المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
55

..........

____________

يوم بمد على مسكين (1).

فكأنه استفيد من الأمر بالفداء عدم وجوب القضاء.

و فيه ما لا يخفى فان موردها الجعل على النفس ابتداء بنذر أو شبهه فهي أجنبية عن محل الكلام. فكيف يتعدى منها الى صيام شهر رمضان سيما بعد دلالة النص على وجوب القضاء فيه كما سمعت.

على أنها ضعيفة السند- ظاهرا- فان ابن مسكان و ان كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) إلا أنه عاش طويلا ببركة دعاء الامام حتى أدرك الرضا (ع)، أو قريبا منه، و لذلك يروى عنه محمد بن سنان كثيرا، كما يروي هو أيضا عن ابن سنان.

و المراد بأبي الحسن اما أن يكون هو الامام موسى بن جعفر (ع) الذي هو الأشهر و ينصرف اللفظ اليه عند الإطلاق، أو الرضا (ع) دون الهادي (ع) لعدم إمكان رواية ابن مسكان عنه (ع) بواسطة واحدة كما لا يخفى.

إذا فمحمد بن جعفر الواقع في هذه الطبقة الذي يروى عنه ابن مسكان و هو يروي عن أبي الحسن (ع) مجهول، إذ لا نعرف في هذه الطبقة من يسمى بهذا الاسم و يكون ثقة، فإن محمد بن جعفر الأشعري ثقة و لكنه في طبقة متأخرة. هذا مضافا الى ان الاقتصار على ذكر المد و عدم ذكر القضاء لا يكون دليلا على عدم الوجوب بوجه كما لا يخفى، فهي إذا قاصرة سندا و دلالة، فلا يصح التعويل عليها بوجه.

و عليه فلا مناص من الحكم بوجوب القضاء لصريح صحيح ابن مسلم، و لما ثبت من الخارج من ان كل من كان مأمورا بالصيام و قد

____________

(1) الوسائل باب 17 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2.

56

..........

____________

أفطر لعارض من ضرر على نفسه أو على غيره لا بد له من القضاء.

فالقول بعدم الوجوب ضعيف غايته.

الجهة الثالثة: في وجوب الصدقة، و هي في الجملة مما لا اشكال فيه، و انما الكلام في أنها هل تختص بما إذا كان الخوف على الحمل أو انها تعم الخوف على النفس أيضا؟

الظاهر هو الاختصاص لانصراف النص الى هذه الصورة خاصة و عدم الإطلاق لغيرها.

و الوجه فيه تقييد الحامل بالمقرب في كلامه (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم المتقدم، إذ لو كان الخوف على النفس كافيا في وجوب الصدقة لم يكن إذا فرق بين المقرب و غيرها و أصبح التقييد به لغوا محضا. فهذا القيد- و هو في كلامه (عليه السلام)- مانع عن التمسك بالإطلاق و كاشف عن الاختصاص المزبور كما لا يخفى.

و على تقدير تسليم الإطلاق فلا ريب ان النسبة بين هذه الصحيحة و بين ما دل من الكتاب و السنة على أن المريض لا يجب عليه إلا القضاء عموم من وجه، لشمول الثاني للحامل المقرب و غيرها مع اختصاص المرض- أي الضرر كما مر- بنفسه و شمول الأول لما إذا كان الخوف على النفس أو الحمل مع الاختصاص بالحامل ففي مورد الاجتماع و هو الحامل التي تخاف على نفسها يتعارض الإطلاقان، فإن مقتضى الأول وجوب الفداء، و مقتضى الثاني عدمه، فلا جرم يتساقطان. و معه لم يبق لدينا بعدئذ دليل على وجوب التصدق.

و أما القضاء فهو ثابت على التقديرين لاتفاق الطرفين عليه كما هو واضح.

إذا فلا دليل على وجوب الفداء على الحامل التي تخاف على نفسها

57

فتفطر و تتصدق من مالها (1) بالمد أو المدين و تقضي بعد ذلك

____________

من الصوم دون ولدها، بل حالها حال سائر المرضى من الإفطار ثمَّ القضاء حسبما عرفت.

الجهة الرابعة: في تحديد الفداء و انه مد أو مدان.

تقدم في الشيخ و الشيخة ان النصوص الواردة في ذلك مختلفة، و كان مقتضى الجمع الحمل على الاستحباب.

و أما في المقام فلم يرد المدان في شيء من الروايات، و انما الوارد في صحيح ابن مسلم مد من الطعام من غير أي معارض.

اللهم إلا أن يقال بالقطع بعدم الفرق في الفدية بين مواردها.

و عليه فتكون هذه أيضا معارضة مع تلك الروايات، و يكون الاحتياط بالمدين في محله.

(1) مراده «قده» واضح و ان كانت العبارة قاصرة، فإنه لا شك في عدم اشتراط الصدقة بكونها من مال المتصدق حتى في الصدقات الواجبة كزكاة المال أو الفطرة فإنه يجوز الأداء من مال الغير إذا كان بإذنه و اجازته، و كذلك الحال في الكفارات و أداء الديون و نحوها من الحقوق المالية، فلا يشترط في كفارة العتق مثلا أن يكون العبد ملكا للمعتق و هذا واضح.

و غرضه «قده» من العبارة ان التكليف بالصدقة- كالتكليف بالقضاء- متوجه إليها لا الى زوجها لتثبت في ماله و تكون من النفقات الواجبة عليه. فهي المخاطبة بوجوب الفداء و إخراج المد سواء أ كان المد من مالها أم من مال غيرها و كانت مجازة عنه في التصدق، و وجهه ظاهر فإنه المنسبق من الأمر الوارد في ظاهر الدليل كما لا يخفى.

58

(الخامس) المرضعة القليلة اللبن (1) إذا أضر بها الصوم أو أضر بالولد و لا فرق بين أن يكون الولد لها أو متبرعة برضاعه أو مستأجرة و يجب عليها التصدق بالمد أو المدين أيضا من مالها و القضاء بعد ذلك و الأحوط بل الأقوى الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع تبرعا أو بأجرة من أبيه أو منها أو من متبرع.

____________

(1) لصحيح محمد بن مسلم المتقدم في الحامل المقرب، و لأجله يجري البحث السابق بخصوصياته هنا أيضا بمناط واحد بعد وحدة المستند.

كما ان الكلام من حيث الاختصاص بخوف الضرر على الولد أو الشمول للخوف على النفس هو الكلام المتقدم بعينه.

و قد عرفت أن الأظهر هو الأول نظرا الى ان تقييد المرضعة بكونها قليلة اللبن قرينة واضحة على ذلك ضرورة عدم الفرق في الخوف على النفس بين كونها قليلة اللبن أو كثيرته، مرضعة أو غير مرضعة، فإن الخوف المزبور أنى عرض و لأي شخص تحقق فهو داخل في عنوان المريض- حسبما مر- و محكوم بالإفطار و القضاء دون الفداء.

فالنص إذا لا إطلاق له بل منصرف الى خصوص صورة الخوف على الولد.

و لو منعنا الانصراف و سلمنا الإطلاق يجري أيضا ما تقدم من المعارضة بينها و بين ما دل على نفي الفدية عن المريض من الكتاب- باعتبار ان التفصيل قاطع للشركة- و من السنة و هي الروايات الكثيرة الواردة في اقتصار المريض على القضاء، و في ان من استمر به المرض

59

..........

____________

الى القابل يتصدق، الكاشف عن اختصاص الصدقة به، أما غير المستمر فعليه القضاء فحسب.

و بما ان النسبة بينهما عموم من وجه و يتعارضان في مادة الاجتماع و هي المرضعة القليلة اللبن التي تخاف على نفسها حيث ان مقتضى الأول وجوب الفداء، و مقتضى الثاني عدمه فلا جرم يتساقطان، و يرجع في وجوب الفدية إلى أصالة العدم حسبما تقدم.

نعم يختص المقام بالبحث عن أمرين.

أحدهما: في ان الحكم هل يختص بالأم أو يعم مطلق المرضعة بتبرع أو استيجار؟ الظاهر هو الثاني، بل لا ينبغي التأمل فيه لإطلاق النص.

ثانيهما: في ان الحكم هل يختص بصورة الانحصار و عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع، أو يعم صورة وجود المندوحة من مرضعة أخرى، أو الانتفاع من حليب الدواب أو من الحليب المصنوع كما هو المتداول في العصر الحاضر بحيث يمكن التحفظ على حياة الطفل من غير تصدي هذه المرأة بخصوصها للإرضاع؟

ذهب جماعة الى الثاني عملا بإطلاق النص، و جماعة آخرون و منهم الماتن إلى الأول و هو الأظهر.

لا لمكاتبة علي بن مهزيار التي يرويها صاحب الوسائل عن ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب مسائل الرجال، قال:

كتبت إليه يعني علي بن محمد (ع) اسأله عن امرأة ترضع ولدها و غير ولدها في شهر رمضان فيشتد عليها الصوم و هي ترضع حتى يغشى عليها و لا تقدر على الصيام، أ ترضع و تفطر و تقضي صيامها إذا أمكنها، أو تدع الرضاع و تصوم، فان كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها

60

..........

____________

فكيف تصنع؟ فكتب: ان كانت ممن يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها و أتمت صيامها، و ان كان ذلك لا يمكنها أفطرت و أرضعت ولدها و قضت صيامها متى ما أمكنها (1).

فإنها و ان كانت واضحة الدلالة على الاختصاص بصورة الانحصار و عدم التمكن من الظئر، أما معه فتتم الصيام و لا تفطر، كما أنها مؤيدة لما ذكرناه من الاختصاص بصورة الخوف على الولد، أما مع الخوف على النفس كما هو مورد المكاتبة بشهادة قوله: «حتى يغشى عليها» فليس عليها الا القضاء دون الفداء.

إلا أنها ضعيفة السند لجهالة طريق ابن إدريس إلى الكتاب المزبور و توضيحه: ان صاحب الوسائل تعرض في خاتمة الكتاب الكتب التي روى عنها و قسمها الى قسمين:

فقسم وصل الكتاب بنفسه اليه فروى عنه مباشرة كالكتب الأربعة و جملة من كتب الصدوق و نحو ذلك.

و قسم آخر لم يصل اليه و إنما نقل عنه مع الواسطة، و من جملته هذا الكتاب الحاوي لمجموعة روايات احمد بن محمد بن الجوهري، و عبد اللّه بن جعفر الحميري عن على بن مهزيار المسمى بكتاب (مسائل الرجال)، كما نص عليه صاحب الوسائل في المقام، أو (مشاغل الرجال) كما صرح به في الخاتمة، و لعل الأصح هو الأول و كيفما كان فهذا الكتاب لم يصل بنفسه الى صاحب الوسائل، و انما يروى عنه بواسطة ابن إدريس، و بما ان الفصل بينه و بين الحميري طويل فهو طبعا ينقل عنه مع الواسطة، و حيث انها مجهولة عندنا فلا جرم يتصف الطريق بالضعف، غايته ان يكون هو متيقنا

____________

(1) الوسائل باب 17 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3.

61

..........

