مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة - ج20

- السيد جواد الحسيني العاملي المزيد...
728 /
407

و إن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كلّ واحدٍ منهم منفرداً.

____________

واحدٍ لعملٍ معيّن، و لم يقبل كلّ واحد منهم طحن ربع الطعام في ذمّته بربع المسمّى، و يكون قد استعان على طحنه بالمنافع المملوكة لأصحابه كما في الصورة الثالثة، فهاتان أيضاً صورتان. و لنجر في بيانها على ترتيب الكتاب:

فالاولى و هي ما إذا كان العقد مع واحد، و لم يذكر أصحابه في اللسان و لا الجنان، بل ألزم ذمّته طحن الطعام بكذا ففي «جامع الشرائع (1) و التذكرة (2) و التحرير (3) و جامع المقاصد (4)» كما في الكتاب من أنّ له الأجر المسمّى أجمع، لأنّه عوض العمل الّذي ألزم ذمّته به، و عليه اجرة المثل للّذي استوفى منفعته من الأعيان المذكورة في طحن الطعام المذكور. و «من واحد» في العبارة صلة عقد.

قوله: «و إن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كلّ واحدٍ منفرداً»

(1) لأنّه إمّا أن يكون ألزم ذممهم طحن الطعام بحيث يلزمهم طحنه أرباعاً. فيكون حكمها حكم الصورة الثالثة. و على ذلك اقتصر في «التحرير» في تفسير ذلك. و اكتفى في «التذكرة» بهذه الصورة عن الثالثة، و هي ما إذا استأجر من الجميع، كما اكتفى في «جامع الشرائع» بالرابعة عن هذه. و إمّا أن يكون قد آجره الأعيان المذكورة فيكون حكمها حكم الصورة الرابعة، و هذه هي الصورة الثانية.

و ظاهر المصنّف في كتبه الثلاثة الاكتفاء بالإذن الصادر في عقد الشركة و إن كان فاسداً كما مرّ غير مرّة، و أنّه لا يحتاج إلى إجازتهم بعد ذلك و لا أن

____________

(1) الجامع للشرائع: في الشركة ص 313.

(2) تذكرة الفقهاء: في أركان الشركة ج 2 ص 224 س 12.

(3) تحرير الأحكام: في أحكام الشركة ج 3 ص 234.

(4) جامع المقاصد: في أحكام الشركة ج 8 ص 46.

408

و لو استأجر من الجميع فقال: استأجرتكم لطحن هذا الطعام بكذا فالأجر بينهم أرباعاً، لأنّ كلّ واحدٍ لزمه طحن ربعه بربع الاجرة، و يرجع كلّ واحدٍ منهم على كلّ واحدٍ من أصحابه بربع اجرة مثله.

____________

يكونوا قد وكّلوه ثانياً غير التوكيل الّذي في عقد الإجارة. فينبغي أن يكون مراده في هذه الصورة أنّهم وكّلوه بأن يتصرّف و لو كان بشغل ذممهم بشرط تعلّقها بالأعيان المذكورة.

قوله: «و لو استأجر من الجميع فقال: استأجرتكم لطحن هذا الطعام بكذا فالأجر بينهم أرباعاً، لأنّ كلّ واحدٍ منهم لزمه طحن ربعه بربع الاجرة، و يرجع كلّ واحدٍ منهم على كلّ واحدٍ من أصحابه بربع اجرة مثله»

(1) كما في «جامع الشرائع (1) و التذكرة (2) و التحرير (3) و جامع المقاصد (4)» لأنّه قد لزم كلّ واحدٍ طحن ربع الطعام بربع الاجرة، فإذا طحن الطعام بالآلات المذكورة و تولّى العمل من غير تبرّع كان لكلّ واحدٍ أن يرجع على كلّ واحدٍ بربع اجرة مثل العمل الصادر إمّا عنه أو عن دابّته و الانتفاع بملكه من الرحى و الدكّان.

فيرجع العامل بثلاثة أرباع اجرة مثل عمله في طحن ذلك الطعام، لأنّ ربع عمله صرف في طحن الربع الّذي لزمه طحنه و ثلاثة أرباعه في طحن الثلاثة الأرباع الباقية الّتي لزم أصحابه طحنها. و لم يسمّ لعمله في ذلك شيئاً معيّناً، فوجبت اجرة المثل. و يرجع صاحب البغل بثلاثة أرباع مثل طحن الطعام المذكور بالنسبة إلى

____________

(1) الجامع للشرائع: في الشركة ص 313.

(2) تذكرة الفقهاء: في أركان الشركة ج 2 ص 224 س 13.

(3) تحرير الأحكام: في أحكام الشركة ج 3 ص 234.

(4) جامع المقاصد: في أحكام الشركة ج 8 ص 47.

409

و لو قال: قد استأجرت هذا الدكّان و البغل و الرحى و الرجل بكذا لطحن كذا فالأجر بينهم على قدر اجرة مثلهم لكلّ واحدٍ من المسمّى بقدر حصّته.

____________

عمل البغل. و كذلك الحال في الدكّان و الرحى.

و قضية إطلاق كلامهم أنّه لا فرق بين أن تكون اجرة المثل لكلٍّ من هذه الأشياء بقدر ربع المسمّى أو أزيد أو أنقص. فلو كان المسمّى عشرين مثلًا كان لكلّ واحدٍ خمسة. ثمّ إنّ اجرة مثل العامل لو كانت أربعة رجع بثلاثة دراهم على كلّ واحدٍ بدرهم. و كذا القول في اجرة مثل البغل لو كانت ستّة رجع على كلّ واحدٍ بدرهم و نصف، و على هذا القياس. و هذه هي الصورة الثالثة.

و ليس المراد من قوله في العبارة «فقال استأجرتكم» أنّ هذه صيغة عقد الإجارة ليكون ممّن يجوّز تقديم القبول على الإيجاب، و إنّما هو تصوير للمسألة.

قوله: «و لو قال: قد استأجرت هذا الدكّان و البغل و الرحى و الرجل بكذا لطحن كذا فالأجر بينهم على قدر اجرة مثلهم لكلّ واحدٍ من المسمّى بقدر حصّته»

(1) كما في «التذكرة (1) و التحرير (2) و جامع المقاصد (3)» غير أنّه قال في «التذكرة» في حكاية ذلك عن الشافعيّ في أحد قوليه: إنّه يوزّع المسمّى عليهم و يكون التراجع بينهم على ما سبق.

و ظاهره لمكان سكوته عليه اختياره.

و فيه: أنّ الإجارة إذا وقعت على أعيان تلك الأشياء لا وجه للتراجع أصلًا،

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في أركان الشركة ج 2 ص 224 س 12.

(2) تحرير الأحكام: في أحكام الشركة ج 3 ص 235.

(3) جامع المقاصد: في أحكام الشركة ج 8 ص 48.

410

[الثالث: فيما لو جمع بين امور بنيّة أنها له و لغيره]

الثالث: لو صاد أو احتطب أو احتشّ أو حاز بنيّة أنّه له و لغيره لم تؤثّر تلك النية و كان بأجمعه له.

____________

لأنّه هنا يقسّط المسمّى على اجرة المثل لتلك الأشياء باعتبار ذلك العمل، كما لو جمع في عقد البيع بين بيع ملكه و ملك غيره بثمن واحدٍ و رضي الغير فإنّا نقسّط الثمن على قيمة المالين، و قيمة العمل هنا اجرة مثله، فلا يعقل التراجع. و حينئذٍ فلو كانت اجرة مثل عمل ذلك العامل الربع من اجرة مثل الجميع باعتبار ذلك العمل كان له ربع المسمّى، و هو أربعة و نصف من ثمانية عشر. و لو كانت اجرة مثل البغل ثلث اجرة مثل الجميع كان لمالكه ثلث المسمّى، و هو ستّة من ثمانية عشر. و كذلك اجرة مثل الرحى لو كانت ثلاثة أرباع سدس مثل الجميع كان لمالكها ثلاثة أرباع سدس المسمّى، و هي اثنان و ربع من ثمانية عشر. و لمالك الدكّان الباقي، و هو سدس و ثلاثة أرباع، و هو خمسة و ربع من ثمانية عشر، و المخرج للجميع أربعة و عشرون. فلو كان هو اجرة مثل الجميع و المسمّى ثمانية عشر مثلًا كان للعامل أربعة و نصف، و لمالك البغل ستّة، و لمالك الرحى اثنان و ربع، و لمالك الدكّان خمسة و ربع. و مجموع ذلك ثمانية عشر. و هذه هي الصورة الرابعة. و قد عرفت الفرق بينها و بين الثالثة آنفاً.

[فيما لو جمع بين امور بنيّة أنها له و لغيره]

قوله: «لو صاد أو احتطب أو احتشّ أو حاز بنيّة أنّه له و لغيره لم تؤثّر تلك النية و كان بأجمعه له»

(1) كما في «الشرائع (1) و التحرير (2)» و كذا

____________

(1) شرائع الإسلام: في لواحق الشركة ج 2 ص 133.

(2) تحرير الأحكام: في أحكام الشركة ج 3 ص 235.

411

..........

____________

«المبسوط (1)». و في «جامع المقاصد (2) و المسالك (3)» ينبغي أن ينزّل على ما إذا لم يكن وكيلًا للغير و إلّا أتى الإشكال الّذي ذكراه في الشرائع و الكتاب في توقّف تملّك المباح على النية. قال في «جامع المقاصد 4»: فلا يستقيم الجزم بعدم تملّك الغير إلّا إذا لم يكن وكيلًا، ثمّ جزمه بكون المجموع له، مع النية المذكورة لا يستقيم إلّا على القول بأنّ المباح يملك بمجرّد الحيازة و لا عبرة بالنية، انتهى.

و معناه أنّا لو قلنا بتوقّفه على النية و كان وكيلًا ثبت الملك لهما، و لو قلنا بعدم توقّفه فلا يلزم من القول بعدم توقّف تملّك المباح على النية عدم توقّفه على عدم النية الصارفة عن الملك، و إلّا لكان الملك قهريّاً و إن لم يرده كالإرث، و هو بعيد عند صاحب جامع المقاصد، فكان حكم الشيخ في المبسوط و المصنّف و المحقّق بملك الحائز بنيّة أنّه له و لغيره المحاز أجمع، محلّ نظر على القولين أعني توقّف تملّك المباح على النية و عدمه. و نحن نقول: ظاهر كلام الأصحاب حيث يتعرّضون للمسألة أن ليس هناك إلّا قولان، و ظاهرهم أنّه يملك قهراً و إن نوى عدم الملك، و لم نجد الثالث إلّا للمحقّق الثاني، و هو أنّه لا يتوقّف على النية، لكن يتوقّف على عدم النية الصارفة عن الملك. فكان حكم الشيخ في المبسوط و المحقّق في الشرائع و المصنّف في كتابيه بكون المجموع له و إن نوى غيره معه مستقيماً على القول بأنّه لا يتوقّف على النية. و صاحب هذا القول لا يتحاشى عن القول بأنّه كالإرث كما أفصح به جزمهم بكون المجموع له في المسألة. بل في «المبسوط 5 و التحرير (6)» أنّه لو أخذه بنيّة أنّه لغيره فقط كان بأجمعه له. و ليس لهم

____________

(1) 1 و 5 المبسوط: في أحكام الشركة ج 2 ص 346.

(2) 2 و 4 جامع المقاصد: في أحكام الشركة ج 8 ص 49.

(3) مسالك الأفهام: في أحكام الشركة ج 4 ص 324.

(6) تحرير الأحكام: في أحكام الشركة ج 3 ص 235.

412

[هل يفتقر تملّك المباح إلى نيّة التملّك؟]

و هل يفتقر المحيز في تملّك المباح إلى نية التملّك؟ إشكالٌ.

____________

في ردّه إلّا أنّه بعيد، و هو كما ترى. و يأتي (1) للشيخ و القاضي و ابن سعيد و المصنّف في مضاربة الكتاب أنّه لو دفع شبكة للصائد فالصيد للصائد و عليه اجرة الشبكة.

و ستسمع تمام الكلام في المسألة الآتية. و قد سمعت الجمع بين جزمهم هنا و جزمهم بصحّة الاستئجار للصيد و الاحتشاش و الاحتطاب.

[هل يفتقر تملّك المباح إلى نيّة التملّك؟]

قوله: «و هل يفتقر المحيز في تملّك المباح إلى نية التملّك؟ إشكالٌ»

(1) أقربه أنّه يفتقر إليها كما بيّنّاه في باب اللقطة (2) و استدللنا عليه بالأخبار المستفيضة الواردة فيما يوجد في جوف السمكة ممّا يكون في البحر المشتملة على المعجزة و الإجماعَين الظاهرَين من «التذكرة و المختلف» و عضدنا هما بالشهرات و الأصل.

و للمحقّق الثاني (3) على ذلك إيرادات و شبهات واهيات كما ستعرف. قال في بيان وجه الإشكال: ينشأ من أنّ اليد سبب في الملك، و لهذا تجوز الشهادة بمجرّد اليد، و أنّ الحيازة سبب لحصول الملك في المباح في الجملة قطعاً بالاتّفاق، إلّا أنّ أقصى ما يقول المشترطون إنّها سبب ناقص، فحصول الملك لها في الجملة أمرٌ محقّق، و اشتراط النية لا دليل عليه فينفى بالأصل. فإن قيل: الأصل عدم الملك إلّا بالنية لأنّ الأصل في المباح عدم الملك فيستصحب إلى أن يحصل الناقل، قلنا:

أصلان تعارضا فتساقطا، و تبقى سببيّة اليد بغير معارض، و من أنّه قد تكرّر في فتوى الأصحاب أنّ ما يوجد في جوف السمكة ممّا يكون في البحر يملكه المشتري، و لا يجب دفعه إلى الصائد و لا تعريفه إيّاه. و لو كانت الحيازة كافية في التملّك

____________

(1) يأتي في القراض ص 472.

(2) تقدّم في ج 17 ص 829- 832.

(3) جامع المقاصد: في أحكام الشركة ج 8 ص 50- 51.

413

..........

