلك لأن البدل ان كان بمجرد الشراء و البيع وقفا فلا يحتاج إلى الصيغة ثانيا لأنه تحصيل الحاصل و ان لم يكن وقفا بان كان يرجع الى ملك الواقف فما الذي أوجب كونه وقفا، بل يبقى في ملك الواقف مع وجوده و ينتقل الى ملك الوارث مع موته و كك إذا كان ملكا للموقوف عليهم.

و بالجملة لو قلنا باحتياجه إلى الصيغة فلا بد و ان يكون ملكا لشخص في الزمان الفاصل بين البيع و إجراء الصيغة و أى ملزم لإجراء الصيغة و الوقف ثانيا: مع كونه ملكا لأحد، بل له أن لا يوقفه ثانيا.

و ينبغي ان يقال أن البدل وقف من دون احتياجه إلى الصيغة أما كونه وقفا فكما عرفت و اما عدم احتياجه إلى الصيغة فلما عرفت أيضا من أنه مع الاحتياج إليها يلزم ان لا يكون وقفا و لو بالمقدار الفاصل بين البيع، و الوقف و بعده فما الملزم للمالك لان يوقف ذلك ثانيا إذا أراد ان لا يوقف مع انا نقول بالوقفية مطلق على ان البيع تبديل شيء بشيء في جهة الإضافة فما يكون وقفا ملك للموقوف عليهم في غير موارد التحرير فإذا بدل بشيء آخر يكون البدل أيضا قائما مقام المبدل و ملكا للموقوف عليهم نظير بيع الزكاة فإن بدلها يقوم مقام المبدل فيكون زكاة و هكذا في جميع الموارد كما لا يخفى.

(و في حاشية الايروانى صفحة 175 ما يرجع الى ذلك).

186

الجهة الثانية: فهل يترتب حكم المبدل على البدل

بمعنى انه كما كانت مالكية الموقوف عليهم بالنسبة إلى الوقف قاصرة، فكك مالكيتهم على البدل، أو ليس كك الظاهر أن حكم المبدل ترتب على البدل من جميع الجهات، فلا يجوز إعدامه و لا هبته و لا جعله مهرا للزوجة و لا أكله، لو كان مثل الشاة و نحوها إلّا في جواز البيع مطلقا فإن الأصل لا يجوز بيعه الّا مع عروض المجوّز و هذا بخلاف البدل فإنه يجوز بيعه و ان لم يعرضه المجوّز و الوجه في ذلك هو أن إنشاء الواقف تعلق بالمبدل مع لحاظ ماليته بحيث جعل العين الشخصية الخارجية وقفا باعتبار ماليته ليكون الموقف قابلا للبقاء فما دام شخص الخارجي موجود لا يجوز بيعه الّا مع عروض المسوّغ و إذا انتقل الى البدل فلا يفرق في البدلية بين هذا و ذاك و لذا لو رأى المتولي مصلحة في البيع فيجوز له بيعه أى البدل ثم تبديله بفرد آخر و أن لم يعرضه المسوّغ بخلاف الأصل فإن بدل لما يجوز بيعه فلو لم يجز بيع البدل لزم كون الفرع زائدا على الأصل و من هنا جاز بيعه بدنانير اليوم مع انه لا ينتفع بها إلّا بإعدام الموضوع لكونه قرطاسا فلا معنى في كون القرطاس وقفا.

نعم، لو كانت الدنانير من الذهب فجاز وقفها لزينة النساء لاحتياجهم إليها في عرسهم فمن ليس له ذلك فتتزين بها أياما ثم يردها الى محلها و هكذا يأخذها الأخر.

فلو لم يجز بيع البدل، قبل عروض المجوّز لم يجز بيعه من الأول بالدنانير الفعلية.

و بالجملة كما ان الموقوف عليهم مالكون على الوقف ملكيّة قاصرة فكك مالكيتهم على البدل قاصرة فكما أن الأصل جاز بيعه فكك الفرع و الّا لزاد

187

الفرع على الأصل الّا أن في البدل خصوصية لا يحتاج الى عروض المجوّز و هي ما ذكرناه.

و دعوى كون البدل أيضا وقفا مع الخصوصيات الخارجية الشخصية دعوى جزافية لاحتياجه إلى الإنشاء الأخر من الواقف فهو منفي و الإنشاء الواحد لا يتكفل بكون الأصل و الفرع بخصوصيتهما وقفا كما لا يخفى.

و دعوى أن كون البدل بالخصوصيات الشخصية وقفا لا يقتضي تعدد الإنشاء و الّا لزم تعدده في المبدل أيضا دعوى جزافية فإن الواقف إنشاء كون العين الخارجي وقفا بجميع شئونها إلّا إذا عرضه المسوّغ فيجوز بيعه فإذا بيع ينتقل الحكم الى البدل من جهة المالية و يترتب عليه جميع أحكام المبدل في حالة جواز البيع فحيث كانت الملكية عليه قاصرة فكك الملكية على البدل بمعنى انه لا يجوز التصرفات المالكية فيها الّا البيع كما عرفت.

