مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
303

البيع أيضا فلا خطر.

بل الأمر كك في صورة علم المتبايعين بعدم الرجوع و لكن إلى مدة معينة ثم بعد ذلك فاما يرجع قطعا أو لا يرجع قطعا، و كذلك لو علما بعدم الوصول اليه و لكن كان نظر المشتري من الاشتراء الانتفاع بعتقه فإنه يصحّ مع العلم بعدم الرجوع لعدم الغرر و من هنا لم يستشكل أحد في صحة بيع العبد المريض من جهة كونه غرريا لعدم علمه ببرئه و موته و ذلك لأنه يجوز الانتفاع به ما لم يمت بالعتق فلا غرر نعم إذا لم يعلم حصول التمكن إليه في مدة مجهولة فلا يعلم أنه يتمكن منه في مدة قليلة أو كثيرة بحيث دار الأمر بين الأقل و الأكثر فيحكم بالبطلان لدليل نفى الغرر بناء على تماميته فان انتفاء المنفعة في مدة لا يعلم أنها أى مقدار خطر على المشتري.

و من هنا يعلم أن ما ذهب اليه الشهيد في اللمعة من صحة البيع فيها إذا باع مراعى بالتسليم وجيه جدّا.

الأمر الثاني أن مسألة بيع عبد الآبق لا يرتبط بمسألة الغرر،

فان الدليل على عدم جواز بيع العبد الآبق هو النص و الّا فربما ليس فيه غرر أصلا لجواز الانتفاع به بالعتق و على هذا فلا وجه لتعليل عدم جواز بيعه بأنه مع اليأس عن الظفر به بمنزلة التالف و مع احتماله بيع غرري منفي إجماعا نصا و فتوى.

و بالجملة لا يجوز بيع العبد الآبق منفردا مطلقا للنص، خلافا للإسكافي على ما نسب اليه من تجويزه مبيعه إذا يقدر عليه المشتري أو يضمنه البائع.

و كيف كان فمسألة عدم جواز البيع مجهول للغرر و مسألة عدم جواز بيع العبد الآبق مسألتان لا يرتبط أحدهما بالاخر و لا وجه لتعليل بطلان بيع الآبق

304

بطلان البيع الغرري كما لا يخفى.

و على هذا لا تنافي في كلامي الشهيد في اللمعة و العلامة في التذكرة قال الشهيد في اللمعة لا يجوز جعل العبد الآبق مثمنا و جزم به ثم تردد في جعله ثمنا و ان قرب أخيرا المنع مع الانفراد ثم حكم بجواز بيع الضال و المجحود و قال العلامة في التذكرة نظير ذلك حيث ادعى أولا الإجماع على اشتراط القدرة على التسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غرري ثم قال و المشهور بين علمائنا المنع من بيع الآبق منفردا، و قال بعض علمائنا بالجواز و حكاه عن بعض العامة أيضا ثم ذكر الضال و لم يحتمل فيه الّا جواز البيع منفردا أو اشتراط الضميمة،

و ذكر المصنف (ره) فإن التنافي بين هذه الفقرات الثلاث، ظاهر و التوجيه يحتاج إلى تأمل.

و وجه التنافي عنده أنه لا يجتمع دعوى الإجماع على اشتراط القدرة على تسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غرري مع دعوى الشهرة على عدم جواز بيع الآبق منفردا مع أنه أيضا غرري فلا بد من دعوى الإجماع عليه و كك لا يجتمع ذلك مع دعوى جواز بيع الضال مع أنه مثل الآبق و الحاصل أن الضال مثل الآبق فلا بدّ من دعوى الشهرة على عدم جواز بيعهما و بيع الآبق غرري فلا بدّ من دعوى الإجماع على بطلان بيعه أيضا.

أقول: و قد ظهر مما ذكرنا من الفرق بين المسألتين عدم التنافي بين جميع هذه الفروع أصلا فإن حكم الشهيد ببطلان بيع الآبق و جعله مثمنا لورود النص فيه و تردده في الثمن من جهة احتمال اختصاصه بالمثمن كما هو الظاهر من النص لا يجوز اشتراء العبد الآبق و حكمه بجواز بيع الضال جزما فلخروجه عن مورد النص قطعا لعدم وروده فيه أصلا و كك

305

دعوى العلامة الإجماع و انما هو في بيع الغرر الذي هو غير بيع العبد الآبق و دعوى الشهرة في بيع العبد الآبق و تجويز البيع في الضال الخارج عنهما جزما هو واضح فلا تنافي و من هنا ظهر الاشكال ما في حكم المصنف بعدم جواز جعل العبد الآبق ثمنا كما لا يجوز جعله مثمنا لاشتراكها في الأدلة.

نعم يمكن استفادة عدم جواز من التعليل بقوله (ع) ان لم يقدر المشتري عليه فكان ما أخذه مكان ما نقده فإنه يشمل الثمن أيضا كما أنه يشمل الضال أيضا.

الأمر الثالث إذا اعتبرنا القدرة على التسليم في البيع فهل يلحق به الصلح، وجوه،

الأول: عدم الاعتبار مطلقا

لكونه مبنيّا على المساهلة و التوسعة فلا يضر فيه الجهل بالعوضين على أنّ دليل الغرر مخصوص بالبيع فلا يجري في غيره.

الثاني: اعتبار الشرط المذكور في الصلح، بل في جميع العقود المعاوضة

فدليل نفى الغرر و ان ورد في البيع و لكنه لا خصوصية فيه حتى أن الفقهاء يستدلون به في غير المعاوضات كالوكالة فضلا عن العقود المعاوضية كالإجارة و الجعالة و المزرعة و غيرها، بل أرسل العلامة في كره على ما نسب اليه المصنف في الخيارات أنه نهى عن الغرر.

الثالث: التفصيل بينما يكون البناء فيه على التسامح كما في الصلح المحاباتي

فيحكم بعدم اعتبار الشرط المذكور فيه لعدم الغرر فيه بعد ما كان الغرر إيصال المال الى المصالح له و عدم كون أخذ العوض محط نظر أصلا فلو صالح جميع أمواله لزيد في مقابل درهم و كان فيه فرس شارد لا يضرّ بصحة الصلح لعدم الغرر فيه أصلا و بين ما لم يكن كك كما هو المرسوم

306

في السوق كثيرا حيث يعاملون بلسان الصلح في معاوضاتهم و هو في الحقيقة بيع بلسان الصلح و قد اعتبروا الشرط المذكور هنا لكونه بيعا فان البيع هو مبادلة مال بمال و هو صادق عليه كما تقدم في أول البيع.

أقول: ان كان مدرك الاشتراط الإجماع على الاشتراط و عدم جواز بيع ما لا يقدر البائع على تسليمه فلا يجري في غير البيع، فإنه دليل لبيّ فلا بد من أخذ المقدار المتيقن و هو البيع و ان كان دليله هو نفى الغرر أولا تبع ما ليس عندك فيجري ذلك في القسم الثاني من الصلح، لعدم الخصوصية البيع، فان الفرض هو نفى الغرر و له خصوصيّة لا للبيع على ان القسم الثاني من الصلح بيع لانه تبديل بين الشيئين و هو صادق عليه، فان نتيجة التبديل بين الشيئين الذي هو حصول المال للمتعاوضين حاصل هنا أيضا.

و لكن قد عرفت عدم تمامية دليل نفى الغرر لضعف السند و عدم تمامية لا تبع ما ليس عندك من جهة عدم تمامية دلالته فلا يبقى دليل على اعتبار الشرط المذكور في البيع فضلا عن الصلح و على هذا فلا بد من التكلم في مسألة العبد الآبق الذي ورد فيه نص حتى نلاحظ أنه يمكن استفادة حكم غير العبد الآبق من ذلك أم لا، و الّا لما كان لخصوص هذه المسألة ثمرة عملية فعلا، و اما بناء على المشهور من تمامية اعتبار الشرط بدليل نفى الغرر فبيع العبد الآبق مع الضميمة تخصيص، فنقول أنه لا شبهة في عدم جواز بيع العبد الآبق منفردا لورود النص عليه، و الّا مع الضميمة خلافا لمجموع العامة فإنهم منعوا عن ذلك فبيعه مع الضميمة تخصيص لعدم جواز بيع ما لا يقدر على تسليمه على مسلك المشهور، فان مقتضى القاعدة بطلان البيع و لو جعل مجهول الحصول جزء المبيع لأن جعل جزء من الثمن مقابل المجهول غرري.

307

و أما على مسلكنا فالحكم الثابت على جواز بيع الآبق مع الضميمة من الأول مضيق فيكون عدم جواز بيعه بدون الضميمة تخصيصا للعمومات و قد ورد روايتان تدلان على عدم جواز بيع العبد الآبق بدون الضميمة.

الأولى صحيحة (1) رفاعة، قال: قلت لأبي الحسن (ع) أ يصلح لي أن اشترى من القوم الجارية الآبقة و أعطهم الثمن و أطلبها أنا، قال: لا يصلح شرائها الّا ان تشترى منهم ثوبا أو متاعا فنقول اشترى منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا درهما فان ذلك جائز.

فهذه الرواية مختص بالبيع و الرواية الثانية موثقة (2) سماعة، فهي أوسع منها عن أبى عبد اللّٰه (ع) في الرجل قد يشترى العبد و هو آبق عن أهله قال: لا يصلح الّا أن يشترى معه شيئا فيقول أشترى منك هذا الشيء و عبدك بكذا و كذا درهما، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه فان ذيل الرواية من التعليل لا يختص بالبيع، بل يجري في غيره أيضا كما لا يخفى.

فمقتضى الروايتين أن بيع العبد الآبق منفردا لا يجوز مع أن فيه نفعا و هو الانتفاع به بالعتق و أما غير العبد الآبق فلا يجوز بيعه بدون الضميمة بطريق أولى، إذا تعذر التسليم فيه لعدم النفع له فيكون الروايتان دليلا على اعتبار القدرة على التسليم في البيع و غيره من العقود، و المعاوضية كما أشرنا الى ذلك فيما سبق من التكلم في دليل الشرط، و بالجملة فدليل اعتبار القدرة على التسليم هو النص الوارد في عدم جواز

____________

(1) وسائل، ج 12، ص 262.

(2) وسائل، ج 12، ص 263

308

بيع العبد الآبق منفردا فإنه يدل على عدم الجواز في غيره بدون الضميمة بالأولوية و أما مع الضميمة فبمقتضى قوله (عليه السلام) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه جائزا فإن المستفاد من ذلك أن المال لا يذهب في كل مورد كان بيع غير المقدور مع الضميمة و أن ذلك حكم بعنوان القضية الحقيقية و ان كان الثمن صالحا في مقابل الضميمة حكم كلّى و عليه فنتعدى بذلك الى الصلح و جميع العقود المعاوضية عليه، بل نتعدى بجواز بيع غير الآبق مع الضميمة فما لا يقدر على تسليمه كالفرس الشارد، و الإبل الشارد، كما عرفت، و مع الغض عن شمول الرواية على ذلك فقد عرفت أنه لا دليل على اعتبار القدرة على التسليم الّا الفحوى من روايتين بيع العبد الآبق مع الضميمة و من الواضح أن الفحوى يجري في صورة الانفراد لا مع الضميمة و أما فيه فيتمسك بالعمومات كما لا يخفى و لكن لم يلتزموا المشهور بجواز بيع غير العبد الآبق من موارد عدم القدرة على التسليم مع الضميمة حتى صرحوا بعدم جواز بيع الفرس الشارد مع الضميمة و الوجه في ذلك دعوى الإجماع، بل النص كما تقدم من نفى الغرر من المشهور على بطلان بيع ما لا يقدر على تسليمه و لكن مجرّد عدم التزامهم بذلك لا يوجب الوهن بعد ما ساعدنا الدليل على الحكم بالجواز في غير الآبق أيضا مع الضميمة لشمول العمومات عليه.

ثم يقع الكلام في خصوصيات ذلك،

ففي هنا فروع:

الأول: هل يجوز بيع الآبق مع الضميمة مطلقا،

سواء كان رجوع العبد مرجوّا أم غير مرجو؟ أو لا يجوز إلّا إذا كان مرجو الرجوع فقد؟ اختار المصنف الثاني و تبعه شيخنا الأستاذ و قد استدل المصنف عليه بأن

ظاهر السؤال في الرواية الاولى هو ذلك حيث قال الراوي أ يصلح لي أن اشترى من

309

القوم الجارية الآبقة أعطيهم الثمن و أطلبها فإن الظاهر من كلمة اطلبها أن الوصول إليها مرجوّ و الّا لما كان وجه للطلب.

و كك ظاهر الجواب في الرواية الثانية حيث قال (ع) فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشتراه معه، فان الظاهر من كلمة فان لم يقدر أن الوصول اليه حين البيع كان مرجوا و الّا لم يكن وجه لهذا الكلام ثم قال أن ذلك هو ظاهر معاقد الإجماعات المنقولة، ثم استدل على البطلان في صورة اليأس بوجهين آخرين، الأول أن بذل جزء من الثمن في مقابله أكل للمال بالباطل، و الثاني أنه بيع سفهي و الّا لجاز بيعه مستقلا فالمانع من استقلاله مانع عن جعله جزء من الثمن في مقابله.

