مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
253

فلو باع الراهن العين المرهونة و قبل اجازة المرتهن فك الرهن بإسقاط الدين أو بأدائه فلا يمكن الحكم بصحته لشمول إطلاق الخبر له ما قبل فك و ما بعده فيكون باطلا.

و بعبارة أخرى صحته كانت متوقفة على اجازة المرتهن فلم تحصل بل ارتفع موضوعها و من الواضح أن الخارج عن تحت الخبر انما كان صورة اجتماع الراهن و المرتهن على البيع و أما غيرها فكان داخلا تحت الإطلاق فلا يشمله عموم أحل اللّه البيع و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و غيرهما من العمومات، فإنها وجد قبل الفك لم يكن الشرط فيه موجودا و هو اجازة المرتهن، و أما بعد الفك فلم يوجد البيع ليكون مشمولا لعموم الوفاء بالعقد، فافهم.

و أما ما ادعاه المصنف من أنه لا مجال لاستصحاب عدم تأثير البيع للعلم بمناط المستصحب و ارتفاعه فالمقام من باب وجوب العمل بالعام من باب استصحاب حكم الخاص كما زعمه المتوهم فإنه و ان كان متينا بالنسبة الى عدم جريان الاستصحاب لتبدل الموضوع مضافا الى عدم جريانه في الأحكام الكلية كما حقق في محله و لكن لا يتم من جهة التمسك بالعام أيضا لما عرفت أن إطلاق الراهن و المرتهن شامل للمورد فيكون مخصصا لعموم العام.

و تحصل أنه إذا باع الراهن و المرتهن شامل للمورد فيكون مخصصا لعموم العام.

و تحصل أنه إذا باع الراهن العين المرهونة ثم فكّ الرهن فيكون البيع فاسدا فلا مجوّز للتصحيح.

ثم بناء على الصحة فهل مقتضى القاعدة هنا أيضا الكشف كالفضولي أو النقل الظاهر هو النقل لما عرفت أن دليل الكشف هو الخبر الوارد في باب النكاح من أنه تحلف المرأة أنها كانت راضية بالنكاح لو بقي زوجها و تعدينا من ذلك الى كل عقد من جهة القطع بعدم الفرق بينها، و أما

254

المقام فلا وجه للتعدي إليه حتى لو جوزنا التعدي إلى صورة اجازة المرتهن إذ ليس هنا اجازة حتى تكشف عن حصول الملكية من الأول و نتعد من خبر النكاح اليه، بل ليس هنا الّا الفكّ فلا موجب للكشف في مقام الإثبات و انما مقتضى القاعدة هو النقل.

و اما بناء على ما ذكرنا من كون الكشف على القاعدة فكك أيضا فإنا قلنا به من جهة تعلق الإجازة على العقد من الأول من حين الإجازة و ليس هنا اجازة لتتعلق بالعقد و يكشف عن الملكية من الأول.

ثم لو قلنا بالكشف أيضا فهل يحكم بلزوم العقد من طرف الراهن بحيث ليس له أن يفسخ العقد أم لا، فحيث أن المصنف قد قال في البيع الفضولي أن الأمر بالوفاء بالعقد أم لا، فحيث أن المصنف قد قال في البيع الفضولي أن الأمر بالوفاء بالعقد حكم انحلالي بالنسبة الى كل شخص كما أنه حكم انحلالي بالنسبة الى كل فلكل من البائع و المشتري أمر بالوفاء بالعقد مستقلا و على هذا فيجب للراهن الوفاء بالعقد كالمشتري الأصيل فلا يجوز له فسخه و لا إبطاله بالاذن للمرتهن في البيع.

و فيه أن معنى الوفاء هو الإتمام و الإنهاء و الوفاء بالعقد هو انهاءه و لا يتم ذلك الّا بعد تحقق العقد و الالتزام و هو لا يحصل الا من الطرفين فالشارع المقدس انما يحكم بإتمام العقد و إنهائه إذا كان العقد حادثا و إمضائه حدوثا ثم يحكم ببقائه بقاء و ليس كك إذ الشارع لم يمضى العقد بعد فكيف يحكم بانهائه فإنه لا يتم بالتزام البائع فقط و في المقام لا يتم بالتزام الراهن فقط بدون رضائه المرتهن و هذا نظير بيع الصرف و السلم قبل القبض فهل يتوهم أحد بجواز التمسك بالعمومات قبل القبض و كك مثل الوقف قبل القبض.

ثم بناء على اللزوم و عدم جواز فسخه فهل يجب للراهن فك الرهن

255

ليبقى البيع و ينهاه الى الأخر أو لا يجب و قد تردد المصنف في المسألة و قال يمكن أن يقال بوجوب فكّه من مال آخر إذ لا يتم الوفاء بالعقد الثاني الّا بذلك فمن باب المقدمة يجب الفكّ ليحصل الوفاء به، فالوفاء بمقتضى الرهن غير مناف للوفاء بالبيع.

و يمكن أن يقال انه انما يلزم الوفاء بالبيع بمعنى عدم جواز نقضه و أما دفع حقوق الغير و سلطنته فلا يجب و لذا لا يجب على من باع مال الغير لنفسه أن يشتريه من مالكه و يدفعه اليه بناء على لزوم العقد بذلك.

و الظاهر هو الثاني فإن الأمر بالوفاء بالعقد إرشاد إلى أنه لا ينقضي بالفسخ و لو أراد ان يفسخ فلا ينفسخ، و أما أنه من المحرّمات بحيث يكون الوجوب تكليفيّا فلا إذ لا يمكن أن يكون أمر واحد إرشاديا و تكليفيا معا بحيث يكون أمر واحد متكفلا لجهتين كما هو واضح. لا يخفى و عليه فلا يجب للراهن فكّ الرهن و ان قلنا باللزوم مقدمة الأداء و الوفاء.

ثم انه لو قلنا بكون الأمر بالوفاء تكليفيا أيضا فلو امتنع فهل يباع عليه لحق المرتهن لاقتضاء الرهن ذلك، و ان لزم من ذلك ابطال بيع الراهن لتقدم حق المرتهن أو يجبر الحاكم الراهن على فكه من مال آخر جمعا بين حقي المشتري و المرتهن اللازمين على الراهن البائع وجهان، كما في المتن الظاهر هو تقديم حق المرتهن كما هو واضح. و أما مع انحصار المال في المبيع فلا إشكال في تقديم حق المرتهن كما هو واضح.

الكلام في بيع الغرري

قوله: مسألة الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم،

256

فان الظاهر الإجماع على اشتراطها في الجملة.

أقول: و من جملة شروط العوضين القدرة على التسليم تنقيح مورد البحث هو أن المراد من القدرة على التسليم هو القدرة الفعلية بمعنى التمكن على التسليم عند البيع فلو قدر المشتري على التسلّم و لم يقدر البائع على التسليم فيكون البيع صحيحا و لكن كان للمشترى الخيار إذ ليس عليه التسلّم، بل يجب للبائع التسليم و كذا يثبت الخيار للمشترى إذا كان البائع قادرا على التسليم حين البيع ثم طرء له العجز، بل يجوز للمشترى طلب الأجرة على الاستفادة فكل ذلك ليس موردا للكلام، و انما مورد البحث ما كان التعذر من المنتقل عنه و المنتقل اليه معا و مثلوا لذلك ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء ثم لم ينقل الخلاف من العامة و الخاصة في اعتبار هذا الشرط الّا أن العامة خالفوا في بيع الآبق فقالوا بعدم الصحة و لم ينقل الخلاف من الشيعة في اعتبار هذا الشرط، الّا من الفاضل القطيفي المعاصر للمحقق الثاني.

ثم ان الدليل على اعتبار هذا الشرط وجوه:

الأول: قوله (ع) نهى النبي (ص) عن بيع الغرر المشهور بين العامة و الخاصة

فيقع الكلام تارة في سند الحديث و أخرى في دلالته، أما الأول فلا شبهة في ضعفه لكونه نبويا الّا انه اشتهر الاستدلال به في المسألة و عليه فان كانت الشهرة مستندة الى الحديث و قلنا بكونها جابرة لضعف السند فبها و الّا فلا يمكن الاستدلال به و إثبات كل من الصغرى و الكبرى مشكل جدا.

و أما دلالته على المقصود فغرّ تارة يؤخذ متعديا فيكون بمعنى الخديعة و الغفلة يقال غرّه أى خدعه كما في الصحاح و القاموس و غيرهما و يظهر ذلك من الرواية المروية عن أمير المؤمنين (ع) أنه عمل ما لا يؤمن

257

معه من الضرر كما في لسان العرب، ثم حكى المصنف: عن النهاية بعد تفسير الغرة بالكسر بالغفلة أنه نهى عن بيع الغرر و هو ما كان له ظاهر يغرّ المشتري و باطن مجهول و بالجملة أن الظاهر من جملة من أهل اللغة ان الغرر بمعنى الخديعة.

و تارة أخرى يستعمل لازما فيكون بمعنى الخطر كما في المصباح و الأساس و المغرب و الجمل و في لسان العرب نسبة الى بعض و ان كان بمعنى الخديعة فيكون النهي تكليفيّا محضا و نهيا عن خصوص التغرير فلا يكون ناظرا إلى الجهة الوضعي الا أن المشهور استدلوا به على البطلان و ان كان بمعنى الخطر فيكون ناظرا إلى الجهة الوضعي فحيث أن تعين أحد المعنيين غير معلوم فلا يمكن الاستدلال به و العلم الإجمالي بأحدهما لا يفيد لكون كل منهما مشكوكا بالشبهة البدوية و ليس بينهما جامع كلى يوجب العلم التنجّز.

نعم بناء على كون الغرر بمعنى الخطر فيستدل به على البطلان و لا يفرق فيه بين ما كان الجهل متعلقا بحصوله بيد من انتقل إليه أم بصفاته كمّا أو بصفاته كيفا كما ذكره المصنف، و اما إذا تعلق بأصل الوجود فيكون من باب بيع ما لا يملك فيكون خارجا عن المقام و ربما يقال ان المنساق من الغرر المنهي عنه الخطر من حيث الجهل بصفات المبيع و مقداره لا مطلق الخطر الشامل لتسليمه و عدمه ضرورة حصوله في بيع الغائب خصوصا إذا كان في بحر و نحوه، بل هو أوضح في بيع الثمار و الزّرع و نحوهما.

و فيه أولا: انه ان كان بيع الغائب مما يوثق بحصول المبيع فليس فيه خطر بوجه فان ذلك من قبيل العلم بالحصول ضرورة قيام الاطمئنان مقام العلم و كونه علما، و ان لم يوثق بحصوله فيكون عين المتنازع فيه فلا يكون فيه

258

امتياز بوجه.

و ثانيا: ما ذكره المصنف أن الخطر من حيث حصول المبيع في يد المشتري أعظم من الجهل بصفاته مع العلم بحصوله فلا وجه لتقييد كلام أهل اللغة خصوصا بعد تمثيلهم بالمثالين المذكورين و احتمال إرادتهم ذكر المثالين لجهالة صفات المبيع لا الجهل بحصوله في يده يدفعه ملاحظة اشتهار التمثيل بها في كلمات الفقهاء للعجز عن التسليم لا للجهالة بالصفات، هذا مضافا الى استدلال الفريقين من العامة و الخاصة بالنبوي المذكور على اعتبار القدرة على التسليم.

و بالجملة لا وجه لهذه الدعوى من العرف و اللغة و الشرع و في مقابل هذا القول ما عن الشهيد في القواعد حيث قال الغرر ما كان له ظاهر محبوب و باطن مكروه و شرعا هو جهل الحصول و مجهول الصفة فليس غررا و بينهما عموم و خصوص من وجه فإنه مضافا الى إطلاق الرواية أنه ليس للغرر حقيقة شرعية حتى يتعد بها كما لا يخفى و لكن الذي يسهّل الخطب أن كون الرواية ناظرا الى الحكم الوضعي محل تأمل، بل منع كما عرفت ثم انه هل العلم بوجود الخطر كالجهل بالمبيع أم لا، الظاهر هو الأول لا من جهة الفحوى بل من جهة خطرية المعاملة كما لا يخفى.

الوجه الثاني: ما ذكره شيخنا الأستاذ من أنه لو لم يمكن التسليم و التسلّم فهذا المال لا يعتبره العقلاء مالا و لا يترتّبون عليه أثرا

و لذا مثل الأساطين لفقد هذا الشرط ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء مع عدم رجوعهما إلى الحالة التي يمكن إقباضهما و قبضهما.

و فيه أنه على فرض اعتبار المالية في صحة البيع فهذا الوجه انما يتم في الجملة أي فيما لا يكون المبيع في نظر العرف مالا كبيع الطير في الهواء

259

و السمكة في الماء فان العرف لا يراهما مالا، بل ربما يعدونهما من التلف العرفي و أما فيما لم يكن المبيع الذي لا يقدر على تسليمه من التالف كما إذا غصب الغاصب المبيع و لم يكن البائع قادرا على الإنقاذ فإنه لا يعد ذلك في العرف تالفا و غير مال، بل يعدّ مالا كما لا يخفى على أنه لا دليل على اعتبار المالية في المبيع كما تقدم في أول البيع.

