المستند في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى البروجردي المزيد...
478 /
155

..........

____________

و صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيام هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه، أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر (1). و نحوها غيرها.

فالحكم مما لا كلام فيه و لا غبار عليه.

و إنما الكلام في ان الكافر هل هو مكلف بالقضاء و بإسلامه يسقط عنه، أو أنه غير مكلف بخصوص هذا الفرع و ان بنينا على تكليفه بسائر الفروع كالأصول سواء أسلم أم بقي على كفره.

المعروف هو الأول، و اختار الثاني في المدارك و هو أول من ناقش في ذلك نظرا الى أن التكليف بالقضاء كغيره مشروط بالقدرة، و الكافر لا يتمكن منه أسلم أم لم يسلم. أما على الأول فواضح لدلالة النصوص على سقوط القضاء عنه باختيار الإسلام، و كذا على الثاني لعدم صحة العمل من الكافر و اشتراط وقوعه في حال الإسلام، فهو غير قادر عليه في شيء من الحالتين، أما لسقوطه عنه أو لعدم صحته منه و ما هذا شأنه لا يعقل تعلق التكليف به.

و غير خفي ان كلامه هذا متين جدا. نعم يمكن أن يقال- بناء على تكليف الكفار بالفروع و تسليم قيام الإجماع عليه كما ادعي- ان الكافر و ان لم يكن مكلفا بالقضاء بعد انقضاء شهر رمضان لامتناع توجيه الخطاب اليه كما ذكر إلا أن هذا الامتناع لأجل انتهائه إلى الاختيار باعتبار تمكنه من اختيار الإسلام في ظرف العمل فيصوم أداء. و ان فاته فقضاء و قد فوته على نفسه بسوء اختياره. و قد تقرر

____________

(1) الوسائل باب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2، 4، 1.

156

..........

____________

في محله ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. فهو لا جرم يستحق العقاب على تفويت الملاك الملزم على نفسه و ان لم يكن مشمولا الخطاب.

و لكنه يتوقف على إحراز وجود الملاك بعد سقوط الأمر ليصدق التفويت بالإضافة اليه، و أنى لنا بإثباته بعد عدم السبيل الى استكشافه من غير ناحية الأمر المفروض سقوطه (1).

و كيفما كان فلا إشكال في عدم وجوب القضاء على الكفار بعد الإسلام لما عرفت من الأخبار التي من أجلها يحمل الأمر به الوارد في صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلم بعد ما دخل (من) شهر رمضان أيام (ما) فقال: ليقض ما فاته (2) على الاستحباب أو على محامل أخر كالمرتد كما فعله الشيخ (قده) و إلا فالحكم قطعي لا سترة عليه كما عرفت.

هذا و ربما يستدل لسقوط القضاء في المقام بالرواية المشهورة المعروفة من ان الإسلام يجب ما قبله و يهدم.

و لكنها بعد الفحص التام و التتبع الكامل غير موجودة في كتب أحاديثنا جزما، و لا مأثورة عن أحد من المعصومين (عليهم السلام) قطعا، و انما هي مروية بغير طرقنا عن علي (عليه السلام) تارة و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أخرى. نعم رويت في بعض كتبنا مرسلا كمجمع البحرين و غوالي اللئالي عنه (صلى اللّه عليه و آله) و مجرد كونها مشهورة في كتب المتأخرين- فإن كتب السابقين أيضا خالية عنها- لا يستوجب اعتبارها بوجه. إذا فالرواية لا أساس لها و لا تستأهل

____________

(1) تقدم البحث حوله بنطاق أوسع في الجزء الخامس من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل باب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

157

و لو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه و ان لم يأت بالمفطر و لا عليه قضاؤه (1) من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده.

و ان كان الأحوط القضاء إذا كان قبل الزوال (2).

____________

بحثا حولها. و العمدة انما هي النصوص الخاصة مضافا الى السيرة القطعية حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال فيما لو أسلم بعد الزوال كما صرح به في صحيحة العيص المتقدمة النافية للصوم عن اليوم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر.

و إنما الإشكال فيما لو أسلم قبل الزوال، فقد نسب الى الشيخ وجوب الصوم حينئذ بعد تجديد النية لبقاء وقتها فيحسب له صوم هذا اليوم، و لو خالف ثبت عليه القضاء.

و هو (قده) مطالب بالدليل، فان ظرف النية عند الفجر، و قيام الناقص مقام التام خلاف الأصل، و دليل التجديد خاص بالمسافر الذي يقدم أهله، و لا دليل على التعدي عن مورده. فمقتضى القاعدة عدم صحة الصوم منه أداء و لا وجوبه قضاء.

على أن ذلك هو مقتضى إطلاق صحيحة العيص المتقدمة حيث تضمنت نفي القضاء إلا عن اليوم الذي أسلموا فيه قبل طلوع الفجر، فلا قضاء فيما لو أسلموا بعده سواء أ كان قبل الزوال أم بعده، مع الإفطار أم بدونه. فما ذكره (قده) لم يعرف له وجه صحيح.

(2) مورد هذا الاحتياط ما لو أفطر قبل أن يسلم، أو لم يفطر و لم يجدد النية، أما لو جدد قبل أن يفطر فلا موضوع للاحتياط لأنه

158

..........

____________

ان كان مأمورا بالصوم فقد فعل، و إلا فلم يفت عنه شيء كي يقضيه.

فعبارة المتن لا تستقيم على إطلاقها، و قد تقدم نظيره في الصبي.

بقي هنا شيء و هو أنه بعد الفراغ عن عدم وجوب القضاء و لا الأداء لليوم الذي أسلم فيه سواء أ كان قبل الزوال أم بعده بمقتضى إطلاق صحيحة العيص الناطقة بأنه يكلف بالصوم فيما إذا أسلم قبل الفجر كما مر. فهل يجب عليه الإمساك بقية النهار تأدبا و ان لم يكن مأمورا بالصوم؟ لا يبعد القول بالوجوب بناء على تكليف الكفار بالفروع كالأصول كما عليه المشهور حتى لو أسلم بعد الزوال فضلا عما قبله نظرا إلى أنه حال الكفر كان مأمورا بالصوم كبقية الفروع و كان مقدورا له بالقدرة على مقدمته و هي اختيار الإسلام. غايته انه عصى فبطل منه الصوم، و الصوم الباطل محكوم صاحبه بوجوب الإمساك بقية النهار كما استفيد من الروايات السابقة. و من المعلوم ان نصوص المقام لا تنفي ذلك بداهة أنها ناظرة الى حكمه من حيث الصوم بما هو صوم، لا من حيث وجوب الإمساك الذي هو حكم تكليفي محض.