____________

بالصحة، و لكن يقينه لا يكون حجة علينا، فلا علم لنا إذا باستناد الكتاب المزبور إلى الحميري.

و دعوى عدم الحاجة الى معرفة الطريق فيما يرويه ابن إدريس الذي نعلم بأنه لا يعمل بأخبار الآحاد فلعله بلغه على سبيل التواتر أو بالطريق المحفوف بالقرينة القطعية.

كما ترى فان التواتر بعيد جدا في المقام كما لا يخفى، و القرينة القطعية المحفوف بها الطريق غايتها أن تكون قطعية بالإضافة إليه كما سمعت، و من الجائز عدم إفادتها القطع لنا لو عثرنا عليها.

و على الجملة فليس المستند في المسألة هذه المكاتبة لعدم كونها نقية السند.

بل المستند فيها التعليل الوارد في صحيح ابن مسلم المتقدم، قال (عليه السلام): الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما ان تفطرا في شهر رمضان لأنهما لا تطيقان الصوم (1).

فان نفي الحرج كناية عن نفي العقاب، لا الحرج المصطلح كما هو واضح، و من البين اختصاص صدق عدم الإطاقة بصورة الانحصار و الاضطرار إلى الإرضاع، و إلا فمع وجود المندوحة و التمكن من الإرضاع بلبن آخر لم يكن التصدي وقتئذ مصداقا لعدم الإطاقة، فإنه نظير من يجلس اختيارا في الشمس طول النهار حيث انه و ان لم يتمكن من الصوم حينئذ لشدة العطش إلا انه لا يندرج بذلك في عنوان من لا يطيق، و لا يصح إطلاق هذا الاسم عليه عرفا بعد تمكنه من الانحراف الى الظل و استناد العجز المزبور إلى إرادته و اختياره.

____________

(1) الوسائل باب 17 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1.

62

..........

____________

فالصحيحة بلحاظ الاشتمال على التعليل قاصرة الشمول لهذه الصورة. فنبقى نحن و القواعد، و من الواضح ان مقتضاها وجوب الصوم بعد فرض التمكن منه، إذ السقوط يحتاج الى الدليل و لا دليل حسب الفرض.

63

[فصل في طرق ثبوت هلال رمضان و شوال للصوم و الإفطار]

«فصل» في طرق ثبوت هلال رمضان و شوال للصوم و الإفطار و هي أمور (1): الأول رؤية المكلف نفسه.

____________

(1) المستفاد من الآية المباركة فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و الروايات الكثيرة الناطقة بوجوب الصيام في شهر رمضان ان هذا الشهر بوجوده الواقعي موضوع لوجوب الصوم فلا بد من إحرازه بعلم أو علمي في ترتب الأثر كما هو الشأن في سائر الموضوعات الخارجية المعلق عليها الأحكام الشرعية، و قد دلت الروايات الكثيرة أيضا ان الشهر الجديد إنما يتحقق بخروج الهلال عن تحت الشعاع بمثابة يكون قابلا الرؤية. و عليه فان رآه المكلف بنفسه فلا إشكال في ترتب الحكم، أعني وجوب الصيام في رمضان، و الإفطار في شوال بمقتضى النصوص الكثيرة المتواترة سواء رآه غيره أيضا أم لا، على ما يقتضيه الإطلاق في جملة منها و التصريح به في البعض الآخر كما في صحيحة علي بن جعفر قال: سألته عمن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره إله أن يصوم؟ فقال: إذا لم يشك فيه فليصم وحده، و الا يصوم مع الناس إذا صاموا (1).

و نحوه ما لو رآه غيره على نحو ثبتت الرؤية بالتواتر، إذ يدل عليه حينئذ كل ما دل على تعليق الإفطار و الصيام بالرؤية لوضوح عدم كون المراد بها رؤية الشخص بنفسه، إذ قد يكون أعمى أو يفوت عنه وقت الرؤية أو نحو ذلك من الموانع.

____________

(1) الوسائل باب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2.

64

(الثاني): التواتر.

(الثالث): الشياع المفيد للعلم و في حكمه كل ما يفيد العلم و لو بمعاونة القرائن فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به و ان لم يوافقه أحد بل و ان شهد ورد الحاكم شهادته.

(الرابع) مضي ثلاثين يوما من هلال شعبان أو ثلاثين يوما هلال رمضان فإنه يجب الصوم معه في الأول و الإفطار في الثاني.

____________

و يلحق به الشياع المفيد للعلم كما دلت عليه و على ما قبله النصوص المتظافرة التي لا يبعد دعوى بلوغها التواتر و لو إجمالا، التي منها موثقة عبد اللّه بن بكير بن أعين، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: صم للرؤية و أفطر للرؤية، و ليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل و الرجلان فيقولان رأينا إنما الرؤية ان يقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدق (1). فان تصديق القوم كناية عن شياع الرؤية بينهم من غير نكير، فيكون ذلك موجبا لليقين.

ثمَّ انه إذا لم يتحقق العلم الوجداني من رؤية الغير، و لم يره الشخص بنفسه فلا محالة ينتقل الى الطريق العلمي.

و لا شك في عدم الثبوت بخبر العدل الواحد، و ان بنينا- كما هو الصحيح- على أن خبره بل خبر مطلق الثقة حجة في الموضوعات

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 14.

65

«الخامس»: البينة الشرعية (1) و هي خبر عدلين سواء شهدا عند الحاكم و قبل شهادتهما أو لم يشهدا عنده أو شهدا ورد شهادتهما فكل من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الإفطار و لا فرق بين أن تكون البينة من البلد أو من خارجه.

____________

إلا ما خرج بالدليل، مثل موارد القضاء و نحو ذلك نظرا الى أن عمدة المستند في الحجية السيرة العقلائية التي لا يفرق فيها بين الموضوعات و الأحكام.

و ذلك للروايات الكثيرة التي لا يبعد دعوى بلوغها حد التواتر الإجمالي الناطقة بعدم ثبوت الهلال كالطلاق بخبر العدل الواحد فضلا عن الثقة، التي ذكر جملة وافرة منها صاحب الوسائل في المقام، و جملة أخرى منها في كتاب الشهادات. و قد صرح فيها أيضا بعدم الثبوت بشهادة النساء، بل لا بد من شهادة رجلين عادلين فإن شهادة امرأتين و ان كانت معتبرة في سائر المقامات مثل الدعوى على الأموال و نحو ذلك، و تكون قائمة مقام شهادة رجل واحد لكن لا عبرة بها، و لا بشهادة الرجل العدل الواحد في المقام، و لا في باب الطلاق بمقتضى هذه النصوص كما عرفت

(1) وقع الكلام في حجية البينة، أعني شهادة رجلين عادلين في المقام، و انه هل يثبت الهلال بذلك أو ان حجيتها مختصة بغير المقام؟

المعروف و المشهور هو الحجية، و نسب المحقق الى بعض إنكار الحجية هنا مطلقا، و انه لا بد من الشياع المفيد للعلم، و هذا القول شاذ نادر، بل لم يعرف من هو القائل، و ان كان المحقق لا ينقل

66

..........

____________

- طبعا- إلا عن مستند صحيح.

و ذهب جماعة إلى التفصيل بين ما إذا كانت في السماء علة من غيم و نحوه، و ما إذا لم تكن فتكون البينة حجة في الأول دون الثاني.

و كيفما كان فالمتبع هو الدليل.

فنقول الروايات الدالة على حجية البينة على قسمين:

«أحدهما» ما دل على الحجية بلسان مطلق و نطاق عام من غير اختصاص بالمقام. و قد تقدم الكلام حول ذلك مستقصى في كتاب الطهارة عند التكلم في ثبوت الطهارة و النجاسة بالبينة. و قلنا انه استدل علي ذلك بقوله (عليه السلام) في موثقة مسعدة بن صدقة «و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة» و قد ناقشنا ثمة و قلنا:

انه لا وجه لحمل هذه اللفظة على البينة الشرعية لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية و لا المتشرعية لهذه الكلمة، بل هي محمولة على المعنى اللغوي أعني مطلق الحجة كما هي مستعملة في ذلك في الكتاب العزيز كثيرا مثل قوله تعالى حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ و قوله تعالى بِالْبَيِّنٰاتِ وَ الزُّبُرِ الى غير ذلك.

و مما يرشدك الى ان المراد بها في الموثقة ليس هو خصوص البينة الشرعية انه على هذا لم يكن الحصر حاصرا لإمكان ثبوت الأشياء بغير هذين- أعني الاستبانة و قيام البينة- مثل الإقرار و حكم الحاكم و نحو ذلك فيكشف ذلك عن أن المراد مطلق الحجة. و يكون حاصل المعنى ان الأشياء كلها على هذا حتى تستبين أي تتضح بنفسها بالعلم الوجداني، أو أن تقوم به الحجة المعتبرة، أي الطريق العلمي من الخارج، فإن البينة بمعنى ما يتبين به الأمر. فتحصل ان هذه الموثقة بمجردها قاصرة الدلالة على حجية البينة الشرعية، أعني شهادة العادلين.

67

..........

____________

بل الذي يدل على حجيتها على الإطلاق إلا ما خرج بالدليل- مثل الشهادة على الزنا المتوقفة على شهادة أربعة عدول، و مثل الدعوى على الميت المحتاجة إلى ضم اليمين- قوله (صلى اللّه عليه و آله):

«إنما أقضي بينكم بالايمان و البينات» بضميمة ما ثبت من الخارج بدليل قاطع انه (ص) كان يقضي بالبينة، أعني بشهادة رجلين عادلين أو رجل و امرأتين. فبعد ضم الصغرى الى الكبرى نستنتج ان شهادة العدلين مما يتبين بها الأمر و يثبت بها الحكم و القضاء، فيكشف ذلك عن ثبوت كل شيء بها إلا ما خرج بالدليل كما عرفت و يتحقق بذلك صغرى للموثقة المتقدمة. فيكفي هذا الدليل العام لإثبات حجية البينة في المقام. نعم لا اعتداد بشهادة المرأة هنا حسبما عرفت.

القسم الثاني: ما دل على حجية البينة في خصوص المقام و هي الروايات الكثيرة المتظافرة التي لا يبعد فيها دعوى التواتر الإجمالي المصرحة بذلك.

منها صحيحة الحلبي: ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين، و صحيحة منصور بن حازم «فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه، و نحوهما غيرهما» (1).

و لكن بإزائها روايات قد يتوهم معارضتها لما سبق لدلالتها على عدم حجية البينة فيما إذا لم تكن في السماء علة، و من أجلها مال في الحدائق الى هذا القول. و هذه روايات أربع و ان لم يذكر في الجواهر ما عدا اثنتين منها بل قد يظهر من عبارته عدم وجود الزائد عليهما لقوله «قده» «ما عدا روايتين» فلا حظ.

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1، 4.

68

..........

____________

و كيفما كان فالروايات التي يتوهم فيها المعارضة أما لأجل الدلالة على عدم الحجية مطلقا، أو في خصوص عدم وجود العلة أربع كما عرفت.

«إحداها»: رواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، و إنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه، و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية و أفطروا للرؤية (1).

