مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
353

لعدم الجهل بالمبيع غاية الأمر أن نسبة المبيع الى المجموع مجهولة و كك لا إبهام فيه أيضا كما عرفت و أيضا لا مجال لان يقال أن صفة الملك تحتاج الى محل موجود لتقوم به و هو منفي هنا لما عرفت وجوده في الخارج، غاية الأمر لا يعلم نسبته الى المجموع و من هذا قبيل بيع عبد من عبدين أو دار من دارين، بل بيع نصف العبد و نصف الأمة من عبد و أمة فان في ذلك كله المبيع أمر معين، بل نسبته الى المجموع أيضا معين فأي وجه للبطلان.

و قد أشكل العلامة على صحة البيع عبد من عبدين و لم يبيّن جهة الاشكال و ذكر المصنف وجه الفرق منع ظهور الكسر المشاع من لفظ العبد لعدم صحة إطلاق لفظ العبد على نصف هذا العبد و نصف العبد الأخر، و لا يكون فارقا في المقام فان غايته يوجب سقوط اللفظ عن الدلالة في مقام الإثبات على المراد الواقعي، فكلامنا ليس في مقام الإثبات، بل في مقام الثبوت و إمكان هذا البيع فحيث أمكن ذلك فيمكن ان يكون كلامه مقرونا بالقرائن فبواسطة القرائن يفهم المراد أو يصرح على كون البيع بنحو الإشاعة و توهم ان لفظ الغلط يضرّ بالإنشاء فاسد لما عرفت مضافا الى فساد أصل المبنى إنه يضرّ إذا كان نفس الإنشاء بالألفاظ المغلوطة و أما إذا كان الغلط في ألفاظ المتعلق بحيث يكون اللفظ الدال على متعلق البيع غلطا فلا يتوهم أحد أنه يضرّ بالإنشاء و مما ذكرناه ظهر أنه لا فرق في صحة البيع هنا بين كون المبيع متساوية الاجزاء أو مختلفة الاجزاء فيصح بيع نصف من العبد و نصف من الأمة و نصف من هذا الدار و نصف من الدار الأخرى مع انها ليست متساوية الاجزاء، بل و كذلك بين نصف من الدار فإنها ليست متساوية فان في ذلك كلّه لا جهالة في المبيع و لا شيء آخر مما يوجب البطلان

القسم الثاني: أن يكون المبيع كليّا في الخارج مقابل الكلي في الذمة

354

و هذا هو القسم الثالث في كلام المصنف و انما قدمناه لتوقف معرفة القسم الثاني على القسم الأول و الثالث، بيان ذلك أن المبيع تارة يضاف إلى الذمة بأن يبيع منّا من الحنطة في الذمة بحيث يعتبر العقلاء بمجرّد إضافة الكلي إلى الذمة مالية له و ان لم يكن مالا قبل ذلك و هذا يسمّى كليّا في الذمة.

و أخرى يكون المبيع كليّا في الخارج بأن يبيع صاعا من الصبر الموجودة في الخارج المعين المقدار بحيث أن المبيع يكون كليّا في المعيّن الخارجي، و من هذا قبيل أيضا بيع عشرة امتار من المزروع المقدر بماءة متر فان المبيع كلي الخارجي و الفرق بين القسم الأوّل الذي يسمى بكسر المشاع و هذا القسم الذي يسمى بالكلي في الخارج أن المبيع في القسم الأول موجود في الخارج بحيث لو تلف مجموع الحنطة للبائع تلف المبيع أيضا و هذا بخلافه هنا فان المبيع هنا كلّى مضيق ينطبق على الأمنان الخارجية فإذا تلفت الصبرة لم يتلف المبيع و لم يبقى منها الّا بمقدار المبيع فيكون المبيع منطبقا عليه و إذا تلفت الصبرة اجمع فيكون للمشترى حق الفسخ قبل القبض و يذهب من كيسه بعده و هذا القسم أيضا لا شبهة في صحته لعدم تمشي بشيء من الوجوه المذكورة للبطلان هنا، فان المبيع كلّى معين غايته مضيق بما في الخارج من غير أن يكون فيه إبهام و جهالة أصلا فلو كان بيع كلى هنّا باطلا كان السلم أولى بالبطلان لعدم وجود ما ينطبق عليه الكلي في الخارج و بالجملة لا شبهة في صحة بيع صاع من صبرة بنحو بيع الكلي في الخارج كما لا يخفى.

القسم الثالث: ان يكون المبيع فردا منتشرا في الاجزاء الخارجية و مبهما من جميع الجهات

و الفرق بين هذا القسم و القسم الأول هو أن المبيع في القسم الأول موجود معين شخصي من غير جهالة فيه و انما الجهالة

355

كانت في نسبته الى المجموع و أما في هذا القسم ليس فيه تعين أصلا فضلا عن كونه في الخارج و أما القسم الثاني فالمبيع فيه أمر كلّي بغير تشخص فيه أصلا و هذا بخلاف القسم الثالث فان المبيع ليس كليّا كالقسم الثاني و لا أمرا موجودا في الخارج و متشخصا بالخصوصيات بل هو فرد مردد مبهم و يسمى ذلك بالفرد المنتشر، و قد استدل على بطلان البيع هنا تارة بالجهالة و أخرى بأن الإبهام في المبيع مبطل و ثالثة بأنه موجب للغرر فيكون موجبا للبطلان و رابعا بأن الملك صفة وجودية محتاج الى محل تقوم به كسائر الصفات الموجودة في الخارج و أحدهما على سبيل البدل غير قابل لقيامه به لأنه أمر انتزاعي من أمرين معينين و ذهب المشهور الى بطلان هذا القسم من البيع، بل ادعى الإجماع على ذلك و خالف المحقق الأردبيلي في ذلك و تبعه المصنف و بعض آخر.

أقول: يقع الكلام في تصوير هذا أولا بأنه هل يمكن وجود فرد مبهم في العالم أم لا، فنقول تارة يراد من الفرد المنتشر الوجود المبهم غير المتشخص بخصوصية خاصة فهذا لا شبهة في بطلان بيعه إذ لا وجود له أصلا حتى في علم اللّٰه و لم يخلق فرد يكون موصوفا بهذا الوصف فانّ كلما هو موجود في الخارج فمتشخص بشخصيّة خاصة و بجهات مميزة بل التشخص عين الوجود على قول فكيف يعقل أن يكون هنا فردا و لا يكون متشخصا لخصوصية فإن أراد من الفرد المنتشر هذا المعنى المردد و قال الأردبيلي و المصنف بصحة بيع هذا الفرد فهو بديهي البطلان لما عرفت من عدم وجود مثل ذلك أصلا.

و ان أرادوا من ذلك الفرد المنكر أى فردا موجودا بين الأفراد الخارجية متشخصا بخصوصية و متميّزا في الخارج بتميّز خاص بحيث كان عند

356

اللّٰه معينا حتى لو كان هنا معصوم لا خبر بالمبيع و لكن مجهول عند البائع و المشتري كما إذا قال بعتك عبدا من عبدين أو صاعا من صياع هذه الصبرة أو شاة من هذه الشياة فان المبيع و ان كان مجهولا عند المتعاملين و لكن ليس مثل الأول غير موجود في العالم و غير مخلوق للّه بل له وجود حقيقة في علم اللّٰه بحيث لو كان عينا كان فردا من هذه الافراد كما إذا قال بعتك عبدا من عبيدي الذي يأتي أولا فإن أيا منهم يأتي أولا فهو مبيع و معلوم عند اللّٰه واقعا فإن أرادوا هذا المعنى فالظاهر أنه لا شبهة في صحته، إذ ليس شيء من الوجوه المذكورة جارية هنا الّا الوجه الأول فهو الجهالة أما الإبهام فالفرض ان الفرد المبهم لا وجود له في الواقع و قلنا أن لما نحن فيه وجود واقعي غايته مجهول عند المتعاملين و أما الغرر فليست المعاملة بغررية أصلا، فإن من المفروض الصبرة متساوية الاجزاء و متساوية النسبة و أما كون الملك صفة محتاجة إلى محل موجود فكذلك أيضا أن المبيع موجود فيقوم عنوان الملكيّة الذي أمر اعتباري بذلك المحل.

و بعبارة أخرى أنه لا شبهة في توقف البيع على وجود محل يقوم به فإن الملكية و ان لم تكن امرا خارجيا و صفة وجودية بل من الاعتبار يأت الّا أن هذا الأمر الاعتباري لا بد له من محل يقوم به ليمكن تبديل المال في طرف الإضافة فما لا مال فلا اضافة ليمكن التبديل فيها، نعم فالجهالة موجودة هنا فان تم إجماع و نحوه على بطلان البيع بمثل هذه الجهالة و كونها موجبة للبطلان فيها و الّا فيحكم بالصحة للعمومات كما هو واضح، و أوضح بالصحة لو كان له عبدان فمات أحدهما و بقي الأخر و لم يعرف أنه المبارك أو الميمون فيقول بعتك العبد الباقي من عبدين فان مثل هذه الجهالة لا تضر بالصحة و لا دليل على كونها مبطلة و توهم شمول الإجماع عليه فاسد، فإنه

357

دليل لبىّ لا يشمل لغير الجهالة في المقدار.

و حاصل ما ذكرناه في هذه المسألة هو أن بيع شيء يتصور على وجوه:

الأول: أن يكون كسر مشاع

بمعنى أن يكون المبيع حصّة من الحنطة الموجودة في الخارج و متشخصا بخصوصية و يكون المشتري شريكا له بنسبة خاصة من النصف أو الثلث أو غيرهما و انما يشير البائع بقوله بعتك منّا من الحنطة إلى الشركة بهذا النحو كما لا يخفى، و هذا لا شبهة في صحته و لا فرق في ذلك بين متساوية الأجزاء أو لم يكن و لا بين صحة إطلاق اللفظ على النصف و نحوه و عدمه فيصح بيع عبد من عبدين على نحو الإشاعة و ان لم يصح إطلاق العبد على النصف و ذلك لما عرفت في ألفاظ العقود على اعتبار الحقيقة و الألفاظ الصحيحة في ألفاظ العقود، و انما هو منحصر بالألفاظ التي يقع به إنشاء العقد و أما متعلقات العقود فلا يعتبر فيها الحقيقة، بل لا يعتبر فيها الألفاظ الصحيحة فضلا عن المجاز كما هو واضح.

و بالجملة فبيع كسر المشاع بأي لفظ كان صحيح بلا اشكال و ليس فيه ما يوجب البطلان من الوجوه المتقدمة كالجهالة و الإبهام و الغرر و عدم وجود المحل ليقوم به الملك.

الثاني: بيع الكلي في المعيّن الخارجي في مقابل البيع الكلي في الذمة

و قد تقدم تفصيله و إجماله أن يبيع كليّا معينا مثل المنّ و نحوه من هذه الصبرة الخارجية من غير أن يكون المشتري شريكا له في الصبرة و انما يكون حقه قابلا لانطباق بكل منها انطباق الكلى على الفرد حتى لو تلفت الصبرة و لم يبق منها الّا بقدر المبيع فيكون حقّه منطبقا عليه بخلافه في الأوّل فإن التالف من البائع و المشتري بنسبة حصتهما الى مجموع الصبرة.

و يدلّ على صحة هذا البيع مضافا الى المطلقات و العمومات قيام

358

السيرة القطعية على صحته فان رسم الأصناف من قديم الأيام و حديثها جار على بيع بعض من المتاع الموجود على النحو الكلي في المعيّن و كذلك المشترين يشترون هكذا مثلا فيجيء أحد إلى البزاز فيقول له بعني عشرة طاقات من الثوب الفلاني و يقول البائع بعتك عشرة طاقات، فإنه يكون هذا على نحو الكلي في المعيّن و يدل على صحة هذا البيع مضافا الى الأمرين المذكورين صحيحة (1) الأطنان (و لورود الرواية في أطنان القصب قد سمها الشيخ صحيحة الأطنان) حيث سأل رجل عن بيع أطنان من القصب الموجود في الخارج حيث احترق و لم يبق الّا بقدر المبيع فقال (عليه السلام) العشرة آلاف طن التي بقت هي للمشتري فلا يتم ذلك الا بكون المبيع كليّا لا بنحو الإشاعة و توهم أنه على نحو الإشاعة و لكن حيث كان التلف قبل القبض فلذا لم يكن التالف من المشتري فان التلف قبل القبض من مال البائع توهم فاسد فإن جهة الاستدلال ليس هو ذلك بل كون الباقي مجموعا للمشتري، فإنه لو كان على نحو الإشاعة لكان البائع أيضا شريكا له في الباقي و لا يفرق في ذلك قبل القبض و بعده على أن الرواية غير متعرضة بجهة القبض سؤالا و جوابا.

الثالث: أن يكون المبيع فردا مبهما مردّدا بين الافراد الخارجية

نظير الفرد المنتشر من أن يكون متشخّصا بخصوصية خارجية كما في القسم الأول و لا أمرا كليّا كما في القسم الثاني فقد ذهب المشهور الى بطلانه و الأردبيلي و بعض من تأخر عنه الى الجواز و اختاره المصنف و استدلوا على البطلان بوجوه أربعة و قد أجاب عنه المصنف كما تقدم، و لكن الكلام في تصوير

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 272، صحيحة بريد بن معاوية.

