المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
455

و باللمس و التقبيل بشهوة (1)

____________

(1):- على المشهور بين الفقهاء كما نسب إليهم، بل عن المدارك انه مما قطع به الأصحاب، و لعله للقياس على المحرم، و الا فلا دليل عليه، و مقتضى الأصل العدم، و كأنه لأجله خص الحكم في التهذيب بالجماع. و كيفما كان فان تمَّ الإجماع فهو المستند، و إلا فالأصل عدم الحرمة كما عرفت.

و اما قوله تعالى وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ (1) فهو و ان كان ظاهرا في إرادة الاعتكاف الشرعي كما في قوله تعالى:

أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ. إلخ (2) كيف و لو كانت الآية المباركة ناظرة إلى بيان حكم المسجد من حيث هو مسجد لا الى بيان حكم الاعتكاف لكان قوله تعالى وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ زائدا و لزم الاقتصار على هذا المقدار و لا تباشروهن في المساجد كما لا يخفى.

الا ان المراد بالمباشرة هو الجماع كما لعله الظاهر من اللفظ عرفا.

كيف و لو أريد المعنى الأعم لشمل حتى مثل المخالطة و المحادثة و اللمس و التقبيل بغير شهوة أيضا و هو غير محرم قطعا. فيكشف ذلك عن ارادة الجماع خاصة. فلا تدل الآية على حرمة غيره بوجه.

بقي شيء و هو انه قد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبة من شعر و شمر الميزر و طوى فراشه. و قال بعضهم: و اعتزل النساء. فقال أبو عبد اللّه

____________

(1) سورة البقرة الآية 187.

(2) سورة البقرة الآية 120.

456

و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة (1) فيحرم على المعتكفة أيضا الجماع و اللمس و التقبيل بشهوة،

____________

(عليه السلام): اما اعتزال النساء فلا (1).

قوله (عليه السلام): طوى فراشه لا يبعد ان يكون ذلك كناية عن ترك الجماع، لا انه (ص) كان يطوي بساطه بحيث كان يجلس على التراب. و أظن ان صاحب المدارك (قده) أيضا فسره بذلك.

و اما الاعتزال فليس المراد به ترك الجماع قطعا لأنه (ص) كان في المسجد فكيف نفاه (عليه السلام) عنه (ص) عند رد قول ذلك البعض، بل المراد ترك المجالسة و المخالطة معهن كما لا يخفى.

و كيفما كان فليس المراد هنا الجماع يقينا و لو بقرينة سائر الروايات.

(1):- بلا خلاف فيه، و يدلنا عليه:

أولا قاعدة الاشتراك، فان الظاهر عرفا من مثل قوله: (عن معتكف واقع اهله) ان الحكم من آثار الاعتكاف، لا من آثار الرجولية كما في مثل قوله: رجل شك بين الثلاث و الأربع، فإنه ظاهر أيضا في انه من آثار الشك فيعم الرجل و المرأة بقاعدة الاشتراك.

و ثانيا قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة الحلبي: و اعتكاف المرأة مثل ذلك (2). فان المشار إليه بكلمة ذلك هو اعتكاف الرجل- طبعا- المذكور في الصدر. و قد رواها المشايخ الثلاثة كلهم كذلك.

فقد تضمنت تشبيه اعتكاف باعتكاف، و انه لا فرق بين الاعتكافين، و انهما متماثلان من جميع الجهات بمقتضى الإطلاق و يتساويان في جميع الأحكام. غاية الأمر ان تلك الاحكام بعضها مذكور في هذه الصحيحة

____________

(1) الوسائل باب 5 من أبواب الاعتكاف ح 2.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 2.

457

..........

____________

و البعض الآخر كحرمة الجماع غير مذكور هنا و مستفاد من الأدلة الآخر و هذا لا يضر باستفادة المساواة في جميع الاحكام بمقتضى إطلاق المماثلة و لا موجب للاقتصار على المذكورات في هذه الصحيحة فإنه تقييد من غير مقيد يقتضيه بعد انعقاد الإطلاق في الذيل.

نعم لا تتم هذه الدعوى في صحيحة داود بن سرحان لان المذكور في ذيلها هكذا: «و المرأة مثل ذلك» (1) فتضمنت تشبيه المرأة بالرجل، لا تشبيه اعتكافها باعتكافه كما في تلك الصحيحة، و كم فرق بين الأمرين، فإن تشبيه المرأة بالرجل ظاهر في إرادة ما ذكر من الاحكام، و الا فلا معنى لتشبيهها به على سبيل الإطلاق. و هذا بخلاف الثاني فإن تشبيه الاعتكاف بالاعتكاف يعطينا بمقتضى الإطلاق ان كل حكم ثبت لذاك الاعتكاف فهو ثابت لهذا أيضا و معه لا مقتضي للتخصيص بالأحكام المذكورة في نفس هذه الصحيحة بل يعمها و ما ثبت من الخارج كحرمة الجماع حسبما عرفت.

و ثالثا تدلنا عليه صحيحة أبي ولاد الحناط: «عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة بإذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها. فقال: ان كانت خرجت من المسجد قبل ان تقضي ثلاثة أيام و لم تكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر» (2).

فإنها ظاهرة في ان الموجب للكفارة انما هو الوقاع لا مجرد الخروج من المسجد. كيف و طبيعة الحال تقتضي ان يكون خروجها لحاجة لا بد منها مسوغة لذلك. فان من كان زوجها غائبا و قد قدم من السفر

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب الاعتكاف ح 1.

