مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
203

لأنه ان كان مراده من الصورة ما كان الوقف ساقطا عن المنفعة العرفية لأجل الخراب بحيث لم تبق للعين في نظر العرف منفعة أصلا، بل صارت عديم النفع و ان كان لها نفع بحسب الدقة العقلية كما إذا وقف الواقف سريرا و سقط عن السريرية بحيث لا ينتفع به عرفا بعنوان السريرية و لكن يمكن الانتفاع به بوضعه على وراء الباب ليمنع عن السارق أو يذاب حديدة و ينتفع في مورد آخر أو يجعل شباكا على السطوح و نحوها و لكن لا يعد شيء منها من منافع السرير و كك لو وقف حمارا لينتفع به في الحمل و الركوب و لكن سقط عن الانتفاع به لأجل السيارات و مع ذلك يمكن الانتفاع به بان يسدّ في مجرى الباب ليمنع عن السارق فلا يقال أن هذا منفعة الحمار و غرض الواقف من حبس العين و تسبيل الثمرة شامل لذلك و حينئذ فيكون الفرق بين هذه الصورة و الصورة الاولى هو أن في الصورة الأولى فقد سقطت العين عن الانتفاع بها بالكلية بخلاف هذه الصورة فإن للعين منفعة بحسب الدقة العقلية فإن كان مراده من الصورة الثانية هو ذلك فلا وجه للاستدراك ثانيا في هذه الصورة

بقوله، نعم لو كان قليلا في الغاية بحيث يلحق بالمعدوم و أمكن الحكم بالجواز لانصراف قوله (ع): لا يجوز شراء الوقف الى غير هذه الحالة.

فإنه لا وجه للاستدراك بعد ما كان الغرض من الصورة الثانية هو ذلك و ان كان مراد من هذه الصورة سقوط العين الموقوفة عن الانتفاع بها لا مطلقا بحيث تعد في نظر العرف مسلوبة المنافع، بل تقل منفعته كما إذا كانت دار موقوفة و كانت تستأجر في كل سنة بمائة دينار الّا أنه عرض لها الخراب فتستأجر بخمسين دينارا و مع ذلك فلا ينكر أحد أن الدار مما لا منفعة فيها، نعم قد قلت منفعته و حينئذ فالفرق بين هذه الصورة و الصورة

204

الاولى من الوضوح بمكان و ان كان مراده ذلك من الصورة الثانية فلا وجه لذكر الصورة الثالثة فإنها عين ذلك.

و بعبارة أخرى لا وجه لجعل الصورة الثانية صورتين لأنها اما عين الصورة الثالثة أو غيرها فيكون قسما في مقابلها، بل يراد من الصورة الثانية هو الشق الأول أعني ما ذكره المصنف بعنوان الاستدراك فيكون مقابلا للصورة الاولى و الثالثة و لا شبهة في جواز بيعه أيضا فلا يعد هذه المنفعة اللاحقة بالمعدوم من المنافع للوقف في نظر العرف و لا تشمله الأدلة المانعة عن بيع الوقف خصوصا قوله (ع) و لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملك فتكون عمومات صحة البيع محكمة و قد عرفت في الصورة الأولى أيضا أن أدلة المنع منصرفة عن عين الموقوفة إذا صارت عديم النفع، بل لا يشمل ذلك مفهوم الوقف أيضا فإنه إنما يشمل ما تكون العين ذا منفعة ليصدق عليها حبس العين و تسبيل المنفعة كما هو واضح.

ثم ان المصنف قد ذكر هنا أمرين

أحدهما ما تقدمت الإشارة إليها سابقا من قول صاحب الجواهر ببطلان الوقف مع جواز بيعه،

و قال إنه قد عرفت انه لا وجه لبطلان الوقف، ثم ذكر صاحب الجواهر أن وجه بطلان الوقف في الصورة الأولى بفوات شرط الوقف المراعى في الابتداء و الاستدامة و هو كون العين مما ينتفع بها مع بقاء عينها ثم أشكل على هذا أيضا من انه عرفت سابقا أن بطلان الوقف بعد انعقاده صحيحا لا وجه له في الوقف المؤبد مع انه لا دليل عليه مضافا الى أنه لا دليل على اشتراط الشرط المذكور في الاستدامة فإن الشرط في العقود الناقلة يكفي وجودها حين النقل، فإنه قد يخرج المبيع عن المالية و لا يخرج بذلك عن ملك المشتري مع أن جواز بيعه لا يوجب الحكم بالبطلان، بل يوجب خروج الوقف عن اللزوم الى الجواز.

205

أقول: كان المناسب أن ينقل المصنف هذا الكلام لصاحب الجواهر في الصورة الأولى كما نقله كله في أصل بطلان الوقف بجواز البيع فيها و كذلك كان المناسب ان ينقل كلامه الاتى أعني الأمر الثاني في الصورة الاولى و كيف كان فكلام صاحب الجواهر متين و لا وجه لما أورده المصنف عليه، أما قوله ببطلان الوقف بجواز البيع فلما تقدم من انه هو الحق غاية الأمر أن المراد بالبطلان هو البطلان من جهة البيع فقط، و أما الجهات الأخر من الهبة و إعدام الوقف و التصرف فيه بما ينافي الوقف فلا وجه للبطلان.

نعم، لو كان مراد صاحب الجواهر هو البطلان من جميع الجهات، بحيث يعود الوقف الى ملك الواقف و ينقل إلى الورثة لو مات الواقف فلا وجه له إذ لا مقتضى و لا دليل على ذلك فان الواقف بعد ما جعل ماله وقفا و حسبا أبديا كما استفدنا ذلك من القرائن الموجودة في عبارة الواقف فبأي دليل يعود الوقف الى ملك الواقف أو وارثه.

و لكن تقدم أن هذا ليس مما يحتاج الى النظر فضلا عن إمعان النظر و انما المحتاج الى ذلك هو ما ذكرناه أى البطلان من جهة البيع فقط، بل هذا مقوم لدوام الوقف و بقائه إلى الأبد و الّا فيكون الوقف منعدما في مدة قليلة بحسب مقتضى الكون و الفساد كما هو كك في جميع الأوقاف، و ان كانت العرصة باقية في وقف الدار و نحوها كثيرا.

و اما ما ذكره (ره) من إنكار كون الوقف مشروطا ببقائه على كونه قابلا للانتفاع به أيضا ليس بصحيح فإن عمدة ما ذكره من الأجوبة هو ما منعه من كون الشرط شرطا في الاستدامة قياسا له بالبيع إذا خرج المبيع عن المالية و أنه لا وجه لبطلان الوقف و انقلابه الى الفاسد بعد انعقاده صحيحا.

و الوجه في ذلك هو أنك عرفت أن حقيقة الوقف عبارة عن حبس الأصل

206

و تسبيل الثمرة و عليه فاللازم انتهاء أمد الحبس بانتهاء الثمرة إذا الحبس لأجل التوصل إلى غاية لا يعقل بقائه بعد عدم إمكان التوصل إلى الغاية و الّا لم يكن الباقي حبسا لتسبيل الثمرة فوقفية الوقف يقتضي كونه مما ينتفع به دائما فما دام شخصه موجودا ينتفع بشخصه فيكون شخصه ملكا للموقوف عليهم فإذا سقط شخصه عن النفع فيباع و يشترى شيء آخر فيكون ملكا للطبقة الاولى من الموقوف عليهم، ثم للطبقة الثانية منهم، فهذا لا يمكن الا بالبيع بعد سقوطه عن الانتفاع به و لا يعقل كونه وقفا من دون أن يكون فيه نفع كما لا يعقل كونه وقفا ما لا نفع فيه حدوثا، بل لو كان الوقف تمليكا كما هو كذلك، لكان تمليكا للعين توصلا الى ملك المنفعة و لا يعقل بقاء هذا المعنى مع عدم المنفعة رأسا و مثله لا يحتاج الى دليل تعبدي ليقال بأنه لا دليل عليه و ليس من قبيل انقلاب شيء عما هو عليه، بل من انتهاء أمد الصحيح و لا أنه من الوقف المنقطع ليقال بأنه خلف، بل يلزم عليه أن يكون جميع الأوقاف منقطعا لانقطاع أمدها بسقوطها عن الانتفاع بها بحسب اقتضاء الكون و الفساد.

و بالجملة ان الكلام في الوقف المؤبد و لا شبهة أن بطلان الوقف في مرتبة و من جهة لا يمنع عن بقاء الوقف في العين بما هو مال و لزوم حفظ ماليته في ضمن البدل يستمر الوقف باستمراره، بل لو زال الوقف بالكلية بحسب الكون و الفساد و أيضا لا يكون من الوقف المنقطع إذ لا توقيت في ذلك بوجه و الّا فيكون حسبا و خارجا عن حقيقة الوقف.

و أما قياس المقام بالبيع من جهة أن الانتفاع بالمبيع و كونه مالا لا نعتبر في صحة البيع الّا حدوثا و كك في المقام فمن عجائب المصنف إذ عرفت مما ذكرناه أن حقيقة الوقف عبارة عن حبس الأصل و تسبيل الثمرة فبانتفاء

207

الانتفاع تنتفي الوقفية فكما لا معنى لوقف عديم الانتفاع حدوثا و يعتبر كون الوقف ذا نفع ابتداء و كك يعتبر كونه ذا نفع بقاء.

و بالجملة الوقفية تدور مدار كون العين الموقوفة ذا نفع حدوثا و بقاء و بانتفاء نفعها تنتفي الوقفية و لا يبقى لها موضوع فإنه لا يعقل بقاء الشيء بعد انتفاء حقيقته.

و هذا بخلاف البيع فإنه لو اعتبر المالية في صحته انما تعتبر حدوثا و أما بقاء فلا يعتبر كونه مالا، بل ما دام مالا فيكون من أمواله فإذا زالت المالية عنه بانتفاء منافعه فيكون من أملاكه، و مع زوال ملكية أيضا فيكون متعلق حقه فليس كون المبيع للبائع بقاء متقوما بالمالية فلا يقاس بالوقف الذي قوامه بإمكان الانتفاع من العين الموقوفة كما هو واضح.

و من هنا ظهر بطلان ما أفاده من الوجوه الأخر أيضا و أنه لا مانع من الالتزام بجواز البيع و لا تشمله أدلة المنع خصوصا قوله (ع): و لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك.

الأمر الثاني: أنه نقل المصنف عن صاحب الجواهر أنه قد يقال بالبطلان أيضا بانعدام عنوان الوقف

فيما إذا وقف بستانا مثلا فلا حظ في عنوان وقفه البستانية فخربت حتى خرجت عن قابلية ذلك، فإنه و ان لم تبطل منفعتها أصلا لإمكان الانتفاع بها دارا مثلا، لكن ليس من عنوان و احتمال بقاء العرصة على الوقف باعتبار أنها جزء من الوقف و هي باقية و خراب غيرها و ان اقتضى بطلانه لا يقتضي بطلانه أيضا يدفعه أن العرصة كانت جزء من الموقوف من حيث كونه بستانا لا مطلقا فهي حينئذ جزء عنوان الوقف الذي فرض خرابه و لو فرض ارادة وقفها ليكون بستانا أو غيره لم يكن إشكال في بقائها لعدم ذهاب عنوان الوقف، و ربما يؤيد ذلك في الجملة ما ذكروه في باب الوصية من

208

أنه لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصى بطلت الوصية لانتفاء موضوعها نعم لو لم يكن الدارية و البستانية و نحو ذلك مثلا عنوانا للوقف و ان قارنت وقفه، بل كان المراد به الانتفاع به في كل وقت على حسبما يقلبه لم يبطل الوقف بتغيير أحواله.

ثم ذكر في عود الوقف بعد البطلان الى ملك الواقف أو وارثه على تقدير موته أو الموقوف عليه وجهين.

و أشكل عليه المصنف

أولا بالإجماع على أن انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف، بل و لا جواز البيع، و ان اختلفوا فيه عند الخراب أو خوفه لكنه غير تغيير العنوان.

و ثانيا: أنه لا وجه للبطلان بانعدام العنوان لأنه ان أريد بالعنوان ما جعل مفعولا في قوله وقفت هذا البستان، فلا شك أنه ليس الّا كقوله بعت هذا البستان أو وهبته، فان التمليك المعلق بعنوان لا يقتضي دوران ملك مدار العنوان فالبستان إذا صار ملكا فقد ملك منه كلّ جزء خارجي و ان لم يكن في ضمن عنوان البستان و ليس التمليك من قبيل الأحكام الجعلية المتعلقة بالعنوانات، و ان أريد بالعنوان شيء آخر فهو خارج عن مصطلح أهل العرف و العلم و لا بدّ من بيان المراد منه هل يراد ما اشترط لفظا أو قصدا في الموضوع زيادة على عنوانه.