359

ذلك فنقول فإن أرادوا من الفرد المبهم الفرد المنتشر الذي لا يتشخص بخصوصية خارجية فهذا لا وجود له حتى في علم اللّٰه تعالى، و لم يخلق بل و لا يخلق أصلا، بل يستحيل أن يكون موجودا أصلا، فإن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد على ما قيد، بل التشخص عين الوجود فكيف يعقل أن يكون الشيء موجودا في الخارج و يكون مبهما من جميع الجهات، و غير متشخص بخصوصية خاصة فلا يمكن أن يكون المبيع أمرا موجودا و فردا منتشرا بين الأفراد الخارجية و عليه فلا يعقل القول بإمكانه فضلا عن صحة بيعه أو الاستدلال على بطلانه بأمور متقدمة فإن ذلك من أقسام ممتنع الوجود في الخارج و أن أرادوا من الفرد المبهم الفرد المنكر فلا شبهة في جوازه بحيث ان المبيع موجود بين هذه الصياع مثلا و متشخص بخصوصية و متميز عن سائر الموجودات في الخارج الا أنه غير معلوم للمتبايعين و الّا فإن اللّٰه تعالى يعلم أن المبيع أى فرد من الافراد الخارجية و أى منها يختاره المشتري عند القبض و الإقباض و لو كان هنا معصوم لأخبر به كما إذا قال بعتك عبدا من عبيدي الذي يجني قبل كلهم أو شاة من الشياة أو صاعا من صياع هذه الصبرة الموجودة الذي نختاره عند الوزن أولا فان في ذلك كله ان اللّٰه تعالى يعلم أن أى فرد منها مبيع فليس مثل القسم الأول، بحيث أن لا يكون له وجود أصلا حتى في علم اللّٰه تعالى و يستحيل خلقه إلى الأبد و يكون داخلا في ممتنع الوجود و ان أرادوا هذا فلا شبهة في صحته، و لا يرد عليه شيء من الوجوه الأربعة إلّا الجهالة فإن تم إجماع على كونها مبطلة فبها و الّا فيتمسك بالعمومات الدالة على صحة البيع و يحكم بصحته أيضا و على هذا فما ذهب إليه الأردبيلي و من تبعه بعده متين جدا.

360

ثم انه بقي الكلام في تصوير الإشاعة و بيع الصياع من الصبرة على نحو الكلى،

أما الأول فذهب جمع الى ان الإشاعة أن يملك شخصين متاعا بنحو الكلى بحيث أن كل منهما يملك كليّا منطبقا على العين الخارجية فمعنى الشركة على نحو الإشاعة و ملك كل منهما كليّا قابل الانطباق على الموجود الخارجي.

و ذهب بعضهم أن معنى الإشاعة أن يملك كل واحد من الشريكين أمرا شخصيّا خارجيا من المال الخارجي المشترك بحيث يكون معينا في الواقع و مجهولا في الظاهر الى أن تنتهي التقسيم حتى الاجزاء الصغار و لكن لا يتميز حقيقة كل منهم عن الأخر في الظاهر و ان كان معلوما في الواقع.

ثم انه ذهب أكثر المتكلمين و بعض الحكماء قبل الإسلام إلى وجود الجزء الذي لا يتجزى و أن الجسم مركب من تلك الاجزاء و أن المواد الأصلية للأشياء هي تلك الأجزاء و ذهب جمهور الحكماء الى بطلان هذا المذهب و على فرض تحققه أن مواد الأشياء ليست هي الأجزاء الغير المتجزى حتى بطلان الجزء الذي لا يتجزى و لا يقبل الانقسام من أبد البديهيات، و قد برهنوا عليه في محله ببراهين متعددة منها أن كل ما هو متجز و شاغل للمكان و قابل للإشارة الحسية الملازم للوجود و التشخص في الخارج فله جهات ست بحيث أن فوقه غير تحته و هكذا و أن الملاقي له من هذا الثوب غير ما يلاقيه من الثوب الأخر و هكذا و أن وصل ذلك الشيء في الصغير الى حد لا يكون شيء أصغر منه بحيث لا مرتبة بعد الّا لعدم فعليّة فلا مناص من قبوله القسمة و انما عدم الانقسام في الخارج بواسطة عدم الآية القطاعة و عليه يترتب بطلان مذهب النظام القائل بتركب الأشياء من أجزاء غير

361

متناهية لا تتجزى على أنه يلزم امتناع قطع مسافة معينة في مدة متناهية إلّا بالطفرة فإن المسافة الواقعة بين المبدء و المنتهى مركب من أجزاء لا تتناهى فلا يعقل قطعهما في زمان متناه إلّا بالطفرة الى غير ذلك من البراهين.

و بالجملة فلا شبهة في بطلان القول بالجزء الذي لا يتجزى و كون الأجسام مركبا منها.

و لكن تصوير الإشاعة في الشركة غير متوقفة على ذلك فإنه قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزى أو بعدمه فالشركة موجودة في الخارج قطعا و انتهى الى الاجزاء الغير المتناهية بناء على عدم انقسام الجوهر الفرد إذا عرفت ذلك فنقول أما تصوير الإشاعة على الوجه الأول أي مالكية كل منهما على المال بنحو الكلي في المعين فلا شبهة في بطلانه فان لازم ذلك أن لا يكون الخصوصيات الموجودة في العين الخارجي مملوكة للشركاء كخصوصية الدار و الأرض و الحيوانات و غيرها من الأملاك الشخصية و من البديهي انها من أملاكهم فلا يصح ذلك مع القول بكون مالكيتهم على نحو الكلي في المعيّن فإنه لا يعقل أن يكون الكلى حاويا للخصوصيات و أيضا من جملة أسباب الشركة المزج فلو كان ملك كل من الشريكين على نحو الكلى فيلزم عدم ملك كل من مالكي الطعامين بالطعام الشخصي مع أن ملكهم كان شخصيا فهذا خلف و يلزم أيضا أن تخرج الخصوصية من كلهم بلا سبب و أيضا لو باع أحد نصف داره من الأخر على نحو الإشاعة فلازم القول المذكور أنه لو تلفت العين و لم يبق منها الّا بمقدار حق المشتري فيكون ذلك متمحضا له و ان قلنا بزوال مالكية البائع عن الحصة الأخرى لنفسه فلازمه إلغاء ذلك بلا موجب فشيء من ذلك لا يمكن الالتزام به و أما كون كل من الشركاء مالكا

362

لشخص خاص معين في الواقع و غير معين في الظاهر بحيث أى جزء فرضته يكون نصفه الخاص لهذا و نصف الخاص لذلك فهو أيضا باطل فإنه يلزم ح أن يكون ملك كل منهما على الشخص الخاص بلا مرجح و مجوّز فيما إذا اشتريا متاعا على الشركة أو انتقل متاع الى الوارث من المورث و هكذا فان في هذه الموارد كلها أى سبب أوجب ملك هذا بجزء خاص و ملك ذاك أيضا بجزء خاص مع أن نسبة المال كان إليهما على حد سواء فيلزم من ذلك ملك كل منها على شخص خاص دون الأخر تخصيص بلا مخصّص و ترجيح بلا مرجح.

على أنه لو كانت الشركة بمعنى ملك كل من الشريكين حصّة خاصّة شخصيّة الى أى مرتبة انتهت لزم في بعض الموارد أن يكون المال بدون المالك كما إذا فرضنا أن هنا مالا مشتركا بين خمسين و إذا قسمناه الى عدد الشركاء خرج عن المالية للقلة كحبة من الحمّص مثلا فالمجموع من حيث المجموع ليس مالا لشخص منهم و اجزاء لا يصدق عليها المال فيلزم أن يكون هذا المال بلا مالك فهو بديهي البطلان، بل ربما يخرج الاجزاء عن الملك لكسرة الشركاء كما إذا اشترك شخاط بين مائة فان كل جزء من المائة ليس بملك أيضا فإنه لا يعتبر العقلاء الملكية على ذلك كما لا يخفى و أما الإبهام فمضافا إلى أنه لم يحتمله أحد أنه غير معقول.

و محصّل الكلام من الأول أنه لا يعقل تصوير الإشاعة على نحو الكلي في المعيّن فان لازم ذلك أن لا تكون الخصوصية في الأعيان الشخصية المملوكة للشركاء مملوكة لهم كالدار و الحدائق و البساطين المشتركة بين الشركاء مع أنها مملوكه لهم.

و أيضا إذا حصلت الشركة بالمزج فلزم إلغاء مالكيّة الشركاء عن العين

363

مع أنهم كانوا مالكين بالخصوصيات فأيّ شيء أوجب إلغاء ذلك و أيضا لو باع أحد نصف داره من زيد على نحو الإشاعة و صار المشتري مالكا للكلي في المعين فلازم ذلك ان ينحصر حقه بالباقي مع تلف النصف كما هو كذلك في جميع موارد بيع الكلي في المعين مع أن التلف في صورة الإشاعة محسوب منهما بلا خلاف فان قلنا بزوال مالكية البائع عن الخصوصية في حصّة نفسه فهو بلا موجب فأنى سبب أوجب زوال ملكه عنها و صار مالكا للكلي فكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به.

و أيضا لا يعقل تصوير الإشاعة على نحو كون كل منهم مالكا للشخص الخاص المعين في الواقع الى أىّ حدّ وصل التقسيم و ان كان مجهولا في الظاهر و كل من الشريكين مالك لنصف العين المشتركة بجميع أجزائها المعينة في الواقع و لوجه في عدم كونه معقولا أن لازم ذلك أن يكون كل منهم مالكا لجزء خاص بلا موجب فيما إذا مات المورّث و ترك وارثا متعددة و مالا فإنهم مشتركون في ذلك المال فكون كل منهم مالكا لشخص خاص و جزء معين دون الأخر و يا نعكس ترجيح بلا مرجح و تخصيص بلا مخصص.

و أيضا لا يعقل تصوير الإشاعة على نحو الإبهام فإنه مضافا الى أنه لم يقل به أحد أنه غير معقول كما عرفت.

و إذا بطل الوجوه المتقدمة فانحصر الوجه في تصوير الإشاعة بما نذكره و التحقيق فيه أن يقال في تصوير الإشاعة أن مجموع الشركاء مالك لمجموع المال فان العقلاء يعتبرون مالكية المجموع لشيء واحد بنحو الاستقلال و لكن مالكية كل منهم للعين مالكية ناقصة كالنصف و الثلث و الثلثين و الربع و السدس و غيرها، فان كل منهم نصف المالك و ثلثه و ربعه و سدسه و هكذا بحيث أن كل منهم مالكا للمجموع بإحدى النسب المذكورة دون البعض

364

الخاص أو الكلي في المعيّن و لكن على نحو الناقصة بحيث لو أراد أن يتصرف في العين المشتركة على نحو الاستقلال فلا يجوز له ذلك لعدم كون مالكيته للمجموع على نحو الاستقلال لينافى الشركة فكان كلهم مالك واحد فالمجموع مالك للمجموع استقلالا.

و بالجملة أن كل من الشركاء مالك على مجموع المال و تمامه و لكن على نحو الناقص لكونه نصف المالك أو ربعه و هكذا التعبير عن ذلك بأن كل منهم مالك للنصف و هكذا فمن باب المسامحة في التعبير و الضيق في العبارة و الا فليس له مالكية على النصف مثلا بالاستقلال من العين المشتركة أصلا و انما المجموع مالك واحد مستقل و كل منهم مالك ناقص و له مالكية للتصرف فيها ناقصة من غير أن يكون بالاستقلال ففي مثل موت المورّث و انتقال المال إلى الورثة ان مجموع الورثة مالك واحد قائم مقام الميت فان المالك كان هو المورّث وحده و بالفعل كان المالك هو مجموع الورثة و صاروا نائبا عنه في المالكية و كان المورث تمام المالك و صار كل واحد نصف المالك و ربعه على حسب حصّته و لا شبهة في صحّة اعتبار الملكيّة للمجموع و يدل عليه ما ذكرناه أنه ربما لا يكون للاجزاء بنفسها مالية أصلا و انما المالية تقوم بالمجموع من حيث المجموع كما إذا كان شخاط واحد مشتركا بين خمسين فان قلنا بما ذكرناه من كون المجموع من حيث المجموع مالكا للمال على نحو الاستقلال لصحة اعتبار الملكية لهم و كان لكل منهم مالكية ناقصة فيها و الّا لكان هذا المال بلا مالك فان حصّة كل منهم ليس بمال و المجموع من حيث المجموع مال و لكنه ليس لأحد و لا للمجموع على الفرض، بل ربما يصل الى مرتبة يخرج مقدار حصة كل منهم عن الملكية و لا يعتبر العقلاء ملكية عليه كما إذا كان حق كل منهم بمقدار نصف العود من الشخاط نعم يبقى له حق

365

الاختصاص في العين لكونها متعلقة لحقه و اما على ما ذكرناه، فالأمر واضح فان المجموع من الشركاء مالك استقلالا لمجموع العين المشتركة و كل واحد منهم مالك للمجموع أيضا و لكن على نحو الناقص بحيث أن كل منهم نصف المالك و ربعه و ثلثه و ليس له على العين السلطة المالكية الاستقلالية بل له سلطة على العين سلطة المالكية الناقصة فإن لكل منهم مملوك فهو مجموع العين و لكن مالكيته و سلطنته عليه ناقصة كما لا يخفى.