و ذكرنا الى هنا أن الوقف إذا عرضه ما يسقطه عن الانتفاع به فيجوز بيعه و أن الأدلة المانعة أيضا لما إنشائه الواقف من حبس العين و تسبيل الثمرة فلا تشمل صورة تعذر الانتفاع لعدم كون تلك الأدلة تعبدية كما عرفت أن حكم البدل حكم الأصل من جميع الجهات فكما أن ملك الموقوف عليهم على المبدل ملكية قاصرة فكك ملكهم على البدل بمقتضى الإنشاء و الأدلة المانعة و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فكما يجوز بيع المبدل و كك يجوز بيع البدل فإنه بدل لما يجوز بيعه فلو لم يجز بيعه فكان الفرع زائدا عن الأصل.

الجهة الثالثة: فهل يجب شراء المماثل للوقف بقدر الإمكان أم لا

بل اللازم مراعاة الأصلح فالاصلح على حال الموقوف عليهم و ان كان غير مماثل فإنه ذكر أن للعين الموقوفة ثلاثة حالات العين بخصوصياتها الشخصية و العين بخصوصياتها النوعية و العين بمالها من المالية فإذا انتفت

188

العين بخصوصياتها الشخصية فتبقى فيها الحالتان الآخرتان، و اذن فيجب شراء المماثل للوقف الحاوي للخصوصيات النوعية و الجهة المالية و ذكروا ذلك في باب الضمان أيضا فحكموا بالضمان بالمثل كما حققناه مفصلا.

و فيه أنه ممنوع صغرى و كبرى كما ذكره المصنف، اما الوجه في منع الصغرى هو أن غرض الواقف يختلف في ذلك فان غرضه ليس دائما متعلقا ببقاء العين و مع انتفائها ببقاء ما هو أقرب الى العين ليحكم بوجوب شراء المثل بقدر الإمكان.

إذ قد يتعلق غرضه بالانتفاع من منافعه من غير ملاحظة خصوصية العين سواء كانت دارا أو دكانا أو غيرهما فحينئذ لا بدّ من مراعاة ما هو الأصلح لحال الموقوف عليهم فإن الموقوفة و ان كانت دارا مثلا، و لكن منافع الدكان من حيث الأجرة و عدم احتياجه الى التعمير كثيرا كما احتاجت الدار إليه أكثر فيجوز بيع الدار و شراء الدكان بدلها و هكذا و قد يكون غرض الواقف بقاء عين الموقوفة بقدر الإمكان كما إذا كان كتابا مخطوطا بخط جده أو بخط واحد من الأكابر فأراد الواقف بقائه تحت يد الذرية فوقفه عليهم فان النظر انما تعلق بحفظ هذه العين الموقوفة فإذا تعذر حفظها و جاز تبديلها ببدل فيجوز أيضا التبديل بأي شيء كان فان ما تعلق به غرض الواقف قد فات بفوات العين و لا يفرق في غرضه تبديلها بأي شيء كان.

و قد يكون غرضه متعلقا بالانتفاع بثمرته كما لو وقف بستانا لينتفعوا بثمرته فيبيع فدار الأمر بين أن يشترى بثمنه بستانا في موضع لا يصل إليهم إلّا قيمة الثمرة و بين أن يشترى ملك آخر يصل إليهم أجرة منفعته فإن الأول و ان كان مماثلا الّا أنّه ليس أقرب الى غرض الواقف و قد يكون غرضه متعلقا بالانتفاع بمنفعة خاصة كالسكنى فحينئذ يلزم التبديل بما يكون قابلا لذلك.

189

و بالجملة أنه لا انضباط في غرض الواقف ليكون متعلقا ببقاء العين بجهاتها الثلاثة و مع انتفاء الخصوصيات الشخصية تلاحظ فيها الجهة النوعية و المالكية، بل الوقف ما دام موجودا بشخصه لا يلاحظ فيه الّا مدلول كلام الواقف للأدلة الخاصة و لدليل وجوب الوفاء بالعقد.

و توهم ان الشرط الضمني يقتضي شراء الممثال فاسد فإنه ليس هنا شرط ضمني أولا و على تقدير وجوده فلا يكون مخالفته الّا غير مشروع أو موجبا للخيار و أما فساد البيع بغير المماثل فلا وجه له و إذا بيع و انتقل الثمن الى الموقوف عليهم لم يلاحظ فيه الّا مصلحتهم.

و أما الوجه في منع الكبرى فلانه لا دليل على مراعاة المماثلة أصلا و انما اللازم ملاحظة مدلول كلام الواقف في إنشاء الوقف ليجري الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فحيث عرفت أن ملاحظة كلامه من العبارة المقترنة عليه أعني الى أن يرث اللّه الأرض و من فيها تقتضي أن تكون العين الموقوفة إلى الأبد فإذا كانت قابلة للبقاء فلا كلام لنا فيه كالعرضة الخالية من العمارة و الأشجار و نحوها و الّا فلا بدّ من التبديل الى ما يكون باقيا و لو بالتبديل على مرات و لا يستفاد من ذلك أزيد من وجوب تبديل العين الى البدل إذا عرضها الخراب و اما كونه مماثلا للعين فلا يستفاد من ذلك و لا عليه دليل آخر يدل على اعتبار التماثل كما لا يخفى.