و أما تأييد ما ذكر بالوصية فالمناسب أن يقاس ما نحن فيه بالوصية بالبستان بعد تمامها و خروج البستان عن ملك الموصى بموته و قبول الموصى له فهل يرضى أحد بالتزام بطلان الوصية بصيرورة البستان عرصة، و انما البستان ملكه الموصى له بجميع خصوصياته من العرصة و الأشجار و غيرهما من الاجزاء و كك الوقف لا يبطل بصيرورته عرصة و زوال عنوانه، نعم الوصية قبل

209

تمامها يقع الكلام في بقائها و بطلانها من جهات أخر غير مربوط بما نحن فيه.

ثم ما ذكره من الوجهين مما لا يعرف له وجه بعد اطباق كل من قال بخروج الوقف المؤبد عن ملك الواقف على عدم عوده إليه أبدا، هذا ما ذكره المصنف في جواب صاحب الجواهر و هو متين.

و لشيخنا الأستاذ تفصيل في المقام و قال ثم ان ما ذكرناه من عدم جواز بيع العين الموقوفة إذا لم يلحق قلة الانتفاع بها بالعدم، انما هو إذا بقيت الصورة النوعية للعين الموقوفة و أما إذا تبدلت بصورة أخرى فيجوز بيعها و ان لم تلحق بالعدم و لا يبعد أن يكون كلام الشيخ ناظرا الى هذا المعنى فإن النخلة الموقوفة إذا قلعت تعد عرفا مباينة للنخلة لأنها عبارة عن الشجرة لا المادة المشتركة بينها و بين الجذع و الخشب و بطلان الصورة النوعية عبارة أخرى عن خراب الوقف و سيجيء إنشاء اللّه تعالى في باب الخيار، أن مناط مالية الأموال، انما هو بالصورة النوعية لا المادة المشتركة ثم المدار في الصورة النوعية العرفية العقلية فإذا تبدلت الصورة النوعية التي تعلق الوقف بها يبطل الوقف و يبقى ذات الجسم فيباع، و لا يقاس انهدام الدار على زوال صورة الشجرة فإن الدار مركبة من البناء و الأرض و انهدام البناء لا يوجب بطلان الوقف رأسا لبقاء العرصة.

و بالجملة حيث ان قوام الوقف بأمرين بقاء العين الموقوفة و كونها ذات منفعة لأنه عبارة عن حبس العين و تسبيل الثمرة فكما يجوز بيعها إذا لم تكن لها منفعة أصلا فكك يجوز بيعها إذا لم تبق صورتها العينية التي هي أحد ركني الوقف.

أقول: ما ذكره المصنف وارد على شيخنا الأستاد أيضا، و توضيح ذلك

210

أن العناوين و الصور النوعية عرفية كانت أو عقلية و ان كانت موجبة لشيئية الأشياء في نظر العرف و العقل، الّا أنها لا تقابل بالمال بوجه و انما هي دخيلة في زيادة المالية للمادة و لذا لا يجوز بيع الصور بدون المادة لعدم الانفكاك و قد مرّ في بعض المباحث في المكاسب المحرمة و سيأتي في باب الخيارات إنشاء اللّٰه، أو الأوصاف التي لها دخل في زيادة المالية و تعد في نظر العرف من الصورة النوعية إذا وقعت عليها المعاملة و ظهرت خلافها فتكون المعاملة فاسدة فان وقع عليها المعاملة يعد في نظر العرف مغايرا لما ظهر و ان كانا من جنس واحد كما إذا وقعت المعاوضة على الفراس المنسوج بنسج و ظهر المبيع الفراش المنسوج بنسج آخر يغاير في نظر العرف أو باع عبدا فظهر أمة أو باع كأسا و ظهر قدرا أو باع سكينا و ظهر مسمارا أو باع ساعة و ظهر قطعة حديد، أو باع صندوقا و ظهر طبلا فان في جميع ذلك يبطل البيع لان ما وقع على البيع غير مقصود و ما هو مقصود لم يقع عليه البيع و أن كانا في الحقيقة من جنس واحد الّا أن العرف يراهما شيئين متباينين فان الرجولة و الأنوثة و ان كانتا من جنس واحد الّا أن العرف يراهما متباينين كما هو واضح.

و ليست المعاملة فيها واقعة على نفس تلك الأوصاف إذ لا يعقل الانفكاك بين المادة و الصورة، بل المعاملة واقعة على المادة و الصورة موجبة لماليتها بحيث لو ذهبت هذه الصورة عن تلك المادة أى الجسم لا المادة الهيولاني المحفوظة في جميع الأشياء و تبدلت بصورة أخرى مغايرة للأولى لم تبطل البيع فان نفس المادة قد وقعت متعلقة للبيع و تعنون الأشياء بتلك الصورة لا توجب وقوع المعاملة على نفس العناوين فإنها إعراض لا تقبل الانفكاك

211

و لا يكون كونها عناوين للأشياء موجبا لكونها محطا لجميع الأحكام تكليفية أو وضعية بحيث تكون مملوكة و قابلة للتمليك كما هو واضح، و بالجملة الصور النوعية العرفية واسطة لوقوع المعاملة على المواد لكونها سببا لماليتها لا أن نفسها من الأموال.

إذا عرفت ذلك فالحكم في الوقف أيضا كك فإنه إذا وقف عبدا أو كأسا أو دارا أو دكانا فالظاهر من ذلك أن نفس تلك الأشياء بموادها موقوفة و ان كانت ماليتها بصورها النوعية العرفية و لا تدور الوقفية مدار نفس الصور و العناوين لعدم انفكاكها عن المواد و لا يمكن وقوع المعاملة عليها بنفسها من الهبة و الصلح و البيع كما هو واضح، و عليه فأزالت الصورة النوعية لم تزال الوقفية بل تكون المادة التي معنونة بعنوان أيضا وقفا و ان لم ينتفع عنها نفعا كالانتفاع منها مع الصورة الزائلة.

نعم، تزول الوقفية بزوال الصورة و المادة كليتهما إذ ليس المراد من المادة هي الهيولى لتكون محفوظة في ضمن شيء من الأشياء و ان كان في ضمن التراب، بل المراد منها هنا هي المادة العرفية أعني الجسم الذي كان معنونا بعنوان و لا شبهة أنه ينتفي كانتفاء صورته.

و على هذا فإذا وقف شيئا و كان مفعول قوله عنوان ذلك الشيء بأن قال وقفت البستان الفلاني أو الدار الفلانية أو النخلة الفلانية فلا شبهة أن الوقف هي ذات هذه العناوين المعنونة بها و انما تلك العناوين معرّفات إليها و مقومات لماليتها و ليس لنفس تلك العناوين بحسب نفسها ماليه تكون وقفا منفكة عن المادة بحيث تدور الوقفيّة مدار نفس العنوان فإذا زالت زاله الوقف و إذا ذهب عنوان البستان و عنوان الدار و عنوان النخلة كانت عرصة البستان و عرصة الدار و النخلة المقلوعة غير وقف، بل باقيا في ملك الواقف،

212

بل العنوان في المركبات الاعتبارية لا ينتزع الا من أمور متعددة فينحل إلى أمور عديدة كعنوان الدار فان الدار ليست إلّا مركبة من العرصة و القبب و الجدران و هكذا البستان فمعنى وقف الدار ليس الّا وقف الأرض و تلك القبب و معنى وقف البستان ليس الّا وقف الأشجار و العرصة فلا يعقل لوقف العنوان فقط معنى محصّل.

و بالجملة لا نعقل معنى محصّلا لوقف العنوان المجرد بل وقف العنوان عين وقف ذي العنوان فكما أن في المركبات الحقيقة لا تنفك الصورة النوعية عن المادة لكونها متحدة في الخارج حقيقة و كك في المركبات الاعتبارية كالدار و البستان فان العنوان في ذلك كله أيضا ليس موضوعا للحكم بمعنى كونه وقفا خاليا عن المواد.

و بعبارة أخرى إذا وقف الواقف نخلة لأشخاص فنسئل أنه هل بقي في ملك الواقف منها شيء أم لا فإن بقي ذات النخلة في ملك الواقف لتكون له بعد قلعها فلا معنى لكون النخلة للموقوف عليهم كما هو المفروض و ان لم يبقى في ملك الواقف شيء فبعد زوال عنوان النخلية و صيرورتها خشبة فلما ذا صار ملكا للواقف.

الكلام في الصورة الثالثة

قوله الصورة الثالثة أن تخرب بحيث يقل منفعته لكن لا الى حد يلحق بالمعدوم.

أقول: لو خرجت العين الموقوفة عن الانتفاع بها على الوجه الأول بأن قلت منفعتها كما إذا كانت الدار تستأجر بمائة و انما تستأجر فعلا بخمسين اما لخراب فيها أو لنقص نفعها فهل يجوز بيعها فذهب جمع الى المنع

213

كالمصنف و غيره و في محكي الخلاف الجواز البيع محتجا بأنه لا يمكن الانتفاع بها الّا على هذا الوجه كما في مسألة النخلة المنقلعة.

و الظاهر أنه لا يجوز من جهة أنه يجوز الانتفاع من النخلة المقلوعة في التسقيف و نحوه و لا نتصور وجها لجواز بيع الوقف هنا بوجه بعد ما كانت حقيقة الوقفية محفوظة أعنى حبس العين و تسبيل الثمرة فإن النفع موجود في ذلك و تشملها الأدلة المانعة عن بيع الوقف فإنه لا مانع من شمول قوله ((عليه السلام)) لا يجوز شراء الوقف و قوله (ع) (1) الوقف على حسب ما يوقفها أهلها على ذلك.

و بالجملة أن مقتضى حقيقة الوقف و مفهومه إبقائه على حاله إذا أمكن الانتفاع به و زوال بعض المانع لا يستلزم جميعها فان مثل النخلة المقلوعة يجوز الانتفاع بها بالتسقيف و نحوه، و عليه فتشمله الأدلة المانعة عن بيع الوقف.

الكلام في الصورة الرابعة

قوله: الصورة الرابعة أن يكون بيع الوقف انفع و أعود للموقوف عليه.

أقول: و المشهور، بل المجمع عليه في هذه الصورة عدم جواز البيع بل لم ينسب الخلاف الّا الى المفيد و العلامة لم يرض بهذه النسبة أيضا فأول كلامه و معنى كون البيع انفع كون ثمن الوقف أزيد نفعا من المنفعة الحاصلة تدريجا و كيف كان فلا إشكال في المنع لوجود مقتضى للمنع و هو وجوب العمل على طبق إنشاء الواقف لقوله (ع) لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك.

214

و قوله (ع) الوقف على حسب ما يقفها أهلها نعم

و قد استدل على الجواز بروايتين:-

الأول: رواية (1) جعفر بن حيان

و في المتن حنان

قال سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن رجل وقف غلة له على قرابته من أبيه و قرابته من أمه، و أوصى لرجل و لعقبه من تلك الغلة ليس بينه و بينه قرابة ثلاثمائة درهم في كل سنة و يقسم الباقي على قرابته من أبيه و قرابته من أمه، فقال جائز للذي أوصى له بذلك، قلت أ رأيت ان لم تخرج من غلة تلك الأرض التي أوقفها إلّا خمسمائة درهم، فقال أ ليس في وصيته أن يعطى الذي أوصى له من الغلة ثلاثمائة درهم و يقسم الباقي على قرابته من أبيه و قرابته من أمه، قلت نعم، قال ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفي الموصى له ثلاثمائة درهم ثم لهم ما يبقى بعد ذلك، قلت أ رأيت ان مات الذي اوصى له قال ان مات كانت ثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها بينهم فأما إذا انقطع ورثة لم يبقى منهم أحد كانت ثلاثمائة درهم لقرابة الميت يرد ما يخرج من الوقف ثم يقسم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا و بقيت الغلة، قلت فللورثة قرابة الميت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا لم يكفهم ما يخرج من الغلة، قال نعم إذا رضوا كلهم و كان البيع خيرا لهم باعوا، فان ظاهر الذيل هو جواز بيع الوقف إذا كان البيع انفع فتكون شاهدة لجواز البيع في الصورة الرابعة.

و فيه أنه

لا يجوز الاستدلال بهذه الرواية على جواز البيع من وجوه:

الأول: أن الرواية ضعيفة السند

إذ لم يثبت في الرجال مدح لجعفر بن حيان و لا وثاقته، فغاية الأمر إمامي و أما ما في المتن من ذكر الحنان بدل الحيان فلم يذكر في الرجال أصلا فالرواية لا يمكن الاستدلال بها على الجواز.

____________

(1) وسائل: ج 13 ص 306

215

الثاني: أنها مضطربة متنا

لاشتمالها على الجمع بين الوقف و الوصية و من الواضح أنه مع الوقف لا تجوز الوصية على الوقف لكونه ملكا للموقوف عليهم فليس له التصرف فيه و تمليكه أو تملكه لكون ذلك كلّه على خلاف مقتضى إنشاء الوقف من حبس العين و تسييل الثمرة الّا أن تحمل الوصية على الاشتراط في متن العقد بان وقف و أوصى في متن الوقف أن تكون ثلاثمائة درهم من غلته لرجل و لعقبه ليس بينه و بينه قرابة ثلاثمائة درهم فيكون الإيصاء على مقتضى الشرط في الوقف الّا أنه خلاف الظاهر من الرواية، بل الظاهر منها اجتماع الوقف و الوصية فيكون ذلك موهنا لها.