و الكلام في القدرة على التسليم و تحقيق المقام أن المراد من القدرة على التسليم هي القدرة الفعلية سواء كان القادر على ذلك هو البائع أو المشتري غاية الأمر إذا لم يكن القدرة الّا من المشتري فيكون له الخيار بل جازت له مطالبة الأجرة و مع عدم القدرة الفعلية كان داخلا في محل البحث انه صحيح أو فاسد، نعم لو كان البائع أو المشتري قادرا على التسليم أو التسلّم ثم صار عاجزا فهو خارج عن محل الكلام، بل يثبت للمشترى خيار تعذّر تسليم المبيع.

ثم انه استدل على البطلان مع العجز عن التسليم بوجوه:-

الأول: قوله (ع) نهى النبي (ص) عن بيع الغرر

فتارة يراد منه معنى الخديعة فيكون النهي متمحّضا للنهى التكليفي فلا يكون موجبا للفساد و قد ذكر ذلك جملة من أهل اللغة.

و أخرى يراد من الغرر معنى الخطر فيكون النهي ناظرا الى الحكم الوضعي، و قد ذكر ذلك أيضا جملة من أهل اللغة فحيث لا قرينة على أراد المعنى الثاني فلا يمكن الاستدلال بالنبوي على بطلان البيع الغرري و اعتبار القدرة على التسليم في المعاملة و ان كان صحيحا من حيث السند فان احتمال إرادة الخديعة يوجب منع ظهور النبوي في الخطر.

نعم استدل المشهور من الخاصة و العامة به على الفساد و دعوى

260

العلم الإجمالي بكون أحد المعنيين مرادا من النبوي لا يوجب الفساد من جهة تنجيز العلم إذ لا وجه لكونه موجبا للتنجيز فان الخديعة محرمة جزما من الخارج مع قطع النظر عن إرادة الخديعة من النبوي نظير الغش و التدليس كما تقدم في المكاسب المحرمة.

ثم انه بناء على ارادة الخطر من الغرر كما استدل المشهور من الفريقين فلا يفرق فيه بينما كان الجهل متعلقا بالحصول أم بالصفات من حيث الكيفية أم من حيث الكميّة فإن الجهل بكل منها يوجب الخطر فيكون البيع فاسدا.

و أما الجهل بأصل الوجود فهو خارج عن المقام و انما هو من صغريات بيع ما لا يملك و دعوى اختصاص الغرر بصورة الجهل بالصفات لا وجه لها فان الجهل بالحصول أعظم غررا من الجهل بالصفات، بل من هذا ما ذكره المشهور من الأمثلة من بيع السمك في الماء و الطير في الهواء فكأن صورة الجهل بالحصول مما تسالم عليه الكل بكونه موجبا للغرر كما لا وجه لدعوى اختصاصه بالجهل بالصفات لكونه معنى شرعيّا للغرر و ذلك لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية في ذلك.

ثم ذكر المصنف و كيف كان فلا إشكال في صحة التمسك لاعتبار القدرة على التسليم بالنبوي المذكور الّا أنه أخص من المدعى لان ما يمتنع تسليمه عادة كالغريق في بحر يمتنع خروجه منه عادة و نحوه ليس في بيعه خطر لان الخطر انما يطلقه في مقام يحتمل السلامة و لو ضعيفا لكن هذا الفرد يكفى من الاستدلال على بطلانه بلزوم السفاهة و كون أكل الثمن في مقابله أكلا للمال بالباطل.

و فيه أنه تقدم مرّة أنه لا دليل على بطلان البيع السفهى و انما

261

الدليل على بطلان بيع السفيه و أنه تقدم مرارا أيضا أن آية حرمة أكل المال بالباطل ناظرة إلى الأسباب و أجنبيّة عن شرائط العوضين.

و أما أصل المطلب أن النبويّ و ان لم يكن شاملا للمقام الّا أن الخطر بمعنى الهلاكة فإذا كان احتمال الهلكة موجبة للفساد و في صورة العلم بالهلاكة أولى بالفساد.

و من جملة ما يستدل به على اعتبار هذا الشرط النبوي المستفيض لا تبع ما ليس عندك و ذكر المصنف أن كونه عنده لا يراد به الحضور لجواز بيع الغائب و السلف إجماعا فهي كناية لا عن مجرّد الملك لأن المناسب حينئذ لفظة اللام و لا عن مجرّد السلطنة عليه و القدرة على تسليمه لمنافاته لتمسك العلماء من الخاصة و العامة على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ثم شرائها من مالكها خصوصا إذا كان وكيلا عنه في بيعه و لو من نفسه فإن السلطنة و القدرة على التسليم حاصلة هنا مع أنه مورد السلطنة التامة الفعلية التي تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد حتى كأنه عنده و ان كان غائبا و بالجملة فمراده أنه لا بد من ارادة المعنى الجامع الأعم من الملك و الحضور.

أقول: أما

قوله لا يراد به الحضور لجواز بيع الغائب و السلف

فالظاهر أن ذكر السلف من سهو القلم فإنه بأي معنى يفسّر النبوي فالسلف خارج عنه لعدم كونه ملكا و كونه غائبا أيضا.

و أما ارادة الحضور من لفظ عندك فواضح البطلان لما ذكره المصنف من صحة بيع الغائب و أما ارادة الجامع الشامل لعدم الملك و عدم القدرة على التسليم فأيضا فاسد لعدم القرينة عليه بل الظاهر من النبوي إرادة الملك و دعوى ان المناسب ذكر اللام حينئذ لا توجب عدم ارادة الملك، فان من

262

المتعارف حتى الآن بل في سائر الأسنة استعمال كلمة عند في الملكية و يقال أنه ليس عندي أي لا أملكه فلا يمكن الاستدلال بالنبوي على اعتبار هذا الشرط.

و أما ما ذكره من قوله مع أنه مورد الرواية عند الفقهاء بل هو مورد الرواية

فإنه (ره) ذكر في البيع الفضولي أن العلامة (ره) روى أن الحكيم ابن حزام الدلال سأل عن بيع العين الشخصية مع عدم كونها عنده فقال ((عليه السلام)) لا تبع ما ليس عندك.

و من هنا ظهر ما في كلام المصنف من قوله، و أما الإيراد عليه بدعوى أن المراد به الإشارة الى ما هو المتعارف في تلك الأزمنة من بيع الشيء الغير المملوك ثم تحصيله بشرائه و نحوه و دفعه الى المشتري فمدفوع بعدم الشاهد على اختصاصه بهذا المورد و ليس في الاخبار المتضمنة لنقل هذا الخبر ما يشهد باختصاصه بهذا المورد.

و وجه البطلان ما عرفت من رواية العلامة فإن السائل عنها إنما سئل عن خصوص البيع الشخصي الذي ليس عنده ثم يشتريه من الغير فيعطيه إياه.

و بالجملة أن الظاهر من قولهم (ع) لا تبع ما ليس عندك هو نفى الملكيّة لا نفى الحضور و لا نفى القدرة على التسليم و الاستدلال عليه و لا الجامع بين المجموع ثم ذكر المصنف نعم يمكن ان يقال أن غاية ما يدل عليه هذا النبوي، بل النبوي الأول أيضا فساد البيع بمعنى عدم كونه علة تامة لترتب الأثر المقصود فلا ينافي وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر و تحقق كونه عنده، و لو أبيت إلا عن ظهور النبويين في الفساد بمعنى لغوية العقد رأسا، المنافية لوقوعه مراعى دار الأمر بين ارتكاب خلاف هذا الظاهر و بين إخراج

263

بيع الرهن و بيع ما يملكه بعد البيع و بيع العبد الجاني عمدا و بيع المحجور لرق أو سفه أو فلس فإنّ البائع في هذه الموارد عاجز شرعا من التسليم و لا رجحان لهذه التخصيصات فحينئذ لا مانع عن التزام وقوع بيع كل ما يعجز عن تسليمه مع رجاء التمكن منه مراعى بالتمكن منه في زمان لا يفوت الانتفاع المعتد به.

و بالجملة فمراده أنه لو التزمنا بدلالة النبويين على فساد البيع من الأول لزم من ذلك التخصيص الأكثر لخروج جملة من الموارد عن تحتهما و كونها صحيحة بالإجازة فهما يدلّان على الفساد إذا لم يرتفع الغرر و لم يكن مالكا إلى الأبد لا مطلقا.

و فيه أولا أن ظهور قوله نهى النبي عن بيع الغرر هو فساد البيع من الأول من غير أن يكون مرعى بانتفاء الغرر و يكون صحيحا بعده و لا يقاس ذلك ببيع الفضولي و بيع الراهن كما تقدم.

و ثانيا أنه لا يلزم التخصيص الأكثر بخروج ثلاثة موارد من تحت الرواية و انما يلزم ذلك إذا كان الخارج بالنسبة إلى الباقي كثيرا، مثلا لو قال المولى أكرم العلماء، ثم قال لا تكرم زيدا، و لا تكرم عمروا، و لا تكرم بكرا، فلا يلزم من ذلك تخصيص الأكثر، و انما يلزم ذلك إذا لم يبق تحت العام الا مصداق أو مصداقين.

و ثالثا: أن الموارد التي ذكرها المصنف ليست تخصيصها لنهي النبي عن بيع الغرر بل كلها أجنبي عن النبوي و ذلك فان بناء الاستدلال على كون الغرر فيه بمعنى الخطر و المهلكة و من الواضح أنه لا خطر في شيء من المذكورات فإن المشتري اما يرضى بذلك أو لا يرضى لعلمه بالحال و مع ذلك أىّ خطر في ذلك و مع عدم العلم بالحال يثبت له الخيار كما لا يخفى

264

و أما ما ذكره من لزوم خروج بيع ما يملكه بعد البيع فهو خارج عما نحن فيه بالكلّيّة و انما هو بيع باطل لكونه بيعا لما لا يملك فيشمله قوله (ع) لا تبع ما ليس عندك على أن بيع الرهن ليس إلّا كسائر البيوع الفضولية غاية الأمر هذا فضولي من المالك الراهن فلا وجه لإخراج خصوص بيع الراهن فقط دون بقية البيوع الفضولية.

و أما النبوي الثاني ففيه أولا أن ظهوره هو أن كون المبيع عند البائع من الأول و أنه شرط لصحة البيع من الأول فلا يرتفع الفساد بطروّ العندية، بل هو باق على فساد إلى الأبد.

و ثانيا: أنه لا يلزم من خروج ثلاثة موارد منه تخصيص للأكثر أصلا.

و ثالثا: ليس أكثرها تخصيصا للنبوي فضلا عن أن يكون أكثر و ذلك أما بيع العبد الجاني عمدا فلأن ما يتوهم من المانع عن صحة البيع هو تعلق حق الغير به بأن يسترقه أو يقتله و لكنه ليس بمانع و ذلك لما تقدم في المسألة السابقة من أنه لا يشترط في استيفاء حق الجناية بقاء الجاني في ملك من كان مالكا له حين الجناية فلا مانع من بيعه و مجرد تعلق حق المجني عليه أو ورثته به لا يوجب عدم نفوذ بيع مولاه لعدم كون البيع مانعا عن من استيفاء الحق غاية الأمر يثبت الخيار للمشترى مع الجهل بالحال، فان كونه جانيا عيب في العبد و بالجملة بعد ما اعترف المصنف (ره) في المسألة السابقة بصحة بيع العبد الجاني غاية الأمر يثبت الخيار للمشترى مع الجهل بالحال و الّا فلا يشمله قوله (ص) نهى النبي (ص) عن بيع الغرري حتى يكون خروجه تخصيصا.

و أما بيع المحجور لسفه أو رقّ أو فلس فإن رضى من له البيع على ذلك كالولي و الغرماء صح البيع فليس فيه غرر و ان لم يرض به فيكون باطلا

265

من الأول لا من جهة الغرر بل من جهة عدم نفوذ بيعهم بدون اجازة الولي و الغرماء.

و أما الرهن فان قلنا بأن اشتراط القدرة على التسليم لا يشمل التعذر الشرعي و انما يختص بالتعذر الخارجي فلا إشكال في صحة بيع الراهن لكون المنع هنا شرعيا و هذا هو الظاهر فان العجز الشرعي و ان كان العجز الخارجي الّا أن محط نظر الأساطين في هذا الشرط هو عدم القدرة خارجا و لذا يمثّلون لما لا يقدر على تسلمه ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء، و ان قلنا بشمول التعذر الشرعي فيكون بيع الراهن داخلا تحت النبوي لكونه من مصاديق بيع ما ليس عنده شرعا فيكون القول بالصحة فيه كما هو المشهور تخصيصا و على هذا فيكون الخارج عنه مصداق واحد على فرض واحد.

