مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
403

و انما يكون عليه ضرر إذا باع كك لزوما و بدون الخيار، بل يصح البيع على تقدير الوجود من غير علم به أصلا لعدم الغرر فيه و ليس مثل بيع الطرفى الهواء و السمك في الماء فإنه باطل لكونه بيعا منجزّا و على كل حال فليس التعليق موجبا للبطلان، فان التعليق على وجود المبيع من الأمور المرتكزة المقطوعة و من الشروط الضمنية فيكون خارجا عن معقد الإجماع القائم على بطلان التعليق في العقود.

الثاني: أنك عرفت مرارا أن البيع الواحد ينحل الى بيوع عديدة باعتبار انحلال المبيع، و عليه فإذا باع وزنة من الصبرة مع الجهل باشتمالها عليها فظهر انها غير مشتملة عليها فيكون البيع صحيحا في المقدار الذي موجود في الصبرة و يبطل في الباقي فيكون من قبيل ضم الصحيح بالباطل كبيع مال نفسه مع مال غيره و بيع الخل مع الخمر و بيع الغنم مع الخنزير.

و اما ثبوت الخيار و عدم ثبوته للمشترى فيتوقف على أن الهيئة الاجتماعية دخيلة في زيادة المالية كمصراعي الباب و جلدي اللمعة و اللغة و جوزي الخف و نحوها أم لا، فعلى الأول فيثبت له خيار تبعض الصفقة، و على الثاني فلا، و ذلك لما سيأتي في باب الخيارات أن ثبوت غير الخيارات التعبدية كخيار المجلس و الحيوان و العيب انما هو بأحد أمرين أحدهما بالاشتراط و الثاني بكون الهيئة الاجتماعية دخيلة في زيادة الثمن كالأمثلة المتقدمة.

الكلام في بيع العين على المشاهدة السابقة

قوله: مسألة إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليها فان

404

اقتضت العادة تغيّرها عن صفاتها السابقة إلى غيرها المجهول عند المتبايعين فلا يصحّ البيع الّا بذكر صفات.

أقول: إذا شاهد العين في زمان سابق فهل يجوز بيعها أم لا؟

فيقع الكلام في مقامين،

الأول: في صحة البيع و عدمه، الثاني: في ثبوت الخيار مع التخلف و عدمه.

أما المقام الأول [أي في صحة البيع و عدمه]

فنقول انه تارة تقتضى العادة بعدم التغير، فلا شبهة في صحة و لا خلاف فيها كما إذا شاهدها قبل ساعة أو ساعتين فإن العادة جارية على بقائها على الحالة التي شوهد عليها كما إذا شاهد جارية قبل شهر فاشترها بعد الشهر، فإن العادة جارية على بقائها في تلك الحالة الأولية.

و اخرى أن العادة تقتضي عدم بقائها على الحالة الأولية كما إذا شاهد الجارية قبل أربعين سنة في سن عشرين و وجدها جميلة و قوية البصر و السمع على الخياطة و سائر الصنائع و بعد مضى الأربعين يريد أن يشتريها بتلك المشاهدة فإن العادة جارية على تغيرها قطعا و كونها عجوزة نهيبة بالية و ضعيفة البصر و قبيحة المنظرة، و هذا لا شبهة في بطلانه أيضا و كلاهما خارجان عن محل الكلام.

و انما مورد النزاع ما يشك في بقائها على تلك الحالة الأولية و عدم بقائها لعدم جريان العادة بشيء فيها فهل يجوز البيع هنا، عملا بالاستصحاب لكونه من الطرق العقلائية المتعارفة من غير ذكر شيء من الصفات أم لا؟ فقد حكم المصنف بالصحة للاعتماد على الأصل المذكور و قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ لعدم اعتبار الاستصحاب هنا لأن الأثر لم يترتب على الواقع، بل على إحراز الصفات كانت في الواقع أو لم تكن، فان

405

ارتفاع الغرر من آثار العلم بوجود هذه الصفات فاستصحاب بقاء الصفات لا أثر له.

و يرد عليه أنه مخالف لما بنى عليه في الأصول من قيام الأصول مقام القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي كليهما فح فلا مانع من ترتب الآثار المترتبة على إحراز الصفات كانت في الواقع أو لم تكن، و لكن الذي يرد على الاستصحاب أن الآثار هنا لا تترتب على الصفات الواقعية و لا على إحراز الصفات الواقعية أعني العلم بكون العين على الصفات التي شوهدت عليها و انما من اللوازم العقلية لإحراز الصفات الواقعية توافقت أم لا؟ و ذلك من جهة أن الأثر هنا هو عدم الغرر فهو من لوازم إحراز الصفات الواقعية لا من أثارها الشرعية و عليه فاستصحاب بقاء العين على صفاتها السابقة لا يثبت عدم الغرر الّا على القول بالأصل المثبت، و قد قلنا بعدم حجيته و على هذا فلا يصحّ البيع مع الاكتفاء على المشاهدة السابقة مع الشك في تغيرها و عدم تغيرها هذه هي الجهة الأولى.

الجهة الثانية: إذا قلنا بصحة المعاملة مع الاكتفاء بالرؤية السابقة

فإذا ظهر المبيع على خلاف ما شوهد سابقا فهل يحكم بالصحة بدون الخيار أو بالصحة مع الخيار للبائع، في صورة الزياد و للمشتري في صورة النقيصة أو يحكم بالبطلان وجوه، فذكر العلامة (ره) على ما نسب اليه أن البيع يكون باطلا.

فان كان غرضه من ذلك أن البيع انما يقع على الصفات و يبذل الثمن بإزائها كما هو ظاهر الكلام المنسوب اليه من أن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد فيرد عليه أنه قلنا مرارا أن الثمن لا يبذل بإزاء الصفات، حتى الصفات التي تعد في نظر العرف من الصفات النوعية كصفحة الرجولة و

406

الأنوثية و ان كانتا في الواقع من الاعراض و انما الأوصاف دخيلة في ازدياد الثمن و زيادة المالية في الموصوف و الذي يقع في مقابل الثمن انما هو الموصوف فقط و عليه فلا وجه للحكم بأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

نعم، لو كانت الأوصاف في الصور النوعية و وقع البيع بانيا عليها فظهر الخلاف فيكون البيع باطلا لعدم المبيع، فان ما وقع عليه العقد لم يبع و ما بيع لم يكن موجودا و هذا غير كون الثمن واقعا في مقابل الأوصاف.

و ان كان غرضه أن العقد مشروط بالشرط و هو الوصف الذي وقع عليه العقد لأن تخلّف الوصف بمنزلة تخلّف الشرط و مرجع كل منهما إلى الأخر، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.

و فيه أن فيه خلط واضح بين إطلاقي الشرط فإنه تارة يطلق و يراد منه ما هو جزء العلة و من أجزائها الناقصة فهو صحيح، فإنّ العلة لا تؤثر في المعلول الا بتمامية جميع اجزائها و لكنه غير مربوط بالمقام، فان العقد غير معلّق بذلك الوصف بحيث يكون الوصف المذكور من اجزاء علته، و الّا لبطل من غير ناحية انتفاء الشرط و هو قيام الإجماع على بطلان التعليق في العقود كما هو واضح.

و تارة يطلق و يراد ما به المقصود في باب المعاملات من اشتراط شيء في العقد من غير توقف العقد عليه وجودا و عدما بل هو التزام آخر في ضمن الالتزام العقدي فقد مر مرارا و سيأتي مفصّلا إنشاء اللّه تعالى أن انتفاء الشروط لا يوجب البطلان و انما يوجب ثبوت الخيار للمشروط له و كيف كان لا وجه لما احتمله العلامة (ره) من بطلان العقد مع ظهور المبيع على خلاف المشاهدة السابقة و يبقى احتمال الصحة بدون الخيار، و احتمالها مع الخيار و قد يقال بالصحة و اللزوم بدون الخيار، فان الوصف

407

الغير المذكور في متن العقد لا أثر له و ان وقع العقد مبنيّا عليه كالشروط البنائيّة التي لا توجب تخلّفها شيئا أصلا.

فأجاب عنه المصنف بأنه فرق بين الشروط التي تكون مأخوذة في العقد بدون الذكر و بين الشروط الخارجية التي لا تؤخذ في العقد الّا بالذكر فالأوصاف التي المرئية الدخيلة في صحة البيع من قبيل الأول فحكمها حكم الاشتراط في العقد كما لا يخفى.

و قد أوضحها شيخنا الأستاذ بأن الأوصاف و الشروط على أقسام أربعة:- الأول: أن يكون الوصف أو الشرط مذكورا في ضمن العقد و هذا لا إشكال في أن تخلفه يوجب الخيار.

الثاني: أن يكون مأخوذا في العقد بالارتكاز العقلائي و بالدلالة الالتزامية من غير أن يكون مذكورا في العقد و هو ما يكون بناء العرف و العادة نوعا عليه كاشتراط كون النقد نقد البلد و تساوى المالين في المالية و اشتراط عدم كونها معيبا و اشتراط التسليم و التسلم و اشتراط كون المعاملة نقدية و اشتراط كون التسليم و التسلم في بلد العقد فبانتفاء شيء من تلك الشروط يثبت الخيار للمشروط له و تسمى تلك الشروط بالشروط الضمنية فلا إشكال في أن تخلفها يوجب الخيار سواء ذكرت في ضمن العقد أم لا، فلو قال البائع بعد بيع الحنطة أنا أسلّمها في المزرعة الفلانية، فإن الحنطة فيها رخصة فلا يسمع بل يثبت الخيار للمشترى لتخلف الشرط الضمني.

الثالث: ما يتوقف عليه صحة المعاملة كالوصف الذي لو لا وجوده لزم منه الغرر مثلا كموضوع البحث و هذا و ان لم يكن من الأوصاف النوعية الّا أنّه داخل في كبرى الحكم فإن بانتفائه ينتفي العقد لأنه إذا فرض كونه مما

408

يتوقف عليه صحة المعاملة و من الشروط الراجعة إلى العوضين و فرضنا أن المتعاقدين أوقعا العقد مبنيّا عليه فلو لم يكن أولى من الالتزامات النوعية فلا أقل من كونه مساويا لها من حيث دخولها تحت الالتزامات، و بالجملة الشروط التي توقف عليها صحة العقد معتبرة في العقد و بانتفائها يبطل العقد سواء ذكر في العقد أم لا.

الرابع: الوصف الخارجي الشخصي الذي لا يعتبر في العقد الّا بالذكر فلا يكفى فيه مجرد البناء عليه من المتعاقدين حين البيع فلا يوجب تخلفه الخيار بوجه.

فتحصل أن الأوصاف التي وقع العقد بانيا عليها ان كانت من الأوصاف النوعية أو الأوصاف الشخصية الدخيلة في صحة العقد عليها فتخرج عن الشروط البنائية فتدخل في الالتزام العقدي فما نحن فيه من قبيل القسم الثالث الذي يتوقف عليه صحة العقد و ما لا يوجب تخلفه الخيار الّا بالشرط في العقد هو القسم الرابع أى الوصف الشخصي الخارجي الذي هو أجنبي عن العقد فلا يدخل فيه بالبناء عليه فتحصل أن العقد يصح مع الخيار فإذا تخلف عما هو عليه ثبت له الخيار.

و الحاصل: أنه إذا وقع العقد على المشاهدة السابقة فظهر الخلاف فهل يحكم بالصحة أو بالبطلان و مع القول بالصحة هل يكون صحيحا بدون الخيار أو معه، وجوه، فاختار العلامة البطلان، لان ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، و قد أجبنا عنه بأن الواقع قد قصد فان العقد وقع على الموصوف و هو المقصود و الالتزامات الشرطية غير الالتزامات العقدية، بل هي داخلة فيها فلا يوجب التخلف الّا بالخيار.

و أما القول بالصحة بدون الخيار فمن جهة أن الشروط الغير المذكورة

409

في متن العقد غير واجبة الوفاء فلا يوجب تخلفها الخيار.

و قد أجاب عنه الشيخ (ره) بأنه فرق بين الشروط التي يقع العقد بانيا عليها أى تسمى بشروط الصحة و بين الشروط الخارجية الشخصية فإنه على الأول يوجب التخلف الخيار دون الثاني.

و قد أوضحه شيخنا الأستاذ و حاصله أن ما يكون دخيلا في صحة العقد فوقع العقد بانيا عليه فيكون تخلفه موجبا للخيار نظير تخلف الشروط الخارجية المذكورة في ضمن العقد، بل الأول أولى بكونه مستلزما للخيار من الثاني.