و لكن الرواية ضعيفة السند أولا، لا من أجل إسماعيل بن مرار لوجوده في اسناد تفسير علي بن إبراهيم بل من أجل حبيب الخزاعي كما في التهذيب و الاستبصار و جامع الرواة أو الجماعي كما في الجواهر، و على أي حال فالرجل مجهول. و أضاف في الوسائل نسخة (الخثعمي) و لكن الظاهر انه سهو من قلمه الشريف. و كيفما كان فهذا الرجل و ان كان موثقا إلا أنه لم يثبت أنه الراوي لعدم ثبوت هذه النسخة لو لم يثبت عدمها. فغايته ان الرجل مردد بين الموثق و غيره.

فالرواية محكومة بالضعف على كل تقدير.

و «ثانيا»: انها قاصرة الدلالة و غير صالحة للمعارضة لأن ظاهرها لزوم التعويل في أمر الهلال على العلم أو العلمي، و عدم جواز الاتكال على الاحتمال أو التظني إذ في فرض استهلال جماعة كثيرين و ليس في السماء علة لو ادعى الهلال حينئذ رجلان قد يطمأن بخطئهما، فلا تكون مثل هذه البينة مشمولة لدليل الحجية. فلا ينافي ذلك حجية البينة في نفسها، و لأجل ذلك أجاز (عليه السلام) شهادة الرجلين

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13.

69

..........

____________

مع وجود العلة، و كون المخبر من خارج البلد لانتفاء المحذور المزبور حينئذ كما هو ظاهر.

و «ثالثا»: مع التسليم فغايته معارضة هذه الرواية مع الروايات الخاصة المتقدمة الناطقة بحجية البينة في خصوص الهلال فيتساقطان و يرجع بعدئذ الى عمومات حجية البينة على الإطلاق حسبما تقدم.

الثانية: رواية أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

الصوم للرؤية و الفطر للرؤية و ليس الرؤية أن يراه واحد و لا اثنان و لا خمسون (1). و هي أيضا ضعيفة بالقاسم بن عروة فإنه لم يوثق نعم ورد توثيقه في الرسالة الساسانية و لكن الرسالة لم يثبت بطريق صحيح ان مؤلفها الشيخ المفيد «قده».

و مع الغض عن السند فالدلالة أيضا قاصرة، لأنها في مقام بيان ان دعوى الرؤية بمجردها لا أثر لها و ان كان المدعي خمسين رجلا لجواز تواطؤهم على الكذب، فإن غاية ذلك الظن و هو لا يغني من الحق، فلا يسوغ التعويل عليه، بل لا بد من الاعتماد على العلم أو ما هو بمنزلته، فلا تنافي بينها و بين ما دل على حجية البينة و انها بمثابة العلم تعبدا.

و على الجملة فالرواية ناظرة الى عدم كفاية الظن و كأنها- على ما أشار إليه في الجواهر في ذيل رواية أخرى- تعريض على العامة حيث استقر بناؤهم قديما و حديثا على الاستناد على مجرد دعوى الرؤية ممن يصلي و يصوم، و معلوم ان هذا بمجرده غير كاف في الشهادة. فهذه الرواية أجنبية عن فرض قيام البينة، و لذا لم يفرض فيها ان الخمسين كان فيهم العدول.

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12.

70

..........

____________

الثالثة: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

إذا رأيتم الهلال فصوموا، و إذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا بالتظني و لكن بالرؤية. قال: و الرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو و ينظر تسعة فلا يرونه إذا رآه واحد رآه عشرة الاف. و إذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين.

و زاد حماد فيه و ليس أن يقول رجل هو ذا هو لا أعلم إلا قال و لا خمسون (1).

و المذكور في الوسائل هنا- أيوب- و الصحيح أبي أيوب كما صرح به لدى تعرضه للرواية في الباب الثالث من أحكام شهر رمضان الحديث 2. فكلمة «أبي» سقطت في نسخة الوسائل لا في خصوص هذه الطبعة و كيفما كان فحال هذه حال الرواية السابقة، فإن سياقها يشهد بأنها في مقام بيان عدم الاكتفاء بالظن و عدم الاعتماد على الرأي الناشئ من كبر الهلال أو ارتفاعه و نحو ذلك. فلا أثر لكل ذلك و ان كثر المدعون حتى زادوا على الخمسين مثلا ما لم يطمأن بصدقهم، و احتمل تواطؤهم على الكذب، و لذا لم يفرض فيها ان في المدعين عدولا أو ثقات. و أين هذا من حجية البينة، فإنه لا تنافي بين هذه و بين دليل الحجية بوجه كما هو ظاهر جدا.

بقي الكلام في الرواية الرابعة و هي صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان بن الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدوا بالتظني و ليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته، و يقول الآخرون لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة، و إذا

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 11.

71

..........

____________

رآه مائة رآه ألف. و لا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقل من شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر (1).

فربما يقال بأنها معارضة لما سبق لدلالتها على أن السماء إذا لم تكن فيها علة لا تقبل شهادة الاثنين حينئذ و لا الأكثر.

و لكن التأمل يقضي بعدم المعارضة لأنها بصدد بيان عدم جواز العمل بالظن كما عنون (عليه السلام) كلامه بذلك فالمقصود إنما هو المنع عن التظني في فريضة رمضان و لزوم تحصيل العلم، و لذا لم تفرض العدالة في الأقل من الخمسين، و لا بد من حمل هذا العدد على المثال، و إلا فلا يمكن أن يقال ان الخمسين يوجب العلم، و تسعة و أربعين لا يوجبه. فالمراد التمثيل بعدد يستوجب حصول العلم عادة. و كيفما كان فهي مسوقة لبيان عدم حجية الظن، لا عدم حجية البينة، فلا تنافي دليل اعتبارها بوجه.

و مما يؤكد ذلك انه (عليه السلام) حكم بقبول الشهادة إذا كانت في السماء علة فيما إذا قدم الشاهدان من خارج المصر، إذ نسأل حينئذ ان المحل الذي يقدم الشاهدان منه هل في سمائه أيضا علة أو لا؟ فعلى الأول كان حاله حال البلد فكيف لا تقبل شهادة الرجلين من البلد و تقبل من خارجه. و على الثاني و هو المتعين يلزمه قبول الشاهدين من البلد أيضا إذا لم يكن في سمائه علة، إذ التفكيك بينهما بقبول شاهدي الخارج دون الداخل مع تساويهما في عدم العلة غير قابل للتصديق.

فلا تعارض الصحيحة حجية البينة أبدا، بل تؤكدها حسبما عرفت.

و لو تنازلنا و سلمنا المعارضة فحيث لا يمكن حمل نصوص الحجية

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 10.

72

و بين وجود العلة في السماء و عدمها (1) نعم يشترط توافقهما

____________

على ما إذا كانت في السماء علة و كانت البينة من الخارج للزوم التخصيص بالفرد النادر كما لا يخفى. فلا مناص من التساقط.

و المرجع بعدئذ إطلاقات حجية البينة العامة.

فما ذهب اليه المشهور من حجية البينة على الهلال من غير فرق بين ما إذا كانت في السماء علة أم لا هو الصحيح.

(1) حسبما عرفت آنفا. نعم يستثنى من ذلك صورة واحدة جريا على طبق القاعدة من غير حاجة الى ورود الرواية، و هي ما لو فرضنا كثرة المستهلين جدا، و ليست في السماء أية علة، و ادعى من بين هؤلاء الجم الغفير شاهدان عادلان رؤية الهلال و كلما دقق الباقون و أمعنوا النظر لم يروا، فمثل هذه الشهادة و الحالة هذه ربما يطمأن أو يجزم بخطئها، إذ لو كان الهلال موجودا و المفروض ان هذين لا مزية لهما على الباقين فلما ذا اختصت الرؤية بهما. فلا جرم تكون شهادتهما في معرض الخطأ، و لا سيما و ان الهلال من الأمور التي يكثر فيها الخطأ، و يخيل للناظر لدى تدقيق النظر ما لا واقع له و قد شوهد خارجا كثيرا إن ثقة بل عدلا يدعي الرؤية و يحاول إراءة الناس من جانب و من باب الاتفاق يرى الهلال في نفس الوقت من جانب آخر.

و على الجملة فنفس دليل الحجية قاصر الشمول من أول الأمر لمثل هذه الشهادة لاختصاصها بما إذا لم يعلم أو لم يطمأن يخطأ الحجة، و السيرة العقلائية أيضا غير شاملة لمثل ذلك البتة. فهذه الصورة خارجة عن محل الكلام و أجنبية عما نحن فيه من غير حاجة الى ورود نص خاص حسبما عرفت.

73

في الأوصاف (1) فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها نعم لو أطلقا أو وصف أحدهما و أطلق الآخر كفى،

____________

(1) قد يفرض ان كلا من الشاهدين يخبر عن رؤية الهلال على سبيل الإطلاق.

و أخرى يقيده أحدهما خاصة فيقول: رأيته و كان جنوبيا مثلا، و يطلق الآخر. و ثالثة يقيد كل منهما بقيد يطابق الآخر، فيقول الآخر في المثال المزبور انه كان جنوبيا أيضا. و حكم هذه الصور واضح لصدق قيام البينة على شيء واحد كما هو ظاهر. و رابعة يقيد كل منهما بقيد يخالف الآخر.

و هذا على نحوين، إذ تارة يكون القيد من الأمور المقارنة غير الدخيلة في حقيقة الهلال كما لو أخبر أحدهما عن وجود سحابة قريبة منه بحيث انحلت شهادته الى شهادتين: شهادة بأصل وجود الهلال، و شهادة أخرى بوجود السحاب قريبا منه، و أنكر الآخر وجود السحاب. و هذا أيضا لا إشكال في عدم قدحه في تحقق البينة الشرعية بعد اتفاقهما على الشهادة بأصل رؤية الهلال فغايته إلغاء الضميمة التي هي مورد المعارضة، إذ لا ضير فيه بعد أن كانت أجنبية عن نفس الهلال و هذا نظير ما لو شهد أحدهما على الطلاق و ان المطلق كان لابسا للباس أصفر، و يقول الآخر ان لباسه كان أبيض، فإن هذه الحيثية أجنبية عن حريم الطلاق بالكلية، فيؤخذ بالشهادة على وقوع أصل الطلاق الذي هو مورد للاتفاق بلا اشكال.

و أخرى يكون القيد من الخصوصيات الفردية و متعلقا بشخص الهلال و حقيقته، كما لو شهد أحدهما بأنه كان جنوبيا، و يقول الآخر

74

..........

____________

بأنه كان شماليا، بحيث كانت لكل منهما شهادة واحدة متعلقة بفرد خاص مغاير لما تعلق بالفرد الآخر، و نحوه ما لو أخبر أحدهما بأنه كان مطوقا، أو كانت فتحته نحو الأرض، و قال الآخر بأن فتحته نحو السماء، أو أنه لم يكن مطوقا و نحو ذلك مما يتعلق بخصوصيات نفس الهلال- دون الحالات المقارنة معه- بحيث أن أحدهما يخبر عن فرد و يخبر الآخر عن فرد آخر. فبطبيعة الحال يقع التكاذب حينئذ بين الشهادتين لان ما يثبته هذا ينفيه الآخر و بالعكس، إذ لا يمكن أن يكون الهلال في آن واحد متصفا بخصوصيتين متضادتين. فمن يدعي الجنوبية ينفى الشمالية، فكل منهما مثبت و ناف لمدلول الآخر، فلم يتفقا على شيء واحد لتتحقق بذلك البينة الشرعية.