و لا يقاس ذلك بباب الضمان فان مقتضى دليل الضمان فيه هو الضمان بالعين و ردها بجميع خصوصياتها الشخصية و النوعية و المالية فحيث أنه لا يمكن ردها بخصوصياتها الشخصية لامتناع اعادة المعدوم و على تقدير إمكان الإعادة فهو ليس بقادر على اعادة الخصوصيات الشخصية فقهر اتصل النوبة إلى الضمان بالمثل و مع عدم إمكانه أيضا فالى الضمان بالقيمة ففي

190

باب الضمان فالعين تكون مضمونة أولا و مع الانتفاء فالمثل و مع الانعدام فالقيمة و هذا بخلاف المقام فان الدليل هنا أعني ملاحظة إنشاء الواقف لا يقتضي أزيد من إبقاء الوقف بجميع خصوصياتها الشخصية ما دامت العين باقية فإذا انتفت العين يكون بدله وقفا بعد البيع و الشراء فيجلس البدل مكان المبدل بما هو طبيعي البدل لا البدل المماثل كما لا يخفى.

نعم لو اشترط الواقف عند إنشاء الوقف مراعاة الممثالة في التبديل و أخذ البدل يجب مراعاته بمقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المؤمنون عند شروطهم و الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها أو يقفها أهلها و هذا أمر آخر لا يرتبط بالتبديل بدون الاشتراط.

الجهة الرابعة: في أنه إذا احتاج الى التبديل فهل يتصدى به الحاكم الشرعي أو الموقوف عليهم

أو الناظر أو يحتاط بالجمع بين الحاكم و الناظر كليهما كما صنعه شيخنا الأستاد أو يتصدى الموقوف عليه مع نصب الحاكم القيم على البطون المتأخرة وجوه.

و الذي ينبغي أن يقال انه يجب مراعاة نظر الواقف بأنه بأيّ كيفية أنشأ الوقف فان كان نظره كون الوقف للموقوف عليهم و مالكيتهم عليه من دون أن يكون لهم السلطنة على الوقف، بل السلطنة من جميع الجهات بيد الناظر للوقف و متوليه فحينئذ ليس للموقوف عليهم و لا للحاكم أن يتصدى بالبيع أصل، بل المتصدي بذلك هو الناظر فقط أما الحاكم فواضح، لأنه ولى من لا ولى له، و الناظر ولّى الوقف فيتصرف فيه على النحو الذي جعله الواقف متولّيا للوقف لان الناس مسلطون على أموالهم، فيتصرف فيه كيف يشاء فله أن يقفه و يجعل تولية الوقف للغير و لا يكون للموقوف عليهم إلّا الملكية فقط لئلا يقع بينهم النزاع و التشاجر لو كان أمر الوقف بيديهم.

191

و من هنا ظهر عدم كون الموقوف عليهم متصدّيا بالبيع، فان الواقف مالك على العين فله ان يفعل فيها ما يشاء فإذا وقفها للموقوف عليهم و جعل سلطنتها تحت يد الناظر فيتبع فلا يكون للموقوف عليهم إلّا ملكية قاصرة من غير أن يقدروا على التصرف فيه غير أنهم مالكون له فلهم منافعه، و اما السلطنة عليه فهي بيد الناظر.

و بالجملة ان الموقوف عليهم و ان كانوا مالكين للعين الموقوفة الا انهم قاصرون عن التصرف فيها لعدم سلطنتهم عليها من قبل الواقف بل سلطنته تحت يد الناظر فقط بجعل الواقف كما هو واضح.

و ان لم يكن هنا ناظر و لم يجعل الواقف أمر السلطنة للناظر و للحاكم بل وقف العين للموقوف عليهم غير تعرّض لهذه الجهات بوجه فحينئذ يكون أمر الوقف بيد الموقوف عليهم و تكون سلطنته لهم لان الملك لهم و الناس مسلطون على أموالهم، فليس للحاكم و لا لغيره التصرف فيها بوجه، بل يكون تصرفات غير الموقوف عليهم تصرفا محرّما فإنه لا دليل على ولاية الحاكم على ذلك كما تقدّم اللّهم الّا أن يقال ان الحاكم ولى من قبل المعدومين فإنهم أيضا مالكون للوقف و لكن قاصرين عن التصرف فيه فيكونون كبقية القاصرين و من الواضح أن الحاكم الشرعي ولّى القهر.

و فيه أولا أنه لا كلية لذلك بأن يكون البطن الثاني قاصرا عن الوقف لكونه مع المعدومين لجواز وجودهم و وجود البطن الثالث، نعم يصح هذه الدعوى في غير الموجودين، فلا وجه لدعوى كون الحاكم وليّا لغير البطن الموجود لقصورهم على الوقف للعدم.