و يترتب على ذلك أنه إذا باع أحد الشريكين حصته فمعناه أنه باع مجموع العين بملكية ناقصة و انتقل عنه إلى المشتري كما يجوز لأحد أن يبيع مجموع العين بملكية ناقصة و انتقل عنه إلى المشتري كما يجوز لأحد أن يبيع نصف الدار مثلا معينا أو على نحو الكلي في المعيّن أو على نحو الفرد المنكر فكذلك يجوز بيع مقدار منها على نحو الإشاعة بمعنى كون المبيع مجموع الدار و لكن يبيعه با لمالكية الناقصة و ينتقل اليه نصف المالكيّة أي يعدم نصف مالكيته بالبيع و ينقطع من المالك الإضافة الناقصة و توجد تلك الإضافة أصلا بل دائما قطع اضافة و إيجاد إضافة أخرى، فإن البيع تبديل مال في طرف الإضافة و التعبير بالنقل للوضوح.

و بالجملة فإذا باع المالك نصف متاعه على نحو الإشاعة فقد بذل مجموع متاعه في مقابل الثمن على نحو الملكية الناقصة و قطع اضافة ناقصة من إضافة المالكية إلى نفسه و أوجدها للمشترى و هذا المعنى أمر موافق للاعتبار و لا غرر فبه، و هكذا بيع أحد الشريكين حقه من الأخر فإنه يبيع مجموع العين

366

المشتركة بملكية ناقصة و ينتقل من البائع إلى المشتري اضافة ناقصة من المالكية و هكذا في جميع موارد الشركة و بيع أحد الشركاء حقه كما لا يخفى فافهم.

و توهم أن الملكية من مقولة الأعراض فهي غير قابلة للقسمة فكيف تكون الملكية متبعضة و يكون لأحد الشركاء النصف و للآخر الثلث و للثالث السدس و هو توهم فاسد فإن الملكية و ان كانت أمرا اعتباريا غير قابلة للقسمة كالاعراض أو هي من مقولة الأعراض و لكن يمكن تقسيمها باعتبار متعلقها كما هو الشأن في جميع الاعراض الغير القابلة للقسمة مثلا أن البياض في نفسه غير قابل للتقسيم، و لكنه يقبله بحسب محلّه و الأمر في المقام أيضا كك فإن مالكية المورث مثلا كانت بالاستقلال فإذا مات انقطعت منه و وجدت في مجموع الورثة من حيث المجموع و في الافراد بالتبعيض باعتبار أن مملوك كل منهم التركة مجموعا بنصف الملكية مثل فأوجب ذلك انقسام المالكية أيضا الى النصف كما أن البياض في الجسم بياض واحد و يتعدد بالتقسيم و أن الحرارة في الماء حرارة واحدة و يتعدد بتقسيم الماء و هذا أيضا كتبعض الإرادة و الطلب في باب التكاليف المركبة كتعلق الأمر بالصلاة و تبعضه الى الركوع و السجود و غيرها من الأجزاء فان الطلب و ان كان بسيطا لا يتبعّض و لكن يتبعّض بتبع متعلقة كما لا يخفى.

ثم وقع الكلام بين العامة و الخاصة أن التقسيم في باب الشركة افرازا و تعيين حق أو بيع فقال الإمامية أنه تعيين الحصة و قال العامة أنه بيع فيترتب عليه أحكامه و قد وقع النزاع بين العامة و الخاصة في باب المعاملات في هذا المسألة و مسألة الضمان، حيث انهم يقولون انّ الضمان ضم ذمة إلى ذمة أخرى و قال الإمامية انه انتقال المال من ذمة إلى ذمة أخرى و

367

ان وقع الخلاف بينهم في باب المعاملات في كثير من الفروع، و لكن المخالفة في المسائل المهم هاتان المسألتان.

أقول: ان كان مراد الإمامية من كون الشركة افرازا و تعينا للحق هو أن حق كل منهما أمر كلي يتعين بالقسمة كما هو ظاهر كلامهم فهو لا يصح الّا في موارد كون المملوك كليّا كموارد البيع في الذمة أو بيع الكلي في الخارج فإنه يتعيّن بالتعيين، و أما في موارد الشركة التي هي إشاعة حق كل من الشريكين على النحو الذي ذكرناه فلا، بل لا شبهة أن في موارد الشركة ينتقل المملوك كل من الشريكين إلى الأخر بدل انتقال حق الأخر إليه، فيقع بينهما التبادل كما سنذكره و على هذا فلا وجه لما ذكره الخاصة بوجه.

و ان كان مرادهم من ذلك ردّ العامة حيث انهم يقولون بكون التقسيم بيعا يترتب عليه أحكام البيع من الخيارات و نحوها و غرضهم أنه ليس ببيع ليترتب عليه حكمه، فهو متين لعدم انطباق تعريفه عليه، و انما هو معاملة خاصة حيث ان لكل من الشركاء مالكيّة ناقصة للعين من حيث المجموع، فيبدل كل منهم مملوكة بالملكية الناقصة على النصف مثلا بمملوك الأخر بالملكية الناقصة كذلك، مثلا فإذا كانت الدار الواحدة مشتركة بين شخصين على النصف فمعنى قسمتها الى نصفين أنه كل منها يأخذ مملوك الآخر الذي بالملكية الناقصة مقابل مملوك نفسه بالملكية الناقصة فيكون مالكا مستقلا بالنصف و الأمر واضح بناء على تصوير الإشاعة على نحو الثاني أي يكون كل من الشركاء مالكا لجزء خاصّ فان كل منهم يبدّل الاجزاء المملوكة له في هذا النصف بالأجزاء التي في النصف الأخر و على هذا فيكون التقسيم في نفسه معاملة مستقلة و قد ذكرنا نظير ذلك في المعاطاة و قلنا فلا بعد في أن يكون هنا معاملة مستقلة لا يكون بيعا و لا صلحا و لا اجارة و لا غيرها من

368

المعاملات المعروفة فتدل على صحتها آية تجارة عن تراض فكما أنه يمكن أن تكون المعاطاة معاملة مستقلة فكذلك يمكن ان يكون التقسيم أيضا معاملة مستقلة و لهذا نظائر كثيرة في العرف كتبديل كتاب الرسائل المحشي، برسائل آخر غير المحشي المخطوط بخط جيد، فان من لا يحتاج إلى الحاشية يبدل كتابه بكتاب آخر جيد الخط غير المحشي مع أنه ليس بيعا و لا غيره من المعاملات المعروفة، بل معاملة خاصة.

و بالجملة فإن أراد الخاصة من الافراز الوجه الأول الذي هو ظاهر كلامهم من الافراز و التعيين فلا وجه لما ذكره الخاصة و العامة فإن كليهما باطل و ان أرادوا الوجه الثاني الذي ليس بظاهر كلامهم كما هو الظاهر و لا يضرّه كونه خلاف ظواهر كلامهم لأنهم كانوا بصدد الرد على العامة من غير لحاظ جميع الخصوصيات فقولهم أن التقسيم ليس ببيع فكلام متين جدا فإنه كما عرفت ليس ببيع، بل معاملة خاصة فافهم.

الكلام في تصوير الكلي في المعين

و أما تصوير الكلي في المعين

فربما يقال أنه عبارة عن الفرد المنتشر الموجود في الصبرة الخارجية مثلا و قابل الانطباق على كل فرد فرد.

و فيه مضافا الى استحالة وجود الفرد المبهم و أنه لم يخلق و لن يخلق كما تقدم أن هذا خلف الفرض فان معنى الكلى هو عدم تشخّصه بخصوصية خاصة خارجية و معنى الفرد أنه متميّز بالخصوصية فهما لا يجتمعان.

و قد يقال أنه عبارة عن الكلي في الذمة بعينه غاية الأمر أن المشتري يشترط على البائع أن يؤديه أي المبيع من العين الموجودة في الخارج

369

المتخصّص بخصوصية خاصة و الّا فلا فرق بينه و بين الكلي في الذمة، فإذا باع صاعا من الصبرة الخارجية أو منّا من الحنطة الفلانية فمعناه أنه باع كلّى المن و كلّى الصاع في الذمة بشرط أن يطبقه على الموجود الخارجي كما هو واضح.

و فيه أن الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) ذكروا في بيع الكلي في المعين الخارجي أنه لو تلفت العين الخارجية كان البيع باطلا فان المبيع لم يقبض و التلف قبل القبض موجب للبطلان، فلو كان معنى بيع الكلي في المعين هو بيع الكلّي في الذمة على النحو المزبور لما كان وجه للبطلان مع تلف العين الخارجية بل يثبت للمشترى خيار تخلف الشرط مع صحة البيع كسائر موارد تخلف الشرط.

و قد يقال أن بيع الكلي في المعين هو الكلي في الذمة أيضا، و لكن يقيد بالخصوصيات التي توجب عدم انطباقه الّا على الموجود الخارجي كما إذا باع عبدا من عبيده من ولد مبارك لكونهم صحيح الأصل أو باع منّا من الحنطة الحاصلة من المزرعة الفلانية و الفرق بين هذا و سابقه أن الخصوصيات مأخوذا في البيع على نحو الاشتراط في الأول و على نحو القيدية في الثاني فعلى الأول مع تلف ما في الخارج كان للمشترى خيار تخلّف الشرط كما عرفت و على الثاني فله خيار تعذر التسليم.

و فيه أولا أنك عرفت أن تلف العين الخارجي في بيع الكلى منها موجب للانفساخ لأنّ التلف قبل القبض من مال البائع و هذا بخلافه في بيع الكلي في الذمة على النحو الثاني فإن التلف فيه لا يوجب البطلان، كما عرفت، بل يبقى البيع على حاله و يكون المبيع هو الكلي غاية الأمر يثبت للمشترى خيار تخلف الشرط.

370

و ثانيا: أن لازم ذلك جواز أن يتلف البائع العين الخارجية وضعا و يبيعه لغيره مثلا بحيث لا يبقى شيء في الخارج لينطبق عليه الكلى و مع ذلك كان البيع صحيحا و هذا بخلافه في بيع الكلي في المعيّن فان المبيع موجود فيه فلا يجوز إتلاف البائع مجموع ذلك وضعا.

و قال شيخنا المحقق أن المبيع في بيع الكلي في المعيّن هو الكلى من غير ان يقيد في كونه في الذمة و لا أنه مقيد بكونه في الخارج بل مطلقا من جميع ذلك فيكون منطبقا على كل فرد فرد في المعين الخارجي، فإذا باع منّا من الحنطة فمعناه انه باع كليا مطلقا قابل الانطباق على الصياع الموجودة في الخارج المعين و على غيرها.

و فيه مضافا الى الوجهين المتقدمين أنه لا يعتبرون العقلاء مالية على كل لا يكون منسوبا إلى ذمة أو الى الخارج (و قد اعترف بذلك في أوائل البيع، و قال ينسب إلى الذمة ببعت) فلا معنى لكونه مبيعا أصلا كما هو واضح.

و التحقيق في تصويره أن يقال أنّ الكلى في المعين ليس إلّا الكلي المضيق الموجود في ضمن المعيّن الخارجي و قابل الانطباق على افراده و توضيح ذلك في أمور الأول ان الكلية لا يتخصّص و لا يتشخّص الّا بالتشخصات الخارجية بحيث توجب تحيزها في الخارج و الّا فبمجرد تقييد الكلى من غير أن يوجب التقييد و التشخيص في الخارج لا يوجب خروج الكلى عن كليته كما حقق في علم الحكمة و الكلام، نعم يوجب تضيق الدائر فقط و التقريب بنحو التوضيح في تصوير بيع الكلى أن الملكية الاعتباريّ متعلق أولا و بالذات بالكلي حتى في البيوع الشخصية و على الخارجيات بالعرض فيكون الكلى مملوكا بالأصالة و الأعراض مملوكا بالتبع نظير العلم بفسق زيد فإنه عالم بالكلي بالأصالة و بالجزئي بالعرض كما هو واضح فلا عجب في إمكان تمليك

371

الكلى على كليته و إبقاء الخصوصيات في ملك نفسه كما لا يخفى.

الثاني: أن الأعيان الخارجية انما هي مملوكة لملاكها بجميع خصوصياتها الشخصية و له مالكية عليها مالكية تامة فله أن ينتقل الى الغير الذات المبرات عن الخصوصيات و تبقى الخصوصيات في ملكه و له أن ينقل اليه الذات مع جملة من الخصوصيات و له أن ينقلها مع جميع الخصوصيات فمع نقلها بالخصوصيات تارة تكون بحد توجب كون المبيع شخصيّا و أخر لا توجب بل يكون كليا مضيقا.