الثالث: أنها تدل على أنه ليس لقرابة الواقف أن يأخذوا حقهم

إذا خرجت من الأرض خمسمائة درهم حتى يوفي الموصى له ثلاثمائة درهم، ثم لهم ما يبقى بعد ذلك مع أنه على خلاف القواعد أيضا، فإنه لماذا ليس لهم أخذ حقهم الّا بعد إخراج حق الموصى له، بل يجوز إخراج حقه و تقسيم الباقي لأقرباء الموصى، أى الموقوف عليهم، فان كون ثلاثمائة درهم من الغلة للرجل الأجنبي بعنوان الاشتراط و تمليك له من ملكه فلا يتوقف على اطلاع الموقوف عليهم و حضورهم لأنه ليس بعنوان المشاع حتى يتوقف على حضورهم، نعم لو كان بعنوان الوصية لكان مشاعا.

الرابع: أنها لا تدل على المدعى

فإنها تدل على جواز بيع الوقف بشروط ثلاثة: الأول: عدم كفاية غلة الوقف على الموقوف عليهم أو احتياجهم الى البيع.

و الثاني: رضائه الموقوف عليهم على البيع.

و الثالث: كون البيع انفع و أعود لهم و بانتفاء أحد هذه الوجوه الثلاثة ينتفى جواز البيع و هذا بخلاف مفروض المقام فإنه عبارة عن البيع في فرض

216

الاحتياج إليه إذن فالرواية أجنبية عن المقام كما لا يخفى، كما أشار إليه المصنف على أن ذلك مما لم يقل به أحد من الأصحاب فيكون هذا أيضا و هنا لرواية.

الثاني: خبر (1) الاحتجاج

ان الحميري كتب الى صاحب الزمان عجل اللّٰه تعالى فرجه جعلني اللّٰه فداك انه روى عن الصادق (ع) خبر مأثور ان الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم و أعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه و كان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه فهل يجوز أن يشترى من بعضهم أن لم يجتمعوا كلهم على البيع أم لا يجوز الّا ان يجتمعوا كلهم على ذلك و عن الوقف الذي لا يجوز بيعه فقال (ع) إذا كان الوقف على امام المسلمين فلا يجوز بيعه و إذا كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرقين إنشاء اللّٰه.

فهذه الرواية تدل على جواز بيع الوقف اما في خصوص ما ذكره الراوي و هو كون البيع أصلح و اما مطلقا بناء على عموم الجواب و لكنه مقيد بالأصلح لمفهوم رواية جعفر، فان مفهوم قوله (ع) فيها إذا رضوا كلهم و كان البيع خيرا لهم باعوا أن البيع إذا لم يكن خيرا لهم لا يجوز.

أقول: أما رواية جعفر فقد تقدم الكلام فيها، و اما رواية الاحتجاج فقوله إذا كان على امام المسلمين فلا يجوز بيعه، فالظاهر ان المراد منه عدم جواز البيع لغير الامام، و الّا فإذا كان ملكا له فلما ذا لا يجوز بيعه كما جازت له بيع سائر أملاكه و كيف كان

فلا دلالة في الرواية على المدعى لوجوه:

الأول: أن روايات الاحتجاج ضعيفة السند

إذ لم يذكر السند فيها فلا تكون قابلة للاستدلال بها على المقصود.

الثاني: أن الرواية تدل على جواز البيع مطلقا

إذا كان أصلح لهم

____________

(1) وسائل: ج 13 ص 306

217

سواء كان للوقف خراب أم لم يكن و من المعلوم أن بيع الوقف أصلح للموقوف عليهم في جميع الحالات فإنه في صورة عدم جواز البيع الوقف فيرجع النفع إليهم متدرجا مع توقفه على الزحمات الكثيرة و هذا بخلاف البيع فإنه حينئذ تملكون الثمن دفعة واحدة فيفعلون به ما يشائون و أصلحية ذلك ما لا يخفى حتى في غير حال الخراب مع أن هذا لم يقل به أحد و توهم تقييدها بمفهوم خبر جعفر الحيان فاسد لعدم اعتباره كما عرفت.

الثالث: أن المستفاد من الرواية جواز البيع مطلقا سواء كان أصلح لهم أو لا يكون

فإن الأصلحية إنما ذكرت في كلام السائل فلا يكون موجبا للتقييد و الّا فالجواب مطلق، فتكون معارضة لما دل على عدم جواز بيع الوقف على ما تقدم من قوله (ع) لا يجوز شراء الوقف على حسب ما يوقفها أهلها.

و غير ذلك، فحيث أن تلك الروايات قيدت بما دل على جواز بيع الوقف في صورة الخراب كما عرفت في الصورة الأولى فبانقلاب النسبة تكون الروايات المانعة أخص من رواية الاحتجاج بالعموم المطلق فتقيد بها هذه الرواية فيحكم بعدم جواز البيع إلّا في صورة الخراب بحيث سقط عن الانتفاع به فلا دلالة فيها أيضا على المدعى.

على أن ما دل على المنع مشهورة من حيث النقل و العمل فيجب الأخذ بها و ترك العمل برواية الاحتجاج.

الرابع: ما ذكره المصنف من أنه لو قلنا في هذه الصورة بالجواز كان الثمن للبطن الأول البائع يتصرف فيه على ما شاء

و منه يظهر وجه آخر لمخالفة الروايتين للقواعد، فان مقتضى كون العين وقفا مؤبدا على ما تقدم كون بدله أيضا وقفا فيكون ملكا للبطون الموجودة ما دام موجودا فيكون النفع لهم فلا يجوز لهم الهبة و إعدام العين و بعد الموت يكون ملكا للبطون اللاحقة.

218

و بالجملة لا يجوز العمل بهاتين الروايتين بأن يفتي بهما على جواز بيع الوقف، بل لم يوجد قائل بالجواز الّا ما نسب الى المفيد و قد عرفت إنكار العلامة النسبة.

الكلام في الصورة الخامسة

قوله: الصورة الخامسة أن يلحق الموقوف عليهم ضرورة شديدة.

أقول: قد جوّز بعضهم البيع في هذه الصورة، بل عن الانتصار و الغنية الإجماع عليه الّا أنه معارض بدعوى الإجماع على عدم الجواز على أن الإجماع المنقول ليس بحجة و ربما استدل على ذلك برواية جعفر المتقدمة لقوله (ع) فيها إذا احتاجوا أو لم يكفهم ما يخرج من الغلة لهم أن يبيعوا الأرض.

و فيه ما ذكره المصنف و حاصله أن ظاهر الرواية أنه يكفى في البيع عدم كفاية غلة الأرض لمؤنة سنة الموقوف عليهم و هذا أقل مراتب الفقر الشرعي و الذي يظهر من عبائر القوم الذي يجوّزون بيع الوقف عند الضرورة و الحاجة الشديدة لا ينطبق على هذه الرواية فإن النسبة بين الحاجة الشديدة و بين مطلق الفقر عموم من وجه، فإن الإنسان قد يكون فقيرا و لا تكون له حاجة شديدة لكونه واجدا لما يكفيه في إدارة شؤونه من مال الفقراء كالزكاة و الصدقات ورد المظالم، و قد لا يكون شخص فقيرا، بل موسرا جدا و واجدا من الأموال بما لا يعلم حسابه الّا اللّٰه و مع ذلك تتفق له الحاجة الشديدة في بعض الأوقات كما إذا كان في بلد لا يصل الى ماله و لو بالاستقراض و لكن عنده وقف يمكن بيعه و رفع الحاجة أو في بلده، و لكن ليس له نقد و لا يباع متاعه و احتاجت الى النقد احتياجا شديدا و كان عنده وقف يشترونه

219

بالنقد فيمكن أن يقضى حاجته ببيع الوقف و قد يجتمعان فلا يمكن الاستدلال على جواز بيع الوقف للحاجة الشديدة برواية جعفر الحيان أنك عرفت آنها ضعيفة السند و غير قابلة للاعتماد عليه فلا يكون مدركا للحكم.

الكلام في الصورة السادسة

قوله: الصورة السادسة أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة أو إذا كان فيه مصلحة البطن الموجود أو جميع البطون.

أقول: فقد اختلفت كلمات الأصحاب في أنه يجوز بيع الوقف مع شرط الواقف في ضمن الوقف ذلك أو لا يجوز فقول بالجواز مطلقا و قول بعدم الجواز كك و قول بالتفصيل بينما يشترط الواقف جواز بيع الوقف عند عروض المصلحة و المجوز من الخراب و نحوه من المسوغات فقيل بالجواز و بعين ما يشترط جواز البيع في غير هذه الصورة فقيل بعدم الجواز الّا أنه ليس تفصيلا في الحقيقة فضلا عن كونه موافقا للتحقيق كما اختاره الكركي فإن هذا الشرط الذي في فرض جواز بيع الوقف لا يترتب عليه أثر فإنه بدون هذا الشرط أيضا يجوز بيع الوقف، نعم يكون هذا الشرط تأكيدا لجواز البيع كما هو واضح، ثم على تقدير القول ببطلان الشرط ففي كونه مبطلا للعقد و عدمه وجهان، اذن فالأقوال ثلاثة قول بالجواز مطلقا، و قول بالبطلان مطلقا و مع القول بالبطلان قول يكون الشرط باطلا فقط و قول بكونه مبطلا للعقد أيضا.

و كيف كان فيقع الكلام في مقامين: الأول) في أنه يجوز اشتراط بيع الوقف ليكون بدله أيضا وقفا أولا و الثاني في جواز اشتراط بيعه ليكون ثمنه ملكا طلقا للموقوف عليهم و عدم جوازه و على كل تقدير فنتكلم في جهتين

220

الاولى: في كون هذا الشرط مخالفا لمقتضى العقد و عدمه.

الثاني: في كونه مخالفا لمقتضى السنة و عدمه إذا ليس في الكتاب ما يكون راجعا الى ذلك حتى نتكلم في مخالفته للكتاب أيضا.

اما المخالفة لمقتضى العقد فالمدار في ذلك على أن يكون المنشأ في العقد مضادا للشرط و مناقضا له كما لو اشترط في البيع أو يكون بلا ثمن أو اشتراط في الإجارة أن تكون بلا أجرة أو اشترط عدم تصرف المستأجر في الدار المستأجرة أصلا.

و اما إذا لم يكن الشرط منافيا لمقتضى العقد و انما يكون منافيا لمقتضى الإطلاق فلا مانع عنه كما إذا اشترط في البيع أن يكون ثمن مؤجلا أو أن يكون من نقد خاص و عليه فان كان التأبيد من مقتضيات الوقف و من منشئاته فاشتراط البيع عند الحاجة مناف لمقتضى عقد الوقف بلا شبهة و أما لو كان من مقتضيات إطلاق الوقف فلا مانع عن بيعه، و أما بيعه ليكون بدله أيضا وقفا مثل أصله فربما قيل بعدم الجواز بدعوى أن مقتضى الوقف هو التأبيد و الواقف انما وقف الموقوفة ليكون الوقف أبديا كما هو مقتضى مفهوم الوقف أيضا فاشتراط بيعه يكون مناقضا لمفهومه فلا يجوز، و عليه فكما ان الشرط فاسد فكك أنه مفسد أيضا للمناقضة.

و فيه أن حقيقة الوقف كما تقدم حبس العين و تسبيل الثمرة و قد استفدنا دوامه من العبارة الموجودة في صيغة الوقف من قول الواقف الى أن يرث اللّٰه الأرض و من عليها و بهذه القرينة جعلنا متعلق الوقف هي المالية الموجودة في هذه العين، و في بدلها على تقدير انعدام العين و عليه فكما أن بيعه عند عروض المجوّز له و تبديله بوقف آخر لا ينافي مقتضى الوقف فكك اشتراط تبديله بوقف آخر أيضا لا ينافي بمقتضى العقد فإنه على كل حال

221

فالوقفية محفوظة في صورتي وجود العين و تبديلها بشيء آخر، نعم ما دامت العين موجودة فالخصوصيات العينية أيضا مورد للتوجه و محط نظر الواقف و بالجملة لا نرى بأسا لاشتراط تبديل العين الموقوفة في ضمن صيغة الوقف فإن المؤمنون على شروطهم و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و الوقوف على ما يقفها أهلها كلها يقتض ذلك أيضا فضلا عن كونه منافيا لمقتضى الوقف، نعم الاشتراط ينافي إطلاق الوقف الذي يقتضي كون العين الموقوفة باقية على وقفيته.