و ما ذكره الشيخ و المصنف لا يخلو عن مناقشة صغرى و كبرى. أما الصغرى فلانه يصح البيع مع الاكتفاء بالرؤية السابقة إذا حصل الاطمئنان ببقاء العين على الأوصاف المرئية من غير أن يبنيان على بقائها على تلك الأوصاف و مع التخلّف يثبت لهما الخيار أما للبائع في فرض الزيادة و أما للمشتري في فرض النقيضة فلو كان البناء على الأوصاف السابقة مشروطا في صحة البيع و عدم البناء موجبا للبطلان، فلازمه بطلان البيع هنا مع أنه صحيح فالصغرى ليس بتمام.

و كذلك يصحّ البيع في هذه الصورة أي مع الاطمئنان بالأوصاف السابقة مع التبري من جميع ما يوجب الخيار مع أنه لو كان البناء على الأوصاف السابقة شرطا في صحة البيع لم يصحّ ذلك.

و كذلك لو أخبر البائع بأوصاف المبيع و حصل الاطمئنان للمشتري من قوله فاشترى اطمينانا عليه فإنه يصح البيع مع أنهما لم يبنيان على الأوصاف الدخيلة في صحة البيع و مع التخلف يثبت الخيار كما تقدم.

و كذلك يصحّ البيع مع الاطمئنان مع التبري من العيوب فإنه أيضا يصحّ

410

البيع مع أنه ليس هنا بناء على الأوصاف السابقة بل يصح البيع مع التبري حتى لو ظهر الخلاف لم يكن لهما الخيار أصلا فإن البائع أسقط الخيار رأسا بل جواز البيع مع التبري من العيوب منصوص فإنه مع الاطمئنان يصحّ البيع مع التبري منه كما سيأتي في باب الخيارات.

نعم هنا قسم ثالث فصحة البيع فيه من جهة البناء على الأوصاف الدخيلة، و هو أن يخبر البائع بكون العين حاوية للأوصاف المذكورة و لكن لم يحصل الاطمئنان من قوله على ذلك، فإنه ح إذا اشترى المشتري تلك العين فلا بد و أن يشتريها مع البناء على الأوصاف المذكورة و الّا بطل البيع للغرر و ليس للبائع ح التبري هنا و إسقاط الخيار، فإنه ح كما عرفت يكون البيع غرريا فما ذكره المصنف و شيخنا الأستاذ صحيح في هذه الصورة فقط و أما الصورتين الأولتين ليستا كك كما لا يخفى.

و أما من حيث الكبرى فلأنه لا نعقّل معنى الاشتراط شيء في العقد الّا كون العقد معلقا عليه أو مشروطا به أو كان الشرط ملحوظا بنفس، فإنه لا معنى للتقييد بوجه فإنه إنما يتصور إذا كان المبيع أمرا كليا و قابلا للتضييق و التقييد كأن يبيع الحنطة الكلية تارة على نحو الإطلاق و أخر يبيعها على نحو التقييد كأن يكون من المزرعة الفلانية و أما الأمر الجزئي فلا يعقل أن يكون مقيدا و مضيقا لان وجوده في الخارج آخر مرتبة من التضيق و عليه فاما ان يقال ان معنى الاشتراط ليس الّا لحاظ الشرط بنفسه فهو بديهي البطلان أو كان الشرط ملحوظا بنفسه فإنه أي معنى لقولك بعتك هذه الدار بشرط أن تلحظ هذا الشرط فإنه لا معنى لاعتبار ذات الشرط في العقد و كونه بذاته معتبرا فيه بان يلتزم بنفس الوصف لكونه أمرا غير اختياري كوصف الكتابة و الخياطة و نحوها فإن البائع لا يبيع

411

الشرط ليعتبر ذاته فيه و لا أنه يقابل بالثمن كما هو واضح.

أو أكون العقد معلقا على الشرط بحيث يكون إنشاء البيع على تقدير الشرط المعهود و الا لم يبع أصلا فهو تعليق مجمع على بطلانه.

و أما الثاني: فهو المطلوب فيكون معنى الشرط في العقد هو كونه مشروطا بشرط اى كون الالتزام العقدي منوطا بالالتزام الشرطي لا أن يكون دائرا مداره وجودا و عدما ليكون تعليقا بل بمعنى أن استمراره و البقاء عليه و الوقوف عليه يكون متوقفا على الشرط و يعبّر عنه في لغة الفارس (استادن) و هذا هو المعنى اللغوي للشرط كما ذكره في القاموس و من هنا يقال للحبل الذي يشد به العدلين على الإبل أو يمتد بين الجدارين أنه شريط.

و بالجملة معنى الشرط في العقود ربط الالتزام العقدي بالالتزام الشرطي من غير أن يتوقف أصل الالتزام العقدي بالالتزام الشرطي و يتوقف الوقوف إلى الأبد بالالتزام العقدي على وقوف المشروط عليه و بالالتزام الشرطي.

و هذا المعنى من الشرط جار في جميع الشروط فان غيره اما غير معقول أو غير صحيح سواء كانت الشروط مما يتوقف عليه صحة العقد أو من الشروط الخارجية الشخصية و عليه فجميع الشروط من واد واحد فلا وجه لجعل البناء على بعض الأوصاف شرطا و ان كان ذكر في بعضها الأخر معتبر، بل ان كان البناء شرطا فهو شرط في جميع الشروط و ان كان الذكر معتبر أو لازما و شرطا فهو كك في جميعها فلا معنى للفرق بينهما بوجه أصلا فضلا عن كون البناء شرطا في بعضها أولى من ذكر بعضها الأخر في العقد فالكبرى الذي ذكره المصنف و أوضحه شيخنا الأستاذ ليس بتمام.

412

و بالجملة فما ذكره المصنف من

كون البناء على الأوصاف الدخيلة في صحة البيع شرطا في صحة البيع فان البيع لا يصحّ الا مبنيا عليها و الّا فيكون باطلا دون الأوصاف الخارجية

فلا وجه له كما عرفت.

و الذي ينبغي أن يقال أنه لم يرد نص على اعتبار البناء على الأوصاف المذكورة شرطا في صحة العقد بل ان كان هنا ارتكاز عقلائي و التزام عرفي على اعتبار بعض الأوصاف في المبيع بحيث يدل عليها العقد بالدلالة الالتزامية و كونها معتبرة فيه فلا شبهة في اعتبارها فيه و كون تخلفها موجبا للخيار ككون المالين متساويين في المالية و كون التسليم و التسلم في بلد العقد و كون النقد نقد البلد و هكذا فان بناء العقلاء و ارتكازاتهم في أمثالها على كون العقد مشروطا بتلك الأمور و أمثالها سواء ذكرت في العقد أم لا و سواء بنى المتعاملان عليها أم لا، بل هي معتبرة في العقد حتى مع الغفلة عنها حين البيع فان الارتكاز قرينة قطعية على ذلك و قائمة مقام الذكر و هكذا في كل مورد قامت القرينة على ذلك و ان كانت غير الارتكاز العقلائي و الدلالات الالتزامية فيكون تخلفها موجبا للخيار.

و أما في غير تلك الموارد فان اشترط في متن العقد فمع التخلف يثبت الخيار و ان لم يذكر في العقد فالعقد لازم و غير مشروط بشيء سواء بناء المتعاملان عليها أم لا، إذ لم تقم قرينة على الاعتبار مع عدم الذكر كما لا يخفى.

413

لو اختلفا البائع و المشتري في تغير أوصاف المبيع

قوله (ره): فرعان:

الأول: لو اختلفا في التغير فادعاه المشتري.

أقول: لو وقع البيع على المشاهدة السابقة فوقع الخلاف بين البائع و المشتري حين القبض و الإقباض فقال البائع قد عاملنا عليها على هذه الصفة و كنت أنت عالما بها و ادعى المشتري أنها تغيّرت و لم أكن عالما بها مثلا إذا كان المبيع حيوانا فيقول المشتري أنه كان سمينا فيقول البائع أنه كان هزولا و وقع البيع عليه كك مع علم منك عليه.

فهل يقدم قول البائع أو قول المشتري فقد وقع الخلاف في تقريب أن الأصل مع البائع ليكون منكرا و يكون المشتري مدّعيا أو الأصل مع المشتري ليكون منكرا و البائع مدعيا و قد استدل على تقديم قول المشتري،

و دعوى كون الأصل معه بوجوه كلها مخدوشة كما ذكره المصنف.

الأول: ما ذكره ابن إدريس في السرائر من أن المشتري هو الذي ينتزع منه الثمن و لا ينتزل منه الّا بإقراره أو ببينة تقوم عليه،

انتهى و تبعه العلامة في أيضا في صورة الاختلاف في أوصاف المبيع إذا لم يسبقه برؤية، حيث تمسك بأصالة براءة المشتري من الثمن فلا يلزمه ما يتقربه أو يثبت بالبينة.

و أجاب عنه المصنف بأن يد المشتري على الثمن بعد اعترافه بتحقق الناقل الصحيح يد أمانة غاية الأمر أنه يدعى سلطنته على الفسخ فلا ينفع تشبثه باليد، و يؤيد ما ذكره أنه لو أسقط خياره بالفعل الذي يدعيه كان البيع لازما.

ثم قال الا أن يقال أن وجود الناقل لا يكفي في سلطنة البائع على

414

الثمن بناء على ما ذكره العلامة في أحكام الخيار من التذكرة و لم ينسب خلافه الّا الى بعض الشافعية من عدم وجوب تسليم الثمن و المثمن في مدة الخيار و ان تسلم الأخر و ح فالشك في ثبوت الخيار يوجب الشك في سلطنة البائع على أخذ الثمن فلا مدفع لهذا الوجه إلا أصالة عدم سبب الخيار لو تم كما سيجيء.

و قد فرق الأستاذ بين الخيارات الزماني المجعول لذي الخيار إرفاقا و بين غيرها فحكم بتمامية القول بتقديم قول المشتري في مقام الاختلاف في الأول دون الثاني و حمل كلام العلامة على الأول، و ذكر أن المصنف و ان أورد عليه بقوله انى لا أجد لهذا الحكم وجها معتمدا و لم أجد من عنونه و تعرض لوجهه الّا أنه يظهر منه في خيار المجلس الحكم مفروغا عنه فقال ما حاصله أنه لو قلنا بوجوب التقابض في عقد الصرف و السلم فثمرة الخيار واضح، و هي عدم وجوب التقابض حيث استظهر من كلامه عدم وجوب التقابض و التسليم و التسلم في موارد خيار المجلس فكأنه مسلم في كل مورد لم يجب التقابض و انما أنكر شيخنا الأستاذ عدم تمامية المطلب في المقام لعدم كونه من الخيارات الزمانية و لذا حمل كلام العلامة على غير المقام من خيار المجلس، و ما يكون الخيار بالشرط في زمان.

و الحاصل أن شيخنا الأستاذ تسلم عدم وجوب التسليم و التسلم في زمن الخيار لكن لا فيما نحن فيه، بل في الخيارات زمانة، و أما في مثل المقام فحكم بعدم جواز المنع عنهما.

أقول: لو سلّمنا ثبوت الخيار في معاملة فلا يدلّ ذلك على جواز منع ذي الخيار عن تسليم الثمن أو المثمن بل له اعمال الخيار فقط في فسخ العقد و بعد ما فسخ العقد له المنع عن تسليم العوض و أما قبل اعمال

415

الخيار فلا يجوز له المنع عن التسليم، فإنه تصرّف في مال الغير بدون اذنه فهو حرام، فما ذكره العلامة (ره) من عدم نسبة الخلاف الّا الى بعض الشافعية من عدم وجوب تسليم الثمن و المثمن في مدة الخيار لا يمكن تصديقه.

و كذلك لا وجه لما ادّعاه الأستاذ من التفصيل فإنه مجرّد الدعوى و دعوى التسالم عليه محالة مضافا الى عدم حجيته و كونه مخالفا للقواعد من حرمة التصرف في مال الغير إلّا باذنه.

و العجب منه (ره) حيث استظهر من كلام المصنف اختياره ذلك من التعبير بلو بمعنى أنه مع القول بوجوب التقابض في عقد الصرف و السلم فأثر الخيار واضح أى لكل ذي خيار أن لا يسلم الثمن أو المثمن فيعلم من هذه العبارة أن في موارد الخيار الزماني لا يجب التسليم و التسلم و لذا ذكر المصنف أنه لو قيل بوجوب التقابض فأثر الخيار ظاهر فإنه يهدم الوجوب و يرفعه.

و وجه العجب أن مورد كلام المصنف أجنبي عن المقام فإنه محل للتعبير بلو فإنه لا تحصل الملكية قبل التقابض أصلا و لذا حكم المصنف بعدم وجوب التقابض مع الخيار لعدم حصول الملكية قبل التقابض فأن التقابض مقدّم للملكية فكيف تحصل الملكية بدونه و هذا بخلاف المقام فإن الملكية قد حصلت غايته فلذي الخيار فسخها، و أما الممانعة عن التسليم فلا، لما عرفت من كونه تصرفا في مال الغير فهو حرام على أن دليل أخص من المدعي فإنه انما يتم فيما إذا كان الثمن في يد المشتري و أما إذا كان دينا في ذمة البائع فسقط بالمعاملة أو عينا مستأجرة أو عارية في يده أو مغصوبة، فإنه في هذه الصور ليس للمشترى يد على الثمن حتى يقال أنه لا ينتزع منه الّا بالبينة

416

أو بالإقرار و قد تقدم أيضا عدم بطلان العقد بتخلف الوصف سواء كان العقد مشروطا به أو المبيع مقيدا به، بل غاية الأمر يثبت الخيار للمشروط له فلا وجه على كل حال لبطلان العقد.