أما قضية لزوم كونه أكلا للمال بالباطل فقد عرفت أن آية النهي عن أكل المال بالباطل مختصّة بالأسباب الفاسدة كالقمار و نحوه مقابل الأسباب الصحيحة فلا تدلّ على شرائط العوضين.

و أما الثاني: فقد عرفت عدم الدليل على بطلان بيع السفهى، بل العمومات بالنسبة إليه محكمة و انما الدليل على بطلان بيع السفيه و هو المهجورية عن التصرف، على أنه قد يكون سفهيّا أى فيما كان ما جعله من الثمن في مقابل العبد زائدا و بالمقدار الواقع في مقابل غير الآبق و أما إذا كان بمقدار أربعة فلس فلا سفه فيه، بل ربما يحصل له نفع عظيم من ذلك كما لا يخفى.

و أما الرواية فلا مانع من شمول قوله (ع) فان لم يقدر إلخ، على صورة اليأس أيضا فإن احتمال الوصول معه باق على حاله و كذلك لا مانع من شمول السؤال على ذلك فإنه لا مانع من المطالبة مع اليأس لاحتمال الوصول اليه.

310

و أما القطع بعدم الرجوع فهل يصحّ البيع هنا مع الضميمة أم لا؟

الظاهر أنه لا مانع عنه هنا أيضا و ذلك أن قوله (ع) و ان لم يقدر على العبد كان ما نقده فيما اشتراه معه و ان لم يكن شاملا لصورة القطع بعدم الرجوع و لكن الظاهر من الرواية عدم اختصاص الجواز بذلك فان الظاهر منها أن الثمن يقع في مقابل الضميمة و كذلك كون الضميمة قابلا لان يقع في مقابل الثمن و لا يذهب هدرا فكون الثمن صالحا لأن يقع في مقابل الضميمة حكم كلّىّ نحو القضية الحقيقية و انما سأل السائل عن فرد من ذلك لا أن الرواية مسوقة لبيان حكم قضية شخصية في مورد خاص بحيث لا يمكن التعدي منه الى غيره و لذا ذكر في السؤال أن الرجل قد يشترى العبد الآبق.

و بالجملة الظاهر من الرواية أن بيع العبد الآبق مع الضميمة مطلقا صحيحة سواء كان رجوعه مرجوا أو لا، بل يصحّ مع القطع بعدم الرجوع كما عرفت.

منها أنه يعتبر كون الضميمة مما يصح بيعها مستقلا

لظهور الرواية في ذلك فان قوله (ع) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشتراه معه ظاهر، بل صريح في كون الضميمة عما يكون قابلا لان يقع عليه البيع فلو لم يصح بيعه اما لعدم النفع عرفا كالخنفساء و الجعلان و نحوهما أو لعدم النفع فيه شرعا كالخمر و الخنزير و الميتة و اما لكونه مال الغير فلا يصح ان يقع ضميمة فإن ما لا يصحّ بيعه مستقلا لا يصح بيعه مع الضميمة أيضا.

و منها أن يصح بيعها منفردا فما لا يصح بيعه كك

كالعبد الآبق، فهل يصحّ بيعه أو لا؟ ففيه خلاف فقد استشكل المصنف فيه من جهة عدم شمول الرواية له و ساعده شيخنا الأستاذ و لكن اختار الأستاذ المنع من جهة اقتضاء مناسبة الحكم و الموضوع ذلك المعنى، فان ما لا يصح بيعه

311

مستقلا فكيف يصح مع ضمه بمثله فلا يفيد انضمام ما لا يصحّ بيعه بمثله الحكم بالجواز بل يكون هو أيضا مثله كما هو واضح.

و لكن ما ادرى كيف لاحظوا الرواية حتى حكموا بعدم دلالتها على ذلك فان قوله (ع) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه أقوى ظهور في الاشتراط فان الظاهر منه أنه لا بد و ان يكون هنا شيء يقع الثمن في مقابله مع عدم القدرة على الوصول أى الآبق و إذا كانت الضميمة أيضا مثله فلا شيء هنا ليقع الثمن في مقابله فلا يصدق عليه قوله (ع) فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه فان المستفاد من الرواية ان ثمنه لا يذهب هدرا و أما مع كون الضميمة مثل الآبق فيذهب الثمن هدرا و أما إذا كانت الضميمة منفعة فإن كان الغرض وصول شيء إلى المشتري بحيث لا يذهب ثمنه هدرا مع عدم التمكن من العبد و كان صالحا لان يقع في مقابل الثمن و ان لم يكن ذلك بعنوان البيع فلا شبهة في صحة ذلك و ان كان النظر هو التعبد بالرواية و استفادة حكمه منها فلا يجوز فان الموجود فيها فان لم يقدر كان ما نقده فيما اشترى معه و من الواضح أن الشراء لا يصدق في نقل المنافع لما عرفت في أول البيع أن البيع انما هو لنقل الأعيان فلا يطلق في نقل المنافع كما أن الإجازة انما هو لنقل المنافع فلا تطلق في نقل الأعيان فكما لا يجوز بيعها مستقلة فكك لا يجوز بيعها منضمة أيضا، و بالجملة أنه يعتبر في الضميمة أن تكون جائزة البيع في نفسها على انفرادها كما عرفت.

و من جملة ما يقع الكلام فيه أنه هل ينتقل العبد إلى المشتري من حين البيع

بحيث إذا تلف قبل وصوله إلى المشتري تلف في ملكن المشتري أو كان البيع مراعى الى أن يتمكن المشتري منه فإذا تمكن صحّ البيع في المجموع و الّا تقع المعاوضة بين الضميمة و الثمن ظاهر المحكي عن كاشف الرموز هو

312

الثاني و لكن ظاهر ذيل كلامه هو الأول كما ذهب اليه المشهور و هو الأقوى فإن الظاهر من الرواية قد يشترى الرجل العبد و هو آبق قال (ع) لا يصلح الّا أن يشترى معه شيئا فيقول اشترى منك هذا الشيء و عبدك بكذا و كذا، فان لم يقدر كان الذي نقده فيما اشترى معه هو انّ البيع و الشراء قد تما و تحققا من حين البيع فإذا لم يقدر المشتري عليه فيقع الثمن في مقابل الضميمة فليس فيها اشعار بالتعليق كما هو واضح، هذا لا شبهة فيه.

نعم، لو بقي على إباقه بحيث صار في حكم التالف يكون ذلك من البائع بمقتضى قاعدة كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال البائع كما سيأتي في أحكام القبض و اما قوله (ع) كان الذي نقده فيما اشترى معه صريحا في صحة البيع و كون الآبق ملكا للمشترى فيكون ذهابه منه و من كيسه فيكون هذا المورد تخصيصا للقاعدة المذكورة.

و بالجملة ظاهر الرواية أن التلف انما هو في ملك المشتري لحصول البيع من الأول و لكن كان مقتضاه أن يكون ذاهبا من كيس البائع لقاعدة كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بايعه، و لكن ذيل الرواية أثبت الحكم على خلاف القاعد تخصيصا لها و دلّ على كونه ذاهبا من كيس المشتري كما هو واضح.

و لو تلف العبد الآبق قبل اليأس بحصوله أو كان اليأس في حكم التلف كما تقدم من المصنف و ان لم نقبله أو تلف بعد اليأس فهل يكون التلف من البائع بمقتضى القاعدة المتقدمة أو من المشتري فقد استشكل فيه المصنف و منشأ الاشكال احتمال شمول قوله (ع) فان لم يقدر عليه كان الذي نقده، إلخ، شاملا للموارد المذكورة و يكون عدم الظفر على العبد سواء كان باليأس أو بالتلف قبل اليأس أو بعده موجبا لوقوع الثمن بإزاء الضميمة

313

بحيث كان ذلك كفاية عن عدم استرجاع شيء من الثمن و عدم ضمان البائع له فيكون تخصيصا للقاعدة أيضا.

و لكن الأمر ليس كك فان الظاهر من قوله (ع) فان لم يقدر كان الذي نقده فيما اشترى معه أن المراد من عدم القدرة هي عدم القدرة من ناحية الإباق و أما إذا كان عدم القدرة من جهة الموت قبل اليأس فيكون ذلك داخلا تحت القاعدة، نعم التلف بعد اليأس لا يؤثر في ضمان البائع بعد ما ثبت كون الثمن مقابل الضميمة باليأس و استقر ملك البائع على مجموع الثمن بإزاء الضميمة من دون خيار للمشتري في ذلك كما هو واضح.

ففي الصورة التي كانت التلف من البائع أعني التلف قبل اليأس فيقسّط الثمن على الضميمة و العبد فيصحّ في الضميمة و يبطل في العبد و يرجع في حصّته إلى البائع ان أعط، و الّا فيعطى ما يخصّ بالضميمة فقط و يثبت للمشترى خيار تبعّض الصفقة.

قوله: و لو تلفت الضميمة قبل القبض و ان كان بعد حصول الآبق في اليد، فالظاهر الرجوع بما قابله الضميمة لا مجموع الثمن لان الآبق لا يوزّع عليه المثمن، إلخ.

أقول: في توضيح ذلك أنه إذا تلفت الضميمة قبل وصولها إلى المشتري و قد وصل الآبق اليه فيقسّط الثمن على الضميمة و العبد فيصحّ في العبد و يبطل في الضميمة فيسترد المشتري ما قابلت الضميمة من الثمن ان كان قد دفعه و الّا فيعطى ثمن العبد فقط و لا يقسّط قبل وصول العبد إلى المشتري فإنه ما دام آبقا لا يوزّع عليه الثمن مع تلف الضميمة و من هنا ظهر ما صدر من المشتري شيئا كان في حكم القبض كأن أرسل إليه طعاما مسموما فقتله أو أعتقه أو وهبه لشخص آخر، فان هذا كلّها في حكم القبض

314

فيقسّط الثمن عليهما فيبطل البيع في الضميمة و يصحّ في العبد و لكن بما أنه تصرف المشتري في العبد و أتلفه بالتصرف فلا يكون له خيار تبعض الصفقة حينئذ بخلاف الفرض الأول أعني صورة حصول العبد بيد المشتري.

و أما لو تلفت الضميمة قبل حصول الآبق في يد المشتري فهل يحكم بصحة البيع بالنسبة الى العبد و يلتزم بالتقسيط و يبطل البيع في خصوص الضميمة أو يحكم بانفساخ العقد فقد تردد فيه المصنف أولا، و ذكر فيه وجهان من ان العقد على الضميمة إذا كان كأن لم يكن من الأول و انعدم تبعه العقد على الآبق فصار هذا أيضا كأن لم يكن فيحكم بالبطلان في كليهما فيفسخ العقد فيهما معا فان سبب الضميمة حدوثا لم يكن الّا العقد على الضميمة فإذا انعدم انعدم العقد على الآبق أيضا، و من أن العقد على الآبق كان تابعا على العقد على الضميمة حدوثا و إذا تملك المشتري العبد فيكون العقد على الضميمة كأن لم يكن فان الغرض منه لم يكن إلّا إمكان بيع الآبق الذي لم يكن جائزا بالانفراد و بعد ما دخل الآبق في ملك المشتري فكان كأن لم يكن محتاجا إلى الضميمة و كسائر متملكته و على هذا فينحل الثمن الى كل من الضميمة و الآبق كسائر موارد اجتماع الشيئين في بيع واحد فيكون كل واحد منهما أجنبيّا عن الأخر و هذا الانحلال لا يوجب رفع الحكم الثابت في الابتداء من توقف صحة بيع الآبق على بيع الضميمة معه، فان مقتضى العمومات مع الشك في الصحة و الفساد محكمة و هذا توضيح كلام المصنف بإضافة إجمالا فتأمل، فإن عبارته مغلقة.

ثم استظهر من النص الوجه الأول بدعوى ان الظاهر من النص أن لا يقابل الآبق بجزء من الثمن أصلا و لا يوضع له شيء منه أبدا على تقدير عدم الظفر به، و هذا هو الظاهر فان قوله (ع) فان لم يقدر كان الذي نقده

315

فيما اشترى معه ظاهر في أنه لا بد و أن يكون هناك شيء يقع الثمن في مقابله مع عدم القدرة على الآبق حدوثا و بقاء فإنه لولا ذلك فبمجرد وقوع البيع لا بدّ و ان يجوز التقسيط مع أنه ليس كك بل لا بد و ان تستمر الضميمة ما دام لم يحصل الآبق و لم يصل الى العبد و من الواضح أنه مع تلف الضميمة ليس هنا بالفعل شيء ان يكون الثمن في مقابله مع عدم القدرة على العبد ليشمل عليه قوله (ع) فان لم يقدر كان الذي نقده فيما اشترى معه فعليه فيحكم بالبطلان و ان كان مقتضى القاعدة هو الصحة بعد تحققه صحيحا للعمومات الدالة على صحّة البيع كما عرفت في توضيح كلام المصنف.