و أما الجهة الثانية فربما يقال انه يبتني صحة الوقف حينئذ على صحة الوقف المنقطع الأخر و كونه وقفا لا حبسا و حيث أن المختار صحته لا سيّما إذا كان مرددا بين الانقطاع و عدمه فيصح شرط جواز البيع لبعض البطون فان مرجع شرطه الى أن يجعله منقطعا و ان يبقيه على حاله.

أقول: الظاهر أن صحة الاشتراط هنا لا يبتني على صحة الوقف المنقطع الأخر و توضيح ذلك أنه لا دليل على بطلان وقف المنقطع الأخر إلّا الإجماع و حيث أنه دليل لبىّ لا يشمل ما نحن فيه و ذلك فان اشتراط الانقطاع على أقسام:- الأول: أن يوقف و يشترط في ضمن الوقف بيعه بعد عشر سنوان و كون الثمن للموقوف عليهم و هذا من أفراد الوقف المنقطع فصحة ذلك يتوقف على صحة كلية وقف المنقطع لأنه من مصاديقه أيضا.

و أخرى يوقف عينا كالدار و نحوها على فلان و لعقبه إلى خمسة مراتب فيكون الوقف منقطعا بانقراض الموقوف عليهم فهذا أيضا من أقسام الوقف المنقطع فيكون ذلك كالأول موردا للإجماع على بطلان الوقف المنقطع ففي هاتين الصورتين يكون الوقف من الأول بحسب الإنشاء منقطعا فيكونان

222

موردين للإجماع متيقنا فيحكم بالبطلان على تقدير تحقق الإجماع و حجيته.

الثالث: أن يكون الوقف بحسب إنشاء الواقف مؤبدا من غير أن يقيده بوقت أو بشخص بحيث يكون الوقف منقطعا بحسب إنشاء الواقف و لكن يشترط في ضمن الوقف قطع ذلك الوقف المؤبد بأن يبيعه متى شاء أو يبيعه الموقوف عليهم متى شاؤا فهذا ليس وقفا منقطع الآخر بوجه، و انما هو وقف مؤبد و لكن يقطعه بحسب الاشتراط فقطع الوقف غير الوقف المنقطع الأخر لا يجرى هنا لكونه دليلا لبيّا فلا بد من ارادة المتيقن من ذلك و ما هو المتيقن انما هو القسم الأول و القسم الثاني، بل يدل على صحة ذلك أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و المؤمنون عند شروطهم، فان عقد الوقف تحقق على هذا الشرط و كك يقتضي صحة هذا القسم من الوقف قوله (ع) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، فإن أهل الوقف وقف هذا القسم من الوقف كك.

و أما توهم أن هذا منافي لمقتضى الوقف فيكون الشرط باطلا، فيبطل الوقف توهم فاسد و ان مفهوم الوقف ليس الّا حبس العين و تسبيل الثمرة و الواقف إنما أنشأ هذا المفهوم و هو أعم من الدوام و الانقطاع، نعم إطلاقه يقتضي الانقطاع فاشتراط القطع متى شاء الواقف أو الموقوف عليهم لا ينافي بمقتضى الوقف و ان كان ينافي بمقتضى إطلاق الوقف.

و انما استفدنا الدوام من جهة القرائن الخارجية لا من جهة كونه من مقتضيات مفهوم الوقف كما هو واضح، لا يخفى.

و بالجملة لم نر بأسا من اشتراط الواقف بيع الوقف عند وقفه سواء كان ثمنه بدلا عن العين الموقوفة في الوقفية أم لا يكون بدلا بل ملكا طلقا للموقوف عليهم و على كل حال فليس ذلك الاشتراط منافيا لمقتضى الوقف أصلا.

223

و أما المقام الثاني بأن يكون الاشتراط منافيا لسنة أو لا يكون منافيا لها، فالظاهر أنه مناف للسنة فإن قوله (ع) لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك يدلّ على عدم جواز بيع الوقف سواء اشتراط الواقف بيعه أم لم يشترط فيكون اشتراط البيع منافيا له فلا يجوز اذن فيكون الشرط فاسدا.

اللهم الّا أن يقال أن قوله (ع) لا يجوز شراء الوقف ليس دليلا تعبديا في مورد عدم جواز بيع الوقف، بل إمضاء لمفهوم الوقف كما أشرنا إليه سابقا فان مفهوم الوقف يقتضي السكون و الوقوف و البيع و الشراء و نحوهما من التصرفات مخالف لذلك السكون و انما هي حركة العين فيكون على خلاف مفهوم الوقف، فقوله (ع) لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك إمضاء لما يقتضيه ذلك المفهوم، و أن الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك إمضاء لما يقتضيه ذلك المفهوم، و أن الوقف لا بدّ و ان يكون ساكنا و ليس له أن يتحرك بالبيع و الشراء و الهبة كما لا يخفى.

و عليه فلا يكون الاشتراط منافيا لمقتضى السنة أيضا سواء كان الشرط راجعا الى تبديل الوقف ببدل آخر الذي لا اشكال فيه أصلا أم كان راجعا الى كون الثمن ملكا للموقوف عليهم لما عرفت في ان اشتراط قطع الوقف غير الوقف المنقطع فيكون صحيحا كما هو واضح.

ثم بناء على كون الاشتراط منافيا للسنة فيكون الشرط فاسدا لكونه مخالفا للسنة و الشروط المخالفة للكتاب أو السنة فاسدة و لكن ذلك ليس مثل الشرط المخالف لمقتضى العقد، فإنه فاسد و مفسد للعقد لكونه على خلاف مقتضى العقد و مناقضا له فينقض العقد و يفسده، و لكن الشرط المخالف للسنة كونه مفسدا للعقد يبتني على ما سيأتي في باب الشروط أن الشرط الفاسد هل يكون مفسدا للعقد أم لا، فحيث ان المختار لنا هناك عدم كونه مفسدا للعقد فيكون الوقف هنا صحيحا و ان اشترط فيه

224

قطعه كما هو واضح.

ثم العجب من شيخنا الأستاذ حيث اقتصر في البحث في المقام على المقام الأول فقط اعنى كون الشرط مخالفا لمقتضى العقد أم لا و لم يتكلم أصلا في أن هذا الشرط هل هو مخالف لمقتضى السنة أم لا فكان عليه (ره) ذلك و لكن تركه و أما التمسك في ذلك بخبر جعفر المتقدمة بدعوى أنه إذا جاز البيع بلا شرط فمع الشرط اولى فقد تقدم الجواب عنها و يؤكد ما ذكرناه من جواز البيع صحيحة الكافي الدالة على وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) صدقة و شرط فيها جواز البيع للحسن و الحسين (ع) إذا حدث فيهما حدث فتكون دالة لما نحن فيه، فإنه إذا جاز اشتراط البيع للبطن الموجود فللبطن المعدوم أولى و تأويل الرواية بإرادة الوصية من ذلك من خلاف الظاهر بمكان كاد أن يكون على خلاف الصراحة و مع ذلك فالعجب من المصنف حيث قال أن تأويل الرواية مشكل و العمل بها أشكل.

و أما التأويل فهو مشكل كما ذكره و أما أن العمل بها يكون أشكل لا نعرف له وجها بعد كون الرواية صحيحة و عمل جملة من الأعاظم على طبقها.

نعم لو كان على خلافها إجماع أو شهرة عظيمة فكان لهذا الكلام أيضا وجه بناء على أن اعراض المشهور عن الرواية يوجب الوهن كما قال نظير ذلك في المعاطاة فله وجه لعدم وجود الرواية هناك، و أما في المقام فلا مجال لهذا الكلام.

الكلام في الصور الأربعة الأخيرة

الصورة السابعة أن يؤدى بقاء الوقف الى خرابه علما أو ظنا و هو

225

المعبّر عنه بخوف الخراب في كلمات الفقهاء سواء كان ذلك للخلف بين أربابه أو لغير ذلك، و الخراب المعلوم و المخوف قد يكون على حد سقوطه من الانتفاع نفعا معتدا به، و قد يكون على وجه نقص المنفعة.

الصورة الثامنة: أن يقع بين الموقوف عليهم اختلاف لا يؤمن معه تلف المال و النفس و ان لم يعلم أن يظن بذلك و قد صرّح بعض الاعلام بجواز البيع هنا أيضا.

الصورة التاسعة: أن يؤدّى الاختلاف بين الموقوف عليهم الى ضرر عظيم من غير تقييد بتلف المال فضلا عن خصوص الوقف.

الصورة العاشرة: أن يلزم فساد يستباح منه الأنفس

و مجموع تلك الصور و ان لم تذكر في كلام واحد من الفقهاء و لكنها ذكرت في كلماتهم على التفريق و قد نظمها المصنف و جمعها إلى عشرة صور.

ثم إن الكلام في هذه الصور الأربعة يقع في جهتين:-

الاولى في العقد الإيجابي و هو جواز البيع مع تأدية البقاء الى الخراب على وجه لا ينتفع به نفعا يعتد به عرفا سواء كان ذلك لأجل الاختلاف أو غيره.

و الثانية: العقد السلبي و هو المنع في غير ما ذكر في الجهة الاولى من جميع الصور.

أما الجهة الأولى فقد استدل على الجواز بوجوه:

الأول: ما ذكره المصنف

و محصل كلامه أن المقتضى لجواز بيع الوقف في هذه الصور موجود و المانع مفقود فيجوز بيعه للعمومات المقتضية لصحة البيع أو وجود المقتضى فلأنه مال لمالكه فيجوز بيعه للعمومات مقتضية للبيع أما وجود المانع فهي الأدلة الشرعية المانعة عن بيع الوقف و هي لا تنهض للمانعية هنا، أما

226

الإجماع فلاختصاصه بغير هذه الصورة لكونه دليلا لبيّا لا يؤخذ منه الّا المقدار المتيقن.

و أما قولهم (عليهم السلام) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها و لا يجوز شراء الوقف فلا تدخل الغلة في ملك فلأنها منصرفة عن هذه الصورة لما عرفت من أنها ناظرة إلى صورة عدم سقوط العين الموقوفة عن حيّز الانتفاع بها و أما إذا سقطت عن ذلك فلا تشمله تلك الأدلة على أنه لا تتم دلالة قولهم (عليهم السلام) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها على عدم الجواز كما تقدم.

و أما الموقوف عليهم و الواقف فبيع الوقف هنا موجب لحفظ حقّهم إذ مع عدم البيع تتلف العين الموقوفة و لا يبقى ما يوجب حفظ حق الواقف أو الموقوف عليهم بخلاف البيع و التبديل بعين أخرى فإن ذلك يوجب الجمع بين حقوقهم.

و بالجملة الأدلة المانعة عن بيع الوقف و ما يؤيده كلها غير جارية هنا و اذن فلا بأس من البيع في هذه الصورة.

و ذكر شيخنا الأستاذ أن هذه الصورة ملحقة بالصورة الاولى و هي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به فان العلم بتأديته إلى الخراب أو الظن به المعبّر عنه بخوف الخراب انما هو من حيث طريقيته اليه.

و بعبارة أخرى إذا احتمل احتمالا عقلائيا تأديته إلى الخراب على نحو لو كان فعلا خرابا لجاز بيعه فحكم الاحتمال حكم نفس الخراب و لكن من حيث كونه طريقا لان بعد اعتبار هذا الاحتمال عند العقلاء فكأنه صار خرابا فعلا و لكن الوجهان لا يتمان أما ما افاده شيخنا الأستاذ فلأن الأدلة المانعة عن بيع الوقف لقوله (عليه السلام) لا يجوز بيع الوقف و لا تدخل الغلة في

227

ملكك لا قصور في شمولها للمقام فان الانتفاع بالعين الموقوفة ممكن بالفعل و لا يكون العلم بخرابها بعد سنة مثلا مجوّز لبيعها فعلا فضلا عن الظن بذلك أو الأمارات المعتبرة كما إذا قامت البينة على أنها تخرب بعد ستة أشهر و فضلا عن احتمال الخراب.

و بعبارة أخرى أنه لا يجوز بيع الوقف للوجوه المذكورة على ذلك، و انما الخارج عنها ما يحرز خرابه بالفعل و أما في غيره فلا وجه لجواز البيع بوجه، بل يبقى تحت أدلّة المنع.

و بالجملة بعد ما كان الوقف مما يمكن الانتفاع به فلا وجه لبيعه لشمول أدلة المنع عليه و ان علم أو قامت البينة المعتبرة على خرابها فضلا عن احتمال الخراب فان الحكم تابع لموضوعه الفعلي كما لا يخفى.

و من هنا ظهر الجواب عما ذكره المصنف فإن الأدلة إنما تنصرف عن المنع عن بيع العين الموقوفة إذا سقطت عن الانتفاع بها و ما نحن فيه ليس كك، بل هو من مصاديق عدم الجواز لجواز الانتفاع بها على النحو الذي وقفها الواقف، نعم الإجماع على تقدير حجيته لا يشمل المقام و أما حفظ حق الواقف و الموقوف عليهم فقد عرفت بطلانها و عدم كونها وجها لعدم جواز بيع الوقف.

