المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
105

..........

____________

كثبوته لدى قيام البينة عملا بالصحيحة المتقدمة. هذا و غير بعيد ان تكون الصحيحة مسوقة للإخبار عن أمر تكويني واقعي لا لبيان تعبد شرعي و هو ان التطويق بمقتضى قواعد الفلك لا يكون في الليلة الأولى أبدا و انما هو في الليلة الثانية فحسب، فيكون الكشف فيه كشفا قطعيا حقيقيا لا طريقا مجعولا شرعيا. و لا بدع فإنهم (صلوات اللّه عليهم) مرشدو الخلق في كل من أمري التكوين و التشريع.

و الشاهد على ذلك قوله (عليه السلام) في ذيلها: «و إذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث» فان من الواضح عدم ابتناء هذه الفقرة على التعبد و انما هي حكاية عن أمر تكويني خارجي لعدم حدوث الظل قبل الثلاث بالوجدان، فمن الجائز أن تكون الفقرة السابقة أيضا كذلك بمقتضى اتحاد السياق.

و لعل هذا هو السر في عدم ذكر ذلك في كلمات المشهور حيث انهم بصدد عدّ الطرق الشرعية التعبدية لا الأمر التكويني المورث لليقين الوجداني و لكنه بعيد كما لا يخفى.

و كيفما كان فسواء أ كانت الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم شرعي أم أمر تكويني لم يكن بدّ من الأخذ و العمل بها و لا يسعنا رفضها- و ان لم يعمل بها المشهور- بعد استجماعها شرائط الحجية من صحة السند و صراحة الدلالة، و لم يثبت الاعراض عنها، و على تقدير ثبوته لا يكون قادحا على الأقوى كما مر.

إذا فالأظهر ثبوت الهلال بالتطويق تبعا لبعض الأصحاب و ان كان على خلاف المشهور و اللّه سبحانه أعلم بحقائق الأمور.

الأمر الثاني:- ذهب الصدوق في الفقيه الى ان شهر رمضان تام لا ينقص أبدا كما ان شهر شعبان ناقص دائما لنصوص دلت على

106

..........

____________

ذلك صريحا التي منها ما رواه عن حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص و اللّه أبدا.

و عنه أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): ان الناس يقولون إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) صام تسعة و عشرين أكثر مما صام ثلاثين فقال: كذبوا ما صام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منذ بعثه اللّه تعالى الى أن قبضه أقل من ثلاثين يوما و لا نقص شهر رمضان منذ خلق اللّه تعالى السماوات و الأرض من ثلاثين يوما و ليلة.

و روى الشيخ بإسناده عن يعقوب بن شعيب عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان الناس يقولون إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) صام تسعة و عشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين يوما فقال:

كذبوا ما صام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الا تاما، و ذلك قول اللّه عز و جل وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فشهر رمضان ثلاثون يوما، و شوال تسعة و عشرون يوما، و ذو القعدة ثلاثون يوما لا ينقص أبدا، لأن اللّه تعالى يقول (وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً) و ذو الحجة تسعة و عشرون يوما، ثمَّ الشهور على مثل ذلك شهر تام و شهر ناقص، و شعبان لا يتم أبدا (1) الى غير ذلك من الاخبار الواردة بهذا المضمون الناطقة بثبوت شهر رمضان بالعدد و هو عده تاما أبدا، و شعبان ناقصا أبدا.

قال في الفقيه بعد ذكر نبذ من هذه الاخبار ما لفظه: «من خالف هذه الاخبار و ذهب الى الأخبار الموافقة للعامة في ضدها أتقي كما يتقي العامة و لا يكلم إلا بالتقية كائنا من كان إلا أن يكون مسترشدا

____________

(1) الوسائل باب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 27، 24، 32.

107

..........

____________

فيرشد و يبين له، فإن البدعة إنما تماث و تبطل بترك ذكرها. و لا قوة إلا باللّه» انتهى.

و نسب هذا القول الى الشيخ المفيد أيضا في بعض كتبه كما صرح بهذه النسبة في الحدائق أيضا.

غير أن له رسالة خاصة خطية أسماها بالرسالة العددية- و هي موجودة عندنا- أبطل فيها هذا القول و أنكره أشد الإنكار كتبها تأييدا لما ذهب اليه شيخه ابن قولويه من ان شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيبها، ربما ينقص و ربما لا ينقص، و لا ندري أنه (قده) في أي كتاب من كتبه ذكر ما نسب اليه و نظن- و اللّه العالم- انها نسبة كاذبة لإصراره على إبطال القول المذكور في الرسالة المزبورة كما سمعت، و ذكر فيها ان رواه ان شهر رمضان كسائر الشهور هم الرؤساء في الحلال و الحرام، و لا يطعن عليهم في شيء، و هم الذين يؤخذ منهم الحلال و الحرام، ثمَّ تعرض لذكر جملة منهم.

و كيفما كان فسواء أ صحت النسبة أم لا فالقول المذكور في غاية الضعف و السقوط لعدم استقامة اسناد تلك الروايات.

و قد ذكر في التهذيب ان أكثرها تنتهي إلى حذيفة بن منصور عن معاذ، و كتاب حذيفة معروف مشهور و لم يوجد فيه شيء من هذه الروايات، و لو كان الحديث صحيحا عنه لوجد طبعا في كتابه. هذا و من الغريب ان الصدوق على إصراره في اختيار هذا القول بتلك المثابة التي سمعتها من مقالته ذكر بنفسه في باب ان الصوم و الإفطار للرؤية انه إذا أفطر يوم الشك ثمَّ ظهر انه من رمضان يقضيه، فإنه كيف يجتمع هذا مع البناء على أن شهر شعبان ناقص دائما و رمضان تام أبدا.

108

..........

____________

و بالجملة لا شك ان ما دل على ان شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيبها نصوص متواترة و لو إجمالا و جملة منها صحاح، فكيف يمكن رفع اليد عنها بالنصوص المعارضة لها التي لا تنهض للمقاومة و لا ينبغي الاعتناء بها تجاهها حتى لو تمَّ اسنادها.

على انها غير قابلة للتصديق في أنفسها ضرورة أن حركة القمر حركة واحدة، كما ان الشمس ليست لها سرعة و بطوء باعتبار الشهور، فكيف يمكن تخصيص شهر من بينها بالتمام دوما، و آخر و هو (شعبان) بالنقص أبدا.

نعم من الجائز ان السنين التي صام فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان الشهر فيها تاما من باب الصدفة و الاتفاق. و أما تمامية شهر رمضان مدى الأعوام و الدهور و منذ خلق اللّه السماوات و الأرض فشيء مخالف للوجدان و الضرورة، و غير قابل للتصديق بوجه.

و لذلك أصبحت المسألة كالمتسالم عليها بعد الشيخ الطوسي (قده) و انه لا عبرة بالعدد بل بالرؤية فقط، أما بنفسه أو بالشياع و نحوه.

أضف الى ذلك ما في هذه الروايات من التعليلات الواهية البين فسادها و المنزه ساحة الإمام (عليه السلام) المقدسة عن التفوه بها كالتعليل الوارد في رواية ابن شعيب المتقدمة لتمامية شهر ذي القعدة بقوله سبحانه وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً إذ ليت شعري أ فهل يلزم من تمامية الشهر الذي كان فيه ميقات موسى (ع) التمامية في جميع السنين و مدى الدهور الى غير ذلك مما تعرض له في الوافي، و نقلها بطولها في الحدائق (1).

____________

(1) راجع الحدائق ج 13 ص 276.

109

..........

____________

الأمر الثالث:- قد ورد في عدة من الروايات ان من جملة الأمارات عدّ خمسة أيام من هلال رمضان الماضية فاليوم الخامس هو أول الآتية. فإذا كان أول رمضان من هذه السنة يوم السبت ففي القادمة يوم الأربعاء.

و لكنها ضعيفة السند بأجمعها من جهة أو أكثر. على أنها مخالفة للوجدان، بل بعضها غير قابل للتصديق.

فمن جملتها ما رواه الكليني بإسناده عن محمد بن عثمان الجدري (عيثم الخدري) عن بعض مشايخه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أول (1).

فان الجدري- الذي لم يعلم ضبط الكلمة و حركاتها- مجهول، و كذا عيثم الخدري على أنها مرسلة و نحوها غيرها.

و أما ما لا يكون قابلا للتصديق فهو رواية السياري قال: كتب محمد بن الفرج إلى العسكري (عليه السلام) يسأله عما روي من الحساب في الصوم عن آبائك (عليهم السلام) في عد خمسة أيام بين أول السنة الماضية و السنة الثانية الذي يأتي، فكتب صحيح و لكن عدّ في كل أربع سنين خمسا، و في السنة الخامسة ستا فيما بين الاولى و الحادث و ما سوى ذلك فإنما هو خمسة خمسة، قال السياري و هذا من جهة الكبيسة، قال و قد حسبه أصحابنا فوجدوه صحيحا. قال و كتب اليه محمد بن الفرج في سنة ثمان و ثلاثين و مائتين: هذا الحساب لا يتهيأ لكل إنسان. إلخ (2).

فإن مضمونها- مضافا الى قصور سندها بالسياري الذي هو ضعيف جدا- غير منضبط في نفسه و لا يمكن تصديقه بعد فرض جهالة المبدء

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

(2) الوسائل باب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

110

..........

____________

فانا لو فرضنا ان زيدا بلغ و كان أول رمضان ما بعد بلوغه يوم السبت فبالنسبة إليه بعد إلى أربع سنين خمسة أيام و بعده يعد ستة.

و أما بالنسبة إلى شخص آخر بلغ بعد ذلك بسنة، فالسنة الخامسة للأول رابعة لهذا كما أنها ثالثة لمن بلغ بعده بسنتين و هكذا، و كذا الحال فيمن بلغ قبل ذلك، و لازمه اختلاف أول الشهر باختلاف الناس و عدم كونه منضبطا و هو كما ترى.

ثمَّ إن من جملة روايات الباب ما رواه ابن طاوس في الإقبال نقلا من كتاب الحلال و الحرام لإسحاق بن إبراهيم الثقفي الثقة عن أحمد بن عمران بن أبي ليلى عن عاصم بن حميد عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: عدّد اليوم الذي تصومون فيه و ثلاثة أيام بعده و صوموا يوم الخامس فإنكم لن تخطأوا (1).

و هي أيضا كبقية الأخبار ضعيفة السند لجهالة طريق ابن طاوس الى الكتاب المزبور أولا و جهالة ابن أبي ليلى ثانيا.

و انما تعرضنا لها لنكتة، و هي ان كتاب الحلال و الحرام قد نسب في نسخة الإقبال التي نقل عنها صاحب الوسائل الى إسحاق بن إبراهيم الثقفي كما هو كذلك في بعض النسخ الموجودة لدينا. التي منها النسخة الصغيرة المطبوعة بالقطع الوزيري.

و يظهر من صاحب المستدرك ان النسخة الموجودة عنده أيضا كانت كذلك، حيث تعرض في رجاله لإسحاق بن إبراهيم الثقفي و وثقه اعتمادا على توثيق ابن طاوس الذي قال في حقه: (الثقفي الثقة) كما سمعت.

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8.

111

..........