نعم قد يقال إنهما و ان اختلفا في المدلول المطابقي و هو الاخبار عن فرد خاص من الهلال إلا أنهما متفقان في المدلول الالتزامي و هو الاخبار عن أصل وجود الهلال و الكلي الجامع القابل للانطباق على كل من الفردين، و لا فرق في حجية البينة كغيرها مما هو من مقولة الحكاية بين المدلول المطابقي و الالتزامي، فإذا سقطت المطابقة عن الحجية أما لأجل المعارضة أو لعدم حصول الشهادة الشرعية لا مانع من الأخذ بالمدلول الالتزامي.

و لكنه يندفع بما تعرضنا له مستقصى في مبحث المياه عند التكلم حول الشهادة على النجاسة و ثبوتها بالبينة، و قلنا ثمة ما ملخصه:

أن الدلالة الالتزامية كما أنها تابعة للمطابقية في الوجود، أي في أصل الدلالة و تحققها كذلك تتبعها في الحجية، فإن ذلك هو مقتضى ما هو المستند لحجية البينة و غيرها من السيرة العقلائية و نحوها، فإنها ناطقة بأنها تدور مدارها ثبوتا و سقوطا وجودا و حجية، فمع سقوط المطابقية

75

..........

____________

عن الحجية لا دليل على حجية الكلام في الدلالة الالتزامية حتى فيما إذا كان اللزوم بينا بالمعنى الأخص، بل هي تتبعها في السقوط لا محالة.

فلو فرضنا قيام البينة على أن الدار التي هي تحت يد زيد لعمرو فلا شك في أن المال يؤخذ حينئذ منه و يعطى لعمرو لتقدم البينة على اليد. و هذه الشهادة الدالة بالمطابقة على أن الدار لعمرو لها دلالة التزامية باللزوم البين بالمعنى الأخص، و هي انها ليست لزيد لامتناع اجتماع ملكيتين مستقلتين على مال واحد. و حينئذ فلو فرضنا ان عمروا اعترف بان الدار ليست له فلا ريب في سقوط البينة عندئذ عن الحجية لتقدم الإقرار عليها بل على غيرها أيضا من سائر الحجج حتى حكم الحاكم.

أ فهل يمكن القول حينئذ بأن الساقط هو الدلالة المطابقية و هو كونها لعمرو دون الالتزامية، أعني عدم كونها لزيد فتؤخذ الدار من يده، و يعامل معها معاملة مجهول المالك باعتبار ان البينة أخبرت بالالتزام بأنها ليست لزيد و لم يعرف مالكها؟ ليس كذلك قطعا.

و السر فيه ما ذكرناه هناك من أن الشهادة على الملزوم و ان كانت شهادة على اللازم و لا سيما في اللزوم البين بالمعنى الأخص كالمثال المتقدم إلا أنها ليست شهادة على اللازم مطلقا و أينما سرى بل حصة خاصة منه و هي اللازم لهذا الملزوم المجتمع معه في الوجود. فمن يخبر في المثال عن أن الدار لعمرو فهو يخبر طبعا عن عدم كونها لزيد ذاك العدم الذي هو لازم لملكية عمرو، لا انه يخبر عن عدم ملكية زيد على سبيل الإطلاق، فهو يخبر عن حصة خاصة من اللازم التي هي من شؤون الشهادة على الملزوم فاذا سقط الملزوم بمقتضى الاعتراف تبعه سقوط اللازم بطبيعة الحال، فيكون اعتراف المقر له إنكارا لللازم. و كذلك الحال في بقية اللوازم. فمن أخبر عن أن هذا ثلج فقد أخبر عن بياضه لا

76

و لا يعتبر اتحادهما في زمان الرؤية (1)

____________

عن طبيعي البياض الجامع بين الثلج و القطن، بل خصوص هذه الحصة المقارنة معه فاذا علمنا من الخارج ان ذاك الجسم لم يكن ثلجا ليس لنا أن نقول إنه أبيض.

و على الجملة الاخبار عن الملزوم في باب الشهادة و غيرها إنما يكون إخبارا عن اللازم فيما هو لازم له، أي عن الحصة الخاصة الملازمة لهذا الملزوم لا عن الطبيعي.

و عليه فمن يشهد برؤية الهلال في طرف الجنوب لا يخبر- بالدلالة الالتزامية- عن وجود جامع الهلال ليشاركه في هذا الاخبار من يشهد برؤيته في طرف الشمال فتتحقق بذلك البينة الشرعية، و إنما يخبر عن الحصة المقارنة لهذا الفرد، و المفروض عدم ثبوته لكونه شاهدا واحدا و هكذا الشاهد الآخر، فما يخبر به كل منهما غير ما يخبر به الآخر.

إذا فلم تثبت رؤية الهلال بالبينة الشرعية لعدم تعلق الشهادتين بموضوع واحد، لا بالدلالة المطابقية و لا الالتزامية حسبما عرفت.

و نظير ذلك ما لو ادعى كل من زيد و عمرو ان بكرا باعه داره و لكل منهما شاهد واحد فإنه لا يثبت بذلك تحقق البيع، و تردد المالك بين زيد و عمرو بدعوى توافق الشاهدين على هذا المدلول الالتزامي، إذ ليس اللازم هو الجامع، بل الحصة الخاصة المغايرة للحصة الأخرى كما عرفت.

(1) لعدم دخله فيما هو المناط في اعتبار الشهادة من وحدة المشهود به و هو وجود الهلال في ليلة كذا فكما لا يعتبر الاتحاد في زمان أداء الشهادة و لإمكان الرؤية، فكذا لا يعتبر في زمان الرؤية، فلا مانع من أن يشهد أحدهما برؤيته بعد الغروب بربع ساعة و الآخر بنصف

77

مع توافقهما على الرؤية في الليل (1)

____________

ساعة بعد أن كان أحد الوجودين ملازما للآخر. فان هذه الخصوصيات الزائدة أجنبية عن صحة الشهادة كما هو واضح.

(1) ان أراد به الموافقة على الرؤية في ليلة واحدة كما لا يبعد، بل لعله ظاهر العبارة فهو وجيه فإنه لو اختلفا فشهد أحدهما برؤية هلال رمضان في ليلة السبت مثلا و الآخر في ليلة الأحد لم تتم الشهادة على شيء منهما. أما الأول فواضح، و كذا الثاني، إذ هما و ان اتفقا على كونه من رمضان إلا أن الأول يكذب بالدلالة الالتزامية ما يدعيه الثاني من كونها الليلة الاولى بل يراها الثانية، فلا يتفقان على هذه الدعوى. فخصوصية الليلة الأولى لم تثبت بشيء من الشهادتين كما هو واضح.

و ان أراد لزوم تعلق الشهادة برؤية الهلال في الليل في مقابل النهار بحيث لو شهد أحدهما برؤيته قبل الغروب بنصف ساعة، و الآخر بعده بنصف ساعة- مثلا- لم ينفع. فهذا غير واضح، إذ لم يرد اعتبار الرؤية في الليل في شيء من النصوص. فلا مانع من قبول الشهادة المزبورة إلا إذا فرض التنافي بينهما، كما لو شهد أحدهما برؤيته قبل الغروب بخمس دقائق قريبا من الأفق بحيث لا يبقى فوقه أكثر من عشر دقائق مثلا، و شهد الآخر بأنه رآه بعد الغروب بساعة فإن مثل هذه الشهادة لا تسمع، لرجوع ذلك الى الخصوصيات الفردية المستلزمة لتكذيب أحدهما الآخر فان الفرد الذي يشهد به أحدهما غير الفرد الذي يشهد به الآخر. و مثله لا يحقق البينة الشرعية كما مر.

78

و لا يثبت بشهادة النساء (1)

____________

(1) لجملة من النصوص المعتبرة المصرحة بذلك التي منها صحيحة الحلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): ان عليا (عليه السلام) كان يقول:

لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين.

و صحيحة محمد بن مسلم قال: لا تجوز شهادة النساء في الهلال.

و رواية شعيب بن يعقوب عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) قال: لا أجيز في الطلاق و لا في الهلال إلا رجلين، و نحوها غيرها (1).

و المراد بهذه الروايات نفي الحجية الشرعية عن شهادة النساء و قبول قولهن تعبدا على النحو الذي كان ثابتا في الرجال، و أما إذا بلغ إخبارهن حد التواتر بحيث لا يحتمل معه التواطؤ على الكذب أو حد الشياع المفيد للعلم فلا ينبغي التأمل في عدم كونه مشمولا لتلك النصوص فإنها ناظرة إلى النهي عن العمل بشهادة النساء، لا عن العمل بالعلم الوجداني كما هو واضح.

نعم هناك رواية واحدة ربما يستشعر منها التفصيل بين هلال رمضان و هلال شوال، و ان الأول يثبت بشهادتهن فيقيد بها إطلاق النصوص المتقدمة.

و هي ما رواه الشيخ بإسناده عن داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل قال لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، و لا بأس في الصوم بشهادة النساء و لو امرأة واحدة (2).

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1، 2، 9.

(2) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 15.

79

..........

____________

و قد رواها في الوسائل في موضعين أحدهما في هذا المقام، و الآخر في كتاب الشهادات (1).

و له «قده» سهو قلم و اشتباه في كل من الموضعين.

أما سهوه «قده» في المقام فلأجل انه «قده» رواها عن الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن خالد. إلخ، مع أن الشيخ رواها في التهذيب و الاستبصار عن سعد بن عبد اللّه عن محمد ابن خالد و علي بن حديد في سند، و عن سعد عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و الهيثم بن أبي مسروق النهدي في سند آخر، كلهم عن علي بن النعمان. و على التقديرين فقد رواها عن سعد لا عن ابن فضال.

و أما سهوه في كتاب الشهادات. فهو انه يرويها عن داود بن الحصين بسندين أحدهما:- و هو الذي أشار إليه بقوله و بالإسناد- عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد. إلخ.

مع ان الموجود في التهذيب و الاستبصار رواية سعد بن عبد اللّه عن محمد بن خالد مباشرة لا بواسطة أحمد بن محمد.

و كيفما كان فالرواية و ان كانت معتبرة السند إلا أنها قاصرة الدلالة، إذ ليس مفادها ثبوت هلال رمضان بشهادتها لتدل على التفصيل بين الهلالين، بل غايتها عدم البأس بالصيام كما عبّر ((عليه السلام)) بذلك، و لا شك في عدم البأس المزبور بان يصام رجاء بقصد شعبان، أو بقصد الأمر الفعلي حسبما تقدم في محله، و ليس كذلك الفطر لحرمة الصوم يومئذ. فمن ثمَّ عبر (عليه السلام) فيه بقوله:

«لا تجوز شهادة النساء في الفطر» فهما يشتركان في عدم الثبوت

____________

(1) الوسائل باب 24 من كتاب الشهادات حديث 36، ج 18 ص 266.