نعم، بناء على حفظ حق البطون اللاحقة فلا بدّ من بيع العين الموقوف مع مظنّة الخراب أو العلم به و تبديلها بعين أخرى لئلّا يزول حقهم كما أشار إليه المصنف في كلامه و لكن عرفت انه لا دليل على ذلك فان البطن الموجود ما لكون على الوقف بالفعل و جاز لهم الانتفاع بها فعلا فلا دليل على وجوب رفع اليد عن ملكهم لحفظ الموضوع على ملك الأشخاص الأخر و الّا لوجب حفظ مال الناس و ان توقف على صرف المال و قد تقدم هذا فيما

228

سبق في فرع أنه إذا توقف حفظ الوقف للبطون اللاحقة على صرف مقدار من منافع الوقف عليه، فهل يجوز إجبار البطن الموجود على ذلك أم لا؟ و قلنا لا وجه عليه، فإنهم مالكون على نفعها فلا ملزم لرفع اليد عن ملكهم لحفظ حق الغير، بل ينتفعون بها ما دام موجودا فان يبقى للبطون اللاحقة فتنتفعوا بها، و الّا فلا و هذا واضح لا خفا فيه.

و الحاصل: ان المصنف قال بعدم شمول الأخبار الدالة على المنع عن بيع الوقف على هذه الصور الأربع، و انصرافها عنها و قال شيخنا الأستاذ بأن احتمال الخراب كالخراب الفعلي موضوع للحكم بجواز بيع الوقف.

و فيه ان الحكم الفعلي تابع لموضوعه الفعلي و أنه لا وجه لانصراف الأدلة عن هذه الصور بأجمعها بعد ما كان الانتفاع بالوقف ممكنا كما في حاشية الايروانى.

ثم نقل المصنف (ره) وجهين على جواز البيع في هذا الصور.

الأول: ما عن لف و كرة و المهذّب و غاية المرام

من أنّ الغرض من الوقف استيفاء منافعه و قد تعذّرت فيجوز إخراجه عن حدّه تحصيلا للغرض منه فيدور الأمر بين انقطاع شخصه و نوعه و بين انقطاع شخصه لا نوعه، فالثاني أولى بغرض الواقف فيجوز التبديل و جعل بدله وقفا مكان المبدل.

و فيه ما اجابه المصنف من أن الغرض من الوقف استيفاء المنافع من شخص الموقوف لأنه الذي دل عليه صيغة الوقف و المفروض تعذره فيسقط و قيام الانتفاع بالنوع مقام الانتفاع بالشخص لكونه أقرب الى مقصود فرع الدليل على وجوب اعتبار ما هو الأقرب الى غرض الواقف بعد تعذر أصل الغرض.

الثاني: ما عن التنقيح من أن بقاء العين على حاله و الحال هذه إضاعة و إتلاف للمال و هو نهى عنه شرعا

فيكون البيع جائزا و لعله أراد الجواز

229

بالمعنى الأعم فلا يرد عليه أنه يدل على وجوب البيع.

و فيه أن المحرم انما هو التصدي بإضاعة المال و أما تركه على حاله بحيث يضيع بنفسه فلا دليل على حرمته كما إذا مرض الغنم و لم يقدر مالكه على الذبح الى أن مات فلم يفعل هو فعلا محرما.

ثم انه استدل على جواز البيع في كل واحدة من الصور الأربعة بمكاتبة ابن مهزيار (1)

قال كتبت الى أبى جعفر الثاني (عليه السلام) أن فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لك في الوقف الخمس و يسأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما أشتريها أو يدعها موقوفة فكتب الىّ أعلم فلانا انى آمره ببيع حصتي من الضيعة و إيصال ثمن ذلك الىّ ان ذلك رأى إنشاء اللّٰه تعالى أو يقوّمها على نفسه ان كان ذلك أوفق له قال فكتبت إليه ان الرجل ذكر أن بين من وقف عليهم بقية هذه الضيعة اختلافا شديدا و أنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فان كان ترى أن يبيع هذا الوقف و يدفع الى كل انسان منهم ما وقف ذلك أمرته فكتب بخطه و أعلمه ان رأى ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الوقف أمثل فليبع فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس، الخبر.

و فيه أولا أنها ضعيفة السند و دعوى انجبارها بالشهرة دعوى جزافية إذ على فرض تسليم الكبرى لا نسلّم الصغرى لعدم انطباق شيء من الأقوال على الرواية فلا ينجبر ضعفها بالشهرة.

بيان ذلك أنها دلت على جواز بيع حصة الإمام (عليه السلام) من دون طرو مسوّغ للبيع فلا بدّ من حملها اما على صورة اشتراء بعض الضيعة من

____________

(1) وسائل: ج 13 ص 304 ح 5

230

سهم الامام (ع) أو على قضية خاصة غير معلومة الجهة.

و توهم أن الامام (ع) له الولاية على جميع أموال الناس، بل رقبتهم فكيف بمال نفسه فجاز أن يكون أمره (ع) على البيع من جهة الولاية و فيه أن هذا التوهم فاسد، فان ظاهر قوله (ع) انى آمره ببيع حصتي من الضيعة، و إيصال ثمن ذلك الىّ ان ذلك رأي أو يقوّمها على نفسه ان كان ذلك أوفق له هو أن الامام (ع) انما بين حكم المسألة في نفسها لا بما أن له الولاية على العين الموقوفة.

و أيضا أنهم استدلوا على القول السابع بقوله (ع) ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال بناء على أن يكون المراد بالأموال هي العين الموقوفة.

و فيه أولا: أن ظاهر التعبير بصيغة الجمع هو تلف مطلق الأموال أعم من الوقف و غيره.

و ثانيا: أن القائلين بجواز بيع الوقف في هذه الصورة انما يقولون في مورد العلم بأدائه إلى الخراب أو الظن المتاخم بالعلم و لفظة ربما يستعمل في المحتملات فتصير النتيجة أنه إذا احتمل طور الخراب على الوقف جاز بيعه و من المعلوم أنه لم يلتزم به أحد فيما نعلم، فكيف ينجبر ضعف الرواية بالشهرة:- على أن قوله (ع) ان رأى ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الوقف أمثل في جواب السؤال عن بيع حصّة الباقين و تقسيم ثمنه إليهم لا ينطبق على القواعد و ذلك لانه لا وجه لتصدى الواقف بالبيع فإنه بعد ما وقف ماله فصار كسائر الأجانب.

و توهم انه اشترط كون التولية عليه خلاف الظاهر من الرواية و أن مقتضى القواعد أن يكون بدل الوقف وقفا فلا وجه لتقسيم الثمن على الموقوف عليهم

231

فلا يمكن العمل بظاهر الرواية، بل يرد علمها إلى أهلها أو يحمل على صورة عدم اقباض الوقف و عدم كون الموقوفة مقبوضة منهم فإنه حينئذ لم يتم الوقف فاختيار المال تحت يد الواقف المالك يفعل به ما يشاء و قد حملها على هذا جملة من الاعلام على أن الاستدلال بها على الصورة السابعة ينافي الاستدلال بها على الصورة الثامنة التي عبارة عن وقوع الاختلاف بين الموقوف عليهم بحيث لا يؤمن معه تلف الأموال و الّا نفس فان الاستدلال بها على الصورة الثامنة يتوقف على أن يكون المراد بها غير الموقوفة من سائر الأموال و الاستدلال بها على الصورة السابعة يتوقف على ان يكون المراد بها عين الموقوفة.

ثم ان الاستدلال بها على الصورة التاسعة و هي أداء الاختلاف الى ضرر عظيم يتوقف على استفادة العموم من التعليل و هو قوله (ع) فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس و هذا لا يمكن الالتزام به و الّا اقتضى جواز بيع الوقف لإصلاح كل فتنة و هذا مما يلتزم به أحد فيما نعلم فكيف يوجب انجبار ضعف الرواية.

ثم ان الاستدلال بها على الصورة العاشرة و هي خوف تلف النفس يتوقف على الاستدلال إلغاء تلف المال عن الموضوعية و جعل الموضوع خوف تلف النفس و هو خلاف الظاهر من الرواية، فإن الظاهر منها موضوعية كل منهما للحكم.

و بالجملة لا يجوز الاستدلال برواية ابن مهزيار على شيء من الصورة السابعة إلى الصورة العاشر،

اما من حيث السند فلا بأس به، و أما من حيث الدلالة فمن جهة أن ما ذهب اليه المشهور في الصور الأربعة لا يستفاد من الرواية و ما يستفاد من الرواية لم يلتزم به أحد فيما نعلم و توضيح ذلك أن

232

التعليل المذكور في الرواية بقوله (ع) فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس قد يكون حكمة و يكون مناط الحكم بجواز البيع نفس الاختلاف بمجرّده من غير وجود الحكمة في جميع موارد الاختلاف كما هو الشأن من الحكمة نظير كون التنظيف حكمة في استحباب غسل الجمعة أو وجوبه و كون اختلاط المياه حكمة في مشروعية العدة و ان لم يكن موجودا في بعض الموارد كما إذا كانت المطلقة يائسة أو كان المغتسل تنظف في ليلة الجمعة و هذا لم يلتزم به أحد فيما نعلم بحيث أن يقال بجواز البيع بمجرّد الاختلاف و لو كان اختلافا جزئيا غير منجرّ الى تلف المال و النفس.

و ان كان المراد من التعليل ما هو ظاهر فيه من أخذه علة للحكم، و مناطا له، بحيث يكون الموجب لجواز البيع هو تلف الأموال و الأنفس الناشي من الاختلاف في هذا الوقف و كونه منشأ له و ان لم يكن التالف أجنبيا عن الواقف و الموقوف عليهم كما إذا كانت الضيعة موقوفة على خادم المسجد و لم يكن بينهم اختلاف، و لكن الاختلاف بين الطباخين الذي ينجرّ الى تلف المال و النفس فلازم أخذ قوله (ع) فإنه ربما جاء إلخ علة للحكم تعديته الى كلّ ما يترتب على الاختلاف الناشي من هذا الوقف من تلف النفس و المال و هذا أيضا لم يلتزم به أحد فيما نعلم فلا يمكن الالتزام بالرواية و ان كانت صحيحة.

أقول: اما رواية على بن مهزيار

فمن حيث السند

فلا بأس به لكونها صحيحة السند،

و أما من حيث الدلالة فهي خارجة عن الدلالة على بيع الوقف في شيء من الصور الأربعة

بل لا بد من حملها على صورة عدم تمامية الوقف أى قبل القبض و الإقباض كما حملها عليه جملة من الاعلام كالمحدث الفيض و غيره و ذلك لجهات عديدة فإنها مؤيدة لحملها على صورة قبل

233

القبض.

جهة الاولى: ان صدر الرواية لا ينطبق على الوقف التمام

فإن سؤال السائل في حصة الإمام التي هي خمس الوقف و انه كيف يصنع بها و جواب الامام (عليه السلام) ببيعها أو تقويمها على نفسه و إرسال ثمنها اليه (عليه السلام) لا يتمّ إلّا إذا لم يتم الوقف و كان المال تحت يد الواقف بحيث له ان يفعل به بما يشاء و ذلك لأنه لا يجوز لأحد أن يبيع الوقف حتى مع اذن الموقوف عليه و من الواضح أن جواب الامام بالبيع و إرسال ثمنه اليه ليس من جهة ولايته المطلقة حتى يرتفع الاستبعاد، بل بما أنه محل المصرف.

الجهة الثانية: أن جواب الامام (عليه السلام) عن سؤال عن وقوع الخلاف بين أرباب الوقف ببيعه أيضا لا ينطبق على القواعد

إذ المتصدي بالبيع على تقدير جوازه انما هو من كان أمر الوقف بيده و توليته عليه، و أما الواقف فكسائر الأشخاص أجنبي عن التصرف في الوقف، و احتمال انه كان مشترط كون أمر الوقف بيده خلاف الظاهر من الرواية فلا يجوز المصير اليه بدون القرينة الصارفة.

الجهة الثالثة: أنه بعد ما بيع الوقف فلما ذا يقسّم بين الموقوف عليهم

مع انك عرفت فيما تقدم أن بدل وقف فلا يصح ذلك الّا بحملها على صورة قبل القبض لا بعده خصوصا يساعد على ذلك قوله ان بيع الواقف أمثل حيث ان الواقف يريد الثواب فإذا فعل هكذا فإنه لا يقع بين الموقوف عليهم اختلاف فيكون أصوب و أمثل.