____________

لوجب دفعه إليه. قال: و فيه نظر، لأنّا لا نسلّم أنّ ما في بطن السمكة ممّا لا يعدّ جزءاً لها و لا كالجزء مثل غذائها يعدّ محوزاً بحيازتها. و لو سلّم فأقصى ما يلزم اشتراطه إمّا القصد إلى المحوز بالحيازة أو الشعور به و لو تبعاً، أمّا نية التملّك فلا.

و يؤيّد الأوّل أنّه لو شرطت النية في حصول الملك لم يصحّ البيع قبلها، لانتفاء الملك، و التالي معلوم البطلان، لإطباق الناس على فعله في كلّ عصر من غير توقّف على العلم بحصول النية حتّى لو تنازعا في كون العقد الواقع بينهما أ هو بيع أو استنقاذ لعدم نية التملّك، لا يلتفت إلى قول مَن يدّعي الاستنقاذ. قال: و قال الشارح الفاضل: إنّه أورد ذلك على والده، فأجاب عنه بأنّ إرادة البيع تلزم نية الملك. و هذا الجواب إنّما يتمّ فيمن حاز و تولّى البيع، فلو تولّاه وارثه الّذي لا يعلم بالحال أو وكيله المفوّض إليه في جميع اموره بحيث يتصرّف في بيع ما حاز من المباحات بالوكالة العامّة لم يدفع السؤال. و يردّ عليه أيضاً أنّ حيازة الصبيّ و المجنون على ما ذكروه يجب أن لا تثمر الملك جزماً لعدم العلم بالنية و عدم الاعتداد بأخبارهما خصوصاً المجنون. و لو خلّف ميّت تركة فيها ما علم كونه مباح الأصل و لم يعلم نية تملّكه لا يجب على الوارث تسليمه في الدين و الوصيّة، انتهى كلامه برمّته.

و نحن نقول: قوله «لا دليل عليه» قلنا: قد عرفت أنّ دليله بعد الأصل الأخبار و الإجماعات المعتضدة بالشهرات. و الأصل بمعنى الاستصحاب مع اعتضاده بأصل الإباحة. و أصل البراءة من و جوب الاجتناب مانع من التمسّك بأصل عدم الاشتراط، لأنّا إذا استصحبنا عدم الملك إلى أن يعلم الناقل بيقين و لم يعلم بمجرّد اليد و الحيازة لا يصحّ التمسّك بأصل عدم الاشتراط حينئذٍ. و هذا على تقدير تسليم كونه أصلًا أصيلًا، و إلّا فهو مبنيّ على تقدير وجود عموم أو إجماع يدلّ على أنّ الحيازة وحدها سبب مملّك، و الإجماع ممنوع، و لم يوجد هذا اللفظ في خبر من الأخبار. فالقول بأنّهما متعارضان غفلة قطعاً، و على تقدير التسليم فالأصل الأوّل

414

..........

____________

أصيل معتضد بعد أصلي الإباحة و البراءة بما عرفت من الأخبار و الإجماعات.

قوله «إنّ ما في بطن السمكة ممّا لا يعدّ جزءاً لها و لا كالجزء مثل غذائها لا يعدّ محوزاً بحيازتها «فيه نظر واضح، إذ لا ريب في حصول معنى الحيازة لجميع ما صار تحت يده، فكيف يقول: إنّ ما في بطنها لا يعدّ محوزاً؟ إذ معنى الحيازة لغةً و عرفاً هو الاستيلاء و وضع اليد، و هما حاصلان، و إنّما تخلّفت النية. ففوات الملك لفوات النية. ثمّ إنّ ذلك فرع وجود لفظ الحيازة في خبر أو إجماع، و كلاهما مفقودان.

قوله «أقصى ما يلزم اشتراطه إمّا القصد إلى المحوز بالحيازة أو الشعور به و لو تبعاً، أمّا نية التملّك فلا» إن كان معناه أنّه يعتبر في تحقّق الحيازة إمّا القصد إلى المحوز أو الشعور به و ما في بطنها لا قصد إليه و لا شعور به ففساده واضح، لأنّك قد عرفت أنّ معنى الحيازة هو الاستيلاء و وضع اليد و أنّهما حاصلان فلا دليل على اعتبار الشعور في تحقّقها مضافاً إلى مفاسد اخر كثيرة، و إن كان معناه أنّه يعتبر في تحقّق الملك القصد إلى المحوز كما في أجزاء السمكة فإنّ القصد إلى الأجزاء حاصل إجمالًا و لا أقلّ من الشعور به، و ما في بطنها لا شعور به أصلًا فضلًا عن قصده، ففيه: أنّ النية ليست إلّا قصد الحيازة لنفسه فكيف يقول لا النية؟

إلّا أن تقول: إنّ نية التملّك بالحيازة غير قصد الشيء بها و توجّه النظر إليه لا غافلًا و لا ساهياً، ففيه مع أنّه خلاف مذهبه أنّ القصد الإجمالي بهذا المعنى إن سلّم إلى ما في جوفها حاصل في الجملة، و لا حاجة إلى العلم و الشعور، فلم يكن تخلّف الملك إلّا لتخلّف النية، سلّمنا لكن أصل عدم الملك يقضي بتوقّفه على النية، لأنّه محلّ اليقين و ما عداه مشكوك فيه.

قوله «و يؤيّد الأوّل ... إلى آخره» فيه: أنّ الّذي أطبق الناس على فعله البناء في اليد على ظاهر الملك لا على الحكم بالملك في نفس الأمر، و الكلام في تحقّق الملك للمحيز في نفس الأمر و فيما بينه و بين اللّٰه عزّ و جلّ لا بحسب الظاهر،

415

..........

____________

و الفرق بين الأمرين ظاهر. و بالجملة: لا يلزم من جعل اليد علامة عند اشتباه الحال كونها دليلًا في نفس الأمر. و استوضح ذلك فيما إذا وضع يده غير ناوٍ للملك أو قال لم أنو الملك.

و منه يعلم حال ما أورده على جواب المصنّف لولده بأن يقال إنّ تصرّف الوارث و الوكيل مبنيّ على الظاهر و إن كان لم يتحقّق الملك في نفس الأمر. و لعلّ الأولى أن يقول في المثال: لو تنازعا في المعاملة بدل العقد.

و أمّا الإيراد بحيازة الصبيّ و المجنون فجوابه أنّه إن بني الحكم في المسألة على الحكم في نفس الأمر فمتى لم يحصل القصد إلى الاختصاص بالمباح فالأصل يقتضي عدم الملك و ذلك بالنسبة إلى المحيز نفسه، و أمّا بالنظر إلى غيره فإذا رأى تحت يده شيئاً من ذلك نحكم له به ظاهراً. و لا يجوز تناوله بغير إذنه، لأنّ الشارع جعل اليد دليلًا ظاهراً على الملك. فالصبيّ المميّز معتبر القصد و الحيازة، و كذا المجنون في بعض حالاته، فليتأمّل جيّداً.

416

[المقصد الخامس في القراض]

المقصد الخامس

في القراض

____________

«المقصد الخامس: في القراض»

[في تعريفه]

(1) هو و المضاربة لفظان مترادفان على معنى واحد كما في «المبسوط (1) وفقه القرآن (2) و الغنية (3) و السرائر (4) و شرح الفخر (5) و المهذّب البارع (6)» و هو معنى ما في «الوسيلة (7)» و غيرها (8) من أنّ القراض هو المضاربة. و قد صرّح في أكثر هذه أنّ القراض لغة أهل الحجاز و المضاربة لغة أهل العراق.

و قد تعرّض جماعة (9) للوجه في الاشتقاق. و قد صرّح في «المبسوط 10 وفقه

____________

(1) 1 و 10 المبسوط: في القراض و المضاربة ج 3 ص 167.

(2) فقه القرآن: في القراض ج 2 ص 67.

(3) غنية النزوع: في المضاربة ص 266.

(4) السرائر: في المضاربة ج 2 ص 407.

(5) شرح الإرشاد للنيلي: في المضاربة ص 64 س 14.

(6) المهذّب البارع: في المضاربة ج 2 ص 553.

(7) الوسيلة: في القراض ص 263.

(8) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 460.

(9) منهم العلّامة في تذكرة الفقهاء: في ماهية القراض ج 2 ص 229 س 14، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في تعريف المضاربة ج 4 ص 343، و صاحب رياض المسائل: في تعريف المضاربة ج 9 ص 70.

417

..........

____________

القرآن (1) و التذكرة (2) و التحرير (3) و إيضاح النافع و المسالك (4)» أن ليس لربّ المال اشتقاق من المضاربة، فلا يقال له مضارب اسم فاعل و لا مفعول، و إنّما يقال للعامل مضارب اسم فاعل. و صرّح جماعة (5) بأنّه يقال لربّ المال مقارض بكسر الراء و للعامل بفتح الراء، قالوا: و لمّا كان صاحب المال طالباً و العامل مضارباً صار الضرب كأنّه صادر عنهما.

و هذه المعاملة جائزة بإجماع الامّة و الكتاب كما في «المبسوط (6) و السرائر (7)» و بإجماع الامّة و لا خلاف فيه بين الامّة كما في «المهذّب البارع (8)» و نحوه ما في «الغنية (9)» من نفي الخلاف، و ظاهره بين المسلمين.

و في «مجمع البرهان» أنّ الظاهر أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين (10).

و في «الروضة» في ردّ كلام المفيد و الشيخ في النهاية و أبي الصلاح أنّ إجماع المسلمين يدفعه (11). قلت: و هذه الإجماعات أيضاً تدفعه. و في «فقه القرآن 12 و التذكرة 13 و المهذّب البارع 14» أيضاً و «التنقيح (15) و الكفاية (16)»

____________

(1) 1 و 12 فقه القرآن: في المضاربة ج 2 ص 67.

(2) 2 و 13 تذكرة الفقهاء: في ماهية القراض ج 2 ص 229 س 20 و 21.

(3) تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 244.

(4) مسالك الأفهام: في تعريف المضاربة ج 4 ص 343.

(5) كما في المسالك: في تعريف المضاربة ج 4 ص 343، و التذكرة: في ماهية القراض ج 2 ص 229 س 19، و الرياض: في تعريف المضاربة ج 9 ص 69، و الحدائق الناضرة: في عقد المضاربة ج 21 ص 199- 200.

(6) المبسوط: في القراض و المضاربة ج 3 ص 167.

(7) السرائر: في المضاربة ج 2 ص 407.

(8) 8 و 14 المهذّب البارع: في المضاربة ج 2 ص 555 و 554.

(9) غنية النزوع: في المضاربة ص 266.

(10) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 227.

(11) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 219.

(15) التنقيح الرائع: في المضاربة ج 2 ص 215.

(16) كفاية الأحكام: في تعريف المضاربة ج 1 ص 624.

418

و فصوله ثلاثة:

[الفصل الأوّل: في أركانه]

[الأوّل العقد:]

الأوّل: في أركانه

و هي خمسة:

(الأوّل) العقد:

فالإيجاب: قارضتك، أو: ضاربتك، أو: عاملتك على أن الربح بيننا نصفين أو متفاوتاً.

____________

و غيرها (1) أنّها جائزة بالنصّ و الإجماع. و في «المسالك (2) و الكفاية (3)» أنّه لا خلاف في أنّها عقد جائز من الطرفين. و بذلك قد طفحت عباراتهم، لكن في «جامع الشرائع (4)» أنّها عقد لازم من الطرفين، فلعلّ في النسخة غلطاً و إلّا لما أغفلوه.

[في صيغة عقد القراض]

قوله: «و فصوله ثلاثة، الأوّل: في أركانه، و هي خمسة، الأوّل: العقد، فالإيجاب: قارضتك، أو ضاربتك، أو: عاملتك على أنّ الربح بيننا نصفين أو متفاوتاً»

(1) ظاهر العبارة حصر ألفاظ الإيجاب في الثلاثة، و ليس بمراد، لأنّه عبّر بمثل ذلك في «التذكرة» ثمّ قال بعد ذلك: و لا يختصّ الإيجاب لفظاً (5). و بذلك صرّح في «المهذّب

____________

(1) كما في مفاتيح الشرائع: في شرعية المضاربة ج 3 ص 90.

(2) مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 344.

(3) كفاية الأحكام: في تعريف المضاربة ج 1 ص 624.

(4) المذكور في النسخة الموجودة لدينا من الجامع للشرائع هو مطابقة المشهور للأصحاب و هو قوله «المضاربة عقد جائز من الطرفين» و من المحتمل أنّ لفظ «جائز» صحّف أو حرّف إلى «اللازم» فراجع الجامع للشرائع: ص 314.

(5) تذكرة الفقهاء: في ماهية القراض ج 2 ص 229 س 38.

419

..........

____________

البارع (1)» و هو معنى ما في «التحرير (2) و التنقيح (3)» حيث قيل فيهما: و ما أدّى معنى ذلك، و قضية كلّ ما قيل فيه إنّها عقد «كالسرائر (4) و جامع الشرائع (5) و شرح الفخر (6)» و لم يبيّن فيها ألفاظه، إذ العقد ظاهر أو صريح في اللفظ كما تقدّم بيانه في باب العارية و الوديعة (7). و معنى ما في «المبسوط (8) وفقه الراوندي (9) و الوسيلة (10) و الغنية (11) و النافع (12) و التبصرة (13) و اللمعة (14) و الروض (15) و الروضة (16) و المفاتيح (17)» و كذا «النهاية (18)» من قولهم: إنّ القراض و المضاربة أن يدفع مالًا إلى غيره ... إلى آخره، فإنّ فيه تنبيهاً على أنّه لا يختصّ لفظاً بل قد يقضي ذلك بأنّه لا يحتاج إلى اللفظ و يكفي فيها المعاطاة، و لا ريب عندنا في جريانها فيها كما بيّنّاه (19) في باب

____________

(1) المهذّب البارع: في المضاربة ج 2 ص 558.

(2) تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 244.

(3) التنقيح الرائع: في المضاربة ج 2 ص 215.

(4) السرائر: في المضاربة و هي القراض ج 2 ص 409.

(5) الجامع للشرائع: في المضاربة و هي القراض ص 314.

(6) شرح الإرشاد للنيلي: في المضاربة ص 64 س؟؟؟.

(7) تقدّم في ج 17 ص 199- 200.