الثالث: أنه لا شبهة في وجود الجامع بين المفاهيم بحيث أن مفهوما واحدا يصدق على مفاهيم كثيرة كما لا شبهة في وجود الجامع بين الحقائق أيضا فإن حقيقة واحدة يمكن ان تصدق على الحقائق العديدة مثلا أن مفهوم الوجود جامع لجميع مفاهيم الوجود في العالم كما أن حقيقة الوجود جامع لجميع الحقائق الوجود بيع ففي مقام الإشارة و الدلالة يعبّر بمفهوم الوجود و في مقام اللب و الواقع يعبّر بحقيقة الوجود، فإذا قيدت الطبيعة مثلا بالوجود يكون قابل الانطباق على جميع افرادها على نحو الاستغراق و السريان، و إذا قيد بصرف الوجود يكون قابل الانطباق على جميع أفراد الطبيعة أيضا، و لكن على نحو البدلية بحيث يكون أول الفرد منها أى فرد كان موردا للحكم و هذا أيضا يختلف بالسعة و الضيق.

إذا عرفت ذلك فنقول أن المالك أنما هو مالك للعين الخارجية مع جميع خصوصياتها فإذا باع مثلا صاعا منها أو زرعا أو غيرهما من غير أن يعين المبيع بجزء خاص أو بطرف خاص فيكون المبيع ح أمرا كليا قابل الانطباق على بقية الأفراد بأجمعها على البدل مفهوما و حقيقة كانطباق مفهوم الوجود و حقيقته على جميع مفاهيم الوجود و حقيقته فليس الذات من

372

حيث هي المعرات عن جميع الخصوصيات مبيعا و لا أن الذات المقيدة بجميع الخصوصيات مبيع و الّا لتوجه على الأول ما ورد على شيخنا المحقق، و على الثاني، كان المبيع شخصيا لا كليّا بل المبيع هي الذات المقيدة ببعض الخصوصيات أعني خصوصية كونها من هذه الحنطة أو هذه الطاقة أو هذه الفراش مثلا بحيث أوجبت تلك الخصوصية تضييق دائرة الكلى الوسيع المطلق من جميع الجهات، و لكن ليست تلك الخصوصية على حدّ تكون موجبة لصيرورة المبيع شخصيا فيكون واسطة بين الأمرين فيكون المبيع هو الطبيعة المقيدة بصرف الوجود الضيق فالبائع قد نقل الى الغير الطبيعة المضيقة المقيدة بصرف الوجود من العين الخارجية كصاع و نحوه و ملكه للمشترى بحيث صار المشتري مالكا لطبيعى الصاع المقيّد بصياع هذه الصبرة مثلا و أبقى المالك بقية الخصوصيات في ملكه و منها السريان و تطبيقه على كل فرد فرد فليس للمشترى الّا الكلي المقيد من هذا الموجود و هذا واضح جدا فالاعتبارات العقلائية مساعدة لها في التكليفيات و الوضعيات كما إذا أمر المولى بالصلاة مطلقا أو في المسجد فان المكلف به في الأول مطلق جميع الجهات غير تقيد الطبيعة بصرف الوجود و أما القيود فكلها ملغات و هذا الذي عبرنا عنه في باب المطلق و المقيد برفض القيود و بنينا عليه معنى المطلق، و في الثاني مقيد بقيد آخر غير تقيده بصرف الوجود و هو كونها في المسجد و مع ذلك لم يخرج المكلف به عن كليته فان المكلف مخير بين إيجاده في السطح أو في داخل المسجد و في أي مكان منه.

و كذلك إذا أجر أحدا بخياطة ثوبه مطلقا أو في شهر خاص و هكذا و هكذا فالمقصود أن ما ذكرناه من تصوير بيع الكلي في المعيّن ليس معنى بعيدا عن العرف، بل اعتبارات العقلاء مساعدة عليه و كذلك اعتبار الشارع

373

كما عرفت فاغتنم.

و قد ورد في رواية (1) الأطنان ما يدل على جواز بيع الكلى كما عرفت و بالجملة لا بأس من الالتزام ببيع الكلى ثبوتا و إثباتا بعد ما ساعده الاعتبار العقلائي و ورد عليه الرواية.

مسألة: لو باع صاعا من صبرة

قوله: مسألة: لو باع صاعا من صبرة فهل ينزل على الوجه الأول من الوجوه الثلاثة المتقدمة؟

أقول: إذا باع صاعا من صبرة معينة فتارة يعلم مقصود المتبايعين من الخارج و انهما أرادوا أحدا من الإشاعة أو الكليّة فيحمل عليه سواء قلنا بكون اللفظ ظاهرا في الكلي أو في الإشاعة، كما أنه لو علم عدم توافقها في القصد فيحكم بالبطلان بأن أراد البائع الإشاعة و أراد المشتري الكلي أو بالعكس، فإنه لم يرد الإيجاب و القبول على محلّ واحد و لا يفرق في ذلك كله بين كون المقصود لكل منهما ظاهر اللفظ أو لا، بل لا يفرق فيه بين الصحيح و الغلط حتى لو قال المطلق و أراد المقيد فلا بأس فيه مع فهم المشتري المراد كما إذا قال بعتك دارا فكان غرضه الدار المعين لما عرفت من عدم اعتبار اللفظ الصريح، بل الصحيح في متعلقات العقود.

و بالجملة لو علم مراد المتبايعين من الخارج انهما أرادا الإشاعة أو الكلي سواء أتيا كلاهما بلفظ مطلق أو مقيد صريح أو غير صريح صحيح أو

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 272 باب 19، بريد بن معاوية.

374

غير صحيح فلا كلام في صحة ذلك كما لا شبهة في بطلانه إذا أراد أحدهما الكلى و أراد الأخر الإشاعة فإنه لم يرد الإيجاب و القبول على مورد واحد و أيضا لا يفرق فيه بين الإتيان بلفظ صريح أو غيره كما عرفت.

و انما الكلام فيما إذا شك في ذلك و لم يعلم أن أيّا من المعنيين إرادة البائع و أن أيّا منها اراده المشتري، و ذلك اما لعدم العلم بما قصداه من ذلك الإيجاب و القبول لنسيان و نحوه أو لموت البائع أو المشتري أو كليهما و لم يعلم الوارث أن أيّا من المعنيين قصداه أو وقع التداعي بينهم فادعى أحدهما كون المقصود إشاعة و ادعى الأخر كون المقصود كلّيا و سيأتي التعرض للثمرة بين المعنيين.

و الظاهر هو حمل اللفظ على الكلي في المعيّن لوجهين، الأول للرواية المتقدمة في بيع الأطنان من أنبار القصب فإنه سأله السائل عن حكمه إذا احترقت و لم يبق الّا مقدار حق المشتري فأجاب (ع) بأنه للمشترى و لم يستفصل في ذلك بين أنهما قصدا الإشاعة أو قصدا الكلى، بل حكم بكون الباقي للمشتري جزما فكشف من حكمه هذا أن لفظ صاع من صبرة ظاهر في الكلى و توهم أن ظهور اللفظ في الإشاعة و انما حكم الامام (ع) بكونه كليا للتعبد توهم فاسد فإن الشركة و عدم الشركة ليست امرا تعبّديّا و بالجملة فحكم الامام (ع) بكون الباقي للمشتري يدل على أنه (ع) فهم من ظاهر اللفظ الكلية فقط فأجاب عن حكمه و لم يستفصل في السؤال أصلا.

الوجه الثاني: أن الظاهر من العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام سواء كانت تكليفية أو وضعية لها موضوعية في نفسها و ليست طريقة الى الواقع و الى اعتبار شيء آخر، و قد اشر الى هذا في بيع الغرر كما عرفت في حمل العنوان على الحكمة أو العلة.

375

فالظاهر من قول البائع بعتك صاعا من صبرة أو منّا من الحنطة الموجودة هو ارادة المن بما هو من و الصاع بما هو صاع من هذه الصبرة بحيث لا يكون مقيدا بخصوصية إلا كونه من الصبرة الموجودة و مضافا الى صرف الوجود و أما الخصوصية الزائدة عن ذلك فلا من غير أن يكون طريقا إلى إرادة أحد الكسور من الثلث و الربع و النصف و نحوها من الكسور المتصورة المتخصصة بالخصوصيات الخاصة الخارجية فإنه خلاف الظاهر من لفظ المن و الصاع و الملغى عنهما جميع الخصوصيات إلّا الإضافة إلى صرف الوجود من الصبرة المعينة فقط.

و بالجملة أن مقتضى الظاهر من لفظ المنّ هو الكلي العاري من جميع الخصوصيات إلّا اضافة الى صرف الوجود من الصبرة المعينة الخارجية فإن ظاهر حفظ العنوان يقتضي كونه موضوعا للحكم و لا يكون ذلك موضوعا للحكم الا بلحاظ أنه كلى و دعوى الإشاعة يقتضي كون لفظ المنّ أو الصاع إشارة إلى الكسور من الربع و النصف و نحوه فان عنوان الإشاعة بأحد هذه الكسور و نسبته لا بعنوان المنّ و الصاع و نحوهما كما لا يخفى.

و قد يقال أن الظاهر من لفظ صاع من صبرة هو الفرد المنتشر كما هو مقتضى الظاهر من التنوين التنكير.

و فيه أولا قد عرفت أن ارادة الفرد المنتشر غير معقول في نفسه.

و ثانيا: أنه لا كلية لذلك إذ ربما يكون اللفظ خاليا عن التنوين كما إذا قال بالإضافة أو اللام كقولك بعتك صاع من الصبرة أو المنّ من الحنطة و نحو ذلك.

و ثالثا: أن هذا التنوين ليس بتنوين تنكير، بل هو تنوين تمكّن و أما التنوين التنكير فهو يدل بأسماء الأفعال كص و مه.

376

و أما ثمرة القول بكونه ظاهرا في الكلية أو الإشاعة فذكر المصنف فارقين لا بأس بهما، الأول أن تعيين المبيع من الصبرة في يد البائع، فإن المفروض أن المشتري لا يملك إلّا الطبيعة المعراة من جميع الخصوصيات إلّا الخصوصية الخاصة و هي كونها مضافة الى صرف الوجود من صاع هذه الصبرة الموجودة في الخارج و عليه فليس له الّا أن يطالب من ملكه من صياع هذه الصبرة كما أنه كذلك إذا ملك أحد على كلي في ذمة شخص فإنه لا يملك إلّا الكلي فقط المضاف إلى ذمة المديون أو البائع فليس له يطالبه من حصّة خاصة و من كومة معينة.

و بالجملة أن كل ذي حق له ان يطالب حقه ممن عليه الحق بمقدار حقه فليس له مطالبة الزائد و من الواضح أن المشتري يملك مطالبة كلى الصاع من هذه الصبرة و أما كونه من هذا الطرف أو من ذلك الطرف فلا.

و ما نحن فيه نظير طلب الطبيعة من المكلف فإنه إذا أمره بإيجاد الطبيعة فليس له مطالبة خصوصية زائدة غير إيجادها و إذا أقبح على العبد بأنك لماذا لم تمتثل بإيجاد الطبيعة بخصوصية خاصة فيحتج عليه العبد بحكم العقلاء أنك لم تكن مستحقا لمطالبة الزائد من إيجاد الطبيعة نعم لو كان هنا دليل آخر يدل على إيجاد الطبيعة بخصوصية خاصة وراء الأمر بأصل الطبيعة فللمولى أن يحتج على عبده بذلك على ترك الامتثال بالخصوصيات الزائدة و ليس للعبد ح أن يقول أن الأمر بالطبيعة لا يقتض الّا الامتثال بالطبيعة فقط و هكذا الأمر في أوامر الشارع بأجمعها.

هذا على تقدير الكلية و أما بناء على الإشاعة فلا اختيار لأحدهما بوجه لحصول الشركة، فيحتاج القسمة إلى التراضي كسائر الأموال المشتركة الثمرة الثانية أنه بناء على الكلية إذا تلفت الصبرة بأجمعها و لم يبق

377

منها الا مقدار حق المشتري فيكون الباقي له و ليس للبائع فيه حق و هذا بخلافه على الإشاعة فإن التالف و الباقي بينهما سيّان.

و الوجه في ذلك قد عرفت أن ما يملكه المشتري ليس إلّا الطبيعة المعراة عن الخصوصيات الّا إضافته إلى صرف الوجود من الصبرة الموجودة في الخارج فما دام أنه قابل الانطباق على صياع الصبرة لم يذهب من حقه شيء كما عرفت ذلك من الرواية إلّا إذا تلف المجموع فإنه ح ينطبق الكلى على التالف أيضا فيكون المورد من صغريات التلف قبل القبض فيفسخ البيع.

و أما على الإشاعة فإن الفرض أن حق كل من البائع و المشتري على نحو الإشاعة في الصبرة فيكون التالف منهما معا لثبوت حق المشتري في كل جزء فمع القبض و الإقباض يذهب المبيع من كيس البائع و بدونه ينفسخ البيع و هذا واضح جدا فما ذكره المصنف في محلّه و تمت الثمرة.