____________

و لكن النسخة مغلوطة، فإن الكتاب المزبور انما هو لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي كما هو موجود في البعض الآخر من نسخ الإقبال لا لإسحاق بن إبراهيم الثقفي، بل لا وجود لهذا أصلا فيما نعلم. فالمؤلف كنيته أبو إسحاق لا ان اسمه إسحاق بل اسمه إبراهيم.

و قد أوعز الى ذلك المحدث المتتبع الشيخ أقا بزرك الطهراني (قده) في كتابه (الذريعة).

الأمر الرابع:- ربما يعد من العلامات جعل رابع رجب أول رمضان باعتبار ما ورد في بعض الروايات من انه يعد من أول رجب ستون يوما فاليوم الستون هو أول رمضان.

فكأن شهري رجب و شعبان أحدهما تام و الآخر ناقص أبدا، فلا يكونان تامين حتى يكون أول رمضان اليوم الحادي و الستين، و لا ناقصين حتى يكون اليوم التاسع و الخمسين.

و هذا أيضا غير قابل للتصديق، إذ قد يتفق ان كليهما تام أو ناقص كبقية الشهور، إذ لا خصوصية لهما من بينها.

و لا مقتضي للالتزام بذلك عدا ما ورد في رواية واحدة رواها الصدوق في كتاب فضائل شهر رمضان عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن هاشم، عن حمزة بن يعلى، عن محمد بن الحسين بن ابي خالد رفعه الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إذا صح هلال رجب فعد تسعة و خمسين يوما و صم يوم الستين (1).

و لكنها ضعيفة السند لجهالة ابن أبي خالد، مضافا الى الرفع.

فلا يصح التعويل على هذه العلامة بحيث لو كان أول رجب يوم

____________

(1) الوسائل باب 10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7.

112

[مسألة 1: لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية]

(مسألة 1): لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية بل شهدا شهادة علمية (1).

____________

السبت كان أول رمضان يوم الثلاثاء دائما لعدم المقتضي له بعد ضعف المستند، بل عدم قبوله للتصديق حسبما عرفت.

(1):- ذكر الفقهاء في كتاب الشهادة انه لا بد من أن يستند الشاهدان في شهادتهما الى الحس دون الاجتهاد و الحدس و إن كان بنحو العلم و القطع فلا تقبل الشهادة على الملكية أو الطلاق و الزوجية و نحوها ما لم تستند الى الحس، كما لا تقبل الشهادة على الهلال ما لم تستند إلى الرؤية و ان كانت شهادة علمية.

و يدل عليه أولا ان هذا مأخوذ في مفهوم الشهادة، إذ هي ليست بمعنى مطلق العلم و ان استعملت بمعناه أحيانا، بل ما كان عن حضور، و منه قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ و قوله تعالى:

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. إلخ أي حضر كما فسرّ بذلك. فلأجل ان الشهادة من الشهود بمعنى الحضور، فلا جرم لا تصدق على ما لم يستند الى الحسّ، إذ غايته انه عالم بالموضوع لا انه شاهد عليه.

و ثانيا قد دلت الروايات الخاصة في المقام على اعتبار استناد الشهادة إلى الرؤية كصحيحة منصور بن حازم: (صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه، و صحيحة الحلبي قال: قال علي (عليه السلام) لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين، و نحوهما غيرهما (1). و بهما يقيد الإطلاق في بقية النصوص لو سلم انها مطلقة.

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4، 7.

113

[مسألة 2 إذا لم يثبت الهلال و ترك الصوم ثمَّ شهد عدلان برؤيته]

(مسألة 2) إذا لم يثبت الهلال و ترك الصوم ثمَّ شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم (1)، و كذا إذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع و العشرين من هلال رمضان (2) أو رآه في تلك الليلة بنفسه.

____________

(1):- لتحقق الفوت بمقتضى الشهادة و ان كان معذورا في الترك بمقتضى استصحاب عدم دخول رمضان فيجب القضاء على حسب القاعدة من غير حاجة الى ورود النص الخاص، مع ان صحيحة منصور بن حازم المتقدمة آنفا صريحة في ذلك.

(2):- إذ يستكشف بذلك انه أفطر في اليوم الأول من رمضان و إلا كان الشهر ثمانية و عشرين يوما و هو مقطوع البطلان. فلا مناص من وجوب القضاء بعد فرض ثبوت الهلال من شوال بالبينة الشرعية أو رؤية الشخص نفسه في تلك الليلة. غايته انه كان معذورا في الإفطار. و قد اتفق نظير ذلك في العصر المتأخر قبل ما يقرب من عشر سنين.

و كيفما كان فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة الى ورود النص، و تؤيده مرسلة ابن سنان، قال: صام علي (عليه السلام) بالكوفة ثمانية و عشرين يوما شهر رمضان فرأوا الهلال فأمر مناديا ينادي: اقضوا يوما فان الشهر تسعة و عشرون يوما (1).

____________

(1) الوسائل باب 14 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

114

[مسألة 3 لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه]

(مسألة 3) لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه (1) بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضا إذا لم يثبت عنده خلافه.

____________

(1) قد عرفت الإشكال في نفوذ حكم الحاكم في أمر الهلال، و على تقديره فلا يفرق فيه بين مقلديه و مقلدي غيره، بل حتى المجتهد الآخر و ان كان اعلم و الناس كلهم مقلدوه و لا مقلد لهذا المجتهد الحاكم أصلا بمقتضى إطلاق الدليل.

و على الجملة الحاكم مرجع ينفذ حكمه، أما في خصوص مورد التنازع و الخصومة أو في مطلق الأمور العامة على الكلام المتقدم، و على التقديرين ينفذ حكمه على الكل عملا بإطلاق المستند، إلا إذا ثبت خلافه فإنه لا ينفذ حكمه حينئذ ضرورة أنه طريق ظاهري محض كسائر الطرق و ان كان يتقدم على جميعها ما عدا إقرار المحكوم له، و لا موضوعية له بحيث يغير الواقع و يستوجب تبدلا فيه، و ان نسب ذلك الى بعض العامة، فلو ادعت المرأة الزوجية و أنكرها الزوج و ترافعا عند الحاكم فحكم بالعدم بمقتضى الموازين الشرعية الثابتة لديه لا يجوز لمن يقطع بالزوجية تزويجها لما عرفت من انه طريق لا يغير الواقع عما عليه بوجه فلا جرم تختص طريقيته لغير العالم بالخلاف.

و يدل على ذلك- أي على كونه حكما ظاهريا- قوله (عليه السلام) في صحيحة سعد و هشام بن الحكم على رواية الشيخ و سعد بن ابي خلف عن هشام بن الحكم على رواية الكليني و هي صحيحة على التقديرين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

(إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان و بعضكم ألحن بحجته من بعض

115

[مسألة 4 إذا ثبتت رؤيته في بلد آخر و لم يثبت في بلده]

(مسألة 4) إذا ثبتت رؤيته في بلد آخر و لم يثبت في بلده فان كانا متقاربين كفى (1) و الا فلا إلا إذا علم توافق أفقهما و ان كانا متباعدين.

____________

فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له به قطعة من النار (1). و هي صريحة في ان حكمه (صلى اللّه عليه و آله) المستند الى الموازين الشرعية لا ينفذ في حق من يعلم انه قطع له من مال أخيه و انه حينئذ قطعة من النار.

و بالجملة فإذا ثبت خلاف الحكم كالمثال المتقدم، أو ثبت خلاف مستنده، كما لو تخيل الحاكم عدالة الشاهد أو تعدده و نحن نعلم فسقه أو وحدته بحيث لو نبهنا الحاكم لقبل و تراجع لم يكن الحكم نافذا لما مر. نعم لو كانت الشبهة حكمية و المسألة خلافية كما لو كان الحاكم ممن يرى قبول شهادة ابن الزنا أو كفاية الشياع الظني كان حكمه نافذا حتى بالنسبة الى من يخالفه في هذا المبنى، لان حكمه مطابق الموازين الشرعية المقررة عنده، و قد أدى نظره الى ذاك المبنى بمقتضى بذل وسعه و اجتهاده المستند الى القواعد الشرعية و لم يثبت خلافه لدينا لجواز كون الصحيح بحسب الواقع هو ما أدى اليه نظره، فلا مقتضي لرد حكمه بعد إطلاق دليل النفوذ حسبما عرفت.

(1) لا إشكال في عدم اعتبار كون الرؤية في نفس البلد، بل يكتفى برؤية الهلال في خارجه بمقتضى إطلاق الأدلة، بل التصريح في بعضها بقبول الشهادة من الشاهدين اللذين يدخلان المصر و يخرجان.

____________

(1) الوسائل باب 2 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ح 1، ج 18 ص 169.

116

..........

____________

كما لا إشكال في كفاية الرؤية في بلد آخر إذا كان متحدا في الأفق مع هذا البلد و ان لم ير الهلال فيه للملازمة بينهما كما هو ظاهر فلا خصوصية لهذا البلد بعد ثبوت الهلال في بلد آخر متحد معه في الأفق.

كما لا إشكال أيضا في كفاية الرؤية في بلد آخر و ان اختلفا في الأفق فيما إذا كان الثبوت هناك مستلزما للثبوت هنا بالأولوية القطعية، كما لو كان ذاك البلد شرقيا بالإضافة الى هذا البلد كبلاد الهند بالإضافة إلى العراق، إذ لا يمكن رؤية الهلال هناك من دون قبوله الرؤية هنا، مع انه متقدم و سابق عليها، و الرؤية ثمة متفرعة على الرؤية هنا، فالثبوت هناك مستلزم للثبوت هنا بطريق أولى فالبينة القائمة على الأول تخبر بالالتزام عن الثاني. و هذا كله ظاهر.

انما الكلام في عكس ذلك، أعني ما لو اختلف الأفق و شوهد الهلال في البلاد الغربية فهل يكفي ذلك للشرقية كبلاد الشام بالإضافة إلى العراق أو لا؟

المعروف و المشهور هو الثاني، حيث ذهبوا الى القول باعتبار اتحاد الأفق. و ذهب جمع من المحققين إلى الأول و ان الثبوت في قطر كاف لجميع الأقطار، منهم العلامة في المنتهى، و صاحب الوافي و الحدائق و المستند، و السيد الخونساري و غيرهم، و مال إليه في الجواهر، و احتمله الشهيد في الدروس.

و هذا القول هو الصحيح إذ لا نرى أي وجه لاعتبار الاتحاد عدا قياس حدوث الهلال و خروج القمر عن تحت الشعاع بأوقات الصلوات، أعني شروق الشمس و غروبها، فكما أنها تختلف باختلاف الآفاق

117

..........

____________

و تفاوت البلدان بل منصوص عليه في بعض الاخبار بقوله (عليه السلام):

إنما عليك مشرقك و مغربك. إلخ. فكذا الهلال.

و لكنه تخيل فاسد و بمراحل عن الواقع بل لعل خلافه مما لا إشكال فيه بين أهل الخبرة، و ان كان هو مستند المشهور في ذهابهم الى اعتبار الاتحاد. فلا علاقة و لا ارتباط بين شروق الشمس و غروبها، و بين سير القمر بوجه.

و ذلك لان الأرض بمقتضى كرؤيتها يكون النصف منها مواجها الشمس دائما و النصف الآخر غير مواجه كذلك و يعبر عن الأول في علم الهيئة بقوس النهار، و عن الثاني بقوس الليل، و هذان القوسان في حركة و انتقال دائما حسب حركة الشمس أو حركة الأرض حول نفسها على الخلاف في ذلك و ان كان الصحيح بل المقطوع به في هذه الأعصار هو الثاني.