(8) المبسوط: في القراض و المضاربة ج 3 ص 167.

(9) فقه القرآن: في القراض ج 2 ص 67.

(10) الوسيلة: في بيان حكم القراض ص 263.

(11) غنية النزوع: في المضاربة ص 266.

(12) المختصر النافع: في المضاربة ص 146.

(13) تبصرة المتعلّمين: في المضاربة ص 104.

(14) اللمعة الدمشقية: في المضاربة ص 152.

(15) لا يوجد لدينا كتابه.

(16) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 211.

(17) مفاتيح الشرائع: في تعريف المضاربة ج 3 ص 89.

(18) النهاية: في المضاربة ص 428.

(19) تقدّم في ج 6 ص 5 و 52- 53.

420

و القبول: قبلت، و شبهه من الألفاظ الدالّة على الرضا.

____________

العارية و الوديعة. و في «مجمع البرهان (1) و الكفاية (2)» أنّ الدليل لا يقتضي سوى اعتبار ما دلّ على التراضي، أمّا كون الدالّ لفظاً فوجهه غير ظاهر. و فيه ما ستسمع.

قوله: «و القبول: قبلت، و شبهه من الألفاظ الدالّة على الرضا»

(1) قضيّته أنّه لا بدّ فيه من اللفظ. و هو قضية كلّ مَن قال إنّه عقد، كما أنّه قضية الضوابط، لأنّه يجب الاقتصار فيما خالف الأصل الدالّ على أنّ الربح تابع لأصل المال على المتيقّن. و قال في «التذكرة»: الأقرب أنّه لا يعتبر فيه اللفظ (3). و في «الروضة» أنّه لا يخلو من قوّة (4). و قد يشهد له ما في «المبسوط» و ما ذكر بعده (5) من أنّ القراض أن يدفع ... إلى آخره، فتأمّل و أنّه وكيل في المعنى، و يكفي في الوكالة القبول الفعلي، لكنّه قد اعتبر في «التذكرة 6» في العقد التواصل بين الإيجاب و القبول، إذ اعتبار التواصل منافٍ لعدم اعتبار القول في القبول، إلّا أن يقال: إنّه لا بدّ من التواصل في القبول الفعلي بأن يأخذ المال بعد صيغة الإيجاب بلا فصل، و هو بعيد جدّاً، لأنّهم لم يشترطوا ذلك في القبول الفعلي في الوكالة. و لا بدّ من ملاحظة ما تقدّم في باب العارية و الوديعة. و قد سمعت ما في مجمع البرهان و الكفاية.

هذا، و قال في «التذكرة»: إذا دفع الإنسان إلى غيره مالًا ليتّجر به فلا يخلو إمّا

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 229.

(2) كفاية الأحكام: في الإيجاب و القبول في المضاربة ج 1 ص 625.

(3) 3 و 6 تذكرة الفقهاء: في أركان القرض ج 2 ص 229 س 39.

(4) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 212.

(5) تقدّم في ص 417.

421

..........

____________

أن يشترطا قدر الربح بينهما أو لا، فإن لم يشترطا شيئاً فالربح بأجمعه لصاحب المال و عليه اجرة المثل للعامل. و إن شرطا، فإن جعلا جميع الربح للعامل كان المال قرضاً و دَيناً عليه و الربح و الخسارة عليه، و إن جعلا الربح بأجمعه للمالك كان بضاعة، و إن جعلا الربح بينهما فهو القراض الّذي عقد الباب لأجله، انتهى (1).

و قد حكاه عنه فيها جماعة (2) ساكتين عليه. و قد نبّه على ذلك على نحو ذلك في «المبسوط (3) و الغنية (4) و السرائر (5) و جامع الشرائع (6)» و غيرها (7). و زيد في «الوسيلة (8)» السفتجة و الوديعة.

و قال في «الكفاية»: إنّ قوله «و عليه اجرة المثل» لا يخلو عن تأمّل، و كذا قوله «كان المال قرضاً و دَيناً عليه» (9). و قد أخذ ذلك من «مجمع البرهان» حيث تأمّل في هذين الأمرين حيث قال: إن قوله «و عليه اجرة المثل للعامل» محلّ تأمّل، لأنّ الأصل عدم لزوم الاجرة لقيام احتمال التبرّع إلّا أن يكون هناك ما يفيد ذلك. و يدلّ عليه بحيث يكون نصّاً و مفيداً لذلك عرفاً غالباً، فيلزم اجرة المثل، و إلّا فهو تبرّع (10).

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في ماهية القراض ج 2 ص 229 س 11 فما بعد.

(2) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في المضاربة ج 10 ص 226 و البحراني في الحدائق الناضرة: في تعريف المضاربة ج 21 ص 200، و السبزواري في كفاية الأحكام: في تعريف المضاربة ج 1 ص 624.

(3) المبسوط: في القراض و المضاربة ج 3 ص 167.

(4) غنية النزوع: في المضاربة ص 266.

(5) السرائر: في المضاربة و هي القراض ج 2 ص 407.

(6) الجامع للشرائع: في المضاربة و هي القراض ص 315.

(7) كفقه القرآن: في المضاربة ج 2 ص 67.

(8) قال في الوسيلة: فإن دفع أحد إلى غيره ليحتفظ به كان وديعة، و إن دفع إليه ليردّ عليه مثله يكون قرضاً، و إن دفع إليه ليتّجر به له من غير اجرة كان بضاعة، و إن دفع ليردّ عليه مثله ببلد آخر يكون سفتجة، و إن دفع إليه ليتّجر به و كان للعامل في التجارة به منفعة يكون قراضاً و مضاربة. راجع الوسيلة: في بيان حكم القراض ص 263.

(9) كفاية الأحكام: في تعريف المضاربة ج 1 ص 624.

(10) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 226- 227.

422

..........

____________

و أجاب عنه في «الرياض» بأنّه مخصوص بصورة جريان عقد القراض.

و حينئذٍ فصدور العقد منهما حينئذٍ إقدام منهما على عدم خلوّ عمل العامل عن اجرة و على عدم التبرّع، و حيث انتفى احتماله وجبت اجرة المثل مع أنّ العدم يستلزم الضرر على العامل (1).

و فيه على بُعده جدّاً: أنّه حمل للقسم على معنى قسيمه و مقابله، على أنّ العلاوة لا وجه لها، لأنّه يقال في جوابها: إنّه هو أدخله على نفسه بإقدامه أو إغفاله و تركه لذلك، و لعلّ الأقعد في الجواب هو ما اتفق عليه الأصحاب (2) من أنّه من أمر غيره بعمل له اجرة عادة و العامل من عادته ذلك فعمل استحقّ عليه اجرة المثل.

و قد قال في إجارة «مجمع البرهان (3)»: إنّه مشهور بل احتمل أنّه مجمع عليه. و قد قلنا هناك (4): إنّه ليس من قبيل: أدّ عني دَيني و أعطني ما في يدك، و لم يقل: و عليَّ عوضه، و أنّ وجه الفرق استمرار الطريقة على ذلك في ذلك و أنّ الأصل فيه أنّه من باب معاطاة الإجارة. و قد أشار في «مجمع البرهان (5)» هنا إلى ذلك و لكنّه تأمّل في كونه من ذلك. و لعلّه لأنّ كلامهم هناك مفروض فيمن دفع لغيره شيئاً أو سلعةً ليعمل فيها عملًا كالغسّال و القصّار، و قد بيّنّا هناك أنّه لا فرق في ذلك كما أفصحت به هنالك عبارة «الإرشاد (6)» و غيرها 7.

____________

(1) رياض المسائل: في أنّ المضاربة من العقود الجائزة ج 9 ص 71.

(2) منهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في أحكام الجعالة ج 11 ص 166، و البحراني في الحدائق الناضرة: في الإجارة ج 21 ص 633، و السبزواري في كفاية الأحكام: في الإجارة ج 1 ص 667.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام الإجارة ج 10 ص 83.

(4) تقدّم في ص 828- 838.

(5) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 226.

(6) 6 و 7 لم تتقدّم عن الإرشاد عبارة في مسألة دفع شيء إلى الغسّال و القصّار الّتي ورد في ج 19 ص 820. و انما الّذي حكي هناك كلام من التحرير و جامع المقاصد يدلّ على عدم ضمان القصّار في المسألة، فراجع كلامه هناك تجد ما بيّنّاه. نعم عبارة الإرشاد على ضمان القصّار و نحوه من الصبّاغ فراجع الإرشاد ج 1 ص 425.

423

..........

____________

و قال في «مجمع البرهان» في التأمّل في قوله في التذكرة «كان المال قرضاً و دَيناً»: إنّ القرض يحتاج إلى صيغة و الفرض عدم وجودها، و ما وجد منه إلّا مثل قوله: اتّجر فيه و يكون الربح لك، و خروج المال عن ملك مالكه و دخوله في ملك آخر بمثل ذلك مشكل، فيحتمل أنّه أراد في التذكرة بكونه قرضاً و دَيناً أنّه إذا تصرّف فيه كان دَيناً في ذمّته (1).

و أجاب في «الرياض» بأنّه لعلّ المراد أنّ اشتراط الربح لهما معاً إنّما يكون في القراض، و اشتراطه للعامل خاصّة إنّما يكون في القرض و للمالك خاصّة إنّما يكون في البضاعة. و هذا لا يدلّ على حصول القراض و القرض بمجرّد ذلك كما يوهمه ظاهر كلام التذكرة (2).

قلت: كلام التذكرة مسوق لبيان ذلك، و ذلك يكون إمّا على سبيل بيان المقاولة الّتي تكون قبل إيقاع الصيغة في العقدين و لعلّه أراده بقوله لعلّ أو على سبيل المعاطاة فيهما، لأنّها تكون بدون لفظ، فكيف إذا كانت بمثل قوله: اتّجر به و عليك ضمانه أو و لك ربحه، أو: اتّجر به و أعطني عوضه، و نحو ذلك. و هذا هو المراد من الأخبار الّتي ذكرها في «الرياض 3» حيث قال: و يحتمل الاكتفاء بمجرّد هذا الاشتراط في القرض للمعتبرة (4) المستفيضة و فيها الصحيح و الموثّق و غيرهما: مَن ضمن تاجراً فليس له إلّا رأس ماله، و ليس له من الربح شيء لظهورها في أنّه بمجرّد تضمين التاجر يصير المال قرضاً. و هو في معنى اشتراط الربح، فإنّ الأمرين من لوازم القرض، انتهى. و لم يتعرّض للوجه في كونه بالتضمين يصير قرضاً حتّى يحمل اشتراط الربح عليه. و الوجه في ذلك ما قلناه من أنّه من باب المعاطاة في القرض.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 227.

(2) 2 و 3 رياض المسائل: في تعريف المضاربة ج 9 ص 70.

(4) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المضاربة ح 1 و 2 ج 13 ص 186.

424

[في جواز الشروط الصحيحة في عقد المضاربة]

و هو عقدٌ قابلٌ للشروط الصحيحة مثل أن لا يسافر بالمال، أو لا يشتري إلّا من رجلٍ بعينه أو قماشاً معيّناً و إن عزّ وجوده كالياقوت الأحمر، أو لا يبيع إلّا على رجلٍ معيّن.

____________

و ظاهر التذكرة و غيرها ممّا تأخّر عنها عدا ما ستسمع عدم لزوم الاجرة للعامل في البضاعة.

و قال في «التنقيح»: إن اشترط الربح لنفسه خاصّة دون العامل فذاك بضاعة، فإن قال مع ذلك و لا اجرة لك فهو توكيل في الاسترباح من غير رجوع عليه، و إن قال و لك اجرة كذا، فإن عيّن عملًا مضبوطاً بالمدّة أو العمل فذاك إجارة، و إن لم يعيّن فجعالة. و إن سكت، فإن تبرّع فلا اجرة، و إن لم يتبرّع و كان ذلك الفعل له اجرة فله اجرة مثله (1). و هو جيّد جدّاً. و يقرب منه ما في «المهذّب (2)» و عليه ينزّل كلام التذكرة و ما وافقها لما تقدّم في الإجارة كما نبّهنا عليه آنفاً.

[في جواز الشروط الصحيحة في عقد المضاربة]

قوله: «و هو عقدٌ قابلٌ للشروط الصحيحة مثل أن لا يسافر بالمال، أو لا يشتري إلّا من رجلٍ بعينه أو قماشاً معيّناً و إن عزّ وجوده كالياقوت الأحمر، أو لا يبيع إلّا على رجلٍ معيّن»

(1) قد صرّح في «المبسوط (3) و الشرائع (4) و التذكرة (5) و الكتاب» فيما يأتي و «جامع المقاصد (6)

____________

(1) التنقيح الرائع: في المضاربة ج 2 ص 213- 214.

(2) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 462.

(3) المبسوط: فيما يجوز أن يكون رأس المال في القراض ج 3 ص 170.

(4) شرائع الإسلام: في عقد المضاربة ج 2 ص 137.

(5) تذكرة الفقهاء: القراض فيما لو أطلق المالك ... ج 2 ص 234 س 4.

(6) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 54.

425

..........

____________

و الكفاية (1)» بصحّة هذه الشروط عدا الأوّل فإنّه لم يصرّح به فيها هنا لكنّه قضية كلامهم. و يأتي التصريح به في محلّه (2). و في «التذكرة (3)» أنّ هذه الشروط الثلاثة مخصّصة للإطلاق. و ذلك جائز بالإجماع. و نسب فيها أيضاً جواز هذه الشروط الثلاثة و لزومها و لو قلّ وجود ما عيّنه و عزّ تحصيله و كان نادراً إلى علمائنا.