ثم انه ذكر المصنف أنه لو فرضنا أن البائع بعد ما باع صاعا من الجملة باع من شخص آخر صاعا كلّيا آخر فالظاهر أنه إذا بقي صاع واحد كان للأول لأن الكلي المبيع، ثانيا انما هو مشاعة في مال البائع و هو ما عدا الصاع من الصبرة فإذا تلف ما عدا الصاع فقد تلف جميع ما كان الكلى فيه ساريا فقد تلف المبيع الثاني قبل القبض و هذا بخلاف ما لو قلنا بالإشاعة و قد قوّاه شيخنا الأستاذ و قال أن الباقي ينطبق على ملك المشتري الأول و يجرى حكم تلف المبيع قبل قبضه بالنسبة إلى صاع المشتري الثاني، لأن الصاع الثاني يسري كلية الى ما عدا الصاع الأول و هذا بخلافه على الإشاعة.

و لكن التحقيق أن الباقي لا ينطبق عليه ملك المشتري الأول، و توضيح ذلك أنا ذكرنا في مبحث علم الإجمالي من الأصول أن الصفات

378

الحقيقة الموجودة في أفق النفس يصحّ أن تتعلق بالعناوين الجامعة للافراد المتشتتة و قابلة الانطباق على كل واحد منها على سبيل البدلية من غير أن يكون لنفس العنوان الجامعي واقعية في الخارج، بل واقعيّته بنفس الاعتبار بمعنى أن المعلوم ليس أمرا معينا في الخارج بحيث ينكشف بعد العلم كونه معلوما في الخارج، بل المعلوم هو الأمر الاعتباري الجامع بين الافراد و المنطبق عليها على سبيل البدلية مثلا إذا علمنا بنجاسة أحد هذين الكأسين فالصفة النفسانية قد تعلقت بالعنوان الجامع بين الكأسين أعنى عنوان أحدهما بحيث انه قابل الانطباق على كل فرد منهما على سبيل البدلية من غير أن يكون لهذا العنوان واقعية أصلا في الخارج بل قوامه بانطباقه على أن يكون لهذا العنوان واقعية أصلا في الخارج بال قوامه بانطباقه على الافراد فإذا علمنا بعد ذلك أن النجاسة انما هي موجودة في الكأس الشرقي دون الغربي فلا ينكشف من ذلك أن الكأس الشرقي من الأول متعلق لهذا العلم أو علم إجمالا بكون أحد الكأسين بولا أو خمرا فعلم بعد ذلك تفصيلا كون هذا الكأس، بل المعلوم في جميع موارد علم الإجمالي انما هو عنوان أحدهما و كذلك القدرة و سائر الأوصاف النفسانية مثلا لو كان أحد متمكنا من أكل أحد الرغيفين دون كلاهما معا أو على التدريج فإنه إذا أكل واحدا منهما لا ينكشف من دون الأول أنه لم يكن قادرا الّا على أكل هذا الخبز فقط دون الأخر، بل هو من الأول كان قادرا لهذا و قادرا لذلك أيضا فإذا صح تعلق الأوصاف الحقيقة على العناوين الاعتبارية فتعلق الأوصاف الاعتبارية عليها بمكان من الإمكان.

و توضيح ذلك أن الملكية ليست من الأمور الموجودة في الخارج كسائر الاعراض الموجودة فيه، و انما هي اعتبار اضافة المملوك الى المالك و نسبته

379

اليه و انما الموجود في الخارج متعلق هذه الإضافة من الامورات التكونية أو الكليات الاعتبارية فهذا الأمر الاعتباري كما يصح أن يتعلق بالأعيان الخارجية فكك يصح أن يتعلق بالأمور الاعتبارية التي لا واقعية لها أصلا إلّا الاعتبار المحض فإذا باع صاعا من صبرة من شخص فقد ملك كليّا و أمرا اعتباريا جامعا للأفراد الخارجية على سبيل البدلية و قابل الانطباق عليها كذلك من غير أن يكون المشتري مالكا للخصوصيات بحيث أن للمالك تطبيق ذلك الجامع أيا من الافراد الموجودة في الخارج و هذا معنى تمليك الطبيعة و حفظ الخصوصيات في ملك نفسه و إذا طبقه على فرد منها و عيّنه في الخارج لا ينكشف منه أن المملوك من الأول كان هو هذا الفرد المعين و الّا فمعناه أن الخصوصية كانت مملوكة للمشترى و هو خلاف المفروض في بقائها في ملك البائع و انما المملوك كان هو الجامع و البائع باختياره طبقه على الفرد المعين و أسقطه عن الانطباق على جميع الأفراد.

و عليه فإذا باع صاعين كليين من الصبرة من شخصين فانطباق كل منهما على صرف الوجود من كل واحد من صاع تلك الصبرة على حد سواء و ليس لأحدهما مزيّة على الأخر بوجه.

و عليه فلا وجه لما ذكره المصنف من انه في صورة بيع صاعين من شخصين مع تلف الصبرة و بقاء صاع واحد فقط يكون الباقي للمشترى الأول فقط لأن مملوك المشتري الثاني ينطبق على غير الصاع الذي انطبق عليه مملوك المشتري الأول و هذا نظير ما إذا باع صاعين من الصبرة من شخص واحد فهل يتوهم أحد أن كل واحد من صاعين يكون منطبقا على غير ما انطبقه الأخر، بل انطباق كل منهما على كل من صياع الصبرة على حد سواء، كما هو واضح.

380

و على هذا فنسبة الصاع الباقي الى كل من المشتريين على حد سواء و ح فهل الباقي بتمامه ملك للمشترى الأول أو بتمامه ملك للمشتري الثاني أو يكون لأحدهما فقط بتعيين المالك البائع أو يقسم بينهما بالنصف أما كونه ملكا لهما معا على نحو الاستقلال و التمام فغير محتمل جزما لانه لا يعقل ان يكون الشيء الواحد مملوكا لاثنين على نحو الاستقلال.

و أما كون اختيار التعيين تحت يد البائع فهو أيضا واضح البطلان فإنه انما يكون كذلك إذا كانت الخصوصيات باقية تحت ملكه كما إذا كانت الصياع متعددة فإنك عرفت أنه ليس للمشترى حق التعيين أصلا و انما هو راجع الى البائع فإن المبيع ليس إلّا الطبيعة فالخصوصيات باقية تحت ملكه الاختيار في تعيين ذلك الكلّي بأيّ فرد شاء و هذا بخلافه هنا فإنه مع تلف الصبرة و بقاء صاع واحد ينحصر الحق بالمشتري و يرتفع مملوك البائع أصلا فإنه انما كان فيما يكون له اختيار تطبيق الكلى بهذا أو بذلك فمع التلف و بقاء الصاع الواحد ارتفع موضوع هذا الاختيار أصلا و لم يبق له ملكية في هذا الفرد بوجه و قد عرفت قريبا أنه لا يعقل أن يكون شيء واحد مملوكا لشخصين فصاعدا على نحو الاستقلال.

و أما التنصيف فهو الحق فإنك عرفت عدم معقولية ملكية كليهما على الباقي و تخصيص أحدهما دون الأخر تخصيص بلا مخصص إذ ليس في البين مرجح الّا مجرد سبق الزماني فهو في نفسه لا يكون مرجحا فلا بد من القول بالتبعيض فيكون لكل من المشتريتين النصف لما عرفت مرارا أنه إذا كان المبيع مركبا من الاجزاء فيكون البيع منحلا إليها حسب تعدد الاجزاء فح ان كانت الهيئة الاجتماعية دخيلة في ازديادا الثمن فيكون للمشترى خيار تبعض الصفقة و الا فلا خيار له أيضا.

381

و بالجملة فعمدة غرضنا أنه لا وجه لتخصيص الباقي بالمشتري الأول و القول ببطلان البيع الثاني و انفساخه لكونه من صغريات التلف قبل القبض بدعوى منع انطباق الكلي الثاني على جميع الصياع، بل انما يكون انطباقه على غير الصاع من هذه الصبرة كما لا يخفى. فافهم.

و قد انتهى الكلام إلى أنه إذا باع صاعا من صبرة من شخص ثم باع صاعا من صبرة من شخص آخر فتلف الصبرة و لم يبقى منها الا صاع واحد فهل يكون ذلك للمشترى الأول كما اختار المصنف أو ينفسخ العقد فيهما معا و يعود الباقي الى ملك المالك الأول أو يتخير المالك الأول بين أن يعطيه من المشتري الأول أو من المشتري الثاني أو يحكم بالتنصيف فذكر المصنف أنه يتعين للاول و قد عرفت أنه لا وجه له فان كل من المشتريين قد ملكا كليّا من صياع الصبرة الذي قابل الانطباق على جميع الصياع و صار شريكا فيها فنسبة كل منهما الى كل من الافراد على حد سواء بحيث أن للبائع الذي ملك الكلي الساري و حفظ الخصوصيات أن يطبق على كل من الكليين على أىّ فرد من الافراد شاع فإذا تلفت الصبرة و لم يبق إلا صاع واحد فبأي مرجح يتمحض ذلك بالمشتري الأول مع أنا فرضنا أن مملوك كل منهما ليس إلّا الكلي الساري فتخصيص الباقي بالأول بلا مخصص و مرجح فإنه ليس في البين مرجح الا السبق الزماني و كون المشتري الأول أسبق من البيع للمشتري الثاني فلا دليل على كونه مرجحا في البين.

و أما كون التخيير تحت يد البائع فهو واضح البطلان فإنه بعد ما خرج المبيع عن ملكه فأي اختيار له في ذلك و توهم أن الخصوصيات كانت مملوكة له فله تمليكها بأيّ منهما شاء توهم فاسد فإنه لا يعقل تمليك العين عارية عن الخصوصيات إذ لا وجود للعين الخالي عنها في الخارج فإن الشيء

382

إذا تشخص و وجد في الخارج خرج عن الكلية و إذا لم يتخصص بخصوصية لا يعقل وجوده في الخارج فبالشرط في ضمن العقد يشترط المشتري على البائع أن يملك البائع الخصوصيات أيضا أي إذا تعين حقه في شيء تكون الخصوصيات أيضا للمشتري حتى مع كون المبيع كلّيا.

نعم ما دام المبيع كلّى فالخصوصيات تحت ملك البائع و أما مع التعين فيكون الخصوصيات أيضا كنفس العين ملكا للمشترى فليس للبائع اختيار في إعطاء الباقي للأول أو الثاني.

و يبقى القول اما بالانفساخ أو التبعيض و ربما يقال بالأول، فإنه لا يمكن القول بصحة كليهما و لا بصحة أحدهما دون الأخر لعدم المرجح في البين فيسقطان معا للمعارضة كما هو كذلك في سائر العقود كما إذا باع داره أو أجرها أو وهبها من شخص و باعها وكيله من شخص آخر في ذلك الزمان فإنه يحكم في أمثال ذلك بالتساقط و رجوع الدار الى صاحبها الأول فإن العمومات تتعارض في شمولها لكل من العقدين.

و لكن الظاهر عدم التساقط هنا و وضوح الفرق بين ما نحن فيه و بين سائر العقود و الوجه في ذلك هو ان المعاملة الواحدة إنما تنحل الى معاملات عديدة حسب انحلال المبيع سواء كانت بيعا أو إجارة أو هبة، فالعقد الصادر من الموكل بتمام اجزائه معارض مع العقد الصادر من الوكيل في ذلك الوقت إذ لا ترجيح في شيء من الاجزاء لأحد الطرفين فيسقطان للمعارضة و عدم إمكان شمول العمومات لأحدهما دون الأخر لكونه ترجيحا بلا مرجح.

و بالجملة أن العقد الصادر من الوكيل إنما يبتلى بالمانع الذي هو العقد الصادر من الموكل و بالعكس فكل منهما يمنع عن وقوع الأخر فيعارض

383

شمول العموم لكل منهما مع شمولها للآخر فيتساقطان لعدم الترجيح بلا مرجح.

و هذا بخلافه في المقام فإنك عرفت أن ما بيع لكل من المشتريين أمر كلي قابل الانطباق على جميع الافراد و كذلك اجزاء المبيع ففي هنا بيوع متعددة حسب تعدد المبيع بالانحلال و كل مبيع في كل بيع قابل الانطباق على جميع أجزاء الصبرة من غير أن يكون بينهما تزاحم و تمانع أصلا كما كان كذلك في سائر العقود في الفرض المذكور و لكن إذا تلفت الصبرة و لم يبق الّا الصاع الواحد فيسقط المبيع الكلى من الطرفين عن السريان و ينحصر ما ينطبق عليه الكليان بالفرد الواحد و ح فكل من البيعين يتعارضان في الانطباق الى الموجود الخارجي الذي هو فرد من الصاع من حيث المجموع للمعارضة و لكن انطباق حق كل من المشتريين بنصف الصاع فلا معارضة بينهما فيحكم بالتبعيض فالعمومات تشمل على البيعين بالنسبة إلى النصف بلا معارضة و ليس للبائع أن يعطى مجموع الصاع لأحدهما دون الأخر لعدم بقاء الاختيار له بالنسبة إلى المجموع نعم بالنسبة إلى النصفين فاختياره باق على حاله فله أن يعطه لأحدهما هذا النصف و للآخر ذلك و بالعكس و هذا واضح لا شبهة فيه و اما ثبوت الخيار فقد أشرنا اليه و يأتي تفصيل الكلام فيه في الخيارات.