(2) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 6.

458

و الأقوى عدم حرمة النظر بشهوة الى من يجوز النظر اليه (1) و ان كان الأحوط اجتنابه أيضا.

الثاني: الاستمناء على الأحوط (2) و ان كان على الوجه الحلال كالنظر الى حليلته الموجب له.

____________

و لا سيما إذا كان السفر طويلا كما في الأزمنة السابقة لا مثل هذا الزمان الذي يمكن الخروج أول النهار و الرجوع وسطه أو آخره فالحاجة العرفية تقتضي لزوم الخروج لملاقاته. فمثل هذا الخروج غير محرم و لا يوجب الكفارة قطعا.

و عليه فان كانت مشترطة فلها رفع اليد، و الا فهي باقية على اعتكافها، فلو مكنت نفسها عندئذ من الجماع فقد تحقق في حال الاعتكاف بطبيعة الحال. و قد دلت الصحيحة على حرمته و لزوم الكفارة كما في الرجل. غاية الأمر انها دلت على ان الكفارة هي كفارة الظهار و هي محمولة على الاستحباب من هذه الجهة كما مر سابقا.

و بالجملة فاحتمال ان موجب الكفارة هنا هو الخروج السابق على الوطي خلاف الظاهر جدا لما عرفت من ان مثل هذا الخروج جائز قطعا فلاحظ.

(1):- و ان نسبت الحرمة الى بعض لعدم الدليل عليه. فانا لو سلمنا شمول المباشرة الواردة في الآية المباركة اللمس و التقبيل لكنه لا يشمل النظر جزما. فلا يقال لمن نظر الى احد أنه باشره فيرجع حينئذ إلى أصالة البراءة.

(2):- وجه الاحتياط خلو نصوص الباب عن التعرض له، و انما هو منصوص في بابي الإحرام و الصيام. و أما في المقام فالنصوص

459

الثالث: شم الطيب مع التلذذ و كذا الريحان و اما مع

____________

مقصورة على الجماع، غير انه ادعي الإجماع على الإلحاق. هذا و لكنا ذكرنا في كتاب الصوم انه يمكن استفادة الحكم على سبيل العموم بحيث يشمل المقام من موثقة سماعة المروية بطرق ثلاث كلها معتبرة، قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه إطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين (1).

فإنها كما ترى لم تتقيد بصوم رمضان. إذا فليس من البعيد ان يقال انها تدل على ان في كل مورد كان الجماع موجبا للكفارة فالاستمناء بمنزلته و منه المقام. فان من الواضح الضروري انه لا يراد بها ثبوت الكفارة بمجرد اللزوق مطلقا حتى من غير مقتض لها من صوم أو إحرام أو اعتكاف و نحوها، فان ذلك غير مراد قطعا كما هو ظاهر جدا، فيختص موردها بما إذا كان الجماع موجبا للكفارة، فيكون الاستمناء بمنزلته فتشمل المقام.

و بعبارة أخرى هذه الموثقة نزلت الاستمناء منزلة الجماع، فكما ان الجماع يوجب الكفارة، فكذلك الاستمناء. و عليه فلا مانع من الحكم بالإلحاق. هذا و لا فرق في حرمة الاستمناء على المعتكف بين الاستمناء المحلل في نفسه. كما لو خرج من المسجد لحاجة ضرورية فأمنى بالنظر الى حليلته و بين المحرم كما لو أمنى في المثال بغير ذلك. أو أمنى في المسجد و لو بذلك لحرمة الاجناب فيه من حيث هو فالحرمة في المقام تعم الصورتين- كما نبه عليه في المتن- و ان كانت تتأكد في الصورة الثانية.

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4.

460

عدم التلذذ (1) كما إذا كان فاقدا لحاسة الشم مثلا فلا بأس به.

الرابع: البيع و الشراء (2) بل مطلق التجارة مع عدم الضرورة على الأحوط و لا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيوية من المباحات حتى الخياطة و النساجة و نحوهما و ان كان الأحوط

____________

(1):- اما إذا كان عدم التلذذ لأجل كونه فاقدا لحاسة الشم فلا ينبغي الإشكال في الجواز، لان موضوع الحكم في صحيحة أبي عبيدة التي هي مستند الحكم في المسألة هو الشم.

فقد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) انه قال: «المعتكف لا يشم الطيب و لا يتلذذ بالريحان و لا يماري و لا يشتري و لا يبيع. إلخ» (1) و من لم تكن له شامة لا يصدق معه عنوان الشم و هذا واضح.

و اما لو كان عدم التلذذ لأجل أن الشم تحقق بداع آخر من علاج أو اختبار ليشتريه بعد الاعتكاف و غير ذلك من الدواعي غير داعي التلذذ فهل يحرم ذلك أيضا كما هو مقتضى إطلاق الشم الوارد في الصحيحة، أو يختص بما إذا كان بداعي التلذذ؟

ادعى في الجواهر الانصراف إلى صورة الالتذاذ و هو غير بعيد، لان الظاهر عرفا من اضافة الشم الى الطيب رعاية الوصف العنواني، اي شم الطيب بما هو طيب المساوق للتمتع و الالتذاذ، لا شم ذات الطيب بداع آخر، فان اللفظ منصرف عن مثل ذلك عرفا كما لا يخفى.

و يعضده تقييد الريحان بالتلذذ- في الصحيحة- سيما بعد ملاحظة كونه في اللغة اسما لكل نبات طيب الرائحة.