و كيفما كان فيتشكل من هاتيك الحركة حالات متبادلة من شروق و غروب، و نصف النهار و نصف الليل، و بين الطلوعين و ما بين هذه الأمور من الأوقات المتفاوتة.

و هذه الحالات المختلفة منتشرة في أقطار الأرض و متشتتة في بقاعها دائما، ففي كل آن يتحقق شروق في نقطة من الأرض و غروب في نقطة أخرى مقابلة لها. و ذلك لأجل أن هذه الحالات انما تنتزع من كيفية اتجاه الكرة الأرضية مع الشمس التي عرفت انها لا تزال في تبدل و انتقال، فهي نسبة قائمة بين الأرض و الشمس.

و هذا بخلاف الهلال فإنه إنما يتولد و يتكون من كيفية نسبة القمر الى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الأرضية في ذلك بوجه.

بحيث لو فرضنا خلو الفضاء عنها رأسا لكان القمر متشكلا بشتى

118

..........

____________

أشكاله من هلاله الى بدره و بالعكس كما نشاهدها الآن.

و توضيحه ان القمر في نفسه جرم مظلم و انما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها، فالنصف منه مستنير دائما، و النصف الآخر مظلم كذلك، غير ان النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام بل يختلف زيادة و نقصا حسب اختلاف سير القمر.

فإنه لدى طلوعه عن الأفق من نقطة المشرق مقارنا لغروب الشمس بفاصل يسير في الليلة الرابعة عشرة من كل شهر بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تاما يكون تمام النصف منه المتجه نحو الغرب مستنيرا حينئذ لمواجهته الكاملة مع النير الأعظم، كما ان النصف الآخر المتجه نحو الشرق مظلم.

ثمَّ ان هذا النور يأخذ في قوس النزول في الليالي المقبلة، و نقل سعته شيئا فشيئا حسب اختلاف سير القمر الى ان ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجها للشمس، و يكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم. و هذا هو الذي يعبر عنه بتحت الشعاع و المحاق، فلا يرى منه أي جزء، لان الطرف المستنير غير مواجه لنا لا كلا كما في الليلة الرابعة عشرة، و لا بعضا كما في الليالي السابقة عليها أو اللاحقة.

ثمَّ بعدئذ يخرج شيئا فشيئا عن تحت الشعاع، و يظهر مقدار منه من ناحية الشرق و يرى بصورة هلال ضعيف، و هذا هو معنى تكون الهلال و تولده. فمتى كان جزء منه قابلا للرؤية و لو بنحو الموجبة الجزئية فقد انتهى به الشهر القديم، و كان مبدأ لشهر قمري جديد.

إذا فتكون الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلا للرؤية و لو في الجملة، و هذا كما ترى أمر واقعي وحداني

119

..........

____________

لا يختلف فيه بلد عن بلد، و لا صقع عن صقع لأنه كما عرفت نسبة بين القمر و الشمس لا بينه و بين الأرض فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونية في جو الفضاء.

و على هذا فيكون حدوثها بداية لشهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها و مغاربها و ان لم ير الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس، أو حيلولة الجبال و ما أشبه ذلك.

أجل إن هذا انما يتجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحل الرؤية في الليل و لو في جزء يسير منه بان تكون ليلة واحدة ليلة لهما و ان كانت أول ليلة لأحدهما و آخر ليلة للآخر المنطبق- طبعا- على النصف من الكرة الأرضية دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عند ما تغرب عندنا، بداهة أن الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنه أول ليلة من الشهر بالنسبة إليهم.

و لعله الى ذلك يشير سبحانه و تعالى في قوله رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ باعتبار انقسام الأرض بلحاظ المواجهة مع الشمس و عدمها الى نصفين لكل منهما مشرق و مغرب، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر و بالعكس. فمن ثمَّ كان لها مشرقان و مغربان.

و الشاهد على ذلك قوله سبحانه يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ الظاهر في ان هذا أكثر بعد و أطول مسافة بين نقطتي الأرض، إحداهما مشرق لهذا النصف، و الأخرى مشرق للنصف الآخر.

و عليه فاذا كان الهلال قابلا للرؤية في أحد النصفين حكم بان هذه الليلة أول الشهر بالإضافة إلى سكنة هذا النصف المشتركين في

120

..........

____________

ان هذه الليلة ليلة لهم و ان اختلفوا من حيث مبدء الليلة و منتهاها حسب اختلاف مناطق هذا النصف قربا و بعدا طولا و عرضا، فلا تفترق بلاد هذا النصف من حيث الاتفاق في الأفق و الاختلاف في هذا الحكم لما عرفت من ان الهلال يتولد- أي يخرج القمر من تحت الشعاع- مرة واحدة.

إذا فبالنسبة إلى الحالة الكونية و ملاحظة واقع الأمر الفرق بين أوقات الصلوات و مسألة الهلال في غاية الوضوح حسبما عرفت.

هذا ما تقتضيه نفس الحالة الكونية.

و أما بالنظر الى الروايات فيستفاد منها أيضا ان الأمر كذلك و ان الثبوت الشرعي للهلال في قطر كاف لجميع الأقطار و ان اختلفت آفاقها و تدلنا عليه أولا: إطلاقات نصوص البينة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشك في رمضان أو شوال و انه في الأول يقضى يوما لو أفطر، فإن مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتحد معه في الأفق أو المختلف. و دعوى الانصراف الى أهل البلد كما ترى سيما مع التصريح في بعضها بأن الشاهدين يدخلان المصر و يخرجان كما تقدم فهي طبعا تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على إطلاقها.

و ثانيا النصوص الخاصة:

منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال فيمن صام تسعة و عشرين قال: ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما (1).

____________

(1) الوسائل باب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13.

121

..........

____________

دلت بمقتضى إطلاقها بوضوح على أن الرؤية في مصر كافية لسائر الأمصار و ان لم ير فيها الهلال من غير غيم أو أي مانع آخر و لم يقيد فيها بوحدة الأفق مع ان آفاق البلاد تختلف جدا حتى في الممالك الصغيرة كالعراق فان شمالها عن جنوبها كشرقها عن غربها يختلف اختلافا فاحشا، فعدم التقييد و الحالة هذه و هو- (عليه السلام)- في مقام البيان يكشف طبعا عن الإطلاق.

و منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان قال: لا تصم الا ان تراه، فان شهد أهل بلد آخر فاقضه (1).

دلت على كفاية الرؤية في بلد آخر سواء اتحد أفقه مع البلد أم اختلف بمقتضى الإطلاق.

و منها صحيحة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال:

لا تصمه إلا أن تراه، فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه (2).

و هي في الدلالة كسابقتها.

و أوضح من الجميع صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال: لا تقضه الا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر و قال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى الا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه (3).

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 9.

(2) الوسائل باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3.

(3) الوسائل باب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

122

..........

____________

فان في قوله (عليه السلام): (جميع أهل الصلاة) دلالة واضحة على عدم اختصاص رأس الشهر القمري ببلد دون بلد، و انما هو حكم وحداني عام لجميع المسلمين على اختلاف بلادهم من حيث اختلاف الآفاق و اتحادها، فمتى قامت البينة على الرؤية من أي قطر من أقطار هذا المجموع المركب، و هم كافة أهل الصلاة كفى.

كما ان قوله (عليه السلام) في الذيل: (يقضي أهل الأمصار) مؤكد لهذا المعنى و انه لا يختلف مصر عن مصر في هذا الحكم بل هو عام لجميع الأقطار و الأمصار و شامل لجميع بقاع الأرض بمختلف آفاقها.

إذا فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتحاد الأفق، و لا نرى اي مقتض لحملها على ذلك، إذ لم يذكر أي وجه لهذا التقييد عدا قياس أمر الهلال بأوقات الصلوات الذي عرفت ضعفه و انه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه.

و يؤكده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله (عليه السلام):

(أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا) فإنه يعلم منه بوضوح ان يوما واحدا شخصيا يشار إليه بكلمة (هذا) هو عيد لجميع المسلمين المتشتتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها لا لخصوص بلد دون آخر.

و هكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر و انها خير من ألف شهر و فيها يفرق كل أمر حكيم فإنها ظاهرة في انها ليلة واحدة معينة ذات أحكام خاصة لكافة الناس و جميع أهل العالم، لا ان لكل صقع و بقعة ليلة خاصة مغايرة لبقعة أخرى من بقاع الأرض.

إذا فما ذهب إليه جملة من الأعاظم من عدم الاعتبار بوحدة الأفق هو الأوفق بالاعتبار و الرأي السديد الحقيق بالقبول حسبما عرفت.

123

..........

____________

تنبيه: غير خفي ان القمر- على ما ذكره القدماء من الهيويين- حركتين:

حركة في كل أربع و عشرين ساعة لها مشرق و مغرب، و حركة أخرى في تلك الدائرة يدور فيها حول الأرض من المغرب الى المشرق في كل شهر مرة واحدة، فيختلف مكانه في كل يوم عن مكانه في اليوم الآخر.

و من ثمَّ قد يتفق مع الشمس طلوعا و غروبا و قد يختلف. فمع الاتفاق المعبر عنه بالمحاق و تحت الشعاع و هو طبعا في آخر الشهر بما ان النصف المستنير فيه بكامله نحو المشرق و مواجه للشمس لم ير منه أي جزء بتاتا.

ثمَّ بعدئذ يختلف المسير فينحرف الطرف المستنير الى الشرق و يستبين جزء منه و به يتكون الهلال الجديد- كما تقدم- الا ان هذا الانحراف المستتبع لتلك الاستبانة تدريجي الحصول لا محالة فلا يحدث المقدار المعتد به القابل للرؤية ابتداء بل شيئا فشيئا، إذ كلما فرضناه من النور فهو طبعا قابل للقسمة، بناء على ما هو الحق من امتناع الجزء الذي لا يتجزء.

فلنفرض ان أول جزء منه واحد من مليون جزء من أجزاء النصف المستنير من القمر فهذا المقدار من الجزء متوجه الى طرف الشرق غير انه لشدة صغره غير قابل للرؤية.

و لكن هذا الوجود الواقعي لا أثر له في تكون الهلال و ان علمنا بتحققه علما قطعيا حسب قواعد الفلك و ضوابط علم النجوم، إذ

124

[ (مسألة 5) لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي المسمى بالتلغراف في الاخبار عن الرؤية]

(مسألة 5) لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي المسمى بالتلغراف (1) في الاخبار عن الرؤية إلا إذا حصل منه العلم بان كان البلدان متقاربين و تحقق حكم الحاكم أو شهادة العدلين برؤيته هناك.

____________

العبرة حسب النصوص المتقدمة بالرؤية و شهادة الشاهدين بها شهادة حسية عن باصرة عادية لا عن صناعة علمية أو كشفه عن علوه و ارتفاعه في الليلة الآتية.

و منه تعرف انه لا عبرة بالرؤية بالعين المسلحة المستندة إلى المكبرات المستحدثة و النظارات القوية كالتلسكوب و نحوه، من غير ان يكون قابلا للرؤية بالعين المجردة و النظر العادي.