و نسب الخلاف في ذاك إلى الشافعي و مالك، قالا: إنّ ذلك تضييق يخلّ بمقصود المضاربة. و في «جامع المقاصد (4) و المسالك (5) و المفاتيح (6)» أنّه لا خلاف عندنا في جواز هذه الشروط الثلاثة و لزومها و إن ضاقت بسببها التجارة. و إطلاق النصوص دالّ عليه. و في «الغنية (7) و السرائر (8)» أنّ تصرّف المضارب موقوف على إذن صاحب المال إن أذن له في السفر به أو في البيع نسيةً جاز له ذلك و لا ضمان عليه لما يهلك أو يحصل من خسران، و إذا لم يأذن في البيع نسيةً أو في السفر أو أذن فيه إلى بلد معيّن أو شرط أن لا يتّجر إلّا في شيء معيّن، أو لا يعامل إلّا إنساناً معيّناً فخالف لزمه الضمان. و هذا صريح في صحّة هذه الشروط. و قال في «السرائر» بعد ذلك بلا فصل: بدليل إجماع أصحابنا على جميع ذلك. و هو- أي الإجماع على جميع ذلك- ظاهر «الغنية» أيضاً. و قد فسّرت عبارتا «النافع (9) و اللمعة (10)» حيث قيل فيهما: يقتصر على ما أذن له المالك، بنوعها و مكانها و زمانها

____________

(1) كفاية الأحكام: في عقد المضاربة ج 1 ص 625.

(2) يأتي في ص 579 و ما بعدها.

(3) تذكرة الفقهاء: القراض فيما لو أطلق المالك ... ج 2 ص 234 س 7- 16.

(4) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 54.

(5) مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 345.

(6) مفاتيح الشرائع: في أحكام المضاربة ج 3 ص 91.

(7) غنية النزوع: في المضاربة ص 266.

(8) السرائر: في المضاربة و هي القراض ج 2 ص 407.

(9) المختصر النافع: في المضاربة ص 146.

(10) اللمعة الدمشقية: في المضاربة ص 152.

426

[فيما لو اشترط في المضاربة ما ينافيه]

و لو شرط ما ينافيه فالوجه بطلان العقد مثل أن يشترط ضمان المال، أو سهماً من الخسران، أو لزوم المضاربة أو أن لا يبيع إلّا برأس المال أو أقلّ.

____________

و مَن يشتري منه و يبيع عليه (1). و الأمر في ذلك واضح لمكان إطلاقات الأدلّة، إذ لا مانع غير التضييق، و هو غير مانع كالوكالة، كما أنّه لا مزيّة لهذا العقد في قبوله الشروط الصحيحة، إذ كلّ عقد قابل لذلك. و لعلّهم إنّما نصّوا عليه لمكان خلاف الشافعي و مالك (2)، فليتأمّل جيّداً.

[فيما لو اشترط في المضاربة ما ينافيه]

قوله: «و لو شرط ما ينافيه فالوجه بطلان العقد مثل أن يشترط ضمان المال، أو سهماً من الخسران، أو لزوم المضاربة أو أن لا يبيع إلّا برأس المال أو أقلّ»

(1) قد صرّح ببطلان العقد فيما إذا اشترط لزوم المضاربة إلى أجلٍ أو مطلقاً في «المبسوط (3) و جامع الشرائع (4) و الشرائع (5) و التذكرة (6) و الإيضاح (7) و جامع

____________

(1) كما في رياض المسائل: في اشتراط الأجل في المضاربة ج 9 ص 74، و الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 213.

(2) راجع المجموع: في القراض ج 14 ص 379، و المدونة الكبرىٰ: في المقارضة ج 5 ص 119- 120، و مغني المحتاج: ج 2 ص 311.

(3) المبسوط: فيما يجوز أن يكون رأس المال في القراض ج 3 ص 170.

(4) الجامع للشرائع: في المضاربة و هي القراض ص 317.

(5) شرائع الإسلام: في عقد القراض ج 2 ص 137.

(6) تذكرة الفقهاء: في بعض فروع القراض ج 2 ص 250 س 30.

(7) إيضاح الفوائد: في أركان القراض ج 2 ص 304.

427

..........

____________

المقاصد (1) و المسالك (2)». و في «الروضة (3)» أنّه المشهور. و تصويره أن يقول:

قارضتك سنة على أن لا أملك منعك فيها أو لا أملك الفسخ فيها. و في «التحرير (4) و اللمعة (5)» أنّه لا يصحّ اشتراط اللزوم. و لعلّهما أرادا أنّه لا يجب الوفاء بالشرط.

و حاصله: أنّه يفسد الشرط و يصحّ العقد، و عبارة اللمعة كادت تكون صريحة في ذلك. و قد يكونان موافقَين للجماعة كما احتمله في الروضة من عبارة اللمعة.

و قد أشار المصنّف إلى وجه بطلان العقد بأنّ هذا الشرط منافٍ لمقتضاه، و إليه استند الشيخ و المحقّق و مَن وافقهما. و معناه أنّ التراضي في العقد لم يقع إلّا على وجهٍ فاسد فيكون باطلًا. و وجه فساده أنّ مقتضى العقد أنّ لكلّ منهما فسخه، لأنّه جائز، فإذا شرط ما ينافيه فسد العقد لفساد الشرط.

و وجه صحّة العقد أنّ بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد كما ذهب جماعة (6) إلى مثله في البيع. و أجاب في «جامع المقاصد» بأنّ التراضي في العقد شرط و لم يحصل إلّا على الوجه الفاسد، فيكون غير معتبر، فيفوت شرط الصحّة (7).

و معناه أنّه لا يمكن الاستناد في الصحّة إلى عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (8) لأنّ العموم مقيّد قطعاً بما وقعت عليه و ما حصل به التراضي. و العقد هنا قد وقع على الشرط المقارن و بذلك حصل التراضي، فإذا انتفى انتفى التراضي، و هو شرط في الصحّة

____________

(1) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 55.

(2) مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 345.

(3) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 213.

(4) تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 244.

(5) اللمعة الدمشقية: في المضاربة ص 152.

(6) منهم الشيخ في المبسوط: في أحكام تفريق الصفقة ج 2 ص 149، و الحلّي في الجامع للشرائع: في البيع ص 272، و الآبي في كشف الرموز: في القبض و أحكامه ج 1 ص 475.

(7) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 55.

(8) المائدة: 1.

428

[فيما لو اشترط في المضاربة توقيتها]

و لو شرط على العامل توقيت المضاربة لم يلزم الشرط و العقد صحيح،

____________

إجماعاً. و لو لا اتّفاق الكلمة هنا على بطلان الشرط لأمكن القول بصحّته، و لا نسلّم منافاته لمقتضى العقد، فليتأمّل.

و ممّا ذكر يُعلم الحال في الشروط الباقية. و البطلان فيها صريح «التذكرة (1)» في آخر الباب و «الإيضاح (2)» و قضية كلام الباقين (3)، لأنّ الرابع و الخامس مخالفان لمقتضى العقد، و هو الاسترباح، و الأوّلان ليسا من مقتضاه و لا هما مصلحة له، فتأمّل فيهما.

[فيما لو اشترط في المضاربة توقيتها]

قوله: «و لو شرط على العامل توقيت المضاربة لم يلزم الشرط و العقد صحيح»

(1) توقيت المضاربة يقع مع الإطلاق و التقييد، فالإطلاق أن يقول:

قارضتك على هذا المال سنة، و التقييد أن يقول قارضتك سنة، فإذا انقضت فلا تبع و لا تشتر، أو: فبع و لا تشتر، أو بالعكس.

و معنى عدم لزوم الشرط عدم صحّته بمعنى عدم ترتّب أثره عليه و هو لزومها إلى الأجل، فيكون لكلٍّ منهما الفسخ متى شاء. و قد أطلق المصنّف كما سمعت هنا، و في «الإرشاد (4)» و ما يأتي أيضاً في الكتاب (5) حيث قال: و لا يلزم الأجل. و مثله

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في بعض فروع القراض ج 2 ص 250 س 33 فما بعد.

(2) إيضاح الفوائد: في القراض ج 2 ص 304.

(3) منهم المحقّق الثاني في جامع المقاصد: في أركان القرض ج 8 ص 55، و الشهيد في اللمعة الدمشقية: في المضاربة ص 152، و الشهيد الثاني في الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 212.

(4) إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 435.

(5) سيأتي في ص 498.

429

..........

____________

ما في «جامع المقاصد (1) و الروض (2) و مجمع البرهان (3)» و مثله قوله في «النافع (4)»:

لا يلزم فيها اشتراط الأجل، و كذا «إيضاحه» و هو معنى قوله في «اللمعة (5)» لا يصحّ فيها اشتراط الأجل. و مثله ما في «الروضة (6)». و قد قيل فيها كلّها عدا النافع: إنّه يثمر المنع من التصرّف. و فيه دلالة على صحّة العقد.

و قيّد في «التذكرة (7)» عدم لزوم الشرط و صحّة العقد بصورة الإطلاق، و ستسمع كلامه في صورة التقييد. و عكس في «التحرير (8)» قال: لا يلزم التأجيل بأن يقول:

قارضتك إلى سنة فإذا مضت فلا تبع و لا تشتر، قاله الشيخ. و لو قيل بالجواز كان حسناً، انتهى. و في «جامع الشرائع (9)» أنّه لو قارضه سنة بشرط أن لا يبيع و لا يشتري صحّ القراض و فسد الشرط، و إن شرط أن لا يشتري بعد السنة صحّ القراض و الشرط، انتهى. و قال في «الشرائع (10)»: لو اشترط الأجل لم يلزم، لكن إن قال إن مرّت بك سنة فلا تشتر بعدها و بع صحّ. فقد صرّح بالصحّة في بعض صور التقييد، و قد وافقه على الأخير في «التحرير 11» و قد سمعت ما في جامع الشرائع. و مرادهما قصر الصحّة على خصوص المثال لا كما فهمه من الشرائع في «المسالك» من

____________

(1) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 55.

(2) لا يوجد لدينا كتابه. نعم يستفاد من حاشيته على الإرشاد، فراجع غاية المراد: في المضاربة ج 2 ص 359.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 241.

(4) المختصر النافع: في المضاربة ص 146.

(5) اللمعة الدمشقية: في المضاربة ص 152.

(6) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 212.

(7) تذكرة الفقهاء: في فروع عمل القراض ج 2 ص 234 س 38.

(8) 8 و 11 تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 244.

(9) الجامع للشرائع: في القراض ص 316.

(10) شرائع الإسلام: في عقد القراض ج 2 ص 137.

430

..........

____________

العموم كما ستسمع (1). فيكون قائلًا في الشرائع بصحّة الشرط في جميع صوَر التقييد كما هو خيرة «التذكرة (2)» و ما يأتي في «الكتاب (3) و جامع المقاصد (4) و المسالك (5) و الروضة (6) و الكفاية (7) و الرياض (8)». و صرّح في «المبسوط (9) و المهذّب (10)» فيما إذا قال: قارضتك على ألف سنة فإذا انتهت فلا تبع و لا تشتر ببطلان القراض، و بالصحّة فيما إذا قال: قارضتك سنة على أنّك تمتنع من الشراء دون البيع إذا انقضت السنة.

فقد تحصّل من ظاهر كلامهم أنّ بعضاً يقول ببطلان الشرط في صورة التقييد و الإطلاق، و بعضاً يقول به في بعض صوَر التقييد، و بعضاً يقول به في صورة الإطلاق فقط، و بعضاً يقول ببطلان العقد و الشرط في بعض التقييدات و صحّتهما معاً في بعض التقييدات.

و كيف كان، فحجّة القائلين ببطلان الشرط و عدم لزومه و صحّة العقد حيث يقول قارضتك سنة أنّ الشرط غير منافٍ لمقتضى العقد و لا موجب لفساده، لأنّ مرجعه إلى تقييد التصرّف بوقتٍ خاصّ، و هو غير منافٍ لمقتضاه، إذ ليس مقتضى عقد المضاربة الإطلاق بخلاف اشتراط لزومها إلى أجل.

قلت: قد فسّروا قولهم «لا يلزم التأجيل فيها، لا يصحّ اشتراط التأجيل فيها، لو

____________

(1) سيأتي في ص 432.

(2) تذكرة الفقهاء: القراض في العمل ج 2 ص 234 س 40.

(3) سيأتي في ص 498.

(4) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 55.

(5) مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 344.

(6) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 212- 213.

(7) كفاية الأحكام: في عقد المضاربة ج 1 ص 625.

(8) رياض المسائل: في اشتراط الأجل في المضاربة ج 9 ص 73.

(9) المبسوط: في رأس مال القراض ج 3 ص 169.

(10) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 461.

431

..........

____________

شرط توقيتها لم يلزم الشرط» بأنّه لا يترتّب أثره عليه، و هو لزومها إلى الأجل.

و هذا يقضي بأنّ ذلك يفيد اشتراط لزومها، فيكون كاشتراط لزومها إلى أجل. و لو كان مرجعه إلى تقييد التصرّف بوقتٍ خاصّ ما صحّ لهم أن يقولوا فسد الشرط و لا أن يقولوا لا يصحّ اشتراط الأجل، بل الواجب أن يقولوا كما في «المسالك (1)» صحّ العقد و الشرط. أمّا الشرط ففائدته المنع من التصرّف بعده لأنّ التصرّف تابع للإذن و لا إذن بعده، و أمّا العقد فلأنّ الشرط المذكور لم يناف مقتضاه إذ ليس مقتضاه الإطلاق. ثمّ إنّ الشافعي قال: إنّ مقتضى عقد المضاربة الإطلاق (2). و قد سلّم له ذلك المصنّف في «التذكرة (3)» و هو كذلك كما هو واضح لمن تأمّل. و بعد ذلك كلّه فلا ريب أنّ معنى قوله «قارضتك سنة» غير معنى قوله: قارضتك سنة على أن لا أملك الفسخ فيها، لكن عباراتهم غير جيّدة جدّاً.

و فسّر في «الرياض (4)» قوله في النافع «و لا يلزم اشتراط الأجل فيها» بأنّ الأجل المشترط فيها حيث كان غير لازم بل كان جائزاً لكلٍّ منهما الرجوع فيه، لجواز أصله- و هو القراض- بلا خلاف، فيكون الشرط المثبت فيه جائزاً بطريق أولى، انتهى. و هو كما ترى مصادرة محضة بل يا ليتها كانت مصادرة. ثمّ إنّه قد تقدّم له آنفاً (5) أنّه لو شرط على العامل في المضاربة نوعاً أو زماناً أو مكاناً أو نحو ذلك لزم الشرط إلى غير ذلك ممّا يأتي ممّا يلزم إذا اشترط فيها. و أطرف منه أنّه احتمل في العبارة المذكورة أن يكون معناها أنّه لا يجب أن يشترط فيها الأجل

____________

(1) مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 344.