الجهة الرابعة: و هي العمدة

ان قوله (عليه السلام) ان كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أن بيع الواقف أمثل و مع قول السائل في سؤاله و أنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فان من الواضح أنه أى خصوصية

234

في علم الواقف بالاختلاف و كذا عدم أمنه عن التفاقم و الشدة، بل لا بدّ و أن يكون المناط علم المتصدي بالوقف فليس ذلك إلّا إذا كان أمر الوقف بيده و هذا لا يتم الّا مع عدم تمامية الوقف و كون ذلك قبل القبض لعدم انطباقها بشيء من الفتاوى المذكورة في المقام و على هذا فلا يجوز الاستدلال بها على بيع الوقف بترك الاستفصال كما في كلام المصنف (ره) و مع ذلك كله فلا يجوز الاستدلال بها على المقصود أيضا مع ذلك التعليل الموجود فيه و ان كانت صريحة في جواز البيع، بل لا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها و ذلك فإنه لا يخلو اما أن يراد من التعليل الحكمة أو العلية فلا واسطة بينهما فإن أريد منه الحكمة فلازمه القول بجواز بيع الوقف بمجرّد الاختلاف و ان لم يؤدى الى تلف الأموال و النفوس فان ذلك كاختلاف المياه في باب العدة فالتعميم ليس بلازم.

و أن أريد منه التعليل و العلية فلازم ذلك التعدي بكل اختلاف يوجب تلف الأموال و الأنفس مع بقاء الوقف و ان لم يكن بين أربابه اختلاف بل بين الجوار و الطباخين و العمالين و المتولين و نحوهم بحيث يكون المنشأ لذلك هو الوقف و كلاهما لا يمكن الالتزام به.

و ربما يقال بجواز بيع الوقف في تلك الصور لأجل المزاحمة و ان لم يكن في البين نصّ بدعوى أن الأمر دائر بين حفظ الوقف على حاله و الالتزام بجواز تلف الأموال و الأنفس و بين حفظ المال و النفس و الالتزام بجواز بيع الوقف و بما أن حفظ النفس عن التلف أهم من حفظ الوقف فيجوز بيعه، بل يجب لحفظ النفس و المال.

و فيه أن هذا من العجائب فإن التزاحم انما هو في مقام العمل، و يحصل عدم تمكّن المكلف على الامتثال لا في مقام الجعل و عليه فارتفاع

235

التكليف عن المكلّف بالنسبة إلى المهم واضح، بأن يجوز بيع الوقف إذا دار الأمر بين بيعه و بين أداء الاختلاف الى تلف الأموال و الأنفس و لكنه لا يوجب ذلك جعل الشارع الحكم الوضعي في مرحلة الجعل بأن يحكم بصحة المعاملة فإن التزاحم لا يوجب رفع الحكم و وضعه في مرحلة الجعل.

و بعبارة أخرى أن التزاحم يستلزم رفع الحكم التكليفي في مقام الامتثال عن المهم و يوجب إتيان الأهم و هذا غير مربوط بالحكم الوضعي و حكم الشارع به في مقام الجعل ليكون صحيحا في مقام الامتثال، بل يكون البيع مع التزاحم المذكور جائزا تكليفا و فاسدا وضعا فمزاحمة الأهم مع المهم في مرحلة الامتثال لا يوجب الّا جواز الاقدام على المهم تكليفا و يستلزم جوازه وضعا إذ عدم القدرة على الامتثال من المكلف انما هي بالنسبة إلى الحكم التكليفي لا بالنسبة إلى الحكم الوضعي كما لا يخفى.

فتحصل أنه لا يجوز بيع الوقف في جميع تلك الصور إلّا إذا خرب الوقف أو كان مشرفا على الخراب بحيث ليس بين الخراب و الزمان الذي معمورة إلّا زمان قليل و كذلك في صورة اشتراط الواقف بيعه عند الاحتياج كما صنعه على (عليه السلام).

الكلام في الوقف المنقطع

قوله: و أما الوقف المنقطع.

أقول: بناء على صحة الوقف المنقطع و هو ما إذا وقف على من ينقرض فأما ان يقال ببقائه على ملك الواقف و اما ان يقال بانتقاله الى الموقوف عليهم و على الثاني فأما أن يملكوه ملكا مستقرا بحيث ينتقل منهم الى ورثتهم عند

236

انقراضهم و اما ان يقال بعوده الى ملك الواقف، و اما أن يقال بصيرورته في سبيل اللّٰه، و على الأول و هو بقائه في ملك الواقف فلا يجوز لغيره من الموقوف عليهم و غيرهم بيعه لعدم الملك، و أما الواقف فيجوز له بيعه لوجود المقتضى و هو كونه ملكا له و تكون العمومات شاملة له و عدم المانع إذا الوقفية مع كونها منقطعة لا تكون مانعة عن البيع فيصبر المشتري الى أن ينقضي السكنى أن كان عالما بذلك، أو يفسخ ان كان جاهلا، أو جعل لنفسه الخيار و أما قوله ((عليه السلام)) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فإنها ناظرة الى عدم جواز التصرف في الوقف على النحو الذي ينافي الوقفية و كذلك لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك فان البيع و الشراء لا ينافي الوقفية إذ الوقف انما جعل السكنى و المنفعة للموقوف عليهم دون الرقبة فإنها باقية في ملك الواقف فهو انما يبيع ذلك الوقف مسلوبة المنفعة إلى انقراض الوقف نظير بيع موجر العين المستأجرة فإنها يكون ملكا للمشتري الى انقضاء مدة الإجارة و على هذا كيف ينافي البيع الوقف و كيف يكون الوقف على حسب ما يوقفها أهلها.

على أنه يمكن دعوى أن مفهوم الوقف منصرف عن الوقف المنقطع فيكون خارجا عن تحت الأدلة المانعة عن البيع موضوعا.

نعم يكون البيع باطلا من جهة الجهالة فيكون غرريا فهو منهي عنه لأن مدة انتفاع الموقوف عليهم و انقراضهم مجهولة و من هنا منع الأصحاب كما حكى عن الإيضاح بيع مسكن المطلقة المتعدة بالإقراء لجهالة مدة العدة.

و بالجملة أن بيع الواقف الوقف المنقطع و ان لم يكن فيه مانع من الاخبار مع وجود المقتضى له و لكن جهالة مدّة مانعة عنه من حيث لزوم الغرر بجهالة وقت استحقاق التسليم التام على وجه ينتفع به كما لا يخفى.

نعم، ورد النص على جوازه و هو ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو

237

الحسن عن الحسين بن نعيم قال سألت أبا الحسن (ع) عن رجل جعل داره سكنى لرجل زمان حياته و لعقبه من بعده، قال هي له و لعقبه من بعده كما شرط قلت فان احتاج الى بيعها، قال: نعم قلت فينقض البيع السكنى قال لا ينقض البيع السكنى كك، سمعت أبى يقول: قال أبو جعفر (ع) لا ينقض البيع الإجارة و لا السكن و لكن يبيعه على أن الذي يشتريه لا يملك ما اشتراه حتى ينقض السكنى على ما شرط الخبر، فهو كما ترى صريح في الجواز و العجب أنه مع ذلك توقف العلامة و ولده و المحقق الثاني في المسألة.

و أما لو قلنا بعدم بقاء الوقف المنقطع في ملك الواقف، بل انتقل الى ملك الموقوف عليهم و قلنا بكونهم مالكين للوقف ملكا مستقرا بحيث ينتقل منهم الى ورثتهم عند انقراضهم فلا يجوز البيع حينئذ للواقف لعدم الملك و لا للموقوف عليه فأن الواقف قد اعتبر بقائه إلى انقراضهم فيشمله قوله (ع) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها و لا يجوز شراء الوقف و لا يقاس ذلك بالصورة الأولى فإن فيها أن الواقف مالك للوقف و في هذه الصورة و ان كان الموقوف عليه مالكا الّا أن الواقف قد وقفه و حبسه بحيث لا يباع و يكون باقيا الى انقراضهم فالبيع نقض للغرض.

و أما لو قلنا بعوده الى ملك الواقف بعد انقراض الموقوف عليهم فلا يجوز بيعه للموقوف عليهم لمنافاته لأن الواقف اعتبر بقائه إلى انقراض الموقوف عليهم و اما الواقف المالك فيجوز له البيع بناء على جواز بيع ما لا يملك ثم ملك، فان الواقف و ان لم يكنى مالكا بالفعل و لكنه يكون مالكا بعد انقراض الموقوف عليهم.

و أما لو قلنا بصيرورته في سبيل اللّٰه بعد انقراض الموقوف عليهم فلا يجوز بيعه مطلقا فإنه عبارة أخرى عن الوقف المؤبد و قد عرفت عدم جواز بيعه

238

غاية الأمر أنه وقف على عدة خاصة في مدة ثم على سبيل اللّٰه كما لا يخفى.

الكلام في بيع الرهن

قوله: مسألة: و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه مرهونا

فان الظاهر، بل المقطوع به الاتفاق على عدم استقلال المالك في بيع ملكه المرهون.

أقول: المشهور، بل المجمع عليه على عدم استقلال المالك في بيع العين المرهونة، و لكن الظاهر جوازه هذا من الموارد الذي خالفنا المشهور في عدم انجبار الرواية الضعيفة بالشهرة فإنهم استندوا في ذلك الى النبوي الضعيف الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف و بنوا على انجبار ضعفه بالشهرة و نحن لا نعتمده و كيف كان ان التصرفات المتعلقة على العين المرهونة على ثلاثة أقسام، فإن قسم منها ينافي حقيقة الرهن و كونه وثيقة لكونه موجبا لزوال العين و خروجها عن كونها وثيقة أو نقصان قيمتها كما إذا ذبح الغنم المرهونة أو آجر السيارة الجديدة المرهونة أو أخرب الدار و نحوها من التصرفات المنافية لمفهوم الرهن.

و قسم منها لا ينافي مفهوم الرهن، بل ربما يتوقف عليه حفظه و بقائه كالسكنى في الدار و إصلاح العين بالمقدار الذي ينعدم بدونه، فان مثل ذلك معد لبقاء العين.

و قسم متوسط بين القسمين كالبيع و نحوه لعدم منافاة البيع لحقيقة الرهن و لذا جاز رهن العارية.

أما القسم الأول: فلا يجوز بلا شبهة، و لم يستشكل فيه أحد فيما نعلم و أما الثاني: فلا شبهة في جوازه، بل ربما يجب لبقاء العين المرهونة عليه.

و أما التصرفات المتوسطة الغير الموجبة لنقص القيمة كالبيع و نحوه،

239

فالظاهر جوازه و توضيح ذلك أن المانع عنه انما هو أمور: الأول: الإجماع التعبدي على عدم جواز، و فيه انه على تقدير حجية الإجماع المنقول فليس هنا إجماع تعبدي إذ من المحتمل أنه مستند الى الوجوه المذكورة في المسألة و الّا فالتعبد بعدم جواز بيع الرهن بعيد جدا.

الثاني: النبوي المعروف الراهن و المرتهن ممنوعات من التصرف و فيه أنه ليس لنا وثوق، بل ظن بصدوره من المعصوم «ع» فلا يكون حجة و توهم انجبار ضعفه بالشهرة في غاية الضعف لما حققناه في محلّه و أشرنا إليه في كثير من المسائل المتقدمة من أن الشهرة لا توجب انجبار ضعفه الرواية.

و لو سلمنا صحة سند فلا دلالة لها على بطلان بيع الرهن، بل هي ناظرة بمناسبة الحكم و الموضوع الى التصرفات المنافية للرهن كالقسم الأول من التصرفات، و بعبارة أخرى أن مناسبة الحكم و الموضوع في قوله الراهن و المرتهن ممنوعات من التصرف تقتضي عدم نفوذ التصرف من كل منهما على استقلاله لا مع الاتفاق و الاجتماع كما هو واضح.

و أما مفهوم الرهن فهو عبارة أخرى عن كون العين وثيقة و من الواضح أن البيع لا يمنع عن ذلك، و لذا جاز رهن العارية غاية الأمر يشترط في العقد عدم كون المبيع طلقا، بل كونه متعلقا لحق الغير و مع عدم فكّه يكون للمشترى خيار تخلف الشرط، بل يصح مع عدم الاشتراط أيضا غاية الأمر يكون المبيع معيبا فيثبت للمشترى خيار العيب.

نعم، لو قلنا بكون الرهن كالوقف و لم يكن للمالك علاقة الملكية كما لا يبقى له العلقة في الوقف أيضا فلعدم جواز البيع وجه و لكن أنى لهم إثبات ذلك.

و بالجملة لا دليل على بطلان بيع الرهن لعدم وجود الإجماع التعبدي

240

عليه و لا وجود الرواية و عدم صحة النبوي سندا و دلالة و عدم اقتضاء مفهوم الرهن ذلك.

ثم على القول بعدم جواز بيع الرهن هل هو باطل من أصله كما اختاره جمع أو يتوقف على اجازة المرتهن كما اختاره جمع آخر و اختاره المصنف، الظاهر هو الثاني للعمومات الدالة على صحة المعاملة وضعا و تكليفا و عدم وجود المعارض لها.

و أما توهم الإجماع على البطلان، ففيه أنه على تقدير حجيته فالمقدار المتيقن منه هو البطلان مع استقلال الراهن في التصرف أو المرتهن لا مطلقا و أما النبوي فمضافا الى ضعف السند فيه كسائر النبويات فلا دلالة فيه على بطلان البيع من أصله، بل انما يدل على عدم نفوذ التصرف بدون اذن المرتهن و الذي يدلنا على هذا تسالم الفقهاء على صحة بيع المرتهن مع اذن الراهن أي الإجازة اللاحقة.