و بالجملة فظهور النبوي في فساد البيع من الأول و مع القول بالتخصيص فليس تخصيصا للأكثر على أنه لا تخصيص إلّا في فرد واحد و مما استدل به على اعتبار هذا الشرط في البيع من أن لازم العقد وجوب تسليم لكل من المبتاعين العوضين الى صاحبه لكن التسليم ليس بممكن فلا يصح العقد فمقتضى القياس الاستثنائي هو فساد العقد مع تعذّر التسليم و أجاب عنه المصنف بأنه ان أريد أن لازم العقد وجوب التسليم وجوبا مطلقا منعنا الملازمة و ان أريد مطلق وجوبه فلا ينافي كونه مشروطا بالتمكّن كما لو تجدد العجز بعد العقد.

و في كلام المصنف مسامحة واضحة فإن قوله

وجوبا مطلقا

لا يستقيم إذ لا معنى للوجوب المطلق سواء تمكن أم لم يتمكن بل التكاليف كلها مشروطة بالقدرة و التمكن و الاولى أن يقال انه ان أريد أن لازم العقد وجوب التسليم

266

وجوبا فعليّا منعنا الملازمة و ان أريد مطلق وجوبه فلا ينافي كونه مشروطا.

ثم قال المصنف و قد يعترض بأصالة عدم تقيد الوجوب ثم يدفع بمعارضته بأصالة عدم تقيد البيع بهذا الشرط و في الاعتراض و المعارضة نظر واضح.

أقول: لا ربط لهذا الكلام أصلا إذ عرفت أنه لا معنى لأصالة عدم تقيد الوجوب بعد ما استحال إطلاقه ضرورة تقيد كل وجوب بحال التمكن و مع قبول إطلاقه فالأصل يقتضي هنا التقيد فإنه مع الشك في الوجوب بدون حصول القيد يتمسك بالبراءة و أيضا مع الغض عن جميع ذلك لا وجه لمعارضة ذلك بأصالة عدم تقيد البيع لما عرفت في محله أن مقتضى الأصل في العقود هو الفساد و كلما يشك في اعتبار قيد فلا بدّ من اعتباره فتكون النتيجة هو التقيد.

و من الوجوه التي استدل بها على اعتبار هذا الشرط هو أن الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير اليه و لا يتم الا بالتسليم.

و فيه ما ذكره المصنف (ره) من

منع توقف مطلق الانتفاع على التسليم لجواز الانتفاع في العبد مثلا بمثل العتق على أنه يجوز الانتفاع به بعد التسليم و في وقت حصوله.

و من الوجوه أن بذل الثمن على غير المقدور سفه فيكون ممنوعا و أكله أكلا للمال بالباطل

و أجاب عنه المصنف بأن بذل المال القليل في مقابل المال الكثير المحتمل الحصول لا يكون سفها.

على أنا ذكرنا كرارا أنه لا دليل على بطلان البيع السفهى و أنما الدليل على بطلان بيع السفيه ففي البيع السفهى نتمسك بالعمومات و نحكم بصحته.

267

و تحصل أن ما ذكره المصنف من الوجوه على اعتبار القدرة على التسليم لم يتم شيء منها فلا وجه للحكم بالفساد بل نحكم بالصحة غاية الأمر يثبت الخيار للمشترى.

و ذكر شيخنا الأستاذ أن الوجه في اعتبار القدرة على التسليم أن ما تعذر تسليمه ليس بمال

فيكون البيع باطلا لذلك لان العقلاء لا يرتبون عليه أثرا و لذا مثل الأساطين لفقد هذا الشرط ببيع السمك في الماء و الطير في الهواء مع عدم اعتبار رجوعهما إلى الحالة التي يمكن إقباضهما ثم أورد على نفسه بأنه لا يقال لو كان في هذا النحو من المال قصور في جهة المالية لزم جريان قاعدة التلف قبل البيع فيه لو فرض كونه حال العقد مثل سائر الأموال، ثم قبل التسليم صار كذلك ثم أجاب بأنه و ان كان هذا المال في عالم الاعتبار قاصرا عمّا عليه سائر الأموال الّا أنه ليس كالعدم بحيث يعد تالفا و قاعدة كون التلف قبل القبض من مال بايعه تختص بما إذا تلف حقيقة و لا تشمل بما إذا نقصت ماليته و لذا لو باع الجمد في الصيف أو الماء في المفازة و لم يسلّمه إلّا في مكان نقصت قيمته و ضعفت اعتبارية العقلائية لا يلتزمون بانفساخ المعاملة لقاعدة التلف قبل القبض.

و تحقيق المقام أن يقال أن المال الذي يتعذّر تسليمه على أقسام:

الأول: أن يكون مع تعذّره مما يمكن للمشترى الانتفاع به،

كالعبد الآبق و الجارية الآبقة فإنه و ان كان تعذّر تسليمهما لأجل الإباق و لكن يمكن الانتفاع بهما بالعتق، و على هذا فلا يوجب التعذر تسليم خروج المال المتعذر عن المالية و ان كان تنقص قيمته لأجل التعذر تسليم فما ذكره من كون التعذّر موجبا لزوال المالية لا يتم هنا لإمكان انتفاع المشتري بذلك و على هذا فيصح البيع هنا بمقتضى القاعدة حتى بناء على اعتبار المالية في البيع.

268

الثاني: أن لا يمكن الانتفاع به لأحد لا المبتاعين و لا غيرهما بحيث يوجب التعذر لحوقه بالتالف و بالمعدوم

فهذا مما لا شبهة في عدم جواز بيعه حتى بناء على عدم اعتبار المالية في المعاوضة فإنه انما لا يعتبر على هذا المسلك كون المبيع مالا لا غير موجود فإنه لم يختلف أحد في اشتراط الوجود فيه فتكون البيع فاسدا حينئذ و هذا نظير ما إذا صاد طيرا وحشيّا أو غزالا وحشيّا أو غيرهما من الحيوانات البرية الغير الأهليّة ثم أبق فإنه لا يرجع عادة فيكون في حكم التلف عرفا و لذا لا يصحّ أن يقال أن لفلان حيوانا في هذا المفازة و هكذا المال الذي وقع في البحر كالخاتم و الدرهم و الدينار و نحو ذلك فان العرف يرى ذلك تالفا و لا يرون في تلك الأموال اضافة الى مالكه بوجه لا إضافة المالية و لا إضافة الملكية و لا إضافة الحقية و هذا القسم لا شبهة في عدها من التالف و على هذا فلو باع أحد ماله ثم وقع في البحر قبل القبض أو صاد غزالا أو طيرا ثم أبق قبل القبض لا شبهة في عدّ ذلك من التالف فتشمل عليه القاعدة المعروفة كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه فان ذلك و ان لم يكن معدودا من التلف الحقيقي و لكنه يعدّ من التلف العرفي.

و بالجملة ما كان يتعذّر التسليم و مع ذلك لا يمكن لأحد أن ينتفع به فيكون عرفا من التالف فلا يبقى فيه اضافة الى المالك أيّ اضافة كانت فلا يصحّ البيع مع هذا التعذّر بل يبطل البيع مع طروّ مثل ذلك التعذّر.

الثالث: أن يكون التعذّر موجبا لعدم إمكان الانتفاع للمتبايعين فقط دون الأشخاص الأخر

كما إذا غصب الغاصب دار زيد فجلس فيها و لكن لا يتمكن زيد عن انقاذها و لا من يريد بيعها منه و لا يمكن لهما أن ينتفعا بها بوجه الّا أن ذلك لا يوجب عدم جواز الانتفاع بأصل الدّار و

269

كونها ساقطة عن المالية بالكلية بحيث لم يرغب إليها أحد و لا ينتفع بها شخص و الّا لما غصبها الغاصب، بل لم تنقص قيمة هذه الدار أيضا فكيف بكونها ساقطة عن المالية.

و على هذا فما ذكره شيخنا الأستاذ من كون التعذر موجبا عن الخروج عن المالية انما يتمّ في الفرض الثاني فقط لا في غيره من الفروض فلا كلية له و في هذا الفرض الثاني يبطل البيع حتى مع عدم اعتبار المالية أيضا لعدم وجود المبيع لا من جهة عدم المالية لما عرفت من كونه لاحقا بالتالف فلا تصل النوبة بما ذكره الأستاذ و في هذا الفرض الثاني ما ذكره المستشكل من لزوم كونه موجبا لبطلان البيع لو طرئه ذلك العارض قبل القبض و الإقباض هذا ما تقتضيه القاعدة.

و أما بحسب الروايات

فقد ورد صحيحا في المسألة الآتية في العبد الآبق و الجارية الآبقة أنهما يباعان مع الضميمة معلّلا بأنه لو لم يرجع العبد و الأمة يقع الثمن في مقابل الضميمة فإن المستفاد من عموم التعليل هو جواز البيع مع الضميمة مطلقا سواء كان الآبق هو العبد أو الإبل أو غيرهما و يصحّ البيع في مطلق الشارد كما لا يخفى و لكن المشهور لم يعملوا بالروايات في غير العبد الآبق و الجارية الآبقة و لم يعلموا بعموم التعليل كما هو واضح فتدل الرواية على عدم جواز بيع غير العبد الآبق من الموارد التي يتعذر فيه التسليم بطريق أولى فإنه إذا لم يصحّ بيع العبد الآبق منفردا مع جواز الانتفاع به بالعتق و فيما لا ينتفع به لا يصحّ بالأولوية.

[هل القدرة شرط أو العجز مانع]

قوله: ثم ان معاقد الإجماعات كما عرفت كون القدرة شرطا.

أقول: قد وقع الخلاف في أن القدرة على التسليم شرط للبيع أو العجز عنه مانع بعد الفراغ عن أصل الاشتراط و قد أكد الشرطية في عبارة

270

الغنية حيث حكم بعدم جواز بيع ما لا يمكن فيه التسليم فينتفى المشروط عند انتفاء الشرط و مع ذلك كلّه فقد استظهر صاحب الجواهر من عبارة الغنية أن العجز مانع لا أن القدرة شرط للبيع و تظهر الثمرة في مورد الشك حيث أنه لو اعتبرت القدرة شرطا لا يجري الأصل و لو اعتبر العجز مانعا فنتمسك بالأصل ثم ذكر مسألة اختلاف الأصحاب في الضال و الضالة و جعله دليلا على أن القدر المتفق عليه ما إذا تحقق العجز.

و قد أشكل عليه المصنف أولا بأن صريح تسالم الفقهاء و معاقد إجماعهم خصوصا عبارة الغنية المتأكدة بالتصريح بالانتفاء عند الانتفاء هي شرطية القدرة فلا وجه لجعل مانعا عن البيع.

و فيه أنه لا حجية في تسالم الأصحاب و إجماعاتهم خصوصا بعد عدم كون هذه التديقات مغروسا في أذهان السابقين من أن العجز مانع أو القدرة شرط و كذلك صاحب الغنية فإن بنائهم التعبير عن اعتبار القدرة على التسليم في البيع بعبارة و من البعيد التفاتهم على كون القدرة شرطا أو اعتبار العجز مانعا.

و بالجملة بعد ما لم يكن هذا الاختلاف موجودا فيهم فلا وجه لدعوى الإجماع على احد في الاختلاف على أن الظاهر من قوله (ص) نهى النبي عن بيع الغرر هو كون الغرر مانعا عن البيع فإن النهي إرشاد إلى المانعية أى أنّ البيع الغرري ممنوع و خارج عن تحت العمومات الدالة على الصحة و اللزوم.

و ذكر المصنف ثانيا أن العجز أمر عدميّ لأنه عدم القدرة عمّن من شأنه صنفا أو نوعا أو جنسا أن يقدر فكيف يكون مانعا من ان المانع هو الأمر الوجودي الذي يلزم من وجوده العدم كان ممنوعا لأجله و يلزم منه انتفائه

271

فلا وجه لجعل العجز الذي هو الأمر العدمي من قبيل المانع الذي يلزم من وجوده العدم فإنه لا معنى لجعل عدم القدرة مانعا الّا لجعل عدم القدرة الذي هو وجود القدرة شرطا كما لا يخفى.

و فيه أن الأمر العدمي لا يكون مانعا إذا كان يقابل الوجود تقابل السلب و الإيجاب لكونه عدما محضا و غير ممتاز فضلا عن أن يكون مانعا.

و أما العدم الخاص الذي يقابل الوجود تقابل العدم و الملكة فله حظّ من الوجود فيمكن أن يعتبر مانعا مثلا للشارع أن يعتبر العجز مانعا عن صلاة الجماعة و أن يعتبر عدم الجهل الذي يقابل العلم تقابل العدم و الملكة في صحة الجماعة بأن يكون مانعا عن انعقادها و هكذا و هكذا فما ذكره المصنف من عدم جعل الأمور العدمي مانعا فهو خلط بين العدم الخاص و العدم المطلق فما نحن فيه من قبيل الأول كما صرح به.

على أن المانع هنا غير ما جرى عليه الاصطلاح في علم المعقول من المانع ما كان يلزم من وجوده العدم فيجعلون الأمور الوجودية مانعا عن الشيء و مؤثرة في عدم تحققه و هذا بخلاف الأحكام الشرعية فإن المانع فيها ما يعتبر الشيء مانعا عن الحكم الشرعي سواء كان أمرا وجوديا أم أمرا عدميّا من غير أن يكون مؤثرا في عدم تحقق شيء أصلا.