الوجه الثاني: أن البائع يدعي علمه بالمبيع على هذه الوصف الموجود و الرضا به و الأصل عدمه

و قد استدل بهذا العلامة في التذكرة و أشكل عليه المصنف أولا بإمكان قلب الدعوى بأن يجعل المشتري مدّعيا و البائع منكرا بدعوى أن الأصل عدم علم المشتري بالوصف الآخر كما إذا فرضنا أن البائع يقول بعتك هذا الحيوان بهذا الوصف الهزال مع علمك به و المشتري يقول اشتريت منك هذا مع وصف السمن فحيث انه يدعى وصف السمن فيكون مدّعيا و الأخر يكون منكرا أي البائع.

و ثانيا: أن علم المشتري بوصف الهزال أو وصف السمن مسبب عن وجود هذا الوصف فيه، و عدمه فيه سابقا، فإذا نفينا وجود الوصف بالأصل فلا تصل النوبة إلى أصالة عدم علم المشتري أو البائع بشيء من تلك الأوصاف و قد ناقش شيخنا الأستاذ في الجواب الثاني، و لكن تسلم الجواب الأول.

و الظاهر أن كل ذلك خارج عن المقام فان ما هو المقصود في المقام هو اشتراط العقد بشيء و عدم اشتراطه به، و كك تقيد المبيع و عدم تقيده فإجراء أصالة عدم علم كل من المشتري أو البائع بوصف الهزال أو السمن خارج عن حدود المقام فلا يقيدنا بوجه الّا على القول بالأصل المثبت فان لازم عدم علم المشتري بوصف الهزال هو كون العقد مقيدا بوصف السمن مثلا و كذلك لازم عدم علم البائع بوصف السمن كون وصف الهزال قيدا للمبيع و شرطا للعقد و الحاصل أن العلم بالوصف و عدمه إياه خارج عن المقام أصلا.

417

و أما دعوى السببية و المسببية فهو أعجب من ذلك فإنه لا يفيدنا مجرّد السببيّة و المسببية في جريان أصليهما و لا يمكن رفع موضوع الأصل المسببي بالأصل السببي بمجرد صدق الاسم، بل لا بدّ من كون الأثر شرعيا، أى ارتفاع المسببي أثرا شرعيا للأصل السببي ففي المقام أن عدم العلم بالوصف ليس من آثار عدم وجود الوصف شرطا الّا باللوازم العقلية كما هو واضح فلا مرتفع لمنع الأصل المسببي بالسببى، نعم إذا كان الأثر مترتبا على العلم فيصح ذلك كما هو كك في مورد خيار العيب حيث ان الخيار انما يثبت مع العلم بالعيب فمع نفى العلم بالعيب يرتفع الخيار و أما في المقام فالأثر مترتب على اشتراط العقد و تقييده فأصالة عدم علم أحدهما بالوصف لا يترتب عليه أثر الا على القول بالأصل المثبت.

و بالجملة أن ما افاده من الأول إلى الأخر لا يمكن المساعدة عليه.

الوجه الثالث: أن الأصل عدم وصول حق المشتري إليه كما استدل به المحقق الثاني.

و قد أجاب عنه المصنف بان حق المشتري من نفس العين قد وصل اليه قطعا و لذا يجوز له إمضاء العقد و ثبوت حق له من حيث الوصف المفقود غير ثابت فعليه الإثبات و المرجع أصالة لزوم العقد، ثم قال و لأجل ما ذكرنا قوى بعض تقديم قول البائع.

و قد أجاب المصنف عن أصل مسألة الاختلاف بما حاصله أن بناء المتعاقدين حين العقد على الأوصاف الملحوظة حين المشاهدة هل هو (أى البناء) كاشتراط تلك الأوصاف في العقد بحيث تكون كالشروط المضمرة في نفس المتعاقدين أو أن تلك الأوصاف مأخوذة في نفس المعقود عليه بأن يكون المبيع مقيدا و لذا لا يجوز إلغائها في المعقود عليه كما يجوز إلغاء غيرها من الشروط في العقد.

418

فعلى الأول: يرجع النزاع في تقيد المبيع بالوصف و عدم تقيده به الى النزاع في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود حين التسليم و المرافعة على البائع و عدم اشتراطه عليه و اذن فالأصل مع البائع لأصالة عدم الاشتراط.

و على الثاني: فيرجع النزاع الى وقوع العقد على ما ينطبق على الشيء الموجود حتى يلزم الوفاء و عدمه و الأصل عدمه، و لكن الظاهر هو الثاني فإن المراد من لحاظ الوصف في المبيع هو إيقاع العقد على العين الملحوظ كونه متصفا بهذا الوصف و ليس هنا عقد على العين و التزام بكونه متصفا بذلك الوصف بحيث يكون هنا التزام آخر غير الالتزام العقدي، بل هو قيد ملحوظ في المعقود عليه نظير الاجزاء المأخوذة في المبيع، و اذن فالأصل مع البائع كما ذكرناه.

ثم أورد على نفسه بأن أصالة عدم وقوع العقد على ما يدعيه المشتري معارضة بأصالة عدم وقوع العقد على الشيء الموصوف بالصفة المفقودة فلا يكون أثر للأصل في طرف البائع.

و أجاب عنه بأنه لا يلزم من عدم تعلقه بذلك تعلقه بهذا و قد تقرر في الأصول أن إثبات أحد الضدين بنفي الضد الأخر من الأصول المثبتة.

و بالجملة أن مرجع النزاع الى رجوع الموصف الى الاشتراط ليكون النزاع في مفاد ليس أو كان الناقصين أو الى التقييد ليكون النزاع في مفاد لبس أو كان التأمين.

و تحقيق الكلام يقع في جهتين الأولى: من حيث الكبرى من انه يقدم قول البائع في صورة الاختلاف فيما وقع عليه العقد أو يقدم قول المشتري، الثانية: من حيث الصغرى و هو أن المقام من قبيل التقييد أو الاشتراط.

أما الجهة الاولى: فلا شبهة أن كل من يدعى الاشتراط فبأصالة عدم

419

فبأصالة عدم الاشتراط ننفيه فيكون الأصل مع الأخر لأن الأصل عدم تقيّد العقد بشرط و على هذا فلو ادعى كل منهما الاشتراط فيجري الأصل في كلا الطرفين، فيكون المورد من قبيل التداعي و لا يفرق في ذلك بين أن يدعى كل منهما الاشتراط مع الاعتراف بجامع واحد أم لا، مثلا إذا باع أحد حيوانا من شخص ثم اختلفا، فقال البائع انه كان مهزولا و قال المشتري أنه كان سمينا فإن الأصل يجري في كل منهما فيكون المورد من قبيل التداعي.

و كذلك إذا ادعى البائع المبيع ثوب و ادعى المشتري أنه حيوان، أو ادعى البائع أن المبيع عبد و ادعى المشتري أنه جارية فإن الأصل في ذلك كله عدم وقوع البيع بكل منهما فيكون من قبيل التداعي هذا كله إذا كان يدعى كل منهما الاشتراط.

و بالجملة ان كل من يدعى شرطا على الأخر من المتبايعين، فالأصل عدمه كما ذكره المصنف، فان كان المدعى أحدهما فقط فيكون الأصل مع الأخر و ان كان كليهما مدّعيا اما مع الاتفاق على المبيع أو مع الاختلاف فيه، فالمورد هو مورد التداعي كما لا يخفى.

و أما إذا كان أحدهما يدعي الإطلاق و الأخر يدعى التقييد بان يدعى البائع كون المبيع حنطة كلية و يدعى المشتري كونه من حنطة المزرعة الفلانية فالظاهر هنا أيضا هو تعارض الأصول حتى بناء على جريان العدم الأزلي في ناحية المقيد و تحقيق ذلك أنك قد عرفت في علم الأصول في مبحث التعبدي و التوصلي و غيره أن الإهمال في الواقع مستحيل فلا بدّ و ان يكون الملحوظ اما مطلقا أو مقيدا، و على كل تقدير فكل منهما أمر وجودي في مقام الثبوت و محتاج الى اللحاظ و ان الإطلاق في مقام الإثبات أمرا عدميّا و هو عدم التقييد و على هذا فيكون الأصل في كل من الإطلاق و

420

التقييد جاريا و نافيا له فيقال انّ العقد حين ما وجد فالأصل عدم وجوده مطلقا و كذا أن الأصل عدم وجوده مقيّدا فيكون المورد أيضا من قبيل التداعي اما لاستصحاب العدم المحمولي فواضح، فيقال الأصل عدم اتصاف العقد بالإطلاق، و كذلك في الأخر أن الأصل عدم اتصافه بالتقييد فيتعارضان، و أما استصحاب العدم الأزلي النعتي فكك فإنه يقال الأصل عدم الوجود العقد حينما وجد مطلقا و كذلك في طرف التقييد أن الأصل عدم الوجود العقد حينما وجد مقيدا فيقع التعارض بينهما كما هو واضح.

و إذا فيحكم بالانفساخ.

و أما الكلام من حيث الصغرى فنقول قد تقدم الكلام في ذلك أن القيود إنما تجري في مورد يكون المقيد قابلا للتقيد و التضييق و عليه فمحط القيود بأجمعها هو الأمور الكلية القابلة للتضييق بحيث كلما قيّدت زادت تضييقا و كلما برئت من القيود زادت توسعة و أما الأمور الجزئية فليست قابلة للتضييق أصلا، إلّا باعتبار الحالات كأن يقول ان كان هذا زيدا فأكرمه فان التشخص الخارجي و الوجود فيه آخر مرتبة من التضييق و التقييد فلا مرتبة له فوقه و عليه فكلما ذكر من القيود للمبيع الشخصي فلا بدّ من إرجاعها إلى الشروط و قد تقدم قبيل هذا أن لحاظ الأوصاف و الشروط بذاتها مع قطع النظر عن أن تكون ربطا بين الشرط و المشروط لا معنى له، فلا معنى لكون الشرط هو لحاظ القيد فقط و إرجاعها إلى المبيع لا معنى له لما عرفت من عدم قابلية الأمور الجزئية للتقييد و إرجاعه إلى نفس البيع بحيث يبيع على تقدير كونه من حنطة المزرعة الفلانية و الّا فلا يبيع فهو باطل إجماعا لقيامه على بطلان التعليق في العقود.

فلم يبق الّا الاشتراط أى كون الالتزام العقدي مشروطا بالتزام آخر و

421

مربوطا به كما هو معنى الشرط فتحصّل أن مقتضى القاعدة هو الاشتراط، دون التقييد.

و بالجملة أن فائدة التقييد في الأمور الكلية ظاهرة و هي تضييق دائرة الكلى و إسقاطه عن التوسعة و أما في الأمور الجزئية فلا معنى للتقييد بوجه و اذن فاما يرجع القيد الى الصور النوعية فهو تعليق البيع على وجود المبيع فلا اشكال فيه لما عرفت أن التعليق بأصل وجود المبيع لا محذور فيه.

و أما أن يرجع الى المبيع على نحو التضييق الدائرة فقد عرفت أنه لا معنى له.

و أما أن يرجع الى البيع و تعليقه على الشرط و هو تعليق باطل و اما أن يكون بنفسه ملحوظ فلا معنى لما عرفت أنه لا معنى لكون الاشتراط بمعنى لحاظ الشرط فلا مناص من إرجاعه إلى الاشتراط خلافا لجميع الاعلام حيث أرجعوا الوصف الى التقييد دون الاشتراط.

و كان الكلام في العين الشخصي إذا وقعت المعاملة عليها ثمّ اختلف البائع و المشتري في تغيرها و عدم تغيرها و قلنا أنه لا معنى لكون اعتبار الوصف في المبيع بمعنى الالتزام بذات الوصف فإنه أمر غير اختياري للبائع بأن يبيع العبد ملتزما بكونه كاتبا و خياطا و نجارا أو باع الحنطة و التزم بأنه من المزرعة الفلانية و هكذا و على هذا فيدور الأمر في اعتبار الوصف في المبيع بين تعليق البيع به أو تعليق الخيار به و اما تعليق البيع به فتارة يكون راجعا الى التعليق بالصور النوعية فهذا لا محذور فيه فان مرجعه الى التعليق بأصل وجود المبيع فهو خارج عن معقد الإجماع القائم على بطلان التعليق في العقود و أخرى يكون من قبيل التعليق

422

بالأوصاف الخارجية كأن باع إذا كان المبيع متصفا بوصف كذا بان يكون كاتبا أو كانت الحنطة من المزرعة الفلانية و نحو ذلك فهذا لا إشكال في بطلانه لكونه من التعليق الذي كان باطلا بالإجماع.