هذا كله مضافا الى ما يستفاد من صحة نكاح العبد بالإجازة معللا بأنه لم يعص اللّٰه و انما عصى سيّده إذ المستفاد منه أن كل عقد كان النهي عنه لحق الآدمي يرتفع المنع و يحصل التأثير بارتفاع المنع و حصول الرضا و ليس ذلك معصية اللّٰه أصالة في إبقاء العقد التي لا يمكن أن يلحقها رضا اللّٰه تعالى.

[فيما استدل به المصنف على صحة بيع الرهن]

ثم ان المصنف استدل على صحة بيع الرهن

[الأول] بفحوى أدلة صحة بيع الفضولي،

و عن التذكرة أن كل من أبطل عقد الفضولي أبطل العقد هنا، و لكن الظاهر أن الأولوية ممنوعة من الطرفين

أما الثاني فلما افاده المصنف من أن من استند في البطلان في الفضولي إلى مثل قوله (ع): لا بيع إلّا في ملك لا يلزمه البطلان هنا.

241

و أما الأول: فلا مكان الالتزام بصحة الفضولي و بطلانه هنا كما ذهب اليه الشيخ اسد اللّٰه التستري و ذلك من جهة أن العمومات تشمل للعقد الفضولي بعد الإجازة و انتسابه الى المالك لكون العقد عقد فيكون صحيحا بخلاف المقام، فإنه كالعقد على بنت الأخ و الأخت صادر من المالك ابتداء من غير شمول العمومات لها فحيث أنه عقد واحد و ليس له أفراد عديدة فلا تشمله العمومات بعد الإجازة أيضا، و لكن أجبنا عنه فيما سبق من العقد الفضولي أن العمومات شاملة لها بعد الإجازة للعمومات الزماني، فإنه ليس منحصرا بصورة تعدد الأفراد الطوليّة، بل يجري في الفرد المستمر فإذا لم تشمل العمومات لعقد مدّة من الزمان لمانع فتشمله بعد ارتفاع المانع.

و حاصل الكلام من الأول أنه لا إشكال في بيع الرهن بان يبيعه الراهن من غير استيذان من المرتهن، بل باستقلاله غاية الأمر شرط على المشتري كون المبيع ملكا غير طلق، بل بدون الاشتراط فيكون له خيار العيب.

و دعوى الإجماع التعبدي على البطلان دعوى جزافية لاحتمال كونه مستندا الى الوجوه المذكورة في المسألة و التمسك في المنع إلى النبوي الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف بلا وجه لضعف سنده أولا، و عدم انجباره بالشهرة، و لذا خالفنا المشهور في هذه المسألة، و عدم دلالته على المقصود ثانيا، فإن مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أن المراد من كونهما ممنوعان من التصرفات المنافية للرهن لا مطلق التصرف و من الواضح أن البيع لا ينافي الرهن، و لذا يجوز رهن العارية و اذن فلا مانع من البيع مع وجود المقتضى له و كونه ملكا للبائع فيجوز التمسك بالعمومات الدالة على

242

صحة البيع.

و دعوى عدم جواز التمسك بها من جهة أن البيع من الأول بيع ما لا يملك و لم تشمله العمومات و بعد الإجازة ليس هنا عقد آخر ليكون مشمولا لها، لكونه فردا واحدا لا أفراد عديدة لتكون مشمولة لها بحسب العموم الزماني فلا يقاس ذلك بالبيع الفضولي لكونه حين استناده الى المالك مشمولا للعمومات و كون العقد عقده و ان لم تشمله من الأول من جهة صدوره من الأجنبي و أما هنا فقد عرفت أن العقد حين صدوره من المالك لم تشمله العمومات لعدم رضائه المرتهن و بعد الإجازة ليس هنا عقد آخر، فيكون باطلا دعوى جزافية.

بيان ذلك أن العمومات من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و غيرهما كما تدل على صحة العقود بحسب الأفراد الطولية المسماة بالعموم الزماني فكك تدل على صحة العقد الواحد في طول الزمان و في كل آن، و هذا أيضا عموم زماني فهذا العقد الواحد المستمر يجب الوفاء بها في طول الزمان و على هذا فلو خرج في زمان عن تحت العموم فلا يوجب ذلك خروجه عنه في جميع الآنات بل تشمله العمومات مع وجدانه الشرائط فبيع الراهن و عقد بنت الأخ و بنت الأخت و ان كان قبل اجازة المرتهن و العمة و الخالة غير داخلة تحت العمومات و لكنها بعد الإجازة تكون مشمولا للعمومات.

لا يقال على هذا فيلزم جواز التمسك بالعمومات في جميع العقود التي كانت واجدة للشرائط بعد ما كانت فاقدة لها كما إذا فقدت شرائط المتعاقدين كعقد الصبي و المجنون ثم بالغ الصبي و أفاق المجنون أو فقدت شرائط العقد كما إذا كانت غرريا ثم ارتفع الغرر و هكذا مع أنه لا يمكن

243

الالتزام بذلك.

فإنه يقال فرق واضح بين ما نحن فيه و بين الأمور المذكور فان الظاهر من الأدلة أن من شرائط العقد حين تحققه أن لا يكون غرريا و ان لا يكون صادرا من المجنون و الصبي و الّا بطل العقد، فإذا كان حين تحققه غرريّا أو صادرا من الصبي و المجنون ثم انتفى الغرر أو بلغ الصبي أو برح المجنون فلا يمكن الحكم بصحة هذا العقد، فان ما تحقق غرريا أو صدر من الصبي و المجنون لم يكن صحيحا عند التحقق و ما يكون فعلا واجدا للشرائط ليس عقدا آخر غير ما تحقق أولا الذي كان مشروطا من الأول بهذه الشروط، فيكون باطلا.

و هذا بخلاف العقد الفضولي و بيع الراهن فإن صحة العقد فيهما مشروط برضى المالك و المرتهن و لكن لا دليل على كونه كك من حين الحدوث فإذا رضيا به فيكون العقد عقدا برضا صاحبه من المالك و المرتهن فتشمله العمومات فيحكم بالصحة كعقد المكره بعد الرضاء.

و بالجملة إذا كانت الشرائط من الأمور التعليقية الخارجة عن كونها شرطا لنفس العقد أو للعاقد فلا وجه لكونه صحيحا في زمان و باطلا في زمان آخر كبيع الغرري و نحوه و اما إذا كان من الأمور التعليقية كالرضا فلا وجه لفساد العقد بدونه إذا كان واجدا لذلك بعد مدة لعدم القصور من شمول العمومات عليه كما لا يخفى.

و ما عن صاحب المقابس من أن عقد الراهن كعقد النكاح على بنت الأخ و الأخت بدون رضا المرتهن و العمة و الخالة صادر من المالك غير مشمول للعمومات فبعد الإجازة ليس هنا عقد آخر ليكون مشمولا لها قد ظهر فساده مما ذكرناه.

244

الوجه الثاني: مما يدل على صحة بيع الرهن مع الإجازة مع التنزل عن جواز بيعه استقلالا الروايات الدالة على صحة بيع العبد

معللا بأنه لم يعص اللّٰه و انما عصى سيده حيث أن المستفاد منها أن عصيان المخلوق في حقهم لا يوجب بطلان المعاملة و أما الموجب للبطلان انما هو عصيانه تعالى.

ثم نقل المصنف (ره) عن بعض معاصريه القول ببطلان عقل الراهن بدون اذن المرتهن سابقا

متمسكا بالإجماعات و الاخبار المحكية على المنع و النهي، قال و هو موجب للبطلان و ان كان لحق الغير إذا العبرة بتعلق النهي بالعقد لا الأمر خارج منه و هو كاف في اقتضاء الفساد كما اقتضاه

ثم أورد على نفسه بما حاصله أنه على هذا يلزم بطلان العقد الفضولي و عقد المرتهن مع أن كثيرا من الأصحاب ساوا بين الراهن و المرتهن في المنع كما دلّت عليه الرواية فيلزم بطلان عقد الجميع أو الصحة فالفرق تحكم.

ثم أجاب بأن التصرف المنهي عنه ان كان انتفاعا بمال الغير فهو محرم و لا يحل له الإجازة المتعقّبة و ان كان عقدا أو إيقاعا فإن وقع بطريق الاستقلال لا على وجه النيابة عن المالك فالظاهر أنه كك كما سبق في الفضولي و الّا فلا يعد تصرّفا يتعلق به النهي فالعقد الصادر عن الفضولي و المرتهن إذا كان على نحو الظلم و الغصب فيكون منهيّا عنه و باطلا.

و أما إذا كان بقصد النيابة عن المالك فلا وجه للبطلان و أما الراهن المالك فحيث أنه حجر عن ماله برهنه فيكون عقده مستندا الى ملكه لعدم المعنى لقصد النيابة فيكون منهيّا عنه و باطلا فيكون ما دل على النهي عن تصرفه الكذائي مخصصا للعمومات.

245

ثم قال و أما التعليل المستفاد من الرواية (1) المروية في النكاح من قوله لم يعص اللّٰه و انما عصى سيده فهو جار فيمن لم يكن مالكا كما أن العبد لا يملك أمر نفسه، و أما المالك المحجور عليه فهو عاص للّٰه تعالى بتصرفه و لا يقال انه عصى المرتهن لعدم كونه مالكا و انما منع اللّٰه من تفويت حقه بالتصرف و ما ذكرناه جار في كل مالك متموّل لأمر نفسه إذا حجر على ماله لعارض كالفلس و غيره فيحكم بفساد الجميع.

و قد أورد عليه المصنف بوجوه كلها صحيحة.

منها: أنه لا فرق في الحكم بين بيع ملك الغير على وجه الاستقلال و بيعه على وجه النيابة

فإن البيع ان كان تصرفا في مال الغير و كون نفس الإنشاء مصداقا للتصرف المحرم فهو حرام مطلقا مع قصد النيابة و عدمه و الّا فلا وجه للبطلان.

و منها أن مطلق النهي المتعلق بالمعاملة لا يقتضي الفساد

بل انما يقتضي الفساد إذا كان نهيا إرشاديا لا نهيا تكليفيّا فإن النهي التكليفي لا يستفاد منه الفساد إذ لا ملازمة بين الحرمة و الفساد، نعم لو كان للإرشاد دل على الفساد فدلالة النهي على حرمة بيع الرهن لا يدل على الفساد لعدم الملازمة بينهما.

و منها: أن قصد النيابة لو كان مصححا للعقد فيتصور مثل ذلك في بيع الراهن أيضا

فإنه قد يبيع رجاء لإجازة المرتهن و لا ينوى الاستقلال و قد يبيع جاهلا بالرهن أو بحكمه أو ناسيا و لا حرمة في شيء من ذلك.

و منها: أن المتيقن من مورد الإجماع و الاخبار أعني الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف هو استقلال كل منهما في التصرف في العين المرهونة

و أما أزيد من ذلك فلا دليل عليه.

____________

(1) وسائل: ج 14 ص 523

246

و منها: أن ما ذكره من منع جريان التعليل في روايات العبد فيما نحن فيه لوجود الفرق بينهما فاسد،

بل الظاهر كون النهي في كل منهما لحق الغير فان منع اللّٰه جل ذكره من تفويت حق الغير ثابت في كل ما كان النهي عنه لحق الغير من غير فرق بين بيع الفضولي و نكاح العبد و بيع الراهن.

و منها: أن ما ذكره من المساواة بين بيع الراهن و بيع الوقف و أم الولد

ففيه أن الحكم فيهما تعبد محض و لذا لا يؤثر الإذن السابق من الواقف و المولى في صحة البيع، بل لو اجتمعوا أى الواقف و الموقوف عليه أو المولى و الولد و أم الولد و رضوا على البيع فأيضا لا يجوز كما لا يخفى و على هذا فقياس الرهن عليه في غير محلّه.

و بالجملة أن المستفاد من طريقة الأصحاب، بل الأخبار أن المنع من المعاملة إذا كان لحق الغير الذي يكفي إذنه السابق لا يقتضي الإبطال رأسا بل انما يقتضي الفساد بمعنى عدم تربت الأثر عليه مستقلا من دون مراجعة ذي الحق و يندرج في ذلك الفضولي و عقد الراهن و المفلس و المريض و عقد الزوج لبنت أخت زوجته أو أخيها و للأمة على الحرة و غير ذلك فإن النهي في جميع ذلك انما يقتضي الفساد بمعنى عدم ترتب الأثر المقصود من العقد عرفا.

قوله: و قد يتخيّل وجه آخر لبطلان البيع هنا.