نعم لا بأس بتعيين المحل بها ثمَّ النظر بالعين المجردة، فإذا كان قابلا للرؤية و لو بالاستعانة من تلك الآلات في تحقيق المقدمات كفى و ثبت به الهلال كما هو واضح.

(1) يريد (قدس سره) بذلك ان البرقية و ما شاكلها كالتلفون و نحوه لا يعتمد عليها من حيث هي، نظرا الى عدم الثقة بالمخبر، فلم يعلم انه من الذي يبرق أو يخابر، و لأجله استدركه بأنه إذا حصل العلم بأن كان المخبر ثقة و البلد متقاربا- بناء على اعتبار وحدة الأفق- و قد أخبر عن حكم الحاكم- بناء على نفوذه- أو عن الرؤية على سبيل التواتر أو الشياع المفيد للعلم، أو عن شهادة العدلين ترتب على الأثر و ثبت الهلال ضرورة عدم تقوم الشهادة بكونها لفظية و بلا واسطة، بل تثبت و لو بواسطة البرق أو البريد و نحوهما.

125

[ (مسألة 6) في يوم الشك في انه من رمضان أو شوال يجب أن يصوم]

(مسألة 6) في يوم الشك في انه من رمضان أو شوال يجب أن يصوم (1) و في الشك في انه من شعبان أو رمضان يجوز الإفطار و يجوز أن يصوم لكن لا بقصد انه من رمضان كما مر سابقا تفصيل الكلام فيه.

و لو تبين في الصورة الأولى كونه من شوال وجب الإفطار سواء كان قبل الزوال أو بعده.

و لو تبين في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الإمساك و كان صحيحا إذا لم يفطر و نوى قبل الزوال و يجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال.

____________

و ما ذكره (قدس سره) وجيه، فإنه إذا لم يكن المتصدي للبرقية أو التلفون و نحوهما ثقة أو كان و لكنه كان عدلا واحدا لا أثر له الا إذا انضم اليه شاهد آخر من البلد، فإن العبرة بقيام البينة أو شهادة جمع يحصل العلم من شهادتهم، و لا خصوصية لسبب دون سبب.

(1) الفروع المذكورة في هذه المسألة قد تقدم الكلام حولها مستقصى في أوائل كتاب الصوم عند التكلم في أحكام يوم الشك و عرفت انه في يوم الشك من شوال لا يجوز الإفطار لتعليقه كالصوم على الرؤية، كما انه في يوم الشك من رمضان لا يجب الصيام لما ذكر و ان جاز بنية أخرى، كما انه في الأول يجب الإفطار لو انكشف الخلاف قبل الزوال أو بعده لحرمة الصوم في العيدين و فساده، و في الثاني يقضي لو أفطر و يمسك بقية النهار، و كذا لو لم يفطر و كان الانكشاف بعد الزوال بل و قبله على الأقوى بناء على ما عرفت من

126

[ (مسألة 7) لو غمت الشهور و لم ير الهلال في جملة منها أو في تمامها حسب كل شهر ثلاثين]

(مسألة 7) لو غمت الشهور و لم ير الهلال في جملة منها أو في تمامها حسب كل شهر ثلاثين (1) ما لم يعلم النقصان عادة.

[ (مسألة 8) الأسير و المحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظن]

(مسألة 8) الأسير و المحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظن (2)،

____________

عدم الدليل على تجديد النية في مثل ذلك.

و هذا كله تكرار محض و تفصيله يطلب من محله فلا حظ.

(1) كما عليه المشهور و هو الصحيح، و يدل عليه مضافا الى قوله (ع): (صم للرؤية و أفطر الرؤية) الدال على عدم جواز الصيام و الإفطار لدى الشك في الهلال بعض النصوص الخاصة المصرحة بعد الثلاثين مع عدم الرؤية لغيم و نحوه. فلو أطبقت السماء غيما شهر رجب و شعبان و رمضان عد ستون يوما من أول رجب و يصام في اليوم الواحد و الستين، و يفطر في اليوم الواحد و التسعين.

هذا فيما إذا لم يعلم بالنقصان عادة، و الا كما لو أضيف في المثال شهر جمادي الثانية حيث يعلم حينئذ ان اليوم العشرين بعد المائة منذ غرة جمادي الآخرة لم يكن من رمضان قطعا لامتناع كون أربعة أشهر متواليات تامات عادة كنقصها كذلك، فاللازم حينئذ العمل على طبق العلم فيفطر في اليوم المذكور في المثال المزبور كما هو ظاهر.

و الحاصل ان عد الثلاثين امارة على دخول الشهر الجديد، و معلوم ان حجية الامارة خاصة بظرف الشك، فمع العلم بالخلاف لا حجية لها.

(2) على المشهور بل ادعي عليه الإجماع. و الكلام فعلا فيما تقتضيه

127

..........

____________

وظيفته الفعلية من حيث تعيين وقت الصيام، و أما الاجتزاء به لدى انكشاف الخلاف فسيجيء حكمه. و قد عرفت ان المشهور هو العمل بالظن فإنه و ان لم يكن حجة في نفسه، بل قامت الأدلة الأربعة على عدم حجيته لكنه فيما إذا لم يقم دليل على حجيته بالخصوص و إلا فهو المتبع كما في الظن بالقبلة، و الظن بعدد الركعات و منه المقام لصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: رجل أسرته الروم و لم يصح له شهر رمضان و لم يدر أي شهر هو، قال: يصوم شهرا يتوخى (يتوخاه) و يحسب فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه، و ان كان بعد شهر رمضان أجزأه (1). و رواها الشيخ الكليني أيضا بطريق صحيح.

و موردها و ان كان هو الأسير لكن يتعدى منه الى المحبوس لا لوحدة المناط كما قيل فإنه قياس محض. بل لفهم المثالية من ذكر الأسير إذ لا يكاد يتأمل في ان العرف يفهم من مثل هذه العبارة ان نظر السائل معطوف الى ما ذكره بعد ذلك من قوله: و لم يصح له شهر رمضان، فالمقصود بالذات من مثل هذا السؤال التعرف عن حكم من لم يعرف شهر رمضان و لم يميزه عما عداه، و انما ذكر الأسير تمهيدا و من باب المثال من غير خصوصية فيه، و لا في خصوصية الأسير من كونه من الروم بحيث لو كان من الزنج أو من غيرهم من المشركين لم يعمّه الحكم فان هذا غير محتمل جزما. إذا فالسؤال عن موضوع كلي ينطبق على الأسير تارة كما مثل به السائل، و على المحبوس أخرى، و على غيرهما ثالثة، كما لو عرقت السفينة فألقاها الموج في جزيرة لا يسكنها أحد أو لا يسكنها مسلم فلم يتعرف

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

128

و مع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور (1) فيعينان شهرا له و يجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بان يكون بينهما أحد عشر شهرا و لو بان بعد ذلك ان ما ظنه أو اختاره لم يكن رمضان فان تبين سبقه كفاه لأنه حينئذ يكون ما أتى به قضاء و ان تبين لحوقه و قد مضى قضاه و ان لم يمض أتى به و يجوز له في صورة عدم حصول الظن ان لا يصوم حتى يتيقن انه كان سابقا فيأتي به قضاء.

____________

رمضان فإنه يشمله الحكم قطعا مع عدم كونه من الأسير و لا المحبوس، فلأجل هذه الصحيحة يخرج عن عموم عدم حجية الظن حسبما عرفت.

(1) على المشهور (1) حيث ذهبوا الى التخيير في تعيين الشهر لدى فقد الظن و تساوي الاحتمالات، بل نسب ذلك الى قطع الأصحاب.

و يستدل له بأنه يعلم إجمالا بوجوب صوم شهر من شهور السنة و لا يمكنه الاحتياط للتعذر أو للتعسر فهو مضطر إلى الإفطار في بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعين. و قد تقرر في الأصول ان مثل هذا الاضطرار لا يستوجب سقوط التكليف الواقعي المتعلق بالمعلوم بالإجمال لعدم تواردهما على محل واحد. فان متعلق الاضطرار هو الجامع بين الأطراف بمقتضى تعلقه بغير المعين منها، و متعلق التكليف هو

____________

(1) ما أثبتناه في هذا التعليق ملفق مما استفدناه من مجلس الدرس، و ما أفاده دام ظله بعد اعادة النظر عند التقديم للطبع.

129

..........

____________

الشخص فلم يتعلق به الاضطرار ليرفعه، و في مثله يتخير في اختيار أي طرف شاء، كما لو اضطر الى شرب الواحد غير المعين من الإناءين المعلوم نجاسة أحدهما إجمالا.

و يندفع بان لازم ذلك هو الاقتصار في الإفطار على ما تندفع به الضرورة فإنها تقدر بقدرها. فلو ارتفع الاضطرار بالإفطار في خمسة أشهر أو ستة مثلا لزمه الصيام في الباقي عملا بالعلم الإجمالي المنجز فيتنزل عن الامتثال القطعي و الاحتياط التام إلى التبعيض فيه و الامتثال الاحتمالي على النهج الذي عرفت لا الصيام في شهر واحد مخيرا فيه و الإفطار في بقية الشهور كما عليه المشهور.

و تفصيل الكلام في المقام- انا إذا لم نقل بالحرمة الذاتية لصوم يوم العيد- كما هو الصحيح- فلا مجال حينئذ للقول بالتخيير، بل لا بد للمكلف من ان يصوم تمام الأيام التي يعلم بوجود شهر رمضان فيها عملا بالعلم الإجمالي فيما إذا لم يكن في ذلك حرج أو ضرر. و اما مع أحدهما فالحكم يبتني على مسألة الاضطرار الى بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعين.

فان قلنا بعدم التنجيز و ان الاضطرار يرفع الحكم الواقعي فمقتضى القاعدة حينئذ هو سقوط التكليف رأسا و عدم وجوب أي شيء عليه و هو خلاف ما ذهب اليه المشهور في المقام.

و ان قلنا بالتنجيز و عدم سقوط التكليف الواقعي نظرا الى أن الاضطرار انما تعلق بالجامع و متعلق التكليف- و هو صوم شهر رمضان- لم يتعلق الاضطرار بتركه بالخصوص فلا موجب لسقوط التكليف- على ما أشبعنا الكلام حوله في محله- بل غاية ما هناك عدم وجوب الاحتياط التام لمكان الاضطرار، فيجوز له الإفطار بمقدار

130

..........

____________

تندفع به الضرورة، بمعنى انه يجب عليه الصيام الى أن يصل الى حد الحرج أو الضرر فيجوز له الإفطار بعد ذلك للقطع بعدم وجوب الصوم عليه حينئذ إذ لو كان شهر رمضان قبل ذلك فقد أتى به و لو كان بعده لم يجب صومه لارتفاعه بسبب الاضطرار هذا- و قد يقال في مفروض الكلام بعدم وجوب الصيام الى أن يتيقن بدخول شهر رمضان عملا بالاستصحاب و بعد اليقين المزبور يجب الصوم أخذا باستصحاب بقاء الشهر الى أن يتم، فلأجل هذا الأصل الموضوعي الحاكم يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.