80

و لا بعدل واحد و لو مع ضم اليمين (1)

____________

بشهادة النساء و ان افترقا في إمكان الاحتياط و جواز الصوم بعنوان الرجاء و عدمه حسبما عرفت.

و مما يؤكد ذلك عدم ثبوت أي شيء بشهادة امرأة واحدة في كافة الأبواب الفقهية، بل و لا رجل واحد إلا في بعض الموارد الخاصة مما قام عليه النص كما في الوصية، حيث انه يثبت الربع بشهادة المرأة الواحدة، و كما في القتل حيث انه يثبت بشهادتها ربع الدية، فكيف يمكن أن يقال بثبوت الهلال بشهادة امرأة واحدة سيما بعد ما تقدم في جملة من النصوص من التصريح بعدم ثبوته إلا بشهادة رجلين عادلين. إذا فلا تنهض هذه الرواية لمعارضة ما سبق بوجه.

(1) تعميم عدم الكفاية لضم اليمين لعله من توضيح الواضحات، فان الاكتفاء بشاهد واحد في باب الهلال و ان نسب الى بعضهم- كما ستعرف- إلا ان ضم اليمين معه لم يعرف له أي وجه، إذ الروايات الواردة في كفاية ضم اليمين مع الشاهد الواحد أكثرها إنما وردت في خصوص الدين، بل في بعضها التصريح بكلمة (فقط) أو (خاصة). فقد ورد انه قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في الدين خاصة بشاهد و يمين.

و من ثمَّ اختلف الفقهاء على أقوال ثلاثة: فخصه بعضهم بموارد الدين دون غيره من سائر الدعاوي المتعلقة بالأملاك.

و تعدى بعضهم الى مطلق الأموال. فلو ادعى أحد على أحد دينا أو عينا و اقام شاهدا واحدا مع ضم اليمين ثبتت الدعوى. و هذا غير بعيد حسبما يستفاد من بعض الروايات.

81

«السادس» حكم الحاكم (1)

____________

و تعدى آخرون الى مطلق الحقوق و ان لم تتضمن دعوى مالية، مثل دعوى الزوجية و نحوها. فمورد هذه الأقوال هو الدعوى إما دينا، أو مالا، أو حقا، و أما إذا لم يكن شيئا من ذلك و كان خارجا عن مورد الدعوى رأسا كثبوت الهلال فلم ينسب الى أحد من الفقهاء اعتبار شاهد واحد مع اليمين.

و أما احتمال الاكتفاء بشاهد واحد فتدفعه النصوص المتقدمة المتعددة الناطقة باعتبار العدد التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع) إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين (1).

نعم قد يقال باستفادة الاكتفاء بشاهد واحد من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين. إلخ (2) لانطباق العدل على الشاهد الواحد.

و فيه ان غايته الدلالة عليه بالإطلاق القابل للتقييد بالنصوص المتقدمة على أن النسخ مختلفة و في بعضها «عدول» بدل «عدل» و رواها في الوسائل في موضع آخر «بينة عدل» (3) فلا تنهض لمقاومة ما سبق.

(1) على المشهور كما نسب إليهم و خالف فيه بعضهم فأنكر وجود الدليل عليه.

و يستدل للمشهور بطائفة من الروايات لا تخلو عن الخدش سندا

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

(2) الوسائل باب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

(3) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 6.

82

..........

____________

أو دلالة على سبيل منع الخلو.

منها صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، و ان شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخر الصلاة الى الغد فصلى بهم (1).

دلت على أن الإفطار يثبت بأمر الإمام سواء أثبت الهلال عنده قبل الزوال أم بعده، و انما يفترقان في إقامة الصلاة، حيث أنها لا تشرع بعد الزوال. فمن ثمَّ تؤخر إلى الغد.

و لكن الصحيحة كما ترى أجنبية عن محل الكلام بالكلية، و إنما هي ناظرة إلى وجوب إطاعة الامام و انه متى أمر بالإفطار وجب لكونه مفترض الطاعة بمقتضى قوله تعالى أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» من غير حاجة الى صدور حكم منه الذي هو إنشاء خاص لعدم فرضه في الحديث، و إنما المفروض مجرد قيام الشهود لديه و صدور الأمر منه الذي هو غير الحكم بالضرورة.

و هذه الإطاعة التي هي من شؤون الولاية المطلقة خاصة بمن هو امام بقول مطلق، أي لجميع الناس و كافة المسلمين المنحصر في الأئمة المعصومين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين). و لم ينهض لدينا ما يتكفل لإثبات هذه الولاية المطلقة لغيرهم من الفقهاء و المجتهدين في عصر الغيبة لكي يثبت الهلال و يجب الإفطار بأمرهم بعد وضوح عدم صدق عنوان الامام بمعناه المعهود عند المتشرعة عليهم و لا سيما بلحاظ فرض وجوب طاعته على جميع المسلمين.

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

83

..........

____________

و على الجملة الرواية خاصة بالإمام الذي هو شخص واحد و امام لجميع المسلمين- و ان كان التطبيق محمولا على التقية أحيانا كما في قوله ذاك الى الامام (1)- و ناظرة إلى نفوذ أمره و وجوب طاعته. و إثبات هذا المقام لنوابه العام من العلماء الأعلام و المراجع العظام دونه خرط القتاد. كما نص عليه شيخنا الأنصاري «قده» في كتاب المكاسب، و باحثنا حوله ثمة بنطاق واسع بل في البلغة (2) انه غير ثابت بالضرورة و لا مساس لهذه الصحيحة بنفوذ حكم الحاكم و المجتهد الجامع للشرائط بحيث لو حكم و هو في بيته و ان لم يقلده بل لم يعرفه أكثر الناس بأن هذه الليلة أول شوال وجب على الكل ترتيب الأثر عليه، و حرمت مخالفته فان هذا لا يكاد يستفاد من هذه الصحيحة بوجه.

و منها التوقيع الذي رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبتك. الى أن قال: و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواه حديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه. إلخ (3).

فإن أمر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه الى رواه الحديث و هم حكام الشرع و يكون قولهم حجة متبعة و حكمهم نافذا في الأمة.

و فيه انها قاصرة سندا و دلالة.

____________

(1) الوسائل باب 57 من أبواب ما يمسك عند الصائم الحديث 5.

(2) بلغة الفقيه ج 3 ص 218.

(3) الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 9.

84

..........

____________

أما السند فلجهالة ابن عصام، و كذا إسحاق بن يعقوب.

و أما الدلالة فلإجمال المراد من الحوادث الواقعة فان المحتمل فيه أمور:

أحدها: الأمور التي تنفق خارجا و لم يعلم حكمها كما لو مات زيد و له ثياب أو مصاحف عديدة و لم يعلم ان الحبوة هل تختص بواحد منها أو تشمل الكل و نحو ذلك من موارد الشبهات الحكمية التي تتضمنها الحوادث الواقعة و قد أمر (عليه السلام) بالرجوع فيها- الظاهر في السؤال عن حكمها- الى رواه الحديث، فتكون حينئذ من أدلة حجية الخبر لو كان المراد هو الراوي، أو من أدلة حجية الفتوى لو كان المراد بالرواة هم العلماء. و على التقديرين تكون أجنبية عن محل الكلام.

و مما يؤيد إرادة أحد الأمرين الإرجاع إلى الرواة بصيغة العموم لا الى شخص معين. فان هذا هو حكم الجاهل بالمسألة الذي لا يعرف حكمها فيرجع الى العالم أما لأنه رأو أو لأنه مجتهد. و من الظاهر ان في زمانهم (عليهم السلام) و ما بعده بقليل كان المرجع- لدى تعذر الوصول الى الامام- هم رواه الحديث فكانوا هم المسؤولون عن حكم الحوادث الواقعة. و على أي حال فالرواية على هذا الاحتمال أجنبية عما نحن بصدده البتة.

ثانيها: الشبهات الموضوعية التي تقع موردا للنزاع و الخصومة، كما لو ادعى زيد ملكية هذه الدار و أنكرها عمرو و نحو ذلك من سائر موارد الدعاوي، فتكون من أدلة نفوذ القضاء.

و هذا الاحتمال و ان كان بعيدا جدا بالنسبة الى سابقة، و إلا لقال

85

..........

____________

(فارجعوها) بدل قوله (فارجعوا فيها) ضرورة ان في موارد المرافعات و الدعاوي ترفع نفس الحادثة و أصل الواقعة إلى القاضي و الحاكم الشرعي، فهي ترجع اليه، لا انه يرجع فيها اليه.

على انه لا مدخل للراوي بما هو رأو في مسألة القضاء و إنهاء الحكم لعدم كونه شأنا من شؤونه، و ظاهر التوقيع دخالة هذا الوصف العنواني في مرجعيته للحوادث الواقعة كما لا يخفى. إلا أنه على تقدير تسليمه أجنبي أيضا عن محل الكلام و لا ربط له بالمقام.

ثالثها: مطلق الحوادث سواء أ كانت من قبيل المرافعات أم لا التي منها ثبوت الهلال.

و هذا الاحتمال هو مبنى الاستدلال، و لكنه لا مقتضي له بعد وضوح الطرق الشرعية المعدة لاستعلام الهلال من التواتر و الشياع و البينة وعد الثلاثين من غير حاجة الى مراجعة الحاكم الشرعي، ضرورة انه إنما يجب الرجوع اليه مع مسيس الحاجة، بحيث لو كان الامام (عليه السلام) بنفسه حاضرا لوجب الرجوع اليه. و الأمر بالرجوع في التوقيع ناظر الى هذه الصورة.

و من البين ان مسألة الهلال لم تكن كذلك، فإنه لا تجب فيها مراجعة الإمام (عليه السلام) حتى في عصر حضوره و إمكان الوصول اليه، بل للمكلف الامتناع عن ذلك و الاقتصار على الطرق المقررة لإثباته، فان توفرت لديه و قامت الحجة الشرعية أفطر و الا بقي على صومه، و لم يعهد في عصر أحد من الأئمة (عليهم السلام) حتى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) المتصدي للخلافة الظاهرية مراجعة الناس و مطالبتهم إياه في موضوع الهلال على النهج المتداول في العصر الحاضر،

86

..........

____________

بالإضافة إلى مراجع التقليد إذ لم يذكر ذلك و لا في رواية واحدة و لو ضعيفة.

و على الجملة قوله (عليه السلام): (فهو حجتي عليكم) أي في كل ما أنا حجة فيه، فلا تجب مراجعة الفقيه إلا فيما تجب فيه مراجعة الامام، و مورده منحصر في أحد أمرين: أما الشبهات الحكمية، أو باب الدعاوي و المرافعات. و موضوع الهلال خارج عنهما معا، و لا دلالة فيه على حجية قول الفقيه المطلقة و ولايته العامة في كل شيء، بحيث لو أمر أحدا ببيع داره- مثلا- وجب اتباعه. فمحصل التوقيع وجوب الرجوع الى الفقيه في الجهة التي يرجع فيها الى الامام لا أن الولاية المطلقة ثابتة له، بحيث ان المناصب الثابتة للإمام كلها ثابتة للفقيه. فان هذا غير مستفاد منه قطعا.