و ثانيا ان المعدومين ليسوا مالكين للوقف و لا أن لهم حقا فيه بالفعل ليكون الحاكم وليّا لهم في حفظ حقهم غاية الأمر أن الواقف جعل لهم في

192

إنشاء الوقف حقا تعليقيا بمعنى إذا ماتت الطبقة الأولى فتنتقل الموقوفة إلى الطبقة الثانية لا إلى الورثة و عليه فلا موضوع لولاية الحاكم لهم أصلا.

ثم ذكر المصنف في ضمن هذا الفرع فرعا آخر و هو أنه بناء على كون نظارة الوقف للحاكم أو للناظر أو للموقوف عليهم في البيع و نحوه فهل للناظر على الأصل نظارة للبدل أيضا فيصدى هو ببيعه و شرائه أم لا؟

و الظاهر أن هذا أيضا تابع لقصد الواقف و جعله كما ذكرناه في رجوع أمر الأصل إلى الحاكم أو الى الناظر أو الى الموقوف عليهم فمع الإطلاق فيكون للموقوف عليهم لان الناس مسلطون على أموالهم.

قوله: ثم انه لو لم يمكن شراء بدله و لم يكن الثمن مما ينتفع به.

أقول: فذكر المصنف هنا فروعا الأول أنه إذا لم يمكن شراء البدل للمبدل و لم يكن الثمن مما ينتفع به مع بقاء عينه لكونه من النقدين، فقد عرفت أن النقدين لا يجوز وقفهما لعدم إمكان الانتفاع بهما إلّا بالأعدام إلّا إذا كانا من الذهب و الفضة و قصد بهما التزيّن فإنه يجوز وقفهما لذلك و أما في غير هذه الصورة خصوصا النقود الفعلية القرطاسية فلا يجوز وقفها و عليه فلا يجوز دفعها الى البطن الموجود لما عرفت من كون البدل كالمبدل مشتركا بين جميع البطون فحينئذ توضع عند أمين حتى يتمكن من شراء ما ينتفع به و لو وجد في ظرف التفحّص من يبيع الدار مثلا ببيع خياري يفي ثمن الوقف بشرائه كما إذا كانت هناك دار تساوى ألف دينار فيبيعها المالك بالبيع الخياري بخمسة مائة دينار و كان ثمن الوقف أيضا خمسة مائة دينار فيجوز ذلك فان فسخ البيع بعده فيرد الثمن مع انتفاع الطبقة الموجود في البين و ان لم يفسخ فيكون بدل الوقف أقوى و انفع من الوقف فينتفع به الموجودين و المعدومون.

193

ثم قال و لو طلب ذلك البطن الموجود فلا يبعد وجوب اجابته و لا يعطل الثمن حتى يؤخذ ما يشترى به من غير خيار.

أقول:

و في كلامه (قدس سره) جهات من البحث:-

الاولى: أنه هل يجوز بيع الوقف بالدرهم و الدينار

خصوصا إذا كانت مما لا ينتفع به الّا بإعدام موضوعه (قال المحقق الايروانى ان البدل لا بدّ و ان يكون عينا صالحة لأن توقف من جهة اشتمالها على المنفعة فلو كان مما لا منفعة فيه كالدراهم لو فرضنا ذلك فيها لم يجز جعله بدلا).

و الوجه في ذلك هو ان الواقف جعل ماله وقفا على الموقوف عليهم مؤبدا بحيث يحبس أصله و يسبل ثمره و ما لا نفع فيه الّا بإعدامه فلا يكون قابلا للبدلية، نعم لو قصد به التزيّن فلا بأس من جعله بدلا و لكنه أمر نادر الوجود.

و يرد عليه أمران: الأول) أن الوقف و ان كان مؤبدا و لكن يجوز تبديلها بالنقود و ان لم ينتفع بها إلّا بإعدام موضوعها و ذلك من جهة ان غرض الواقف انما هو بقاء الأصل و تحبيسه و تسبيل الثمرة و من المعلوم أن هذا لا يكون الّا بالبيع، فان كثيرا من الأعيان الموقوفة ليست قابلة للبقاء فلا بدّ من التبديل و تبديل عين الوقف بعين أخرى لا يوجد الّا قليلا فإنه قلما يوجد من يرغب ان يبدل الدار مثلا بالدكان فانتظار ذلك ربما ينجر الى خراب الوقف و فنائه، فلا بدّ حينئذ من بيعه بالنقدين لكونه هو الكثير فإذا بيع بها فيشترى بها ما يكون صالحا للبقاء.

و عليه فالنقود ليست بموقوفة بل في طريقة الوقف و صراطه بحيث يسار الى الوقف و جعله مؤبدا بالنقود و الّا فلا يمكن تبديله عادة فإن المعاوضة و المبايعة لا يكون عادة إلّا بالنقود.