و يرده: انه لا مجال للاستصحاب المزبور أعني استصحاب بقاء شهر رمضان بعد اليقين بدخوله لاندراج المقام في كبرى تحقق الحالتين السابقتين المتضادتين مع الشك في المتقدم منهما و المتأخر المحكوم فيها يتعارض الاستصحابين، فإنه إذا علم بدخول شهر رمضان و لم يعلم انه دخل في هذا اليوم مثلا حتى يبقى الى شهر أو انه قد دخل قبل ذلك و انصرم فهو- طبعا- يعلم بان أحد الشهرين السابقين على زمان اليقين لم يكن من شهر رمضان غير انه لم يميز المتقدم منهما عن المتأخر و لم يدر ان ذاك هل هو العدم السابق عليهما أو غيره، و كما ساغ له استصحاب بقاء رمضان ساغ له استصحاب عدم الخروج من ذاك الزمان فيتعارضان بطبيعة الحال.

و ان شئت قلت: العدم الأزلي السابق عليهما قد انتقض بالعلم بدخول رمضان جزما و أما العدم المعلوم كونه من أحد الشهرين المتقدمين المردد بين أن يكون هو العدم الأزلي الزائل- فيما لو كان دخول شهر رمضان بعده- أو عدما حادثا باقيا الى الآن- لو كان دخول الشهر قبله- فهو قابل للاستصحاب الذي هو من سنخ

131

..........

____________

استصحاب القسم الرابع من أقسام استصحاب الكلي، فنقول مشيرا الى ذاك الزمان انا كنا على يقين من عدم رمضان و الآن كما كان، و بعد تعارض الاستصحابين كان المتبع العلم الإجمالي الذي مقتضاه الاحتياط و العمل على طبقه بقدر الإمكان، و ذلك: من أجل ان وجود شهر رمضان بعد ذلك مشكوك فيه و المرجع فيه- طبعا- هو أصالة البراءة، لكنها معارضة باستصحاب عدم دخوله الى زمان اليقين به فيتساقطان، و معه لم يكن بدّ من الاحتياط الى أن يتيقن بانقضائه.

توضيح المقام:- انه متى تردد شهر رمضان بين شهور فكل شهر ما عدا الشهر الأخير يشك فيه في دخول شهر رمضان فيجري فيه استصحاب عدم الدخول، و أما الشهر الأخير فاليوم الأول منه يتيقن بدخول شهر رمضان أما فيه أو فيما قبله و مع اليقين ينقطع الاستصحاب، و لكن لا يثبت كون هذا اليوم من شهر رمضان بداهة ان استصحاب عدم الدخول قبله لا يثبت به لازمه و هو كون هذا اليوم من رمضان، و بما ان هذا اليوم مسبوق بحالتين سابقتين متضادتين إحداهما دخول شهر رمضان و الأخرى كون الشهر من غيره و بطبيعة الحال يشك في المتقدم منهما و المتأخر فيتعارض الاستصحابان و يتساقطان و حينئذ بما ان كون هذا اليوم من شهر رمضان مشكوك فيه فوجوب الصوم فيه بخصوصه غير معلوم و مقتضى الأصل البراءة عنه و لكن جريان البراءة فيه و الاستصحاب فيما قبله مخالف للعلم الإجمالي فيتساقطان لا محالة و نتيجة ذلك هو الاحتياط كما ذكرناه.

و لمزيد التوضيح نقول:- متى تردد شهر رمضان بين شهور فبطبيعة الحال لا يتيقن بدخول شهر رمضان إلا في اليوم الأول من الشهر الأخير و لكنه لا يدرى ان هذا اليوم هل هو اليوم الأول، أو

132

..........

____________

ان شهر رمضان قد دخل قبل ذلك فهنا استصحابان.

أحدهما:- استصحاب عدم دخول الشهر الى زمان اليقين بدخوله، و هذا الاستصحاب لا يعارضه إلا أصالة البراءة بالتقريب الآتي.

ثانيهما:- استصحاب بقاء عدم الشهر الى ذلك اليوم أي يوم اليقين بدخوله فان اليقين بدخوله مع عدم العلم بزمان الدخول يلازم الشك في التقدم و التأخر بالنسبة إلى زمان الدخول بمعنى انه لا يدري ان شهر رمضان قد تحقق و انقضى فعدمه باق الى هذا اليوم أو انه كان متأخرا و ذلك العدم قد انقض فالباقي هو شهر رمضان ففي مثل ذلك يتعارض الاستصحابان لا محالة فيسقطان و تصل النوبة إلى أصالة البراءة عن وجوب الصوم في هذا اليوم فانا و ان علمنا إجمالا بوجوب الصوم في هذا اليوم يقينا: إما تعيينا لكونه من رمضان أو تخييرا بينه و بين سائر الأيام لو كان الشهر قد انقضى. و بعبارة أخرى نعلم بوجوبه إما أداء أو قضاء الا أن في موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير تجري البراءة عن التعيين. إذا فوجوب الصوم في خصوص هذا اليوم مشكوك فيه فتجري فيه البراءة عنه الا أنها معارضة بالاستصحاب الأول للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

هذا كله على تقدير القول بعدم الحرمة الذاتية لصوم يوم العيد.

و أما على القول بها فهناك صورتان:

إذ تارة:- يعلم المكلف بأول كل شهر و آخره غير انه لا يميز رمضان عن غيره. فالحكم في هذه الصورة كما تقدم من تنجيز العلم الإجمالي المقتضي للاحتياط بقدر الإمكان إلا في اليوم الأول من كل شهر و عاشره إذ هو كما يعلم إجمالا بوجوب الصوم في هذين اليومين من كل شهر لاحتمال كونهما من رمضان كذلك يعلم إجمالا بحرمته

133

..........

____________

لاحتمال كونهما من العيدين، و كما ان مقتضى العلم الأول وجوب الصوم في جميع الأطراف المحتملة، كذلك مقتضى العلم الثاني وجوب تركه في جميعها و بما أن المكلف لا يتمكن من الجمع بينهما فلا جرم ينتهي الأمر إلى التخيير بمناط الدوران في هذين اليومين بين المحذورين.

و نتيجة ذلك وجوب صوم يوم واحد مخيرا بين هذه الأيام و ترك صوم يوم آخر كذلك حذرا عن المخالفة القطعية، و يتخير في سائر الأيام بين الإفطار و الصيام.

و تارة أخرى:- لا يعلم بذلك أيضا، بمعنى ان كل يوم من الأيام التي تمر عليه كما يحتمل أن يكون من شهر رمضان يحتمل أيضا أن يكون من يوم العيد فحينئذ بما انه لا يتمكن من الاحتياط فينتهي الأمر أيضا الى التخيير كسابقه.

إذا فعليه أن يصوم شهرا واحدا لئلا تلزم المخالفة القطعية، كما ان عليه أن يترك الصوم يوما بعد هذا الشهر و يوما آخر بعد مضي سبعين يوما منه المحتمل كونهما يومي العيدين و يتخير في الباقي بين الصيام و تركه.

و على الجملة فمستند المشهور على الظاهر هو ما أشرنا إليه من التنزل من الامتثال القطعي الى الظني و منه الى الاحتمالي و من ثمَّ أفتوا بالتخيير، و إلا فلا يحتمل انهم استندوا الى مدرك آخر لم يصل إلينا و انما مضوا على ما تقتضيه القواعد الأولية.

و لكن عرفت ان المقام و ان كان مندرجا في كبرى الاضطرار الى الاقتحام في بعض أطراف العلم الإجمالي إلا أن حكم هذه الكبرى هو الاقتصار على مقدار الضرورة و الاحتياط في الباقي لا التخيير بين جميع الأطراف ليكون له الخيار في تطبيق شهر رمضان على أي شهر شاء.

134

..........

____________

و مما ذكرنا يعلم فساد ما اختاره في المتن من جواز أن لا يصوم في صورة عدم حصول الظن حتى يتيقن انه كان سابقا فيأتي به قضاء.

فإنه مبني بحسب الظاهر على عدم تنجيز العلم الإجمالي لدى تعلق الاضطرار ببعض الأطراف غير المعين و انه لا فرق بينه و بين تعلقه بالبعض المعين في عدم التنجيز على ما صرح به صاحب الكفاية. إذا لا ملزم له في الإتيان بالصوم فعلا، بل يؤخر حتى يتيقن بمضي رمضان ثمَّ يقضيه.

و لكنه بمراحل عن الواقع، بل فاسد جزما كما بيناه في الأصول، للفرق الواضح بين التعلق بالمعين و غير المعين، إذ في الأول يحتمل الاتحاد بين متعلقي الاضطرار و التكليف المعلوم بالإجمال المستلزم لسقوطه حينئذ فلا جزم معه بالتكليف الفعلي المنجز على كل تقدير الذي هو مناط التنجيز، و هذا بخلاف الثاني إذ لا يحتمل فيه الاتحاد أبدا، فان مرجع الاضطرار الى البعض غير المعين الى تعلقه بالجامع بين الأطراف، إذ لا خصوصية لطرف دون طرف حسب الفرض، فمتعلق الاضطرار هو الجامع، أما المعلوم بالإجمال فهو فرد معين و طرف خاص لا محالة، فلا علاقة و لا ارتباط و لا اتحاد بينهما بوجه كي يستوجب سقوط التكليف، فلا قصور في تنجيز العلم الإجمالي بوجوب صيام شهر من شهور السنة أبدا. و معه كيف يسوغ له التأخير الى أن يعلم بالمضي فيقضي.

هذا كله حكم الوظيفة الفعلية قبل الانكشاف.

و أما لو انكشف الحال فان تبين مطابقة المأتي به مع رمضان فلا إشكال. و ان تبين تأخره عنه و ان صومه كان واقعا في شهر ذي القعدة مثلا أجزأه و حسب له قضاء، فإنه و ان نوى الأداء و هو يغاير

135

و الأحوط إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنه (1) من الكفارة و المتابعة و الفطرة و صلاة العيد و حرمة صومه ما دام الاشتباه باقيا و ان بان الخلاف عمل بمقتضاه.

____________

القضاء و يباينه في الماهية و لا بد من تعلق القصد بكل منهما بالخصوص و لا يجزى أحدهما عن الآخر حسبما مر في محله، إلا انه يحكم في خصوص المقام بالاجزاء بمقتضى صحيحة عبد الرحمن المتقدمة المصرحة بذلك و بها يخرج عن مقتضى القواعد. فالمقام نظير صوم يوم الشك بعنوان القضاء أو الندب، و قد تبين بعد ذلك انه كان أول رمضان فإنه يجزيه عن الأداء و يوم وفق له و ان كان هو قد نوى القضاء.

و أما لو تبين تقدمه عليه و انه كان شهر رجب مثلا فلا يجزي، إذ لا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به بل الدليل قام على العدم، فإن الصحيحة المتقدمة تضمنت التصريح بعدم الاجزاء حينئذ فلا حظ.

(1) لو عين شهر رمضان بمقتضى ظنه فهل يترتب على مظنون الرمضانية جميع آثار رمضان الواقعي من الكفارة و الفطرة و صلاة العيد و نحو ذلك، أو انه يقتصر على الصوم خاصة؟

لا إشكال في ترتيب آثار الواقع لدى انكشاف الخلاف. و انما الكلام فيما لو استمر الجهل و لم ينكشف الحال، و الظاهر انه لا ينبغي التأمل في وجوب ترتيب الصوم بماله من الأحكام من الكفارة و نحوها على مظنون الرمضانية. فلو أفطر فيه متعمدا لزمته الكفارة.