(2):- بلا خلاف فيه و لا إشكال في الجملة، كما دلت عليه

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب الاعتكاف ح 1.

461

الترك الا مع الاضطرار إليها بل لا بأس بالبيع و الشراء إذا مست الحاجة إليهما للأكل و الشرب مع تعذر التوكيل أو النقل بغير البيع.

الخامس: المماراة اي المجادلة (1) على أمر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة و إظهار الفضيلة و اما بقصد إظهار الحق ورد الخصم من الخطأ فلا بأس به بل هو من أفضل الطاعات فالمدار على القصد و النية فلكل امرئ ما نوى من خير أو شر

____________

صحيحة أبي عبيدة المتقدمة.

و هل يختص الحكم بذلك أو يعم مطلق المعاملة و التجارة كالإجارة و نحوها؟ مقتضى الجمود على النص هو الأول، و لكن قيل ان البيع و الشراء كناية عن مطلق التجارة. و هذا و ان كان محتملا في نفسه إذ قد يستعمل بهذا المعنى و لا سيما في اللغة الفارسية فيطلق كلمة (خريد و فروش) على مطلق المعاملة الا ان إثباته مشكل كما لا يخفى.

و على تقدير الثبوت فالظاهر اختصاصه بما يكون مثل البيع و الشراء في الاشتمال على نوع من المبادلة في العين أو العمل أو المنفعة كالمصالحة و المزارعة و الإجارة و نحوها لا مطلق التمليك و التملك ليعم مثل قبول الهدية فإن الالتزام بحرمة مثل ذلك مشكل جدا.

و على الجملة فالتعدي إلى مطلق التجارة بعيد، و الى التملك الشبيه بالبيع و الشراء غير بعيد الا ان إثباته مشكل. فمقتضى الجمود على ظاهر النص الاقتصار على البيع و الشراء، فان قام إجماع على التعدي فهو و الا فلا يبعد عدم الحرمة.

(1):- من غير خلاف فيه، و تشهد له صحيحة أبي عبيدة

462

و الأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد و ازالة الشعر و لبس المخيط و نحو ذلك و ان كان أحوط (1)

____________

المتقدمة. و هي كما نبه في المتن: الجدال لغاية فاسدة من إظهار الفضيلة و نحوها دون ما كان لغرض صحيح من إحقاق حق أو إبطال باطل فإنه عبادة راجحة. و الفارق القصد و ان اتحدت صورة العمل.

(1):- لا ريب ان ما يبطل الصوم يبطل الاعتكاف لتقومه به.

و اما غيره من بقية الأفعال فلا مانع و ان كان مما يحرم على المحرم كإزالة الشعر و لبس المخيط و نحوهما.

نعم عن الشيخ في المبسوط انه روى انه يجتنب ما يجتنبه المحرم، و لكن الرواية لم تثبت، بل نقطع بالجواز في بعضها كلبس المخيط و نحوه فإن كيفية اعتكاف النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) منقولة لدينا و لم يذكر في شيء منها ترك المخيط أو لبس ثوبي الإحرام مع التعرض للخصوصيات التي منها انه (صلى اللّه عليه و آله) كان يطوي فراشه- بأي معنى كان- فلو كان تاركا للمخيط أو لابسا لثوبي الإحرام فكان مرويا لدينا، بل بنحو التواتر كما لا يخفى. فلا ينبغي الإشكال في جواز ذلك، و كذا غيره من سائر تروك الإحرام.

و اما الاشتغال بالمباحات فلا ينبغي الشك في جوازه أيضا سواء أ قلنا بان الاعتكاف بنفسه عبادة كما قربناه أم أنه مقدمة للعبادة كما ذكره بعضهم.

اما على الأول فواضح إذ لا موجب للاشتغال بعبادة أخرى زائدة على الفرائض اليومية فله صرف بقية وقته في المباحات.

و اما على الثاني فكذلك، إذ ليس المراد ان يعتكف ليعبد اللّه تعالى في تمام الأيام الثلاثة. و لعل ذلك غير ميسور لغالب الناس، بل

463

[مسألة 1: لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل و النهار]

(مسألة 1): لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل و النهار (1) نعم المحرمات من حيث الصوم كالأكل و الشرب و الارتماس و نحوها مختصة بالنهار.

[ (مسألة 2): يجوز للمعتكف الخوض في المباح]

(مسألة 2): يجوز للمعتكف الخوض في المباح (2) و النظر في معاشه مع الحاجة و عدمها.

[ (مسألة 3) كلما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف]

(مسألة 3) كلما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف (3) إذا وقع في النهار من حيث اشتراط الصوم فيه فبطلانه يوجب بطلانه و كذا يفسده الجماع سواء كان في الليل أو النهار و كذا اللمس و التقبيل بشهوة بل الأحوط بطلانه بسائر ما ذكر من المحرمات من البيع و الشراء و شم الطيب و غيرها مما ذكر بل لا يخلو عن قوة و ان كان لا يخلو عن إشكال أيضا و على هذا فلو أتمه و استأنفه أو قضاه بعد ذلك إذا صدر منه احد المذكورات في الاعتكاف الواجب كان أحسن و اولى.

____________

ليعبده في الجملة: و على كل حال فما كان مباحا لغير المعتكف مباح له أيضا كما هو ظاهر.

(1):- لإطلاق الدليل بخلاف الحرمة الناشئة من ناحية الصوم، فإنها مختصة بوقت الصوم و هو النهار كما هو ظاهر.