و منها: مقبولة عمر بن حنظلة: قال (عليه السلام) فيها: «.

ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه و علينا رد، و الراد علينا الراد على اللّه و هو على حد الشرك باللّه (1).

و يرد على الاستدلال بها ضعف السند أولا و ان تلقاها الأصحاب بالقبول و وسمت بالمقبولة لعدم ثبوت وثاقة ابن حنظلة، بيد انه وردت فيه رواية وصفه الامام (عليه السلام) فيها بقوله: (إذا لا يكذب علينا) الذي هو في أعلى مراتب التوثيق، لو لا انها ضعيفة السند في

____________

(1) الوسائل باب 11 من صفات القاضي حديث 1.

87

..........

____________

نفسها كما مر ذلك مرارا إذا لا سبيل للاستدلال بها و ان سميت بالمقبولة.

و قصور الدلالة ثانيا حيث أنها تتوقف على مقدمتين:

الاولى دلالتها على جعل منصب القضاء في زمن الغيبة، بل حتى في زمن الحضور للعلماء. و هذا هو المسمى بالقاضي المنصوب- في قبال قاضي التحكيم- و يكون حكمه نافذا و ماضيا على كل أحد، و لو طالب حضور أحد الخصمين وجب، و له الحكم عليه غيابا لو امتنع.

و غير خفي أن المقبولة و ان كانت واضحة الدلالة على نصب القاضي ابتداء و لزوم اتباعه في قضائه حيث أن قوله (عليه السلام):

«فليرضوا به حكما» بعد قوله: «ينظران من كان منكم. إلخ» كالصريح في أنهم ملزمون بالرضا به حكما باعتبار انه (عليه السلام) قد جعله حاكما عليهم بمقتضى قوله (عليه السلام): (فإني قد جعلته حاكما) الذي هو بمثابة التعليل للإلزام المذكور.

الا أن النصب المزبور خاص بمورد التنازع و الترافع المذكور في صدر الحديث، بلا فرق بين الهلال و غيره كما لو استأجر دارا، أو تمتع بامرأة إلى شهر فاختلفا في انقضاء الشهر برؤية الهلال و عدمه، فترافعا عند الحاكم و قضى بالهلال، فان حكمه حينئذ نافذ بلا إشكال.

و أما نفوذ حكمه حتى في غير مورد الترافع كما لو شككنا ان هذه الليلة أول رمضان ليجب الصوم أو أول شوال ليحرم من غير أي تنازع و تخاصم. فلا تدل المقبولة على نفوذ حكم الحاكم حينئذ إلا بعد ضم- مقدمة ثانية: و هي ان وظيفة القضاة لم تكن مقصورة على ختم المنازعات فحسب، بل كان المتعارف و المتداول لدى قضاة العامة التدخل

88

..........

____________

في جميع الشؤون التي تبتلى بها العامة، و منها التعرض لأمر الهلال حيث انهم كانوا يتدخلون فيه بلا ريب، و كان الناس يعملون على طبق قضائهم في جميع البلدان الإسلامية. فإذا كان هذا من شؤون القضاء عند العامة، و ثبت ان الامام (عليه السلام) نصب شخصا قاضيا فجميع تلك المناصب تثبت له بطبيعة الحال فلهذا القاضي ما لقضاة العامة، و منه الحكم في الهلال، كما هو المتعارف في زماننا هذا تبعا للأزمنة السابقة لما بين الأمرين من الملازمة الخارجية حسبما عرفت.

و لكنك خبير بان هذه المقدمة أيضا غير بينة و لا مبينة لعدم كونها من الواضحات الوجدانيات، فان مجرد تصدي قضاة العامة لأمر الهلال خارجا لا يكشف عن كونه من وظائف القضاء في الشريعة المقدسة، حتى يدل نصب أحد قاضيا على كون حكمه في الهلال ماضيا بالدلالة الالتزامية، و لعلهم ابتدعوا هذا المنصب لأنفسهم كسائر بدعهم، فلا يصح الاحتجاج بعملهم بوجه بعد أن كانت الملازمة المزبورة خارجية محضة و لم يثبت كونها شرعية.

و ملخص الكلام في المقام ان إعطاء الإمام (عليه السلام) منصب القضاء للعلماء أو لغيرهم لم يثبت بأي دليل لفظي معتبر ليتمسك بإطلاقه.

نعم بما انا نقطع بوجوبه الكفائي لتوقف حفظ النظام المادي و المعنوي عليه و لولاه لاختلت نظم الاجتماع لكثرة التنازع و الترافع في الأموال و شبهها من الزواج و الطلاق و المواريث و نحوها. و القدر المتيقن ممن ثبت له الوجوب المزبور هو المجتهد الجامع للشرائط، فلا جرم يقطع بكونه منصوبا من قبل الشارع المقدس، أما غيره فلا دليل عليه.

و من ثمَّ اعتبر الفقهاء الاجتهاد في القاضي المنصوب زائدا على بقية الشرائط باعتبار انه القدر المتيقن كما عرفت.

89

..........

____________

و نتيجة ذلك نفوذ حكم الحاكم في اطار خاص و هو باب المنازعات و المرافعات، فإنه المتيقن من مورد الوجوب الكفائي المقطوع به.

أما غيره فلا علم لنا به، و قد عرفت عدم ثبوت هذا المنصب لأحد بدليل لفظي ليتمسك بإطلاقه.

فإن المقبولة و ان دلت على نصب القاضي ابتداء لكن موردها الترافع على أنها ضعيفة السند كما مر. و أما غيرها مما تمسك به في المقام مثل ما ورد من أن مجاري الأمور بيد العلماء باللّه، أو أن العلماء ورثة الأنبياء و نحو ذلك، فهي بأسرها قاصرة السند أو الدلالة كما لا يخفى فلا تستأهل البحث ما عدا:

رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه، و في طريق الكليني قضائنا بدل قضايانا (1).

فإنها رويت بطريقين مع اختلاف يسير في المتن:

أحدهما: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجهم عن أبي خديجة، و قد رواها صاحب الوسائل في الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 6.

و هذا الطريق ضعيف لجهالة أبي الجهم، فإنه مشترك بين ثلاثة أشخاص: أحدهم من أصحاب رسول اللّه (ص) و هو أجنبي عن مورد الرواية.

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

90

..........

____________

الثاني: سويد و لم يوثق، على انه من أصحاب السجاد (عليه السلام)، و ان بقي إلى زمان الصادق (عليه السلام) فكيف يروي عنه الحسين بن سعيد الذي لم يدرك الكاظم (عليه السلام).

الثالث: بكير بن أعين أخو زرارة و هو و ان كان من الثقات الأجلاء إلا أنه مات في زمان الصادق (عليه السلام)، فكيف يمكن ان يروي عنه الحسين بن سعيد؟! إذا فأبو الجهم الذي يروي عنه الحسين بن سعيد مجهول لا محالة.

الطريق الثاني: ما نقله الصدوق بإسناده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم و كان من الأحرى أن يذكره صاحب الوسائل في هذا الباب أيضا- أي الباب 11 من أبواب صفات القاضي لا الباب 1 منه- كما لا يخفى.

و هذا الطريق معتبر لصحة طريق الصدوق الى ابن عائذ و هو ثقة كما ان أبا خديجة ثقة أيضا على الأظهر و ان ضعفه الشيخ فإنه مبني على سهو منه و اشتباه تقدمت الإشارة إليه، حاصله ان الرجل يكنى بأبي سلمة أيضا، و الذي هو ضعيف هو سالم بن أبي سلمة لا سالم أبو سلمة فاشتبه أحدهما بالآخر.

و كيفما كان فالرواية و ان كانت معتبرة بهذا الطريق إلا أنها قاصرة الدلالة لكونها ناظرة إلى قاضي التحكيم، أي الذي يتراضى به المتخاصمان الذي لا يشترط فيه إلا معرفة شيء من أحكام القضاء لا إلى القاضي المنصوب ابتداء الذي هو محل الكلام و يعتبر فيه الاجتهاد كما تقدم، و الا فقاضي التحكيم لا يكون حكمه نافذا في غير خصم النزاع الذي رفعه المتخاصمان اليه و رضيا به حكما، لا في الهلال و لا في غيره بلا خلاف فيه و لا إشكال.

91

الذي لم يعلم خطأه و لا خطأ مستنده كما إذا استند الى الشياع الظني (1).

____________

و المتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن انه لم ينهض لدينا دليل لفظي معتبر يدل على نصب القاضي ابتداء، و إنما نلتزم به من باب القطع الخارجي المستلزم للاقتصار على المقدار المتيقن.

و على تقدير التسليم فالملازمة بينه و بين نفوذ حكمه في الهلال غير ثابتة، فإن مجرد تصدي قضاة العامة لذلك و اتباع الناس لهم لا يدل على كون الملازمة ملازمة شرعية. بمعنى أن كل من كان قاضيا كان حكمه في الهلال أيضا ماضيا في الشريعة الإسلامية بعد أن لم يكن فعل القضاة حجة متبعة. و من الجائز أن الشارع قد اقتصر فيه على الطرق المقررة لثبوته من الشياع و البينة و الرؤية، و إلا فبالعمل بالاستصحاب بمقتضى قوله (عليه السلام): صم للرؤية و أفطر للرؤية، كما هو الشأن في غيره من سائر الموضوعات الخارجية التي منها دخول الوقت، أ فهل يحتمل ثبوت الغروب- مثلا- بحكم الحاكم ليجوز الإفطار؟

كلا، بل على كل مكلف تتبع الطرق المتكفلة لإثباته. فليكن هلال رمضان و شوال أيضا من هذا القبيل من غير أية خصوصية فيه.

و لأجل ذلك استشكلنا في ثبوت الهلال بحكم الحاكم، و مع ذلك كله فالاحتياط الذي هو سبيل النجاة مما لا ينبغي تركه.

(1) يريد (قده) بذلك أن حكم الحاكم في الهلال كغيره من موارد المنازعات لا يغير الواقع و لا يوجب قلبه عما هو عليه و إنما هو طريق محض كسائر الطرق الشرعية.

و حينئذ فإذا علمنا بخطئه في حكمه و انه مخالف للواقع بالقطع الوجداني لم يكن حكمه حجة وقتئذ بالضرورة و ان نسب ذلك الى

92

..........

____________

بعض العامة لاختصاص أدلة الحجج بأسرها بموطن الجهل و ظرف الشك، إذ لا سبيل التعبد على خلاف القطع.

و أما إذا لم نعلم خطأه في الحكم و احتملنا اصابته للواقع غير ان المستند الذي عوّل عليه نقطع بخطئه فيه و ان كان معذورا لالتباس الأمر عليه بجهة من الجهات بحيث لو تنبه الى ما اطلعنا عليه لاذعن بخطئه.