و انما الكلام في ترتيب ما هو من لوازم الرمضانية كوجوب الفطرة بعد مضي ثلاثين يوما و كاستحباب صلاة العيد في غده، و كحرمة

136

[مسألة 9: إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلا]

(مسألة 9): إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلا فالأحوط صوم الجميع (1) و ان كان لا يبعد اجراء حكم الأسير و المحبوس و أما ان اشتبه الشهر المنذور

____________

صومه لكونه يوم العيد، بدعوى قصور النص عن التعرض لمثل هذه اللوازم التي هي خارجة عن الصوم و أحكامه. و لكن الظاهر هو العموم لجميع تلك الآثار، و ذلك لان المذكور في صحيحة عبد الرحمن: و لم يصح له شهر رمضان. إلخ و ظاهره تنزيل هذا الشهر منزلة رمضان الواقعي لا تنزيل صومه منزلة صومه. فاذا يكون الظن حجة في تشخيص رمضان كالبينة و نحوها لا في مجرد وجوب الصوم.

و عليه فقد أحرزنا بمقتضى الظن ان هذا الشهر شهر رمضان فاذا ضم ذلك الى ما ثبت من الخارج من أن ما بعد الثلاثين من شهر رمضان (لدى عدم الرؤية) محكوم بالعيد و بأحكامه من الفطرة و الصلاة و الحرمة كان لازم ذلك بعد ضم أحد الدليلين الى الآخر الذين هما بمثابة الصغرى و الكبرى ترتيب سائر الآثار أيضا حسبما عرفت.

(1) عملا بالعلم الإجمالي، و لم يستبعد (قده) إجراء حكم الأسير و المحبوس، و هذا هو الأظهر، لأنا استفدنا- حسبما مر- من صحيحة عبد الرحمن ان ذكر الأسير انما هو من باب المثال، و الا فالسؤال عن حكم موضوع كلي و هو من لم يصح له شهر رمضان، و الأسير من أحد مصاديقه من غير خصوصية له في الحكم بوجه، و لذا تعدينا إلى أسير غير الروم و الى غير الأسير كالمحبوس و نحوه. و منه المقام فالحكم عام للجميع بمناط واحد.

137

صومه بين شهرين أو ثلاثة (1) فالظاهر وجوب الاحتياط ما لم يستلزم الحرج و معه يعمل بالظن و مع عدمه يتخير.

____________

(1) لهذه المسألة صورتان:

إحداهما: أن يكون الشهر المنذور صومه متعينا في نفسه، كما لو علم انه نذر صوم شهر رجب مثلا، و لكنه اشتبه بين شهرين أو أكثر فلم يدر ان هذا شهر رجب أو الآتي أو ما بعده، و الظاهر ان عبارة المتن ناظرة الى هذه الصورة.

و حكمها الإلحاق بشهر رمضان المشتبه بين الشهرين أو الشهور لوحدة المناط و لا ميز بينهما أبدا إلا من حيث الأخذ بالمظنون، إذ الظن ليس بحجة. و انما عملنا به في رمضان بمقتضى صحيحة عبد الرحمن و لا يمكن التعدي من موردها الى المنذور فإنه قياس لا نقول به.

فحكم الظن هنا حكم الشك، و قد عرفت ان الحكم فيه وجوب الاحتياط الى أن يتحقق الحرج و بعده لا يجب فان المنذور ان كان قبله فقد صامه و ان كان بعده لم يجب لأنه حرجي. هذا (و قد يقال) بجواز التأخير إلى الشهر الأخير عملا بأصالة عدم دخول ذلك الشهر و هو شهر رجب في المثال الى أن يتيقن بدخوله و هو الشهر الأخير و يصوم بعده استنادا إلى أصالة عدم الخروج عن ذلك الشهر المقطوع دخوله فيه. و لكنه يندفع بمعارضة هذا الأصل بأصالة بقاء عدم ذاك الشهر المتيقن سابقا. بيان ذلك انه إذا دخل الشهر الثالث فكما ان لنا يقينا بدخول شهر رجب و نشك في انقضائه كذلك لنا يقين بان اليوم الأول من هذا الشهر أو اليوم الذي قبله ليس من شهر رجب و لكنا نشك في ان هذا العدم هل هو العدم الأزلي الزائل جزما أو عدم حادث متيقن البقاء فبما ان ذلك العدم لا يقين بارتفاعه فيجري فيه الاستصحاب

138

..........

____________

و يعارض به استصحاب وجوده فيتساقطان فلا مناص من الاحتياط الى ان يتحقق الحرج.

ثانيتهما: أن يكون متعلق النذر مشكوكا في حد نفسه، فلا يدري انه نذر صوم شهر رجب أو شعبان أو جمادي الآخرة مثلا من غير ترديد في الموجود الخارجي و حكمه الاحتياط عملا بالعلم الإجمالي، بناء على ما ذكرناه و ذكره المحققون من عدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعي و التدريجي هذا فيما إذا لم يستلزم التعذر أو التعسر، و الا سقط الاحتياط التام و اندرج المقام تحت كبرى الاضطرار الى الاقتحام في بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعين. و قد ذكرنا في الأصول ان في مثله لا يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز و ان حكم جمع منهم صاحب الكفاية بالسقوط بزعم عدم الفرق بينه و بين الاضطرار الى المعين كعدم الفرق بين سبق الاضطرار على العلم أو تأخره عنه.

و ذلك لعدم احتمال كون المعلوم بالإجمال موردا للاضطرار في المقام كما هو كذلك في المعين ضرورة ان متعلق الاضطرار إنما هو الجامع بين الأطراف، و التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال متعلق بطرف واحد بخصوصه و تطبيق المكلف ذاك الجامع على طرف يحتمل كونه الواقع لا يكشف عن تعلق اضطرار بذاك الطرف بخصوصه كما هو ظاهر. فما هو الواجب واقعا لم يضطر اليه المكلف، و ما اضطر اليه لم يتعلق به التكليف، فكيف يسقط عن التنجيز. إذا لا مقتضي لرفع الحكم الواقعي و لا سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز غايته سقوط الاحتياط التام من أجل العجز أو العسر و الحرج فيرفع اليد عنه بمقدار تندفع به الضرورة نظرا الى أن الضرورات تقدر بقدرها و يحتاط في بقية الأطراف فيتنزل الى الاحتياط الناقص.

139

[مسألة 10: إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر و ليله ستة أشهر]

(مسألة 10): إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر و ليله ستة أشهر (1) أو نهاره ثلاثة و ليله ستة أو نحو ذلك فلا يبعد كون المدار في صومه و صلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيرا بين أفراد المتوسط و أما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد كاحتمال سقوط الصوم و كون الواجب صلاة يوم واحد و ليلة واحدة و يحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطنا فيه سابقا ان كان له بلد سابق.

____________

(1) تعرض (قده) لحكم بعض البلدان التي لا يكون فيها يوم و ليلة على النحو المتعارف. و الظاهر انه لا يوجد بلد مسكون تكون السنة فيه كلها يوما واحدا و ليلة واحدة إلا أن المكان موجود كما في قطبي الشمال و الجنوب، فان الشمس على ما ذكره علماء الهيئة تميل من نقطة الشرق الى الشمال الى ما يعادل ثلاثة و عشرين درجة خلال ثلاثة أشهر و ترجع في ثلاثة أشهر أيضا و يعبر عن هذه النقطة لدى شروعها في الميل نحو الشمال بالاعتدال الربيعي، ثمَّ تبدأ في الميل الى الجنوب ثلاثة أشهر رواحا، و ثلاثة أشهر أخرى رجوعا، و يعبر عن تلك النقطة حينئذ بالاعتدال الخريفي، فهي في ستة أشهر تكون في طرف الشمال رواحا و مجيئا، و ستة أشهر في طرف الجنوب كذلك في مدار ثلاثة و عشرين درجة من الجانبين كما عرفت.

و الدائرة المفروضة التي تمر بهاتين النقطتين الواقعة فيما بين الاعتدالين الربيعي و الخريفي تسمى دائرة المعدل فيكون سير الشمس (أو بالأحرى سير الأرض) ستة أشهر في النصف الشمالي من هذه الدائرة، و ستة

140

..........

____________

أشهر في النصف الجنوبي منها، و يتكون من هذا الاختلاف الفصول الأربعة، كما يتفرع عليه نقصان الليل و النهار، و يتساويان في نقطتي الاعتدال الربيعي و الخريفي غير المتحقق في طول السنة إلا مرتين أول الربيع و أول الخريف.

هذا كله في البلاد التي تكون مائلة إلى طرفي الشمال أو الجنوب.

أي لا تكون واقعة على القطب.

و أما ما كان واقعا على نفس القطب أو ما يقرب منه. فبطبيعة الحال تكون هذه الدائرة أي دائرة المعدل أفقا له، و تسير الشمس فوق دائرة الأفق ستة أشهر و تكون حركتها رحوية: أي تدور حول الأفق مثل الرحى فيتصاعد عن الأفق لدى سيرها الدوري ثلاثة أشهر و بعد ذلك تأخذ في الهبوط و تقرب من الأفق خلال ثلاثة أشهر الى أن تغيب في الأفق فتبقى تحت الأرض ستة أشهر على النهج الذي عرفت. و نتيجة ذلك ان من يقف على أحد القطبين أو حواليهما يرى الشمس ستة أشهر و هو النهار، و لا يراها ستة أشهر و هو الليل فمجموع السنة تنقسم بالإضافة إليه إلى يوم واحد و ليلة واحدة، و بطبيعة الحال يكون ما بين الطلوعين بالنسبة إليه قريبا من عشرين يوما من أيامنا لأنه ثمن اليوم تقريبا.

و الكلام في وظيفة مثل هذا الشخص.

ذكر (قده) في المتن لذلك وجوها و احتمالات:

أحدها: و هو الذي اختاره (قده) أن يكون المدار في صومه و صلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيرا بين أفراد المتوسط فيصوم عند طلوع الفجر عندهم، و يفطر عند غروبهم فيصوم بصومهم و يصلي بصلاتهم.

141

..........

____________

الثاني: سقوط التكليف عنه رأسا لكون التكاليف متوجهة بحكم الانصراف الى الساكنين في البلدان المتعارفة.

الثالث: سقوط الصوم خاصة لانعدام الموضوع، أعني شهر رمضان فإنه إنما يتحقق فيما إذا كانت السنة اثنى عشر شهرا لا في مثل هذا المكان الذي كلها فيه يوم واحد. و أما بالنسبة إلى الصلاة فيصلى في مجموع السنة مرة واحدة، فيصلي الفجر ما بين الطلوعين الذي عرفت انه يقرب من عشرين يوما، و الظهرين في النهار بعد الزوال، و العشاءين في الليل.

و احتمل رابعا أن يكون تابعا للبلد الذي كان متوطنا فيه سابقا ان كان له بلد سابق. هذا و قد يقال انه لا يتصور الدلوك في حق هذا الشخص أبدا، فلا يمكن تكليفه بصلاتي الظهرين المقيدتين بهذا الوقت فإنه عبارة عن زوال الشمس عن دائرة نصف النهار و ميلها بعد نهاية الارتفاع إلى جهة المغرب. و هذا انما يتحقق في حق من يفرض له مثل هذه الدائرة و أما من كانت هذه الدائرة أفقا له و كانت حركة الشمس رحوية بالإضافة إليه حسبما عرفت فلا يتصور الدلوك و الزوال بالنسبة إليه بوجه، بل يقتصر في صلاته على الفجر و العشاءين.