و بالجملة ليس المانع هنا هو المانع المصطلح عليه في علم المعقول و لا الشرط و المقتضى و سائر ما اصطلحوا عليه من اجزاء العلّة جاريا على مصطلحهم لأن باب المعقول ليس باب التأثير و التأثر الحقيقي، بل التأثير في مجرّد الاعتبار فشابه ذلك لذلك فأطلق عليه ألفاظه فمعنى كون العجز مانعا خروج صورة العجز عن حكم أوفوا كما أن معنى كون القدرة شرطا خروج ما عدا صورة القدرة عن حكمه كما ذكره المحقق الايروانى.

272

ثم ذكر المصنف ثالثا لو سلّم صحة إطلاق المانع على العجز لا ثمرة في أن القدرة شرط لصحة البيع أو أن العجز مانع عنه و ذلك من جهة أنه أن كانت الحالة السابقة هي القدرة و شككنا في تحقق القدرة أو العجز فعلا فنستصحبها و أن كانت الحالة السابقة هو العجز فأيضا نستصحب العجز سواء جعلنا القدرة شرطا أو العجز مانعا و إذا شككنا في أن المراد من العجز ما يعمّ التعسّر أم خصوص التعذر أو المراد من العجز العجز المستمرّ أو العجز في الجملة فاللازم هو التمسك بعمومات الصحة من غير فرق بين تسمية القدرة شرطا أو العجز مانعا، ثم ذكر ان التردد بين شرطيّة الشيء و مانعيته انما يصحّ و يثمر في الضدين مثل الفسق و العدالة لا فما نحن فيه و شبهه كالعلم و الجهل.

ثم ذكر أن الاختلاف الأصحاب في مقابل مسألة الضال و الضالة فليس للشك المالك في القدرة و العجز و مبنيّا على كون القدرة شرطا أو العجز مانعا كما يظهر من أدلتهم على الصحة و الفساد، بل بما سيجيء عند التعرض بحكمها و ذكر حكم ذلك في مسألة الآبق.

و فيه أنه لا ثمرة للنزاع المذكور إذا كان لكل من العجز فقط أو القدرة فقط حالة سابقه و أما إذا كان لكل منهما حالة سابقه معا و كان الشك في التقدم و التأخر أو لم يكن لهما حالة سابقه أصلا و أن كان هذا فرضا غير معقول أو كان و لكن نسبي فإنه حينئذ ان جعلنا القدرة شرطا فيكون العقد محكوما بالفساد واقعا لأصالة عدم تحقق الشرط و محكوما بالصحة لأصالة عدم المانع فلا وجه له لأن لا يفرّق بين الصورتين و بالجملة أن شيئا من المذكورات لا يرد على صاحب الجواهر.

نعم يرد على صاحب الجواهر أن أصالة عدم المانع لا دليل عليها و

273

ليس حجة أصلا إلّا إذا قلنا بقاعدة المقتضى و المانع.

فنقول ان مقتضى الصحة في العقد موجود من الملكية و العمومات و المانع مفقود فيؤثر المقتضي أثره فلا يكون النهي عن الغرر موجبا لخروج هذا العقد عن تحت العمومات لعدم إحراز المانع و لكنه ذكرنا في الأصول أنه لا دليل على حجية قاعدة المقتضى و المانع أصلا.

و بالجملة فكما أن الشرط لا بدّ و ان يحرز في صحة العقد و كذلك لا بدّ من إحراز عدم المانع لاعتباره في صحّة العقد كالشرط فأصالة عدم المانع ليس من الأصول المسلمة حتى يحرز بها ذلك إلّا إذا كان لكل منهما حالة سابقه فان مقتضى الاستصحاب حينئذ هو الحكم بالقدرة أو العجز أو بعدم القدرة و عدم العجز فعلا بوجودهما الاحرازى و أن الشارع حكم بمقتضى الاستصحاب على ذلك فان هذا الأصل لا محذور في جريانه فإنه يكفي في جريان الأصل كونه ذي أثر شرعي سواء كان نفس المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا ذي حكم أم لم يكن كما اختاره شيخنا الأنصاري في الأصول و قوّاه شيخنا الأستاذ و جعلناه موافقا للتحقيق.

نعم هذا مورده في الوجه الثاني على النحو الذي ذكرناه بناء على مسلك صاحب الكفاية من اشتراط كون المستصحب في الاستصحاب أما حكما شرعيّا أو موضوعا ذي حكم فلا مطرح للاستصحاب هنا لعدم كونه القدرة أو العجز حكما شرعيّا و لا موضوعا للحكم الشرعي، بل اما أن القدرة شرط للعقد أو أن العجز مانع عن صحة العقد.

على أنه لا تصل النوبة الى أن القدرة شرط أو أن العجز مانع كما هو واضح، بل بحكم ببطلان العقد للغرر المنهي عنه بيان ذلك أنه بناء على صحة الاستدلال بالنبوي نهى النبي (ص) عن بيع الغرر فإنما هو نهى عن

274

البيع الغرري و البيع الذي فيه خطر و هلاكة و من الواضح جدا أنه مع الجهل بأن البائع يكون قادرا على التسليم أم لا فيكون البيع غرريا أى بيعا فيه احتمال الخطر و الهلاكة فإنك عرفت اعتبار الجهل في مفهوم الغرر فبمجرّد احتمال ذلك يكون البيع باطلا لشمول النهي له و خروجه عن تحت العمومات إذ ليس شرط البيع هي القدرة الواقعية أو المانع عنه هو العجز الواقعي، بل الشرط أو المانع هو إحراز القدرة أو إحراز العجز كما لا يخفى.

و بالجملة لا بد في صحة العقد من إحراز أنه ليس فيه خطر و هلاكة و من الواضح أن احتمال أن البائع لا يقدر على التسليم فيه من الخطر ما لا يخفى فيكون مشمولا للنهى عن الغرر فيكون فاسدا.

نعم، إذا كانت الحالة السابقة هي القدرة على التسليم و شككنا في القدرة و العجز فعلا فنستصحب القدرة على التسليم ان كانت القدرة شرطا أو عدم العجز ان كان العجز مانعا فيه نلغى احتمال الخلاف فكأن الشارع يقول الغي احتمال الخلاف بناء على ما ذهب اليه المصنف في الأصول و تبعه الأستاذ و اخترناه من أن الشرط لجريان الاستصحاب كون المستصحب ذي أثر شرعي فلا يلزم كونه أى المستصحب ذي حكم أو حكما شرعيّا كما ذهب اليه صاحب الكفاية فإنّ القدرة ليست موضوعا للحكم و لا انها بنفسها حكم و انما شرط البيع هو إحراز القدرة لا لقدرة الواقعية و لذا يصحّ البيع مع إحراز القدرة و ان لم يكن في الواقع قادرا على التسليم.

و بالجملة فما لم يكن هنا ما يحرز به كون العقد خطريا فيحكم بفساده لا طلاق نهى النبي عن بيع الغرري بناء على تماميته و الّا فلا و مع ذلك لا تصل النوبة الى أن مقتضى القاعدة في صورة الشك في كون القدرة شرطا أو العجز مانعا مع عدم الحالة السابقة لكل منهما أي شيء كما هو واضح

275

ثم انه إذا شككنا في أن القدرة على التسليم شرط للبيع أو العجز عنه مانع عنه و شككنا أيضا في أنا قادرين على ذلك أو غير قادرين فتارة بكون الشك في الشبهة الحكمية و المفهومية و اخرى يكون الشك في الشبهة المصداقية.

أما الأول: فكما إذا شككنا أن القدرة المعتبرة في تسليم العوضين هي القدرة العقلية أو الشرعية أو العرفية أو الأعم و انه لا بد من العلم بالقدرة على التسليم أو يكفي مجرد احتمال القدرة عليه من جميعها، ففي الحقيقة يرجع الشك إلى سعة مفهوم القدرة المعتبرة هنا و ضيقه فيكون من صغريات الأقل، و الأكثر، فنأخذ القدر المتيقن و نجري البراءة من الزائد عنه كما قرّر في محله.

و أما إذا كانت الشبهة مصداقية بأن كان الشك في كون كل من المبتاعين قادرا على التسليم أو غير قادر عليه، فح تختلف الحال بالنسبة الى ذلك باختلاف دليل اعتبار القدرة على التسليم بيان ذلك إذا كان دليل الشرط المذكور النبوي المعروف نهى النبي (ص) عن بيع الغرر، فح لا توجه شبهة مصداقية في المقام أصلا، فإن مبنى الاستدلال به انما هو أخذ الغرر بمعنى الخطر و من الواضح جدا أن الخطر يتحقق بمجرد الاحتمال و أن البائع أو المشتري لا يقدر على التسليم إذ الخطر هو الهلاك بمعنى خوف عدم وصول كل من العوضين إلى الأخر لا الهلاك بمعنى الانعدام و هذا لا معنى للشبهة المصداقية أصلا، فإن كل من المتعاملين يرى نفسه بأنه بأي كيفية و حالة فإنه ان كان جازما على كونه قادرا على التسليم فالشرط متحقق و ان كان مترددا في ذلك و محتملا أنه يقدر فلا تحقق للشرط فان الشرط ليس هو التمكن الواقعي، بل إحراز القدرة.

276

و بعبارة أخرى قد عرفت أن ما هو شرط للبيع ليس إلّا إحراز القدرة و لو كان العجز مانعا فإنما هو إحراز العجز و احتماله و أن موضوع الحكم إثباتا و نفيا هو الوصف النفساني دون الأمر الواقعي التكويني و عليه فلا يعقل مورد يشك فبه أن الشرط أو المانع موجود أم لا، بل لا بد و أن لا يلاحظ كل من المتبايعين ما في صقع نفسهما من الأوصاف النفسانية فإن كان كل منهما جازما على القدرة على التسليم فالشرط و عدم عجزهما عن ذلك فالشرط متحقق أو المانع مرتفع و ان كانا متردّين في ذلك و محتملين عدم القدرة على التسليم، فالشرط منتف أو المانع مفقود.

و على هذا فلا يفيد جريان الاستصحاب إذا كان الحالة السابقة هي القدرة بحيث يحرز به وجود القدرة و كان يلغى به احتمال عدم القدرة على التسليم كما يلغى به احتمال الخلاف في سائر الموارد بحيث كان الشارع يقول الغي احتمال الخلاف و ذلك من جهة أن المستصحب عبارة عن القدرة السابقة و الخطر انما يتحقق بمجرد احتمال عدم القدرة على التسليم، و خوف عدم وصول العوضين الى المتباينين و من الواضح جدا أن استصحاب القدرة لا يثبت وصول العوضين بيد المتبايعين و لا يلغى احتمال عدم القدرة على التسليم الذي موجود بالفعل وجدانا الا على القول بالأصل المثبت و بالملازمة العقلية فهو كما ترى.

نعم لو قامت البينة على ذلك و أن كل منهما قادرين على التسليم فيرتفع بها احتمال عدم القدرة على التسليم تعبدا لكونها من الامارات فهي كما تتكفل على إثبات المعنى المطابقي فكك تتكفل أيضا على إثبات اللوازم كما حقّق في محلّه.

و دعوى أن الوصف النفساني أعني احتمال عدم القدرة على التسليم

277

الذي به قوام الغرر موجود في المتبايعين تكوينا و الامارة لا يرفعه فلا يفرق فيما ذكر بين الامارة و الاستصحاب فإنها دعوى جزافية فإن الامارة و ان لم ترفعها تكوينا و لكن ترفعها تشريعا و تعبّدا فهل يتوهّم أحد أنه مع قيام الامارة أن موضوع البراءة هو الشك فتجري في مقابلها فان ما نحن فيه أيضا نظير ذلك، فان كلها ناظرة إلى الأحكام الظاهرية دون الواقعية.

و بالجملة مع كون دليل الشرط هو النبوي فلا نعقل موردا للشبهة المصداقية بوجه من الوجوه كما لا يخفى.

و أما إذا كان المدرك قوله (ص) لا تبع ما ليس عندك، فان الكلام ح في الشبهات المفهومية هو الكلام الذي تقدم من ان المقام من موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فنأخذ المقدار المتيقن فنجري البراءة في الزائد و أما الشبهة المصداقية فتحقق على هذا فان معنى كون المال عنده أو ليس عنده و ان كان واضحا على مسلكنا كما تقدم من كون ظهور عبارة عن الملكية دون الأعم منه و من القدرة على التسليم و لكن مع التنزيل عن ذلك و أخذ العند بمعنى السلطنة على التسليم، و عليه فيمكن أن يشك الإنسان في ملكه أنه عنده أو ليس عنده، كما إذا تولّد فرسه أو غنمه أو غيرهما من الحيوانات المملوكة له في غير بلده، و شكّ في أنه هل هو قادر على تسليمه أولا، لاحتمال كون طريقة أى طريق ذلك البلد مسدودا و هكذا و هكذا، ففي هذه الموارد أما التمسك بالعمومات الدالة على صحة المعاملة فلا يجوز لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

بل، نقول انه تارة يكون لهذا الفرد المشكوك حالة سابقه معلومة بأن كان قبل زمان قادرا على التسليم أو عاجزا عنه فبناء على كون القدرة شرطا فيستصحب القدرة على التسليم، فبناء على كون العجز مانعا فيستصحب

278

عدم العجز، و مع كون الحالة السابقة هو العجز فاما يستصحب عدم القدرة ان كانت هي شرطا أو يستصحب عدم العجز أن كان هو مانعا فلا يرد على هذا، ما تقدم من الإشكال في جريان الأصل من كونه مثبتا فان عنوان عدم السلطنة على التسليم و إيصال العوضين تحت يد كل من المتبايعين أمر مستصحب، فيمكن إثباته بالاستصحاب كما لا يخفى، فيحرز به أنه قادر على التسليم، و كذا الحال لو قامت البيّنة على القدرة على التسليم.