(2) كما تقدم آنفا.

(3):- هل الحرمة الثابتة للمذكورات من الجماع و البيع و الشراء و الجدال و نحوها تكليفية و وضعية أو انها تكليفية فقط من غير أن

464

..........

____________

تستوجب البطلان، أو انها وضعية فقط دون ان تكون محرمة تكليفا كما لو خرج من المسجد بغير حاجة فإنه يبطل اعتكافه و لكنه لم يرتكب محرما إذا كان في اليومين الأولين. نعم في اليوم الثالث يحرم لحرمة الإبطال كما مر. فهل حكم تلك المذكورات حكم الخروج، أو انها محرمة تكليفا لا وضعا، حتى انه لو جامع في اليومين الأولين ارتكب محرما و صح اعتكافه و كذا غيره من سائر المذكورات؟؟

اما بالنسبة إلى الجماع فالظاهر انه لا شك في حرمته التكليفية و الوضعية معا من غير فرق بين اليومين الأولين و الأخير.

و الوجه فيه ان استفادة كلا الحكمين و ان لم يمكن من نهي واحد نحو قوله (عليه السلام): (المعتكف لا يأتي أهله) إذ هو في أحدهما إرشادي، و في الآخر مولوي، و الإرشاد يرجع في الحقيقة الى الاخبار و ان كان بصورة الإنشاء فمرجع قولنا: المصلي لا يتكلم أو يستقبل الى ان التكلم مانع أو القبلة شرط. و لا يمكن الجمع بين الاخبار و الإنشاء في كلام واحد، فلا يدل على التكليف و الوضع معا. بل لا بد من الحمل على أحدهما.

الا انه يستفاد ذلك مما دل على ان المجامع اهله معتكفا بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فان عموم التنزيل يقتضي ثبوت كلا الحكمين.

فكما ان الإفطار في شهر رمضان محرم و مبطل، بل و موجب للكفارة فكذا في الاعتكاف فان التنزيل لا يختص بالكفارة و ان ذكرت في الرواية بل مفاده عموم الاحكام.

و الظاهر انه لم يقع فيه اي خلاف من احد، و ان الجماع حرام و مبطل من غير فرق بين اليومين الأولين أو الأخير في الليل أو في النهار، داخل المسجد أو خارجه.

465

..........

____________

و اما غير الجماع من اللمس و التقبيل بشهوة فقد تقدم عدم حرمته فضلا عن كونه مبطلا، و عرفت ان الآية المباركة ظاهرة في المباشرة بمعنى الجماع، و كذا الروايات.

و اما غير ذلك من سائر الأمور من البيع و الشراء و شم الطيب و الجدال و نحوها فالحكم فيه يبتني على ما ذكرناه في الأصول و تقدم في مطاوي هذا الشرح من ان النهي بحسب طبعه الاولي و ان كان ظاهرا في التحريم التكليفي المولوي، أي اعتبار كون المكلف بعيدا عن الفعل في عالم التشريع، و لأجله يعبر عنه بالزجر، فكأن الناهي يرى المنهي محروما عن العمل و انه لا سبيل له اليه و الطريق مسدود.

الا ان هذا الظهور الاولي قد انقلب في باب المركبات من العبادات و المعاملات العقود منها و الإيقاعات إلى الإرشاد إلى الفساد و اعتبار عدمه في ذلك العمل. فلا يستفيد العرف من مثل قوله (عليه السلام):

نهي النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن بيع الغرر انه محرم إلهي كشرب الخمر، بل معناه ان الشارع الذي امضى سائر البيوع لم يمض هذا الفرد و انه يعتبر في الصحة ان لا يكون غرريا. فلا تستفاد الحرمة التكليفية بوجه إلا إذا دل عليه دليل من الخارج، كما في الربا بقرينة قوله تعالى فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ. و الا فنفس النهي لا يدل عليها بوجه.

و كذلك الحال في باب العبادات، فإنه لا يستفاد من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه الا البطلان و تقيد الصلاة بعدم ذلك.

و هذا الكلام بعينه يجري في باب الأوامر أيضا، فإن الأمر بالصلاة إلى القبلة ظاهر في الشرطية لا الوجوب التكليفي، كما ان الأمر بالإشهاد في الطلاق في قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ

466

[ (مسألة 4): إذا صدر منه احد المحرمات المذكورة سهوا]

(مسألة 4): إذا صدر منه احد المحرمات المذكورة سهوا فالظاهر عدم بطلان اعتكافه الا الجماع (1) فإنه لو جامع سهوا أيضا فالأحوط في الواجب الاستئناف أو القضاء مع إتمام ما هو مشتغل به و في المستحب الإتمام.

____________

ظاهر في ذلك، و ان الطلاق بلا شاهد باطل لا انه حرام، و هكذا غيرها فقد انقلب الظهور من المولوي إلى الإرشادي و من التكليفي الى الوضعي. و هذا يجري في جملة أخرى من الموارد كالأمر بالغسل في مثل قوله: اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه فإنه إرشاد إلى النجاسة لا الوجوب التكليفي.

و على الجملة لا تستفاد الحرمة التكليفية من النواهي الواردة في هذه الأبواب بتاتا، بل هي ظاهرة في الوضعي فقط.

و عليه فالنهي عن البيع أو الجدال و نحوهما في الاعتكاف ظاهر في البطلان فقط لا الحرمة التكليفية. نعم هي محرمة أيضا في اليوم الثالث من أجل الدليل الخارجي الدال على حرمة الإبطال حينئذ كما تقدم.