و يمكن الجواب: أولا بأن المراد من الدلوك وسط النهار كما صرح به في صحيحة حماد الواردة في تفسير الصلاة الوسطى، من أن المراد بها صلاة الظهر التي هي في وسط النهار، أو باعتبار توسطها بين الفجر و العصر (1). و لا شك في تحقق الدلوك بهذا المعنى بالإضافة إليه ضرورة انا لو قسمنا نهاره الى قسمين فبعد مضي النصف الأول

____________

(1) الوسائل باب 2 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ح 1.

142

..........

____________

و هو ثلاثة أشهر يتحقق وسط النهار بطبيعة الحال، و يفرض معه الزوال المأخوذ موضوعا لوجوب الظهرين.

و ثانيا: بالالتزام بتحقق الدلوك في المقام أيضا حتى بمعناه المعهود، إذ لا يعتبر فيه زوال الشمس عن قمة الرأس و ميلها عن كبد السماء لعدم نهوض أي دليل عليه من رواية أو غيرها، بل معنى الدلوك أخذ الشمس في الهبوط و الاقتراب من الأفق بعد نهاية الارتفاع و الابتعاد عنه. و هذا كما ترى معنى عام يجتمع مع الحركة الرحوية كغيرها، إذ فيها أيضا تقترب من الأفق بعد انتهاء البعد كالنزول من الجبل بعد الصعود عليه، و ان لم يكن زواله عن قمة الرأس كما هو موجود عندنا.

و كيفما كان فلا تمكن المساعدة على شيء من الوجوه الأربعة التي احتملها في المتن لخروجها بأجمعها عن مقتضي الصناعة.

أما التبعية البلدان المتعارفة المتوسطة فلا مقتضى لها بعد التصريح في جملة من الروايات بقوله (عليه السلام): (إنما عليك مشرقك و مغربك) فلا عبرة بمشرق بلد آخر، و لا بمغربه، كما لا اعتبار بفجره و لا بزواله.

و منه يظهر ضعف التبعية للبلد الذي كان يسكن فيه، إذ لا عبرة به بعد الانتقال الى بلد آخر له مشرق و مغرب آخر و لا سيما و قد تبدل- طبعا- تكليفه في الطريق بمشرق و مغرب آخر. فما هو الموجب بعدئذ للرجوع الى مشرق بلده و مغربه.

و أما احتمال سقوط الصوم وحده أو هو مع الصلوات فهو أيضا مناف لإطلاقات الأدلة من الكتاب و السنة الناطقين بوجوب الصلاة و كذلك الصيام لكافة الأنام عدا ما استثنى من المسافر و المريض و نحوهما

143

..........

____________

غير المنطبق على المقام. قال سبحانه و تعالى إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً و قال سبحانه الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ و قال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ. إلخ و قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

و النصوص المتواترة قد أطبقت على وجوبهما على سبيل الإطلاق و على كل مكلف، كحديث بناء الإسلام على الخمس، و ان الصلاة بمنزلة الروح، و ان من صلى خمسا كمن غسل بدنه في كل يوم خمسا، لا يبقى فيه شيء من القذارات.

و الحاصل ان وجوبهما على كل أحد في كل وقت بحيث لا يسعه التفويت و التضييع بوجه من الوجوه أمر مقطوع به لا تكاد نختلجه شائبة الاشكال.

و من البين ان المكث و البقاء في أحد القطبين الخاليين عن ليل و نهار متعارف من أحد موجبات التضييع و التفويت إذ لا تتيسر معه الصلاة و الصيام على النهج المقرر شرعا بعد عدم الدليل على التبعية لسائر البلدان المتعارفة حسبما عرفت و منه تعرف ان مقتضى الصناعة حرمة البقاء في تلك المواطن و وجوب الهجرة إلى المناطق المتعارفة مقدمة للإتيان بتلك الواجبات و عدم الإخلال بها.

و نظير ذلك ركوب طائرة تعادل سرعتها سرعة حركة الأرض، أي تسير حولها في أربع و عشرين ساعة و كانت متجهة من الشرق الى الغرب، فان مثل هذا المسافر لا يزال في حالة واحدة لا يرى طلوعا الشمس و لا غروبا لها، فلو كان الإقلاع بعد ساعة من طلوع الشمس و استمر السير شهرا مثلا فالوقت عنده دائما هو ساعة بعد طلوع

144

..........

____________

الشمس لا يشاهد زوالا و لا غروبا و لا فجرا فلا جرم تفوته الصلوات في أوقاتها كما لا يتمكن من أداء الصوم.

و من ثمَّ يحرم عليه مثل هذا السفر المستلزم لتفويت الفريضة و عدم التمكن من أدائها.

و نظيره أيضا السفر الى كرة القمر التي يكون كل من نهارها و ليلها خمسة عشر يوما و يكون مجموع الشهر فيها يوما و ليلة، فلا يتيسر الصوم و لا الصلوات الخمس في أوقاتها.

و على الجملة بعد ما علمنا من الخارج ان الصلاة و الصيام من أركان الدين و لا يسوغ تركهما في أيّ وقت و حين، و التبعية لافق آخر ليس عليها برهان مبين. إذا لم يكن بد لهؤلاء الأشخاص من الامتناع عن السفر الى هذه المناطق و الهجرة عنها لو كانوا فيها، إذ لا يجوز لهم تفويت الفريضة اختيارا.

و لو فرض الاضطرار الى السكنى في مثل هذه البلاد فالظاهر سقوط التكليف بالأداء و الانتقال الى القضاء لعدم الدليل على التبعية لبلده و لا للبلدان المتعارفة كما تقدم، فإنه كيف يصلي المغرب و الشمس بعد موجودة، أو الظهرين و هي تحت الأفق و قد دخل الليل.

و أما احتمال الاكتفاء بصلاة يوم واحد و ليلة واحدة في مجموع السنة فهو ساقط جدا، لخروج مثل هذا اليوم عن موضوع الأدلة المتكفلة لوجوب الصلوات الخمس في كل يوم و ليلة، فإن المنسبق منها هو اليوم الذي يكون جزءا من السنة، و الذي قد يكون نهاره أطول من ليله، و قد يكون أقصر، و قد يتساويان، و ربما يكون التساوي في تمام السنة كما في المدن الواقعة على خط الاستواء.

و أما اليوم الذي يستوعب السنة فاللفظ منصرف عنه جزما، بل

145

..........

____________

لا يكاد يطلق عليه اليوم عرفا، فهو غير مشمول لموضوع الأدلة.

فالصحيح ما عرفت من عدم جواز السكنى في هذه البلاد اختيارا و مع الاضطرار يسقط الأداء و ينتقل الأمر إلى القضاء و ان كان الاحتياط بالجمع بينه و بين الإتيان بالصلوات الخمس في كل أربع و عشرين ساعة مما لا ينبغي تركه.

146

[فصل في أحكام القضاء]

فصل (في أحكام القضاء) يجب قضاء الصوم ممن فاته بشروط و هي البلوغ و العقل و الإسلام فلا يجب على البالغ ما فاته أيام صباه (1)

____________

(1) هذا الحكم من القطعيات بل الضروريات الغنية عن تجشم الاستدلال بداهة ان القضاء لو كان واجبا على الصبيان بعد بلوغهم لاستقر عليه عمل المتشرعة و كان من الواضحات الأولية و لأمر به الأولياء و الأئمة (عليهم السلام) صبيانهم مع انه لم يرد أي أمر به حتى على سبيل الاستحباب.

على انه لا مقتضي له حتى مع الغض عن ذلك. فإنه سبحانه قسّم المكلفين في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ. إلخ إلى ثلاثة أقسام: قسم يجب عليه الأداء و هو الصحيح الحاضر الذي وضع عليه قلم التكليف- طبعا- و قسم يجب عليه القضاء، و هو المريض أو المسافر، و قسم ثالث يجب عليهم الفداء و هم الذين لا يطيقون الصوم. و معلوم ان الصغير خارج عن هذه العناوين، فان القلم مرفوع عنه حتى يحتلم. ثمَّ قد ثبت بالأدلة القاطعة إلحاق جمع بالمريض و المسافر في وجوب القضاء، كمن ترك الصوم عامدا أو ناسيا أو جاهلا عن عذر أو غير عذر بحيث كان المقتضي ثابتا في حقه، غير انه لم يصم لمانع أما مع الإثم أو بدونه. و أما الصغير فلم ينهض أي دليل على وجوب قضائه بعد ما بلغ و مقتضى الأصل البراءة عنه.

147

نعم يجب قضاء اليوم الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره (1) أو بلغ مقارنا لطلوعه إذا فاته صومه، و أما لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه و ان كان أحوط (2).

____________

(1) بلا إشكال فيه و لا خلاف لاندراجه بذلك تحت قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ. إلخ فإذا كان بالغا مأمورا بالصوم و لم يصم وجب عليه القضاء بطبيعة الحال سواء أ كان البلوغ مقارنا للطلوع أم سابقا عليه لوحدة المناط.

(2) مورد هذا الاحتياط ما لو أفطر أثناء النهار، إما قبل البلوغ أو بعده، و أما إذا لم يفطر بل صام استحبابا فبلغ في النهار و أتم صومه فمثله لا يحتمل في حقه القضاء بتاتا لأنه ان كان مكلفا بالأداء فقد امتثله حسب الفرض و إلا فلا قضاء عليه حتى واقعا فمورد الاحتياط غير هذه الصورة جزما. هذا و الظاهر عدم وجوب القضاء سواء تناول المفطر قبل البلوغ أم بعده، لعدم صدق الفوت بعد أن كان الصوم واجبا وحدانيا ارتباطيا محدودا ما بين الطلوع الى الغروب. و هذا لم يكن مكلفا به و لو باعتبار فقد شرط البلوغ في جزء منه. فاذا لم يكن مكلفا بالصوم و لم يشمله الخطاب في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ. إلخ فلم يفت عنه أي شيء. و معه لا موضوع لوجوب القضاء لو كان قد تناول المفطر كما لا دليل على وجوب الإمساك بعد بلوغه لو لم يكن متناولا.

و على تقدير الالتزام بوجوب الإمساك فلا دليل على وجوب قضائه، فإن الثابت بحسب الأدلة إنما هو قضاء الصوم لا قضاء الإمساك الواجب

148

و لو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده (1) فمع الجهل بتاريخهما لم يجب القضاء و كذا مع الجهل بتاريخ البلوغ و أما مع الجهل بتاريخ الطلوع بان علم انه بلغ قبل ساعة مثلا و لم يعلم انه كان قد طلع الفجر أم لا فالأحوط القضاء و لكن

____________

عليه خلال بضع ساعات و ان لم يكن صوما، فالاحتياط المزبور و ان كان حسنا هنا إلا أنه غير لازم المراعاة حسبما عرفت.

(1) قد يفرض الشك في تاريخ كل من البلوغ و الطلوع، و أخرى يكون أحدهما معلوم التاريخ.

أما في صورة الجهل بالتاريخين فلا مجال لشيء من الاستصحابين، أما لعدم المقتضى لجريانهما كما هو خيرة صاحب الكفاية (قده) أو لوجود المانع و هو التعارض الموجب للتساقط و على التقديرين فلم يحرز تكليفه بالصوم ليجب القضاء لو أفطر و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و أوضح حالا ما لو كان تاريخ الفجر معلوما لجريان استصحاب عدم البلوغ الى ما بعد الطلوع المنتج لعدم الوجوب من غير معارض و أما لو انعكس الأمر فكان تاريخ البلوغ معلوما دون الطلوع.