194

الثاني: أن الوقف على قسمين: الأول) أن يكون وقفا بشخصه لتعلق إنشاء الواقف به بالخصوص بحيث يكون وقفا بخصوصياته الشخصية فلا يجوز التصرف فيه بوجه، حتى الموقوف عليهم لكون مالكيتهم عليها قاصرة إلّا إذا عرضه ما يجوّز بيعه فيجوز بيعه فليس لهم الّا الانتفاع بها.

و الثاني) ما يكون وقفا لكونه متعلقا لإنشاء الواقف بحسب ماليته بمعنى انه حيث كان غرض الواقف دوام الوقف و أنه لم يكن حبسا ليكون مؤجلا و لم تكن العين الشخصية قابلة للدوام فهمنا من ذلك أن غرضه بقاء المالية بعد ما سقط هذه العين بالخصوص عن الدوام.

و عليه فالبدل بعد التبديل وقف لأجل كونه بدلا عن الوقف و لذا قلنا بعدم احتياجه في كونه وقفا إلى الصيغة كما تقدم، و من الواضح أنه بدل للمبدل في الحالة التي يجوز بيعه في هذه الحالة فالبدل أيضا يجوز بيعه مطلقا و عليه فلا مانع من بيعه بالثمن أى النقود و كونها وقفا بالتبديل لكونها قائما مقام الوقف فيكون وقفا ثم تبديله ببدل آخر و هكذا كما أنه لو بدل الوقف من الأول بالعين الصالحة للانتفاع يجوز تبديلها بعين أخرى أيضا لما عرفت أن البدل ليس كالأصل حتى لا يجوز بيعه، بل هو جائز البيع مطلقا من الأول بل كان قوام البدلية بالبيع و الّا يلزم مزية الفرع على الأصل لأن الفرض أنه بدل لما يجوز بيعه فالبدلية في حالة جواز البيع.

لا يقال انه و ان كان يجوز بيع البدل مطلقا و لكنه لا بدّ و ان يكون في سلسلة الابدال كل واحد من الابدال جائز الانتفاع به و الّا فيكون الوقف لغوا إذ لا معنى لكون شيء وقفا مع أنه عديم النفع.

فإنه يقال يكفي في خروج كون النقود وقفا عن اللغوية كونا بدلا عن الأصل مقدارا من الزمان يمكن تحصيل بدل آخر يكون قابلا للانتفاع به مع

195

بقاء عينه لما عرفت من ندرة تبديل العين الموقوفة بعين أخرى تكون قابلة للانتفاع بها.

و بالجملة لا مانع من الالتزام بكون النقود وقفا في سلسلة الابدال نعم لا تكون وقفا من الأول كما عرفت.

فتحصل أنه لا مانع من بيع الوقف بالنقود ثم اشتراء عين أخرى لينتفع بها الموقوف عليهم.

الجهة الثانية: في شراء العين الصالحة للانتفاع بها بهذا الثمن بالبيع الخياري

و يقع الكلام هنا في أمرين:- الأول: في جواز شراء البدل بالبيع الخياري و عدمه.

الثاني: في اعتبار إذنهم في ذلك و عدمه و انه هل يجب البيع مع مطالبتهم ذلك أم لا.

أما الأول: فربما قيل بعدم جواز ذلك

لأن الوقف يجب أن يكون مؤبدا و البيع الخياري في معرض الفسخ فلا يكون وقفا.

و فيه أنه قد ظهر جوابه مما تقدم من ان وقفية البدل ليس على نسق وقفية المبدل لئلا يصلح للبدلية ما لا يكون قابلا للدوام، بل يجوز تبديل الوقف بكل شيء حتى الخبز الذي نفعه بإعدامه و بالفواكه غاية الأمر يبدل ذلك أيضا بشيء آخر و هكذا فيكون بهذه التبدلات المالية محفوظة التي تعلق غرض الواقف بكونها باقية و ينتفع بثمرها.

و على هذا فلا مانع من اشتراء دار أو دكان بهذا الثمن بالبيع الخياري فإن فسخ البائع فقد حصل النفع للموقوف عليهم الذي كان غرض الواقف هو ذلك، بل معنى الوقف كان هو ذلك لما عرفت من أنه تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة و الثمن أيضا باق على حاله فيشترى به شيء آخر لينتفع به الموجودون

196

و المعدومون، و ان لم يفسخ فقد صار بدل الوقف أحسن منه لكونه يساوى بخمسة دنانير و ما اشترى بثمنه يساوى عشرين دينارا.

أما الأمر الثاني: فالظاهر أنه يجب الشراء

سواء طالب البطن الموجود الشراء أم لا، و لا وجه لتقييد وجوب الشراء بصورة المطالبة كما في المتن و ذلك لأن الانتفاع بالوقف و ان كان حقا للبطن الموجود و لكن ليس لهم إسقاط ذلك و لو بالرضا بعدم الشراء ليقف الوقف عن الانتفاع به مدة.