نعم بناء على ما هو الأصح من عدم تكليفهم الا بالأصول لم يجب الإمساك المزبور، إذ لم يكن مخاطبا بالصوم حال الكفر حسب الفرض. فتركه الصيام الى زمان الإسلام لم يتضمن مخالفة لتكليف شرعي، و بعد ما أسلم لم يكن مأمورا بصوم هذا اليوم حسب الفرض أيضا. و من البين ان دليل وجوب الإمساك تعبدا خاص بمن وجب عليه الصوم و أبطله، أو لم يتم في حقه. أما من لم يكن مكلفا به من الأول كما لو بلغ الصبي أثناء النهار فلا دليل على وجوب الإمساك بالإضافة إليه.

159

[مسألة 1) يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردته]

(مسألة 1) يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردته سواء كان عن ملة أو فطرة (1).

____________

و بالجملة فعلى المسلك المشهور ينبغي القول بوجوب الإمساك بقية النهار حتى لو كان إسلامه قبل الغروب بساعة أو أقل، لكونه مكلفا بالصوم من الأول و قد تركه باختياره حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه، و استدل له في الجواهر بعموم «من فاتته فريضة فليقضها» و لكنه مرسل لم يذكر إلا في بعض الكتب الفقهية و الظاهر أنه لا أساس له. نعم ورد في باب الصلاة انه: «يقضى ما فاته كما فاته. إلخ» (1) و لكنه أجنبي عن محل الكلام، و لم نعثر على رواية معتبرة تتضمن الأمر بقضاء ما فات بصورة عامة بحيث تشمل الصوم الفائت مطلقا ليتمسك بها في المقام.

إذا فعمدة المستند في وجوب القضاء على المرتد شمول أدلة التكاليف له كغيره من المسلمين. فكما أنهم مأمورون بالصلاة و الصيام و غيرهما من سائر الأحكام، و بالقضاء لدى فواتها فكذا المرتد بعد قدرته على امتثالها بأن يتوب و يرجع الى ما كان عليه.

و النزاع المعروف في ان الكفار مكلفون بالفروع كالأصول أولا غير جار في المرتد يقينا، إذ لا موجب و لا وجه كما لا قائل بسقوط التكليف بالارتداد، بل هو مكلف فعلا كما كان مكلفا بالفروع سابقا بمقتضى إطلاقات الأدلة، حتى الفطري منه بناء على ما هو الصحيح من قبول توبته واقعا و ان لم تقبل ظاهرا، بمعنى ان آثار الارتداد من القتل و بينونة الزوجة و تقسيم التركة بين الورثة لن ترتفع بالتوبة،

____________

(1) الوسائل باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

160

..........

____________

و أما فيما بينه و بين ربه فلا مانع من قبول توبته و غفران زلله مع عظيم جرمه و ذنبه، فان عفو ربه أعظم و رحمته أشمل و أتم، فيكون وقتئذ مشمولا للاحكام الإسلامية كما كان مأمورا بها سابقا بعد ان كان قادرا عليها بالقدرة على مقدمتها و هي التوبة حسبما عرفت.

و أما المرتد الملي فالأمر فيه أوضح لقبول توبته ظاهرا و واقعا، فإنه يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب كان كسائر المسلمين و إلا قتل.

إذا فالمرتد- بقسميه- و غيره سيان تجاه الأحكام الشرعية التي منها القضاء اما وحده أو مع الكفارة حسب اختلاف الموارد بمقتضى إطلاق الأدلة فإنها غير قاصرة الشمول له.

و ما في الحدائق (1) من زعم القصور بدعوى انه فرد نادر ينصرف عنه الإطلاق كما ترى. بداهة أن الفرد النادر لا يختص به المطلق، فلا يمكن تنزيله عليه لا انه لا يشمله، إذ لا مانع من شمول المطلق حصصا و أصنافا يكون بعضها نادر التحقق.

و عليه فكل من وجب عليه الصوم و منه المرتد بمقتضى الإطلاق تجب عليه الكفارة و القضاء لو أفطر متعمدا أو القضاء فقط كما في موارد أخر.

بل يجب القضاء على المرتد و ان لم يرتكب شيئا من المفطرات لعدم كونه ناويا للصوم الذي هو أمر عبادي يعتبر قصده على الوجه الشرعي، حيث عرفت سابقا ان الإخلال بالنية أيضا من موجبات القضاء، فإنه و ان لم يتضمن إخلالا بذات الصوم و لكنه إخلال بالصوم المأمور به كما ورد النص في بعض موارده التي منها: من صام يوم الشك بنية رمضان.

____________

(1) ج 13 ص 297.

161

[مسألة 2 يجب القضاء على من فاته لسكر]

(مسألة 2) يجب القضاء على من فاته لسكر (1) من غير فرق بين ما كان للتداوي أو على وجه الحرام.

____________

و كيفما كان فلا تحتاج المسألة إلى مزيد بينة و برهان بعد أن كان المرتد و غيره سيان في المشمولية للاحكام من غير دليل مخرج عدا توهم شمول النصوص النافية للقضاء عن الكافر متى أسلم للمقام الذي لا ريب في فساده بعد وضوح انصرافها الى الكافر الأصلي الذي يحدث فيه الإسلام، لا مثل المقام الذي مورده الرجوع الى الإسلام لا حدوثه فيه فإنه غير مشمول لتلك الاخبار كما لا يخفى.

و ما في الحدائق أيضا من عدم تمكن المرتد من القضاء لكونه محكوما بالقتل أما ابتداء كالفطري، أو بعد الاستتابة ثلاثة أيام كالملي فكيف يمكن تكليفه به.

مردود بما لا يخفى، لوضوح ان المحكومية أعم من الوقوع فربما لا يتحقق القتل خارجا لعدم السلطة عليه كما في زماننا فيبقى سنين.

أو يفرض الكلام في المرأة التي لا تقتل بالارتداد بل تحبس و تضرب و يضيق عليها حتى ترجع إلى الإسلام.

و عليه فحال المرتد حال غيره ممن اشتغلت ذمته بالقضاء في وجوب تفريغها عنه مع التمكن، فإن بقي حيا وجب، و ان قتل سقط عنه لا لعدم المقتضى بل لوجود المانع و هو العجز إذ لا تكليف بعد القتل.

(1) يظهر الحال هنا مما تقدم في الإغماء.