(2) راجع المجموع: في القراض ج 14 ص 369.

(3) تذكرة الفقهاء: القراض في العمل ج 2 ص 234 س 41.

(4) رياض المسائل: في اشتراط الأجل في المضاربة ج 9 ص 73.

(5) تقدّم في ص 424 و هو لم يرد ذلك عن الرياض صريحاً بل نقله عنه بقوله: و قد فسّرت عبارتا النافع و اللمعة حيث قيل فيهما ... إلى آخر ما حكاه عنه.

432

..........

____________

بل تجوز مطلقاً للأصل و العمومات (1)، مع أنّه أردف في مثلها بقولهم: لكنّه يثمر المنع من التصرّف بعد الأجل كما سمعت. ثمّ إنّا في اضطراب من ذِكر التوقيت حتّى قيل إنّه منافٍ مقتضاها، و على تقدير عدم منافاته فلا معنى له بالنسبة إلى المقصود منها، و هو تنمية المال و ليس لها مدّة مضبوطة، فكيف يتوهّم متوهّم أنّه يجب اشتراطه حتّى يقال لا يجب اشتراطه.

و قد احتجّ في «المبسوط (2) و المهذّب (3)» على بطلان القراض فيما ذكرا بأنّ مقتضى العقد أن يتصرّف في المال إلى أن يؤخذ منه المال ناضّاً. و من الغريب إغفالهم جميعاً خلافه عدا «التحرير» فإنّه حكاه فيه عنه بقوله فيه: و لا يلزم التأجيل ... إلى آخر ما حكيناه (4) عن التحرير. و هو خلاف ما في المبسوط، إلّا أن تقول: إنّ معنى قوله في «التحرير» لا يلزم التأجيل أنّه لا يجوز و أنّه يفسد العقد و الشرط، لأنّه حكاية كلام المبسوط و لأنّه قال بعده: و لو قيل بالجواز كان حسناً، مضافاً إلى ما ستسمع، و ينقدح من ذلك أنّ مَن قال «لا يلزم التأجيل» و لم يردفه بقوله «إنّه يثمر المنع من التصرّف» كالمحقّق في «الشرائع (5) و النافع (6)» يكون مراده أنّه لا يصحّ العقد و الشرط. و عبارة الشرائع ظاهرة في ذلك جدّاً حيث قال فيها بعده: و لكن إن قال إن مرّت بك سنة فلا تشتر بعدها صحّ، إذ قضيّته أنّ ما قبله غير صحيح. و هذا شاهدٌ ثالث على ما فهمناه من عبارة التحرير، لأنّه أتى بعين هذه

____________

(1) رياض المسائل: في اشتراط الأجل في المضاربة ج 9 ص 73.

(2) المبسوط: في رأس مال القراض ج 3 ص 169.

(3) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 461.

(4) تقدّم في ص 427.

(5) شرائع الإسلام: في عقد القراض ج 2 ص 137.

(6) المختصر النافع: في المضاربة ص 146.

433

..........

____________

العبارة. و حينئذٍ يقلّ الاضطراب و يهون الخطب في الباب، لكن يكون شارحو (1) كلامه لم يصلوا إلى مرامه. و لا مانع من ذلك لعدم العصمة فيهم شكر اللّٰه سبحانه جميع مساعيهم. و مَن أردف ذلك بقوله بعد ذلك: إنّه يثمر المنع «كالإرشاد (2) و اللمعة (3)» فمراده أنّ ذلك فيما إذا قال قارضتك سنة، و لا يشمل ما إذا قال فإذا انتهت السنة فلا تبع و لا تشتر لوجوه ظاهرة. و منه يُعلم حال ما في «الروضة (4)» حيث اقتضى كلامها إرادة ذلك من كلام اللمعة. و ستسمع ما في «المسالك».

و قد يحتجّ (5) لما في المبسوط بما احتجّ به الشافعي (6) من أنّ هذا الشرط يخالف مقتضى العقد، لأنّ مقتضاه الإطلاق و ردّ رأس المال تامّاً و مع المنع لا يحصل ذلك، و لأنّ فيه إبطال عرض العامل و الإضرار به، لأنّ الربح قد يكون في بيعه بعد السنة.

و احتجّ في «التذكرة (7)» على الجواز بأنّه شرط جائز فيجب العمل به. و أجاب بأنّ مقتضاه الإطلاق، إذا لم يقطع بالشرط كسائر الشروط في العقود و أنّ مقتضاه ردّ المال لو لم يمنعه المالك. و إضرار العامل يندفع بالاجرة. و قد يكون المالك محتاجاً إلى رأس ماله فيقدّم دفع ضرره و مصلحته على مصلحة العامل.

و احتجّ في «المبسوط (8)» على الصحّة فيما إذا قال: قارضتك سنة، فإذا انتهت

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 345، و صاحب رياض المسائل: في اشتراط الأجل في المضاربة ج 9 ص 73.

(2) إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 435.

(3) اللمعة الدمشقية: في المضاربة ص 152.

(4) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 212.

(5) كما في تذكرة الفقهاء: القراض في العمل ج 2 ص 234 س 42.

(6) تقدّم في ص 429.

(7) تذكرة الفقهاء: القراض في العمل ج 2 ص 235 السطر الأوّل.

(8) المبسوط: في رأس مال القراض ج 3 ص 170.

434

..........

____________

فامتنع من الشراء دون البيع بأنّه شرط ما هو من موجب العقد و مقتضاه لأنّ لربّ المال أن يمنع العامل أيّ وقت شاء، فإذا عقد على هذا كان شرطاً من مقتضى العقد و موجبه فلم يقدح فيه، انتهى. و قضية كلامه أنّه إذا قال فإذا انتهت السنة فلا تبع بعدها أنّه يبطل القراض و هذا هو السرّ في الاقتصار في «الشرائع و التحرير» على قولهما (1): لكن لو قال إن مرّت بك سنة فلا تشتر بعدها و بع صحّ، لأنّ ذلك من مقتضى العقد.

و توهّم صاحب «المسالك (2)» في ذلك وهماً فاحشاً، فقال في شرح كلام الشرائع: لأنّ أمر البيع و الشراء منوط بأمر المالك فله المنع منهما بعد السنة فمن أحدهما أولى. و مثله ما لو عكس بأن قال: لا تبع و اشتر، و إنّما لم يذكره لأنّ البيع هو المقصود في هذا المال بجلب الربح و تحصيل الإنضاض، انتهى. و نحوه ما في «الروضة (3) و الرياض (4)» و هو و إن كان في نفسه سديداً موافقاً لما في التذكرة لكن حملُ عبارة الشرائع عليه وهمٌ شديد.

و الحقّ أنّ التأجيل في صورتي الإطلاق و التقييد لا يلزم و لا يصحّ بمعنى أنّ لكلٍّ منهما عدم الجري على مقتضاه و العقد يكون صحيحاً، لأنّه تحديد للمضاربة و توقيت لها لا اشتراط للزومها حتّى يبطل عقدها للفرق الظاهر بين الصيغتين كما عرفت آنفاً 5، لكن في صورة التقييد إذا قال فإذا انقضت السنة فلا تشتر و لا تبع يكون قد فسخ عقدها، و كذلك: لا تبع، و كذلك: بع و لا تشتر، و مع ذلك هي قيود و شروط صحيحة و يمكن تنزيل كلماتهم على ذلك.

____________

(1) 1 و 5 تقدّم في ص 427 و 430.

(2) مسالك الأفهام: في عقد المضاربة ج 4 ص 345.

(3) الروضة البهية: في المضاربة ج 4 ص 214.

(4) رياض المسائل: في اشتراط الأجل في المضاربة ج 9 ص 73.

435

[فيما لو اشترط بعض الشروط على العامل]

لكن ليس للعامل التصرّف بعده.

و لو شرط على العامل المضاربة في مالٍ آخر أو يأخذ منه بضاعةً أو قرضاً أو يخدمه في شيءٍ بعينه فالوجه صحّة الشرط.

____________

قوله: «لكن ليس للعامل التصرّف بعده»

(1) قد عرفت (1) أنّه قد صرّح بذلك في «التذكرة و الإرشاد و اللمعة و إيضاح النافع و جامع المقاصد و الروض و المسالك و الروضة و مجمع البرهان و المفاتيح».

[فيما لو اشترط بعض الشروط على العامل]

قوله: «و لو شرط على العامل المضاربة في مالٍ آخر أو يأخذ منه بضاعةً أو قرضاً أو يخدمه في شيءٍ بعينه فالوجه صحّة الشرط»

(2) قد قسّم العامّة (2) الشروط الفاسدة إلى ما تنافي مقتضى العقد و إلى ما تعود إلى جهالة الربح و إلى ما ليس مصلحة فيه و لا هي من مقتضياته، و قد عدّوا هذه الشروط المذكورة في الكتاب من الشروط الفاسدة، لأنّها ليست مصلحة في العقد و لا من مقتضياته. و مثلها اشتراط أن يرتفق بالسلعة كأن يلبس الثوب و يستخدم العبد.

و لعلّهم يستندون إلى أنّ هذا العقد على خلاف الأصل فيقتصر فيه على المتيقّن.

و نصّ في «التحرير (3)» على بطلانها و إفسادها العقد إن اقتضت جهالة. و في موضع من «التذكرة (4)» أنّه لا بأس بها. و نصّ في موضع آخر منها في تذنيب ذكره

____________

(1) تقدّم في ص 426- 427.

(2) المغني لابن قدامة: في الشروط الفاسدة في المضاربة ج 5 ص 186، و الشرح الكبير: ص 126 و 127.

(3) تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 267.

(4) تذكرة الفقهاء: في بعض فروع القراض ج 2 ص 250 س 33 و في الربح ص 236 س 21.

436

..........

____________

أنّه يصحّ العقد و الشرط معاً فيما إذا اشترط أن يأخذ منه بضاعة. و هو خيرته في «المختلف (1)» و ولده في «الإيضاح (2)» و قد مال إليه أو قال به في «الشرائع» حيث قال: و لو قيل بصحّتهما كان حسناً (3). و قد فهم منه في «المسالك» الحكم بذلك و قال: إنّه الأقوى (4).

و قد حكى في «الشرائع 5 و التذكرة (6)» القول ببطلانهما و القول ببطلان الشرط فقط و صحّة العقد. و هما محتملان من قول العامّة: إنّ هذه الشروط فاسدة، إذ يحتمل فسادها وحدها و فساد العقد أيضاً. و بالأوّل جزم القاضي في «المهذّب (7)» و قد صرّح به في «المبسوط» في أوّل كلامه. و قال في آخر كلامه: و لو قلنا القراض صحيح و الشرط جائز لكنّه لا يلزم الوفاء به، لأنّ البضاعة لا يلزم القيام بها لكان قويّاً (8). و لعلّ المحقّق و المصنّف فهما من قوله «و الشرط جائز ... إلى آخره» أنّه باطل، و إلّا فلا تصريح لأحدٍ منّا عدا القاضي و لا من العامّة ببطلان الشرط فقط. و مع ذلك قد نسب ذلك في «المسالك 9» إلى الشيخ في المبسوط و وجّهه بأنّه لا يلزم القيام بالبضاعة فلا يفسد اشتراطها بل تكون لاغية لمنافاتها العقد و يصحّ العقد، انتهى، فتأمّل في النسبة و التوجيه، و ستسمع ما فيه. و قال في «جامع الشرائع (10)»: و لو أعطاه ألفاً قراضاً على أن يأخذ منه ألفاً بضاعة جاز و لم يلزم الوفاء به. فقد عبّر بجواز الشرط «كالمبسوط» و أوضح منه قوله في

____________

(1) مختلف الشيعة: في القراض ج 6 ص 251.

(2) إيضاح الفوائد: في أركان القراض ج 2 ص 304.

(3) 3 و 5 شرائع الإسلام: في (اللواحق) المضاربة ج 2 ص 145.

(4) 4 و 9 مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 395.

(6) تذكرة الفقهاء: القراض في الربح ج 2 ص 236 س 22.

(7) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 466.

(8) المبسوط: فيما إذا دفع إليه قراضاً و ... ج 3 ص 197.

(10) الجامع للشرائع: في المضاربة ص 318.

437

..........

____________

«التحرير» صحّ القراض و الشرط لكنّه لا يلزم الوفاء به (1) و هو تحرير «المبسوط».

و لكن قد قال في «جامع المقاصد»: إنّ المصنّف و جماعة صرّحوا بصحّة القراض و الشرط. و صرّح في «التحرير» بأنّه لا يلزم الوفاء به. و هو حقّ لأنّ العقد جائز من الطرفين (2). قلت: قد سمعت أنّه في «التحرير» صرّح أيضاً بصحّة الشرط و نحوه ما في المسالك في آخر كلامه. و قالا فيهما (3): إنّ الّذي يقتضيه النظر أنّ للمالك الفسخ لفوات ما جرى عليه التراضي، فيكون للعامل اجرة المثل و للمالك الربح كلّه، لكنّ الشهيد الثاني تأمّل في كون الربح كلّه للمالك إذا كان الفسخ بعد ظهور الربح و ملك العامل له، انتهى.

و نحن نقول: إنّ الأقوى و الأشبه باصول المذهب صحّة العقد و الشرط وفاقاً للكتاب و ما وافقه إلّا فيما يقتضي جهالة كاستخدام العبد و لبس الثوب و نحو ذلك.

و في كلام الكلّ نظر واضح كلّ من وجه.

أمّا الشيخ (4) فإنّه استدلّ على بطلانهما بما نصّه و هو: أنّ العامل في القراض لا يعمل عملًا لا يستحقّ في مقابلته عوضاً فبطل الشرط، و إذا بطل الشرط بطل القراض، لأنّ قسط العامل يكون مجهولًا فيه. و ذلك أنّ ربّ المال ما قارض بالنصف حتّى اشترط على العامل عملًا بغير جعل. و قد بطل الشرط، و إذا بطل ذهب من نصيب العامل- و هو النصف- قدر ما زيد فيه لأجل البضاعة، و ذلك القدر مجهول، و إذا ذهب من المعلوم مجهول كان الباقي مجهولًا، و لهذا بطل القراض. و إن قلنا القراض صحيح و الشرط جائز لكنّه لا يلزمه الوفاء به لأنّ

____________

(1) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 261.