ثم ذكر المصنف فرعا أخر لبيان الثمرة و هو أنه أن المبيع انما يبقى كليّا ما لم يقبض و أما إذا قبض فان قبض منفرد عما عداه كل مختصا بالمشتري و ان قبض في ضمن الباقي بأن أقبضه البائع مجموع الصبرة فيكون بعضه وفاء و الباقي أمانة حصلت الشركة لحصول ماله في يده و عدم توقفه على تعيين و اقباض حتى يخرج التالف عن قابلية تملك المشتري له فعلا

384

و ينحصر حقه في الباقي فح حساب التالف على البائع دون المشتري ترجيح بلا مرجح فيحسب عليهما الى أن قال، نعم لو لم يكن إقباض البائع للمجموع على وجه الإيفاء، بل على وجه التوكيل في التعيين أو على وجه الامانة حتى يعيّن البائع بعد ذلك كان حكمه حكم ما قبل القبض.

أقول: أن هنا أمران و لا نتجاسر على المصنف أنهما قد اختلطا.

الأول: ان التلف بعد القبض انما يحسب على المشتري و عليه، فإذا أقبض البائع مجموع الصبرة من المشتري فأثره أنه لو تلفت الصبرة بكلها يكون المبيع أيضا تالفا و لا يكون مثل التلف قبل القبض فيحكم بالانفساخ.

الثاني: تعيين المبيع الكلى و تطبيقه على فرد خاص و عدم تعيين ذلك فإنه على الأول فيكون تلف كل من المال المعين على صاحبه و أما مع عدم التعين فلا وجه لكون التالف عليهما مع كون المبيع كلّيا كما هو المفروض فان مجرّد اقباض المبيع على كليته لا يوجب انقلابه إلى الشركة، بل انما قبضه المشتري على سريانه أى أنه باقي على سريانه الأولية مثلا كانت الصبرة عشرة أصوع فباع مالكها صاعا منها ثم أقبضه مجموع الصبرة فإنه لا يوجب تعيين حقه أو قلبه إلى الإشاعة فإنه بأي موجب زالت ملكية البائع على الخصوصيات الموجبة لكونه مختارا في تطبيق حق المشتري بأي فرد شاء.

و توهم أن المشتري و ان ملك كليا و لكنه مالك له مع خصوصية، فإن مقتضى الشرط الضمني هو ذلك فإنه انما يشترى صاعا من الصبرة ليستقل في التصرف فيه لا أن يكون باقيا على كليته و هذا الشرط موجود في ضمن العقد.

و هو توهم فاسد فإنه و ان كان صحيحا في أصل الاشتراط و لكن لا يقتضي ذلك تعيين حق المشتري بصاع خاص ثم انقلابه إلى الإشاعة و قد

385

عرفت أنه يمكن أن يقبض المشتري المبيع على كليته فإنه مع أخذ الصبرة مجموعا يأخذ المبيع أيضا لكونه موجودا في ضمن الصبرة كما أنه مع التعيين يكون موجودا في ضمن الفرد الشخصي فإن الكلي الطبيعي موجود بوجود الفرد.

و بالجملة أن المبيع كان هو الكلي الساري فهو باق على حاله فلا يخرج عن السريان بقبض المشتري كما لا يخفى.

نعم لو بدل الكلى بالاجزاء على نحو الإشاعة بمعاملة جديدة فيحكم بالإشاعة فيصح ما ذكره المصنف و لكنه لا يمكن بدون المعاملة الجديدة فإن خروج الخصوصيات عن ملك البائع و خروج الكلى عن ملك المشتري و تبدل كل منهما بالاخر يحتاج الى دليل فهو منتف في الخارج و نحن لا ندعى الاستحالة بل ندعى عدم الدليل على هذا، فافهم.

و كيف كان فلا فرق فيما ذكرناه من التحقيق بين ما قبل القبض و ما بعده بوجه.

و أما ما ذكره من أنه لو اقبضه على نحو الامانة فهو متين فإن البائع مالك لجميع الخصوصيات مع الصبرة فإذا باع صاعا منها فله أن يطبق هذا الكلي بأي فرد شاء فإذا أقبضها من المشتري مجموعا لتكون أمانة عنده فلا يوجب ذلك خروج الخصوصيات عن ملكه فإنه بلا موجب فإنه لم يقبضها بعنوان اقباض الحق، بل الامانة و ح فإذا تلفت الصبرة أجمع فيكون حكمها حكم التلف قبل القبض.

لو باع ثمرة شجرات و استثنى منها أرطالا معلوما

قوله: و انما الإشكال في أنهم ذكروا فيما لو باع ثمرة شجرات و

386

استثنى منها أرطالا معلومة أنه لو خاست الثمرة سقط من المستثنى بحسابه و ظاهر ذلك تنزل الأرطال المستثناة على الإشاعة.

أقول: قد عرفت أنه ذكر المصنف أنه لو باع صاعا من الصبرة أو منّا من الحنطة فيحمل على الكلى، و يكون المبيع هنا كلى المنّ و كلى الصاع ملغى عنه الخصوصيات الساري على جميع أمنان الصبرة و أصواعه و رتب عليه أنه لو تلفت الصبرة و لم يبق الّا بقدر الصاع و المنّ فيحسب التالف على البائع لكونه تلفا قبل القبض.

ثم ذكر ان ظاهر الفقهاء في بيع ثمرة الشجرات و استثناء أرطال معلومة منها على خلاف ما ذكرناه فإنهم ذكروا هنا أنه لو خاست الثمرة فيحسب التالف على البائع و المشتري و سقط من المستثنى بحسابه و قد ذكروا للتفصي عن هذه العويصة وجوها:- الأول: أن الفارق بين المسألتين هو النص فإن الصحيحة الواردة في بيع الأطنان من القصب قد دلّت على حمل بيع الصاع من الصبرة على الكلى، و الّا فمقتضى ظهور اللفظ هو الإشاعة في كلا المسألتين.

و يرد عليه وجوه مع تسليم الحمل على الإشاعة في بيع الكلى مع انا لم نسلم ذلك، و قلنا بأن ظاهر اللفظ هو الكلى مع ورود النص عليه كما عرفت.

الأول: ما ذكره المصنف (ره) من أنه ان كان النص واردا على طبق القاعدة كما هو الظاهر، فان الظاهر أن الامام (ع) أجاب على طبق المتفاهم العرفي لزم التعدي منه الى مسألة استثناء، فإنه لا فرق بينهما الّا أن مسألة الاستثناء على عكس مسألتنا، هذا و هو بانفراده لا يوجب الفرق بينهما و ان كان واردا على خلاف القاعدة و التعبد المحض فلا يجوز التعدي من مورده أعنى بيع القصب الى غيره، بل من غير المشتغلين فهل يتبع حينئذ

387

كبيع الصاع من صبرة الحنطة و الشعير و نحوهما.

و يمكن الجواب عنه بدعوى القطع بعدم الفرق بين بيع القصب و بيع الحنطة فإنهما من واد واحد، لأنا نقطع بأنه لو كان السائل يسأل الإمام ((عليه السلام)) عن بيع عشرة آلاف أرطال من الحنطة من أرطال و تلفت إلّا عشرة آلاف فأجاب الإمام (ع) بمثل ما أجابه في بيع القصب.

الجواب الثاني: ما ذكره المصنف في آخر كلامه من أنه لو قلنا بالإشاعة للزم عدم جواز تصرف المشتري في الثمرة إلّا بإذن البائع، بل يجوز له التصرف في الثمرة.

و ثالثا: ما أشار إليه المصنف أيضا من أن لازم الحمل على الإشاعة أنه لو تلف مقدار من الثمرة بتفريط المشتري كان ضامنا للبائع في حصة من التالف و يكونان شريكين بالنسبة إلى الباقي مع انهم حكموا بوجوب أداء المستثنى تماما من الباقي فهو لا يجتمع مع الإشاعة، بل مع الملكية كما لا يخفى.

و رابعا: يلزم أن يكون النص واردا على خلاف ما قصده المتبايعان فان لازم الظهور النص في الإشاعة و خروج مسألة بيع الأطنان من القصب على خلاف القاعدة للنص يلزم أن يحكم الامام (ع) على خلاف ما قصداه من العقد فهو لا يمكن فإنه لو فرضنا أن السائل كان يصرح بالإشاعة كان يحكم الامام ((عليه السلام)) بكون المبيع كليا و قد مرّ مرارا عديدة أنه أمر غير معهود.

الثاني: أن مقتضى ظاهر اللفظ في المسألتين هو حمل الصاع على الكلي الّا أنه قام الإجماع على الحمل على الإشاعة في مسألة الاستثناء.

388

و فيه أولا: أن الإجماع ليس بنفسه حجة بل لكونه كاشفا عن دليل معتبر، و نحن نقطع بانتفائه في المقام و عدم استنادهم اليه.

و ثانيا: يرد عليه ما أوردناه على الوجه الأول من الوجوه الثلاثة الآخرة.

الثالث: أن الفارق بين حمل الصاع على الكلي في المقام و بين حمله على الإشاعة في مسألة الاستثناء و نظائره كالزكاة التي يحسب التالف فيها على المالك و الفقراء أن الفارق هو اعتبار القبض في لزوم البيع و وجوبه على البائع في بيع الكلى فما دام يمكن دفع المبيع إلى المشتري يجب الإقباض كما في بيع الكلي في الذمة و هذا بخلافه في مسألة الاستثناء و الزكاة.

و فيه أولا: ما ذكره المصنف من أنه مضافا الى تحقق إيجاب القبض في مسألتي الزكاة و الاستثناء أن وجوب الإقباض و لزوم العقد مسلم و لكن لا دليل لوجوب الإقباض في اللزوم بوجه، و لا نفهم معنى هذه العبارة كما لم يفهمه المصنف، و ان إيجاب القبض على البائع فرع كون المبيع كلّيا و منطبقا على الباقي فإنه مع عدم البقاء كلا أو بعضا لا يبقى موضوع لوجوب الإقباض لانفساخ العقد.

و بعبارة أخرى حكم حمل المبيع على الإشاعة هو انفساخ العقد في المقدار التالف و عدم بقاء الموضوع لوجوب الإقباض و حكم حمله على الكلى هو بقاء المبيع و وجوب دفعه الى المشتري و إقباضه منه هذا بحسب الكبرى و أما إحراز الصغرى و إثبات أنه محمول على الإشاعة أو على الكلى فلا بدّ و ان يتحقق من الخارج فإثبات الكلية بوجوب الإقباض الذي فرع على

389

الكلية مصادرة واضحة.

و ثانيا: أن دليل أخص من المدعى فانا نفرض موردا يكون المبيع تحت يد المشتري في بيع الكلى اما بالإجازة أو بالأمانة أو بالعارية، أو بالغصب، فح فالمبيع تحت يد المشتري فلا موضوع لوجوب الإقباض أصلا و من هنا يعلم أن قياس المقام ببيع الكلي في الذمة فرع إحراز الكلية كما لا يخفى.

و أما قياس الاستثناء بالزكاة، ففي غير محله إذ ليس الفقير شريكا مع المالك في المال الزكوي كما حقق في محله.

الرابع: ما ذكره في مفتاح الكرامة من إبداء الطرق بين المسألتين بدعوى أن التلف من الصبرة في المسألة السابقة أعني بيع الكلي انما هو قبل القبض فيكون على البائع و يلزم عليه مع ذلك أن يسلم من الباقي تمام المبيع فإنه لم يذهب منه على المشتري شيء لأجل التلف و هذا بخلاف مسألة الاستثناء فان التلف فيه بعد القبض و المستثنى بيد المشتري، أما على الإشاعة بينهما فيوزع الناقص عليهما و لهذا لم يحكم بضمان المشتري هنا بخلاف البائع هناك فإنه حكم بضمانه هناك.

و بعبارة أخرى أن المشتري في بيع الكلى يتلقى الملك من البائع فما دام في البين مصداق للكلي المبيع لينطبق عليه ذلك الكلى فيجب إقباضه بإقباض المصداق، و هذا بخلاف الاستثناء، فان المستثنى فيه من الأول باقي في ملك البائع فلا يجب التسليم و الإقباض و الإيفاء أصلا فيكون التلف عليهما لكون كل منهما مالكا للخصوصيات.

و بعبارة ثالثة: أنه يدعى أن المبيع في المقامين هو الكلى.

و الجواب عنه: أولا: من تبعية وجوب الإقباض بكون المبيع كليا و متفرعا

390

عليه و عدم كونه نحو الإشاعة فإثبات الكلية بوجوب الإقباض مصادرة واضحة و ثانيا: أن الدليل أخص من المدعى فان تفرض المبيع تحت يد المشتري في بيع الكلى اما بالغصب أو بغيره كما تقدم.

و ثالثا: بناء على الإشاعة في مسألة الاستثناء لا يجوز للمشترى أن يتصرف في الثمرة إلا بإذن البائع و مع إتلافه مقدارا منها فيكون ضامنا لحصة البائع مع اشتراكهم في البقية كما ذكره المصنف.