فانا إذا بنينا على أن السكر كالإغماء لا ينافي الصوم و ان حاله حال النوم فلا إشكال في الصحة فيما إذا كان مسبوقا بالنية. و معه لم يفت عنه شيء كي يجب قضاؤه كما هو واضح.

162

[مسألة 3 يجب على الحائض و النفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض و النفاس]

(مسألة 3) يجب على الحائض و النفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض و النفاس و أما المستحاضة فيجب عليها الأداء و إذا فات منها فالقضاء (1).

[مسألة 4 المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته]

(مسألة 4) المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته و أما ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (2).

____________

و أما إذا بنينا على المنافاة و ان السكر مانع كالجنون- كما هو الأظهر- فلا جرم يبطل صومه و لا أثر لسبق النية سواء أ كان معذورا فيه كما لو شربه قبل الفجر خطأ أو للتداوي أم كان آثما، فاذا بطل وجب قضاؤه كما في غيره من سائر الموانع على ما يستفاد من عدة من الأخبار من ان من كان مأمورا بالصوم و لم يصم أو أتى به على غير وجهه وجب عليه القضاء و لم ينهض دليل في المقام على أن السكران لا يقضى، كما ثبت مثله في المجنون و المغمى عليه حسبما تقدم.

(1) بلا خلاف في شيء من ذلك نصا و فتوى. و قد دلت عليه النصوص الكثيرة حسبما مر التعرض إليها في محله من كتاب الطهارة.

(2) تقدم الكلام حول ذلك مستقصى في مباحث القضاء من كتاب الصلاة، و عرفت ان المخالف قد يأتي بوظيفته من صلاة أو صيام على طبق مذهبه، و لا شك حينئذ في عدم وجوب القضاء عليه بعد ما استبصر، و الحكم وقتئذ بصحة جميع أعماله الصادرة منه و ان كانت محكومة- عندنا- بالفساد في ظرفها، و انه يندرج بذلك تحت عموم قوله سبحانه فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ و قد دلت عليه السيرة القطعية مضافا الى النصوص المستفيضة.

و أخرى يأتي بما يراه فاسدا في مذهبه بحيث يرى نفسه مشغول

163

..........

____________

الذمة و كأنه لم يفعل سواء أ كان صحيحا في مذهبنا أم لا، و الظاهر قصور النصوص عن الشمول لمثله، بل لا ينبغي التأمل فيه لانصراف مورد السؤال في تلك الاخبار الى المخالف الذي يرى نفسه فارغ البال لو لا الاستبصار. و أما دون ذلك فهو كمن لم يصل أصلا بحيث كان فاسقا في مذهبه خارج عن مدلول تلك النصوص و محكوم عليه بوجوب القضاء على المعروف المشهور بل المتسالم عليه عند الأصحاب أخذا بإطلاق دليله.

نعم يظهر من رواية الشهيد عدم الوجوب حيث روى في الذكرى نقلا من كتاب الرحمة لسعد بن عبد اللّه مسندا عن رجال الأصحاب، عن عمار الساباطي قال: قال سليمان بن خالد لأبي عبد اللّه (عليه السلام) و انا جالس: إني منذ عرفت هذا الأمر أصلي في كل يوم صلاتين أقضي ما فاتني قبل معرفتي؟ قال: (لا تفعل فان الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة) (1).

و لكنها ضعيفة السند جدا لجهالة طريق الشهيد الى كتاب سعد بن عبد اللّه و لم توجد في غيره من كتب الأخبار، أضف الى ذلك جهالة الرجال المتخللين ما بين سعد و عمار، فهي إذا ساقطة عن درجة الاعتبار، و لا يمكن التعويل عليها في الخروج عن مقتضى القواعد.

و على الجملة مورد النصوص المتقدمة إمضاء الأعمال السابقة على سبيل الشرط المتأخر و انها محكومة بالصحة على تقدير التعقب بالاستبصار فلا يجب عليه القضاء.

و أما تصحيح عمل لم يأت به أصلا لعذر أو لغير عذر، أو أتى به فاسدا بحيث كان عنده في حكم العدم كي لا يجب قضاؤه كما في

____________

(1) الوسائل باب 31 من أبواب مقدمة العبادات ح 4.

164

[مسألة 5 يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم]

(مسألة 5) يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم بان كان نائما قبل الفجر الى الغروب من غير سبق نية (1) و كذا من فاته للغفلة كذلك.

[مسألة 6 إذا علم انه فاته أيام من شهر رمضان و دار بين الأقل و الأكثر يجوز له الاكتفاء بالأقل]

(مسألة 6) إذا علم انه فاته أيام من شهر رمضان و دار بين الأقل و الأكثر (2) يجوز له الاكتفاء بالأقل و لكن

____________

الكافر فلم ينهض عليه أي دليل و النصوص المزبورة لا تقتضيه حسبما عرفت.

(1) لبطلان الصوم غير المسبوق بالنية فوجب قضاؤه، أما مع السبق فلا يضر النوم لعدم منافاته مع عبادية الصوم كما تقدم.

ثمَّ انه في فرض عدم السبق لا حاجة في الحكم بالبطلان و القضاء الى فرض استمرار النوم الى الغروب كما صنعه في المتن، بل يكفي فيه الانتباه عند الزوال لعدم الدليل على جواز تجديد النية بعد الزوال في صوم الفريضة بلا إشكال، بل و كذا قبله على الأصح، بناء على ما عرفت سابقا من أن تجديد النية و الاجتزاء بالناقص بدلا عن الكامل خلاف الأصل يقتصر فيه على مورد قيام الدليل كالمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال و لم يحدث شيئا، و أما غيره و منه المقام فهو باق تحت مقتضى الأصل الذي نتيجته البطلان حسبما عرفت.

و عليه فيكفي- مع عدم سبق النية- الانتباه بعد الفجر و لو آنا ما لفوات محل النية حينئذ المستلزم للبطلان و القضاء و ان وجب الإمساك بقية النهار على ما تقدم.

(2) لا يخفى ان هذا الترديد قد يستند الى الشك في موجب القضاء و هو الإفطار، أما عن غير عذر كما لو علم انه أفطر في عهد

165

الأحوط قضاء الأكثر خصوصا إذا كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك و كان شكه في زمان زواله كأن يشك في انه حضر من سفره بعد أربعة أيام أو بعد خمسة أيام مثلا من شهر رمضان.

____________

شبابه أياما مرددة بين الأقل و الأكثر، أو عن عذر كما لو أكل مع الشك في طلوع الفجر اعتمادا على استصحاب الليل ثمَّ انكشف الخلاف، و قد تكررت منه هذه الحادثة و لم يعلم عددها.