و ذلك لأن كون الوقف بحيث ينتفع به مع بقاء عينه مما جعله الواقف كك فلا بدّ بحسب إنشاء الواقف و إمضاء الشارع له أن يجعل الوقف هكذا فما دام العين موجودة فهو و بعد تبديلها بالعين الأخرى فلا بد و ان يجعل بدله هكذا و ان لم ينتفع البطن الموجود بنفعه أو رضى ببقائه بلا نفع فان رضايته بذلك و عدم رضايته أو انتفائه و عدمه بان لم يأخذ نفعه أصلا ليس ميزانا في المطلب و لا يوجب تغيير إنشاء الواقف.

الجهة الثالثة: في جعل الثمن عند أمين مع عدم التمكن من شراء البدل فهل يجب ذلك أم لا،

بل يجوز دفعه الى الموقوف عليهم فقد عرفت أنه ذكر المصنف أنه حيث كان الوقف حقا للبطون الموجودة و البطون المعدومة و كونهم شركاء في ذلك فان وجد ما ينتفع به البطن الموجود يجب شرائه و لو بالبيع الخياري ينتفع به الموجودين مع بقاء مال الوقف لنفع البطن المعدوم و الّا فلا يجوز دفع الثمن الى البطن الموجود، فإنه كالمال المشترك فهل يجوز دفع المال المشترك الى بعض الشركاء.

اذن فيجب وضعه عند أمين الى ان يوجد ما يمكن ان يكون بدلا للوقف فيشترى به لينتفع به البطن الموجود و البطن المعدوم.

و فيه انك عرفت في بحث الأمس أن المعدومين ليس لهم حق في الوقف

197

أصلا فضلا عن كونهم شريكا فيه و انما العين الموقوفة ملك للموقوف عليهم.

نعم، فالواقف بحسب إنشائه جعله للبطون المعدومة على تقدير موت البطون الموجودة و بقاء العين الموقوفة فليس لهم الا حق تقديري و تعليقي و عليه فيجب دفع الثمن الى البطون الموجودة لكونهم مالكين له و الناس مسلطون على أموالهم.

نعم، لو كان الثمن في معرض الخطر مع الدفع إليهم، بل يجعل عند أمين و لكنه ليس مختصا بثمن الوقف، بل الأمر كك في أصل الوقف أيضا، بل في كل من كان الوقف في يده و لو كان ناظرا و خيف منه لكونه غير مبال في الدين و أكل أموال الناس و الموقوفات فإنه حينئذ يجب استنقاذ الوقف منه و وضعه عند أمين.

قوله: نعم لو رضى الموجود بالاتجار به و كانت المصلحة في التجارة جاز مع المصلحة الى ان يوجد البدل.

أقول: لا شبهة في جواز الاتجار بثمن العين الموقوفة ما لم يوجد البدل مع رضائه الموقوف عليهم و اما بدونها فلا، لأن الناس مسلطون على أموالهم و انما الكلام في أنه هل يكون ربحه كمنافع العين الموقوفة للبطن الموجود أو أنه كالعين في اشتراك البطون فيه وجهان، الظاهر هو الثاني فإن الثمن كالمبيع و ربحه بمنزلة جزء المبيع لا بمنزلة منفعته فلا يختص به البطن الموجود فهذا نظير إعطاء الوقف الذي يساوي بعشرة دنانير و أخذ شيء أخر بدله الذي يساوي بخمسين دينارا فان ما يحاذي بخمسين قائم مقام ما يحاذي بعشرة فيكون كله وقفا كالمبدل و ليس ذلك مثل الإيجار فإن الأجرة من منافع العين الموقوفة فتكون ملكا طلقا للموقوف عليهم.

قوله: و لو كان صرف ثمنه في باقية بحيث يوجب زيادة منفعة جاز.

198

أقول: من جملة ما ذكره المصنف من الفروع أنه إذا خرب مقدار من الوقف و بقي المقدار الأخر كالنصف فبيع النصف الخراب فهل يجوز صرف ثمنه في النصف الأخر ليوجب زيادة النفع أم لا؟ فاختار المصنف جواز ذلك.

و حاصل كلامه: أنه إذا خرب نصف الوقف مثلا و بقي النصف الأخر بحيث يمكن الانتفاع بهذا النصف على النحو السابق، و لكن إذا صرف ثمن نصف الخراب في النصف الباقي يزيد الانتفاع بذلك النصف الباقي كنحو السرداب و ازياد القبة للدار فهل يجوز صرفه فيه أم لا؟ الظاهر هو الجواز، فان الواقف بحسب إنشائه جعل هذه الأرض وقفا بحيث ينتفع بها مع بقاء عينها و استفدنا أيضا من القرائن المحفوفة بكلامه كونه دائميا الى أن يرث اللّه الأرض و من فيها و عليه فلا يفرق في حال الواقف و لا في حال الموقوف عليهم تبديل ثمن النصف الخراب بشيء يكون له نفع في كل شهر مثلا عشرة دنانير أو صرفه في النصف الباقي لتكون إجارته بخمسين دينارا و الحال أن الأجرة كانت قبل التعمير أربعين أو أقل غاية الأمر مع رضائه الموقوف عليهم لما عرفت من كون الثمن ملكا لهم فلا يجوز التصرف في مال غيره الّا برضايته و ما قلنا بكونه دائميا بالقرائن فهو محقق هنا أيضا لأنا لو اشترينا بالثمن شيئا يكون عينا موجودا و إذا صرفناه في التعمير فيكون أيضا عينا موجودا غاية الأمر يكون في الأول بعنوان الاستقلال و في الثاني بعنوان الجزئية فهو لا يفرق في المطلب فإنه على كلا الفرضين أيضا يجوز تبديله بشيء آخر ليكون قابلا للبقاء.