(2) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 56.

(3) تحرير الأحكام: في أحكام القرض ج 3 ص 261، و مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 395- 396.

(4) المبسوط: فيما إذا دفع إليه قراضاً ج 3 ص 197.

438

..........

____________

البضاعة لا يلزمه القيام بها كان قويّاً، انتهى.

فقد تضمّن كلامه أنّه إن أتى بهذا الشرط أفسد و إن تركه أفسد. و ذلك لأنّه إن وفى به نافى مقتضى العقد، لأنّ مقتضاه أنّ العامل لا يعمل عملًا بلا اجرة، و أنّه إن أخلّ به اقتضى الجهالة في قسط العامل. فيكون قد دقّق النظر. و استند في بطلانهما إلى غير ما استند إليه العامّة كما سمعت كلامهم (1). ثمّ إنّه استدرك على نفسه في الأوّل بأنّ مقتضى عقد المضاربة أن يكون عمله في مال القراض بحصّة من الربح و هي حاصلة، فلا يكون هذا الشرط منافياً لمقتضى العقد، و أيّ منافاة بين أن يعمل في مال بعوض و في آخر بغير عوض. و استدرك على نفسه في الثاني- و هو لزوم الجهالة- بأنّ هذا الشرط أمر خارج عن الحصّة اللازمة المعلومة في مال القراض و إنّما هو شرط فيها، إذ ليس هو في الحقيقة جزءاً منها. فكان شرطاً في عقد جائز فكان غير لازم، إذ شرط الشيء لا يزيد عليه و لا مقتضياً لجهالة الحصّة، فكان شرطاً صحيحاً لا يلزم الوفاء به، لأنّ ذِكره و عدمه سواء، فإن فعله لم يخالف مقتضاها و صحّ وصفه بالصحّة، و إن تركه لم يقتض جهالة في الحصّة. فيكون ما نسب إليه في «المسالك (2)» من أنّه قائل ببطلان الشرط وحده و فساده لأنّه منافٍ لمقتضى العقد غير صحيح.

و كذلك ما في «الشرائع (3) و التذكرة 4» من نسبة ذلك إليه إن كانا أراداه، لأنّ ذلك يقضي بأنّهما كصاحب المسالك لم يحرّرا كلامه، و إن أرادا غيره فقد عرفت أن لا مصرّح به أصلًا إلّا القاضي، و هذا وجه النظر في كلام الشرائع و التذكرة.

و يشهد على أنّ مراده في المبسوط ما فهمنا منه تصريح «التحرير (5) و جامع

____________

(1) تقدّم في ص 428 هامش 10.

(2) مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 395.

(3) 3 و 4 تقدّما في ص 428 هامش 17 و 18.

(5) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 261.

439

..........

____________

الشرائع (1)» بصحّة الشرط و العقد و جوازهما و أنّه لا يجب الوفاء به.

و وجه النظر في كلام «المبسوط» أنّه شرط جائز في عقد جائز فيجب الوفاء به ما داما على العقد و لم يفسخاه كسائر الشروط الّتي قد صرّحوا بلزومها في هذا العقد كما مرّ و يأتي عملًا بعموم الأمر بالوفاء بالعقود و الشروط. و قد أجمعوا على أنّه لو شرط له نفقة الحضر لزم الشرط و وجب له ما يحتاج فيه إليه من المأكول و المشروب و المركوب و الملبوس. حكاه في «التذكرة (2)». و إلى هذا نظر المحقّق (3) و المصنّف في الكتاب و موضعين من «التذكرة (4)» و ولده في «الإيضاح (5)». و هذا هو وجه النظر في كلام «جامع الشرائع 6 و التحرير (7) و جامع المقاصد (8) و المسالك (9)» حيث قالوا: لا يلزم الوفاء به. و يزيد الأخيران بقولهما: إنّه إن فسخ بعد ظهور الربح كان كلّه للمالك لأنّه لا يوافق مختار المبسوط و الجامع و التحرير و لا مختار الشرائع و الكتاب و التذكرة و الإيضاح، فيكون خرقاً لما اتّفق عليه المتعرّضون لهذا الفرع و إن تأمّل الشهيد الثاني 10 فيه. و يزيد جامع المقاصد بأنّ ظاهره أنّه فهم من التحرير القول ببطلان الشرط و فساده مع أنّه صرّح بصحّته، و أنّه فهم منه مخالفة المبسوط مع أنّه نقل كلامه الأخير الّذي هو عين ما في التحرير و إن اختلفا في بعض التعبير. و ممّا ذكر يُعرف حال كلام القاضي.

____________

(1) 1 و 6 الجامع للشرائع: في المضاربة ص 318.

(2) تذكرة الفقهاء: القراض في نفقة العامل ... ج 2 ص 242 س 9.

(3) شرائع الإسلام: في لواحق المضاربة ج 2 ص 145.

(4) تذكرة الفقهاء: القراض في العمل ج 2 ص 236 س 21 و في فروع القراض ص 250 س 33.

(5) إيضاح الفوائد: في القراض ج 2 ص 304.

(7) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 261.

(8) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 56.

(9) 9 و 10 مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 395- 396.

440

[الثاني المتعاقدان:]

(الثاني) المتعاقدان:

و يشترط فيهما البلوغ و العقل و جواز التصرّف.

و يجوز تعدّدهما و اتّحادهما و تعدّد أحدهما خاصّة.

____________

هذا و كلامهم جميعاً و كلام العامّة ظاهر أو صريح بل صريح في أنّ هذه الشروط من المالك على العامل. و لو كانت من طرف العامل على المالك فالحكم كذلك، و إذا لم يأت المالك بما شرطه عليه العامل كان له الفسخ كما هو واضح، لأنّه ما رضي بالحصّة القليلة إلّا بهذا الشرط، على أنّه قد كان له ذلك من قبل.

[فيما يشترط في المتعاقدين]

قوله: «الثاني: المتعاقدان، و يشترط فيهما البلوغ و العقل و جواز التصرّف»

(1) لا ريب في اشتراط ذلك فيهما، و لذلك تركوه عدا المصنّف هنا و في «التذكرة (1) و التحرير (2)» و المحقّق الثاني (3). و احترز بجواز التصرّف عن السفيه و المفلّس و المملوك. و الأصل فيه أنّ القراض توكيل و توكّل في شيء خاصّ. و هو التصرّف في التجارة. قال في «التذكرة»: يعتبر في العامل و المالك ما يعتبر في الوكيل و الموكّل لا نعرف فيه خلافاً 4.

قوله: «و يجوز تعدّدهما و اتّحادهما و تعدّد أحدهما خاصّة»

(2) كما في «التذكرة 5 و التحرير 6 و جامع المقاصد 7» و ببعض ذلك صرّح في مطاوي الباب

____________

(1) 1 و 4 و 5 تذكرة الفقهاء: القراض في المتعاقدين ج 2 ص 230 س 7 و 9.

(2) 2 و 6 تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 244.

(3) 3 و 7 جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 57.

441

..........

____________

و الوجه في ذلك ظاهر، لأنّه يجوز للمالكين أن يضاربا عاملين في عقدين و للمالكين أن يضاربا عاملًا واحداً في عقدين و بالعكس. فيجوز ذلك كلّه في عقدٍ واحد، لأنّ عقد الواحد مع اثنين كعقدين. فإذا تعدّد العامل اشترط تعيين الحصّة لكلٍّ منهما. و لا يجب تفضيلهما بل يجوز أن يجعل لهما فيحكم بالنصف لهم معاً بالسوية للأصل [1] و قضاء الإطلاق. و به صرّح في «التذكرة (1) و الإرشاد (2) و جامع المقاصد (3) و الروض (4) و مجمع البرهان (5)». و لو شرط التفاوت بينهما فجعل لأحدهما الربع و للآخر الثلث و أبهم و لم يعيّن بطل. و إن عيّن الربع لزيد و الثلث لعمرو مثلًا صحّ عندنا كما في «جامع المقاصد 6» و عند الشافعي (7)، لأنّ ذلك بمنزلة عقدين.

و لو ضارب اثنين في عقدين جاز أن يفاضل بينهما، فكذا إذا جمعهما في عقدٍ واحد. و المخالف في ذلك مالك (8).

و يبقى الكلام في أمرٍ آخر و هو: ما إذا ضارب المالك عاملين على مالٍ معلوم مشاع فقال ضاربتكما على هذه الألف فأخذ أحدهما بعضها و عمل به منفرداً فربح ربحاً كثيراً، و العامل الآخر عمل بالبعض الآخر و لم يربح أو خسر أو ربح قليلًا، فهل يتشاركان في جميع الربح أو يختصّ كلّ منهما بربحه و لا يشاركه الآخر؟

____________

[1] أصل عدم التفضيل (منه).

____________

(1) تذكرة الفقهاء: القراض في المتعاقدين ج 2 ص 230 س 15.

(2) إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 436.

(3) 3 و 6 جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 57.

(4) لا يوجد كتابه.

(5) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 253.

(7) فتح العزيز: في القراض ج 12 ص 27.

(8) المدوّنة الكبرىٰ: في القراض ج 5 ص 90.

442

و أن يكون الدافع ربّ المال أو مَن أذن له. فلو ضارب العامل غيره بإذن المالك صحّ،

____________

احتمالان أظهر هما بحسب الإطلاقات المشاركة و الأشبه باصول المذهب و القواعد العدم، و المسألة محلّ تأمّل و نظر.

قوله: «و أن يكون الدافع ربّ المال أو مَن أذن له»

(1) لأنّ غيرهما أجنبيّ لا يجوز له التصرّف في مال الغير بغير إذنه. و هذا العقد قابل للاستنابة فجاز أن يوقعه المالك بوكيله. و يشترط في هذا الوكيل ما يشترط في سائر الوكلاء.

و يجوز لوليّ الطفل أباً أو جدّاً أو وصيّاً أو حاكماً أو أمينه أن يقارض على مال الطفل و المجنون مع المصلحة.

قوله: «فلو ضارب العامل غيره بإذن المالك صحّ»

(2) كما في «الإرشاد (1) و جامع المقاصد (2) و الروض (3)». و في «التذكرة (4)» أنّه لا يعلم فيه خلافاً.

و مرادهم أنّه إن كان قد شرط الربح بين العامل الثاني و المالك كما صرّح بذلك في «المبسوط (5) و المهذّب (6) و جامع الشرائع (7) و الشرائع (8) و التذكرة (9)» في موضع منها

____________

(1) إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 436.

(2) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 58.

(3) لا يوجد كتابه لدينا، لكن يستفاد ذلك من حاشية الإرشاد المطبوع ضمن غاية المراد: في المضاربة ج 2 ص 366.

(4) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 41.

(5) المبسوط: في أنّ القراض من العقود الجائزة ج 3 ص 180.

(6) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 462.

(7) الجامع للشرائع: في المضاربة ص 317.

(8) شرائع الإسلام: في لواحق المضاربة ج 2 ص 143.

(9) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 239 س 37.

443

و كان الأوّل وكيلًا. فإن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يجز، لأنّه لا مال له و لا عمل.

____________

و «التحرير (1) و المسالك (2) و مجمع البرهان (3)» و الوجه ظاهر، لأنّه يكون حينئذٍ وكيلًا محضاً بل يكون بذلك فاسخاً لعقد نفسه و عاقداً بوكالته عن المالك لغيره. فإن كان قد ضارب عليه بعد ظهور الربح و قلنا يملك بالظهور استحقّ نصيبه من الربح، و إن قلنا يملك بالقسمة أو لم يظهر ربح فله اجرة المثل. كذا قال في موضعين من التذكرة (4). و ينبغي التأمّل في تصوير ذلك، إذ المضاربة لا تكون إلّا بالنقدين.

فيمكن تصويره بأن يكون عمل في بعض و ضارب بالباقي. و حينئذٍ يجوز أن يأذن له في أن يعامل غيره ليكون ذلك الغير شريكاً له في العمل و الربح المشروط له على ما يراه. فيكون كما لو قارض ابتداء شخصين و عليه نصّ في «التذكرة 5» و حكى فيه عن أحد وجهي الشافعية المنع.

و هل يحصل الإذن في مضاربة الغير بقوله له اعمل في المال برأيك؟ وجهان، لأنّه يحتمل العمل برأيه في أنواع التجارة، و لعلّ الأقوى الجواز كما هو خيرة «التذكرة 6».

قوله: «و كان الأوّل وكيلًا»

(1) كما صرّح به في «المهذّب (7)» و موضعين من «التذكرة (8)» و هو قضية كلام «المبسوط (9)» و ما ذكر بعده آنفاً.

قوله: «فإن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يجز، لأنّه لا مال له

____________

(1) تحرير الأحكام: في القراض و أركانه ج 3 ص 258.

(2) مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 386.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 269- 270.

(4) 4- 6 تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 و 239 س 3 و 40 و 41 و 43.

(7) المهذّب: في القراض ج 1 ص 462.

(8) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 239 س 29 و ص 240 س 41.

(9) المبسوط: في أن القراض من العقود الجائزة ج 3 ص 180.

444

و إن ضارب بغير إذنه بطل الثاني،

____________

و لا عمل»

(1) كما في «المبسوط (1) و المهذّب (2) و الشرائع (3) و التذكرة (4) و جامع المقاصد (5)» و غيرها (6). و مضاربته للآخر ليست عملًا من أعمال التجارة الّتي يستحقّ بها الحصّة، فكان القراض فاسداً باطلًا و الربح كلّه للمالك و للعامل الثاني اجرة مثله كما في «المبسوط 7 و المهذّب 8 و جامع الشرائع (9) و التذكرة 10» في موضع منها و «التحرير (11) و الإرشاد (12)».

و محلّ الفرض ما إذا كان الشراء بعين المال لأنّ وضع المضاربة على ذلك.

و به يفرّق بينه و بين ما احتمله أخيراً فيما يأتي (13) من أنّ الربح يقسّم بين المالك و بين العامل الأوّل و الثاني إن كان الأوّل شرط على الثاني أنّ للمالك النصف و الآخر بينهما، لأنّه ذِكر ذلك فيما إذا كان الشراء في الذمّة فلا تنافي.