و أخرى يستند الى الشك في مقدار ما هو المانع عن الصحة الموجب للفوت من سفر أو مرض و نحوهما.

أما الأول فلا ريب ان المرجع فيه الأصل الموضوعي و هو أصالة عدم الإفطار، و عدم حدوث تلك الحادثة زائدا على المقدار المتيقن، كما لو كان الشك في أصل الإفطار.

و مع الغض عنه فيرجع الى الأصل الحكمي، أعني أصالة البراءة عن القضاء للشك في موضوعه و هو الفوت زائدا على المقدار المعلوم، كما هو الشأن في كل واجب دائر بين الأقل و الأكثر، و لا سيما غير الارتباطيين منه كما في المقام. هذا و قد يقال ان الرجوع الى البراءة انما يتجه فيما إذا كان المشكوك فيه هو التكليف الواقعي غير المنجز، و أما لو تعلق الشك بتكليف منجز بمعنى انا احتملنا تكليفا لو كان ثابتا واقعا لكان منجزا كما في الشبهات الحكمية قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الإجمالي، فإن المرجع في مثله قاعدة الاشتغال بلا إشكال لعدم المؤمن في تركه.

و المقام من هذا القبيل لأن الزائد المشكوك فيه لو كان ثابتا واقعا

166

..........

____________

لكان معلوما في ظرفه فكان منجزا- طبعا- بالعلم. إذا فمتعلق الاحتمال هو التكليف المنجز الذي هو مورد لأصالة الاشتغال دون البراءة فيجب عليه الاحتياط إلا إذا كان عسرا فيتنزل عندئذ من الامتثال القطعي الى الظني كما نسب الى المشهور من ذهابهم إلى التصدي القضاء بمقدار يظن معه بالفراغ.

و يندفع بان هذه مغالطة واضحة ضرورة ان مورد الاشتغال انما هو احتمال التكليف المنجز بالفعل كالمثالين المذكورين لا ما كان منجزا سابقا و قد زال عنه التنجيز فعلا، فان صفة التنجيز تدور مدار وجود المنجز حدوثا و بقاء.

و من ثمَّ لو تبدل العلم بالشك الساري سقط عن التنجيز بالضرورة فلو كان عالما بالنجاسة ثمَّ انقلب الى الشك فيها لم يكن مانع من الرجوع الى قاعدة الطهارة أو استصحابها.

و المفروض في المقام زوال العلم السابق لو كان و تبدله بالشك.

فمتعلق الاحتمال ليس الا تكليفا غير منجز بالفعل جزما، إذ لا أثر للتنجيز السابق الزائل.

و من هنا لا يشك أحد في الرجوع الى البراءة عن المقدار الزائد على المتيقن فيما لو استدان زيد من عمرو مبلغا سجلاه في دفترهما عند الاستدانة ثمَّ ضاع الدفتر و نسيا المبلغ، و تردد بين الأقل و الأكثر مع ان الزائد على تقدير ثبوته كان منجزا سابقا لفرض العلم به في ظرف الاستدانة و ليس ذلك إلا لما عرفت من ان المانع من الرجوع الى البراءة إنما هو احتمال التكليف المنجز فعلا لا ما كان كذلك سابقا كما هو ظاهر جدا.

و على الجملة فلم يتعلق الاحتمال في المقام بالتكليف المنجز، بل بتكليف لعله كان منجزا سابقا و من البين ان العبرة في جريان الأصل

167

..........

____________

بحال المكلف حال الجريان لا فيما تقدم و انصرم.

و أما الثاني: أعني الشك من جهة المانع فقد يكون من أجل الشك في زمان حدوثه، و أخرى في مقدار بقائه و زمان زواله و ارتفاعه.

أما الأول: كما لو علم انه رجع عن السفر أو برئ من المرض في اليوم الثالث و العشرين من شهر رمضان مثلا و شك في مبدء السفر أو المرض و انه كان اليوم الثامن عشر ليكون الفائت منه خمسة أيام أو العشرين ليكون ثلاثة فلا ريب في الرجوع حينئذ الى الأصل الموضوعي النافي للقضاء و هو استصحاب عدم السفر، أو عدم المرض قبل يوم العشرين فان موضوع وجوب الصوم في أيام أخر هو المريض و المسافر فباستصحاب عدمهما ينتفي الحكم. (و بعبارة أخرى) ان مقتضى الاستصحاب ان الصوم كان واجبا عليه قبل يوم العشرين و المفروض علم المكلف بأنه قد صام كل ما كان واجبا عليه فلا موجب للقضاء. كما هو الحال لو تعلق الشك بأصل السفر أو المرض- لا بكميتهما- المنفي بالأصل بالضرورة.

و مع الغض عن ذلك فيكفينا الأصل الحكمي و هو أصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشك في موضوعه و هو الفوت زائدا على المقدار المعلوم كما لو شك في أصل الفوت و انه هل سافر، أو هل مرض ليفوت عنه الصوم أو لا؟ الذي هو مورد لأصالة البراءة عن وجوب القضاء بلا خلاف فيه و لا إشكال. و هذا واضح.

و أما الثاني أعني الشك من حيث البقاء و زمان الارتفاع كما لو علم انه سافر أو مرض يوم الثامن عشر و شك في أنه هل حضر أو برئ يوم العشرين ليكون الفائت منه يومين، أو الحادي و العشرين ليكون ثلاثة فلهذا الفرض- الذي جعل الماتن الاحتياط فيه بقضاء الأكثر

168

..........

____________

آكد- صورتان.

إذ تارة يفرض العلم بأنه قد أفطر في سفره أو مرضه كما انه صام في حضره أو صحته.

و أخرى يفرض انه قد صام في سفره و مرضه أيضا و ان لم يكن مشروعا، فلا يدري ان الصوم الصادر منه باطلا المحكوم عليه بالقضاء هل كان يومين أو ثلاثة. فبالنتيجة يشك في صحة صومه في اليوم الثالث و فساده؟

مقتضى إطلاق عبارة المتن جواز الاقتصار على الأقل في الصورتين فلا يجب عليه قضاء الأكثر في شيء منهما.

و ربما يعلل بان استصحاب بقاء السفر أو المرض الى اليوم الأخير المشكوك فيه و ان كان مقتضيا لفوات الصوم فيه الموجب لقضائه، إلا أن قاعدة الصحة في الصورة الثانية كقاعدة الحيلولة في الصورة الأولى الحاكمتين على الاستصحاب تقتضيان البناء على وقوع الفريضة في ظرفها صحيحة فلا يعنى بالشك في أصل الصوم، و لا بالشك في صحته بمقتضى هاتين القاعدتين. و معه لا مقتضي لوجوب القضاء.