(1):- لا يخفى عدم وضوح الفرق بين الجماع و غيره في البطلان و عدمه. فان قسما من الاخبار الواردة في الجماع ناظر إلى إثبات الكفارة مثل قوله (عليه السلام): (من جامع اهله و هو معتكف فعليه الكفارة) و لا ينبغي الشك في اختصاصها بالعامد، ضرورة ارتفاعها عن الناسي بمقتضى حديث الرفع، إذ معناه رفع الآثار المترتبة على العمل مع قطع النظر عن النسيان التي منها الكفارة.

و القسم الآخر منها دل على عدم إتيان المعتكف اهله و هو نظير ما ورد في البيع و الشراء من ان المعتكف لا يبيع و لا يشتري كما في

467

..........

____________

صحيحة أبي عبيدة و غيرها.

فان ادعي الانصراف في تلك النصوص الى العامد ففي الجماع أيضا كذلك. و إلا فالجميع على نسق واحد. فالتفصيل بينهما بلا وجه. اللهم الا ان يدعى قيام الإجماع في الجماع و لكنه غير متحقق. فالأظهر ان الحكم في الجميع واحد.

ثمَّ انك عرفت انعقاد الظهور الثانوي للنهي في باب المركبات في الإرشاد إلى الفساد. فهل يختص ذلك بصدور الفعل عن عمد أو يعم السهو أيضا؟

ادعى في الجواهر الانصراف إلى صورة العمد و لكنه غير ظاهر، إذ لا مسرح لمثل هذه الدعوى في الأحكام الوضعية التي هي بمثابة الجمل الخبرية المتضمنة للإرشاد إلى المانعية و نحوها. فمرجع قوله (عليه السلام): (المعتكف لا يشم الطيب) الى ان عدم الشم قد اعتبر في الاعتكاف غير المختص بحال دون حال، و انما تتجه تلك الدعوى في الأحكام التكليفية ليس إلا كما لا يخفى.

و لو لا التمسك بذيل حديث لا تعاد لما أمكننا الحكم بصحة الصلاة الفاقدة لما عدا الأركان نسيانا فان حديث رفع النسيان انما يتكفل لرفع المؤاخذة و الحرمة التكليفية و ما يترتب عليها من الكفارة و نحوها، و لا تعرض له لصحة العمل بوجه، و لا بد في إثبات صحة الباقي من قيام دليل خارجي، و قد ثبت في باب الصلاة و لم يثبت في مثل المقام.

و لو دل الحديث على الصحة لدل عليها في مورد الإكراه و الاضطرار أيضا و لم تختص بالنسيان و هو كما ترى لضرورة فساد الاعتكاف بالجماع و ان كان عن اكراه أو اضطرار.

و توهم ان الحديث يرفع القضاء قد مر الجواب عنه بأنه ليس من

468

[ (مسألة 5): إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات]

(مسألة 5): إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات فان كان واجبا معينا وجب قضاؤه (1) و ان كان واجبا غير معين وجب استينافه إلا إذا كان مشروطا فيه أو في نذره الرجوع فإنه لا يجب قضاؤه أو استئنافه و كذا يجب قضاؤه إذا كان مندوبا و كان الإفساد بعد اليومين و اما إذا كان قبلهما فلا شيء عليه بل في مشروعية قضائه حينئذ إشكال (2).

____________

آثار الإتيان بهذا الفعل ليرتفع بل من آثار ترك المأمور به، و لذلك لم يقل أحد في باب الصلاة بأنه إذا كان مضطرا الى التكلم لم تبطل صلاته.

و المتحصل مما ذكرناه انه لا فرق بين الجماع و غيره و الكل بلسان واحد. فان كان المستفاد المانعية ففي كلا الموردين، و ان كان الحكم التكليفي ففي كلا الموردين أيضا. و على ما استظهرناه من أنه إرشاد إلى المانعية فلا وجه لتقييده بالعمد، بل يعم غيره أيضا و يلحق بالسهو الإكراه و الاضطرار.

(1):- إذ بالإفساد يفوت الواجب المعين، فيشمله عموم وجوب قضاء الفوائت بناء على ثبوت هذا العموم- و قد تقدم منعه- كما ان غير المعين الفاسد لم يقع مصداقا للامتثال. فلا جرم وجب استينافه بعد عدم انطباق الطبيعي المأمور به عليه. هذا فيما إذا لم يشترط الرجوع و الا لم يجب عليه القضاء و لا الاستيناف كما هو ظاهر.

(2):- كما هو الحال في عامة النوافل غير الموقتة كالصلاة و الصيام و منها الاعتكاف، إذ بعد كون الأوامر في مواردها انحلالية،

469

[ (مسألة 6): لا يجب الفور في القضاء]

(مسألة 6): لا يجب الفور في القضاء (1) و ان كان أحوط.

[ (مسألة 7): إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه لم يجب على وليه القضاء]

(مسألة 7): إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه لم يجب على وليه القضاء و ان كان أحوط نعم لو كان المنذور الصوم معتكفا وجب على الولي قضاؤه لأن الواجب حينئذ عليه هو الصوم و يكون الاعتكاف واجبا من باب المقدمة بخلاف ما لو نذر الاعتكاف فان الصوم ليس

____________

فكل وقت يصلح لوقوع العمل فيه فهو أداء للأمر المتوجه في هذا الوقت لا انه قضاء لما سبق فلا يكاد يفهم معنى صحيح القضاء في أمثال هذه الموارد، إلا إذا فرض ان للمستحب خصوصية زمانية كنوافل الليل فإنها تقضى من أجل تلك الخصوصية.