فبناء على ما هو الحق من عدم الفرق في تعارض الاستصحابين في الحادثين المتعاقبين بين الجهل بالتاريخين، أو العلم بأحدهما نظرا الى أن المعلوم و ان لم يجر فيه الاستصحاب بالنظر الى عمود الزمان لعدم الشك فيه، إلا انه بالقياس الى الزمان الواقعي للحادث الآخر فهو طبعا مشكوك التقدم عليه و التأخر عنه فلا مانع من جريان الاستصحاب بهذه العناية، و لا أساس التفصيل بين المعلوم و المجهول كما فصلنا البحث حوله مستقصى في الأصول.

149

في وجوبه اشكال، و كذا لا يجب على المجنون ما فات منه أيام جنونه (1).

____________

فعلى هذا المبنى جرى عليه حكم مجهولي التاريخ و قد تقدم.

و أما على المبنى الآخر و الالتزام بعدم الجريان في المعلوم بتاتا فاستصحاب عدم طلوع الفجر الى ما بعد البلوغ و ان كان سليما وقتئذ عن المعارض إلا أنه لا أثر له، إذ لا يثبت به كونه بالغا حال الفجر ليجب عليه الصوم و يجب قضاؤه لو فاته فإنه من أوضح أنحاء الأصول المثبتة التي لا نقول بحجيتها. فالاستصحاب المزبور غير جار في نفسه.

و معه كانت أصالة البراءة عن وجوب القضاء محكمة.

و الحاصل ان الأثر مترتب على البلوغ حال الفجر لا على عدم الفجر حال البلوغ، و لا يكاد يثبت الأول بالاستصحاب الجاري في الثاني إلا على القول بالأصل المثبت.

فتحصل ان في شيء من فروض الشك لا يجب القضاء، و انما يجب فيما إذا أحرز البلوغ قبل الفجر أو عنده و قد أفطر أو لم ينو الصوم

(1) الدليل عليه هو الدليل المتقدم تقريره في الصبي حيث عرفت ان المستفاد من الآية المباركة ان المفروض في حقه الصوم أداء أو قضاء هو الذي كتب عليه الصيام، فغير المكتوب عليه لصغر أو جنون خارج عن الحكمين.

نعم ثبت بدليل خاص وجوب القضاء في طائفة من غير المكلفين كالنائم و الغافل و الناسي و نحوهم الكاشف عن فوات الملاك عنهم و كفايته في وجوب القضاء عليهم و ان لم يتعلق الأمر بهم. و أما من لم يكن مكلفا و لم يثبت القضاء في حقه بدليل خارجي كالمجنون فلا مقتضى

150

من غير فرق بين ما كان من اللّه أو من فعله على وجه الحرمة أو على وجه الجواز (1) و كذا لا يجب على المغمى عليه سواء نوى الصوم قبل الإغماء أم لا (2)،

____________

لوجوب القضاء عليه سيما بعد ملاحظة ان العقل- كالبلوغ- مما له دخل في ملاك التكليف على ما يفصح عنه قوله (عليه السلام): أول ما خلق اللّه العقل قال له: اقبل فأقبل، ثمَّ قال له: أدبر فأدبر، فقال: بك أثيب و بك أعاقب، و غير ذلك مما دل على اشتراطه به و ارتفاع القلم عن فاقده.

و بعبارة أخرى القضاء أما بالأمر الأول أو بأمر جديد، فان كان الأول فلم يتعلق أمر بالمجنون حال جنونه ليجب قضاؤه، و ان كان الثاني، فبما ان موضوعه الفوت و لم يفت عنه شيء لا خطابا و لا ملاكا بعد كون العقل شرطا في التكليف و دخيلا في المقتضي و لم يقم عليه دليل من الخارج. إذا لا مقتضي للقضاء بتاتا، سواء أ قلنا بوجوبه على المغمى عليه أم لا. فلا يناط الحكم به و لا يكون مترتبا عليه.

(1) لوحدة المناط في الكل بعد إطلاق الدليل، و عدم وجوب حفظ شرط التكليف، فإنه بالأخرة مجنون بالفعل مرفوع عنه القلم و ان حصل بتسبيبه المحرم فإنه كالتسبيب الى الموت، فكما ان الميت لا تكليف عليه و ان كان موته بانتحاره فكذا لو جن المجنون باختياره.

(2) خلافا لما نسب إلى جماعة من التفصيل بين ما كان مسبوقا بالنية و ما لم يكن فيقضى في الثاني.

و كأنه مبني على ما تقدم من عدم اشتراط الصوم بعدم الاغماء.

فإنه بناء عليه و ان حال الاغماء حال النوم لا حال الجنون، غايته انه

151

..........

____________

نوم شديد لا يستيقظ بسرعة و قد كان مسبوقا بالنية صح صومه، و لم يكن أي موجب القضاء، فإنه كمن نوى الصوم و نام و لم يستيقظ إلا بعد الغروب أو قبله الذي لا قضاء عليه بلا كلام. و هذا خارج عن محل البحث.

و أما بناء على الاشتراط كعدم الجنون، أو لم يكن ناويا للصوم قبل الاغماء، كما لو أغمي عليه من الليل و استمر الى النهار، أو كان ناويا و لم تكن نيته نافعة كما لو أغمي عليه قبل الغروب من آخر شعبان و استمر الى الغد حيث ان النية قبل شهر رمضان لا أثر لها جزما، و جامعه كل مورد حكم بعدم تحقق الصوم من المغمى عليه أما لخلل في النية أو لاشتراط الصوم بعدم الاغماء. فان هذا هو محل الكلام في وجوب القضاء.

فربما يقال بالوجوب:

تارة من أجل اندراجه في موضوع المريض فيشمله كل ما دل على وجوب القضاء عليه من الكتاب و السنة.

و أخرى باستفادته مما دل على وجوب قضاء الصلوات الفائتة منه.

و هذان الوجهان لا يرجعان الى محصل و ان صدرا من مثل العلامة على جلالته و مقامه لوضوح ان المغمى عليه يغاير عنوانه مع عنوان المريض عرفا.

و على تقدير كونه منه فالروايات الخاصة الآتية صريحة في عدم وجوب القضاء، فتكون تخصيصا في أدلة المريض.

و أما قياس الصوم بالصلاة ففيه أولا عدم ثبوت الحكم في المقيس عليه، فان الصلاة أيضا لا يجب قضاؤها على المغمى عليه كالصوم للنصوص الكثيرة المعتبرة الصريحة في ذلك، و لأجلها يحمل ما دل على

152

..........

____________

القضاء على الاستحباب جمعا.

و ثانيا لو سلم فلا ملازمة بينهما بعد أهمية الصلاة في الشريعة المقدسة.

فلا موجب لقياس الصوم عليها.

و ثالثا على تقدير الملازمة فتكفينا الروايات الخاصة الناطقة بعدم القضاء في الصوم و هي كثيرة و جملة منها معتبرة.

منها صحيحة أيوب بن نوح قال: كتبت الى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته أم لا؟ فكتب (عليه السلام): (لا يقضى الصوم و لا يقضي الصلاة) (1) و صحيحة علي بن مهزيار قال: سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب (عليه السلام):

(لا يقضي الصوم و لا يقضي الصلاة) (2). و نحوهما غيرهما.

نعم بإزائها روايتان:

إحداهما: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه سأله عن المغمى عليه شهرا أو أربعين ليلة، قال: فقال: إن شئت أخبرتك بما آمر به نفسي و ولدي ان تقضى كل ما فاتك (3) و لكنها منصرفة عن الصوم، إذ لا يكون أربعين يوما، فان دلت على وجوب القضاء فإنما تدل عليه في الصلاة فحسب.

ثانيتهما: ما رواه الشيخ بإسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (يقضي المغمى عليه ما فاته) (4).

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1.

(2) الوسائل باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 18.

(3) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 4.

(4) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 5.

153

..........

____________

و لكن دلالتها إنما هي بالإطلاق القابل للتقييد. على أن السند ضعيف لضعف طريق الشيخ الى ابن البختري.

و كيفما كان فلو فرضنا صحة الروايتين و ورودهما في خصوص الصوم لم يكن بد من حملهما على الاستحباب لصراحة النصوص المتقدمة في عدم الوجوب.

ثمَّ ان من جملة النصوص الدالة على عدم القضاء صحيحة علي بن مهزيار انه سأله يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن هذه المسألة، يعني مسألة المغمى عليه، فقال: «لا يقضى الصوم و لا الصلاة و كلما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (1).

و هاهنا بحث قد تقدم الكلام حوله مستوفى في كتاب الصلاة، و هو ان عدم القضاء هل يختص بما إذا كان الاغماء مستندا الى غلبة اللّه تعالى و خارجا عن اختيار المكلف أو يعمه و ما استند الى اختياره كما هو الحال في الجنون. فقد يقال بالأول نظرا الى انصراف الأخبار اليه، و دلالة الصحيحة المشار إليها عليه باعتبار استفادة العلية المنحصرة منها و لكنك عرفت منع الاستفادة و ان التقييد بغلبة اللّه مبني على أن الغالب في الإغماء هو ذلك لا الدلالة على العلية المنحصرة، فغايته انها لا إطلاق لها بحيث لو كان الدليل منحصرا بها لما أمكن الالتزام بالتعميم لا أنها تدل على الاختصاص و ان كان موردها ذلك. فلا مانع إذا من الأخذ بالإطلاق في بقية الروايات. و دعوى الانصراف غير مسموعة و عهدتها على مدعيها.

و كيفما كان فهذا البحث معنون في كتاب الصلاة، فبين قائل

____________

(1) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 6.

154

و كذا لا يجب على من أسلم عن كفر (1)، إلا إذا أسلم قبل الفجر و لم يصم ذلك اليوم فإنه يجب عليه قضاؤه

____________

بالاختصاص، و قائل بالعدم و لم أر من تعرض له في المقام مع وحدة المناط و الاشتراك في المستند فأما أن يلتزم بالاختصاص في كلا الموردين لاستظهار العلية المنحصرة أو لا يلتزم في شيء منهما، و لم يتضح وجه لتعرض الأصحاب له في ذاك الباب و إهماله في المقام.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال. و هذا بناء على عدم تكليف الكفار بالفروع كما لم نستبعده و ان كان على خلاف المشهور فظاهر لعدم المقتضي حينئذ للقضاء بعد عدم فوت الفريضة و عدم الدليل على فوات الملاك عنه.

و أما بناء على المشهور من تكليفهم بالفروع كالأصول فيحتاج عدم وجوب القضاء إلى إقامة الدليل.

و يدل عليه أولا السيرة القطعية، فإن النبي الأكرم و كذا وصيه المعظم و المتصدين للأمر من بعده لم يعهد منهم تكليف أحد ممن يتشرف بالإسلام بقضاء ما فاته من الصلاة أو الصيام.

و ثانيا طائفة من الأخبار و جملة منها معتبرة.

منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيام؟ قال:

ليس عليه إلا ما أسلم فيه.

و موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عن آبائه (عليهم السلام) ان عليا كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان: انه ليس عليه إلا ما يستقبل