و يندفع بما هو المقرر في محله من اختصاص مورد القاعدتين بما إذا كان الأمر محرزا، و كان الشك في مرحلة الامتثال، و ما يرجع الى فعل المكلف من حيث انطباق المأمور به عليه و عدمه و انه هل امتثل في ظرفه، أو ان امتثاله هل كان صحيحا مستجمعا للاجزاء و الشرائط أو كان فاسدا.

و أما إذا كان الأمر مشكوكا من أصله فكان احتمال الفساد مستندا الى احتمال فقدان الأمر، ففي مثله لا سبيل لإجراء شيء من القاعدتين.

169

..........

____________

و من ثمَّ لو شك بعد الصلاة في دخول الوقت أو بعد الغسل في كونه جنبا لم يمكن تصحيحهما بقاعدة الفراغ بلا إشكال.

و المقام من هذا القبيل بداهة ان الصوم المأتي به في الصورة الثانية و ان كان مشكوك الصحة و الفساد إلا أن منشأ الشك احتمال السفر أو المرض الموجبين لانتفاء الأمر. فلم يكن الأمر محرزا لكي يتمسك بما يعبر عنه بأصالة الصحة، أو بقاعدة الفراغ.

و هكذا الحال في الصورة الأولى، فإن قاعدة الحيلولة و ان بنينا على جريانها في مطلق الموقتات و عدم اختصاصها بمورد النص و هو الصلاة- كما هو غير بعيد- إلا أنها أيضا خاصة بفرض ثبوت الأمر و لم يحرز في المقام أمر بالصوم بعد احتمال كونه مريضا أو مسافرا في اليوم المشكوك فيه الذي مضى وقته و دخل حائل، و لم يدر انه هل صام فيه أو لا. و من البين ان القاعدة ناظرة إلى امتثال الأمر المتيقن لا إلى إثبات الأمر في ظرفه.

إذا ففي كلتا الصورتين لا يجري أي من القاعدتين، بل المرجع أصالة البراءة عن وجوب القضاء الذي هو بأمر جديد يشك في حدوثه زائدا على المقدار المتيقن. و بعبارة أخرى الأمر الثابت في الوقت قد سقط بخروجه يقينا، و قد تعلق أمر جديد بعنوان القضاء، و حيث ان موضوعه الفوت و هو مردد بين الأقل و الأكثر، فلا جرم يقتصر على المقدار المتيقن، و يدفع الزائد المشكوك فيه بأصالة البراءة.

و قد يقال: إن أصالة البراءة محكومة باستصحاب بقاء السفر أو المرض حيث ان مقتضى قوله سبحانه فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ. إلخ ان المريض و المسافر موضوع لوجوب القضاء.

فاستصحاب المرض أو السفر يستوجب ترتيب هذا الأثر. و معه

170

..........

____________

لا يبقى مجال لأصالة البراءة.

و ربما يجاب عنه: بان المرض أو السفر بنفسهما لا يقتضيان القضاء جزما، و ان أخذا موضوعا له في ظاهر الآية الكريمة. و من ثمَّ لو صام المسافر جهلا، أو صام المريض باعتقاد عدم الضرر و هو يضره واقعا- ضررا لا يبلغ حد الحرمة- صح صومهما، فلا يحتمل ان يكونا بمجردهما موضوعين لوجوب القضاء على حد سائر الأسباب الشرعية كالاستطاعة لوجوب الحج ليترتب الأثر على استصحابهما كما يترتب المسبب على مجرد ثبوت السبب بالأصل.

بل المستفاد من مجموع الآيات و لو بضم الروايات: ان من شهد الشهر و كان صحيحا حاضرا يجب عليه الصوم و غيره و هو المريض أو المسافر غير مأمور به فهو- طبعا- لا يصوم، فاذا لم يصم يجب عليه القضاء. فهو- أي القضاء- تدارك لترك الصوم في ظرفه كما انه عمل مستقل مترتب على المرض أو السفر و إلا لم يكن قضاء كما لا يخفى. و قد عبر بلفظ (القضاء) في جملة من الروايات. إذا فالموضوع للقضاء انما هو عدم الصوم حال السفر أو المرض لا نفسهما. و عليه فلا أثر لاستصحابهما، إذ لا يترتب عليه ترك الصوم في ذلك اليوم الذي هو الموضوع للأثر إلا على القول بالأصل المثبت.

و يندفع بإمكان إجراء الأصل في ذاك العنوان العدمي أيضا. فكما يستصحب السفر يستصحب عدم الصوم في ذلك اليوم للشك في انه هل كان حاضرا فصام، أو مسافرا فتركه، فيستصحب العدم و يترتب عليه الأثر بطبيعة الحال.

فالصحيح أن يقال: ان الموضوع للقضاء ليس هو السفر أو المرض و لا مجرد الترك، و إنما هو عنوان الفوت على حذو باب الصلاة.

171

..........

____________

و مثله غير قابل للإحراز بالاستصحاب.

و توضيحه ان المستفاد من قوله سبحانه فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ أنه يصوم بعدد ما لم يصمه من أيام سفره أو مرضه، و قد عبر في بعض الاخبار عن القضاء بالصوم يوما بدل يوم فيعلم انه عوض عما فاته فلم يكن أثرا لمجرد السفر نفسه. كيف و لازمه وجوب القضاء على المغمى عليه، أو المجنون لو سافرا في شهر رمضان، فان ما دل على نفي القضاء عنهما غايته الدلالة على أن الترك المستند الى الجنون أو الإغماء لا يستوجب القضاء، فلا مقتضى من هذه الناحية و هذا لا ينافي وجود مقتضى آخر و هو السفر. فاللازم الحكم بالقضاء عليهما مع السفر دون الحضر و هو كما ترى.

إذا فلم يكن السفر بمجرده- و كذا المرض- موضوعا للحكم جزما.

و بما ان من المقطوع به ان المغمى عليه أو المجنون أو الصبي لا يجب عليهم القضاء و ان سافروا، و المريض أو المسافر يجب عليه، فيستكشف من ذلك ان مجرد الترك أيضا لم يكن موضوعا.

و انما الموضوع الوحيد هو الترك مع ثبوت المقتضى و المقرون بالملاك الملزم، و هو المعبر عنه بالفوت. و من ثمَّ لا يصدق في حق المجنون و نحوه لعدم المقتضي، و يصدق في المريض و المسافر لثبوته نظرا الى تحقق الملاك الملزم المصحح لصدق عنوان الفوت و ان لم يكن الخطاب فعليا.