فلم يبق في البين الّا تعليق الخيار على الوصف الذي اعتبر في المبيع بان باع العين و التزم بالالتزام العقدي مشروطا بكون الثمن كذا أو اشترى المشتري العبد و التزم بالالتزام العقدي مشروطا بكونه كاتبا أو من الأرز الفلاني أو بكون الحنطة المزرعة الفلانية و نحو ذلك.

فاتضح من ذلك أن مرجع اعتبار الوصف في المبيع الى الاشتراط و عليه فإذا شك في اشتراط وصف أو شرط في العقد فمرجع النزاع الى اشتراط الخيار فيه، فالأصل عدمه و على هذا فلو ادعى المشتري كون العين المبيعة متغيرة و غير باقية على ما شوهد عليه و أنكره البائع فمرجعه إلى أنه هل جعل للمشترى خيار في هذا العقد أم لا، فالأصل عدمه و اذن فالأصل مع البائع و من هنا ظهر أنه لا اشكال للتمسك بأصالة اللزوم اى استصحاب بقاء كل من الثمن و المثمن على ملك صاحبه و عدم كون العقد خياريا لا أصالة اللزوم المستفاد من العمومات فإنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لأنا نشك في دخول المورد الذي نشك في كونه خياريا أم لا، داخلا تحت العمومات الدالة على اللزوم أو أدلة خيار الشرط، فإثبات اللزوم بالعمومات تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

فلا مجال بعد ما نقحناه لما أفاده المصنف (ره) من حكومة أصالة عدم وصول حق المشتري عليه على أصالة اللزوم و تطويل الكلام في ذلك و في عدم صحة التمسك بأصالة اللزوم نقضا.

قوله: و لو ادعى البائع الزيادة الموجبة لخيار البائع.

423

فمقتضى ما ذكرنا في طرف المشتري تقديم قول البائع لأن الأصل عدم وقوع العقد على هذا الموجود حتى يجب عليه الوفاء به.

أقول: هذا هو عكس ما تقدم الكلام فيه و توضيح ذلك أنه لو ادعى البائع أن العين صارت بعد المشاهدة سمينة و أنكره المشتري و قال انها كانت سمينة من الأول فقد ظهر من جميع ما تلوناه عليك أن القول قول البائع فإن مرجع دعوى كون العين متغيرة من حالة الهزالة بعد المشاهدة و ضرورتها سمينة إلى دعوى ثبوت الخيار للبائع، فالأصل عدمه و أن العقد غير خياري أو أن الأصل بقاء العين على الوصف السابق فلا يفرق في ترتب ما نريده من الأثر بين استصحاب بقاء العين على الوصف الذي شوهد و بين الاستصحاب عدم السمن كما تقدم في عكسه، و عليه فالمرجع إلى أصالة اللزوم أي قاعدة اللزوم المتقدمة لا الرجوع الى العمومات الدالة على اللزوم فإنه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

و من هنا ظهر أن ما ذكره المصنف هنا أيضا لا يتم.

قوله (ره): الثاني لو اتفقا على التغير بعد المشاهدة و وقوع العقد على الوصف المشاهد

و اختلفا في تقدم التغير على المبيع ليثبت الخيار و تأخره عنه على وجه لا يوجب الخيار تعارض كلّ من أصالة عدم تقدم البيع و التغير.

أقول: كان الكلام في المسألة السابقة في اختلاف البائع و المشتري في أصل التغير و في هذه المسألة كلامنا في اختلافهما في كونه بعد البيع أو تسالمهما على أصل التغيّر.

فنقول: إذا اختلفا البائع و المشتري في ذلك فقال المشتري أن العين صارت مهزولة بعد المشاهدة و قبل البيع فلي الخيار في فسخ العقد لتخلف

424

الوصف لحصول التغير في ملك البائع و قال البائع انّ الفرس الذي هو مبيع و ان صار مهزولا الّا أن الهزال قد حصل بعد البيع فليس لك للمشترى الخيار، سيأتي الكلام في باب الخيارات إنشاء اللّه تعالى أن تخلف الأوصاف و تغيرها قبل القبض هل تحسب على البائع لعموم قاعدة التلف قبل القبض من مال البائع بحيث يقال ان الأوصاف أيضا ملك للبائع بتبع العين فإذا تلف كان على البائع أو أن تلف الأوصاف تابع للملك و من الواضح أن العين ملك للمشترى فتلف الأوصاف يحسب عليه غاية الأمر أن تلف العين يحسب على البائع قبل القبض لورود النص عليه.

و بعبارة أخرى ان كان التلف قبل القبض من مال البائع حكما ثابتا على خلاف القاعدة بالنص فلا بد من الاقتصار على مورده فلا يتعدّى الى تلف الأوصاف، و ان كان على طبق القاعدة فيكون تلف الأوصاف أيضا على البائع فكيف كان فسيأتي تفصيل ذلك في باب الخيارات.

فعلى القول بتسرية القاعدة إلى تلف الأوصاف فلا ثمرة للنزاع في أن التغيّر حصل قبل القبض أو بعده و على القول بعدم التسرية كما هو الحق لعدم المقتضي للتسرية فلا بد من النزاع في ان التغير حصل قبل العقد أو بعده و كيف كان فذكر المصنف (ره) أن هنا أصلان حادثان أحدهما وقوع البيع و الثاني حصول الهزال، و لكن لا يعلم السابق منهما و لم يعلم تاريخ الحادثان أن أيّا منهما مقدم و أن أيّا منهما متأخر، فحيث أن مرجع الأصلين إلى أصالة عدم وقوع البيع حال السمن مثلا و أصالة بقاء السمن و عدم وجود الهزال حال البيع، و الظاهر أنه لا يترتب على شيء منهما الحكم بالجواز و اللزوم لأن اللزوم من أحكام وصول ما عقد عليه و انتقاله إلى المشتري و أصالة بقاء السمن لا يثبت وصول السمين كما أن أصالة عدم

425

وقوع البيع حال السمن لا ينفيه فالمرجع إلى أصالة عدم وصول حق المشتري إليه كما في المسألة السابقة فلا فرق بين المسألتين من حيث النتيجة.

نعم الفرق بينهما هو أن الشك في وصول الحق هناك ناش عن الشك في نفس الحق و هنا ناش عن الشك في وصول الحق المعلوم.

و بعبارة أخرى الشك هناك في حقه الواصل و هنا في وصول حقه، فمقتضى الأصل في المقامين عدم اللزوم و عدم وصول حق المشتري اليه و من هنا ظهر الحال لو كان مدعى الخيار هو البائع.

أقول: لا حق للمشترى غير ذات المبيع الذي وصل اليه حتى نشك في وصوله اليه فتمسك بأصالة عدم وصوله اليه فيكون حاكما على أصالة اللزوم، و عليه فدعوى المشتري كون العين مهزولة بعد المشاهدة و قبل البيع أو قبل القبض يرجع الى دعوى الخيار لنفسه في العقد لكون العين مهزولة فالأصل عدمه و أن العقد ليس بمشروط بشيء و اذن فأصالة اللزوم محكمة أي بمعنى استصحاب بقاء الثمن في ملك البائع و بقاء المثمن في ملك المشتري و كون لازما و عدم ثبوت الخيار فيه المسمى بقاعدة اللزوم لا أن المراد منها هو التمسك بالعمومات الدالة على اللزوم لكون الشبهة مصداقية.

و من هنا ظهر حكم ما لو انعكس الأمر بأن ادعى البائع الخيار على نفسه بأن ادعى كون العين مهزولة حين المشاهدة و سمينة بعدها و قبل البيع فله الخيار و من هنا ظهر أيضا أن الأصل عدم الخيار للبائع و عدم كون العقد مشروطا بشرط فتكون أصالة اللزوم محكمة كما لا يخفى.

[لو اختلفا في تقدم التلف على البيع و تأخره عنه]

قوله: و لو وجد المبيع تالفا بعد القبض فيما يكفي في قبضه التخلية.

أقول: إذا اختلف البائع و المشتري في العين المشاهدة بعد التلف فقال البائع أنها تلفت بعد القبض و قال المشتري أنها تلفت قبل القبض

426

فالتلف عليك لان التلف قبل القبض من مال البائع فحكم المصنف بأن الأصل بقاء ملك المشتري على الثمن لأصالة عدم تأثير البيع.

أقول: و لم يتعرض المصنف بالاستصحابات الموضوعية أنها تجري أو لا تجرى و مع الجريان أنها معارضة أم ليست بمعارضة، بل اقتصر على الاستصحاب الحكمي.

و لكن شيخنا الأستاذ حكم بأن الأصول الموضوعية الجارية لكل واحد من المتبايعين مع كونها مثبتة معارضة بالمثل في مجهولي التاريخ و الجاري لأحدهما فيما إذا كان أحد الحالتين بالخصوص مجهولة مثبت فيشك في تأثير البيع فتصل النوبة الى الأصل الحكمي و هو بقاء الثمن في ملك المشتري أقول: تحقيق الكلام في موردين:- الأول: فيما تحقق القبض في الخارج أو ما في حكم قبضه كقبض الوكيل قبل البيع كأن يعير البائع ثوبا من المشتري و جعله أمانة عنده أو كان ثوب مستأجرا له ثم باعه منه و وجداه تالفا فاختلفا في تقدم التلف على البيع و كون البيع باطلا لانه وقع على الشيء المعدوم و قال البائع أن التلف بعد البيع في غير زمن الخيار فوقع البيع حين وجوده على الشيء الموجود.

الثاني: ما لم يتحقق قبض في الخارج أو في حكم قبض المشتري كقبض وكيله و لكن تحقق التخلية بين البائع و بين العين فيما يكفي في قبضه التخلية كتسليم مفتاح الدار و إلقاء عنان الفرس إلى المشتري بحيث لم يكن مانع من أخذ المشتري و تسلطه على المبيع ثم اختلف البائع و المشتري فقال البائع أنها تلفت بعد البيع، و قال المشتري أنها تلفت قبل البيع.

أما الكلام في المقام الأول: فالحق فيه ما ذكره المصنف (ره) من التمسك بالاستصحاب الحكمي و بيان ذلك أنه لا مانع من جريان استصحاب بقاء

427

المبيع الى زمان البيع فالحكم بوقوعه على المبيع الموجود و الحكم بصحة البيع لأنه كسائر الموضوعات المركبة التي ثبت أحد جزئها بالأصل، و الأخر بالوجدان، فان البيع هنا في زمان الوجدان كما هو المفروض لاتفاقهما عليه و الجزء الأخر أعني وقوع البيع على الشيء الموجود محرز بالأصل فيحكم بصحة البيع و يلزم المشتري بإعطاء الثمن و نظير ذلك ما إذا شك في بقاء العبد و موته فإنه لو عتقه يصح عتقه و يكفى عن الكفارات فان بقائه إلى زمان العتق محرز بالأصل و العتق محرز بالوجدان و هكذا و هكذا و لكنه معارض بأصل آخر و هو أصالة عدم وقوع البيع على المبيع الموجود الى زمان التلف فهذا الأصل و ان لم يثبت وقوع البيع على المبيع المعدوم الّا على القول بالأصل المثبت و لكن هذا المقدار يكفي في ترتب الأثر و هو عدم تحقق البيع على الموجود.

و اذن تصل النوبة الى الأصل الحكمي و هو استصحاب بقاء الثمن في ملك المشتري و عدم تحقق ما يخرجه عن ملكه كما هو واضح.

ثم ان تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي إذا قلنا بعدم جريانه في مجهولي التاريخ على الخلاف بيننا و بين صاحب الكفاية و كذلك إذا قلنا بجريانه فيهما معا فيما إذا كان التاريخ أحدهما معلوما و الأخر مجهولا و لكن يسقطان بالمعارضة كما اختارناه في علم الأصول و قلنا ان الاستصحاب يجري في كل من معلومي التاريخ و مجهوله معا و لكن يسقطان بالمعارضة.

و أما على مسلك الشيخ و الأستاذ من التفصيل بين معلومي التاريخ و اختصاص جريانه بالمجهول فقط دون المعلوم فلا يقع التعارض و لا يسقطان بالمعارضة لأنه فرع جريانهما معا و على الاجمال فلا بدّ لهما من التفصيل في المقام كما هو مبناهما في الأصول.