و أما إذا لم تقم البيّنة على ذلك أو كان لكل من القدرة و العجز حالة سابقه و لكن اشتبه كل منهما على الآخر و لم يعلم السابق منهما أو لم يكن لشيء منهما حالة سابقه فهل يمكن الالتزام بصحة البيع هنا أو لا يمكن.

فنقول اما إذا كان لكل منهما حالة سابقه فاشتبها فلا شبهة في تعارض الأصلين و تساقطهما فيحكم بالفساد لعدم جواز التمسك بالعموم لان الفرض أن المورد من الشبهات المصداقية فلا يجوز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

و أما إذا لم تكن لهما حالة سابقه كما إذا تولد للبائع حيوان فلا يدرى أنه قادر على التسليم أو غير قادر عليه أو مات أبوه فانتقل المال اليه و قد باع متاع من فلان فلا يدر الوارث أنه كان قادرا على التسليم أو لم يكن أو باع نفسه شيئا و نسي أنه حين البيع كان قادرا عليه أو لم يكن ففي جميع ذلك بعد الفراغ عن تحقيق معنى القدرة على التسليم و مفهومه بحيث لا يشك في المفهوم و لا يرجع الشك إليه بأنه هل تصدق القدرة على احتمال القدرة على التسليم أو لا، و هكذا.

فنقول: انا قد ذكرنا في الأصول الضابطة الكلية في دوران الأمر بين شرطيّة أحد الضدين و مانعية الأخر كما إذا شككنا أن العدالة شرط

279

للجماعة أو الفسق مانع عنها و هكذا في الموارد الأخر و كما إذا شككنا أيضا أن العدالة شرط لوجوب إكرام العلماء أو الفسق مانع عنه مع عدم الحالة السابقة فيهما فهل الضابطة هنا هو إجراء أصالة عدم العدالة و منع تحقق الشرط أو إجراء أصالة عدم الضد الآخر و تفرّع عدم المانع عليه، فثمرة نزاع كون أحد الضدين شرطا أو كون الأخر مانعا هو ذلك فبناء على كون أحد هما شرطا ففي المثال بأن تكون العدالة شرطا للكلام و الجماعة فبأصالة تحقق الشرط أو بأصالة البراءة عن الواجب مع الشك في الشرط فنحكم بعدم الوجوب و بفساد المشروط.

و أما لو كان الضد الأخر مانعا و ان لم يكن لأصالة عدم المانع أساس صحيح الّا ما ذكرناه من قاعدة المقتضى و المانع و لكن ذكرنا في محلّه أنه يمكن نفى الضد الآخر بالعدم الأزلي بناء على جريانه كما هو الحق، ففي المثال المتقدم أن كونه عالما محرز بالوجدان فعدم كونه فاسقا زمان نحرزه بالأصل فليتم الموضوع المركب من الوجدان و الأصل فيترتب عليه الحكم و لكن الأصل النافي للضدّ الآخر هو العدم المحمولي لعدم وجود الفسق دون العدم الأزلي نعم في مثل القرشيّة و نحوها تجرى أصالة عدم الأزلي.

و بالجملة قد حققنا في محلّه أن الضابطة في ذلك هو نفى الضد الآخر اما بأصالة العدم المحمولي أو بأصالة العدم الأزلي فيحكم بصحة العمل الذي قد اعتبر ذلك الضدّ فيه من حيث العدم.

و لكن لا يجرى ذلك في المقام و ذلك لأنا إذا شككنا في أن البائع قادر أو عاجز يستصحب عجزه السابق مثلا و أما العدم المحمولي الذي يشكّ في استمراره في أول وجود المعروض كالقرشية و مخالفة الشرط للكتاب و نحو ذلك فالاستصحاب غير جار الّا بمفاد ليس التامة و لا أثر له لكونه مثبتا

280

لإحراز النعتيّة.

و بالجملة ففي تقابل العدم و الملكة الذي من صغرياته ما نحن فيه لما عرفت من كونه التقابل بين القدرة و العجز هو تقابل العدم و الملكة غاية الأمر ان العدم هو الذي من شأنه الوجود و ليس له رائحة الوجودية أزيد من ذلك لا يجرى هذا الضابطة و النزاع المذكور، بل لا بد من الالتزام بشرطية القدرة فيكون البيع ح فاسدا و ذلك لان العجز أمر عدمي غير قابل لأن يكون مانعا إذا المانع هو الأمر الوجودي الذي يمنع عن تأثير المقتضى و العدم ليس له ذلك فلا يمكن إجراء أصالة عدم العجز و رفع المانع بذلك الأصل، بل العجز ليس الّا عدما الذي هو مفاد الأصل فليس مفاد الأصل أزيد من ذلك.

نعم لو ترتب على هذا الأمر العدمي عنوان بسيط و كان العنوان البسيط المنتزع من ذلك الأمر العدمي موضوعا للحكم لجرى هذا الأصل أيضا كالعمى إذ ليس هو صرف عدم البصر بل هو عنوان بسيط فيكون بذلك العنوان موضوعا للحكم فيمكن نفى ذلك العنوان الذي هو نحو من الوجود بأصالة العدم الأزلي.

و لكن هذا أيضا لا يجري في المقام إذ لا دليل على كون العجز مانعا عن البيع الّا قوله (ص) لا تبع ما ليس عندك كما هو المفروض و من الواضح أن عنوان ما ليس عندك ليس إلّا أمرا عدميّا غاية الأمر عدما من شأنه الوجود أى عدم ملكة فهو بنفسه مانع عن البيع لكونه مأخوذا في لسان الدليل لا عنوان آخر بسيط منتزع عنه فإذا ليس مفاد الأصل إلّا نفى عنوان ما ليس عندك الذي هو عدم فلا يوجب ذلك رفع عنوان بسيط حتى يقال أنّ الأصل أوجب رفع الضدّ الأخر الذي كان مانعا كما لا يخفى.

281

و بالجملة فلا دليل يدل على كون العنوان البسيط المنتزع من العجز و من عنوان ما ليس عندك موضوعا للحكم حتى باعتباره تجرى الضابطة المذكورة في المقام فافهم.

قوله: ثم ان العبرة في الشّرط المذكور انما هو زمان استحقاق التسليم

أقول: قد عرفت أن المدرك لاعتبار القدرة على التسليم قوله (ص) نهى النبي (ص) عن بيع الغرر بناء على كونه بمعنى الخطر و قوله (ص) لا تبع ما ليس عندك، بناء على تفسيره بمعنى عدم السلطة على التصرف و التسليم

و أنما يتوقف الاستدلال بهما على المقصود على مقدمات ثلاث:

المقدمة الاولى: أن يكون المتعاملين مالكين على المبيع و الثمن

و غير المالك ليس مخاطبا بهذا الخطاب كالفضولي و نحوه فلا يشملان لغيره بل لخصوص المالك.

المقدمة الثانية: أن يكون الغرر فعليا

فان ففعلية الحكم بفعلية الموضوع فالغرر الشأني لا يكون مؤثرا في بطلان العقد.

المقدمة الثالثة: أن يكون مخاطبا بالتسليم و مأمورا به

و فيما ليس أمر بالتسليم فلا مورد للنبويين.

و يتفرّع على ذلك فروع مهمة:-

الفرع الأول: أنه لو كان المبيع تحت يد المشتري و لم يقدر البائع على أخذه منه و لا على التصرف منه

و لكن يقبل الغاصب بيعه منه فيجوز أن يبيعه فلا يعتبر التسليم هنا فان اعتبار القدرة هنا ليس من باب الموضوعية بل من جهة الطريقية و وصول العوضين الى المتعاملين و من المعلوم أن المثمن هنا تحت سلطة المشتري فاعتبار التسليم تحصيل للحاصل لكونه موجودا عنده فلا يشمل النبويان على ذلك.

282

أما دليل نفى الغرر فمن جهة أنه ليس هنا خطر بوجه لوجود المبيع تحت يد المشتري فأي خطر هنا فإنه لو كان انما هو من جهة الجهل بوصوله إلى المشتري فالمفروض أنه حاصل عنده و اعتباره ثانيا تحصيل للحاصل.

و أما النهي عن بيع ما ليس عنده فقد عرفت أن كونه دليلا لهذا الشرط من جهة كون العند بمعنى السلطنة على التصرف و التسليم و من الواضح أنه يعتبر فيما من شأنه أن يسلّم إلى المشتري.

و أما فيما لا يلزم التسليم فيه فلا مثلا لو قال المولى لعبده لا تشتر من السوق ما لا تقدر على حمله فان مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي أن ما يلزم حمله الى البيت منهي عنه شرائه فلا يعم ما لا يحمل على البيت فلا يمكن أن يقال أنه لا يجوز للعبد اشتراء العقار و مال التجارة و غيرهما مما لا يلزم حملها على البيت بمجرّد النهي المذكور، بل لو كان هنا عموم نتمسك به كما إذا أمره بالمعاملة و البيع و الشراء قبل النهي المذكور.

ففي المقام أن مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أن النهي عن بيع ما ليس عنده من جهة عدم القدرة على التسليم و فيما لا يعتبر فيه التسليم حتى لو لم يكن هذا النهي أيضا فلا يشمله ذلك، بل يتمسك بعمومات صحة البيع.

الفرع الثاني: ان بيع العبد الآبق ممن ينعتق الآبق ممن ينعتق عليه خارج عما نحن فيه فلا يعتبر فيه القدرة على التسليم

فإنه ينعتق بمجرّد البيع فلا يبقى مجال للتسليم فليس هذا البيع بغررى ليبطل و لا من قبيل بيع ما ليس عنده لما عرفت أن المراد من ذلك ما يكون التسليم معتبرا فيه و لا مجال هنا لاعتبار التسليم لانصراف النبوي عن مثل ذلك، فإنه سواء كان هنا ما يدل على

283

اعتبار التسليم أم لم يكن فالتسليم غير معتبر هنا.

و ربما يقال بكون بيع العبد ممن ينعتق عليه باطلا لتحقق الغرر و عدم كون البائع قادرا على التسليم المعتبر في البيع فيكون من قبيل بيع ما ليس عنده أيضا، فإن اعتبار الشارع حرية المبيع و كونه منعتقا بمجرد البيع خارج عن ما نحن فيه، بل لا بدّ أن نلاحظ المبيع مع قطع النظر عن حكم الشارع و من الواضح جدا أن هذا البيع أى بيع العبد الآبق ممن ينعتق عليه مع قطع النظر عن حكم الشارع بانعتاقه بيع خطري غرري و من بيع ما ليس عنده فلا يصحّ ذلك أيضا.

و فيه أنه ليس هنا غرر بالفعل الذي هو موضوع الحكم فعلا فان هذه القضية أي قضية نهى النبي (ص) عن بيع الغرر قضيّة حقيقة منحلة إلى قضايا متعدّدة أى كلما تحقق غرر فيكون البيع باطلا ففي المقام أن البيع غير غرري ففرضه بأنه لو لا حكم الشارع بالانعتاق فيكون البيع غرريا أجنبي عن المقام لأنه غرر شأني فالغرر الشأني ليس موضوعا للحكم أما قوله (ص) لا تبع ما ليس عندك، فقد عرفت أنه لا يحتاج ذلك الى التسليم فعلا فلا وجه لملاحظته بأنه لو لم يكن حكم الشارع بالانعتاق لكان من قبيل بيع ما ليس عنده كما هو واضح.

و بالجملة أن كلا النبويين لا يشملان بيع العبد الآبق ممن ينعتق عليه أما النهي عن بيع الغرر فلعدم الغرر الفعلي فيكون النهي منتفيا لكونه تابعا لفعلية الموضوع بحسب القضية الحقيقية فلا غرر فعلىّ في بيع العبد نعم فالغرر شأني مع قطع النظر عن حكم الشارع و لكنه ليس موضوعا.

و أما النهي عن بيع ما ليس عنده فقد عرفت عدم اعتبار التسليم هنا مع قطع النظر عن هذا النهي أيضا فإن القدر على التسليم ليست لها موضوعية

284

في الحكم و انما هي معتبرة من باب الطريقية إلى التسليم و وصول المبيع إلى المشتري و الثمن إلى البائع و من الواضح أن هذا فيما كان للتسليم فائدة فليس له فائدة هنا بوجه حتى يجبر عليه.