إذا فيكون حال الصوم حال الصلاة في ان الموضوع للقضاء فيهما انما هو عنوان الفوت الذي هو أمر وجودي أو كالوجودي لكونه من قبيل الاعدام و الملكات. و على أي حال فلا يمكن إثباته بأصالة

172

[مسألة 7 لا يجب الفور في القضاء]

(مسألة 7) لا يجب الفور في القضاء (1)

____________

العدم أو باستصحاب السفر أو المرض الا على القول بحجية الأصول المثبتة.

فإن تمَّ ما استظهرناه و الا فلا أقل من تطرق احتماله من غير برهان على خلافه الموجب لتردد الموضوع- بعد الجزم بعدم كونه هو السفر بنفسه حسبما عرفت- بين أن يكون امرا عدميا و هو عدم الإتيان بالواجب في ظرفه ليمكن إحرازه بالاستصحاب أو عنوانا وجوديا و هو الفوت كي لا يمكن. و معه لا سبيل أيضا لإجراء الاستصحاب كما لا يخفى.

و على الجملة فالصوم و الصلاة أما انهما من واد واحد في ان الموضوع للقضاء في كليهما هو الفوت كما لعله الأقرب حسبما استظهرناه، أو انه مجهول في الصوم لعدم ذكره في شيء من الأدلة، و من الجائز أن يكون هو الفوت في جميع موارده من المرض و السفر و الحيض و النفاس و نحوها، و حيث لم يحرز ما هو الموضوع للحكم الشرعي فلا مجال طبعا للتمسك بالاستصحاب. فيكون المرجع عندئذ أصالة البراءة حسبما ذكره في المتن.

(1) لإطلاقات الأدلة من الكتاب و السنة الشاملة لصورة المبادرة و عدمها.

مضافا الى التصريح في جملة من الروايات بالقضاء في أي شهر شاء التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي شهر شاء) (1).

____________

(1) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

173

و لا التتابع نعم يستحب التتابع فيه (1) و ان كان أكثر من ستة لا التفريق فيه مطلقا أو في الزائد على الستة.

____________

و في صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

(كن نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) إذا كان عليهن صيام أخرن ذلك الى شعبان. الى أن قال: فاذا كان شعبان صمن و صام معهن) (1)

(1) للتصريح بجواز التفريق و بأفضلية التتابع في صحيحة عبد اللّه ابن سنان (2) مضافا الى عمومات المسارعة و الاستباق الى الخير. و هذا من غير فرق فيه بين ما إذا كان القضاء أقل من ستة أيام أو أكثر لإطلاق الدليل.

بل ان صحيحة الحلبي المتقدمة تضمنت الأمر بالتتابع المحمول على الاستحباب لما تقدم و جعل الخيار لمن لم يستطع و مورده ما إذا كان الفائت كثيرا كما يدل عليه قوله (ع): و ليحص الأيام.

فقوله (ع) فان فرق فحسن. إلخ ناظر إلى انه إذا لم يتمكن من التتابع في الجميع فله الخيار في القضاء بان يصوم يوما و يفطر يوما أو يصوم يومين مثلا و يفطر يوما. فهي دلت على أفضلية التتابع حتى في ما زاد الفائت على ستة أو ثمانية أيام.

غير ان موثقة عمار تضمنت الأمر بالتفريق حتى فيما إذا كان الفائت صوم يومين كما انها تضمنت النهي عن المتابعة فيما إذا كان أكثر من ستة أيام، و في بعض النسخ أكثر من ثمانية (3) و قد حملها الشيخ على

____________

(1) الوسائل باب 27 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4.

(2) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4.

(3) الوسائل باب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6.

174

[مسألة 8 لا يجب تعيين الأيام]

(مسألة 8) لا يجب تعيين الأيام (1) فلو كان عليه أيام فصام بعددها كفى و ان لم يعين الأول و الثاني و هكذا بل لا يجب الترتيب أيضا فلو نوى الوسط أو الأخير تعين و يترتب عليه أثره.

____________

الجواز و هو بعيد جدا لمنافاته مع قوله: (ليس له. إلخ) كما لا يخفى. و نحوه ما صنعه في الوسائل من الحمل على من تضعف قوته فإنه بعيد أيضا.

و الصحيح لزوم رد علمها إلى أهلها لمعارضتها للنصوص الكثيرة المصرحة بجواز التتابع، بل أفضليته التي لا ريب في تقديمها لكونها أشهر و أكثر. و مع الغض و تسليم التعارض و التساقط فيكفي في الجواز بل الاستحباب عمومات المسارعة و الاستباق الى الخير كما عرفت.

و أما ما نسب الى المفيد من لزوم التفريق مطلقا فلا تجوز المتابعة حتى في الأقل من الستة. فلو كان عليه يومان فرق بينهما بيوم- لزوما- فلم نجد عليه أي دليل و ان علله في محكي المقنع بحصول التفرقة بين الأداء و القضاء فإنه كما ترى.

(1) لإطلاق الأدلة من الكتاب و السنة النافي لاعتبار التعيين كمراعاة الترتيب بعد أن لم يكن الفائت متعينا في نفسه و متميزا عن غيره و ان تعدد سببه.

فان ما اشتغلت به الذمة قد يكون متصفا بخصوصية بها يمتاز عن غيره و ان شاركه في الصورة كالظهرين، و الأداء و القضاء، و نافلة الفجر و فريضته و هكذا. ففي مثله لم يكن بعد من تعلق القصد بإحدى الخصوصيتين كي تتشخص و تتميز عن غيرها في مقام التفريغ فلا يكفيه

175

..........

____________

الإتيان بأربع ركعات بلا قصد الخصوصية، بل لو فعل كذلك لم يقع عن أي منهما بعد تكافؤ النسبتين و عدم ترجيح في البين. فلا جرم يقع باطلا.

و قد لا يكون متصفا بأية خصوصية حتى في صقع الواقع و في علم اللّه سبحانه، و لا يمتاز عن غيره إلا في مجرد الاثنينية و كونهما فردين من طبيعة واحدة، وجب أحدهما بسبب، و الآخر بسبب آخر، كما لو استدان من زيد درهما ثمَّ استدان منه درهما آخر، فان الثابت في الذمة أولا، لا مائز بينه و بين ما ثبت ثانيا ضرورة ان ما استدانه و ان كان معينا إلا أن ما اشتغلت به الذمة في كل مرة هو كلي الدرهم المماثل بلا اعتبار خصوصية الأولية أو الثانوية فلا تلزمه في مقام الوفاء رعاية هذه الخصوصية بأن يقصد أداء ما اشتغلت به الذمة أولا، بل له تركها كما له قصد عكسها لما عرفت من عدم تعلق التكليف إلا بالكلي الطبيعي من غير امتياز في البين، و لا اختلاف بين الدينين إلا في ناحية السبب دون المسبب و المقام من هذا القبيل.