428

و أما المقام الثاني فهو ما تحققت التخلية في الخارج فيما يكفي في قبضه التخلية كتسلم مفتاح الدار أو البستان و إلقاء عنان الفرس أو الثوب إلى المشتري و تلفت العين ثم اختلفا في كون التلف قبل البيع أو بعده ففي المقام على جميع التقابر من جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ و عدم جريانه كما هو محل الخلاف بيننا و بين صاحب الكفلية و من جريانه في ما إذا كان أحدهما معلوما و الأخر مجهولا و سقوط الأصلين بالمعارضة كما عليه المبنى أو قلنا بعدم جريانه في معلوم التاريخ و جريانه في مجهول التاريخ كما هو مذهب المصنف و شيخنا الأستاذ في مبحث الأصول فلا يترتب على شيء منها أثر بحيث يحكم بصحة البيع على المشتري و يلزم المشتري على إعطاء الثمن.

و الوجه في ذلك كله أن غاية ما يترتب على جريان الأصل هو صحة العقد و البيع و هو لا يفيد الّا مع تحقق القبض فالأصل عدمه.

و بعبارة أخرى ففي هنا أمور ثلاثة التلف و البيع و القبض و إذا أثبتنا وقوع البيع على المبيع قبل التلف على الترتيب المتقدم من إثبات عدم التلف الى زمان البيع بالأصل و وقوع البيع عليه بالوجدان و لكن لا يكفى ذلك بدون تحقق القبض فإن أصالة عدم تحققه محكمة كما هو واضح.

و حاصل الكلام أنك عرفت ان الكلام يقع في مقامين: الأول: مع تحقق التخلية من البائع فيما يكفى قبضه التخلية، و قلنا ان المرجع فيه أصالة عدم تحقق القبض و بقاء مال المشتري في ملكه فلا يترتب أثر على استصحاب بقاء المبيع الى زمان البيع و إثباته في الخارج بالأصل و الوجدان، فان تحقق البيع لا يثبت تحقق القبض الا على القول بالأصول المثبتة على ان تحقق البيع أيضا مشكوك فان المتحقق بالوجدان هو تحقق الإنشاء كما سيأتي.

429

و أما الجهة الثانية: فقلنا ان الأصول بناء على جريانه في مجهولي التاريخ و فيما إذا كان تاريخ أحدهما معلوما و تاريخ الأخر مجهولا، معارضة فتصل النوبة إلى أصالة بقاء مال المشتري في ملكه كما ذكره المصنف (ره) و ذكرنا أيضا ان جريان الأصل في كل من معلوم التاريخ و مجهوله موقوف على النزاع في الأصل يجري فيهما معا كما اخترناه في محله أو في مجهول التاريخ فقط كما اختاره شيخنا الأنصاري فعلى ما اخترناه تصل النوبة الى الأصل الحكمي من أصالة بقاء الثمن في ملك المشتري و على مسلك المصنف فلا بد من التفصيل فان كان البيع معلوم التاريخ و التلف مجهول التاريخ، فنستصحب عدم التلف الى زمان البيع فنحكم بالصحة كما تقدم و على تقدير كون التلف معلوم التاريخ فالبيع مجهول التاريخ فنحكم بجريان الاستصحاب في البيع فنقول الأصل عدم وقوع البيع الى زمان التلف فينتج البطلان، فلا يمكن الحكم بكون الأصل بقاء مال المشتري في ملكه.

هذا و لكن نقول اليوم خلافه و أن الاستصحاب لا يجرى مطلقا، فان جواز البيع و عدم جوازه أي إمضائه و عدمه من الأحكام الشرعية فلا ربط له بوقوعها في الخارج بفعل المتبايعين.

و أما أصل وقوع البيع فمفهوم البيع أعنى اعتبار ملكية كل من العوضين لكل من المتبايعين و إظهاره بمبرز في الخارج بحيث يرى العرف و العقلاء بيعا في اعتبارهم أمر وجودي محقق بوجوده الاعتباري و الإنشاء على انفراده ليس بيعا و انما هو مظهر للبيع و مبرز له و مخبر عن الاعتبار النفساني و من الواضح أن العقلاء انما يعتبرون البيع فيما إذا كان للمبيع وجود خارجي أو كليّا بحيث اعتبر العقلاء ملكيته و صحة وقوع البيع عليه في اعتبارهم و مع عدمه فلا يتحقق مفهوم البيع أصلا فإنه لا معنى لبيع المعدوم.

430

و بعبارة أخرى أن وجود المبيع دخيل فتحقق البيع في اعتبار العقلاء فمع العلم بعدم البيع لا يقع عليه البيع فإنه من قبيل المعدوم فلا يعتبرون البيع الواقع على المعدوم بيعا في نظرهم و ما اعتبره البيع في نفسه و أظهر بالمظهر الخارجي لغو محض فإنه صورة اعتبار البيع لا أنه بيع حقيقة فأنا و ان قلنا أن البيع متقوم بأمرين أحدهما الاعتبار النفساني و الثاني إظهاره بمظهر خارجي و لكن ذلك انما يتحقق مع وفق الاعتبار لما في الخارج و وجود المطابق له في الخارج، و على هذا فلو شككنا في تحقق البيع من جهة الشك في وجود المبيع حين البيع فالأصل عدمه.

و تحقق الإنشاء و ان كان مسلّما و لكنه ليس ببيع و ح فالحكم هو أصالة بقاء الثمن في ملك المشتري كما أفاد المصنف (ره) و من هنا ظهر الحكم في سائر العقود و الإيقاعات فإذا شك في موت العبد و بقائه و أعتقه فلا يصح تصحيح العتق باستصحاب بقاء العبد الى زمان العتق و وقوع العتق عليه فان ما تحقق قطعا هو الإنشاء و أما حقيقة العتق فهو مشكوك، فإنه يعتبر فيه وجود المعتق و هو مشكوك فلعل العتق وقع على المعدوم، فلا يعتبرونه العقلاء عتقا فالأصل عدم تحققه فلا يكفى من الكفارات و النذر و العهد و هكذا الحال في سائر العقود و الإيقاعات و لو شك بعد الطلاق في بقاء الزوجية أو بعد الإجارة في بقاء الدار فلا يمكن تصحيح ذلك بأصالة الصحة لاحتمال مجرد الصدق الواقعية و قد يقال بصحة البيع تمسكا بأصالة الصحة للشك في بعض شروط و هو وجود المبيع و انما مورد أصالة الصحة هو ذلك.

و يرد عليه وجوه: الأول: أن أصالة الصحة ليست إلا هي قاعدة الفراغ غاية الأمر أن قاعدة الفراغ تجري في فعل شخص الإنسان و أصالة الصحة

431

تجري في فعل الغير و ذكرنا في قاعدة الفراغ أنها انما تجري في موارد تكون صورة العمل محفوظة كما عبر بذلك شيخنا الأستاذ و أما فيما لم تكن صورة العمل محفوظة فلا مورد لقاعدة الفراغ و كذلك لا مورد لقاعدة أصالة الصحة مثلا إذ شك المتوضي بعد وضوئه أن ما كان يتوضأ به كان ماء أو شيئا آخر من المائعات التي لا يجوز التوضي بها فإنه لا تجرى فيها قاعدة الفراغ لعدم الحفاظ صورة العمل و انما تحمل مجرد الصدفة الواقعية فقط نعم مورد قاعدة الفراغ ما إذا كان هنا مائان و توضأ من أحدهما كان أحدهما مما يجوز التوضي به و الأخر لا يجوز ثم شك في أنه كان من الذي يجوز التوضي به أو من الذي لا يجوز فبقاعدة الفراغ يحكم بالصحة و يكون التوضي من الذي يجوز التوضي به و كذلك في قاعدة الصحة إذا شككنا في ما فعله المتبايعان هو حقيقة بيع أو صورة بيع فإنه لا يمكن بأصالة الصحة إثبات كون الواقع بيعا حقيقة بمجرد احتمال الصدفة الواقعية و كذلك فيما إذا احتملنا أنه قال أنت طالق و لكن نحتمل أنه قاله لزوجته أو لأجنبية فلا يمكن حمله على الطلاق الصحيح بأصالة الصحة.

نعم إذا أحرز أنه طلق زوجته و أحرزنا صورة العمل أى الطلاق بالزوجة و لكنه نشك في صحته و فساده فنحمل على الصحة و كذلك إذا رأينا أن أحدا قام على ميت فلا ندري أنه يصلى أو لا، فلا يمكن حمل فعله على الصحة بمجرد احتمال الصدفة الواقعية.

نعم إذا حفظنا صورة العمل و عملنا أنه يصلى على الميت و شككنا في صحته و فساده من جهة أخرى فنجري أصالة الصحة و هكذا في فجميع العقود و الإيقاعات و العبادات كفائية أو عينيّة.

و ثانيا: أنه مع قطع النظر عن الإشكال الأول أن أصالة الصحة مشروطة

432

بكون الشرط الذي نشك على كل تقدير مقدورا للمكلف فلو كان على تقدير مقدورا له و على تقدير غير مقدور فلا نجري فيه أصالة الصحة مع كون الشرط شرطا على كل تقدير و لزم من انعدامه بطلان العمل مثلا ففي المقام أن وجود المبيع دخيل في صحة البيع لبطلان العقد بدونه على كل تقدير، فوقوع البيع عليه غير مقدور على المكلف و على تقدير وجوده فوقوع البيع عليه مقدور و مع عدمه فغير مقدور فلا نجري قاعدة أصالة الصحة في مثل ذلك و من هذا القبيل ما لو باع لا يعلم أنه ماله أو لا مع عدم كونه تحت يده و كذا بيع من نشك في بلوغه و عدمه و هكذا الأمر في قاعدة الفراغ و قد خالف شيخنا الأنصاري في هذا الشرط في قاعدة الفراغ.

و ثالثا: ما ذكره المصنف مع الغض عن الإشكالين الأولين من وجود الجامع بين الصحيح و الفاسد بحيث ينطبق عليهما، و أما إذا لم يكن هنا جامع بينهما لكون الفاسد غير معقول كما في المقام فان المعدوم محال فلا يمكن حمل فعل المسلم على الصحة بوجه.

الكلام في بيع ما لا يفسده الاختبار

بقي هنا فرعان قد تعرض لهما الأصحاب،

أحدهما اعتبار الاختيار فيما لا يفسده الاختبار، فهل يشترط فيه الاختبار كما ذكره بعضهم أو يعتبر فيه اشتراط الصحة كما ذكره آخر أو يعتبر فيه البراءة من العيوب كما ذكره ثالث أو الأخيرين معا كما ذكره رابع أو يكفي التوصيف كما ذكره بعضهم أو مع الانضباط كما ذكره آخر وجوه،

بل أقوال في المسألة كما يظهر من مطاوي كلمات الأصحاب التي نقل جملة منها المصنف (ره) فلاحظها.

433

و لا يهمنا التعرض بكلمات الأصحاب و بيان مرادهم كما تعرضها المصنف بعد ما لم يكن إجماع في البين كما يظهر لمن يلاحظها و لم يرد في المقام نص حتى يلاحظه فلا بدّ من التكلم هنا على مقتضى القاعدة بل التحقيق أن يقال أن الأوصاف التي تختبر على أقسام، فإنها قد تكون من أوصاف الصحة الدخيلة في صحة البيع فتارة تكون الأشياء المتصفة بها مما لا يفسده الاختبار و أخرى مما يفسده الاختبار، أما الأول كالعطور و بعض أقسام الفواكه من العنب و التين و نحوهما بمقدار يسر منها غير مفسد قطعا فنقول أن المانع من صحة البيع مع الجهل بأوصاف المبيع من الأوصاف الصحة كالطعم و الرائحة فيما يقصد منه طعمه أو ريحه من العطور و الفواكه ليس الّا الغرر الثابت بحديث نفى الغرر بناء على تماميته أو الإجماع المنعقد على اعتبار العلم بالعوضين بناء على تماميته أيضا و حجيته، فلا شبهة أن المناط في صحة البيع في جميع الموارد هو ارتفاع وصف الغرر فان البيع الغرري باطل فلا بد من ملاحظة ما يوجب ارتفاع الغرر من غير تخصيص بشرط خاص من الاشتراط أو الاختبار أو البراءة من العيوب.

و عليه فيرتفع الغرر بأمور، الأول: الاختبار بما لا يفسده الاختبار، فيما يستخير حال المبيع به كاستشمام العطور و ذوق الفواكه التي لا تفسد بالاختبار كأكل حبة من العنب و نحوه أو استشمام بعض أقسامها فإن ذلك يرفع الغرر فيكون البيع صحيحا من ناحية الغرر فهذا مما لا شبهة فيه.

الثاني: اشتراط الصحة من العيوب الموجبة للغرر بحيث يكون الخيار عند ظهور المبيع أو الثمن فاقدا لذلك الوصف لكل من البائع و المشتري و هذا أيضا رافع للغرر كما هو واضح.