و من هنا ظهر حكم الفرع الثالث أيضا و هو ما لم يستحق التسليم بمجرّد العقد لاشتراط تأخيره مدّة

فإنه أي البائع و كذا المشتري فيما إذا اشترط تأخير الثمن ليس مخاطبا بالتسليم قبل حلول الوقت و ليس فيه غرر بوجه و لا أنه من قبيل بيع ما ليس عنده و الّا للزم بطلان البيع الغائب لوجود الجهل فيه أو بيع من كان جاهلا بأحكام البيع لان مجرد وجود الجهل من دون كونه منجرا الى الغرر لا يوجب البطلان فإن الأكثر و الغالب فيه تأخير التسليم و مع ذلك لم يستشكل أحد في ذلك.

ثم ان المصنّف قد رتّب على ذلك صحّة بيع الفضولي بدعوى عدم استحقاق التسليم فيه الا بعد اجازة المالك فلا يعتبر القدرة على التسليم قبلها ثم استشكل في ذلك على الكشف من حيث انه لازم من طرف الأصيل فيتحقق الغرر بالنسبة إليه إذا انتقل اليه ما لم يقدر على تحصيله.

ثم قال: نعم هو حسن في الفضولي من الطرفين و مثله بيع الرهن قبل اجازة المرتهن أو فكه.

أقول: لا وجه لما ذكره من أصل ترتب الفضولي على ما نحن فيه و لا للإشكال فيه فيما إذا قلنا بالكشف محل.

أما أصل الترتّب فلخروج الفضولي عن محل الكلام بالمرة لأنه فضولي محض فأجنبي عن طرف العقد، بل ليس له الّا إيجاد المعاملة، و بعده جميع الخصوصيات راجعة إلى المالكين أو الوكيلين أو الوليّين من حيث التسليم و التسلّم و الإجازة و الرد فلا مجال لإبطال البيع هنا من جهة النهي

285

عن الغرر و لا من جهة بيع ما ليس عنده و الّا كان من الأول أن يحكم ببطلان الفضولي من جهة كونه من قبيل بيع ما ليس عنده، و السر في ذلك هو أنه ليس بائعا حقيقيّا و لا مشتريا حقيقيّا حتى يخاطب بخطاب النهي عن بيع ما ليس عنده لما ذكرنا من جملة شرائط التمسك به أن يكون مالكا للمبيع فالفضولي ليس بمالك للعوضين فلا يكون داخلا لما نحن فيه بوجه.

و أما الإشكال فقد عرفت خروج الفضولي عن محل الكلام و أما بالنسبة إلى الأصيل فان اجازة الأخر الذي كان البيع فضوليّا من قبله فلا شبهة في صحّة البيع و عدم كونه غرريا و من قبيل بيع ما ليس عنده و ان لم يجز الآخر البيع فيكون فاسدا فلا محلّ أيضا للتمسك بالنبويين فان بطلانه مستند الى عدم الإجازة لا إلى غررية البيع و كونه من بيع ما ليس عنده.

و أما ما ذكره بقوله و مثله بيع الرهن قبل اجازة المرتهن أو فكه.

ففيه أنه قد ذكرنا سابقا أنه ان عمّمنا العجز الى العجز الشرعي فيكون ذلك خارجا عن بيع الغرري عن تحت النبويين بالتخصيص بأنه أي الراهن مالك للعين و مخاطب بالتسليم و الغرر فعلىّ و مع ذلك عاجز عن التسليم فمقتضى القاعدة هو بطلان البيع و لكن خرجنا عنها بدليل الخاص و هو و ان لم يكن موجودا بعنوان خاص و لكن استفدنا بطلانه من الأخبار الواردة في نكاح العبد معلّلا بأنه لم يعص اللّٰه و انما عصى سيّده بدعوى عدم الخصوصية لبيع العبد، بل الغرض أن عصيان الغير في حقه إذا لم يستلزم عصيان الخالق لا يوجب البطلان.

و أما إذا لم نعمّم العجز الى العجز الشرعي فلا شبهة في صحة بيع الراهن لعدم كونه خطريّا ليشمله قوله (ص) نهى النبي عن بيع الغرر غاية الأمر يكون للمشترى خيار الفسخ و لا أنه من قبيل بيع ما ليس عنده ليشمله

286

النبوي الأخر نهى النبيّ (ص) عن بيع ما ليس عنده لكونه في الخارج قادرا على التسليم.

و بالجملة فعلى كل تقدير سواء كان بيع الراهن مشمولا للنبويين أو غير مشمول فلا مجال للإشكال به على ما نحن فيه و إخراجه عن المقام كالفضولي، ثم انه ظهر مما ذكرناه حكم عقد الرهن.

فإنه بعد حصول التسليم لا موضوع لوجوبه و قبله لا عقد فإن الإقباض و التسلّم في هذا العقد من الشرائط فبتحققها لا غرر و لا بيع ما ليس عنده و بعدم تحققها تفسد المعاملة فلا موضوع للغرر.

انتهى كلامنا الى كون التسليم شرطا و مقوّما للبيع فنقول ذكر المصنف أن القبض و التسليم في بيع الصرف و السلم من شروط تأثير العقد لا من أحكامه فلا يلزم الغرر و لو تعذر الشرط بعد العقد رجع ذلك الى تعذر الشرط فلا يلزم منه البطلان حتى مع العلم بالتعذر إذ لا يلزم إحراز الشروط المتأخرة و العلم بتحققها.

و الوجه في ذلك ما أفاده من أن القبض هنا مثل الإجازة في العقد الفضولي على النقل من حيث عدم تمام النقل إلّا بالإجازة فكك لا يتم العقد هنا الّا بالقبض أو من النقل بناء على الكشف فإن الإجازة إذا كانت جزء الناقل في العقد الفضولي مع حصول النقل من حين العقد فالقبض أولى بأن يكون جزء للناقل إذ لم يقل أحد بكون القبض كاشفا في بيع الصرف و السّلم.

و بالجملة فالاعتبار على القدرة على التسليم بعد تمامية العقد لا فيما لم يتم، و لهذا لم يعتبرها أحد في الموجب قبل لحوق القبول به و لا يقدح كونه عاجزا قبل القبول إذا علم بتجدد القدرة بعده و في المقام أيضا إذا

287

حصل المبيع في يد المشتري صح البيع بلا شبهة ثم قال و كك الكلام في عقد الرهن فان اشتراط القدرة على التسليم فيه بنا على اشتراط القبض انما هو من حيث اشتراط القبض فلا يجب إحرازه حين الرهن و لا العلم بتحققه بعده فلو رهن فيتعذر تسليمه ثم اتفق حصوله في يد المرتهن اثر العقد أثره.

و أشكل عليه شيخنا الأستاذ بما حاصل كلامه بأنه لا فرق بين عقد الصرف و السلم و الرهن و سائر العقود لأن القبض و ان كان شرطا في هذه العقود الثلاثة دون غيرها الّا أنه ليس جزء للسبب الناقل و ليس حكمه حكم القبول كما ذكره المصنف و انما هو شرط للملكيّة في باب الصرف و السلم و أما الإلزام و الالتزام العقدي فقد تحقق بنفس العقد و لذا اختار المشهور وجوب التقابض كما سيأتي في خيار المجلس.

ثم ذكر في صدر كلامه بما حاصله من أنه لا وجه لقياس الصرف و السلم و عقد الرهن و غيرها مما يشترط فيه تأخير التسليم بالعقد الفضولي فإن اشتراط تأخير الثمن مدة معيّنة بحيث لا يجب التسليم مدة مع تمامية أركان العقد من جهة الاشتراط فيدخل تحت ضابط الخيارات الزمانية و هذا بخلاف العقد الفضولي فإنّ التسليم لا يجب لا للفضولي و لا لغيره، أما للفضولي لعدم ارتباط العقد به كما ذكرناه من أن شرط وجوب التسليم انما كونه مالكا فالفضولي غير مخاطب بالتسليم و أما المالك لعدم استناد العقد اليه قبل الإجازة فلا وجه لقياس الإجازة بالقبض و نحوه و محصّل كلامه يرجع الى المطلبين.

أحدهما: إنكار قياس الإجازة في الفضولي بمسألة القبض إذ القبض في العقود الثلاثة من الشرائط و الإجازة من الأسباب المقومة قبل تمامية أركان العقد، و الثاني وجوب التقابض، ثم ذكر نعم لو كان القبض جزء للعقد

288

كما هو المحتمل في عقد الرهن فالعجز عن التسليم لا أثر له، لانه بعد حصول التسليم لا اثر له و قبله لا عقد.

أقول: أما ما افاده من عدم صحة قياس الإجازة بالقبض فمتين جدا لما عرفت من أن القدرة على التسليم ليست معتبرة في العقد الفضولي أما بالنسبة إلى الفضولي فلكونه أجنبيا عن العقد و أما بالنسبة إلى الأصيل فلعدم تحقق العقد و تماميته الّا بعد الإجازة لكونها جزء مقوّما للعقد و الفرض ان الإجازة لم تتحقق بعد العقد و هذا بخلاف ما يعتبر فيه القبض فان العقد أي الإلزام و الالتزام قد تم من المتعاقدين، و انما القبض من شرائط الملكيّة في الصرف و السلم فهذا كله لا شبهة فيه.

و أما ما افاده من كون القبض واجبا في بيع الصرف و السلم فلا يمكن المساعدة عليه فما أفاده المصنف بحسب المدعى صحيح و لكن ما أفاده من دليله من قياس القبض بالإجازة ليس بصحيح، كما عرفت، بل الوجه في عدم وجوب التسليم و القبض في الصرف و السلم هو أن دليل وجوب القبض أما الملكية الحاصلة بالعقد كما يقوله الأكثر أو الأمر بوجوب الوفاء بالعقد.

أما الأول فهي مشروطة بالقبض و الإقباض فما لم يحصل التقابض لم يحصل الملكية فضلا عن أن يجب الإقباض لكونه ملكا للغير فلا يكون محكوما بوجوب الدفع ما لم يتم شرط الملكيّة كما لا يخفى.

و أما وجوب الوفاء بالعقد ففيه أولا: أنه يجب الوفاء بالعقد في غير العقود الفاسدة، أي العقود التي حصلت شرائط الصحة و أمضاه الشارع و أما فيما كانت فاسدة فلا وجه للتمسك به فبيع الصرف و السلم مع قطع النظر عن القبض ليس بصحيح فكيف يجوز التمسك بأوفوا بالعقود.

و أما ثانيا: ان دليل الوفاء انما بوجوب لزوم العقد لكونه إرشادا

289

إلى أنه لا ينحل و أما وجوب التسليم فهو من الأحكام المترتبة عليه، بعد تحقق العقد فلا يمكن إثباته بأوفوا بالعقود كما لا يخفى، و هذا واضح جدا و العجب من شيخنا الأستاذ حيث استدل على وجوب القبض بقوله ((عليه السلام)) إذا نرى الحائط فانز معه و ذلك فإنه ناظر الى أن بقاء البيع مشروط بعدم التفرق و بتحقق القبض و الإقباض فلا دلالة فيها على الوجوب و إيجاد موضوع وجوب الوفاء بالعقد و إيجاد موضوع الملكية كما لا يخفى، بحيث أنه إذا أراد البائع ان يمشى يجب للمشتري أيضا ذلك مثلا إذا كان احد الطرف في معاملة الصرف و السلم المجتهد فنزى البائع الحائط فلا بد أن ينز آية اللّٰه على الحائط.

و بالجملة أن العقود الثلاثة الصرف و السلم و الرهن، فالقبض فيها من الشرائط فإن تحقق تم العقد فلا غرر بوجه لعدم كون المعاملة بعد القبض و الإقباض خطرية و لا من بيع ما ليس عنده، و ان لم يحصل القبض و الإقباض فأيضا ليس هنا غرر و بيع ما ليس عنده لفساد المعاملة بعدم تحقق القبض.

قوله: ثم ان الخلاف في أصل المسألة لم يظهر الّا من الفاضل القطيفي.

أقول: هو المعاصر للمحقق الثاني، و قد حكى عنه أنه قال في إيضاح النافع أن القدرة على التسليم من مصالح المشتري فقط، لا أنها شرط في أصل صحة البيع فلو قدر على التسليم صحّ البيع و ان لم يكن البائع قادرا عليه، بل لو رضى بالابتياع مع علمه بعدم تمكن البائع من التسليم جاز و ينتقل اليه و لا يرجع على البائع لعدم القدرة، نعم إذا لم يكن المبيع من شأنه أن يقبض عرفا لم يصح المعاوضة عليه بالبيع لأنه في معنى أكل المال بالباطل.

290

أقول: هذا الفاضل و ان أجاد في أصل المسألة لما ذكرنا من عدم الدليل على اعتبار القدرة على التسليم في البيع، و لكن لا يمكن المساعدة عليه في الكبرى الكلية التي أفادها من أنّ المشتري لو رضى بالابتياع مع علمه بعدم تمكن البائع من التسليم جاز ذلك، لأن هذه الكبرى منقوضة ببيع العبد الآبق مع الضميمة حيث ورد النص بعدم صحة بيعه بدون الضميمة حتى مع رضائه المشتري، بل يحكم ببطلانه كما لا يخفى.