نعم قد يمتاز أحدهما عن الآخر بأمر خارجي و أثر جعلي، كما لو جعل لأحد الدينين رهنا أو لأحد القضاءين نذرا فنذر من فاته يومان من شهر رمضان أن لا يؤخر قضاء اليوم الثاني عن شهر شوال- مثلا- ففي مثله لا مناص من تعلق القصد بماله الأثر في حصول ذلك الأثر و ترتبه خارجا من فك الرهن أو الوفاء بالنذر، إذ لو أدى الدين أو قضى الصوم من غير قصد تلك الخصوصية فهو طبعا يقع عما هو أخف مئونة و هو الطبيعي المنطبق قهرا على العاري عن تلك الخصوصية فلا يحصل به الفك و لا البر بالنذر.

و الحاصل انه لا امتياز في نفس الطبيعة في أمثال المقام و انما هو

176

[مسألة 9 لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا يجوز قضاء اللاحق قبل السابق]

(مسألة 9) لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا يجوز قضاء اللاحق قبل السابق (1) بل إذا تضيق اللاحق بان صار قريبا من رمضان آخر كان الأحوط تقديم اللاحق (2) و لو أطلق في نيته انصرف الى السابق (3)

____________

لأمر خارجي قد يكون و قد لا يكون، فلا يلزم قصد الخصوصية في سقوط الطبيعة نفسها و ان احتيج لها لتلك الجهة الخارجية.

و هذا سار في كل طبيعة وجبت على المكلف لسببين من غير لحاظ قيد في البين من الواجبات التعبدية و غيرها. فإنه يكفي في الامتثال تعلق القصد بنفس الطبيعة من غير لزوم رعاية الترتيب و لا قصد ما اشتغلت به الذمة أولا لخروج كل ذلك عن حريم المأمور به كما ذكرنا ذلك فيمن اتفق له موجبان أو أكثر لسجدتي السهو و ما شاكل ذلك.

(1) لعين المناط المتقدم في المسألة السابقة فلاحظ.

(2) رعاية للقول بالتضييق و وجوب البدار الى القضاء قبل مجيء الرمضان الثاني.

(3) هذا صحيح لكن لا من جهة الانصراف على حد انصراف اللفظ الى معناه ضرورة عدم خصوصية لأحد الرمضانين بما هما كذلك كي تنصرف النية إليه- حسبما تقدم- بل لأجل ان الثاني يمتاز بخصوصية خارجية زائدة على نفس الطبيعة و هي التضييق على القول به أو الكفارة و ما لم يقصد يكون الساقط هو الطبيعي الجامع المنطبق- طبعا- على الفاقد لتلك الخصوصية الذي هو الأخف مئونة و هو الرمضان الأول، إذ بصدق حقيقة عند مجيء الرمضان الآتي انه لم يقصد قضاء شهر رمضان

177

و كذا في الأيام (1).

[مسألة 10 لا ترتيب بين صوم القضاء و غيره]

(مسألة 10) لا ترتيب بين صوم القضاء و غيره من أقسام الصوم الواجب كالكفارة و النذر و نحوهما (2) نعم لا يجوز التطوع بشيء لمن عليه صوم واجب (3) كما مر

____________

من هذه السنة فتثبت عليه الكفارة.

نظير ما تقدم من استدانة درهم ثمَّ استدانة درهم آخر و له رهن حيث عرفت انه ما لم يقصد الثاني في مقام الوفاء لا يترتب عليه فك الرهن، و انما تفرغ الذمة عن طبيعي الدرهم المدين المنطبق- طبعا- على العاري عن خصوصية الرهن، إذ الساقط في كلا الموردين انما هو الكلي بما هو كلي لا بما فيه من الخصوصية بل هي تبقى على حالها.

و هذا هو منشأ الانصراف في أمثال المقام.

(1) أي فتنصرف النية فيها أيضا الى السابق و هو وجيه لو تضمن اللاحق خصوصية بها تمتاز عن السابق- على حذو ما مر- و إلا فلا معنى للانصراف بعد أن لم يكن بينهما تمييز حتى واقعا و انما هما فردان من طبيعة واحدة كما تقدم.

(2) لعدم الدليل عليه و ان نسب الى ابن أبي عقيل المنع من صوم النذر أو الكفارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان فإنه غير ظاهر الوجه، و المتبع إطلاقات الأدلة المطابقة لأصالة البراءة بعد فقد الدليل على شرطية الترتيب حسبما عرفت.

(3) أما مطلقا أو خصوص قضاء شهر رمضان على الخلاف المتقدم الذي مر البحث حوله في المسألة الثالثة من فصل شرائط صحة الصوم فلاحظ.

178

[مسألة 11 إذا اعتقد ان عليه قضاء فنواه]

(مسألة 11) إذا اعتقد ان عليه قضاء فنواه ثمَّ تبين بعد الفراغ فراغ ذمته (1) لم يقع لغيره و أما لو ظهر له في الأثناء فإن كان بعد الزوال لا يجوز العدول الى غيره و ان كان قبله فالأقوى جواز تجديد النية لغيره و ان كان الأحوط عدمه.

____________

(1) قد يكون التبين بعد الفراغ عن الصوم، و أخرى أثناء النهار، و على الثاني قد يكون بعد الزوال، و أخرى قبله.

أما في الأول فلا ريب في عدم وقوعه عن الغير لفقد النية المعتبرة في الصحة، فإن أقسام الصوم حقائق متباينة لتباين الآثار و اختلاف الأحكام و ان اتحدت صورة، فلا بد من تعلق القصد بكل منها بالخصوص، و لا دليل على جواز العدول بعد العمل، و لا ينقلب الشيء عما وقع، فما وقع عن نية لا أمر به واقعا حسب الفرض، و ما له أمر كصوم الكفارة مثلا لم يقصده فلم يقع عن نية فلا مناص من البطلان، إذ الاجتزاء بغير المأمور به عن المأمور به يحتاج الى الدليل و لا دليل.

و بهذا البيان يظهر البطلان في الثاني أيضا، فلا يمكن العدول بنيته الى واجب آخر لعدم الدليل عليه بعد أن كان مخالفا لمقتضى القاعدة.