و عليه يحمل ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كانت بدر في شهر رمضان و لم يعتكف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلما ان كان من قابل اعتكف عشرين، عشرا لعامه، و عشرا قضاء لما فاته (1) حيث كان القضاء لإدراك الاعتكاف من شهر رمضان.

(1):- لعدم الدليل عليه، كما ان الأمر بنفسه لا يدل على الفور و مقتضى الأصل العدم. نعم لا بد و ان لا يكون التأخير بمثابة يعد توانيا و تهاونا بحيث يؤدي الى ترك الواجب فيعاقب عليه حينئذ، و الا فالفورية بنفسها لم يقم عليها أي دليل فضلا عن الوجوب فورا ففورا.

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب الاعتكاف ح 2.

470

واجبا فيه و انما هو شرط في صحته و المفروض ان الواجب على الولي قضاء الصلاة و الصوم عن الميت لا جميع ما فاته من العبادات (1).

____________

(1):- تقدم حكم قضاء المكلف عن نفسه، فتعرض هنا لحكم قضاء الولي عن الميت فيما لو مات أثناء الاعتكاف فذكر (قده) انه لا يجب لعدم نهوض الدليل الا على وجوب ما فات عن الميت من خصوص الصلاة و الصيام لا جميع ما فاته من العبادات، و الاعتكاف و ان تضمن الصوم الا ان حقيقته مجرد الكون في المسجد الذي هو أجنبي عن الصوم و ان كان مشروطا به. فهو واجب بالتبع و لا دليل الا على قضاء الصوم الفائت الواجب بالأصالة.

نعم لو كان الواجب بالذات هو الصوم نفسه و لو لأجل انه نذر أن يصوم معتكفا وجب القضاء على الولي لكون الأمر حينئذ بالعكس إذ يكون الواجب هو الصوم و الاعتكاف مقدمة له فهو الشرط لا انه المشروط.

اما لو كان الواجب عبادة أخرى و الصوم مقدمة له كما لو نذر أن يقرأ القرآن صائما فمات لم يجب قضاؤها على الولي و ان كان مقيدا بالصيام. فما لم يكن الصوم واجبا في نفسه لم يجب قضاؤه على الولي أقول: قد يفرض الكلام في الواجب المعين كما لا يبعد ان يكون هذا هو محل كلامه لاتصاله بالمسألة السابقة المحكوم فيها بالقضاء في المعين، و اخرى يفرض في غير المعين. و هذا على نحوين: إذ قد يفرض شروعه في الاعتكاف أول أزمنة التمكن، و اخرى آخره لفرض سعة الوقت، ثمَّ اعتكف فصادف موته، فالصور ثلاث.

471

[ (مسألة 8): إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه و شراؤه]

(مسألة 8): إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه و شراؤه و ان قلنا ببطلان اعتكافه (1)

____________

لا ينبغي الشك في عدم وجوب القضاء في الصورتين الأوليين لكشف الموت الطارئ عن عدم الوجوب من أول الأمر لعدم انعقاد النذر بعد عدم التمكن من الوفاء في ظرفه و ان لم يكن يعلم به فلم يفت عن الميت شيء ليجب على الولي قضاؤه حتى لو قلنا بوجوبه عن كل عبادة فائتة لاعتبار القدرة في متعلق النذر و المفروض هو العجز.

نعم في الصورة الأخيرة يجري ما ذكره (قده) من عدم الوجوب لعدم الدليل على القضاء عن كل ما فات عن الميت.

إذا لا بد من التفصيل و انه في القسمين الأولين لا يجب القضاء قطعا و في الأخير يبتني على تعميم حكم القضاء لكل فائتة أو اختصاصه بالصلاة و الصيام.

فتحصل ان الأظهر عدم وجوب القضاء مطلقا، و لكن في الأولين لا موضوع للقضاء لعدم الفوت بتاتا و في الأخير لا دليل عليه.

(1):- لان تحريم المعاملة لا يدل على فسادها، إذ لا تنافي بين الحرمة و بين النفوذ الوضعي، كما لا تنافي بين ارتكاب الإثم و بين حصول الطهارة فيما لو غسل المتنجس بالماء المغصوب. فالبيع نافذ بمقتضى إطلاق الأدلة، و النهي لا يدل على الفساد كما هو موضح في الأصول.

بل قد يتوهم دلالته على الصحة كما عن أبي حنيفة، و وافقه في الكفاية نظرا الى اعتبار القدرة في متعلق التكليف، فلو لم تقع المعاملة صحيحة فكيف يتعلق النهي بها، فالنهي يدل على الصحة لا انه دليل الفساد.

و لكنه مدفوع بما أوضحناه في محله. و محصله ان الاعتبار الشرعي

472

[ (مسألة 9): إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع و لو ليلا وجبت الكفارة]

(مسألة 9): إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع و لو ليلا وجبت الكفارة (1)

____________

الذي يتسبب اليه المكلف كاعتبار الملكية و نحوها فعل من أفعال المولى، و خارج عن قدرة المتعاملين، فهو غير قابل لتعلق النهي به حتى يقال انه يدل على الصحة أو لا.