نعم، لا يجوز صرف الثمن في التعميرات التي ليست لها عينية كالتزيينات و نحوها بحيث لا يمكن تبديلها مع الاندراس، و اما مثل الأجر و الأخشاب و الحديد فلا مانع منه، فإنه يمكن تبديلها بعد الاندراس أيضا.

199

و من هنا يعلم انه يجوز صرفه في الوقف الأخر هكذا الذي كان وقفا لهؤلاء الموقوف عليهم لعدم الفرق في ذلك لحصول غرض الواقف بحسب إنشائه و غرض الموقوف عليهم كما إذا وقف الواقف دارا و دكانا فخرب نصف الدار فبيع فيجوز صرف ثمنه في النصف الباقي للدار و في الدكان بحيث في أي منهما صرف يزداد نفعا.

قوله: و لو خرب بعض الوقف و خرج عن الانتفاع و بقي بعضه محتاجا إلى عمارة لا يمكن بدونها انتفاع البطون اللاحقة.

أقول: ذكر المصنف هنا فرعا و رتب عليه فرعا آخر، فحاصل ما ذكره أنه لو خرب نصف الدار الموقوفة و بقي الأخر بحيث يمكن الانتفاع به فعلا و لكن لا يمكن الانتفاع به بعد عشرين سنة و لكن ينقرض البطن الأول إلى تلك المدة و ينتقل الوقف الى البطن الثاني فهل يجب صرف ثمن نصف الخراب في النصف الباقي و تعميره حتى يستمر الى ان يمكن للبطن الثاني الانتفاع به أم لا الظاهر انه لا يجب إلا إذا شرط الواقف تعمير الموقوفة من منافع الوقف فيكون الزائد للموقوف عليهم، بل لا يجوز بدون رضائه الموقوف عليهم لما عرفت من كونه ملكا لهم فلهم تبديله بشيء آخر لينتفعوا به فعلا، و أما حفظ الوقف للبطون اللاحقة لينتفعوا به هؤلاء أيضا فليس بواجب فان نسبة البطن الأول إلى البطن الثاني كنسبة الجوار و الأجانب إلى البطن الثاني فهل يتوهم أحد أنه يجب تعمير الأوقاف التي كانت في معرض التلف فليس كك فالموقوفة فعلا ملك للبطن الأول فلهم الانتفاع به و ليس للبطن الثاني حق فيها الا الحق التقديري بحسب إنشاء الواقف كما عرفت، فبأي دليل يجب أن يصرف البطن الأول أموالهم في حفظ أموال المعدومين مع أن حقيقة الوقف التي تحبيس الأصل و تسبيل الثمرة موجودة فعلا، نعم لو كان

200

الوقف غير منتفع به بالفعل فيجب التعمير و الصرف لتحقق غرض الواقف و لكن ليس الأمر كك، نعم يجب صرفه في التعميرات الجزئية التي يترتب على عدمها خراب الوقف كما إذا سقط ميزاب الدار أو حصل ثقب في سقفه فإنه لو لم يعتمر ذلك لا نجز بنزول المطر الى خراب الوقف و انهدامه و عدم إمكان انتفاع البطن الموجود أيضا فمثل هذه الأمور التي لا يحتاج إلى مؤنة زائدة بل إلى عشرة فلس مثلا يجب، بل يمكن ان يقال أنه على هذا شرط الواقف في ضمن العقد فإنه لو لم يجب تعمير مثل هذه الأمور من منافع الوقف الانهدام في مدة قليلة و خرب و هذه خلاف كونه أبديا.

و بعبارة أخرى تارة يكون الخراب مستندا إلى الأمور الجزئية كما تقدم فلا شبهة في وجوب التعمير و صرف مقدار من المنافع فيه و أخرى يكون مستندا الى الكون و الفساد إذ من البديهي أن الموجودات الخارجية لا تبقى بحسب طبعها أزيد من المقدار المتعارف فإنها بالأخرة تكون فانية حسب طول المدة و مرور الزمان فهذا لا دليل على وجوب التعمير حتى يستمر مدة البقاء حتى يصل الى البطون اللاحقة.