و بالجملة الذي يتحصل لنا من الرواية هو أن الضميمة ما لم تصل إلى المشتري قبل أن يصل الآبق اليه لا طريق للحكم بصحة البيع و ان استمر إلى مدة بعيدة فان في كل أن لوحظ البيع يصدق أنه ليس هنا شيء يكون الثمن في مقابله فإذا وصلت الضميمة إليه انتهى أمد ذلك الحكم فح يتبدل الحكم بأنه مع تلف الضميمة لا يحكم بالفساد كما هو واضح.

ثم بقي هنا فرعان قد أشار إليهما المصنف

الأول أنه لو وجد المشتري في الآبق عيبا سابقا على العقد

فإنه لا شبهة في كونه مخيرا بين الفسخ و الإمضاء و انما الكلام في انه هل له أن يرجع الى الأرش أم لا؟

فنسخ المصنف القول بجواز الرجوع الى الأرش إلى قول مشعرا بكونه محل الخلاف و الظاهر أنه لا شبهة فيه فإنه لا إشكال في كون المشتري مخيرا بين الفسخ و الإمضاء بدون الأرش أو معه في موارد ظهور المبيع معيبا و لا خصوصية للمقام حتى توجب عدم جواز رجوعه إلى الأرش إلا ما ربما يتوهم من أن الأرش جزء من الثمن واقع بإزاء وصف الصحة و مع عدم القدرة على العبد لا يقع شيء من الثمن بإزاء العبد ليسترجع بعنوان الأرش و يحصّل جزء من

316

الثمن، بل مجموع الثمن مع عدم القدرة على العبد واقع في مقابل الضميمة.

و لكن هذا التوهم فاسد فان وقوع مجموع الثمن مقابل الضميمة انما هو بعد اليأس من العبد بحيث يكون في حكم التالف لا مطلقا و الفرض أن العيب كان سابقا على العقد فحين وقوع العقد على العبد مع الضميمة، كان المجموع في مقابل الثمن فيكون الثمن مقسّطا على العبد و الضميمة معا و ما تقدم من عدم تقسيط الثمن على الآبق قبل وصوله اليه فيكون المقام كسائر موارد ظهور العيب في المبيع فيتمسك بعمومات ما دل على كون المشتري مخيرا بين أخذ الأرش و الإمضاء بدونه و بين الفسخ ثم ان عدم تعرض المصنف لصورة كون المشتري مخيرا بين الفسخ و الإمضاء من جهة عدم كونه محلا للخلاف و محتمل العدم و انما مورد التوهم هو عدم ثبوت الأرش للتوهم المتقدم و لذا خصّه بالذكر.

الفرع الثاني: انه لو كانت الضميمة ملكا للغير فعقد مالك العبد عليه العقد فضولا

فهل يبطل العقد في العبد مع عدم الإجازة أم لا؟ فقال المصنف بالأول، و لم يتعرّض لحكم صورة الإجازة، و الظاهر هو البطلان مطلقا سواء أجاز المالك أو لم يجز و ذلك لما عرفت أن شأن الضميمة كون مجموع الثمن في مقابلها مع عدم قدرة المشتري على الآبق و فيما إذا كان المبيع مركبا من مال نفسه و من مال الغير فيكون ذلك من الأول من حكم بيعين فيقع الثمن من الأول في مقابل كلا المبيعين و ليس هنا احتمال وقوع مجموع الثمن في مقابل الضميمة فإنه ح يلزم أن لا يكون لمالك العبد شيء أصلا و يكون مجموع الثمن لمالك الضميمة بدون الاستحقاق فإنه مالك من الثمن بما قابل الضميمة دون الزائد كما لا يخفى فيذهب مال مالك العبد هدرا و الحال وقع البيع على المجموع من حيث المجموع.

317

و بعبارة أخرى المستفاد من الرواية أن يحصل لمالك العبد شيء سواء تمكّن المشتري منه أم لا، و لكن مشروطا بكونه مع الضميمة ليقع الثمن في مقالبها مع عدم التمكن من الآبق و أن يحصل للمشتري أيضا شيء كك فإذا كانت الضميمة للغير فلا يمكن ذلك و الحاصل ان الضميمة لا بد و ان تكون قابلا لان يقع مجموع الثمن في مقابلها لقوله (ع) فان لم يقدر كان الذي نقده فيما اشترى معه و إذا كانت الضميمة من مال الغير و لم يقدر المشتري على العبد فلازم ذلك ان يقع الثمن في مقابل الضميمة و لا يحصل لمالك العبد شيء فهذا لا يمكن الالتزام به على أن الظاهر من قوله (ع) في موثقة سماعة لا يصلح الّا أن تشترى معه شيئا و يقول اشترى منك هذا الشيء و عبدك هو أن الضميمة من مال مالك العبد فان معنى اشترى منك معناه أن المال ماله و لو كان من مال الغير فليس الشراء منه، بل لمالكه فإن البائع في الحقيقة في البيع الفضولي هو المالك بإجازته و إمضائه و أنما الفضولي مجرى للعقد فقط، فافهم.

الكلام في اشتراط العلم بالثمن

قوله: مسألة: (المعروف أنه يشترط العلم بالثمن قدرا فلو باع بحكم أحدهما بطل إجماعا).

أقول

استدل على اعتبار هذا الشرط بوجوه:

الأول: الإجماع،

فإنه ذكر غير واحد من الأعاظم أن كل بيع لم يذكر فيه الثمن فإنه باطل بلا خلاف بين المسلمين.

و فيه أن الإجماع و ان كان مسلما و لكن المظنون أن الأصل فيه النبوي

318

المشهور بين الفريقين (نهى النبي (ص) عن بيع الغرر) فليس هنا إجماع تعبدي.

الثاني: النبوي المذكور

فإنه استدل به الفقهاء من الشيعة و السنة على بطلان البيع الغرري، و بما أن الجهالة بقدر الثمن توجب الغرر و الخطر فيكون البيع باطلا.

و فيه أنه قد تقدم عدم تماميته سندا و دلالة فلا يكون مدركا للحكم المذكور.

الثالث: رواية حماد بن ميسرة الواردة في مورد خاص

فإنه روى عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه كره أن يشترى الثوب بدينار غير درهم لانه لا يدرى كم الدينار من الدراهم.

و فيه أن غاية ما يستفاد منها أن المعاملة المذكورة مكروهة فهي أعم من الحرمة، على تقدير إرادة الحرمة منها فهي لا تدل على الفساد لعدم الملازمة بين الاحكام التكليفية و الأحكام الوضعية فتحصل أنه لا دليل خاص على اعتبار العلم بقدر الثمن في البيع،

و على هذا

فلا بد من التكلم في المسألة في جهتين

الأولى بحسب القواعد، و الثانية بحسب الرواية الواردة فيها،

أما الجهة الأولى [أي بحسب القواعد]

فان كان المراد من الجهالة بقدر الثمن جهالة بأصل المالية بحيث لا يعلم البائع أنه أى مقدار بل ربما لا يدرى أن ما جعل ثمنا في البيع أنه مال أو ليس بمال، فهذا لا شبهة في بطلانه فان البيع مبادلة مال بمال و أن غرض المتعاملين تملك كل منهما مالا جديدا بإزاء ما يعطيه للآخر و لم يكن قبل هذه المعاملة مالكا له فإذا لم يدر أنه حصل له مال بذلك أو لا، و مع الحصول أنه أى مقدار فيكون نقضا للغرض فكأنه لم يقع البيع فيكون باطلا و لعل بطلان مثل هذا البيع ارتكازي للعقلاء

319

فلا يعتبرونه بيعا و ان كان هذا أيضا محل تأمل لعدم اعتبار المالية في البيع و لعدم بطلان البيع الصبي فلا منشأ للبطلان غير ذلك الّا دليل نفى الغرر فقد عرفت الحال فيه غاية الأمر يثبت الخيار للمشترى، نعم سيأتي في المسألة الثانية اعتبار العلم بالمثمن في صحيحة الحلبي لا يحتاج إلى التأمل و من هذا القبيل بيع الثوب بدينار غير درهم كما ذكر في الرواية حماد بن ميسرة و أن كان المراد من الجهالة هو الجهل بمقدار الثمن مع العلم بالمالية و كونه بمقدار القيمة السوقية فلا شبهة في صحة البيع كما إذا باع الثوب بما يساوي القيمة السوقية فإن مثل هذا الجهل لا يوجب الغرر و الخطر و لا أنه يوجب الجهل بأصل المالية غاية الأمر أنه لا يدرى أن أى مقدار من المال للجهل بالقيمة السوقية.

و أما الجهة الثانية [أي بحسب الرواية الواردة فيها]

فقد وردت رواية صحيحة (1) في خصوص بيع الجارية و يستفاد منها صحة البيع قال رفاعة النخاس سألت أبا عبد اللّٰه (ع) فقلت له ساومت رجلا بجارية له فباعنيها بحكمي فقبضتها منه ثم بعثت إليه بألف درهم فقلت له هذه ألف درهم حكمي عليك أن تقبلها فأبى أن يقبلها منى و قد كنت مسستها قبل أن أبعث اليه بالثمن فقال (عليه السلام): أرى أن تقوم الجارية بقيمة عادلة فإن كان قيمتها أكثر مما بعثت اليه كان عليك أن ترد ما نقص من القيمة و ان كان قيمتها أقل مما بعثت اليه فهو له، الخبر.

و في الحدائق التزم بصحة البيع بحكم المشتري و انصراف الثمن إلى

____________

(1) وسائل ج 12، ص 271.

320

القيمة السوقية لهذه الرواية و أولها المصنف بما ليس إلا إسقاطا لها في الحقيقة و قال لكن التأويل فيها متعين لمنافاة ظاهرها لصحة البيع و فساده فلا يتوهم جواز التمسك بها لصحة هذا البيع إذ لو كان صحيحا لم يكن معنى لوجوب قيمة مثلها بعد تحقق البيع بثمن خاص، نعم هي محتاجة إلى أزيد من هذا التأويل بناء على القول بالفساد بان يراد من قوله (ع) باعنيها بحكمي تقويمها على نفسي بقيمة عادلة لكون رفاعة نخاسا عالما بقيمة الجارية لأنه يبيع و يشترى الرقيق ثم قومها النحاس على نفسه بألف درهم أما معاطاة أو وكالة في الإيجاب و أصالة في القبول، و انما لم يقبله المالك اما للغبن لخطاء النحاس في التقويم أو لخيار الحيوان بناء على ثبوته في الإماء و العبيد.

و قوله (عليه السلام) ان كان قيمتها أكثر مما بعثت اليه كان عليك أن ترد، إلخ، اما يراد لزوم ذلك عليه من باب إرضاء المالك إذا أراد الإمساك فيسقط المشتري أي النحاس مثلا خيار المالك ببذل التفاوت بأن يقول لا تفسخ المعاملة و سقط خيارك فاعطى التفاوت.

و ما ذكره الايروانى من أنه لا وجه لسقوط الخيار ببذل التفاوت من جهة توهم ان فاعل يسقط هو الخيار و عرفت أنه هو المالك و اما أن يحمل ذلك على صورة حصول الحمل بعد المس فصارت أم ولد و تعين عليه قيمتها إذا فسخ البائع.

و هذا التأويل ليس إلا عبارة أخرى من إسقاط الرواية فإنه ليس فيها إشارة إلى الوكالة و كون المشتري وكيلا عنه أو كون المعاملة على سبيل المعاطاة على أن ظهور عليك ليس إلّا الإلزام على الرد و ما ذكره من حمله على إرضاء المالك بإسقاط الخيار أو حملها على صورة الحبل خلاف الظاهر

321

من الرواية جدا و على هذا فيدور الأمر بين رفع اليد عن الرواية ورد علمها إلى أهلها و بين توجيهها على نحو لا ينافي ظاهرها، و الظاهر هو الثاني و الذي ينبغي أن يقال أنها راجعة إلى أمر عرفي متعارف بين الناس من المعاملة فإن من المتعارف في زماننا خصوصا بين الحمالين أنهم لا يقاطعون في مقام المعاملة على الثمن و الأجرة بل يوكلون الأمر إلى المشتري و المستأجر.

و لكن من المقطوع من القرائن ان غرضهم في ذلك ليس هو حكم المشتري و المستأجر بحيث لو نقص عنها يطالبون القيمة السوقية و إذا زاد أو طابق الواقع فينطبق الثمن عليه ففي الحقيقة أن الثمن في أمثال هذه المعاملات أمر كلّيّ و هو عنوان القيمة السوقية و ما زاد الذي هو قابل الانطباق على القيمة الواقعية و ما زاد دون الناقص عنها لخروجه عن دائرة الكلى.