بل الذي يمكن تعلق النهي به أحد أمرين: اما الاعتبار النفسي القائم بشخصي المتبايعين، أو إبرازه بمبرز ما من لفظ أو غيره، حيث ان البيع يتقوم بهذين الجزءين، فلا يكفى الاعتبار المحض، كما لا يكفي مجرد اللفظ بل هو اسم المجموع المركب من الكاشف و المنكشف.

و هذا قد يكون ممضى عند الشارع أو العقلاء بحيث تترتب عليه الملكية الشرعية أو العقلائية، و قد لا يكون، و هو- أي الإمضاء- أمر آخر يعد من فعل الشارع أو العقلاء و خارج عن فعل المكلف، فلا يمكن تعلق الأمر به أو النهي، و انما يتعلقان بفعله الذي هو منحصر في الاعتبار النفسي أو إبرازه حسبما عرفت.

و من البديهي ان النهي المتعلق بمثل ذلك أعم من الصحة و الفساد لعدم دلالته بوجه على انه ممضى عند الشارع أو العقلاء أو ليس بممضى فكما لا يدل على الفساد لا يدل على الصحة أيضا.

(1):- بلا خلاف و لا اشكال كما نطقت به الاخبار مصرحا في بعضها بعدم الفرق بين الليل و النهار، إذ هي من احكام الاعتكاف دون الصيام.

و قد روى الصدوق مرسلا: انه ان جامع بالليل فعليه كفارة واحدة، و ان جامع بالنهار فعليه كفارتان.

و بإسناده عن محمد بن سنان عن عبد الأعلى بن أعين قال:

473

و في وجوبها في سائر المحرمات اشكال و الأقوى عدمه (1)

____________

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وطأ امرأته و هو معتكف ليلا في شهر رمضان، قال: عليه الكفارة، قال: قلت: فإن وطأها نهارا قال: عليه كفارتان (1).

و الأخيرة و ان كانت ضعيفة السند بمحمد بن سنان كالأولى بالإرسال لكنهما تؤيدان الإطلاقات المتضمنة لوجوب الكفارة من صحيحة زرارة و موثقة سماعة و غيرهما (2).

كما ان التقييد برمضان في الأخيرة ليس الا من أجل أنه مورد الرواية، و لا يدل على المفهوم لعدم احتمال الاختصاص بالضرورة.

و كيفما كان فالاطلاقات تدلنا على وجوب الكفارة من غير فرق بين الليل و النهار، كما انها تتكرر في نهار رمضان بعنوانين، و اما في غيره فكفارة واحدة و ان كان مقتضى الإطلاق في مرسلة الصدوق هو التكرر في النهار مطلقا، فان حملت على نهار رمضان كما لا يبعد بقرينة ورود جملة من الروايات في شهر رمضان و الا فلا قائل بذلك منا و لا من غيرنا و هي رواية مرسلة.

(1):- لاختصاص النصوص بالجماع و لم يحرز لدينا المناط ليلتزم بالإلحاق. فالتعدي لا يخرج عن كونه قياسا باطلا كما لا يخفى.

نعم قد يقال بالتعدي، تمسكا بصحيحة أبي ولاد بدعوى ان الظاهر منها ان الكفارة انما هي من جهة الخروج عن المسجد عامدا السابق على الوطي لا من جهته لبطلان الاعتكاف بالمكث في خارج المسجد بغير ضرورة، فالجماع وقع في غير حال الاعتكاف طبعا.

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 3، 4.

(2) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 1، 2، 3.

474

و ان كان الأحوط ثبوتها بل الأحوط ذلك حتى في المندوب فيه قبل تمام اليومين (1)،

____________

و يندفع أولا بأن الصحيحة كالصريحة في أن الكفارة انما هي من جهة الجماع- الواقع حال الاعتكاف- دون الخروج، بناء على ما عرفت من قضاء العادة بكون الخروج المزبور موردا الضرورة العرفية المسوغة لارتكابه و لا كفارة في مثله قطعا.

و ثانيا مع التنازل و تسليم ان الخروج المزبور كان زائدا على المقدار المتعارف و قد بطل به الاعتكاف، فغايته ان الجماع المسبوق بمثل هذا الخروج (و ان شئت فقل) الخروج المتعقب بالجماع موجب الكفارة، لا ان كل ما يفسد به الاعتكاف يستوجبها ليبنى على ثبوتها على سبيل الإطلاق.

(1):- هل الكفارة تختص بالاعتكاف الواجب أو انها تعم اليومين الأولين من المندوب؟

فيه وجهان بل قولان: احتاط الماتن في التعميم نظرا إلى إطلاق نصوص الكفارة بعد وضوح عدم منافاتها الندب.

و مال في الجواهر الى العدم مستظهرا ذلك من صحيحة أبي ولاد المتقدمة، عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة (1).

حيث ان تعليق وجوب الكفارة فيها على عدم الاشتراط يكشف عن اختصاص الكفارة بمورد تعين الاعتكاف و عدم تزلزله. فلا تعم المندوب المحكوم بجواز الابطال و رفع اليد.

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 6.

475

و كفارته ككفارة شهر رمضان على الأقوى (1) و ان كان الأحوط كونها مرتبة ككفارة الظهار.