و رابعا: ما ذكره المصنف من أنه ان كان المراد من التلف بعد القبض أى بعد قبض المشتري فلا شبهة أن البائع ح لا يضمن التالف من حق المشتري و انما الإشكال في الفرق بين المسألتين.

و ان أريد منه أن الكلى الذي يملكه البائع تحت يده بعد العقد، فحصل الاشتراك عنده فإذا دفعه الى المشتري فدفع مالا مشتركا اليه، فح أيضا يبقى سؤال الفرق بين قولنا بعتك صاعا من الصبرة و بين قولنا بعتك ثمرة البستان إلا أرطالا معلومة فكلاهما من واد واحد فلما ذا حصل الاشتراك في الثاني دون الأول فإن كون المجموع تحت يد البائع لا يوجب الاشتراك و لا يرد على المصنف أنك قلت بحصول الاشتراك في بيع الكلي بإقباض البائع مجموع الصبرة فلما ذا لا يحصل الاشتراك هنا بكون مجموع الثمرة تحت يد البائع، فالبائع هنا بعينه مثل المشتري هناك.

فانا نقول ان المصنف قد التزم هنا بالاشتراك لمكان الإقباض فإن اقباض المالك الكلى يوجب تمليك الخصوصية و تمليك الخصوصية موجبة للاشتراك بخلافه هنا نعم لو كانت الثمرة تحت يد المشتري و هو يقبض البائع مجموع الثمرة فحصل الاشتراك فحصل الفرق بين المقامين و ان لم نقبل ما ذكره المصنف و قلنا ان إعطاء الصبرة للمشترى بأجمعها لا يوجب الاشتراك

391

كما عرفت.

الجواب الخامس: ما ذكره المحقق الايروانى أن الذي ينبغي مقايسته من مسألة الأرطال بمسألة بيع صاع من الصبرة هو المبيع و هو ما عدا الأرطال دون نفس الأرطال التي لم تقع عليه المعاملة فإن مكانة الأرطال هنا مكانة بقية الصبرة مما عدا صاع منها من تلك المسألة و مكانة ما عدا الأرطال هنا مكانة الصاع من تلك المسألة فإن المعاملة وقعت على ما عدا الأرطال فيكون المبيع كلّيا فمقتضى القاعدة هنا كون التلف على البائع و لكن حيث كان التلف بعد القبض مع كون حق البائع من الأرطال منتشرا في المجموع فيكون التلف منهما.

و فيه أولا: أنه خلاف المتفاهم العرفي فإنه لو ألقى هذا الكلام لأحد لا يفهم منه الّا كون المستثنى منه ملكا للمشترى بجميع الخصوصيات بحيث قد ملكه البائع العين بجميع الخصوصية فلا وجه لكون المستثنى منه أيضا كليا.

و ثانيا: يرد عليه مما تقدم من عدم جواز تصرف المشتري في المجموع إلّا بإذن البائع و حساب التالف عليهما حتى لو كان المتلف هو المشتري و كون البقية بينهما سيان غاية الأمر أن المشتري يضمن للبائع في حصته في صورة الإتلاف.

قوله: و يمكن أن يقال ان بناء المشهور في مسألة استثناء الأرطال أن كان على عدم الإشاعة.

أقول: هذا هو الوجه من الأجوبة قد أجاب به المصنف على تقديري الكلى و الإشاعة أما على الأول كما هو الظاهر فلأن المتبادر من الكلى المستثنى هو الكلي الشائع فيما يسلم للمشترى لا مطلقه الموجود وقت البيع و هذا الجواب بظاهره يعطى خلاف المقصود فإن الإشكال كان في حمل

392

بيع صاع من الصبرة في المسألة السابقة فظاهره المنافاة لبيع الثمرة و استثناء الأرطال المعينة حيث ذكر الفقهاء أن التالف يحسب عليهما فان هذا ظاهر في الحمل على الإشاعة و ظاهر ما ذكره المصنف هنا هو عدم حساب التالف عليهما، بل على المشتري فلا يكون هنا تنافي مع المسألة السابقة مع أن المشهور حكموا بكون التالف عليهما و لعله سقط في كلامه و أنه أراد ما سنذكره من الجواب.

و أما على الثاني فأجاب بأن المستثنى كما يكون ظاهرا في الكلي كذلك يكون عنوان المستثنى منه الذي انتقل إلى المشتري بالبيع كلّيا بمعنى أنه ملحوظ بعنوان كلى يقع عليه البيع فمعنى بعتك هذه الصبرة إلّا صاعا منها بعتك الكلي الخارجي الذي هو المجموع المخرج عنه الصاع فهو كلى كنفس الصاع فكل منهما مالك لعنوان كلى فالموجود مشترك بينهما لان نسبة كل جزء منه الى كل منهما على نهج سواء فتخصيص أحدهما به ترجيح من غير مرجح و كذا التالف نسبته إليهما على حد السواء فيحسب عليهما، و هذا بخلاف ما إذا كان المبيع كلّيا فان مال البائع ليس ملحوظا بعنوان كلي في قولنا بعتك صاعا من هذه الصبرة إذ لم يقع موضوع الحكم في هذا الكلام حتى يلحظ بعنوان كلى كنفس الصاع.

مثلا إذا كان عنده خمسين رطلا من الطعام فباعه إلا عشرة أرطال فإن هذه العشرة تكون كلية فإذا كانت كلية فتكون المستثنى منه قهرا كليا أيضا فالمال الموجود في الخارج مشترك بينهما على الإشاعة فيكون التالف عليهما.

و فيه أولا: أنه لا وجه لكون المستثنى منه كليّا إذ البائع كان مالكا للارطال مع الخصوصيات فإذا باعها من شخص إلّا أرطالا معلومة فتكون

393

الخصوصيات ملكا للمشترى و الّا يلزم أن تبقى مال بلا مالك أو تكون ملكا لشخص آخر بلا سبب ملك، فكل ذلك لا يمكن الالتزام به على أن هذا لا يرفع الاشكال و هو أنّه على الإشاعة كيف يجوز للمشترى أن يتصرف في المجموع بلا إذن البائع الشريك مع انهم أفتوا بجوازه و أنه مع الإتلاف من المشتري كيف يحسب عليه و يكون حق البائع في الباقي مع أن مقتضى الشركة كون التالف عليهما و ضمان المشتري على حصة البائع و كونهما شريكين في الباقي أيضا و لعله التفت بعدم صحته و قال أن هذا ما خطر ببالي عاجلا و لعل غيرنا يأتي بأحسن من هذا، و قد اوكلنا تحقيق هذا المقام الذي لم يبلغ اليه ذهني القاصر الى نظر الناظر البصير الخبير الماهر عفى اللّه عن الزلل في المعاثر.

و بالجملة لم يتحصل لنا من الأجوبة التي لاحظناها ما يرفع الاشكال و يوجب جواز الجمع بين حساب التالف عليهما و جواز تصرف المشتري في المجموع و كون التالف عليه في صورة إتلافه فلا بد في المقام من جواب يجمع بين هذه الأمور الثلاثة.

و الذي ينبغي أن يقال و لعله هو محتمل الجواب الأول للمصنف و أن المستثنى هو الأرطال المعلومة بعنوان الكسر الكلى كما هو الظاهر من اضافة من مجموع ما سلم للمشترى دون مجموع المال و ليس المستثنى هو الكسر المشاع بل الأمر كذلك حتى مع التعبير عنه بلفظ المن و الصاع و الرطل و نحوها فان الظهور العرفي منها و ان كان عنوان الكلى منها بنفسها و لكن الارتكاز جار على كونها على أحد النسبة الممكنة في الصبرة كواحد من المائة مثلا مما سلم بحيث يكون الباقي و التالف بينهما سيان و هذا لا ينافي الكلية كما هو واضح.

394

و توضيح ذلك أن بيع الكسر الكلى يتصور في مرحلة الثبوت على أقسام ثلاثة:- الأول الكسر الى المبيع كقولك بعتك نصف الصبرة أو ربعها مثلا أو غيرهما من الكسور أن يكون على نحو القضية الخارجية فإنه موجود في هذه الصبرة بعنوان الكلية دون الإشاعة فإن ربع هذه الصبرة أمر كلي لأنه قابل الانطباق على هذا الطرف و ذلك الطرف من اليمنى أو اليسرى أو الفوق أو التحت، الى غير ذلك مما يكون فردا لهذا الكلى و يكون هو قابل الانطباق عليه من افراد المتصورة.

الثاني: أن يكون المبيع كسرا كليا و لكن لا بنحو القضية الخارجية، بل بعنوان القضية الحقيقية و هذا المعنى و ان لم يجر في البيع لكونه موجبا للجهالة و الغرر و لكن يمكن جريانه في باب الوصية و ان لم يعهد فيها هذا الوجه أيضا، لأن المعهود في الوصية هو الوجه الثالث و لكن لو أوصى أحد كذلك فلا محذور فيه شرعا كما إذا اوصى بأن كلما يكون مالا لي فربعه على نحو الكسر الكلى لفلان، فان هذه قضية حقيقية تنطبق على ربع كل مال حصل في يد الموصى فيكون للموصى له بنحو الكلية لا بنحو الشركة.

الثالث: أن يكون أيضا كليّا على نحو القضية الخارجية و لكن تكون في حصة خاصة و هذا أيضا لا يمكن في البيع للجهالة و الغرر و لكنه موجود في باب الوصية جدا بحيث لو اوصى أحد كك فلا محذور فيه و ان كان يحتاج إلى القرائن في مقام الإثبات و ان كانت هو الارتكاز كما يمكن دعواه في الوصية و البيع فان الارتكاز على ذلك بل الأمر كك في باب الوصية غالبا

395

و الشركة على نحو الإشاعة فيها نادرة جدا كما إذا اوصى لزيد ربع ما يسلم للورثة على نحو الكسر الكلى بمعنى أن كما اجتمع أموالي تحت يد الورثة فربعه لزيد على نحو الكلى دون الإشاعة و هذا المعنى كما عرفت موجود في باب الوصية فإن من اوصى ربع ماله لفلان فليس معناه أنه شريك مع الورثة على الإشاعة و لو بقرينة الارتكاز و لا أن ربع مجموع المال أعم مما يسلم و مما لا يسلم له و الّا فربما يكون ما يحصل من التركة للموصى له مجموعا بل معناه أن ربعه الكسرى الكلي الذي يسلم من التلف و الظاهر أنه لا يشك أحد في صحة ذلك الكلام في هذا المعنى و لو بالارتكاز العقلائي في باب الوصية بل عليه جريان السيرة العملية ما لم تكن تصريح على خلافه من الشركة على نحو الإشاعة.

و بالجملة الذي ذكرناه لا غبار فيه ثبوتا و ان كان يحتاج إلى القرائن في مقام الإثبات فإن غرضنا تصحيح هذا المعنى فقط في عالم الثبوت ففي مقام الإثبات فيتبع لسان الدليل كما لا يخفى أو القرائن الخارجية كما في باب الوصية و كذلك فيما نحن فيه لشهادة الارتكاز على ذلك.

إذا عرفت ذلك فندعى جريان ذلك في مسألة الاستثناء فان قول القائل بعتك مجموع الثمرة إلا أرطالا معلومة معناه بعتك مجموعها كسرا كليّا مما يسلم و هو الواحد في المائة أو العشرة أو أقل أو أكثر، مثلا فيكون عنوان الرطل معرّفا الى ذلك الكسر الكلى ففي الحقيقة أن البائع يستثنى من العشر مثلا واحدا مما يبقى من الثمرة للمشتري الذي يسمى كسرا كليّا و يجعل عنوان الرطل أو المنّ أو الصاع معرّفا اليه و هذا و ان كان في نفسه على خلاف الظاهر فان ظهور المن أو الرطل و نحوهما في الكلي في المعيّن و حملها على الكسر الكلى على خلاف الظاهر و لكن قامت القرينة

396

على ما ذكرناه و الارتكاز فإنه قائم على ارادة ما ذكرناه من مثل هذا الكلام (بعتك الثمرة إلّا أرطالا معلومة) فإن الارتكاز العقلائي محقق على أن المراد منه هو الكسر الكلى مما يسلم و يتحصل للمشترى من الثمرة دون الشركة و الإشاعة و لا الكلي في مجموع الثمرة بحيث أن ما يسلم للمشترى لو كان بمقدار المستثنى يكون المجموع للبائع، بل هو الكسر الكلى أى حد معيّن من حد معين كالواحد من المائة مثلا.

و على هذا فنسلم من جميع الإشكالات فإنه لو تلفت الثمرة بآفة سماوية يكون التالف عليهما فان حق البائع الكسر الكلى مما سالم للمشترى و التالف خارج بحسب الارتكاز و لو أتلفه المشتري كان حق البائع من الباقي، فإن التالف مما يسلم فهو باختياره أتلفه و يجوز للمشترى التصرف في مجموع الثمرة لأن البائع ليس شريكا في الثمرة حتى يحتاج تصرفه إلى الإجازة و كان لفظ الكسر قبل لفظ الكلي في عبارة المصنف لكان عين ما ذكرناه و كان (أن المتبادر من الكلى المستثنى هو الكسر الكلي الشائع فيما يسلم للمشترى لا مطلق الموجود وقت البيع) و لعله كان كذلك و قد سقط من عبارته و اللّه العالم، و لا يلزم كون المعاملة غررية أو كون المبيع مجهولا فان المبيع معلوم و هو مجموع الثمرة و ما استثنى من مجموع الثمرة أيضا معلوم، فالتلف انما يرد على المستثنى و المستثنى منه المعلومين لا أن المبيع هو الباقي بعد التلف ليكون مجهولا أو غرريا كما هو واضح.