و نظير ذلك قد ذكرناه في تصوير الجامع في العبادات بين الصحيح و الأعم و قلنا بإمكان فرض كلّىّ يكون قابل الانطباق على الكامل و الناقص و مثلنا لذلك بلفظ الكلمة الموضوعة لما يكون مركبا من حرفين و صاعدا فإنها قابل الانطباق على ما يكون مركبا من حرفين أو ثلاثة أحرف أو أزيد و أيضا مثلناه بكلمة الدار الموضوعة لعرصة المشتملة على الحائط و القبة الواحدة أو أكثر فلا مانع من ان يكون الأمر في المعاملة أيضا كك، فالثمن في مثل المعاملة المذكورة هو الكلى المنطبق على القيمة السوقية و الأكثر فيملك البائع لهذا الكلي فالرواية الشريفة تدل على هذه القضية المتعارفة فلا وجه لرفع اليد عنها أو تأويلها على نحو يكون إسقاطا لها فيكون ح وجها لإلزام المشتري على رد الناقص لكونه أقل من القيمة التي وقع عليها البيع

322

فيقع قوله (ع) فعليك، إلخ، في موقعه و من هنا ظهر بطلان ما ذهب اليه صاحب الحدائق أيضا من حمل الرواية على القيمة السوقية لما عرفت ان الثمن هنا كلى و هو القيمة السوقية و ما فوقها كما لا يخفى.

و بالجملة فلو قال البائع بعتك بسعر ما بعته أو علم المشتري بأن ما اشتراه من البائع فليس ثمنه أزيد من القيمة السوقية فهي مضبوطة في السوق و أن لم يعلم هو بالقيمة تفصيلا فلا دليل على فساد هذا البيع للجهالة، فإنها ليست على نحو تكون موجبة لعدم العلم، بأن الثمن أو المثمن مال أو ليس بمال أقل أو أكثر، على نحو يوجب الخطر بحيث يتوقف العقلاء أيضا في اعتباره بيعا و ان كان هذا أيضا محل تأمل فإنه لا دليل على هذا و أنه بدون المنشئة الّا أن يكون هنا إجماع على البطلان فما عن الإسكافي من صحة البيع إذا قال البائع بعتك بعسر ما بعته في غاية المتانة، و لكن

قوله و يكون للمشترى الخيار

لا وجه له فإنه ان كان البيع غرريا فيكون باطلا فليس له خيار و ان لم يكن غرريا فيصحّ و أيضا ليس له خيار كما هو واضح.

الكلام في اشتراط العلم بالمثمن

قوله: مسألة: العلم بقدر المثمن كالثمن شرط بإجماع علمائنا.

أقول: اعتبروا العلماء العلم بمقدار المثمن بلا خلاف فلو باع ما لا يعلم أنه أى مقدار فلا يجوز إلّا إذا كان الجهل على نحو لا يضرّ كما إذا علم البائع بالمبيع و يبيعه على القيمة السوقية و يعلم المشتري أيضا أنه ما يشتريه على النحو المتعارف في السوق فإنه لا وجه هنا للبطلان إلّا إذا كان هنا إجماع على البطلان

و تحقيق الكلام هنا في جهتين

الاولى في اعتبار العلم بالمكيل و الموزون

323

أما الأولى فالدليل عليه الوجوه المتقدمة المذكورة لاعتبار القدرة على التسليم و كون الجهالة و الغرر موجبا للبطلان و قد عرفت الكلام فيها و ما يرد عليها و يمكن الاستدلال عليه أيضا بتقرير الامام (ع) على عدم الجواز البيع جزافا في صحيحة (1) الحلبي عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه سئل عن الجوز لا نستطيع ان نعده فيكال بمكيل ثم يعد ما فيه ثم يكال على حساب ما بقي من العدد قال لا بأس فإن الظاهر من السؤال أن السائل اعتقد عدم جواز البيع جزافا و أنه كان من المرتكزات عنده و عند العرف، و لذا سأل عن جواز الكيل في المعدود و قد قرّر الامام (ع) اعتقاده و لم ينبه على جواز البيع جزافا كما نبّه على جواز البيع بالكيل في المعدود فيعلم من ذلك أن البيع جزافا لا يجوز، و الاستدلال بها أتم و أحسن من دليل نفى الغرر و نحوه و اما الثمن فهو كالمثمن للقطع بعدم الفرق بينهما.

و أما الجهة الثانية فالمشهور بل المجمع عليه اعتبار الوزن أو الكيل في المكيل و الموزون

فلو باع جزافا لا يصحّ حتى مع عدم الغرر كما إذا كان مقدارا من الحنطة مثلا في أحد طرفي الميزان و مقدار من الأرز في الطرف الأخر الذي يساوي الحنطة فباع أحدهما بالاخر و لكن لا يعلم أنه أى مقدار فإنه لا يجوز ذلك فتدل عليه الروايات المعتبرة.

منها صحيحة (2) الحلبي

في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم و ان صاحبه قال للمشترى ابتع منى من هذا العدل الأخر بغير كيل فان فيه مثل ما في الأخر الذي ابتعت قال لا يصلح الّا بكيل قال و ما كان

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 259.

(2) وسائل: ج 12، ص 254.

324

من طعاما سميت فيه كيلا، فإنه لا يصلح مجازفة هذا مما يكره من بيع الطعام و في رواية الفقيه فلا يصح بيعه مجازفة و المطلب واحد.

فالظاهر من هذه الرواية المباركة أنه لا يجوز البيع في المكيل و الموزون مجازفة و جزافا، و لكن أشكل عليها بوجهين، الأول بالإجمال، بمعنى أنه ما معنى قوله (ع) و ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا، فان ظاهره التنويع و أن الطعام على قسمين أحدهما يعتبر فيه الكيل و الأخر لا يعتبر فيه الكيل، و الحال أن جميع الطعام من سنخ واحد فان اعتبر الكيل فهو في جميعه و الّا فكك و أيضا فذيل الرواية ظاهر في كون ذلك مكروها و هولا يضر بالمعاملة.

الثاني: أن الرواية مشتملة على ما لم يلتزم به احد و هو عدم تصديق البائع و ليس كك فإنه يصدق في اخباره بالمبيع نصّا و فتوى أمّا الأول فيرد عليه أن المراد من الكراهة ما ذكره المصنف من أنها في الروايات أعم من الكراهة المصلحة فلا يعارض بظهور لا يصلح و لا يصح في الفساد على أن الكراهة بمعنى الحرمة أيضا لا يعارضه لعدم الملازم بين حكم الوضعي و التكليفي.

و أما قوله ما سمّيت من الطعام فليس تنويعا بل ذكره من جهة الاشعار إلى علة الحكم و وجه اعتبار الوزن و الكيل في الطعام من أنه من جهة بطلان المعاملة فيه بدون ذلك لاعتبار الكيل فيه و لكونه طريقا الى وزنه و مقداره فإنه لو ترك ذلك القيد فاحتمل أن بطلان المعاملة في المكيل من جهة آخر من التعبد و نحوه لا من جهة طريقية الكيل الى مقدار الواقعي و إخراجه عن الغررية كما لا يخفى.

و أما الإشكال الثاني أن تصديق البائع و ان كان مسلما كما سيأتي في الروايات الاتية و لكن ذلك انما يكون إذا أخبر عن الكيل بان يقول

325

أنا كلت ذلك كما هو المتعارف في اليوم في البقالين و العطارين حيث يوزنون الأشياء لسهولة البيع عنده فيخبرون عن ذلك لا الاخبار عن المتاع بالجزاف و بالحدس من غير كيل و وزن و الرواية ظاهرة، بل صريحة أن اخبار البائع عن العد الأخر انما هو بالمجازفة و الحدس لا عن الوزن و الكيل فان قوله اشتر منى هذا العدل الأخر بغير كيل و كذا قوله (ع) و ما سميت فيه كيلا لا يصح مجازفة ظاهر أو صريح فيما نقول.

و منها موثقة (1) سماعة

قال سألت عن شراء الطعام و ما يكال و يوزن بغير كيل و لا وزن فقال أما ان تأتي رجلا في طعام قد كيل و وزن نشتري منه مرابحة فلا بأس ان اشترته منه و لم تكله و لم تزنه إذا أخذه المشتري الأول بكيل أو وزن إلخ، و هي أيضا تدل على اعتبار الكيل و الوزن في الطعام و على كفاية اخبار البائع بالوزن و الكيل.

ثم انه يقع الكلام في أن اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون في جميع الموارد أو مختص ببعضها

و تنقيح هذا البحث يتوقف على البحث في أن الغرر المنفي في البيع هل هو شخصي أو نوعي فعلى الأول يختص الحكم بمورد وجود الغرر فعلا و على الثاني فيعم جميع الموارد فلا يجوز البيع جزافا و ان لم يكن فيه غرر و أيضا يتوقف البحث في ان ما ورد التخصيص على عمومات صحّة البيع باعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون هل هو يجري في جميع الموارد أو يؤخذ منه المقدار المتيقن فيتمسك في البقية بالعمومات و كيف كان يختلف البحث في المقام باختلاف مدرك الحكم.

أما إذا كان المدرك على اعتبار العلم بالمبيع هو دليل نفى الغرر

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 257.

326

فلا بد و ان ينظر إليه فإن كان المستفاد منه أن الغرر علّة لبطلان البيع فيكون الحكم بالبطلان مختصّا بموارد الغرر الفعلي فيكون المنفي هو شخص الغرر و عليه فيصحّ بيع المكيل و الموزون جزافا إذا لم يكن فيه غرر كما إذا وضع مقدارا من الحنطة على احد طرفي الميزان و مقدارا من الأرز في الطرف الأخر فيبدل أحدهما بالاخر فإنه لا غرر فيه قطعا و ان كان مقدار العوضين مجهولا و كذا لو كان شيء من المكيل و الموزون لا يوزن في الخارج اما لقلته كحبة من الحنطة و مقدار حصة من الدهن و هكذا أو لثقله كزبر من الحديد فإنه لا غرر في أمثال ذلك مع كون مقدار المثمن مجهولا و هذا نظير كون الحرج و الضرر مأخوذ اين في الأحكام الحرجية بعنوان العلة فإنه يكون الحكم بها تابعا لوجود الموضوع الشخصي فلا يرتفع في غيره المنتفى عنه الحرج و الضرر.

و ان كان المستفاد من دليل نفى الغرر كونه حكمة للحكم بالبطلان فيكون باطلا في الموارد المذكورة و ان لم يكن فيها غرر شخصي فإنه لوحظ في المبيع بعنوان الحكمة للحكم فلا يلزم وجودها في جميع الموارد ككون اختلاط المياه حكمة لتشريع العدة و تعفن الإبطين حكمة لتشريع وجوب غسل الجمعة و كون المشقة حكمة في عدم وجوب السواك و كون الحرج حكمة في عدم جعل النجاسة على الحديد فان هذه الأمور بأجمعها لوحظت حكمة للتشريع فلا يلزم وجودها في جميع الموارد و في المقام أن نفى الغرر حكمة لحكم الشارع ببطلان المعاملة التي كان العوضين فيها مجهولا و لكن إذا لم يكن غرر في مورد أو موارد كما تقدم مع جهالة العوضين فلا وجه للحكم بصحة المعاملة بل يحكم أيضا بالبطلان لعدم لزوم التسرية في حكمة الاحكام.

327

و لكن الظاهر أن النزاع في أن الغرر المنفي في دليل نفى الغرر شخصي أو نوعي ليس له منشأ أصلا فإن هذا النزاع انما يجرى فيما إذا كان ذلك العنوان المتنازع فيه متعلقا للحكم و موقوفا عليه في لسان الأدلة من غير أن يكون لنفس العنوان المذكور فيها موضوعية للحكم و هذا كثبوت الحرمة للخمر فإنه ليس لعنوان الخمر موضوعية لثبوت الحكم له بحيث يدور الحكم مدار صدق الاسم حتى لو كان الحبر مسمى بالخمر فتشمل عليه أدلة حرمة الخمر و انما التحريم ثبت لها لكونها مسكرة كما في عدة من الروايات الدالة على أن الخمر انما حرمت لعاقبتها و لإسكارها لا لاسمها و ما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو حرام و على هذا فيصح البحث في أن الإسكار حكمة أو علة و هكذا في كل مورد علّل ثبوت الحكم بشيء آخر كجعل العدة المعلل باختلاط المياه و نحوه.

و أما فيما يكون العنوان المأخوذ في الأدلة بنفسه موضوعا للحكم فلا مجال للنزاع المذكور و مقامنا من هذا القبيل فان عنوان الغرر كعنوان الضرر و الحرج بنفسه موضوع للحكم ببطلان المعاملة الغررية فيكون نظير العلّة من حيث دوران الحكم مداره وجودا و عدما على نحو القضية الحقيقية ففي كل مورد ثبت الغرر فيوجب بطلان البيع و الّا فلا، فان عنوان الغرر مأخوذ في النبوي بعنوان القضية الحقيقية فيكون صدقها تابعا بتحقق الغرر الشخصي في الخارج فلا مجال لتوهم بطلان البيع فيما إذا كان العوضين أو أحدهما مجهولا و لكن لم يكن فيه غرر كما في الموارد التي ذكرناها.