[ (مسألة 10): إذا كان الاعتكاف واجبا و كان في شهر رمضان و أفسده بالجماع في النهار]

(مسألة 10): إذا كان الاعتكاف واجبا و كان في شهر رمضان و أفسده بالجماع في النهار (2) فعليه كفارتان إحداهما للاعتكاف، و الثانية للإفطار في نهار رمضان و كذا إذا كان في صوم قضاء شهر رمضان و أفطر بالجماع بعد الزوال فإنه يجب عليه كفارة الاعتكاف و كفارة قضاء شهر رمضان و إذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان و أفسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث كفارات إحداها للاعتكاف و الثانية لخلف النذر، و الثالثة للإفطار في شهر رمضان. و إذا جامع امرأته المعتكفة و هو معتكف في نهار رمضان فالأحوط

____________

أقول: لا موجب لما ذكره (قدس سره) فإن الذي تدل عليه الصحيحة ان ابطال الاعتكاف بالجماع لا يوجب الكفارة إذا كان مع الاشتراط فيكون ذلك تخصيصا لما دل على ترتب الكفارة على جماع المعتكف من دون فرق بين اليومين الأولين و اليوم الثالث فان جواز رفع اليد عن الاعتكاف في اليومين الأولين لا ينافي ترتب الكفارة على الجماع فيهما قبل رفع اليد عنه و وقوع الجماع حال الاعتكاف.

فالنتيجة ان ابطال الاعتكاف بالجماع موجب للكفارة مطلقا إذا لم يكن اشتراط و مع الاشتراط لا كفارة كذلك.

(1):- كما تقدم في فصل صوم الكفارة.

(2):- إذا جامع المعتكف في غير شهر رمضان في الليل أو النهار وجبت عليه كفارة واحدة. و ما في مرسلة الصدوق من الكفارتين

476

اربع كفارات، و ان كان لا يبعد كفاية الثلاث إحداها لاعتكافه و اثنتان للإفطار في شهر رمضان إحداهما عن نفسه و الأخرى تحملا عن امرأته، و لا دليل على تحمل كفارة الاعتكاف عنها. و لذا لو أكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه الا كفارته، و لا يتحمل عنها. هذا و لو كانت مطاوعة فعلى كل منهما كفارتان ان كان في النهار، و كفارة واحدة ان كان في الليل.

تمَّ كتاب الاعتكاف

____________

لو واقع في النهار محمول على شهر رمضان كما تقدم، و الا فهي مضافا الى ضعف السند لم يقل بمضمونها احد من الأصحاب.

و إذا جامع في نهار شهر رمضان وجبت كفارتان إحداهما عن الاعتكاف، و الأخرى كفارة الإفطار في شهر رمضان، فيعمل بموجب كل من السببين بعد وضوح ان مقتضى الأصل هو عدم التداخل.

و لو اكره زوجته الصائمة وجبت كفارة ثالثة و هي كفارة الإكراه فيتحمل عنها كفارتها.

و لو قلنا بإلحاق الاعتكاف بالصيام في التحمل وجبت كفارة رابعة لو كانت الزوجة المكرهة معتكفة في شهر رمضان.

لكن الأخير لم يثبت لعدم الدليل على الإلحاق المزبور. نعم تسقط عنها الكفارة بحديث رفع الإكراه. اما التحمل فيحتاج الى الدليل، و لا دليل عليه في المقام، و انما الثابت في خصوص شهر رمضان.

و لو كان قد نذر الاعتكاف في شهر رمضان فجامع وجبت عليه

477

..........

____________

كفارة خامسة لتحقق موجب جديد و هي كفارة حنث النذر.

و لكن هذا يتوقف على ان يكون الجماع موجبا للحنث و هو انما يتحقق في أحد موردين:

الأول ان يكون المنذور هو الاعتكاف المعين كما لو نذر ان يعتكف ليالي القدر من شهر رمضان فجامع.

الثاني ان يعرضه التعيين بعد ان كان المنذور كليا في حد نفسه، كما لو نذر الاعتكاف ثلاثة أيام من شهر رمضان فأخره إلى الثلاثة الأخيرة من الشهر، أو انه اعتكف أوائل الشهر و لكنه يعلم بعدم تمكنه من الاعتكاف بعد ذلك لمانع خارجي يمنع عن المكث في المسجد مثلا.

و اما إذا لم يكن ثمة أي تعيين بتاتا لا بالأصالة و لا بالعرض فالجماع المزبور لا يستوجب حنث النذر لتثبت به الكفارة الخامسة، بل له الاستيناف و الإتيان بفرد آخر يتحقق به الوفاء كما هو ظاهر.

و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا. و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين هذا تمام الكلام في كتاب الاعتكاف و به ينتهي ما أردنا إيراده في هذا الجزء و قد لاحظه سيدنا الأستاد دام ظله بكامله. و ربما أضاف أو عدل عما كان بانيا عليه، فأصبحت هذه المجموعة حصيلة ما استفدناه من محاضراته دام ظله في مجلس الدرس و من ملاحظاته بعد المذاكرة معه عند التقديم للطبع، و يقع الكلام بعد ذلك في كتاب الزكاة إنشاء اللّه تعالى.

و قد حرره بيمناه الداثرة تلميذه الأقل مرتضى خلف العلامة سماحة آية اللّه العظمى الحاج الشيخ علي محمد البروجردي- طاب ثراه- في جوار العتبة المقدسة العلوية في النجف الأشرف، و كان الفراغ من البحث في يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع المولود من السنة الخامسة و التسعين

478

..........

____________

بعد الالف و الثلاثمائة، و من الطبع في ربيع الثاني من السنة الثالثة بعد الالف و الأربعمائة من الهجرة النبوية على مهاجرها الاف التحية