الثالث: الاقدام على المعاملة مطلقا من غير اشتراط و لا اختبار أصلا

434

بل يسكت عن جميع ذلك، و لكن الشرط الضمني موجود في المقام بظهور العوضين واجدا لأوصاف الصحة و لم يكن عديما لها بحيث لو ظهر فاقدا كان للمشروط له الخيار، و مع هذا الشرط الضمني لا يضره السكوت عن الاشتراط لانصراف المطلق الى الفرد الصحيح و الذي يدلّ على هذا بناء العقلاء في معاملاتهم فإنهم يعاملون معاملة كلية أو جزئية مطلقة و إذا ظهر المبيع فاقدا لأوصاف الصحة يرجعونه الى صاحبه و يكون لهم الخيار حينئذ.

فتحصل أن ارتفاع الغرر في المقام ليس منحصرا بالاختبار بل كما يرتفع به كك يرتفع بالاشتراط و بالشرط الضمني أيضا لعدم ورود النص على الاختبار بالخصوص و عدم وجود الإجماع عليه كما ظهر من مطاوي ما ذكرناه، بل الإجماع على عدمه فإنه من باب ذكر وصف الصحة و من الواضح أنه غير لازم إجماعا كما ذكره المصنف في جواب السرائر، و أما توصيف البائع المثمن و توصيف المشتري الثمن مع حصول الوثوق منهما فداخل في صورة الاشتراط.

و أما اشتراط البراءة من العيوب فالظاهر من عبارة المصنف من عطفه على اشتراط الصحة بأو و كذلك الظاهر من عبارة النهاية و المقنعة المنقولة في المتن هو كفايته في نفسه حيث قال (خلافا لظاهر جماعة تقدم ذكرهم من اعتبار اشتراط الصحة أو البراءة من العيوب أو خصوص أحدهما) أقول ان كان المراد من البراءة من العيوب هو إحراز كل من البائع و المشتري كون المبيع سليما عن العيوب و صحيحة هذا هو المراد ظاهرا للمصنف حيث ذكر في أواخر كلامه أنه ظاهر عبائرهم المتقدمة اشتراط الموصف أو السلامة من العيوب فيما يفسده الاختبار بحيث يكون البيع غير غرري و ان كان المراد من البراءة من العيوب التبري منها بحيث يبيع المتاع على ما هو عليه

435

من الصحيح و الفساد سواء ظهر فاقدا لأوصاف الصحة أو واجدا لها لا يكون خيار للمشترى و يشرط المشتري على البائع في الثمن أيضا، هذا الاشتراط فهذا البيع غرري بلا شبهة فيكون الاشتراط مؤكدا للغرر فيبطل البيع للغرر بناء على مانعيته عن البيع فلا يرتفع الغرر بالاشتراط و على الاجمال فلا وجه لاشتراط هذا الشرط أصلا، فإنه ان كان راجعا الى اشتراط الصحة فذكره تكرار و ان كان بمعنى التبري فاشتراطه مؤكد للغرر فلا يكون رافعا له.

و من جميع ما ذكرناه ظهر بطلان ما ذهب إليه في السرائر من تقوية عدم جواز بيع العين الحاضرة المشاهدة بالتوصيف، بل لا بد من ذوقها و شمها.

و مما ذكرناه ظهر جريان أصالة السلامة في المبيع فان المراد بها هو اشتراط كون المبيع سالما على العيوب بالشرط الضمني و واجدا لأوصاف الصحة على النحو الذي تقدم و هذا مما جرى عليه بناء العقلاء في معاملاتهم و ليس المراد من أصالة السلامة ما يكون طريقا إلى إحراز كون المبيع واجدا لأوصاف الصحة باستصحاب الحالة السابقة التي شوهدت و كانت واجدة لأوصاف الصحة حتى يناقش فيها بما ناقشة المصنف من عدم الدليل عليه لا من بناء العقلاء الّا فيما إذا كان الشك في طرو المفسد و لا من غيره فإنه لو كان المراد من أصالة السلامة هو ذلك فليس عليه دليل حتى مع الشك في طرو المفسد الذي استثناه المصنف، فانا ذكرنا في علم الأصول أنه لا وجه لكون بناء العقلاء دليلا للاستصحاب و أنه غير ثابت كما هو واضح، و هذا بخلاف ما ذكرناه من أصالة السلامة فإن بناء العقلاء عليه مسلم كما لا يخفى.

436

ثم ظهر أيضا من جميع ما ذكرناه بطلان ما ذكره المصنف من التفصيل، بين الأوصاف الدخيلة في معظم المالية و بين غيرها، و حاصله أن الأوصاف ان كانت دخيلة في معظم المالية بحيث تزول المالية المهمة بزوال الأوصاف فلا بد من إحراز السلامة عنها اما بالأصل أو بالاختبار أو التوصيف و مع انتفاء الأول يبقى الأخيران و هذا ككون الجارية خنثى و كون الدابة لا تستطيع المشي أو الركوب و الحمل عليه.

و أما إذا لم تكن الأوصاف من قبيل الأوصاف الدخيلة في معظم المالية فلا يجب إحرازها و لا يلزم الغرر من الانتفاء و هذا ككون الجارية ممن لا تحيض فهي في سنّ من تحيض، فان انتفاء ذلك لا يوجب انتفاء معظم المالية لبقاء الاستمتاع و الاستخدام على حالها غاية الأمر قد انتفى الاستيلاد فقط و أما في الأول قد انتفى الاستمتاع أيضا.

و قد ظهر جواب هذا التفصيل أيضا فإن المناط في صحة العقد هو رفع الغرر كما تقدم، فكلما يلزم من عدم اعتباره و اشتراطه في العقد غرر فلا بدّ من اشتراط ما يوجب رفعه من الاختبار أو اشتراط الصحة أو الإرجاع إلى أصالة السلامة و الّا فلا، سواء كانت دخيلة في معظم المالية أم لا، فان ما يكون دخيلا في ذهاب المالية و ان لم تكن معظما فالسكوت عنه في مقام البيع غرر بلا شبهة.

فتحصل من جميع ما ذكرناه حكم ما يفسده الاختبار أيضا فإن جميع ما ذكرناه جار فيه الّا الاختبار لان المفروض أن الاختبار يفسده و أما اشتراط الصحة أو بيعه مطلقا ايكالا إلى أصالة السلامة فهما جاريان فيه، كما يجريان في الأول أعني ما لا يفسده الاختبار و هذا كبيع نوع الفواكه التي يفسدها الاختبار كالرقى و البرتقال و الليمو أو نحوها فان الغرر يرتفع

437

فيها بأحد الأمرين المذكورين فلو تبرء عن العيوب يكون غرريا فيبطل.

نعم قد ورد في المقام رواية (1) ربما يتوهم فيها اعتبار الاختبار فيما يختبر حيث قال (ع) فيمن سأل عن ذوق الطعام في المال الذي يريد أن يشتريه، فقال (ع) نعم فليذقه فلا يذوقن ما لا يشترى.

و فيه ما ذكره المصنف (ره) من أن السؤال فيها عن جواز الذوق لا عن وجوبه فإنه (ع) جوّز ذلك لمن يريد الاشتراء لا لكل من و لو لم يكن نظره ذلك و الّا فإن بعض الطماعين يأخذون ذلك وسيلة لأكل أموال الناس بأن يأكل من دكان عشرة حبات من العنب و من الأخر كك، و من الثالث هكذا فيكون أكثر من الحقة فنهى الامام (ع) عن ذلك فيجوّز هذا النحو من الطريق أيضا.

فتحصل أن ما لا يفسده الاختبار فبالنسبة إلى الأوصاف الدخيلة في صحة المبيع يجوز بيع الموصوف بها بالاختبار و بالتوصيف و بالاعتماد على أصالة الصحة و السلامة على المعنى الذي ذكرناه أى انصرافه الى كون المبيع سالما عن العيوب و واجدا لأوصاف الصحة فإنه الفرد الصحيح و قلنا هذا معتبر بالشرط الضمني في العقود و المعاملات.

و أما بالمعنى الذي ذكره المصنف من كونها محرزة لبقاء المبيع على أوصاف الصحة و عدم طروّ العيب له ليوجب زوال صحة المبيع فليس له مدرك صحيح كما عرفت حتى فيما كان للمبيع حالة سابقه فانا ذكرنا في بحث الأصول أنه لا دليل على اعتبار الاستصحاب من ناحية بناء العقلاء كما هو واضح.

و قد عرفت أيضا أنه لا يفرق في ذلك في الأوصاف التي لها دخل في

____________

(1) وسائل: ج 12، ص 279.

438

معظم مالية المبيع و ما لا يكون كك، فان في جميع ذلك لا بد من رفع الغرر في صحة البيع و الّا يحكم بالبطلان فرفعه بأحد الأمور الثلاثة المتقدمة فلا دليل على الفرق المذكور بوجه، و ان التزم المصنف و على هذا فلا وجه للالتزام بلزوم الاشتراط أو لزوم الاختبار فقط كما ذهب إليه الحلي (ره).

و أما أوصاف الكمال ككون الفاكهة أو الدبس حلوا شديدا و زائدا عن الحد الأوسط أو واجدا لأصل الحلو المتوسط فان الحلاوة من الأوصاف الكمالية فإن كان المتاع مما يمكن توصيفه بالوصف الكمالي و بيانه على نحو يرتفع به الغرر فيجوز بيعه بالاختبار من المشتري و بالتوصيف من البائع فيكون اخباره اشتراطا مع الوثوق باختباره و بالاشتراط أيضا بأن يشترط المشتري كونه واجدا لوصف الكمال، و أما الاعتماد على أصالة الصحة، و السلامة المتقدمة فلا يجرى هنا فإن الأوصاف ليس من الأوصاف الصحة حتى ينصرف الإطلاق إلى الصحيح و أن كون المبيع صحيحا أخذ شرطا في ضمن العقد كما لا يخفى.

و أما فيما لا يمكن التوصيف و الاخبار كما إذا كان الوصف على نحو يدرك و لا يوصف كوصف الملاحة و نحوها ففي ذلك لا بد في رفع الغرر، اما من الاشتراط أو الاختبار و الّا فيكون باطلا للغرر المنفي، فإن المفروض ان الأوصاف المذكورة لها دخل في المالية فإذا لم يشترط البيع على نحو يكون رافعا للغرر فيكون البيع باطلا لذلك.

و أما فيما يفسده الاختبار فبالنسبة إلى أوصاف الصحة فيأتي فيه جميع ما ذكرناه فيما يفسده الاختبار لأن المفروض أنه يفسده فيبيع اما مع الاشتراط أو مع الاعتماد على أصالة الصحة على النحو المتقدم أو يخبر البائع عن الأوصاف فيكون هذا أيضا رافعا للغرر مع الوثوق بكلامه،

439

فيكون هذا أيضا داخلا في الاشتراط فإنه نحو منه.

و أما الأوصاف الكمالية فبالنسبة إلى الأوصاف التي يمكن الاطلاع عليها فيجوز المعاملة ح بالاشتراط و بتوصيف البائع فيرتفع الغرر بهما فيكون داخلا فيما يشترى اعتمادا على وصف البائع أو يشترط كون المبيع واجدا للأوصاف الكمالية و مع ذلك يرتفع بها الغرر.

و أما الأوصاف الكمالية التي لا يمكن الاطلاع إليها أصلا إلّا بالاختبار ككون البطيخ حلوا و كون الرقى أحمر من الأوصاف الكمالية التي لا يعلم الّا بالاختبار، فالظاهر انها غير دخيلة في المالية أصلا فلا يلزم عدم اشتراط كون المبيع واجدا لها غرر أصلا، فإن المفروض ان المورد فما يفسده الاختبار و أن التوصيف لا يمكن أيضا و ان أصالة السلامة غير جارية فيبيع المالك على هذا النحو إذ لا يفرق العرف في أمثال ذلك بين ما يكون واجدا لها و بين ما يكون فاقدا لها لعدم طريقهم الى ذلك، و ان كانوا يفرقون بينهما بعد الاطلاع إليها و على هذا ان اشتراط المشتري كون المبيع واجدا لتلك الأوصاف فبها و الّا فليس له حق الرجوع أصلا فهذا هو الذي تعارف في العرف التبري من كون المبيع واجدا لها أو فاقدا لها فيقول أبيع المتاع الفلاني على ما هو عليه سواء كان واجدا للوصف الفلاني أو فاقدا له دون ما كان الوصف من الأوصاف الصحة لما عرفت أن التبري من فقد ان الوصف من أوصاف الصحة موجب للغرر.