فهل يتوهم فقيه أو متفقة بل عوام انه إذا كان التوضي حرجا على جميع الناس لبرودة الهواء الّا لشخص واحد لحرارة مزاجه فيكون وجوب الوضوء مرتفعا عنه لكونه حرجا على نوع الناس و ليس كك قطعا و كك المقام و هذا ميزان كلّىّ و قد ذكرنا هذه الكبرى الكلية في غير موارد البحث عن الحكمة و العلة و عدمه في

328

غير واحد من المباحث.

و أما إذا كان المدرك هي الأخبار الوارد في اعتبار الكيل في المثمن فليس فيها لفظ الغرر حتى نتكلم في ذلك كدليل نفى الغرر بل لسانها اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون و هل تدل على اعتبار الكيل في المكيل و الموزون مطلقا، و ان كان الجهل لا يوجب الغرر في بعض الموارد كما إذا كان للمتبايعين حدس قوىّ يعيّنان مقدار المكيل و الموزون بالتخمين بحيث لا يتخلف الا نادرا و بالمقدار القليل أو كان مقدار واحد منهما يساوى الأخر في المقدار و لكن لا يعلمان مقدارهما الواقعي أو كان قليلا بحيث لا يعد في العرف من المكيل و الموزون أصلا كحبة من الحنطة أو مقدار قليل من الدهن أو كان ثقيلا لا يمكن وزنه كزبر من الحديد.

أو أنه لا يعتبر الكيل و الوزن الا فيما كانت الجهالة موجبة للغرر أو يفصّل بينما كان التقدير على نحو يكون معينا لمقدار المبيع فيلتزم بصحة و بينما لا يكون كذلك فيلتزم بالفساد الظاهر هو الثاني و توضيح ذلك أنه لم يرد في تلك الروايات لفظ الغرر حتى نتكلم في أنه بأي كيفية حتى نبحث فيه كما عرفت، بل هي دالة على اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون و على هذا فلا يصحّ بيع مقدار من المكيل بمقدار آخر منه يساويه، إذ المستفاد أنه لا بد من معرفة مقدار المكيل و الموزون سواء كانت الجهالة موجبة للغرر أم لا، فإنه لم يرد فيها لفظ الغرر لنبحث عنه.

و أما إذا عينا العوضين بالحدس القوى و التخمين الذي لا يتخلف الّا قليل فيصح البيع، ح فإنه من مصاديق الكيل و الوزن فان اعتبارهما ليس من جهة أن لهما موضوعية، بل من جهة كونهما طريقا الى الواقع و الى تعيين مقدار العوضين و الحدس القوي أيضا مما يعين المقدار كالكيل

329

و الوزن و على هذا فيلتزم بصحة البيع بالتخمين و هذا نظير أخبار البينة على ان هذا المتاع قد كيل أو وزن فهل يتوهم أحد بعدم اعتبار ذلك من جهة عدم تحقق الكيل و الوزن فيتمسك بالعمومات الدالة على صحة المعاملة و أما الأشياء التي لا يعد في العرف من المكيل و الموزون فالظاهر عدم اعتبار الكيل و الوزن فيها لخروجها عن المكيل و الموزون تخصصا في نظر العرف فإن الاخبار لا تدلّ الّا على اعتبار الكيل في المكيل و الوزن في الموزون لا على اعتبارهما في جنس المكيل و الموزون كما في الربا، و من الواضح أن الأمور المذكورة ليست من المكيل و الموزون في نظر العرف، بل من جنسهما فلا تشملها تلك الأدلة و اذن يفرق بين المقام و بين جريان الربا في المكيل و الموزون فإن أدلة حرمة الربا تدل على جريانه في جنس المكيل و الموزون سواء كان قليلا أو كثيرا و موزونا في نظر العرف أم لم يكن كذلك كما هو واضح لا يخفى.

و من هذا القبيل النقود الرائجة فعلا فإنها و ان كانت من جنس الموزون و يجرى فيه الربا و لكن لا يعتبر فيها الوزن في مقام المعاملة، بل هي من المعدود كما هو واضح.

و يؤيده بل يدل عليه أنه لو باع أحد ماله بدرهم فظهر أنه ناقص من سائر الدراهم بحبّة أو حبّتين فلا يبطل البيع لأجل جهالة الثمن و لا أنه يقسط المبيع و يلتزم بالصحة بما قابل الدرهم و بالفساد بالمقدار الناقص كما أن المعاملة بالدنانير الفعلية التي من القرطاس صحيحة و ان كان بعضها ممزّقا ما لم يضرّ بالرواج فلا يشك أحد أن المزق عيب فيه فيعلم من جميع ذلك ان النظر في النقود و الأثمان إلى الرواج لا الى واقعها و أنها من أى جنس بل يكون للبائع تبديل ذلك الدرهم بدرهم آخر لو كان

330

الثمن كلّى الدراهم و يكون له الخيار و مطالبة التفاوت إذا كان شخصيا بل السيرة القطعية قائمة على المعاملة بالنقود المسكوكة معاملة المعدودات، و لا يشك أحد في ذلك، بل لا يلتفتون اليه و كونها مكيلة أو موزونة، بل و لا يعلم الناس أجمع أو أكثرهم مقدار الدراهم المسكوكة الرائجة إلا إذا كان بحسب الأصل مسكوكا على ميزان خاص و مشتهرا بين الناس كالقرانات السابقة في الايران و بالجملة لا نحتمل أن يشك أحد في كون الدراهم و الدنانير الرائجة من قبيل المعدودات و يدل على ما ذكرناه من كون النقود من المعدودات صحيحة (1) ابن عبد الرحمن قال قلت لأبي عبد اللّٰه (ع) أشترى الشيء بالدراهم فاعطى الناقص الحبة و الحبتين قال لا حتى تبيّنه ثم قال الّا أن يكون هذه الدراهم الأوضاحية التي تكون وعدنا عددا.

فإنها صريحة في كون الدراهم من المعدودات و أما النهي عن إعطاء الناقص فليس من جهة الجهالة، بل من جهة الغش و قد تقدم أنه حرام في المعاملات.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان النقود المضروبة من الفلزات ليست من الموزون، و ان كانت من جنسها فلا يعتبر فيها الوزن و لا يضرّ الجهل بها بصحّة المعاملة و لا يقاس المقام بالربا فإنه يجري في كل جنس يكون من المكيل و الموزون.

ثم أن الظاهر بل الواقع أنه لا يعتبر في الكيل و الوزن المعتبرين في الروايات الّا العلم بقدرهما إجمالا بحيث لا يكونان مجهولين بالكلية كبيع المكيل و الموزون بالصخرة المجهولة فإنه يبطل بحكم تلك الروايات

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 473، حد 7.

331

لكونها مجهولة محضة فيكفي معرفة الوزن و الكيل إجمالا في صحة المعاملة بحيث لا تكون المعاملة في العرف مجهولة العوضين و الوجه في ذلك أنه لا نعلمه من ادعى حقيقة الأوزان و المكيال تفصيلا لعدم انضباطها في الخارج تحقيقا حتى الأوزان الدارجة المضبوطة بالقرام و الأوزان القديمة المضبوطة بالمثاقيل فإنها تنتهي بالآخرة إلى مرتبة مجهولة، بل لا يعلم بها أهل العرف على النحو المضبوطة قبل انتهائها إلى الميزان الأصلي من القرام و المثقال حتى يكون مجهولا في أصل المادة فإن نوع أهل العرف لا يدرون أن الحقة أي مقدار و أن الكيلو أى مقدار، بل لا يلتفت كثيرون بالمثقال و القرام كما هو واضح، بل يستحيل معرفة الأوزان على التفصيل لعدم إمكان معرفة حقائق الأشياء لغير علّام الغيوب فالعلم بحقيقة الوزن على التفصيل يستلزم العلم بحقيقة الأشياء و قد قلنا أنه لا يمكن لغير علّام الغيوب و هذا واضح جدا.

ثم انه اعتبار الوزن و الكيل في الروايات طريق إلى معرفة المكيل و الموزون، فإنه لا شبهة في أنه لا موضوعية لهما قطعا و عليه فلا بد و أن يكون كل من المتبايعين عالمين بالوزن الذي يوزن به المبيع و يعين حين اشتراك الاسم بكون المراد منه أى وزن فإنه ربما يكون الأوزان المتعددة مسماة باسم واحد فيتخيل المشتري منه الوزن المنسوب الى فلان و كان نظر البائع إلى غيره فيكون المبيع مجهولا فتبطل المعاملة للجهالة و مثاله أن الحقة اسم للاوزان المتعددة فإذا كان نظر البائع إلى حقة العطاري و هي حقة الإسلامبول و كان نظر المشتري الى حقة النجف فتعاملا على ذلك فتكون المعاملة باطلة بلا شبهة، و كذا المن فإنه مشترك بين التبريز و الشاهي و النجف و غيرها فإذا باع منّا من الحنطة بدرهم و تخيّل المشتري أنه من

332

النجف الذي ستّ حقق و كان نظر البائع الى من التبريز مثلا فإنه تبطل المعاملة للجهالة، بل ربما كان لبلدة واحدة أو قرية واحدة وزن خاص فلا بدّ من التعيين حتى لا تكون المعاملة مجهولة.

و بالجملة فالغرض من اعتبار الوزن و الكيل ليس مجرد وزن الموزون و كيل المكيل سواء علم المتبايعان بالحال أم لا، إذ ليس لهما موضوعية أصلا، بل الغرض معرفة مقدار الثمن و المثمن إذا كانا من المكيل و الموزون و الوزن و الكيل طريقان الى الواقع و على هذا فالمناط في صحة بيع المكيل و الموزون معرفة مقدارهما الواقعي، و على هذا فيصحّ بيعهما بغير الوزن و الكيل إذا علما بهما بغير الوزن و الكيل كالحدس القوى كما عرفت و يبطل البيع مع عدم العلم بالواقع حتى مع الوزن و الكيل إذا كانا مجهولين.

أما الكلام في المعدود

فالحكم فيه مثل الحكم في المكيل و الموزون، بلا خلاف ظاهر كما في المتن فلا بد من اعتبار العدّ فحيث ان الغرض به معرفة مقدار المعدود فيكفي فيه غير العدّ أيضا من الكيل و الوزن و الحدس القوىّ الغير المتخلّف كثيرا و يدلّ على اعتبار العدّ في المعدود و قيام غيره مقامه خبر الجواز الاتى الذي ذكرناه في اعتبار العلم بالمثمن أيضا ثم أنه لا يهمّنا التكلم في ان الميزان في المعدود و الموزون أى شيء لعدم انضباطه و لترتب الفائدة عليه و مع ذلك سيأتي الكلام عليه، و الظاهر أنه أمر عرفي يختلف باختلافهم و مثل الباذنجان من المعدود كما في بعض بلاد إيران، و من الموزون في العراق و مثل البرتقال و الليمو من الموزون في بعض البلاد و من المعدود في بعضها الأخر و كذا الجوز و هكذا و هكذا فلا بدّ في ذلك من الرجوع الى عرف المحل و البلد كما لا يخفى.

و اما المزروع فان قلنا بأن الروايات التي اعتبر الكيل و الوزن في المكيل

333

و الموزون من جهة الطريق الى الواقع و لزوم تقديرين الثمن و المثمن في المعاملة من غير خصوصية في المكيل و الموزون و لا في التقديره بالكيل و الوزن كما هو الظاهر فنتعدى الى كل شيء و نحكم بلزوم تقدير في المعاملة و اذن فيجب تقدير المزروع بالزرع و نحوه و يدل على ذلك التقدير في رواية الجوز (1) الاتية.

و ان قلنا بأنه لا يستفاد من تلك الروايات التعميم بل لا بد من الاقتصار بالمورد و أيضا لم يتم دليل نفى الغرر و لا الإجماع المدعى على لزوم تقدير الثمن و المثمن كما لم يتم دليل نفى الغرر و لا الإجماع المدعى على لزوم تقدير الثمن و المثمن كما لم يتم و اذن جاز بيع المزروع بأي نحو كان سواء كان المقدار معلوما أم لا كما لا يخفى.

قوله: مسألة لو قلنا بأن المناط في اعتبار تقدير المبيع في المكيل و الموزون.

أقول: بعد ما عرفت اعتبار الكيل في المكيل و اعتبار الوزن في الموزون فيقع الكلام في اجزاء كل منهما مكان الآخر و قيل بالجواز مطلقا و قيل بعدمه كذلك و الثالث التفصيل و هو القول بجواز الكيل وزنا دون العكس و ليعلم أنه إذا كان المدرك هو دليل نفى الغرر فالمدار في صحة المعاملة و فسادها هو الغرر وجودا و عدما فان كان هنا غرر فيكون موجبا للبطلان و الّا فلا، و لا يفرق في ذلك كون المبيع معلوما أو مجهولا كما هو واضح، فلا يقع الكلام في كفاية كل من الوزن و الكيل في مورد الآخر و اما الكلام في المقام مع قطع النظر عن دليل الغرر و بلحاظ الأخبار الواردة في اعتبار الكيل و الوزن فنقول أما القول بالجواز مطلقا نسب الى الشهيد في سلم

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 259.

334

الدروس و استدل عليه برواية (1) وهب عن الصادق (ع) قال: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال و ما يكال فيما يوزن.

و فيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند.

و ثانيا: ما ذكره المصنف و تبعه شيخنا الأستاذ من كون الرواية راجعة إلى جعل ثمن المكيل موزونا و ثمن الموزون مكيلا لا الى جريان كل منهما في الأخر فلا يكون مدركا للجواز.

ثم انه لا شبهة في ان لكل من الوزن و الكيل دخلا في مالية الأشياء المكيلة أو الموزونة و أن يختلف قيمة الأشياء باختلاف الوزن و الكيل، و عليه فإذا كان لحجم الشيء دخل في المالية لا يكفى الوزن عن الكيل، بل لا يعلم به أن ما يكون ماليته بالكيل أى مقدار مثلا لو كان بيع الأجر بالكيل فيعلم أن المقدار الفلاني من الأجر له مالية كذا و لكن إذا وزن و لم يعلم انه أى مقدار من الوزن يساوى بذلك المقدار حتى يعلم أن له هذا المقدار من المالية و هذه الكبرى الكلية مستفادة من الاخبار الواردة في اعتبار الكيل و الوزن.

و ربما يقال بجواز بيع كل منهما بالاخر لقوله (2) ((عليه السلام)): و ما كان من طعام سميت فيه كيلا لا يجوز بيعه في زقة فان بيع الكيل بالوزن ليس من بيع الجزاف لكون الوزن طريقا اليه بل هو الأصل في تقدير الوزان.

و فيه قد عرفت أن الكيل و الوزن دخلا في مالية الأشياء فما كانت ماليته بالكيل لا يجوز بيعه بالوزن لعدم ارتفاع الجهالة به كما عرفت.

____________

(1) وسائل: ج 13، ص 63، باب 7، حد 1.

335

و قد يستدل عليه بموثقة (1) سماعة قال سألته عن شراء الطعام و ما يكال و يوزن بغير كيل و لا وزن، فقال: أما أن تأتي رجلا في طعام قد كيل و وزن تشترى منه مرابحة فلا بأس ان اشتريته منه، و لم تكله و لم تزنه إذا كان المشتري الأول قد أخذه بكيل أو وزن و قلت له عند البيع إني أربحك كذا و كذا و قد رضيت بكيلك و وزنك فلا بأس.

و فيه انه لا دلالة في الرواية على ذلك، فان الظاهر من الرواية أن إتيان الكيل و الوزن على سبيل اللّفّ و النّشر و كان نظر الامام (ع) الى اعتبار كل من الوزن و الكيل في كلّ من الوزن و الكيل و ليس نظره (ع) الى كفاية كل منهما عن الأخر و يؤيد ذلك التعبير بلفظ أو في ذيل الرواية فيكون الظاهر من الرواية أن كلّ من الكيل و الوزن معتبر في كل من المكيل و الموزون فمفهوم القضية الشرطية أنه إذا لم تشتر المكيل بكيل و الموزون بالوزن فيكون باطلا فإطلاق المفهوم شامل لبيع المكيل بالوزن و بيع الموزون بالكيل فيحكم بعدم الجواز و يقرّب ما ذكرناه من اللّف و النّشر أنه (ع) عطف الوزن على الكيل بقوله ((عليه السلام)) في طعام قد كيل و وزن إذ ليس من المحتمل اعتبارهما معا في المكيل و الموزون.

و بالجملة الظاهر من الرواية أن الوزن و الكيل كل منهما دخيل في مالية المكيل و الموزون فلا يكفى الكيل بالوزن و كك العكس.

و أما القول بالتفصيل فاختاره المصنف (ره) و قال: بكفاية الوزن في المكيل و بعدم كفاية الكيل في الموزون بدعوى أن الوزن أصل الكيل و أضبط و انما عدل إليه في المكيلات تسهيلا فلا مانع من القول بكفاية الوزن

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 257، حد 7.

336

عن الكيل بخلاف العكس لكونه فرعا على الوزن.

و فيه قد عرفت أن الظاهر من الموثقة هو اعتبار كل من الوزن و الكيل في المكيل و الموزون على سبيل اللّفّ و النّشر و أن كل منهما على نحو الاستقلال دخيل في مالية كل من المكيل و الموزون بحيث ربما تضطرّ بمالية المكيل بانعدام الكيل و ان كان يوزن بالوزن كما مرّ في مثال الأجر و كذلك العكس و ليس كل ما يكال يكون معلوم المالية بالوزن عند العرف، و كذا العكس.

و ما ذكره من أن الأصل في تعيين مقادير الأشياء هو الوزن و انما جعل الكيل طريقا اليه تسهيلا فهو كذلك، و لكن لا يعلم أنه أى وزن كان أصلا و أن كيل كان طريقا له مع اختلاف الأوزان باختلاف الممالك و البلاد بل في بلدة واحدة أوزان مختلفة فإذا فرضنا أن متاعا يباع بالكيل فقط و يعلم حجمه و مقدار ماليته تفصيلا بحيث لا يلتفت اليه العرف الّا بالكيل و إذا بيع بالوزن لكونه أصلا في تعيين المقدار فلا يعلم أن أى مقدار من المتاع وقع مقابل أى مقدار من الثمن مثلا إذا فرضنا أن أحدا باع دارا بالوزن بمعنى أنه باع الأجر و الجص بوزن معين أن يجعل هذا المقدار دارا بمبلغ معيّن الى أن يخلص هذا المقدار مع أنه لا يعلم المشتري أي مقدار من المثمن قد حصله فإنه لا يدرى أن هذه المصاح تصير قبة أو قبتين و هكذا في كل مورد اعتبر المبيع بالكيل فباعه البائع بالوزن و يصحّ ما ذكرناه بملاحظة ما وقع الاختلاف الكثر في الأوزان بحيث من جرّب يعلم أن وزن بقالين لا يتساويان و على هذا فالقول بعدم الجواز مطلقا أوجه الّا أن يكون الكيل طريقا الى الوزن فحينئذ يتّجه كلام المصنف بان كان الوزن صعبا خصوصا في الموازين القديمة فح يوزن كيل واحد و يحاسب الباقي

337

على حسابه و يدل على ذلك رواية (1) عبد الملك بن عمرو قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (ع) اشترى مأة راوية من زيت، فاعترض راوية أو اثنين فانتزنهما ثم أخذ سائره على قدر ذلك، قال لا بأس فإنه يجعل الوزن ح طريقا الى الكيل مع العلم بأن الكيل أى مقدار من الوزن فلا يقاس ذلك بغير ما جعل الكيل طريقا ففي هنا يتجه ما ذكره من ان الوزن أصل في تعيين المقادير كما لا يخفى.

فإنه ح يحصل الاطمئنان بالمقدار نظير تعيين المبيع بالحدس القوي أو بالبينة أو تصديق البائع في اخباره عن الكيل و الوزن فان في ذلك كله يحصل الاطمئنان بالواقع و بمقدار المثمن.

و على هذا فلا يفرق فيما يظهر التفاوت بما يتسامح أو بما لا يتسامح فان في كلا الموردين قد حصل الاطمئنان بالمقدار و يجعل الكيل طريقا الى التعيين غاية الأمر فإذا ظهر التفاوت بما لا يتسامح كأن ظهر في مأة رواية التي مائة أمنان مثلا التفاوت بعشرة أمنان فيكون للمشترى الخيار.

و من هنا ظهر أنه لا وجه لما أشكل به شيخنا الأستاذ على المصنف حيث قال و أما إذا لم يكن طريقا مضبوطا اليه بل يتخلّف بما لا يتسامح فيه فلا معنى لجواز جعله طريقا و البناء على ذلك المقدار لأن البناء عليه لا يخرجه عن الجهالة و الّا لصح بيع الموزون مشاهدة مع البناء على أنه مقدار خاصّ و حاصل الكلام أن نيّة كون شيء طريقا أو لحاظ كونه أصلا أو البناء على كونه مقدّرا بمقدار خاصّ و نحو ذلك من الأمور البنائية و القلبية لا أساس لها في باب المعاملات.

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 255، باب 5، حد 1.

338

و وجه الضعف أنه ليس كون الكيل طريقا الى الوزن مع الاطمئنان بالمقدار المعين الواقعي سواء ظهر فيه تفاوت بما يتسامح أو بما لا يتسامح من قبيل مجرّد البناء على ذلك المقدار فليس لهذا الاشكال وجه أصلا.

[معاملة الموزون بوزن معلوم عند أحد المتبايعين]

قوله: ثم انه قد علم مما ذكرناه أنه لو وقعت معاملة الموزون بعنوان معلوم عند أحد المتبايعين دون الآخر كالحقة و الرطل و الوزنة باصطلاح أهل العراق الذي لا يعرفه غيرهم خصوصا الأعاجم غير جائز.

أقول: حاصل ما ذكره أنه لو كان الوزن أو الكيل معلوما عند أحد المتعاملين دون الأخر كالحقة و الرطل و المن و الوزنة باصطلاح أهل العراق مع عدم معرفة غيرهم بها خصوصا الأعاجم فهو غير جائز فإنه لا يصدق في العيار مجرد صدق أحد هذه العناوين عليه فان ذلك ليس الّا كوضع الصخرة الغير المعلومة على الميزان و الوزن لها.

أقول: الظاهر أنه غير تمام لما ذكرناه سابقا من كفاية العلم الإجمالي بالوزن و لو بمشاهدته أن هذا حقة أو وزنة أو غيرهما و أن كل حقة من الأرز مثلا بقيمة كذا بحيث يرى المشتري ذلك و يعامل على طبق هذا الموجود الخارجي بحيث يصدق أن بيع هذا الطعام ليس بمجازفة، بل بيع بالوزن أو الكيل و ان لم يعلم أحدهما مقدار الوزن تحقيقا و على جرت السيرة القطعية حيث يرد المسافر على بلد و شرى منهم المتاع من غير معرفة مقدار وزنهم تفصيلا بل يعلم إجمالا ان هذا الوزن المشاهد مقابلة من المتاع بقيمة كذا و هكذا بل لا يعرف الموازين تفصيلا حتى مرتبة نازلة من التفصيل الحقيقي بحيث يكون فيه تسامح قليل شخص البلدي، بل شخص من بيده الميزان فان البقال يعرف أن هذه وقعية أو حقة أو وزنة و أما أن كل منها أىّ مقدار من المثقال أو القرام فلا يعرفه هو أيضا، بل لو عرفه و بالأخرة

339

يصل الى مرتبة لا يعلم أنه أى مقدار كالمثقال و القرام.

و بالجملة لا وجه لما قاله المصنف من عدم كفاية الوزن مع علم أحدهما دون الأخر كاوزان العراق و على هذا فيصح معاملة الزوار الذين يجيئون الاعتبارات المقدسة و يعاملون مع أهلهم باوزان لا يعرفون مقدارها.

نعم قد تقدم سابقا بطلان المعاملة في صورة واحدة و هو أن يبيع كليّا مثلا من الحنطة و نحوه على حساب كل من بدرهم أو كل حقة بدرهم فلا يعرف من الوزن الّا اسمه فقط، من غير علم به بالمشاهدة و نحوها فتكون باطلة لكونها معاملة جزافية و هذا غير ما ذكرناه.

و بالجملة المدار في صحة بيع الموزون و المكيل الذي فرضنا من الرواية هو صدق البيع بالوزن أو الكيل بحيث يعرف كل منهما أنه كيل أو وزن و أما معرفتهما تفصيلا فليس لها في الروايات عين و لا أثر كما هو واضح، فافهم.

و أما المعدود فالكلام فيه بعينه مثل كلام في المكيل و الموزون

فبالنسبة إلى أصل اعتبار العدد في المعدود قد تقدم الكلام فيه و قلنا أن صحيحة الحلبي (1) عن ابى عبد اللّٰه (ع) يدل على ذلك حيث سئل عن الجواز لا نستطيع ان نعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد قال لا بأس به، فان الظاهر منها أن اعتبار العدد في المعدود مفروغ عنه و انما سأل السائل عن كون الكيل طريقا اليه أو انه لا يكال، بل للعدّ موضوعية في المعدود و أيضا يدل بالتقرير على جواز كيل المعدود و بيعه و وزنه و ليس للعدّ موضوعية في ذلك و هذا لا اشكال فيه أيضا.

و لكن بقي في الرواية شيء و هو ان التقرير لكفاية الكيل عن العدّ و

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 259.

340

ان كان مسلما و لكن الظاهر من الرواية اختصاصه بصورة الاضطرار، حيث سئل السائل عن ذلك عند عدم الاستطاعة فلا يجوز في غير حال الضرورة.