قوله: «و إن ضارب بغير إذنه بطل الثاني»

(2) كما في «المهذّب 14 و الشرائع 15 و التذكرة 16 و الإرشاد 17 و الروض (18) و مجمع البرهان (19)» و قيّده- أي

____________

(1) 1 و 7 المبسوط: في أن القراض من العقود الجائزة ج 3 ص 180 و 181.

(2) 2 و 8 و 14 المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 462.

(3) 3 و 15 شرائع الإسلام: في لواحق المضاربة ج 2 ص 143.

(4) 4 و 10 و 16 تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 2 و 3.

(5) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 58.

(6) كمسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 386.

(9) الجامع للشرائع: في المضاربة ص 317.

(11) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 258.

(12) 12 و 17 إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 436.

(13) سيأتي في ص 501- 502.

(18) لا يوجد كتابه لدينا، لكن يستفاد ذلك من حاشية الإرشاد (غاية المراد): في المضاربة ج 2 ص 366.

(19) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 269.

445

..........

____________

البطلان- في «التحرير» بما إذا شرط الربح بينه و بين الثاني (1). و احتمله قويّاً في «المختلف» فيما إذا كان الثاني عالماً (2).

و قال في «جامع المقاصد»: لم أجد التصريح بكون العقد هنا فضوليّاً يتوقّف على الإجازة فيصحّ معها إلّا أنّه يتّجه، لأنّ العقد اللازم إذا لم يقع باطلًا لكونه فضوليّاً فالجائز أولى (3). قلت: قد صرّح به في «التذكرة (4)» في مطاوي حكاية أقوال العامّة ساكتاً عليه. و ظاهره أنّه راضٍ به. و قال فخر الإسلام في «شرح الإرشاد»:

إنّ الفقهاء يستعملون لفظ البطلان تارةً في رفع اللزوم (5). قلت: فالمراد هنا أنّه لم يترتّب عليه أثره بالفعل و كان موقوفاً على قول مَن يقول بصحّة بيع الفضولي. ثمّ إنّ الإجازة إنّما تتمّ في بعض الصيغ كما ستسمع (6).

ثمّ إنّهم لم يصرّحوا أيضاً بكون شراء العامل الثاني فضوليّاً يتوقّف على الإجازة لكنّ قضية كلامهم ذلك، لأنّ هؤلاء المصرّحين بالبطلان منّا عدا القاضي بين قائل (7) بأنّ الربح للمالك و قائل (8) بأنّه بينه و بين العامل الأوّل. و المفروض في كلام هؤلاء المصرّحين أنّ الشراء كان بعين مال المالك جرياً على وضع المضاربة

____________

(1) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 258.

(2) مختلف الشيعة: في القراض ج 6 ص 249.

(3) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 58.

(4) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 3 فما بعد.

(5) شرح الإرشاد للنيلي: في القراض ص 64 س 30.

(6) سيأتي في ص 451.

(7) منهم الشهيد الثاني في حاشية الإرشاد (غاية المراد): في المضاربة ج 2 ص 366، و العلّامة في التذكرة: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 4، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 269.

(8) منهم العلّامة في إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 436، و التحرير: في أحكام القراض ج 3 ص 258، و المحقّق في شرائع الإسلام: في لواحق المضاربة ج 2 ص 143.

446

فإن لم يربح و لا تلف منه شيء ردّه على المالك و لا شيء له و لا عليه.

____________

و قاعدتها. و أمّا القول بأنّ الربح للثاني خاصّة فإنّه مفروض فيما إذا اشترى في الذمّة كما ستعرف (1). و لا قائل منّا و لا من العامّة بل و لا محتمل بأنّ الربح لصاحب القماش مثلًا، لأنّ البيع فاسد فيكون باقياً على ملكه فيكون الربح له. و السرّ في ذلك أنّ الغالب أنّ المالك إذا رأى الربح أجاز. فيكونون كالمصرّحين بأنّه فضولي أجازه صاحب المال. نعم اقتصر القاضي (2) على قوله «بطل» و لم يتعقّبه بشيء.

و لعلّه لأنّه لا يصحّ بيع الفضولي كما نبّه عليه في باب البيع (3). ثمّ إنّ الشيخ في «المبسوط (4)» و يحيى بن سعيد في «الجامع (5)» لم يذكرا البطلان أصلًا كما ستسمع (6) ذلك كلّه إن شاء اللّٰه تعالى.

قوله: «فإن لم يربح و لا تلف منه شيء ردّه على المالك و لا شيء له و لا عليه»

(1) كما نبّه على ذلك في «المبسوط (7)». و في «التذكرة (8) و جامع المقاصد (9) و المسالك (10)» و مرادهم إن لم يجز المالك تصرّف العامل الثاني. و كما يجب عليه ردّه إلى المالك يجب على العامل الأوّل لقوله (صلى الله عليه و آله): على اليد ما أخذت

____________

(1) سيأتي في ص 447- 451.

(2) المهذّب: في المضاربة ج 1 ص 462.

(3) المهذّب: في البيوع و عقودها و أحكامها ج 1 ص 350.

(4) المبسوط: في أنّ القراض من العقود الجائزة ج 3 ص 181.

(5) الجامع للشرائع: في المضاربة ص 317.

(6) سيأتي في ص 449- 450.

(7) المبسوط: فيما إذا قارض العامل عاملًا ... ج 3 ص 182- 183.

(8) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 31.

(9) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 58.

(10) مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 386- 387.

447

و إن تلف في يده طالب المالك مَن شاء منهما. فإن طالب الأوّل رجع على الثاني مع علمه، لاستقرار التلف في يده، و كذا مع عدم علمه على إشكال، ينشأ من الغرور.

____________

حتّى تؤدّي (1). و لأنّه عاد بالتسليم. و يتخيّر المالك في مطالبة كلٍّ منهما بالردّ.

قوله: «و إن تلف في يده طالب المالك مَن شاء منهما، فإن طالب الأوّل رجع على الثاني مع علمه، لاستقرار التلف في يده»

(1) بلا خلاف في ذلك كلّه ممّن تعرّض له كما ستعرف. و الوجه في مطالبته العامل ظاهر. و أمّا الثاني فلأنّه إن كان عالماً كان بمنزلة الغاصب في الإثم و الضمان، و إن كان جاهلًا كان بمنزلته في الضمان بمعنى أنّ للمالك أن يطالبه. و قد تقدّم لنا في باب الغصب (2) أنّ الجهل ليس مسقطاً للضمان إجماعاً، و إنّما يفترقان في استقرار الضمان و عدمه.

فالجاهل إذا كانت يده يد أمانة لا يضمن العين إذا تلفت في يده كالمستودع و المرتهن و الوكيل و المضارب و المستعير غير المشروط عليه الضمان، و أمّا إذا كانت يده يد ضمان كالقابض بالسوم و البيع الفاسد و المستعير المشروط عليه الضمان فإنّه يضمن. و لم نجد هناك في ذلك خلافاً، و إنّما تأمّل في ذلك هناك مولانا المقدّس الأردبيلي (3). و ليس لك أن تقول: إنّ العامل الأوّل إنّما تعدّى بالتسليم فليس بغاصب و ليست يده يد عدوان، لأنّ الأصحاب لا يختلفون في عدم الفرق بينهما، لأن كان دليلهما واحداً. و أمّا رجوع الأوّل على الثاني مع علمه و استقرار التلف في يده فلأنّه كما عرفت غاصب أو كالغاصب.

قوله: «و كذا مع عدم علمه على إشكال، ينشأ من الغرور»

(2) و أنّ

____________

(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 95.

(2) تقدّم في ج 18 ص 92- 112.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 517- 520.

448

..........

____________

و إن طالب الثاني رجع على الأوّل مع جهله على إشكال، لا مع علمه،

يده يد أمانة كالمستودع و المرتهن و الوكيل، فلا يضمن كما تقدّم (1)، و هو خيرة «المبسوط (2) و التذكرة (3) و التحرير (4) و الإيضاح (5) و جامع المقاصد (6) و المسالك (7)» و من أنّه قد استقرّ التلف في يده و هذا الوجه ضعيف جدّاً لما عرفت فكان الإشكال كذلك. و استوضح ذلك فيما إذا ظهر استحقاق مال المضاربة و قد تلف في يد العامل من دون تعدٍّ فإنّه لا ضمان عليه. و من الغريب ما في «الإيضاح 8» حيث قال في وجه الرجوع: و من أنّ القراض لا يستعقب الضمان للمالك من غير تفريط و لا تعدّ بالنسبة إلى الدافع، انتهى فتأمّل.

قوله: «و إن طالب الثاني رجع على الأوّل مع جهله على إشكال»

(1) أصحّه الرجوع كما في «الإيضاح 9 و جامع المقاصد 10» لما عرفت. و من الغريب عدم الترجيح هنا في «المبسوط 11 و التذكرة 12 و التحرير 13» مع اختيار الرجوع فيها في الإشكال الأوّل و هما من وادٍ واحد.

قوله: «لا مع علمه»

(2) لأنّه حينئذٍ غاصب و قد استقرّ التلف في يده فيستقرّ عليه الضمان.

____________

(1) تقدّم في ج 18 ص 92- 112.

(2) 2 و 11 المبسوط: فيما إذا قارض العامل عاملًا ... ج 3 ص 182 و 183.

(3) 3 و 12 تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 33 و 36.

(4) 4 و 13 تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 258.

(5) 5 و 8 و 9 إيضاح الفوائد: في أركان القراض ج 2 ص 305.

(6) 6 و 10 جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 59.

(7) مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 387.

449

و إن ربح فللمالك خاصّة.

____________

قوله: «و إن ربح فللمالك خاصّة»

(1) كما في «التذكرة (1)» و إليه مال في «مجمع البرهان (2)». و في «الشرائع (3) و التحرير (4) و الإرشاد (5) و الروض (6)» أنّ الربح بين المالك و العامل الأوّل.

وجه ما في الكتاب أنّ العامل الأوّل لم يعمل شيئاً و الثاني عقده فاسد. و على تقدير جواز الفضولي و إجازة المالك فالربح له خاصّة إن اشترى بعين ماله. و قضية إطلاق العبارة- مضافاً إلى تفصيله في الاحتمال الأخير المقابل لهذا- أنّ الربح للمالك سواء وقع الشراء بالعين أو في الذمّة، و سواء نوى بالشراء نفسه أو المالك أو العامل الأوّل، عالماً كان الثاني أو جاهلًا.

و فيه: أنّ الّذي تقضي به اصولنا أنّه إن اشترى في الذمّة و نوى نفسه أو أطلق وقع له- أي العامل الثاني- و لا يستقيم هذا إلّا على القول القديم للشافعي، و هو أنّ ما يربحه الغاصب إن اشترى في الذمّة يكون للمالك. قال: لأنّا لو جعلناه للغاصب لاتّخذ الناس ذلك ذريعة إلى غصب الأموال و الخيانة في الودائع و البضاعات (7).

و قد يجاب (8) عن ذلك بأنّ المفروض في عبارة الكتاب أنّه اشترى بالعين

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 4.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: في أحكام المضاربة ج 10 ص 269.

(3) شرائع الإسلام: في القراض ج 2 ص 143.

(4) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 258.

(5) إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 436.

(6) لا يوجد كتابه لدينا لكن يستفاد ذلك من حاشية الإرشاد (غاية المراد): في المضاربة ج 2 ص 366.

(7) راجع المجموع: في القراض ج 14 ص 370، و مغني المحتاج: في القراض ج 2 ص 314.

(8) لم نعثر على قائله حسبما تصفّحناه، فراجع.

450

..........

____________

جرياً على وضع المضاربة جاهلًا بالحال فلا إطلاق في العبارة كما توهّمه في «جامع المقاصد (1)» من قوله أخيراً: و يحتمل عدم لزوم الشراء بالعين ... إلى آخره (2)، فإنّه لا مقابل له إلّا قوله هنا «و إن ربح فللمالك خاصّة» فإنّ ذلك لا يقضي على هذا بالإطلاق كما ستسمع (3).

و وجه ما في «الشرائع» أنّ العقد قد وقع معه صحيحاً فيستحقّ ما شرط، و عقده مع الثاني فاسد فلا يتّبع شرطه.

و فيه مضافاً إلى ما سبق من قضاء الاصول بأنّه إن اشترى بعين مال المالك و أجازه كان له- أي المالك- و إن كان في الذمّة و نوى نفسه كان للعامل الثاني، أنّه يقضي بأنّه يصحّ أن يكون الحصّة للعامل الأوّل بشرط كون عقد المضاربة مشتملًا على تجويز المعاملة بالوكالة أيضاً، لأنّ الثاني وكيل الأوّل. و هو مبنيّ على أنّ ذلك يعدّ عملًا من أعمال التجارة، لأنّ يد الوكيل كيد الموكّل، و هو في محلّ المنع أو التأمّل، مضافاً إلى ما ستسمعه (4) فيما رتّبوا عليه من رجوع الثاني على الأوّل بأُجرة المثل مطلقين غير فارقين بين الجاهل و العالم، فإنّه لا يتمّ إلّا مع جهل الثاني كما ستعرف. و لك أن تقول: إنّ الشراء في الذمّة غير وارد كما عرفته في توجيه عبارة الكتاب، بل قد يتأمّل في ورود الأوّل، فتأمّل.

و هناك قول ثالث حكاه في «الشرائع (5)» و ظاهره أنّه لأصحابنا، و هو أنّ النصف بين العاملين و يرجع الثاني على الأوّل بنصف الاجرة. و قد ذكره احتمالًا في «التذكرة (6) و التحرير (7)» و قد ذكر في التحرير أنّ الربح كلّه بين العاملين. ثمّ إنّ

____________

(1) جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 61.

(2) سيأتي في ص 453

(3) سيأتي في ص 451- 453.

(4) سيأتي في ص 451.

(5) شرائع الإسلام: في لواحق المضاربة ج 2 ص 143.

(6) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 27.

(7) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 258.

451

..........