و يمكن الجواب بوجه آخر بأن يقال أن قولك بعتك مجموع الثمرة هذا البستان إلّا عشرة أرطالا أن كل واحد من المستثنى و المستثنى منه يتحللان الى الاجزاء فكأنه قال بعتك عشرة إلا واحدا فيكون مفاد ذلك أن المستثنى من كل عشرة واحدة مثلا بنحو الكلي في المعين و هكذا الى ان ينتهي

397

كلما يتصور من الاجزاء التحليلية و الفرق بين هذا و الوجه الأول هو أن في الأول كان المشتري جائز التصرف في المجموع لأن حق البائع كان كليا بخلافه هنا فإنه لا يجوز له التصرف في المجموع فان المفروض أن الواحد من كل عشرة مثلا للبائع فبالتصرف في العشرة قطعا ينصرف في حق البائع أيضا، و لكن الشرط الضمني موجود على جواز التصرف في المجموع.

و على هذا فيرتفع الإشكال أيضا و يجتمع الأمور الثلاثة أما كون التالف عليهما فما ذكرنا كون المستثنى و المستثنى منه منحلين الى الاجزاء و أن من كل جزء جزء كالواحد من العشرة فإذا تلفت العشرة فيتلف من كل منهما جزء كما هو واضح.

و أما أنه يجوز للمشترى التصرف في المجموع فلما عرفت من كون الشرط الضمني على ذلك.

و أما أنه مع إتلاف المشتري من الثمرة شيئا فيكون حق البائع من الباقي فهو أيضا للشرط الضمني و هذان الوجهان خصوصا الثالث على خلاف الظهور بمكان و لكن الذي يسهل الخطب أن الغرض لتصوير كلام القوم في مسألة استثناء الأرطال المعلومة من المبيع على نحو لا يكون منافيا لحمل بيع صاع من الصبرة على الكلي في المعيّن.

ثم لا يخفى عليك أنه يمكن الجواب بحمل الأرطال على الإشاعة و الجواب عن عدم جواز تصرف المشتري في المجموع و كون حق البائع من الباقي مع إتلاف المشتري مقدارا منه بالشرط الضمني كما عرفته في الوجه الثاني هذا ما عندنا و لعل غيرنا يأتي بما هو أحسن من ذلك كما ذكر المصنف بقوله هذا ما خطر عاجلا بالبال و قد اوكلنا تحقيق هذا المقام الذي لم يبلغ اليه ذهني القاصر الى نظر الناظر البصير الخبير الماهر

398

عفى اللّه عن الزلل في المعاثر.

الكلام في أقسام بيع الصبرة

قوله: قال في الروضة تبعا للمحكي عن حواشي الشهيد أنّ أقسام بيع الصبرة عشرة.

أقول: حاصل ما ذكره الشهيد أن أقسام بيع الصبرة المعلومة خمسة و بإضافة خمسة أقسام للبيع الصبرة المجهولة فتكون الاقسام عشرة أما أقسام الصبرة المعلومة:- فالأول: أن يبيع مجموع الصبرة فهذا لا شبهة في صحته لانه لا تطرقه شيء من الموانع الموجبة للبطلان.

الثاني: أن يبيع نصفها على نحو الإشاعة.

الثالث: يبيع مقدار منها كصاع تشتمل عليه الصبرة، و هذا هو بيع الكلي في المعيّن الذي تقدم الكلام فيه مفصلا، و قلنا انه لا شبهة في صحّته أيضا.

الرابع: بيع مجموع الصبرة على حساب كل صاع منها بكذا و هذا أيضا لا إشكال في صحته فان المبيع أمر معلوم و كذلك الثمن فلا شيء هنا يوجب البطلان.

الخامس: أن يبيع كل صاع منها بكذا و نظير كذلك ما ذكره العلامة في بعض كتبه من الإجازة كأن قال المؤجر أجرتك الدار كل شهر بكذا، و قد وقع مثل هذه الإجازة محل الكلام بين الاعلام هل هي صحيحة أم لا و مرادهم وقوع الخلاف في غير الشهر الأول، فإن صحة الإجازة في الشهر

399

متيقن كما ذكره العلامة من صحة الإجازة في الشهر الأول لتضمن هذا القول اجارة هذا الشهر يقينا و المقام أيضا كذلك فلازم كلامهم في الإجارة كون البيع صحيحا في صاع واحد لكونه متيقنا من هذا الكلام من غير أن يقترنه ما يوجب البطلان و أما في غير صاع الواحد فيحكم بالبطلان لكون المبيع مجهولا إذ لا يعلم أنه أى مقدار فان المبيع هو كل صاع من الصبرة أي مقدار منها يريد المشتري و من الواضح أن عنوان كل صاع منها بكذا أمر مجهول، و هكذا في المعدود و لكن قد حكم شيخنا الأستاذ على البطلان في كلا المقامين لان تردد متعلق العقد بين الأقل و الأكثر يقتض الجهل به فيكون العقد في الشهر الأول أو في الصاع الواحد صحيحا كما هو واضح على ما عرفت و ليس هذا مثل سابقه فان المبيع فيه مجموع الصبرة، و إنما يتعين مقدار الثمن بالصاع فإنه باع مجموع الصبرة على حساب كل صاع بكذا كما هو واضح، و هذا بخلافه هنا فان المبيع في المقام هو كل صاع مع الجهل بأن البائع أي مقدار يريد أن يأخذ منها.

و بالجملة أن مجموع أقسام بيع الصبرة صحيحة إلّا القسم الخامس فان كل ما يعتبر في البيع و المبيع من عدم الغرر و الجهالة و وجود الكيل و الوزن و غيرها من الشرائط كلّها محقّقة فيه، و أما الخامس فقد عرفت بطلانه لجهالة المبيع كما هو واضح.

و أما إذا كانت الصبرة مجهولة فيبطل بيع مجموعها للجهالة و الغرر و لاعتبار الكيل و الوزن و العد في المكيل و الموزون و المعدود فكلها منتفية في ذلك و كذلك يبطل بيع جزء منها فان المجموع إذا كان مجهولا فيكون الجزء منها كالنصف و الربع و التسع أيضا مجهولا و إذا بطل في المجموع

400

بطل في الجزء أيضا و كذلك يبطل بيع كل قفيز أو صاع منها بكذا فإنه كان في فرض معلومية الصبرة باطلا فكيف إذا كانت مجهولا.

و أما بيع مجموع الصبرة على حساب كل صاع منها بكذا فحكم المصنف و شيخنا الأستاذ بالبطلان هنا للجهالة و الغرر و لكن الظاهر هو الصحة هنا لعدم جريان شيء من الموانع فيه أما الغرر فمنفي جزما فان المفروض أن كل من البائع و المشتري عالمان بما يأخذه من الأخر غاية الأمر لا يعلمان كل منهما أن أى مقدار يدخل في كيسه و أى مقدار يخرج منه و أما ان الخارج و الداخل على سبيل المجازفة ليكون غررا فلا، بل كل من الثمن و المثمن يدخل في ملك الأخر على ميزانه و من الواضح انه لا دليل على كون مثل هذه الجهالة موجبة للبطلان، و أما سائر الجهات المعتبرة في البيع من الكيل و الوزن و العدد و غيرها فكلها موجود فيه، و مع ذلك فأي وجه للحكم بالبطلان، بل قد تقدم سابقا أنه يصح تبديل مقدار الأرز بمقدار من الحنطة مع الجهل بالمقدار لعدم الغرر و لكن النصوص الدالة على اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون أوجب البطلان.

و بالجملة أن المستفاد من الروايات الواردة في اعتبار الكيل و الوزن أن بيع المجازفة باطل، و مقابله عدم المجازفة و من الواضح أن بيع الصبرة المجهولة على حساب كل صاع بدرهم بحيث يكون الخارج من ملك كل منهما و الداخل فيه معلوما ليس بيع جزاف بل بيع على الميزان غاية الأمر لا يعلم كل منهما أن أي مقدار يخرج من كيسه و أى مقدار يدخل في كيسه و هذا مقدار من الجهالة لا دليل على كونها مبطلة.

و أما بيع صاع منها بكذا فهو بيع الكلى من الصبرة فأيضا لا شبهة في صحته و ان لم يعلم مقدار الصبرة فإن الجهل بها يوجب الجهل بنسبة

401

المبيع إليها بإحدى الكسور و هذا المقدار من الجهالة لا دليل على كونها موجبة للبطلان، كما لا يخفى.

و حاصل الكلام أن أقسام بيع الصبرة المعلومة خمسة، و أقسامها المجهولة أيضا خمسة و يشترك بعضها مع بعض و يفترقان في بعض الأقسام أما بيع الصبرة مجموعا على حساب كل صاع بدرهم فلا شبهة في صحته سواء كانت الصبرة معلومة أو مجهولة و أما في صورة العلم بمقدار الصبرة فواضح و أما مع الجهل بها و ان أشكل فيه المصنف و شيخنا الأستاذ و لكن الظاهر هو الصحة في صورة الجهل أيضا إذ لا دليل على البطلان بوجه كما عرفت و مجرد كون المتبايعين جاهلين بمقدار ما يدخل في كيسهما و يخرج عنه لا يوجب البطلان إذ لا دليل عليه كما عرفت.

و أما بيع كل صاع بكذا من الصبرة فلا شبهة في فساده لجهالة المبيع و مجرد كونه معلوما عند اللّه لا يصح البيع إذ لا يعلم كل منهما أن الثمن و المثمن أى مقدار ففي مثل ذلك لا يعتبر العقلاء الملكية أيضا فإنه يتوقف على ما يقوم به الإضافة فالمبيع لا يعلم أنه أى مقدار حتى يعتبروا الملكية عليه نعم فللصحة في صاع واحد وجه فان الظاهر من مثل هذا الكلام كونه متيقن الإرادة فيكون معلوما كما هو كذلك في الإجازة أيضا و لا يفرق في ذلك بين كون الصبرة معلومة أو مجهولة فإن المبيع ليس هو مجموع الصبرة، بل كل صاع و لا يقاس هذا بصورة بيع الصبرة على حساب كل صاع بكذا فان المبيع هو مجموع الصبرة و ذكر الصاع لبيان الميزان للثمن و تقديره.

و أما بيع مجموع الصبرة أو نصفها أو ثلثها مثلا فلا شبهة في صحته فيما إذا كانت الصبرة معلومة إذ ليس فيه شيء مما يوجب البطلان و أما فيما إذا كانت الصبرة مجهولة فلا شبهة في البطلان للجهالة و الغرر و كونه

402

جزاف فلا بد من تقديره بالكيل و الوزن و العد و نحوها.

و أما بيع صاع من الصبرة على نحو الكلي فأيضا لا شبهة في صحته سواء كانت الصبرة معلومة أو مجهولة أما في صورة العلم بها فواضح كما تقدم الكلام فيه مفصلا و كذا في صورة الجهل بها إذ ليس فيه غرر و جهالة الّا من جهة نسبة المبيع الى مجموع الصبرة أنها بالنصف أو بغيره و هذا لا يوجب البطلان.

نعم وقع النزاع في أنه هل يعتبر في صحة البيع العلم باشتمال الصبرة عليه أم لا، ظاهر شيخنا الأستاذ نعم من جهة أن عدم العلم بوجود المبيع من أعظم أنحاء الغرر و لكن الظاهر عدم الاعتبار وفاقا لشيخنا الأنصاري و ذلك لوجهين:- الأول ما افاده شيخنا الأنصاري من أنه لا غرر في ذلك بوجه لا من جهة رفع الغرر بالخيار، بل لعدمه في نفسه و ان قيل أن عدم العلم بوجود المبيع من أعظم أنحاء الغرر و توضيح ذلك أنه إذا باع بشرط أنه إذا لم تشتمل عليه الصبرة فيكون له الخيار فهذا لا شبهة في صحة و ليس له غررا أصلا فإنه مع عدم ظهوره كك يكون له الخيار، بل يجوز له البيع معلقا على وجود المبيع فإنه مع عدمه يكون له الخيار و لا يضر التعليق هنا فإنه إنما يضر إذا كان معلقا على أمر خارجي لا على وجود المبيع فإنه ارتكازي ذكر أم لا، فضلا عن البطلان و توهم أن الخيار لا يرفع الغرر فهو حق فيما كان الخيار ثابتا بالتعبد لا بجعل المتعاملين أو بالشروط الضمنية فإنه يرتفع الغرر بمثل ذلك.

و بالجملة أن المقام نظير ما باع ما يحاذي بمائة دينار بدينارين مع الخيار فإنه ليس له ضرر في ذلك أصلا لكونه مخيرا في الإبقاء و الإمضاء،