و فيه أن الرواية و تقريره (ع) غير متوجه الى فرض القدرة من العدد فإنه ليس مفروض السائل فإنه مع التمكن لم يكن له داعي لبيع المعدود بالكيل، بل كان يبيعه بالعدّ و لذا سأل عن صورة عدم القدرة و هذا لا يدل ان بيع المعدود بالكيل أو الوزن لا يجوز، بل يجوز مع كونه طريقا اليه كما هو واضح للعلم بان الكيل و الوزن و العدّ ليس لها موضوعية بحيث لو أخبر المعصوم به أو قامت البينة على التعيين أو علما بالحدس القوى لكان باطلا و على هذا فتمسك بالعمومات في غير ما لم يثبت فيه قيد خاص هذا فيما كان الكيل أو الوزن طريقا الى المعدود و اما كفاية كل منهما عن الأخر استقلالا فذكر المصنف أنه لا يجوز في الكيل بان يبيع المعدود بالكيل و يكفى ذلك عن العدّ و اما الوزن فالظاهر كفايته و لم يبين وجه الفرق بينها غير أنه نقل عن ظاهر قولهم في السلم انه لا يكفى العدّ في المعدودات.

الظاهر انه لا وجه في ذلك الفرق فإنك قد عرفت أن الظاهر من موثقة سماعة اعتبار كل ما يعتبر ماليته بالوزن أو الكيل و هكذا العدّ لا يجوز بيعه بغيره فإنه من قبيل البيع مجازفة إذ لا يعلم أن مقدار ماليته التي اعتبر عليها البيع أى شيء، بل ربما لا يعتبرون البيع مع الجهل بالمالية فإن المستفاد من الروايات الدالة على اعتبار الكيل في المكيل و الوزن في الموزون و العدّ في المعدود هو ذلك، و انما قلنا بكفاية كل منهما عن الأخر في صورة الطريقية لكونه موجبا لتعيّن المالية، و بالجملة و انا قلنا أنه ليس لشيء منهما موضوعية بل كل منهما طريق الى الواقع و لكن المناط كون المالية معلومة و الّا فلا يجوز و لذا لا يجوّز كفاية كل منهما عن الأخر استقلالا كما

341

هو واضح، و على هذا فلا وجه لتجويز بيع المعدود بالوزن استقلالا، و الحاصل ان كان هنا طريقية فالمناط جواز بيع المعدود بكل ما يكون طريقا اليه فلا وجه للاختصاص بالوزن و الّا فلا يجوز أيضا مطلقا فلا وجه لاختصاص الكيل بالمنع فافهم.

قوله: بقي الكلام في تعيين المناط في كون الشيء مكيلا أو موزونا.

أقول: ذكر المشهور أن المدار في كون الشيء مكيلا أو موزونا ما هو المتعارف في زمان الشارع، فان ما كان مكيلا في زمانه فمكيل الى يوم القيامة و ما كان موزونا في زمانه فموزون الى يوم القيامة و كذلك المعدود.

و أما الأشياء التي لم تكن في زمانه من قبيل المكيل و الموزون، أو المعدود فللمدار فيها ما هو المتعارف في العرف العام، و الّا فما هو المتعارف في كل بلد، و ذكروا ذلك أيضا في بيان الجنس الربوي.

و لكن القول بهذا الرأي و حمل الأخبار الواردة في المسألة عليه يستلزم الالتزام بأمر مستحيل فإنه إذا كان المدار في كون الشيء مكيلا أو موزونا أو معدودا هو زمان الشارع و زمان الأئمة (ع) كانت القضية خارجية، و عليه فما يتعارف كيله أو وزنه في ذلك الزمان لا يدخل تحت أحد العناوين الى يوم القيامة.

و إذا كان المدار فيها متعارف كل زمان، بل كل بلد من غير توجه الى ما هو المتعارف في زمان الشارع كانت القضية حقيقية و عليه فما هو مكيل في زمان الشارع يمكن ان يكون موزونا في زمان آخر و بالعكس، بل قد يكون معدودا و على هذا فعرف كل زمان هو الميزان في تعيين المكيل و الموزون و المعدود.

و الجمع بين الأمرين في إنشاء واحد مستحيل فانّ النظر في القضية

342

الخارجية إلى دخل الخصوصيات الخارجية في الإنشاء و عدم كونه على نحو الإطلاق و لا بشرط و النظر في القضية الحقيقية إلى فرض الموضوع مفروض الوجود و جعل الحكم عليه من غير أن تكون الخصوصيات الخارجية دخيلة في الجعل و الإنشاء، فحمل الروايات على ما ذكره المشهور حمل على أمر محال كما لا يخفى.

بل، الظاهر منها هو الثاني و أنها كسائر القضايا لسبت الا حقيقية و تخصيصها بالقضية الخارجية يحتاج إلى عناية زائدة فظهور الروايات يدفعها و عليه فالميزان في المكيل و الموزون و المعدود هو العرف في كل زمان إلّا إذا قام إجماع أو ورد نص خاص على اعتبار الكيل مثلا في جنس خاص كما ورد النص بجريان الربا في الدراهم و الدنانير مطلقا و ان كانتا من المعدودات فلو باع احد درهما بدرهمين فتكون المعاملة ربويّة مع أن الدراهم من المعدودات في زماننا بل في كل زمان كما دلّت عليه رواية ابن عبد الرحمن المتقدمة (1).

و بالجملة أن الظاهر من قوله (2) (ع) ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا فلا يصلح مجازفة و كذا غيره من الروايات الدالة على اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون هو كون القضية حقيقية بحيث يكون الميزان كون الشيء مكيلا أو موزونا في أي زمان كان.

و الحاصل من أول المسألة المشهور بين الفقهاء أن العبرة في التقدير بزمان النبي (ص) فما كان مكيلا أو موزونا فيلحق بهما حكمهما الى

____________

(1) وسائل: ج 12، صفحة 473، حد 7.

(2) وسائل: ج 12، صفحة 254، حد.

343

يوم القيامة و ما لم يتعارف وزنه أو كيله في زمانه (ص) فالعبرة فيه بما اتفق عليه البلاد و ان لم يتفق عليه البلاد فالعبرة فيه بما تعارف في كل بلدة بالنسبة إلى نفسها.

و قد ذكرنا أن هذا الذي ذكرنا ذكره المشهور مشكل، بل مستحيل فان الالتزام بأن ما تعارف في زمان النبي (ص) كونه مكيلا أو موزونا كك إلى الأبد سواء خرج عن كونهما مكيلا أو موزونا أم لا، يقتضي كون القضية خارجية ثم الالتزام فيما لم يتعارف وزنه أو كيله في ذلك الزمان بكون الميزان فيه العرف العام أو العرف الخاص يقتضي كون القضية حقيقة فهما لا يجتمعان في إنشاء واحد فان النظر في القضية الخارجية الى الأفراد الخارجية فقط، و ثبوت الحكم لها إلى الأبد أى ما دام موجودا و في القضية الحقيقية إلى وجود الموضوع مطلقا و كونه مفروض الوجود بحيث أنه في أي زمان تحقق صدق عليه حكمه و في أي زمان خرج عن كونه مكيلا أو موزونا يرتفع عنه الحكم سواء كان مكيلا في زمان الشارع أم لم يكن كما إذا ثبت وجوب الإكرام على العلماء فإنه يدور مدار صدق موضوع في أي زمان وجودا و عدما فلو كان شخص عالما ثم نسي علمه يرتفع عنه وجوب الإكرام.

و على هذا فلا مناص عن حمل الروايات الواردة في المسألة أما على القضية الحقيقية أو على القضية الخارجية، و لكن الظاهر منها كون القضية الحقيقية إذ لا خصوصية للأشياء التي كانت مكيلا أو موزونا في زمان النبي (ص) أو زمان الأئمة (ع) و انما النظر فيها الى بيان حكم كلما يتعارف فيه الكيل و الوزن و يدلّ على ذلك قوله (ع) و ما من طعام سمّيت فيه كيلا أو وزنا لا يجوز بيعه مجازفة، و عليه ما تعارف كيله أو وزنه في زمان الشارع ان بقي على حاله فلحقه حكمه و الّا فالمتبع فيه حكم ما صدق عليه العنوان في كل زمان

344

بل في كل بلد فلو كان الشيء مكيلا أو موزونا في بلد و معدودا في بلد آخر فلحقه في كل بلد حكمه على النحو المتعارف، نعم لو كان هنا نص أو إجماع تعبدي مصطلح ليكون كاشفا عن رأى المعصوم على مقالة المشهور فيلتزم به كما ورد النص بكون الدراهم و الدنانير ربويّا مطلقا و لكن الأمر ليس كك أما النص فمعدوم و أما الإجماع فغير متحقق فإن أغلب القائلين بذلك، بل كلهم عللوا كلامهم بانصراف الأدلة و الروايات المتقدمة إلى زمان من صدر منه الحكم و لا يشمل غير زمانه فكشف الإجماع التعبدي من مثل هذه الكلمات من الأمور الصعبة.

فتحصل ان الميزان في كون الشيء مكيلا أو موزونا هو ما صدق عليه المكيل و الموزون في أي زمان كان فإنه ح لحقه حكمه.

و من هنا ظهر أنه لو عاملا في بلد و كان المبيع في بلد آخر فالعبرة ببدل فيه وجود المبيع كما ذكره المصنف لصدق عنوان المكيل أو الموزون أو المعدود عليه فلحقه حكمه.

و لو تعاقدا في الصحراء رجعا الى حكم بلدهما، و لو تعاملا في البر بين البلدين و اختلف عرفهما في كون ذلك الشيء من المكيل أو الموزون و شك في لحقوه بهما فيرجع الى عمومات صحة العقد فان المقدار الثابت من المخصص انما كان مكيلا أو موزونا أو معدودا لا يجوز بيعه مجازفة و هذا المتاع الموجود في الصحراء ليس بمكيل قطعا لعدم لحوقه بإحدى البلدين كما يكفي في عدم المكيلة عدم اللحوق و على هذا فيتمسك بالعمومات فيحكم بصحة المعاملة عليه مجازفة فلا يكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لعدم كون الشك في كونه مكيلا أو موزونا و انما الشك في اعتبار الشارع الكيل هنا و الّا فهو ليس بمكيل قطعا كما عرفت.

345

الكلام في الاعتماد بإخبار البائع بقدر المثمن

قوله: مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه.

أقول

تحقيق المسألة في ضمن جهات

الاولى، أنه لا شبهة في جواز الاعتماد على اخبار البائع في مقدار المبيع كيلا أو وزنا،

بل في بعض الكلمات دعوى الإجماع عليه و قد وردت عليه أخبار عديدة كما عرفت، و لا ينافيه ما تقدم في صحيحة (1) الحلبي (في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم و أن صاحبه قال للمشترى اتبع منع هذا العدل الأخر بغير كيل فان فيه مثل الأخر الذي اتبعت، قال لا يصلح الا بكيل، قال و ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا، فإنه لا يصلح مجازفة) لأن اخبار البائع في الرواية كان مستندا الى الحدس دون الحسّ بالكيل و الاخبار عنه و قد حملها المصنف على وجه آخر و قد عرفت عدم صحته، و الحاصل أن أصل الحكم مما لا ريب فيه.

الجهة الثانية أن الظاهر من الروايات الدالة على جواز تصديق البائع في أخباره بالكيل أو الوزن هو كون الاخبار طريقا الى الواقع

بحيث يحصل الاطمئنان أو الظن المعتبر بكونه مكيلا أو موزونا و يدل على ذلك رواية (2) أبي العطارد و فيها قلت فأخرج الكر و الكرين، فيقول الرجل أعطيته بكيلك فقال إذا ائتمنك فلا بأس.

و مرسلة (3) ابن بكير في رجل سأل أبا عبد اللّٰه (ع) عن الرجل يشتري

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 254.

(2) وسائل: ج 12، ص 257، حد 6.

(3) وسائل: ج 12، ص 256، حد 3.

346

الجص فيكيل بعضه و يأخذ البقية بغير كيل فقال (ع): اما أن يأخذ كله بتصديقه و اما أن يكيله كله.

و الروايتان و ان كانتا ضعيفتين من حيث السند و لكن لا بأس بهما في مقام التأييد، على أنه لو لم يكن اخبار البائع هنا من باب الطريقية فلا بد و أن يكون مأخوذا اما من باب الموضوعية أو على نحو الاشتراط بأن كان اخباره بالمقدار شرطا في البيع بحيث لو لم يكن كذلك يكون المشتري مختار في الفسخ و الإمضاء أما الأول فهو بعيد جدا فان لازمه صحة البيع بمجرّد الاخبار بقدر الثمن و ان كان المخبر ممن لا وثوق في اخباره أصلا بحيث لا يرفع اخبار الجهالة عن المبيع و لا يخرج البيع عن الجزافية مع أنه لا يمكن الالتزام به.

و أما الثاني فلأنه لو كان الاشتراط رافعا للجهالة و مصححا للبيع و موجبا لخروجه عن الجزافية لكان صحيحا بدون الاخبار بأن اشتراط أنه لو كان المبيع أقل من المقدار المعين كان المشتري مختارا في الفسخ و الإمضاء و أيضا لا يمكن الالتزام به فإن إطلاقات الروايات بطلان بيع الجزاف مع الاشتراط و عدمه كما لا يخفى و إذا فلا بد من أخذ الاخبار طريقا الى بيان مقدار المبيع بحيث يكون رافعا للجهالة و الغرر و الّا فيبطل لكونه بيع جزافي و قد تقدم أن ما كان مكيلا أو موزونا فلا يصحّ بيعه جزافا.