____________

للعامّة (1) اختلافاً في الصيغ و قد رتّبوا عليه ما رتّبوا. و في «المسالك» أنّ هذه الأقوال ليست لأصحابنا و لا نقلها أحد عنهم ممّن نقل الخلاف سوى ما أشعرت به عبارة الشرائع، و إنّما هي وجوه الشافعية (2). قلت: كأنّه لم يلحظ جامع الشرائع و ستسمع عبارته.

و لهم وجه رابع و هو أنّ جميع النصف للعامل الثاني عملًا بالشرط، و لا شيء للأوّل، إذ لا مال له و لا عمل. و قال في «جامع الشرائع (3)»: إن قارض بغير إذنه مَن علم بالحال أثم و هما ضامنان، و إن ربح فعلى الشرط، و إن قارضه على أنّ النصف لربّ المال و النصف الآخر بينهما نصفين قسّم على ذلك، انتهى فتأمّل فيه، لأنّه لا يكاد ينطبق على اصولنا و لا على اصول العامّة، و ستسمع تحرير المقام.

و فصّل في «المبسوط» تفصيلًا أوضحه كمال الإيضاح فطال. و حاصله: أنّه إذا قارض العامل آخر على أنّه مهما رزق اللّٰه سبحانه و تعالى كان بينهما نصفين، فالحكم في ذلك مبنيّ على مسألة الغاصب. فمن قال ربح الغاصب لربّ المال كما تشهد به رواياتنا كان لربّ المال هنا النصف، لأنّه لا يستحقّ أكثر ممّا شرط له و النصف الآخر بين العاملين نصفين، و يفارق ربح الغاصب، لأنّ ربّ المال ما شرط لنفسه هناك شيئاً من الربح، و هل يرجع الثاني على الأوّل بنصف الاجرة؟ فيه وجهان. و مَن قال إنّ ربح الغاصب كلّه لنفسه كما هو الأقوى فقد اختلفوا في الربح فقال بعضهم: الربح كلّه للأوّل و للثاني على الأوّل اجرة المثل، و قال بعضهم: الربح

____________

(1) كالمغني لابن قدامة: في المضاربة ج 5 ص 159- 161، و المجموع: في القراض ج 14 ص 370، و الوجيز: في القراض ص 182.

(2) مسالك الأفهام: في أحكام المضاربة ج 4 ص 387.

(3) الجامع للشرائع: في المضاربة ص 317.

452

..........

____________

كلّه للعامل الثاني لأنّه هو المتعدّي في التصرّف فهو كالغاصب. و الأوّل أقوى، لأنّ العامل الثاني و إن كان متعدّياً لكنّه لمّا اشترى في ذمّته بنيّة أنّه للأوّل وقع الشراء للأوّل وحده و كان الربح له وحده، و يفارق الغاصب، لأنّ الغاصب اشترى لنفسه.

و للثاني الاجرة على الأوّل، لأنّه لم يسلم له ما شرط، فعلى هذا لا شيء لربّ المال في الربح قولًا واحداً (1).

و هو تفصيل على اصول العامّة و لا يترتّب على اصولنا، لأنّ الحكم بأنّ ربح ما اشتراه الغاصب في ذمّته للمالك لم يقل به أحد منّا. و الحكم بأنّ العامل الأوّل يستحقّ كلّ الربح أو بعضه لا يتأتّى على قواعد الباب، إذ لا مال له و لا عمل.

و سيبني المصنّف عليه في الاحتمال الأخير. و الاعتذار عن الأوّل بأنّ المراد أنّ الغاصب اشترى بعين المال لا يتمّ، لأنّه ينافي قوله «و مَن قال إنّ ربح الغاصب كلّه لنفسه ... إلى آخره» بل في آخره التصريح بأنّه اشترى في ذمّته، و لا معنى أصلًا لتفرقة الموضوع. ثمّ ما ذا يقول إذا قال العامل الأوّل: ربح هذا بيننا نصفين، فإنّ هذه الصيغة عند العامل غير الصيغة المفروضة في كلامه. و الّذي تقتضيه اصول المذهب في الباب و في باب البيع و الغصب و غيرها أنّ المالك إن أجاز عقد مضاربة العامل الأوّل فالربح بينه و بين الثاني على الشرط، و إن لم يجزه فلا ريب في بطلانه، لكنّه إن كان قد اشترى بالعين فأجاز فالربح كلّه له و للعامل الثاني على الأوّل الاجرة مع جهله. و إن كان قد اشترى في الذمّة، فإن لم ينو أحداً وقع الشراء له و ضمان المال عليه لتعدّيه لمخالفته مقتضى المضاربة، و إن صرّح بالمالك وقف على إجازته كالشراء بالعين. و كذا لو نواه على الأقرب، لأنّ العقود تابعة للقصود، و إن صرّح بالعامل الأوّل وقع له بالإذن سابقاً أو بالإجازة مع عدمه. و كذا لو نواه على ما تقدّم فيقع الربح له و عليه الاجرة للثاني مع جهله إن لم يتعدّ مقتضى

____________

(1) المبسوط: فيما إذا مات أحد المتقارضين ج 3 ص 181- 182.

453

و في رجوع الثاني على الأوّل بأُجرة المثل احتمال. و لو قيل: إن كان الثاني عالماً بالحال لم يستحقّ شيئاً، و إن جهل فله اجرة المثل على الأوّل كان وجهاً.

____________

المضاربة، و إن تعدّى كان المال مضموناً و قرار الضمان مع التلف عليه. و لم يفصّل هذا التفصيل فيما اعتمده في «المختلف (1)» على أنّه غير محرّر. و هذا كلّه إذا كانت صيغة القراض الصادرة من العامل الأوّل: ضاربتك على هذا المال على أنّ لك نصفه و سكت، و يبقى الكلام فيما إذا قال بعد ذلك: ولي نصفه، أو: الربح بيننا، فإنّه لا يتصوّر في هذين إجازة المالك.

قوله: «و في رجوع الثاني على الأوّل بأُجرة المثل احتمال. و لو قيل: إن كان الثاني عالماً بالحال لم يستحقّ شيئاً، و إن جهل فله اجرة المثل على الأوّل كان وجهاً»

(1) قال في «التذكرة»- و قد عرفت (2) أنّ خيرتها خيرة الكتاب في أنّ الربح للمالك-: لو كان عالماً بالحال لم يكن له شيء، لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه مع علمه بأنّه ممنوع منه. و ذلك لا يستعقب استحقاق شيء، و إن لم يكن عالماً رجع على الأوّل بأُجرة المثل (3). و في «الإيضاح (4)» أنّه الأصحّ.

و قضية الإطلاق في الاحتمال الأوّل و التفصيل في الثاني أنّ الأوّل جارٍ على تقدير علمه و جهله. و لا شكّ كما في «جامع المقاصد (5)» أنّه إذا كان عالماً لا يستحقّ اجرةً، فلا بدّ أن يكون إنّما احتمله في صورة الجهل، لكن ذلك يقضي بأن

____________

(1) مختلف الشيعة: في القراض ج 6 ص 249- 250.

(2) تذكرة الفقهاء: في قراض العامل ج 2 ص 240 س 5.

(3) تقدّم في ص 446.

(4) إيضاح الفوائد: في أركان القرض ج 2 ص 306.

(5) راجع جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 60.

454

..........

____________

لا يذكر العالم في الاحتمال الثاني كما قاله المحقّق الثاني، إلّا أن تقول إنّه إن لم يذكره لُاوهم أنّه يستحقّ مطلقاً فلمّا قيّده لدفع الوهم حصل وهمٌ آخر، فتدبّر إذ الأولى على هذا أن لا يذكر الاحتمال الثاني بالكلّية.

و كيف كان، فوجه استحقاقه الاجرة في صورة الجهل واضح. و أمّا وجه العدم في هذه الصورة فقد قال في «الإيضاح (1)»: يحتمل عدمه لقول الأصحاب و لأنّ القراض موضوع على أنّه إن لم يحصل الربح فلا تأثير له، و هذا الربح في حكم المعدوم، انتهى. و لم ندر ما ذا أراد بقول الأصحاب، فإنّ أحداً منهم لم يقل إنّ الربح للمالك و لا اجرة للعامل الثاني على الأوّل إذا كان جاهلًا. و قد سمعت كلام الشيخ و يحيى بن سعيد (2).

و في «الشرائع (3) و التحرير (4) و الإرشاد (5)» أنّ نصف الربح للمالك و نصفه الآخر للعامل الأوّل و عليه اجرة الثاني. و قد قلنا: إنّ ذلك إنّما يتمّ مع جهل الثاني، و الموضوع مختلف. و مع ذلك حكما فيها بالاجرة. و قد يقال (6) على «الإيضاح» في الوجه الثاني: إنّ ذلك إنّما هو مع عدم حصول الربح بالكلّية لا مع وجوده و أخذ غيره له. فاحتمال عدم الاجرة مع الجهل ضعيف جدّاً بل ما احتمله أحد من العامّة، كما أنّه لا اجرة له مع العلم قطعاً.

و يخطر بالبال أنّ المراد بالاحتمال الأوّل غير ما في الإيضاح و جامع المقاصد، و هو أنّ المراد أنّه يحتمل أنّ العامل الثاني يرجع على المالك بأُجرة

____________

(1) إيضاح الفوائد: في أركان القراض ج 2 ص 305.

(2) تقدّم كلامهما في ص 449.

(3) شرائع الإسلام: في لواحق المضاربة ج 2 ص 143.

(4) تحرير الأحكام: في أحكام القراض ج 3 ص 258.

(5) إرشاد الأذهان: في المضاربة ج 1 ص 436.

(6) كما في جامع المقاصد: في أركان القراض ج 8 ص 60.

455

و يحتمل عدم لزوم الشراء إن كان بالعين، و إن كان في الذمّة احتمل اختصاص الثاني به و القسمة بينه و بين العامل الأوّل في النصف، و اختصاص المالك بالآخر إن كان الأوّل شرط على الثاني أنّ للمالك النصف و الآخر بينهما.

____________

مثله، لأنّ نفع عمله عاد إليه. فالمستوفى لعمله هو المالك، و ليس عالماً حتّى يكون غاصباً لا أجر له. و يحتمل أن يرجع به على الأوّل، لأنّه استعمله و غرّه كما ذكر العامّة هذين الوجهين فيما نحن فيه. ثمّ إنّه استدرك فقال: و لو قيل ... إلى آخره، فسلمت العبارة من احتمال الإيضاح الضعيف و ممّا في جامع المقاصد.

قوله: «و يحتمل عدم لزوم الشراء إن كان بالعين، و إن كان في الذمّة احتمل اختصاص الثاني به و القسمة بينه و بين العامل الأوّل في النصف، و اختصاص المالك بالآخر إن كان الأوّل شرط على الثاني أنّ للمالك النصف و الآخر بينهما»

(1) قد عرفت (1) أن هذا الاحتمال في مقابلة إطلاق قوله «و إن ربح فللمالك خاصّة» و قد عرفت قضية إطلاقه و الاعتذار عنه.

و وجه عدم اللزوم إن كان الشراء بالعين ظاهر، لأنّه كشراء الفضولي، لأنّ المالك لم يأذن له فيه. و هذا غير الاستنابة في البيع و الشراء، إذ تلك مجرّدة عن عقد مضاربة اخرى. و قد استدلّ عليه في «الإيضاح» بالنصّ على أنّ مَن اشترى بعين مال غيره بغير إذنه لم يلزم الشراء (2)، و هنا كذلك. و لعلّه أراد بالنصّ معقد الإجماع أو إطلاق الأصحاب كما يأتي له مثله قريباً (3) أو استنبطه من موارد النصوص.

____________

(1) تقدّم في ص 447- 448.

(2) إيضاح الفوائد: في أركان القراض ج 2 ص 306.

(3) سيأتي في ص 462- 463.

456

..........

____________

و كيف كان، فهذا الاحتمال لا ريب فيه على اصولنا عند معظم الأصحاب فكيف يجعله احتمالًا؟ و لعلّه أورده كذلك على مذهب الشيخ (1) و الشافعي (2) في الجديد حيث قالا: إنّ الشراء بعين مال الغير يقع فاسداً لا موقوفاً. فكأنّه قال: إن ربح كان للمالك خاصّة لأنّه اشترى بالعين جرياً على قاعدة المضاربة و يحتمل عدم لزوم الشراء إن كان بالعين كما هو مذهب الشيخ و غيره ممّن منع من عقد الفضولي. فتسلم عبارات الكتاب عن جميع ما أورده عليها في «جامع المقاصد» و لو حرّرها ما أورد تلك الإيرادات و لا ذكرها.

و وجه اختصاص الثاني به إن كان الشراء في الذمّة أنّه إذا اشترى كذلك و لم يذكر أحداً لفظاً و لا نية يقع له فيستحقّ الربح كلّه. و هذا لا يتّضح إلّا إذا كان الثاني عالماً بالحال و نوى بالشراء نفسه أو أطلق و لم ينو أحداً. و العبارة مطلقة و لا بدّ من تنزيلها على ذلك ليتّجه هذا الاحتمال و يفارق الثاني من الاحتمالين فيما إذا كان الشراء في الذمّة، لكنّه حينئذٍ يجب الجزم به. و لا يكون متعلّق الاحتمالين واحداً كما هو ظاهر العبارة، إذ متعلّق هذا الاحتمال ما إذا علم بالحال و متعلّق الثاني ما إذا جهل. و لعلّه أراد بيان ذلك بذِكره الاحتمالين فكأنّه قال: إنّ الشراء في الذمّة يقع على وجهين.

هذا، و وجه الاحتمال الثاني أنّه اشترى للمضاربة و نوى المالك فيجب أن يقع الشراء لها على حكمها فيكون للمالك النصف و النصف الآخر بينه و بين العامل الأوّل إذا شرط الأوّل على الثاني ذلك، و لكنّه لا يتمّ على اصولنا، لأنّه إذا اشترى في الذمّة و نوى المالك أو صرّح به لفظاً فلا بدّ من إجازته كالشراء بالعين، و إنّما يتمّ

____________

(1) المبسوط: فيما إذا مات أحد المتقارضين ج 3 ص 181.

(2) راجع المجموع: في القراض ج 14 ص 370.