كما لو استند في عدالة الشاهدين إلى أصالة العدالة، و نحن نقطع بأنهما مشهوران بالفسق و هو لا يعلم، أو جاءه عادل فشهد و خرج، ثمَّ جاءه مرة أخرى ليؤكد شهادته الاولى و قد غيّر زبه لغرض من الأغراض، فتخيل القاضي انه رجل آخر، أو شهد عنده جماعة لا يفيد اخبارهم عند متعارف الناس الاطمئنان فضلا عن اليقين، بل غايته الشياع الظني و لكن القاضي لحسن اعتقاده بهم- مع اعترافه بعدم حجية الشياع الظني- حصل له اليقين. و هكذا سائر موارد الخطأ في المستند عن عذر، فإنه لا أثر لمثل هذا الحكم، و لا يصححه اعتقاد القاضي بمستند كهذا كما هو الحال في باب الطلاق، حيث انه لا يقع لدى شاهدين فاسقين و إن تخيل المطلق عدالتهما، إذ الموضوع هو العادل الواقعي لا من يعتقد المطلق عدالته، فكما لا يقع الطلاق جزما مع القطع بالفسق فكذا حكم الحاكم في المقام بمناط واحد.

و بالجملة محل الكلام في ثبوت الهلال بحكم الحاكم ما إذا كان حكمه محتمل المطابقة للواقع و كان على مبنى صحيح. أما المبني على أساس فاسد فهو ساقط عن درجة الاعتبار بلا إشكال.

نعم لو كانت الصحة و عدمها مختلفة باختلاف الانظار كما لو كان القاضي ممن يرى حجية الشياع الظني، أو عدم اعتبار طيب

93

و لا يثبت بقول المنجمين (1) و لا بغيبوبة الشفق في الليلة الأخرى (2).

____________

المولد في الشاهد الى غير ذلك من المسائل الخلافية التي وقع الكلام فيها في موارد الترافع و الشهادات، و قد أدى فتوى الحاكم إلى شيء، و المتخاصمين أو غيرهما إلى شيء آخر فبناء على حجية حكم الحاكم كان حكمه نافذا حتى على من خالفه في الاعتقاد إذ المستند صحيح عنده بعد أن قضى على طبق فتواه و على حسب الموازين الشرعية التي أدى إليها نظره، فلا حرج عليه لو ساقته الأدلة إلى حجية شهادة ابن الزنا مثلا، فلا مناص من إتباعه بعد ان لم يكن هذا من موارد الخطأ في الحكم و لا في المستند حسبما عرفت.

(1) لنطابق النصوص حسبما يستفاد من مجموعها على حصر طريق الثبوت في أحد أمرين:

أما الرؤية الأعم من رؤية الشخص بنفسه أو بغيره المستكشف من الشياع أو البينة و نحوهما.

و أما عدّ الثلاثين فالثبوت بغيرهما يحتاج الى الدليل و لا دليل عليه.

على أن قول المنجم غايته الظن الذي لا يغني من الحق و لا يكون حجة بالأدلة الأربعة إلا فيما قام الدليل عليه بالخصوص كما في باب القبلة حيث ورد انه يجزئ التحري أبدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة (1)، و لم يقم عليه دليل في المقام.

(2) يعني علو الهلال و ارتفاعه عن الأفق، بمثابة يغيب الشفق و الهلال بعد باق. حيث ذهب بعضهم إلى أنه أمارة على أنها الليلة

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب القبلة الحديث 1.

94

..........

____________

الثانية بعد وضوح إنها الليلة الاولى في صورة العكس- أعني غيبوبة الهلال قبل الشفق- من دون رؤية في الليلة السابقة.

و لكن المشهور أنكروا ذلك، و ذكروا ان المدار هو الرؤية و لا اعتبار بالغيبوبة.

و تشهد للقول المزبور روايتان:

إحداهما: ما رواه الشيخ بإسناده عن إسماعيل بن الحسن (بحر) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، و إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين (1).

هكذا في الوسائل- الطبعة الجديدة-، فكأن الرجل مردد بين إسماعيل بن الحسن، أو إسماعيل بن بحر. و لكن الظاهر انه من غلط النسخة، و لو كان جميع نسخ الوسائل كذلك فسهو من قلمه الشريف (قدس سره).

بل الصحيح كما في الكافي، و الفقيه، و التهذيب: إسماعيل بن الحر. نعم حكي عن بعض نسخ الكافي كما ذكره جامع الرواة و غيره و عن بعض نسخ التهذيب غير المطبوعة: إسماعيل بن الحسن بصورة النسخة، و الا فالكل متفقون على ذكر الحر و ليس من (بحر) عين و لا أثر.

و على كل تقدير فالرواية ضعيفة السند، فإن إسماعيل بن بحر غير مذكور أصلا، و ابن الحر أو ابن الحسن مجهولان.

الثانية: نفس الرواية بإسناد الكليني عن الصلت الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هي أيضا ضعيفة لجهالة الصلت، و كذا عبد اللّه ابن الحسن أو ابن الحسين على اختلاف النسخ.

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3.

95

و لا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال (1) فلا يحكم بكون ذلك اليوم أول الشهر

____________

على انهما معارضتان بمعتبرة أبي علي بن راشد الصريحة في عدم العبرة بالغيبوبة، قال: كتب اليّ أبو الحسن العسكري (عليه السلام) كتابا و أرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، و ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين و كان يوم الأربعاء يوم الشك فصام أهل بغداد يوم الخميس، و أخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس، و لم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل، قال فاعتقدت ان الصوم يوم الخميس و ان الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء، قال: فكتب اليّ زادك اللّه توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثمَّ لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به اليه فقال لي: أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس، و لا تصم إلا للرؤية (1).

فان أبي علي بن راشد الذي هو من أصحاب الجواد (عليه السلام) ثقة، و الرواية مروية عن الهادي (عليه السلام).

و قوله (عليه السلام): لليلة بقيت من شعبان فيه ايعاز الى أن أول رمضان هو يوم الخميس. و قوله فاعتقدت ان الصوم يوم الخميس، أي من إخبار الإمام (عليه السلام).

و كيفما كان فهي صريحة في عدم العبرة بالغيبوبة المفروضة في موردها فعلى تقدير التعارض و التساقط كان المرجع العمومات الآمرة بأنه:

صم للرؤية و أفطر للرؤية.

(1) قد يتفق رؤية الهلال في النهار، أما قبل الزوال أو بعده.

____________

(1) الوسائل باب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

96

..........

____________

و أما الرؤية قبل الغروب فكثيرة جدا و لا إشكال في انه هلال لليوم الآتي للزوم الرؤية في الليل في احتساب النهار من الشهر فهو تابع له، فلا أثر للرؤية آخر النهار، و كذلك الحال بعد الزوال و لو بقليل، فلا يثبت به ان هذا اليوم أول الشهر لما عرفت من أن العبرة بالرؤية في الليل و اليوم تابع له.

و أما إذا شوهد الهلال قبل الزوال فهل يكشف عن كونه متكونا و موجودا في الليل و ان لم ير من باب الاتفاق فهذا اليوم أول الشهر، أو لا أثر له و لا اعتبار إلا بالرؤية في الليل كما عليه المشهور؟

لا ريب انا لو كنا نحن و النصوص المتقدمة- مع الغض عن أي نص خاص وارد في المقام- الناطقة بأنه صم للرؤية و أفطر للرؤية كان مقتضاها اعتبار الرؤية في الليل، ضرورة أنه المنصرف من الرؤية المتعقبة بالأمر بالصوم الذي مبدؤه الإمساك من طلوع الفجر فلا أثر للرؤية في النهار لا قبل الزوال و لا بعده، و لا قبل الغروب. نعم بما أن هذه الرؤية تلازم الرؤية في الليلة الآتية بطبيعة الحال لسير القمر من المشرق الى المغرب. فلا جرم يكون اليوم الآتي هو أول الشهر.

و أما بالنظر الى الروايات الخاصة الواردة في المقام فمقتضى جملة منها عدم العبرة بالرؤية في النهار و ان كانت قبل الزوال لإطلاق بعضها و تقييد بعضها الأخر بوسط النهار، الظاهر فيما قبل الزوال بناء على أن مبدأه طلوع الفجر حيث ان ما بين الطلوعين ساعة و نصف تقريبا، فيكون وسط النهار ما يقارب من ثلاثة أرباع الساعة قبل الزوال.

فمن النصوص المقيدة موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا

97

..........

____________

عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان، فقال: لا تصمه إلا أن تراه، فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، و إذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه الى الليل (1) و هي و ان كان صدرها واردا في هلال رمضان و لكن ذيلها ظاهر في شوال، لأمره بالإتمام بعد فرض كونه صائما الظاهر في كونه من رمضان.

و صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل «و أشهدوا عليه عدولا» من المسلمين، و ان لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام الى الليل. إلخ (2).

و من المطلقة ما رواه الشيخ بإسناده عن جراح المدائني قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): من رأى هلال شوال بنهار في شهر رمضان فليتم صيامه (صومه) (3).

و هي و ان كانت ضعيفة عند القوم، إذ لم يرد في جراح و لا في القاسم بن سليمان الواقع في السند مدح و لا توثيق في كتب الرجال، و لكنها معتبرة عندنا لوجودهما في اسناد كامل الزيارات.

و رواها العياشي أيضا مرسلا (4).

هذا و لكن الرواية المطلقة قابلة للتقييد.

و أما المقيدة فالاستدلال بها متوقف- كما عرفت- على احتساب

____________

(1) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3.

(2) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

(3) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

(4) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 8.

98

..........

____________

مبدء النهار من طلوع الفجر. و هو كما ترى لا يساعده الفهم العرفي و لا المعنى اللغوي، فإن مبدأ الصوم و ان كان هو طلوع الفجر، و لكن النهار مبدؤه طلوع الشمس بلا إشكال كما أشير إليه في عدة من الروايات الواردة في باب الزوال و انه منتصف النهار و كنا و لا نزال نسمع منذ قراءة المنطق التمثيل للقضية الشرطية، بقولنا ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، و إذا كان النهار موجودا فالشمس طالعة.

إذا فوسط النهار مساوق الزوال. و عليه فالروايتان المقيدتان لا تدلان على أزيد من أن رؤية الهلال وسط النهار، أي عند الزوال و ما بعده تستوجب احتساب اليوم من الشهر السابق. و هذا صحيح لا غبار عليه، و لا دلالة فيهما على الاحتساب منه حتى لو شوهد قبل الزوال الذي هو محل الكلام. فان الحمل على الوسط العرفي الشامل لما قبل الزوال و لو بقليل كالاحتساب من طلوع الفجر كل منهما بعيد غايته كما لا يخفى.

إذا فلا مانع من الأخذ بجملة أخرى من النصوص قد دلت صريحا على التفصيل بين الرؤية قبل الزوال فلليلة الماضية، و بعده فللآلية بعد عدم صلاحية ما مر للمعارضة معها، فان غايتها الاجمال فلا تنهض للمقاومة، و تكفينا من هذه الطائفة روايتان معتبرتان:

إحداهما: وردت في خصوص شوال و هي موثقة عبيد بن زرارة و عبد اللّه بن بكير، قالا: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذاك اليوم من شوال، و إذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان.