أقول: بناء على كون الإجازة هنا كاشفة كما هو الظاهر، فيلزم أن يكون الرهن ملكا للبائع أعنى الراهن و المشتري فيكون البيع و الرهن متنافيين و لا يعقل تحققهما في زمان واحد فيكون نظير ما تقدم في مسألة من باع شيئا ثم ملكه من أنه على تقدير صحة البيع يلزم كون الملك لشخصين

247

في الواقع.

و أجاب عنه المصنف بأن القائل بجواز بيع الرهن انما يلتزم بكشف الإجازة عن عدم الرهن من الأول بناء على الكشف و الا لجرى ذلك في العقد الفضولي أيضا لأن فرض كون المجيز مالكا للمبيع نافذ الإجازة يوجب تملك مالكين لملك واحد قبل الإجازة و اما ما يلزم في مسألة من باع شيئا ثم ملكه فلا يلزم في مسألة اجازة المرتهن، نعم يلزم في مسألة انفكاك الرهن، فإنه حينئذ يكون ملكا للبائع و المشتري معا و سيجيء التنبيه على ذلك إنشاء اللّٰه تعالى ثم ان هذا الاشكال انما في صورة عدم اجتماع الرهن مع البيع و أما بناء على مسلكنا فلا موضوع له أصلا، لجواز اجتماعهما على ما عرفت فتحصل أنه لا محظور في بيع الرهن بوجه.

قوله: ثم ان الكلام في كون الإجازة من المرتهن كاشفة و ناقلة هو الكلام في مسألة الفضولي.

أقول: قد عرفت في بيع الفضولي أن مقتضى القاعدة هو النقل و حصول الملكية للمشترى من حين الإجازة و انما يصار الى الكشف لدليل اقتضى ذلك فان كون الإجازة شرطا في صحة البيع بعنوان التعقب مئونة زائدة يحتاج الى الدليل و على هذا فالدليل الدال على الكشف في باب الفضولي انما هو الخبر الوارد في النكاح كما تقدم و انما تعدينا إلى سائر العقود من جهة القطع بعدم الفرق بين أفراد العقود و أما في المقام فحيث أن المباشر للعقد انما هو من له العقد دون الأجنبي كما في الفضولي و ما بيده الإجازة انما هو غير المالك اعنى المرتهن الذي ليس العقد له فاسراء الدليل الوارد في النكاح الى هنا يحتاج الى علم الغيب و عليه فمقتضى القاعدة هنا هو النقل-

248

و لكن تقدم في الفضولي أن مقتضى القاعدة هو الكشف الحقيقي، لا بالمعنى الذي سلكه القوم، بل بمعنى آخر و هو أن يكون المبيع ملكا للمشترى من الأول و لكن حين الإجازة لا من زمان العقد كما عرفت بما لا مزيد عليه و عليه فنقول بالكشف هنا أيضا على طبق القاعدة.

و أما ما أفاده المصنف (ره) هنا من أن القول بالكشف هناك يستلزمه هنا بالفحوى لأن اجازة المالك أشبه بجزء المقتضى و هي هنا من قبيل رفع المانع و من أجل ذلك جوّز و أعتق الراهن هنا مع تعقب اجازة المرتهن مع أن الإيقاعات عندهم لا تقع مراعاة و الاعتذار عن ذلك ببناء العتق على التغليب كما فعله المحقق الثاني في كتاب الرهن في مسألة عفو الراهن عن جناية الجاني على العبد المرهون مناف لتمسكهم في العتق بعمومات العتق.

و فيه انه لا وجه للأولوية فإن عدم جريان الفضولي في الإيقاعات من جهة الإجماع و المتيقن منه ما كان الإيقاع من الأجنبي فلا يعمّ بما إذا كان من المالك مع توقفه على رضائه الغير الذي ليس بمالك كما في عتق الراهن لكونه مشمولا للعمومات، بل هو غير مربوط بباب الفضولي أصلا فضلا عن اقتضاء الأولوية الكشف.

قوله: ثم انه لا إشكال في أنه لا ينفع الردّ بعد الإجازة و هو واضح.

أقول: أما الإجازة بعد الردّ فذكر المصنف فيه وجهان: الأول أن الردّ في معنى عدم رفع اليد عن حقه فله إسقاطه بعد ذلك و ليس ذلك كرد بيع الفضولي لأن المجيز هناك في معنى أحد المتعاقدين و قد تقرر أن ردّ أحد العاقدين مبطل لإنشاء العاقد الآخر بخلافه هنا فان المرتهن أجنبي له حق في العين.

الثاني: أن الإيجاب المؤثر انما يتحقق برضا المالك و المرتهن فرضاء

249

كل منهما جزء مقوم للإيجاب المؤثر فكما أن ردّ المالك في الفضولي مبطل للعقد بالتقريب المتقدم كك ردّ المرتهن و هذا هو الأظهر من قواعدهم.

و الظاهر أن الإجازة بعد الردّ مؤثرة في صحة العقد و لا يعتنى، لما ذكره المصنف و ذلك من جهة أنه قد تقدم أن الدليل على عدم تأثير الإجازة بعد الردّ هو الإجماع، و من الواضح أنه دليل لبىّ يقتصر منه على المورد المتيقن و هو صورة كون العقد من طرف المرتهن و من لرضايته دخالة في صحة العقد هو المالك لا الأجنبي كما في المقام فان المرتهن أجنبي عمن لهما العقد فرضايته دخيل و لكن رده لا يفيد فيكون مشمولا للعمومات بل قد ذكرنا في بيع الفضولي دلالة صحيحة محمد بن قيس على تأثير الإجازة بعد الرد مطلقا حيث يفهم من ردّ الوليدة آثار الرد مع ذلك يحكم فيها بصحة البيع كما تقدم و ان استشكلنا فيها أيضا فراجع.

قوله: ثم انّ الظاهر أن فكّ الرهن بعد البيع بمنزلة الإجازة لسقوط حق المرتهن بذلك.

أقول: وقع الخلاف في أن فكّ الرهن هل يكون مثل الإجازة و كذا سقوط الرهن بأي نحو كان من إسقاط الدين أو أدائه أولا، بل لا يلزم العقد به بوجه و أنه ليس كالإجازة و قد صرّح بالأول في التذكرة و كذا عن فخر الإسلام و الشهيد في الحواشي، و الظاهر من المحقق و الشهيد الثانيين و يحمل عدم لزوم العقد بالفك كما احتمله في القواعد، بل مطلق السقوط الحاصل بالإسقاط أو الإبراء أو بغيرهما نظر الى أن الراهن تصرف فيما فيه حق المرتهن و سقوطه بعد ذلك لا يؤثر في تصحيحه.

و الفرق بين الإجازة و الفك أن مقتضى ثبوت الحق له هو صحة إمضائه للبيع الواقع في زمان حقه و ان لزم من الإجازة سقوط حقّه فيسقط حقّه بلزوم

250

البيع.

و بالجملة فالإجازة تصرف من المرتهن في الرهن حال وجود حقه أعنى حال العقد بما يوجب سقوط حقه نظير اجازة المالك بخلاف الإسقاط أو السقوط بالإبراء أو الأداء فإنه ليس فيه دلالة على مضى العقد حال وقوعه فهو أشبه شيء ببيع الفضولي أو الغاصب لنفسهما ثم تملكهما و قد تقدم الاشكال فيه عن جماعة.

ثم أيّد ذلك، بقوله

و يؤيد ما ذكرناه، بل يدل عليه ما يظهر من بعض الروايات من عدم صحة نكاح العبد بدون اذن سيده بمجرد عتقه ما لم يتحقق الإجازة و لو بالرضا المستكشف من سكوت السيد مع علمه بالنكاح.

و أورد عليه المصنف و تبعه شيخنا الأستاذ هذا و لكنّ الانصاف ضعف الاحتمال المذكور من جهة أن عدم تأثير بيع المالك في زمان الرهن ليس إلّا لمزاحمة حق المرتهن المتقدم على حقّ المالك بتسليط المالك فعدم الأثر ليس لقصور في المقتضى، و انما هو من جهة المانع فإذا زال المانع أثر المقتضي.

ثم قال و أما قياس ما نحن فيه على نكاح العبد بدون اذن سيده فهو قياس مع الفارق لأن المانع عن سببيّة نكاح العبد بدون اذن سيّده قصور تصرفاته عن الاستقلال في التأثير لا مزاحمة حق السيد لمقتضى النكاح إذ لا منافاة بين كونه عبدا و كونه زوجا و لأجل ما ذكرنا لو تصرّف العبد لغير السيّد ببيع أو غيره ثم انعتق العبد لم ينفع في تصحيح ذلك التصرّف.

أقول: قد تقرر في الأصول أن جميع الاعتبارات و القيودات راجعة إلى موضوعات الاحكام لا الى نفسها فموضوع صحة بيع الراهن انما هو بيع

251

الراهن مع اجازة المرتهن فإذا ارتفع موضوع اجازة المرتهن لا يبقى موضوع لصحة العقد الذي كان مقيدا بإجازة المرتهن و أما مجرّد وجود المقتضى و عدم المانع فلا يفيد في ثبوت الحكم لعدم ترتّب الأثر عليه ما لم يتحقق موضوع الحكم حقيقة و الّا لجرى الكلام في بيع الغرر و نحوه و يقال أن مقتضى الصحة موجود و المانع أى الغرر مثلا مرتفع فيؤثر المقتضي أثره.

و بالجملة أن باب المقتضى و المانع مما لا يترتب عليه شيء بوجه ما لم يتحقق الموضوع بجميع قيوداته في الخارج فإذا تحقق فترتب عليه الأثر.

ثم انك عرفت أن وجه جواز بيع الراهن مع الغض عن جوازه استقلالا في نفسه انما هو وجهان:

الوجه الأول: أن الظاهر من الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف هو التصرف الاستقلالي

و كون كل منهما مستقلا في التصرف من غير أن يكون لنظر الأخر دخالة فيه، و أما التصرفات الغير الاستقلالية فلا محظور فيها لكونها خارجة عن إطلاق الحديث فيكون مشمولا للعمومات و أما إذا باع الراهن الوثيقة ففكّ الرهن قبل الإجازة أو سقط الدين بإبراء و نحوه فلا وجه لخروج ذلك عن إطلاق الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف، بل هو شامل لما بعد الفك و ما قبله لأن في زمان العقد لم تكن اجازة المرتهن و لا أن الراهن كان تصرفه نافذا على الاستقلال و في زمان كان الراهن نافذ التصرف لم يكن هنا بيع فلا وجه للتصحيح.

و من هنا ظهر أنه لا موضوع لاستصحاب عدم اللزوم الحاكم على العموم كما في كلام المستدل على الفرق بين الفكّ و الإجازة و للجواب عنه بأن الموارد من موارد التمسك بالعام لعموم أوفوا على جميع الآنات سوى زمان الرهن فان البيع فيه غير لازم و أما في غيره فالعمومات محكمة، و وجه عدم الاحتياج، أنه بعد وجود الرواية لا شرح للأصل و أنه مخصص للعمومات فلا محال

252

للتمسك بها كما عرفت.

الثاني: أنه مع الغض عن الوجه الأول

أن ما دل على جواز نكاح العبد و صحته معللا بأنه لم يعص اللّٰه و انما عصى سيده دل على جواز بيع مال الرهن مع رضا المرتهن بدعوى ان المستفاد منه أن كل عقد كان النهي عنه لحق الآدمي يرتفع المنع و يحصل التأثير بارتفاع المنع و حصول الرضا و ليس ذلك كمعصية اللّٰه أصالة في إيقاع العقد التي لا يمكن أن يلحقها الرضا اللّٰه و أما في غير ما لا يمكن فيه رضا المرتهن فلا مورد للتمسك بما ورد في نكاح العبد، بل نتمسك بإطلاق الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف بناء على صحة التمسك به كما عليه المشهور و الغض عما بنينا عليه من جواز بيع الراهن استقلالا كما عرفت، فان ما لا يجوز بيع الرهن انما هو البيع الذي يكون كبيع الغاصب بحيث جعل المبيع كغير الرهن و يعامل معه معاملة الملك الطلق لا البيع الذي لا ينافي في الرهنية بوجه.

و الحاصل: أنه ربما يفرّق بين فكّ الرهن و بين اجازة المرتهن، و الالتزام بالصحة في الثاني و بالفساد في الأول و قد أجاب عنه المصنف و تبعه الأستاذ بأن مقتضى الصحة في بيع الراهن العين المرهونة موجود و المانع عن تأثيره انما هو حق المرتهن فإذا ارتفع بالفكّ فيؤثر المقتضي أثره و فيه أن الاحكام الشرعية خارجة عن باب المقتضى و المانع بل القيودات و الشرائط فيها معتبرة في الموضوع فيدور الحكم مدار وجود الموضوع، و واجديته تمام الشرائط فإذا لم يتم شيء من شرائطه فلا يترتب الحكم عليه فصحّة بيع الرهن انما هي مترتّبة على اجتماع كل من الراهن و المرتهن على البيع فان اجتمعا في ذلك فيصحّ و إذا استقل كل منهما في التصرف فيبطل كما هو مقتضى الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف و على هذا