الكلام في حكم ظهور المبيع معيبا

و أما الكلام في حكم تخلف الأوصاف المذكورة فذكر المصنف في فرض

440

تخلّف وصف الصحة أقساما ثلاثة:-

الأول: أن يكون لفساد المبيع في نفسه قيمة كالجوز و البطيخ و سائر أقسام الفواكه إذا لم يكن الفساد بمرتبة يوجب خروج المبيع عن حيز الانتفاع و لا كونه معنونا بغير عنوان المبيع فان لب الجوز و ان كان فاسدا بصيرورته أسود و لكن مع ذلك ينتفع به بأخذ دهنه و كك البطيخ و الرقى و سائر الفواكه إذا لم تصل من الفساد الى مرتبته تخرج عن الانتفاع، بل فسد جزء منها و صار به دود و نحوه و أما الباقي فيصح الانتفاع به

و قد مثل المصنف بذلك ببيض النعامة بدعوى أن لفاسده أيضا قيمة، و لا تعهد بخصوصيات فوائده و هو أعرف بمقاله.

الثاني: أن يكون لفاسده أيضا قيمة و لكن كان خارجا عن نوع الصحيح بحيث يعدّ في نظر العرف شيئا آخر غيره و هذا كظهور اللوز و الجوز قشرا فان للقشر قيمة و مالية في نظر العرف في الحريق و لكن من حيث انه حطب لا من حيث انه جوز.

الثالث: أن لا يكون للفاسد مالية و قيمة أصلا كالبطيخ الفاسد بحيث لا ينتفع به أصلا.

و بعبارة أخرى أن فاسد المبيع قد يكون فاسدا بحيث يكون خارجا عن المالية أصلا و أخرى يكون له مالية و قيمة و على الأول تارة يكون من جنس الصحيح و أخرى من غير جنسه، فالأقسام ثلاثة.

أما القسم الأول: فتارة يكون ظهور العيب قبل الكسر و القص، بان عرف أن البطيخ فيه دور و أخر بعد الكسر فعلى الأول يتخير المشتري بين الفسخ و الإمضاء بدون الأرش بأن يرضى بالعقد على أى نحو كان أو الإمضاء مع الأرش كما هو واضح، و أما بعد الكسر فليس له فسخ العقد الّا مع

441

اشتراطه هكذا بان يقول للبائع حين البيع لو ظهر متاعك معيبا و لو بعد الكسر فلي أن أرجعه و أما مع الاعتماد على أصالة السلامة فلا يجوز له الفسخ، بل يتخيّر بين الرضى بالعقد بدون الأرش و الرضاء به مع الأرش.

و أما القسم الثاني: فالظاهر هو بطلان العقد لما عرفت مرارا أن تخلف الأوصاف التي من الصور النوعية في نظر العرف يوجب البطلان فان ما هو موجود ليس بمبيع و ما هو مبيع ليس بموجود،

و الحاصل أنه إذا ظهر المبيع فاسدا و كان للفاسد أيضا قيمة و لكن يحسب في نظر العرف غير الصحيح بحسب الصورة النوعية كما إذا اشترى وزنة تمر فظهر أنه في حكم النبوي لا يناسب الّا بالحرق فهذا لا إشكال في فساد البيع لما عرفت أن المبيع غير موجود و الموجود غير مبيع و هذا خارج عن الاقسام الذي ذكره المصنف و نتعرض لها.

و حاصل الأقسام أن ما ظهر المبيع فاسدا تارة يكون مع كونه فاسدا على قيمة الصحيح و أخرى أقل منه، و ثالثة يظهر أنه لا قيمة له أصلا و على كل تقدير فقد يكون ظهور الفساد قبل الكسر و القصّ و قد يكون بعده، فالأقسام ستة.

أما إذا كان ظهور العيب قبل الكسر فما إذا كان الفاسد بحيث تكون قيمته مساويا لقيمة الصحيح فح ليس للمشتري أخذ الأرش فإن المفروض ان قيمتهما متساوية فالأرش انما يكون إذا كانت قيمة المعيب أقل من الصحيح فإن الأرش عبارة عن تفاوت القيمة بين الصحيح و المعيب فإذا لم يكن تفاوت في البين فأي معنى للأرش نعم له فسخ العقد لخيار العيب أو إمضائه كك و أما إذا كانت قيمة الفاسد أقل من قيمة الصحيح فيتخيّر المشتري بين الأمور الثلاثة فسخ العقد أو الرضى به بدون الأرش أو الرضا به مع الأرش

442

فإن المعيب أقل قيمة من الصحيح فللأرش هنا مجال.

و أما إذا كان الفاسد بمرتبة لا قيمة له أصلا كما إذا اشترى بطيخا فظهر فاسدا على نحو لم تكن له قيمة أصلا كان يعدّ من الزبالة ففي هنا يحكم بالبطلان إذ المبيع من حيث عدم مالية في حكم المعدوم فليس هنا أرش أيضا، بل الحكم هو الانفساخ ليس الا بل الوجه هو البطلان لعدم اعتبار العقلاء ذلك البيع بيعا أصلا حتى بناء على عدم اعتبار المالية في المبيع كما بنينا عليه في أول البيع فان ما ليس بمال يعدّ في نظر العرف نوعا أخر في قبال ما هو مال فإذا وقع البيع بالمال فظهر غير مال فقد تخلّف صورته النوعية فيكون فاسدا، من هذه الجهة نظير ما إذا اشترى أحد عصفورا فبان انه حشرة من الحشرات فان بيع الحشرات في نفسه و ان كان جائزا و لكن المبيع هنا ليس هو الحشرة، بل هو العصفور فما هو مبيع ليس بموجود و ما هو موجود ليس بمبيع و كذلك الحال في المقام.

و أما إذا ظهر الفساد بعد الكسر فان كان الفاسد أيضا مالا و كانت قيمته مساوية لقيمة الصحيح فليس للمشترى هنا شيء أصلا من أنحاء الخيارات أما الأرش فلما عرفت من عدم تفاوت المعيب مع الصحيح من حيث القيمة و أما الرد و الفسخ فهو و ان كان جائزا قبل الكسر و التصرف و لكن يسقط ذلك بعد الكسر للنص (1) الخاص الوارد في خيار العيب من أنه إذا أحدث فيه حدثا أو لامس فلا يجوز له الرد فيكون ذلك ساقطا للنص و ان كان هو جائزا في نفسه بحسب القاعدة.

و لا يفرق في ذلك بين أن يكون للمكسور قيمة أولا و لا بين أن تكون قيمة

____________

(1) وسائل: ج 12 باب سقوط خيار المشتري بتصرفه ح 1 و 3 ص 351.

443

الفاسد بعد الكسر أقل من الصحيح أولا فإنه على كل تقدير ليس له حق الرجوع بوجه فإنك عرفت أن قيمة الصحيح و المعيب متساويتان و انما سقط الفاسد عن القيمة أو نزلت قيمته بكسر المشتري.

و أما إذا كانت قيمة الفاسد أقل من قيمة الصحيح فح فلا يجوز للمشترى الفسخ لما عرفت من سقوطه بالكسر للنص فح يتخير المشتري بين الرضى بالعقد بدون الأرش أو الرضا به مع أخذ الأرش و المراد من الأرش هنا هو تفاوت ما بين الصحيح و الفاسد قبل الكسر لا بعده إذ قد لا يكون للفاسد قيمة بعد الكسر أصلا كما عرفت و لكن ذلك مستند الى فعل المشتري و احداثه فيه حدثا فيسقط للنص.

و أما إذا لم يكن له قيمة أصلا فحكمه حكم قبل الكسر اعنى انفساخ العقد إذ لا مالية للمبيع أصلا و العقلاء لا يعتبرون مثل ذلك البيع بيعا و انما هو في صورة البيع و الأمر كك حتى مع القول بعدم اعتبار المالية في المبيع كما عرفت فان البطيخ إذا ظهر معيبا بحيث لا يعدّ من المأكول فيكون نوعا آخر في مقابل المأكول فهما في نظر العرف مختلفان بحسب الصورة النوعية كما لا يخفى فيكون البيع باطلا من الأول سواء كان ظهور العيب قبل الكسر أو بعده، فيكشف عند ظهور العيب أنه باطل من الأول كما صرح به الشيخ و الحلي و العلامة في التذكرة مستدلين بوقوعه على ما لا قيمة له كالحشرات و هو صريح جملة ممن تأخر عنهم أو ظاهر آخرين.

و لكن الظاهر المحكي عن الشهيد في الدروس انفساخ البيع من حين تبين الفساد لا من أصله و جعل الثاني احتمالا و نسبه الى ظاهر الجماعة و قد أشكل عليه المصنف بما لا يخلو عن المتانة و حاصله أنه لم يعلم لذلك وجه، و لذا نسب الشهيد الثاني في الروضة خلافه الى الوضوح و الوجه في

444

بطلانه أن الفاسد ان لم يكن من الأموال فيفسد البيع من أصله لأن كون المبيع متمولا شرط واقعي لا علمي، و ان كان من الأموال فان لم يكن تفاوت بين الصحة و المعيب فليس للمشترى خيار فكك بعد التصرف و ان كان له خيار عيب قبل التصرف كما تقدم، و ان كان بينهما تفاوت فيؤخذ التفاوت بعد التصرف لا جميع الثمن و قبل التصرف يتخير بين الأمور الثلاثة، كما تقدم.

ثم وجه كلامه بأنه الّا ان يقال انه مال واقعي إلى حين تبين الفساد فإذا سقط عن المالية لأمر سابق على العقد و هو فساده واقعا كان في ضمان البائع فينفسخ البيع ح، بل يمكن ان يقال بعدم الانفساخ و حيث ان خروجه عن المالية لأمر سابق و سبب سابق كان في ملك البائع فكان الضمان على البائع.

و الحاصل أن البيع منفسخ في زمان ظهور العيب و الرجوع الى البائع من جهة كون حدوث العيب في ملكه كما لا يخفى.

ثم أشكل عليه المصنف بكونه على خلاف القواعد على ما سيأتي في الخيارات، و انما تعرضه المصنف هنا لأجل خصوصية في المقام.

و حاصل ما أورده المصنف عليه أنه ان كان العلم بالعيب موضوعا للخروج عن المالية فيكون حدوث العيب في ملك المشتري فلا وجه للرجوع إلى البائع و ان كان طريقا الى ذلك فيكون كاشفا عن البطلان من الأول فإنه إذا انكشف الفساد حكم بعدم المالية الواقعية من الأول فلا وجه للحكم بالانفساخ حين ظهور العيب على أنه لو سلمنا أن العلم بالعيب مخرج له عن المالية لا كاشف فهو مثال ان زيد يعمى بعد مدة و كالعبد المريض يموت بعد مدة فإنه في مثل ذلك فيرجع الى البائع لا في جميع المبيع، بل

445

بالتفاوت بين الصحيح و المعيب قبل التلف و الخروج عن المالية، لأن المعيب أيضا له مالية و له قيمة كما لا يخفى على أن فوات المالية يعدّ تلفا لا عيبا كما هو واضح.

و بالجملة لا نعرف وجها لتصحيح كلام الشهيد فإنه ان كان الفاسد له قيمة فحكمه ما ذكرناه و ان لم تكن له قيمة فحكمه الانفساخ من الأول لعدم كونه مالا من الأول على أن ما وقع عليه البيع غير الموجود و ما هو موجود غير ما وقع عليه العقد كما تقدم.

الكلام في ثمرة الخلاف

و أما ثمرة الخلاف بين ما كان الانفساخ من الأول

كما ذهب إليه الأكثر على ما عرفت، و بين ما كان من حين ظهور العيب في المبيع فهي تظهر في ترتب آثار ملكية المشتري الثمن الى حين تبين الفساد فلو اشترى البائع دارا بالثمن المذكور فربح في ذلك ألفا فإنه للمشتري على المشهور لحصول الانفساخ من الأول و عدم خروج الثمن من ملك المشتري أصلا فيكون اشتراء الدار فضوليّا.

و للبائع على قول الشهيد كما هو واضح.

و عن الدروس و اللمعة أن الثمرة تظهر في مؤنة نقله عن الموضع الذي اشتراه فيه الى موضع اختبار فقد ذكر في ذلك أقوال ثلاثة:- الأول: ما ذكره الشهيد الأول من أن مؤنة النقل على تقدير انفساخ العقد من الأول انما هي على البائع، و على المشتري لو قلنا بالانفساخ حين ظهور الفساد في المبيع لوقوعه في ملكه، و قد نقل المصنف هذا الوجه و ارتضاه.

446

الثاني: ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد و تبعه الشهيد الثاني من كونها على المشتري مطلقا و ليس له أن يرجع الى البائع، و الوجه فيه هو أن المشتري نقله بغير أمر البائع.

الثالث: ما ذكره المصنف عن بعض الأساطين- كاشف الغطاء- و هو كونها على البائع مطلقا فإنه قدره نفى البعد عن ذلك، و الظاهر: أن شيئا من الوجوه الثلاثة لا يمكن المساعدة عليه.

أما الوجه الأول: فلا دليل عليه من النص و الإجماع و العقل، لأن مجرّد ظهور العيب في ملك المشتري لا يستلزم كون غرامة النقل عليه كما ان عدم ظهور في ملك الغير لا ينفى الغرامة عنه، بل لا بد في ذلك من وجود السبب للضمان، و كك لا وجه للوجه الثاني و الثالث على وجه الإطلاق، كما سيظهر وجهه.