قوله: ثم ان الظاهر كما اعترف به بعض الأساطين أن القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط الّا بالتبع.

أقول: قد عرفت فيما تقدم أن القدرة بما هي لست لها موضوعية، بل الغرض من اشتراطها في البيع بناء على وصول العوضين الى المتبايعين و على هذا فلو قدر المشتري على التسليم دون البائع كفى في الصحة كما هو المشهور مثلا لو وقع عباء أحد في الكوفة على الشط فهو لا يقدر على السباحة و باعه من شخص يقدر عليها بأنه ح صحّ البيع لحصول الغرض فلا يضرّ عدم قدرة البائع على السباحة و كك لو لم يقدر كل من المتبايعين على التسليم و التسلّم و لكن يوثق بحصوله في يد المشتري للاطمئنان عليه، كالطيور التي تذهب صباحا و ترجع مساء فإن العادة قاضية برجوعها و أن لم يقدر المتبايعين على الأخذ بدون الرجوع.

و عن نهاية الاحكام احتمال العدم بسبب انتفاء القدرة في الحال على التسليم فان عود الطائر غير موثوق به لعدم العقل له ليبعثه على الرجوع.

و فيه أولا: أنه لو كان له عقل لما رجع الى الحبس أصلا فعدم العقل باعثه الى الرجوع.

291

و ثانيا: أنه لا وجه لبطلان بيعه حتى مع اعتبار القدرة على التسليم فان دليل الاشتراط انما هو نهى النبي عن بيع الغرر و قوله (ص) لا تبع ما ليس عندك فكلا الوجهين لا يشملان المورد أما النهي عن بيع الغرر فلانه لا خطر في المقام، فإنه انما يتحقق مع عدم بذل العوض أو المعوض بحيث يذهب مال أحدهما هدرا و ليس كك هنا فإنه يطمئن بالرجوع فان رجع فيأخذ المثمن و ان لم يرجع فيأخذ الثمن و فسد البيع فأي خطر يتوجه على المعاملة.

و أما قوله (ص) لا تبع ما ليس عندك، أى لا تقدر على التسلط منه بناء على كون العند بمعنى الجامع دون الملكية فلعدم صدقة هنا أيضا فإنه مع الاطمئنان بالرجوع لا يصدق أنه من موارد بيع ما ليس عنده و الّا لما صحّ بيع الغائب أصلا.

ثم لو تعذر التسليم و التسلّم الّا بعد مدة فإن كانت هذه المدة مما يتسامح فيها كساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين فلا إشكال في الصحة كما إذا باع جوهرا و كان في صندوق مقفّل و كان المفتاح عند شخص لا يحضر الّا بعد ساعة أو يوم و نحوهما، فان هذه المدة مما يتسامح عرفا فلا يصدق على هذه المعاملة انها غررية لعدم الخطر هنا بوجه بحيث يذهب مال المشتري هدرا و صار معدوما، بل يحصل له بعد مدة قليلة، و الفرض أنهما عالمان بخصوصيات العوضين لئلا يكون جهل من جهة أخرى.

و كك ليس هذا من قبيل بيع ما لا يتسلّط على تسليمه لأن الفرض أنه قادر عليه كما لا يخفى و النبوي ينصرف عن مثل ذلك.

و لو تعذر التسليم بناء على كونه شرط في البيع الّا بعد مدة لا يتسامح فيها كسنة أو أزيد فهي على قسمين، الأول: أن يكون المدة

292

مضبوطة و مقدّرة و الثاني أن لا تكون مضبوطة.

أما الأول: فتارة يكون المتبايعان عالمين بالحال و أخرى يكونان جاهلين بالحال فعلى الأول فجعل المصنف فيه وجهان و لم يبيّن ما هو الأقوى في نظره، و لكن الظاهر هو الصحة بناء على اعتبار القدرة على التسليم في البيع و ذلك لأن دليل الاعتبار اما دليل نفى الغرر في البيع فهو لا يشمل المقام فإنه بمعنى الخطر و الخطر بمعنى احتمال الهاكة ففي صورة العلم بالواقع و التعذّر إلى مدة معيّنة كقدوم الحاج و نحوه فلا خطر بوجه إذ هو متقوم بالجهل و الغفلة على ما ذكره المصنف و المشتري إنما أقدم عليه مع العلم بالحال فأي خطر هنا و أما النهي عن بيع ما ليس عنده فلانه مع العلم أقدم عليه فالمقام في قوة اشتراط تأخير التسليم لفرض علم المتبايعين بالحال و مع ذلك فلا يكون عدم القدرة على التسليم الى المدة المضبوطة مضرا في البيع كما لا يضرّ مع اشتراط التأخير كما لا يخفى.

و بالجملة أن البيع هنا صحيح بلا شبهة و أما في صورة الجهل بالمدة المذكورة فذكر المصنف صحّة البيع مع الخيار للمشترى لفوات منفعة العين في المدة المذكورة.

و لكن الظاهر هو عدم الصحة و ذلك فان كلا الدليلين أى النبويين شاملان للمقام أما النبوي الأول فلتحقق الغرر أى الخطر فان عدم وصول المبيع مثلا إلى المشتري في هذه المدة و انتفاء المنافع كسنة خطر على المشتري فيكون من أوضح موارد بيع الغرر فيفسد بناء على اعتبار الشرط و كون النبوي دليلا في المقام و أما النبوي الثاني فلان البائع غير مسلط على التسليم في هذه المدّة فيكون هو أيضا شاملا للمورد و لا يقاس ذلك بصورة العلم فإنه و ان كان أيضا غير قادر على التسليم في المدة و لكنه قلنا

293

بخروجه عن تحته من جهة كونه في قوة الاشتراط أى اشتراط تأخير المثمن فلا يضرّ بالصحة و هذا بخلاف المقام.

و على هذا فلا وجه لما زعمه المصنف من كون المعاملة في صورة الجهل صحيحة مع كون المشتري على خيار فيه.

و من هنا ظهر حكم صورة كون المدة مجهولة و غير مضبوطة و هذا كبيع العبد المنفذ الى هند لقضاء حاجة لا يعلم وقت رجوعه فلا وجه لما ذكره المصنف هنا من الاشكال كما لا وجه لما جعله من الفرق بين هذه الصور حيث استشكل في صحّة البيع و صورة الجهل بالمدة مع كونها مضبوطة حيث حكم بالصحة مع الخيار.

قوله: ثم ان الشرط هي القدرة المعلومة للمتبايعين

لان الغرر لا يندفع بمجرّد القدرة الواقعية.

أقول: الصور المتصوّرة في المقام أربعة علم المتبايعين بالقدرة مع وجود القدرة الواقعية، و علمهما بالعجز مع العجز عن التسليم في الواقع و علمهما بعدم القدرة مع وجود القدرة في الواقع و علمهما مع عدم القدرة في الواقع.

أما الصورة الاولى: فلا شبهة في الصحة لوجود القدرة على التسليم في الواقع و علمهما فلا غرر و لا أنه من بيع ما ليس عنده.

و أما الصورة الثانية فلا شبهة في عدم صحته لكونها من أوضح أفراد الغرر المنهي عن البيع و من قبيل بيع ما ليس عنده، و انما الكلام في الصورتين الأخيرتين.

أما الثالثة فهي ما كان المتبايعان عالمين بعدم القدرة و لكن كان في الواقع عاجزين عن التسليم أو أحدهما عاجزا عنه و على ان دليل الاعتبار هو دليل نفى الغرر فلا شبهة في فساد المعاملة إذا الغرر هو الخطر و

294

الخطر بمعنى احتمال الخطر فهو موجود في المتبايعين أو في أحدهما بالوجدان فهو ليس تابعا بالواقع، و قد عرفت أن المصنف قال باعتبار الجهل و الغفلة في مفهوم الغرر فهو متحقق فيما نحن فيه، كما لا يخفى فتكون المعاملة خطرية فتبطل، و ان كان الدليل هو النهي عن بيع ما ليس عنده فلا يحكم بفساد المعاملة لعدم شموله لما نحن فيه، فإنه ليس من بيع ما ليس عنده، بل هو مسلّط على التسليم و قادر عليه غاية الأمر غير ملتفت بذلك.

و أما إذا كانا في الظاهر عالمين بالقدرة و كانا في الواقع غير قادرين أو أحدهما قادر و الأخر غير قادر، فالظاهر فساد المعاملة على كلا الدليلين فإنه ان كان الدليل هو نفى الغرر فلا شبهة في كون المعاملة غررية و ذلك فان المتبايعين و ان كانا عالمين بالقدرة على التسليم و كان مقتضى ذلك الحكم بعدم الغرر لما عرفت من اعتبار الجهل في مفهوم الغرر و لكن عرفت سابقا أن احتمال الخطر و الهلاكة ليس موضوعا للحكم بحيث يكون فساد المعاملة و عدمها دائرا مدار احتمال الخطر و عدم احتماله، بل أخذه في لسان الدليل من باب كفاية الشارع بأدنى مرتبة الغرر لا أنه أى الاحتمال تمام الموضوع في المقام فلا محالة فيكون الاحتمال طريقا الى الواقع و بما انه طريقا اليه يكون موردا للحكم و من هنا قلنا فيما تقدم أنه مع قطع بالهلاك فيثبت الغرر بالأولوية فإنه إذا ثبت الغرر باحتمال الهلاك و فسدت المعاملة باحتمال الهلاك و في صور القطع بالهلاك فأولى بالفساد مع أنه لو كان موضوع الحكم هو الاحتمال لما كان وجه لتسرية الحكم الى القطع بالهلاك لعدم أخذه في لسان الدليل و أما النبوي الثاني أعني النهي عن بيع ما ليس عنده فهو أيضا شامل للمقام فإنه غير قادر على التسليم و ان كان عالما به في الظاهر الّا انه جهل مركّب فلا يفيد بوجه فتكون المعاملة فاسدة.

قوله: و لو باع ما يعتقد التمكن فتبيّن عجزه في زمان البيع.

295

أقول: ذكر المصنف أنه لو باع احد ما يعتقد تمكّنه من تسليمه كالساعة و نحوها و تبيّن عجزه في زمان البيع و لكن تجددت قدرته بعد البيع صح و ان لم يتجدد يبطل و لم يستدل على ذلك بشيء.

و الظاهر أنه لا وجه لهذا الكلام و لا يترقب صدوره من المصنف (ره) و ذلك لأنه ان كان النظر بدليل نفى الغرر حال العقد و بعدم القدرة على التسليم كك فلا شبهة في فساد البيع فإنه حين التحقق كان غرريا لفوات مقدار من المنافع عنه في المدة التي كان عاجزا على التسليم لما عرفت من كون الاحتمال طريقا الى الواقع و كان هو أيضا في الواقع غير قادر فلا يحديه العلم بالقدرة حال العقد لكونه جهلا و كك أنه ليس قادرا على التسليم بأنه علمه بذلك في الظاهر لا يوجب قدرة على التسليم مع كونه جهلا مركّبا و تجدّد القدرة بعد زمان لا يوجب انقلاب العقد الفاسد الى الصحيح لأن الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه.

و ان كان النظر الى العلم بالقدرة في الظاهر و قلنا بكونه مجزيا في البيع من غير توجه الى الواقع و أنه يحصل به القدرة على التسليم فلا شبهة في صحة المعاملة و كيف كان لا نرى وجها للتفصيل في المقام كما لا يخفى فافهم.

و بعبارة أخرى ان كان النظر في هذا الفرع الى الظاهر فلا شبهة في تحقق الشرط فيكون البيع صحيحا و ان كان النظر الى الواقع فلا شبهة في عدم تحقق الشرط فيكون العقد باطلا من غير فرق بين كون الدليل أى من النبويين كما لا يخفى.

قوله: ثم لا إشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكا.

أقول: قد عرفت بما لا مزيد عليه أن المعتبر في البيع هو العلم

296

بالقدرة على التسليم و أن المانع عنه هو احتمال العجز عن التسليم و انما كان القطع بالعجز عن التسليم مانعا من باب الأولوية و الفحوى لا بدلالة النبوي منطوقا لعدم الغرر في صورة العلم بالعجز.

و أما الكلام فيما إذا كان البيع صادرا عن غير المالك بان كان وكيلا عنه في ذلك فهو تارة يكون وكيلا في إجراء العقد فقط فلا يعتبر فيه قدرته على التسليم و لا أن عجزه مانع عن البيع، بل هو وكيل في العقد و إجراء الصيغة فقط، بل لا يعتبر علمه بخصوصيات المبيع كما لا يعتبر في النكاح أن يعرف الزوجين و في إطلاق لا يعتبر علمه بالخصوصيات بل يجري الصيغة بدلا عن الموكّل بلا احتياج إلى شيء أصلا و انما الشرائط كلها معتبرة في العوضين و الناكح و المنكوح و المطلق و المطلقة و الحاصل لا عبرة بقدرة العاقد و عجزه كما لا عبرة بعلمه و جهله بشرائط طلاق زوجة موكله.

و بالجملة أن مجرى العقد ليس له الّا التصدي و المباشرة بإجراء صيغة العقد فقط و أما الزائد عن ذلك فلا يرجع إليه أصلا.