و الأخرى وردت في عامة الشهور، و هي صحيحة حماد بن عثمان

99

..........

____________

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، و إذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة (1).

و قد عمل بهما جمع من الأصحاب، فلا يتوهم الاعراض و لا أن القول به مظنة خلاف الإجماع، نعم لم يلتزم به المشهور لكن لا لأجل ضعف في السند، بل لأجل ما تخيلوه من المعارضة مع ما دل على أن العبرة بالرؤية في الليل مثلا.

و كيفما كان فلا نرى مانعا من العمل بهاتين الروايتين المعتبرتين السليمتين عن المعارض، و ان كان القائل به قليلا، و بهما يقيد إطلاق معتبرة جراح المتقدمة و تحمل على الرؤية ما بعد الزوال، بل قريبا من الغروب كما هو الغالب، و إلا فالرؤية في يوم الشك عند الزوال قبله أو بعده مجرد فرض، بل لم نسمع به لحد الان، و لكن على تقدير التحقق و رؤيته قبل الزوال فهو لليلة الماضية، و يكشف عن كون هذا اليوم أول الشهر بمقتضى الروايتين حسبما عرفت سواء أ كان ذلك من شهر رمضان أم شوال.

و أما رواية محمد بن عيسى قال: كتبت اليه (عليه السلام): جعلت فداك ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، و ربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ و كيف تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): تتم الى الليل فإنه ان كان تاما رؤي قبل الزوال (2). فقد رواها الشيخ في التهذيب و الاستبصار، و بين النسختين اختلاف فاحش، و ان اتحد السند و كذا المتن من غير هذه الجهة.

____________

(1) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5، 6.

(2) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

100

..........

____________

فرواها في التهذيب بالصورة التي نقلناها المذكورة أيضا في الوسائل و مقتضاها فرض يوم الشك من آخر شعبان و انه كان ممسكا خارجا أما من باب الاتفاق، أو انه كان صائما من شعبان قضاء أو ندبا لبطلان الصوم فيه بعنوان رمضان، فأجاب (عليه السلام)، بأنه يتم الصيام المزبور الى الليل و يبني على أن اليوم من رمضان فإنه إذا كان الشهر- أي شهر رمضان تاما يمكن- أن يرى هلاله قبل الزوال، فيكون هذا هو اليوم الأول، و بعد ضم تسعة و عشرين يوما يكون الشهر تاما.

و عليه فتكون هذه الرواية مطابقة مع الروايتين المتقدمتين في الدلالة على كشف الرؤية قبل الزوال عن كون اليوم أول الشهر.

و أما في الاستبصار فرواها هكذا: «جعلت فداك ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان. إلخ» و مقتضاها فرض يوم الشك من آخر رمضان، و أن الهلال المشكوك فيه هو هلال شوال لا هلال رمضان- كما كان كذلك على رواية التهذيب- فيسأل عن جواز الإفطار يومئذ لرؤية الهلال قبل الزوال بعد وضوح وجوب الصوم في يوم الشك من الأخير لو لا الرؤية، فأجاب (عليه السلام) بوجوب إتمام الصيام الى الليل و انه لا أثر لتلك الرؤية، لأن الشهر الذي هو فيه إذا كان تاما يمكن أن يرى فيه قبل الزوال هلال الشهر الآتي، فلا تكشف تلك الرؤية عن كون اليوم أول شوال، بل يبنى على أنه آخر رمضان.

و عليه فتكون الرواية دالة على عكس المطلوب، و تكون معارضة مع الروايتين المتقدمتين بدلا عن أن تكون معاضدة.

و عن غير واحد منهم صاحب الحدائق ترجيح هذه النسخة، و هو

101

و لا بغير ذلك مما يفيد الظن و لو كان قويا إلا للأسير و المحبوس (1)

____________

و ان لم يكن ثابتا لدينا بدليل قاطع إلا أن المظنون ذلك، فان المعنى حينئذ أوفق، و التعبير أسلس و الجملات متناسقة. أما النسخة الأخرى فغير غنية عن نوع من التأويل حسبما عرفت.

و الذي يسهل الخطب ان الرواية ضعيفة في نفسها و غير صالحة للاستدلال بها على أي تقدير. فان علي بن حاتم الواقع في السند الذي هو ثقة، و قيل في حقه أنه يروي عن الضعفاء رواها عن محمد ابن جعفر، و هذا الرجل الذي يروى عنه علي بن حاتم في غير مورد هو المكنى بابن بطة و هو ضعيف. فهي إذا ساقطة عن درجة الاعتبار حتى لو كانت النسخ منحصرة فيما في الاستبصار فلا تنهض لمعارضة الروايتين المتقدمتين.

كما لا يعارضهما أيضا عموم: صم الرؤية و أفطر للرؤية، لعدم التنافي و إمكان الجمع بينهما عملا بصناعة الإطلاق و التقييد.

و المتحصل من جميع ما قدمناه أن القول بثبوت الهلال برؤيته قبل الزوال الذي اختاره غير واحد هو الأقوى، لدلالة النص الصحيح عليه، السليم عن المعارض، بيد ان الفرض في نفسه نادر التحقق حيث لم نر و لم نسمع لحد الآن رؤيته قبل الزوال و لا بعده، اللهم إلا قريبا من الغروب بنصف ساعة أو ساعة فإنه كثير شائع، و لكنه على تقدير التحقق فالحكم بالنظر الى الأدلة الشرعية هو ما عرفت.

(1) أما الأسير و المحبوس فسيأتي البحث حولهما و انهما يتحريان و يعملان بالظن كما نطق به النص، و أما في غيرهما فالأمر كما ذكره (قدس سره)، إذ الظن مع انه لا دليل على حجيته بل الأدلة

102

..........

____________

الأربعة قائمة على عدم حجيته مطلقا، قد ورد النص الخاص على عدم حجيته في المقام.

ففي صحيحة الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له:

كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدوا بالتظني. إلخ (1). فلا يثبت به لاهلال رمضان ليجب الصوم، و لا شوال ليجب الإفطار.

بقي الكلام في أمور:

أحدها: نسب الى الشيخ الصدوق ان الهلال إذا كان مطوقا بان كان النور في جميع أطراف القمر كطوق محيط به فهو امارة كونه لليلتين، فيحكم بان السابقة هي الليلة الأولى و لو لم ير الهلال فيها، و مال اليه الفاضل الخراساني في الذخيرة، بل يظهر من الشيخ (قده) في التهذيب القول به، لكن في خصوص ما إذا كان في السماء علة من غيم أو ما يجري مجراه بحيث لا يمكن معها الرؤية مع عدم وضوح دليل على هذا التقييد.

و كيفما كان فمستند المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن محمد بن مرازم عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا تطوق الهلال فهو لليلتين، و إذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث (2).

و عن العلامة في التذكرة على ما حكاه عنه في الجواهر (3) النقاش في السند و رميه بالضعف.

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 10.

(2) الوسائل باب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

(3) الجواهر ج 16 ص 375.

المستند في شرح العروة الوثقى، الصوم2، ص: 103

..........

____________

و هو وجيه في سند الصدوق لجهالة طريقه الى ابن مرازم، و كأنه (قدس سره) قصر النظر عليه و لم يفحص عن بقية الطرق، و إلا فسند الشيخ و الكليني كل منهما صحيح و خال عن شائبة الإشكال.

فقد رواها الشيخ بإسناده عن سعد، الذي هو سعد بن عبد اللّه على ما صرح به في التهذيب، و طريقه اليه صحيح عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن مرازم عن أبيه و كلهم ثقات عن أبي عبد اللّه (ع) و رواها الكليني عن أحمد بن إدريس، الذي هو أبو علي الأشعري شيخه و من الثقات الأجلاء، عن محمد بن أحمد، و هو محمد بن أحمد بن يحيى من الثقات أيضا، عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن مرازم عن أبيه. فالرواية صحيحة السند قطعا و لا مجال للنقاش فيها بوجه، سيما و ان الكليني صرح في صدر كتابه انه لا يذكر فيه إلا ما هو حجة بينه و بين ربه، و قد سمعت عمل الشيخ بها، و ان حملها على صورة خاصة.

نعم لم يعمل بها المشهور حيث لم يذكروا التطويق من علامات ثبوت الهلال.

بل جعلها في الحدائق (1) معارضة مع النصوص الدالة على أن من أفطر يوم الشك لا يقضيه إلا مع قيام البينة على الرؤية، حيث ان مقتضى هذه الصحيحة وجوب القضاء مع التطويق و ان لم تثبت الرؤية بل قيل بمعارضتها أيضا مع ما دل على أن الصوم و الإفطار يكونان إلا بالرؤية.

و الجميع كما ترى، فان عدم العمل لا يكون قادحا بعد ان لم يكن بالغا حدّ الاعراض- لما عرفت من عمل جمع من الأصحاب بها- بل

____________

(1) الحدائق ج 13 ص 290.

103

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

104

..........

____________

و ان بلغ بناء على ما هو الصحيح من عدم سقوط الصحيح بالاعراض عن درجة الاعتبار.

و أما توهم المعارضة بتقريبها فلا يخلو عن الغرابة، بداهة أن نصوص عدم القضاء كعمومات الرؤية أقصاها أنها مطلقات غير آبية عن التقييد الذي هو ليس بعزيز في الفقه. فأي مانع من ان تكون الصحيحة مقيدة لاطلاقهما.

و ان شئت قلت إن ما دل على عدم وجوب القضاء ما لم تقم البينة لا يثبت عدم القضاء في خصوص التطويق ليكون النص الوارد فيه معارضا له، و انما هو حكم مطلق لا ينافي وجوبه إذا ثبت الهلال من طريق آخر غير البينة كشياع و نحوه. فإن العبرة في القضاء بثبوت ان اليوم الذي أفطر فيه كان من شهر رمضان سواء أثبت بالبينة كما هو الغالب أم بسبب آخر. فاذا ثبت بمقتضى الصحيحة ان التطويق أيضا أمارة كالبينة فلا جرم يتقيد بها الإطلاق المزبور.

و بعبارة أخرى البينة طريق الى الواقع، و القضاء مترتب على الإفطار في يوم هو من شهر رمضان بحسب الواقع، و النصوص المتقدمة الناطقة بالقضاء لدى قيام البينة على الرؤية لا تدل على حصر الطريق في البينة فإذا ثبت من طريق آخر،، و لو كان ذاك الطريق هو التطويق إذا ساعده الدليل وجب القضاء إذا كان قد أفطر فيه، و المفروض مساعدته بعد قيام النص الصحيح الصريح.

و كذا الحال بعينه بالإضافة إلى عمومات: صم للرؤية، و أفطر للرؤية فإنها مطلقات قابلة للتقييد و لا تكاد تدل على الحصر بوجه.

إذا فليست بين الروايات أية معارضة بتاتا، غايته ارتكاب التقييد في تلك المطلقات، و الالتزام بثبوت القضاء لدى تحقق التطويق أيضا