الجهة الثالثة: ما تبيّن الخلاف في المبيع اما بالنقيصة أو بالزيادة

فهل يحكم بالبطلان كما احتمله في جامع المقاصد فيما باعه ثوبا على أنه كتان فبان قطنا ثم رده أو يكون البيع صحيحا و يثبت الخيار للمشروط له ففي المقام جهات من البحث:

الجهة الاولى: في صحة المعاملة و بطلانها

و قد اختار المصنف

347

الصحة مع الخيار، و توضيح ذلك أنا قد ذكرنا مرارا عديدة أن الهيولا سواء كانت أولية أو ثانوية في مقابل الهيولى الاولى فتشمل الثالثة و ما فوقها نظير المقولات الثانوية المقابلة للمقولات الأولوية ليست لها قيمة أصلا و انما هي بالنسبة الى جميع الأشياء حتى التراب متساوية الإقدام، بل القيمة للأشياء بحسب أوصافها الموجبة للمالية و ان كان نفس الأوصاف لا تقابل بالمال، و انما هي واسطة لثبوت المالية على المواد و الهيولى و على هذا فإذا تخلفت الأوصاف في المبيع فان كانت من الأوصاف المقوّمة المعدودة في نظر العرف من الصور النوعية سواء كانت بالدقة أيضا من الصور النوعية أم لا، فيكون البيع باطلا فان ما هو الموجود في الخارج لم يبع و ما هو مبيع غير موجود في الخارج كما إذا باع إنسانا فبان فرس أو باع عبدا فبان أنه أنثى فإن ما هو عنوان للمبيع و مقوّم له في نظر العقل في المثال الأول و في نظر العرف في المثال الثاني قد تخلف عن المبيع فيكون البيع باطلا و هكذا في جميع موارد تخلّف العنوان عن المعنون و لو في نظر العرف فإنهم يرون العبد مع الأمة جنسا مختلفا و ان كان في الحقيقة جنسا واحدا، فإن الرجولة و الأنوثة من العوارض و العناوين الغير المقومة في نظر العقل، و لكنها من العناوين المقومة في نظر العرف.

و أما إذا كانت الأوصاف من العناوين الغير المقومة في نظر العرف، كوصف الكتابة و الخياطة و النجارة في العبد فلا يكون تخلّفها موجبا لبطلان البيع و من قبيل تخلف العنوان عن المعنون فيكون البيع صحيحا مع الخيار و في المقام أن المبيع و ان كان خمسة أمنان من الحنطة فظهر أنه ثلاثة أمنان و لكن عنوان الخمسة ليس من العناوين المقومة بحيث يفوت المبيع بالكليّة بانقضائه، بل المبيع الذي وقع عليه البيع موجودا و انما انتفى عنه

348

وصف انضمامه بالمقدار الزائد، فيكون البيع في الحقيقة منحلا الى بيوع متعددة فإن معنى بعتك هذه الحنطة التي عشرة أمنان بعشرة دراهم أن كل منّ منها بدرهم غاية الأمر أن كل بيع مشروط بانضمامه الى البيع الأخر فإذا ظهرت الحنطة خمسة فيكون البيع بالنسبة إلى الخمسة باطلة لما تقدم، و بالنسبة إلى الخمسة الموجودة صحيحة مع خيار تخلف الوصف و الشرط أى عنوان الانضمام.

و بالجملة أن احتمال البطلان هنا فاسد و قياس المقام بباب تخلف العنوان عن المعنون قياس مع الفارق.

الجهة الثانية: في أن الخيار الثابت هنا للمشتري أو للبائع هل هو خيار تخلّف الوصف

اعنى ما ذكرناه من انضمام هذا البيع ببيع الزائد عن المبيع الموجود أو خيار آخر كخيار الغبن العيب مثلا.

عبر العلامة في القواعد عن ثبوت هذا الخيار للبائع مع الزيادة، و للمشترى مع النقيصة بقوله تخير المغبون و تخيل بعض تبعا لبعض الأخر أن هذا ليس من خيار فوات الوصف أو الجزء معللا بأن خيار الوصف انما يثبت مع التصريح باشتراط الوصف في العقد.

و أشكل عليه المصنف باندفاعه بتصريح العلامة في هذه المسألة من التذكرة بأنه لو ظهر النقصان رجع المشتري بالناقص و في باب الصرف من القواعد بأنه لو تبين المبيع على خلاف ما أخبر البائع تخير المشتري بين الفسخ و الإمضاء بحصة معينة من الثمن.

و أما التعبير بلفظ المغبون ليس من جهة كون النقص أو الزيادة غبنا لهما اصطلاحا فإنه عبارة عن التفاوت في القيمة السوقية، بل من جهة إرادة النقص و التضرر و ان الخيار ثابت لمن نقص من مالية ماله و حصل

349

له الضرر في هذا البيع لأجل الزيادة أو النقيصة.

و بعبارة أخرى أن غرض العلامة من هذا التعبير تعميم الخيار لكل من البائع في صورة الزيادة و المشتري في صورة النقيصة و المجوّز لهذا الإطلاق هو الاعتبار بنقص مالية ماله في المعاملة و حصول الضرر لهما و الّا فالخيار من جهة تخلّف الوصف فقط فيكون الخيار خيار تخلف الوصف و الشرط الضمني.

و أما ما ذكره بعضهم من أن خيار الوصف انما يثبت مع التصريح بالوصف في العقد ففيه أن هذا في الأوصاف الخارجية التي لا يشترط اعتبارها في صحة البيع ككتابة العبد و خياطته و أما الملحوظ في عنوان المبيع بحيث لو لم يلاحظ يصح البيع كمقدار معين من الكيل أو الوزن أو العدّ فهذا لا يحتاج الى الذكر و كذا الشروط الضمنية كعدم تبعّض الصفقة و عدم فوات الانضمام و عدم حصول الشركة فيه الى غير ذلك من الشروط الضمينة التي اعتبرت في المعاملة بحسب بناء العقلاء و ان لم تكن مذكورة في ضمن العقد كما هو واضح فتحصل أن الخيار هنا هو خيار تخلف الشرط دون خيار الغبن و تعبير العلامة بثبوت الخيار للمغبون لا يكون دليلا على كونه خيار غبن مع ما عرفت أن مراده تعميم الخيار للمتضرر منهما دون الغبن الاصطلاحي أعني تفاوت القيمة السوقية.

الجهة الثالثة: هل هذا الخيار كسائر الخيارات الحاصلة من تخلف الوصف و الشرط

بحيث يكون من له الخيار مختارا بين الفسخ و أخذ الثمن أو المثمن و الإمضاء بدون أن يستحق باسترداد شيء من الثمن أو المثمن أو أنه على غير النسق المذكور و انما يستحق من الخيار استرداد جزء من الثمن أو المثمن و الظاهر أن خيار التخلف هنا كسائر الخيارات الثابتة

350

لتخلّف الشرط أو الوصف فلا يوجب استحقاق شيء من الثمن أو المثمن غاية الأمر أن الخيار هنا منضم بأمر آخر فهو بطلان البيع في الجزء الزائد في صورة الزيادة و في الجزء الناقص في صورة النقيصة مثلا لو باع الحنطة على أنها خمسين حقة بخمسين درهما فينحل البيع هنا الى بيوع متعددة أي منها مشروط بالبقية فلو ظهرت الحنطة ثلاثين حقة فيكون هنا أمران أحدهما بطلان البيع في الناقص لعدم وجود المبيع أصلا، و الثاني ثبوت الخيار للمشترى في الباقي لتخلّف الشرط الضمني و هو انضمام كل بيع بالبقية و قد انتفى هذا الشرط بظهور المبيع ناقصا فما هو مركز الخيار غير ما هو مركز البطلان فيكون الخيار كسائر الخيارات في تخلّف الشرط و تبعض الصفقة و ما توهم من أن الخيار هنا ليس كبقية خيار تخلّف الشرط فإن ذي الخيار هنا يستحق من الثمن مقدار ما يقابل بالجزء الناقص فهو ناشئ من الخلط بين الأمرين كما هو واضح.

و بالجملة فكما للمشترى خيار تبعض الصفة في سائر الموارد و كك هنا و مرجعه الى خيار تخلّف الشرط و الوصف.

الجهة الرابعة: هل يثبت الخيار للبائع في صورة زيادة المبيع عن المقدار الذي أخبر به البائع

كما أنه ثابت للمشتري في صورة النقيصة أم لا قد عرفت من العلامة في القواعد من التعبير عن ثبوت الخيار لهما بقوله تخيّر المغبون و لكن الظاهر أنه لا خيار للبائع، بل هو للمشتري في كلا الصورتين أى صورتي الزيادة و النقيصة أما في صورة النقيصة فقد عرفت ثبوته للمشترى من جهة تخلف الشرط، و أما في صورة الزيادة فربما يتوهم ثبوت الخيار للبائع من جهة أنه صار شريكا مع المشتري في المتاع و فيه أنه و أن صار شريكا مع المشتري بنحو الإشاعة الّا أن كل شركة لا تقتضي ثبوت الخيار

351

و ان كان عيبا و ذلك لعدم دخوله تحت الالتزام العقدي الضمني، نعم لو باع عبدا مريضا مثلا فبان أنه صحيح فله الخيار و هكذا كل شيء دخل تحت الالتزام العقدي و لو ضمنا.

و أما ثبوت الخيار للمشترى فواضح لكون الشركة عيبا في المتاع الذي اشتراه فيكون مختارا في الفسخ و الإمضاء و ان شئت فارجعه الى الخيار تخلّف الشرط فان الشرط الضمني موجود في عدم تعلق حق الغير بالمبيع و كون المشتري مستقلا في التصرّف فيه و من الواضح أن حق القسمة للشريك البائع يمنع عن استقلال المشتري في التصرف في المبيع كما هو واضح لا يخفى.

فتحصل مما ذكرناه أن بيع المكيل و الموزون لا يجوز بدون الكيل و الوزن للروايات الدالة على اعتبارهما فيهما و كك المعدودات للرواية الدالة على تقرير الامام (ع) فهم السائل اعتبارهما فيمها حيث أجاب عن سؤاله عن صحة بيع المعدود بالكيل كما لا يخفى على ما تقدّم، و أما اعتبار الزرع في المزروع فقد عرفت صحته أيضا و عدم جواز بيعه بدونه لما استفدناه من الروايات الدالة على اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون من عدم الخصوصية لهما بل هما طريقان الى تعيين مالية الشيء و مقداره و من الواضح أن الزرع أيضا يعيّن مقدار مالية المزروع كما هو واضح جدا.

و أما ما لا يعتبر فيه الوزن و الكيل و الزرع كالالبسة و الأراضي و الدور و نحوها من مختلفة الأجزاء، فالظاهر كفاية المشاهدة فيه كما ذكره المحقق في الشرائع و العلامة في التذكرة فتوجب المشاهدة رفع الجهالة و الغرر في المبيع بناء على اعتبار العلم بمقدار العوضين كما تقدم و الّا فلا وجه لاعتبارها أيضا في بيع مختلفة الأجزاء كما عرفت.

و الوجه في ذلك أن المناط في اعتبار العلم بالعوضين هو تعيين

352

مقدارهما ليسلم البيع عن الغرر و المجازفة و من الواضح أن المشاهدة أيضا طريق الى تعيين مالية الشيء فيما لا يمكن فيه الأمور المتقدمة.

و عليه فلا يثبت الخيار للمشترى إذا حصل التفاوت بمقدار يسير يتسامح فيه عادة و أما إذا ظهر فيه التفاوت بما لا يتسامح فلا يخرج البيع عن بيع الغرر و المجازفة و حينئذ ان اعتبرنا العلم بالعوضين في صحة البيع و عدم الغرر فيها فيكون باطلا و الّا فيكون صحيحا مع ثبوت الخيار للمشترى و من هنا أشكل المصنف على العلامة من حيث عده بيع قطيع من الغنم من ذلك فان التفاوت في ذلك قد يكون بما لا يتسامح فيه و كذلك إذا باعها معدودا نعم بيع كل واحد من الأغنام بالمشاهدة لا بأس به لعدم الغرر فيه.

الكلام في بيع صاع من الصبرة

قوله: مسألة: بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء كصاع من صبرة مجتمعة الصيعان أو متفرقها أو ذراع من كرباس أو عبد من عبدين و شبهه ذلك يتصور على وجوه.

أقول:

قد قسم المصنف بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء الى أقسام

فلا يعلم أن نسبة المبيع إلى الجملة أي شيء.

الأول: أن يكون المبيع كسرا مشاعا

و لعلّه بيّن معنى كسر المشاع بحيث يبيع منّا من الحنطة فلا يعلم أن نسبة المنّ إلى الحنطة أي شيء أ هي بالنصف أو بالثلث أو أقل أو أكثر سواء كانت الحنطة في موضع واحد أو في مواضع عديدة فلا يشترط في ذلك العلم بأن الصبرة أي مقدار من الصاع و هذا لا شبهة في صحته لعدم وجود ما يوجب بطلان المعاملة أما الغرر فمنفي