و أما الوكيل المفوّض فلا شبهة في كفاية قدرته لعدم الغرر مع ذلك و عدم كون بيعه من بيع ما ليس عنده و أما كفاية قدرة موكّله مع عجز الوكيل فهو وجهان، و الظاهر هو كفايته و ذلك من جهة أن القدرة و ان كانت معتبرة في العاقد و كان الوكيل عاجزا عنه و لكن الوكيل حيث كان بدلا تنزيليا للموكل و في منزلته كفى قدرة الموكل في صحة اعتبار الشرط المذكور في العقد و من لو عرض للوكيل شيء و صار عاجزا عن إنهاء الشرائط المعتبرة في المعاملة أو في أفعاله الأخر لكان الوكيل مسئولا في ذلك و يراجع إليه في تتميم هذا الشرط.

نعم يعتبر في ذلك علم المشتري بقدرة الموكل على التسليم و الّا

297

فتكون المعاملة غررية لما عرفت من أن الغرر بمعنى الخطر و هو متحقق مع جهل المشتري بقدرة الموكّل على التسليم مع كونه عالما بعجز الوكيل الّا ان يكون الدليل على الاعتبار منحصرا بنهي النبي (ص) عن بيع ما ليس عنده فإنه حينئذ يحكم بصحة لعدم صحة لعدم صدق بيع ما ليس عنده على ذلك مع قدرة الموكل على التسليم فان البيع بيع واحد له و لوكيله و ما لوكيله له و من هنا ظهر أن ما في كلام شيخنا الأستاذ من الحكم بالصحة من غير فرق بين علم المشتري على قدرة الموكل و جهله بها في غير محلّه.

و ربما يقال بتقييد الحكم بالكفاية بما إذا رضى المشتري بتسليم الموكل و رضى المالك برجوع المشتري عليه فبدونهما لا يمكن الالتزام بالصحة و أن الأمر مفوّض الى الوكيل و بعبارة أخرى أن المعتبر في المعاملة اعتبار قدرة المتبايعين على التسليم و هما الوكيل من قبل البائع و المشتري و بما ان الوكيل بدلا تنزيلي للموكل فيكفي قدرته أيضا في صحة البيع و لكن لا مطلقا، بل إذا رضى المشتري أن يرجع الى الموكل و رضى الموكل أن يرجع المشتري اليه و الّا فلا وجه للصحة إذ للمشترى أن يقول بأني ما عاملت مع المالك و انما عاملت معك، و أنت المخاطب بالتسليم و هكذا للمالك أن يتكلّم بمثل ذلك.

ثم رتب على ذلك رجحان الحكم بالبطلان في الفضولي لأن التسليم المعتبر من العاقد غير ممكن قبل الإجازة لكونه أجنبيا عن العقد و انما هو فضوليّ محض و اسمه مطابق مع المسمّى و أما قدرة المالك فإنما تؤثر لو بنى العقد عليها و كان المالك راضيا برجوع المشتري اليه و كان المشتري راضيا بالرجوع الى المالك و حصل التراضي منهما على العقد حال البيع لعدم كفاية قدرة الآذن في صحة بيع المأذون إلّا مع الشرط المذكور كما لا يخفى

298

و الفرض أنه لم يتحقق في الفضولي و البناء على القدرة الواقعية غير مفيد إذ الشرط هي القدرة المعلومة.

و الحاصل أنه يعتبر في صحة بيع الفضولي رضائه المشتري برجوعه الى المالك و رضائه المالك برجوع المشتري اليه، و قدرة البائع على التسليم، اما الشرط الأول فغير متحقق لعدم البناء على ذلك و اما الشرط الثاني فكذلك أيضا إذ لعدم كون الفضولي قادرا على ذلك لخروجه عن حدود العقد و قدرة المالك لم تنفع لعدم كونها مؤثرة في ذلك، بل تؤثر مع البناء المذكور.

و بعبارة أخرى ان القدرة قبل الإجازة لم توجد و بعدها ان وجدت لم تنفع، و الحاصل أنه أنكر صحة الفضولي بهذا الاشكال المختصر.

ثم أورد على نفسه بأنه يمكن الوثوق بقدرة الفضولي على التسليم بأن يحصّل رضائه المالك على ذلك لعدم ردّ المالك كلامه لصداقة بينهما و أنه لا يخرج عن رأيه فتحقق للفضولي بذلك قدرة على التسليم حال العقد.

ثم أجاب عنه بوجهين، أولا: بأن هذا الفرض يخرج الفضولي عن كونه فضوليا لمصاحبة الاذن للبيع غاية الأمر انما يكون حصول ذلك بالفحوى و شاهد الحال فلا يتوقف صحّته على الإجازة.

و ثانيا: بأنه لو سلمنا بقائه على الصفة و ظاهر أن القائلين بصحة الفضولي لا يقصرون الحكم على هذا الفرض.

و قال المصنف:

و فيما ذكره من مبنى مسألة الفضولي ثم تفريع الفضولي ثم في الاعتراض الذي ذكره ثم في الجواب عنه أولا و ثانيا تأمل، بل نظر فتدبر.

اما ما ذكره من مبنى مسألة الفضولي من اعتبار رضا كل من الموكل

299

و المشتري في الرجوع الى الآخر فاسد في نفس هذه المسألة لعدم الدليل عليه و انما المانع عن صحة البيع هو الغرر و عجز البائع عن التسليم و من الواضح أنه يكفى قدرة المالك على التسليم مع رضا المشتري بها كما عرفت لعدم الغرر و لا كونه من بيع ما ليس عنده و مع ذلك فاعتبار آمر آخر هنا و هو رضائه كل من المالك الموكل و المشتري بالرجوع إلى الأخر تخرص الى الغيب و قد عرفت ان قدرة الموكل يكفي في صحة بيع الوكيل لكونه نازلا منزلة الموكل و أن فعله فعل الموكل كما لا يخفى.

و على تقدير تسليم الإشكال في بيع الوكيل فلا تسلّم كونه مبنى لبطلان بيع الفضولي و تفريعه عليه و ذلك لما عرفت من خروج الفضولي عن حدود البيع و انما هو فضولي محض فلا وجه لاعتبار قدرته على التسليم في البيع و أن اعتبار قدرته عليه كاعتبار قدرة الجار على ذلك و أن حاله حال الوكيل في إجراء الصيغة، بل أسوء منه فهل يتوهّم أحد اعتبار قدرة مجرى العقد على التسليم في صحة العقد و الحاصل أن الفضولي خارج عن باب العجز عن التسليم تخصّصا و هو أسوء حالا من الوكيل في إجراء الصيغة الذي لا شبهة في أن قدرته و عجزه لا أثر له فإنه لا يرتبط به العقد حتى يكون عجزه موجبا لبطلان العقد كما هو واضح و الحاصل بناء على صحة المبنى فلا وجه للتفريع.

و أما الاعتراض فلو سلمنا المبنى و سلمنا أيضا تفريع بطلان الفضولي عليه و لكن الاعتراض الذي أورده على نفسه لا وجه له مع قطع النظر عما أجابه عن الاعتراض و ذلك أولا ما عرفت من كون الفضولي خارجا عن العقد و أن البيع انما يكون أما لغوا محضا مع عدم الإجارة أو بيعا للمالك مع الإجازة فالمناط في القدرة المعتبرة في صحة العقد هو قدرة المالك المجيز لا قدرة

300

شخص آخر و ان اعتبار قدرة الفضولي في ذلك كاعتبار قدرة الأجانب في ذلك العقد.

و ثانيا: أن مجرّد وثوق الفضولي بإرضاء المالك لا يوجب قدرة الفضولي على التسليم المعتبر حال العقد و الذي اعتبرناه في المبنى، ثم رتب عليه التفريع هو رضا كل من الموكل و المشتري بالرجوع إلى الأخر، و ليس في البين رضاء من المشتري بتسليم المجيز و لا رضاء من المالك برجوع المشتري إليه فلا محلّ لهذا الاعتراض.

و على تقدير ورود الاعتراض فجوابه أولا بخروجه على هذا عن الفضولي غير تمام لما عرفت سابقا من عدم كفاية الرضاء المقارن في خروج العقد عن الفضولية بل لا بد في الخروج من الاذن السابق أو الإجازة اللاحقة أو الوكالة.

و على تقدير الكفاية فليس هنا رضاء المقارن أيضا لعدم كون المالك راضيا بذلك بالفعل بل الفضولي يتثق من نفسه بالمالك يرض بذلك و لا يخرج عن رأيه و من الواضح أنه أمر متأخر لا فعلى كما لا يخفى.

و أما الجواب الثاني بأنه على تقدير التمامية لا يعم جميع أفراد الفضولي و كونه أخص من المدعى فلا يرد عليه اعتراض فلا وجه لنظر المصنف في جميع ذلك و قوله و في جوابه أولا و ثانيا.

و لعله نظرا في غير الجواب الثاني و مراد ثم في الجواب أولا و ثانيا رجوع النظر الى الجواب أيضا و ان كان بعضه تماما و اللّٰه العالم.

301

الكلام في بيع الآبق

قوله: مسألة لا يجوز بيع الآبق منفردا على المشهور بين علمائنا.

أقول

يقع الكلام في هذه المسألة في أمور ثلاثة،

الأول: أنه ذكر المصنف في آخر الكلام أن الغرر المنفي في حديث نفى الغرر كما تقدم هو ما كان غررا في نفسه عرفا

مع قطع النظر عن الأحكام الشرعية الثابتة للبيع و لذا قوينا فيما سلف جريان نفى الغرر في البيع المشروط تأثيره شرعا بالتسليم و حاصل كلامه ان الغرر أمر عرفي كلما تحقق فيوجب فساد المعاملة للنهى عن بيع الغرري كما هو الحال في سائر القضايا الحقيقية، و ان لم يتحقق فلا يترتب عليه الحكم، و أما الأحكام الشرعية فغير منوط به و لا يقال أن هذا غرر مع لحاظ حكم الشارع في الموضوع الفلاني أو ليس بغرر مع لحاظ الحكم الفلاني.

و رتب على ذلك بطلان البيع مراعى بالتسليم على خلاف الشهيد في اللمعة حيث استقرب الصحة و قال ان تسلّم قبل مدة لا يفوت الانتفاع المعتد به صح البيع و لزم و الّا تخير المشتري بين الفسخ و الإمضاء و أفاد المصنف في وجه البطلان أن ثبوت الخيار حكم شرعي عارض للبيع الصحيح الذي فرض فيه العجز عن تسلم المبيع فلا يندفع به الغرر الثابت عرفا في البيع الذي يوجب بطلانه.

و كذلك رتب عليه بطلان بيع الضّال و المجحود و المغضوب و نحوهما بدعوى أنه غرري في نظر العرف فحكم الشارع بانفساخ العقد بالتلف الرافع للغرر لا يرفع الغرر العرفي لما عرفت من عدم لحاظ الغرر مع الأحكام الشرعية كما لا يخفى.

302

أقول أن الغرر و ان كان من المفاهيم العرفية و أمره تحت نظر العرف كسائر المفاهيم العرفية الا ان تطبيقه على المصاديق ليس منوطا بنظرهم و عليه فإذا حكم الشارع في مورد بعدم الغرر أو بوجوده فلا محذور فيه و لا يقال أن العرف لا يراه غررا كما هو كك في كثير من الموارد كنفي الربا بين الوالد و الولد و نفى الشك في كثير الشك و هكذا.

و على هذا فلا مانع من الحكم بصحة البيع مراعى بالتسلّم نظير بيع السلم فإنه ان كان البائع قادرا على التسليم الى رأس المدة فيحكم بالصحة فلا خطر و ان لم يقدر على تسليمه و أيضا لا غرر لكونه باطلا من أصله.

و بالجملة فحكم الشارع بالانفساخ مع تعذر التسليم الذي هو في حكم التلف قبل القبض رافع للغرر فلا وجه لما أفاده المصنف من كون الغرر أمرا عرفيّا غير مربوط بحكم الشارع و غير ملحوظ معه.

و بعبارة أخرى عدم القدرة على التسليم هنا كتلف المبيع قبل القبض في سائر الموارد فكما أنه ليس غرر في الثاني و كذلك في الأول كما لا يخفى.

و أما بيع المجحود و الضال و المغصوب فان كان تسليمها مرجوعا في مدة مضبوطة فلا شبهة في صحة المعاملة لعدم الغرر فيها بناء على تمامية دليل نفى الغرر و ح إذا تمت المدة فإن حصل تمكّن فيها و الّا فيحكم بالبطلان للانفساخ فأيضا لا غرر و توهم غررية البيع في مدة عدم الوصول الى المبيع فاسد لاقدام المشتري في ذلك الوقت على الضرر.

و كك الكلام إذا كان مشكوك الحصول للمتبايعين إلى مدة معينة و لكن في المدة يكون أمره منجزا فإنه إما يرجع قطعا أو لا يرجع قطعا فعلى كل حال لا غرر فيه فإنه ان حصل صح البيع فلا خطر و ان لم يحصل فيبطل