و التحقيق أن يقال: قد تقدم في بيع الفضولي أنه إذا استند الوقوع على الضرر الى غيره بالاغترار كان ضمانه على الغار لقاعدة الغرور الثابتة بالنقل و الاعتبار و الّا فلا، و عليه فان كانت الغرامة الحاصلة من نقل المبيع الى مكان الاختبار مستندة الى البائع، و كونه غارا للمشتري في ذلك لعلمه بالعيب و جهل المشتري به فمؤنة النقل على البائع.

و أن لم يكن اغترار في المقام لعلمهما بالحال أو جهلهما بها فالغرامة على المشتري، لأنك قد عرفت في المبحث المذكور أن الغرور انما يتقوم بأمرين أحدهما علم الغار بالعيب، و ثانيهما جهل المغرور به، و مع انتفاء أحدهما ينتفي الغرور، و على هذا فلا وجه لما ذهب اليه جامع المقاصد و ما قرّبه بعض الأساطين على الإطلاق، بل لا بد من التفصيل في المسألة بلحاظ الغرور و عدمه، هذا كله في مؤنة نقل المبيع من مكان البيع الى مكان الاختبار.

447

و أما مؤنة النقل من مكان الاختبار الى مكان البيع أو المكان الأخر مع مطالبة البائع أو كونه في مكان يجب تفريغه كالمسجد و المشهد أو في مكان مغصوب فذكر المصنف أنه على البائع على تقديرين لأنه بعد الفسخ ملكه، و أما لو لم يكن قابلا فلا يبعد مؤاخذة المشتري به.

و فيه أن هذا أيضا لا يتم لعدم الدليل عليه فان مجرد كون المبيع ملكا للبائع بعد الانفساخ لا يوجب كون مؤنة النقل اليه، بل التحقيق ان يقال:

إذا كان المعيب الذي خرج عن المالية ملكا للبائع كحبة من الحنطة مثلا، أو موردا للحق و ان خرج عن الملكية أيضا كما إذا صار الحيوان ميتة أو ظهر البطيخ فاسدا بحيث لا يعتبر العقلاء في مثله الملكية أيضا فطلب المالك ملكه أو متعلق حقه فان كانت المعاملة خالية عن غرور البائع المشتري و لم يستند ذلك الى تسبيب البائع لجهله بالحال فمؤنة النقل على المشتري فإنه وضع يده على ملك غيره أو على مورد حقه فيجب عليه أن يرده الى صاحبه فان مقتض دليل اليد الثابت بالنص و الإجماع و السيرة كما يشمل الأموال و كك يشمل الاملاك و الحقوق أيضا.

أقول: لا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير ما لم يكن مالا و ما لم يزاحم حق المالك و دليل اليد ناظر الى غير ما نحن فيه على انه ضعيف السند و السيرة مشكوكة الشمول له و ان استند ذلك الى تغرير البائع المشتري فتكون مؤنة النقل على البائع.

و على الجملة أن مجرد كون المعيب ملكا للبائع لا يدل على كون الغرامة و مؤنة النقل من مكان الاختبار الى مكان البيع إلى البائع، بل بعد ما وضع المشتري يده على ملكه بغير اغترار يجب عليه رده الى صاحبه مع المطالبة.

و أما إذا لم يطالب البائع ملكه أو متعلق حقه و لكن كان ذلك في مورد

448

يجب تفريغه منه كما إذا كان في مسجد أو في مشهد أو كان ذلك في ملك الغير فطلب تفريغ ملكه فالظاهر في هذا الفرض كون مؤنة الإفراغ على المشتري حتى مع الاغترار في المعاملة من البائع فإن قاعدة الغرور انما توجب كون غرامة المغرور على الغار فيما يكون التضرر في لوازم المبادلة و التمليك و التملك و من الواضح أن النقل من مكان البيع الى مكان الاختبار و بالعكس من لوازم التمليك و التملك فتجري فيها قاعدة الغرور، و أما في ذلك فلا و من البديهي أن وضع المتاع في المسجد، أو المشهد أو في ملك غيره ليس من لوازم التملك الذي وقع فيه الغرور و هذا واضح جدا.

ثم ان المحكي في الدروس عن الشيخ (ره) و أتباعه أنه لو تبرء البائع من العيب فيما لا قيمة لمكسوره الى ح.

و فيه قد أشرنا إليه فيما تقدم و قلنا بأنه اما غير محتاج اليه أو غير معقول بيان ذلك أن البراءة من العيوب ان كان من جهة الاطمئنان بصحة المبيع و إحراز كونه سالما عن العيوب اما بإخبار البائع أو اعتمادا على أصالة السلامة بناء على كونها محرزة لصحته فليس هذا في نفسه شرطا آخر غير اشتراط الصحة، بل مرجعه الى ذلك فليس لذلك وجه حتى يذكروها مقابلا لاشتراط الصحة، على أنك عرفت أنه لا دليل على كون أصالة السلامة محرزة للواقع حتى فيما كان للمبيع حالة سابقه و ان كان المراد من اشتراط البراءة من العيوب هو التبري عن عيوب المبيع بأي نحو كان من غير إحراز صحته بطريق و لا اشتراط صحته في المبيع و لو بأصالة السلامة فيكون ذلك تأكيدا للغرر فيكون البيع غرريا، على أنه لا نحتمل أن يقول أحد بأن البيع إذا لم يكون مشروطا بالبراءة من العيوب يكون فاسدا و أما إذا كان مشروطا بها يكون

449

صحيحا مع أنه يؤكد الغرر و يقرره كما عرفت و على كل حال لا نعقل معنى صحيحا لهذا الاشتراط.

و قد يوجّه بأن المراد من اشتراط البراءة اشتراط المشتري برأيه المبيع من العيوب و كونه صحيحا و فيه أولا أنه خلاف الظاهر من ذلك و ثانيا ما ذكره المصنف من أن الكلام في برأيه البائع من العيوب دون المشتري فلا يمكن حمله على هذا الوجه.

نعم لو دار الأمر بين حمله على الغلط و بين توجيهه بذلك فلا بأس به صونا لكلام الأعاظم عن الغلطية.

الكلام في جواز بيع المسك في فارة

قوله: مسألة: المشهور من غير خلاف يذكر جواز بيع المسك في فارة.

أقول: هذا لا شبهة فيه مع الاشتراط أو الاعتماد على أصالة السلامة أو بالاختبار مع الإمكان و ذكر المصنف (ره) فالأحوط ما ذكروه من فتقه بادخل خيط فيها بإبرة ثم إخراجه و شمه ثم لو شمه و لم يرض به فهل يضمن هذا النقص الداخل عليه من جهة الفتق فهو مبنى على ضمان النقص في المقبوض بالسوم من انه هل ضمان المأخوذ بالسوم مع التلف على المشتري أو على البائع و على كل تقدير فهل الحكم أعم من تلف الموصوف و الوصف أو هو مختص بتلف الموصوف فقط فعلى القول بضمان المشتري للموصوف و الأوصاف معا ففي المقام أيضا يضمن لإتلافه وصفا من أوصاف المسك و جعله ناقصا بحيث أخذ عنه وصف التمامية ثم ذكر أن الاولى أن يباشر البائع بذلك و يشمه المشتري.

450

أقول: لا وجه لقياس المقام بالمقبوض بالسوم لوجهين: الأول: أن النزاع في ضمان المشتري بالمقبوض بالسوم هو فرض التلف، ففي المقام هو الإتلاف سواء قلنا بالضمان هناك أم لا، فلا بد من القول بالضمان هنا فان من أتلف مال الغير فهو له ضامن فبناء على الضمان بالنقص في مال الغير فيكون ضامنا هنا أيضا كما هو الحق و المحقق في محله.

الثاني: أن الإتلاف هنا مستند إلى البائع دون المشتري فلا وجه للضمان على المشتري كما هو واضح.

و قد يتوهم بطلان بيع المسك بدون الاختبار لوجهين:- الأول: النجاسة فإنه من الدم فهو نجس فيبطل بيعه لذلك.

الثاني: للجهالة و الغرر اما الأول فيرد عليه أولا أن كون المسك في جميع الأزمنة متعارفا من غير نكير من أحد بأنه نجس و ثالثا لا دليل على كون النجاسة مانعا عن البيع تكليفا و وضعا كما تقدم في المكاسب المحرمة و قد اعترف بذلك المصنف في بيع الميتة و أما الوجه الثاني فمضافا الى أن عمدة الدليل على ذلك هو الإجماع لكون دليل نفى الغرر مخدوشا سندا و دلالة و أن الإجماع هنا ليس بتمام لقيام الشهرة بل الإجماع على جواز بيع المسك في فارة على أن مانعية الجهالة انما هي للغرر فهو منفي إذا بيع مع الاشتراط أو معتمدا على أصالة السلامة بالمعنى الذي تقدم.

ثم ذكر العلامة في التذكرة عدم جواز بيع اللؤلؤ في الصدف و بيع البيض في بطن الدجاج.

أقول: أما بيع اللؤلؤ في الصدف فلا شبهة في بطلانه لكونه غرريا فان

451

بعض أفراد اللؤلؤ يسوي بدرهم و بعضه الأخر يسوى بألف درهم كاختلاف أفراد الفيروزج بذلك فإنه قد يكون اللؤلؤ صافيا فيسوى بألف دينار و قد يكون كدرا فلا يسوى إلا بدينار مع اتحادهما في الكبر و الصغر.

و أما البيض فان كان من دجاج يعلم أنه بأي نحو يبيض من الصغر و الكبر بحيث جرى عادته أنه يبيض على نحوه يسوى بيضه بعشر أفلس فهذا لا إشكال في صحة بيعه لعدم الغرر فيه و ان لم يعلم بذلك و تجري العادة بأنه بأي كيفية يبيض فبيعه غرري باطل فأن بعض افراد البيوض يسوى بعشرة أفلس و بعضه باثني عشر أفلس و بعضه بثمانية أفلس، فلا يعلم أن ما في بطنه من أى قسم من هذه الاقسام.

الكلام في عدم جواز بيع المجهول مع الضميمة و عدمه

قوله: مسألة: لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضم معلوم اليه و عدمه.

أقول: بعد ما فرغنا من عدم جواز بيع المجهول فهل يجوز بيعه بضم معلوم إليه أم لا فمقتضى القاعدة المقررة على عدم جواز بيع المجهول هو عدم الجواز مع ضم معلوم إليه أيضا لأن ضم المعلوم اليه لا يخرجه عن الجهالة بل يكون الثمن الواقع في مقابل المعلوم أيضا مجهولا فيبطل البيع لذلك و كك المبيع فان المجموع من حيث المجموع مجهول إذ ليس المراد من ذلك كون كل جزء جزء من المبيع مجهولا فهذا لا شبهة فيه و على هذا فلا يجوز بيع السمك في الآجام و أن ضم اليه السمك المعلوم أو القصب و لا يجوز أيضا بيع اللبن في الضرع و ان ضم اليه المعلوم فان المعلوم في ذلك كله

452

يصير مجهولا بالضميمة و هذا على المشهور بين المتأخرين و لكن ذهب المشهور من القدماء الى جواز بيع المجهول مع ضمه بالمعلوم عن الخلاف و الغنية الإجماع على ذلك و اختاره المحقق الأردبيلي من المتأخرين و صاحب الكفاية و المحدث العاملي و المحدث الكاشاني و استدل عليه بروايات (1) منها مرسلة البزنطي عن أبى عبد اللّه (ع) قال إذا كانت أجمة ليس فيها قصب أخرج شيئا من سمك فباع و ما في الأجمة.

و منها رواية (2) ابن عمار عن أبى عبد اللّه (ع) لا بأس بأن يشترى الآجام إذا كان فيها قصب، و المراد شراء ما في الآجام و لو بقرينة الرواية السابقة و منها (3) رواية أبي بصير فان فيها تصيد كفا من سمك تقول اشترى منك هذا السمك و ما في الأجمة.

و منها موثقة (4) سماعة قال سألته عن اللبن يشترى و هو في الضرع قال لا الا أن يحلب لك منه أسكرجة فيقول اشتر منى هذا اللبن الذي في الاسكرجة و ما في ضرعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شيء كان ما في الاسكرجة الى غير ذلك من الروايات.

و منها (5) ما عن إبراهيم الكرخي قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نعجة و ما في بطونها من حمله كذا

____________

(1) وسائل: ج 12 ص 263 حد 2.

(2) وسائل: ج 12 ص 264 حد 5.

(3) وسائل: ج 12 ص 264 حد 6.

(4) وسائل: ج 12 ص 259 باب 8 حد 2.

(5) وسائل: ج 12 ص 261.