ثم رتب المصنف على هذا الفرع أنه لو احتاج إصلاح الوقف بحيث لا يخرج عن قابلية انتفاع البطون اللاحقة إلى صرف منفعة الحاضرة التي يستحقها البطن الموجود فهل يجب صرفها فيه أم لا؟ فظهر حكمه من الفرع المتقدم و علم أنه لا يجب حفظ المال المعدومين للموجودين بصرف مالهم في حفظه و الّا لوجب لجميع الناس حفظ الأوقاف للبطون اللاحقة بل حفظ المال للوارث إذ لا خصوصية للوقف بعد كون منفعته للحاضرين ملكا طلقا الّا أن يشترط الواقف إخراج مؤنة الوقف عن منفعة قبل قسمة الموقوف عليهم.

201

ثم ذكر المصنف أن هنا فروعا يستخرجها الماهر.

فنذكر فرعين مهمين منها:-

الأول: أنه لو كان الوقف في موضع لا يتمكن الانتفاع للموقوف عليهم و ان أمكن لغيره

كما إذا كان معرض الاستملاك للحكومة فدار الأمر بين ذهابه بان يستملكه الغاصب جورا استملاكا مجانيا أو يباع بثمن فيشترى شيء آخر بدله لينتفع به الموقوف عليهم فلا شبهة في جواز بيع الوقف، بل وجوبه و اشتراء شيء آخر بدله إذ عرفت سابقا أنه لا خصوصية للخراب، بل يسوّغ بيعه إذا عرضه ما يسقطه عن الانتفاع به و أيضا عرفت أن مقتضى الإنشاء للواقف هو أبدية الوقف فلو لم يبع لا يكون دائميا و هذا إذا وقعت الدار الموقوفة في شارع الحكومية فذهب نصفها في الشارع أو لم يذهب أصلا و لكن كان بناء الحكومة أخذها في أطراف الشارع كلها اما بالثمن لو رضى المالك أو مجانا جبرا له ان لم يرض فإنه ح لو لم يبيع الوقف سيملكه الحكومة مجانا فيجب بيعه لئلا يذهب الوقف.

و بالجملة فيجوز بيع الوقف في كل مورد بقيت العين الموقوفة على حالها و لكن لا يمكن للموقوف عليهم الانتفاع بها و ان انتفع غيرهم فإنه ح يجوز بيعها.

الثاني: انه لو علم بزوال الوقف بعد مدة لا يمكن الانتفاع به للموقوف عليهم حتى البطن الأول

كما إذا أوسع شارع فوقعت الدار الموقوفة في وسط الشارع بحيث لا تبقى منها شيء و ليس لها تابوء و قبالة رسمية حتى يؤخذ ثمنه و لكن لا يلتفت الى ذلك أحد فوجد مشتر لها فهل يجوز بيعه أم لا الظاهر انه يجوز، بل يجب لما عرفت من عدم الخصوصية للخراب، بل المناط سقوط العين الموقوفة عن الانتفاع بها مع ما عرفت أن القرينة تقتضي دوام الوقف فلو لم يبع لا يكون للوقف دوام فيجب البيع و تبديله بشيء آخر ليدوم

202

الوقف و تحفظ حقيقة الوقف على ما إنشائها الواقف بحسب إنشائه و هنا فروع آخر فيتضح حالها بالتأمل.

قوله: الصورة الثانية ان يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتد به.

أقول: قد عرفت ان المصنف ذكر هنا صورا، الأول ما تقدم الكلام فيه و هو ما كان الوقف خرابا بحيث خرج عن الانتفاع به حتى بالدقة العقلية كالشاة المذبوح و الحصير البالي و الجدوع العتقة فإنها لا ينتفع بها ببقائها بوجه بل نفعها بإعدامها و الّا فاللحم الباقي ينتن فلا يكون قابلا للانتفاع به و هكذا الأمور الأخر و قد عرفت جواز البيع في هذه الصورة و عدم شمول الأدلة المانعة عن بيع الوقف على ذلك، بل يباع و يبدل بشيء آخر ليكون قابلا للانتفاع إلى الأبد فإن حقيقة الوقف بذلك و يكون العين حبسا و الثمرة تسبيلا كما هو واضح.

ثم ذكر الصورة الثانية و هي أن يخرب الوقف بحيث يسقط عن الانتفاع معتد به بحيث يصدق عرفا أنه لا منفعة فيه، و ان كان له نفع بحسب الدقة العقلية ثم فصل في هذا القسم بين ما يكون الوقف بحيث لا يقال بهذا النفع لقتله فيكون هذا مما يجوز بيعه لانصراف الأدلة المانعة عن بيع الوقف عن ذلك و بين لا يكون كك، بل يقال في العرف ان لهذا العين منفعة و لكن قليلة بالنسبة إلى العين قبل تلك الحالة فهذا لا يجوز بيعه لعدم الوجه عن صرف الأدلة عن ذلك.

ثم ذكر صورة ثالثة و هي ان يخرب الوقف بحيث يقل نفعه لا أنه ينتفي نفعه بالكلية كما في الصورة الاولى، و لا أنه قلت بمرتبة ليلحق بالمعدوم كما في الصورة الثانية، بل تقل منفعته بالنسبة إلى المنفعة قبل عروض تلك الحالة أقول: لم يتحصل لنا شيء مما ذكره المصنف في الصورة الثانية، و ذلك