نعم لو أراد الصوم الندبي جاز لاستمرار وقت نيته الى الغروب، و ليس هذا من العدول في شيء، بل هو من إيقاع النية في ظرفها لاستمراره الى الغروب بعد تحقق الموضوع و هو عدم كونه مفطرا كما هو المفروض.

و أما في الثالث فقد تقدم البحث عنه مستقصى في مبحث النية و انه هل يستفاد من الأخبار جواز تجديد النية قبل الزوال إذا كان

179

[مسألة 12 إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس و مات فيه]

(مسألة 12) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس و مات فيه لم يجب القضاء عنه (1) و لكن يستحب النيابة عنه في أدائه و الأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب.

____________

الإخلال عن جهل أو نسيان أم لا. و قد عرفت ما هو الحق، و قلنا:

ان الصوم واجب واحد ارتباطي متقوم بالإمساك من الفجر الى الغروب عن نية فمتى أخل بالنية و لو يجزئ من الوقت فقد أخل بالواجب و لم يكن مطابقا للمأمور به، فيحتاج الاجزاء حينئذ إلى الدليل و لا دليل، إلا في المسافر الذي يقدم أهله و لم يحدث شيئا، فإنه يعدل بنيته اليه. و أما فيما عدا ذلك فيحتاج القلب و تجديد النية إلى دليل، و حيث لا دليل عليه بوجه فيبقى تحت أصالة عدم الجواز بمقتضى القاعدة حسبما عرفت هذا في الواجب المعين. و أما الواجب غير المعين فلا إشكال في استمرار وقت النية فيه الى الزوال حتى اختيارا كما ان صوم يوم الشك بنية شعبان يحسب من رمضان سواء أ كان الانكشاف قبل الزوال أم بعده أم بعد الغروب بمقتضى النصوص.

(1) سواء أ كان الموت في شهر رمضان أم بعده مع استمرار العذر بحيث لم يتمكن من القضاء. و يدل عليه في المريض عدة من الروايات منها:

صحيحة محمد بن مسلم عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: (ليس عليه شيء و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثمَّ يموت قبل أن يقضي).

و صحيحة منصور بن حازم عن المريض في شهر رمضان فلا يصح

180

..........

____________

حتى يموت، قال: لا يقضى عنه. إلخ.

و موثقة سماعة عن رجل دخل عليه شهر رمضان و هو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال، قال:

لا صيام عليه و لا يقضى عنه. إلخ (1) و غيرها.

و في الحائض و النفساء ذيل روايتي منصور و سماعة المتقدمتين و غيرهما فالحكم في الجملة مما لا إشكال فيه.

إنما الكلام في ان نفي القضاء هل هو لعدم الوجوب فلا مانع من استحباب النيابة عنه، أو انه أمر غير مشروع؟ اختار الماتن الأول، و ان الساقط انما هو الوجوب، فيستحب القضاء عنه، و ان كان الأولى أن يصوم عن نفسه ثمَّ يهدي ثوابه اليه.

و لكن الظاهر من هذه الروايات سقوط القضاء رأسا و ان ذمة الميت غير مشغولة أصلا، و حاله حال المجنون و المغمى عليه و نحوهما ممن لم يفت عنه شيء لتفرعه على التمكن و لا تمكن. فالسؤال و الجواب ينظران إلى المشروعية و إلا فاحتمال الوجوب منفي قطعا إلا بالنسبة إلى الولي و انه يقضي عن أبيه أو أمه على كلام سيأتي. و أما سائر الناس كما هو منصرف السؤال في هذه الأخبار فلم يكن ثمة احتمال الوجوب كي تتكفل الروايات لنفيه. فهي ظاهرة في نفي المشروعية جزما.

و تدل عليه صريحا صحيحة أبي بصير عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها فان اللّه لم يجعله عليها، قلت: فإني أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك، قال: كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله اللّه عليها، فإن

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2، 109.

181

..........

____________

اشتهيت ان تصوم لنفسك فصم (1). حيث علل (عليه السلام) عدم القضاء بان اللّه لم يجعله عليها و هو كالصريح في عدم المشروعية.

إذا فالفتوى بالاستحباب كما صنعه في المتن مشلة جدا. و من المعلوم ان أدلة النيابة و القضاء عن الغير أجنبية عن محل الكلام، إذ هو فرع اشتغال ذمة الغير و صدق الفوت عنه ليستناب و يقضى عنه.

و إلا فهل يمكن التمسك بتلك الأدلة لإثبات القضاء عن المجنون أو المغمى عليه؟ فحال المريض و الحائض و النفساء العاجزين عن القضاء الى أن عرض الموت حال هذين في عدم التكليف عليهم رأسا، فلم يفت عنهم شيء أصلا. و معه كيف يقضى و يؤتى بالعمل النيابي بداعي سقوط ما في ذمة الغير الذي هو معنى النيابة، فإنه إذا لم يكن في ذمته شيء فكيف يقصد النيابة.

نعم لا بأس بالصوم عن نفسه و إهداء الثواب الى الميت كما ذكره في المتن و يشير اليه ذيل الصحيحة المتقدمة فلاحظ.

ثمَّ انه يظهر من تخصيص عبارة المتن بالمريض و الحائض و النفساء ان الحكم لا يعم المسافر فيقضى عنه لو سافر في شهر رمضان و مات فيه أو بعده قبل أن يحضر بلده فيختص الاستثناء عما ذكره سابقا من لزوم القضاء عمن فاته الصوم بالطوائف الثلاث فحسب، فلا يلحق بهم المسافر. و لكن قد يقال بالإلحاق لروايتين:

إحداهما مرسلة ابن بكير في رجل يموت في شهر رمضان الى أن قال: فان مرض فلم يصم شهر رمضان ثمَّ صح بعد ذلك و لم يقضه، ثمَّ مرض فمات فعلى وليه أن يقضي عنه، لأنه قد صح فلم يقض

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12.

182

..........

____________

و وجب عليه (1). فان تعليل القضاء بقوله: لأنه قد صح. إلخ يكشف عن أن مورده من كان متمكنا منه فلم يقض فيستفاد منه سقوطه عمن لم يكن متمكنا منه فيعم المسافر الذي مات قبل أن يتمكن من القضاء.

و فيه ما لا يخفى، فإنه حكم مختص بمورده و هو المريض فقسمه الى قسمين: قسم استمر به المرض فلا يقضى عنه، و قسم برئ منه و صح و لم يقض فمرض و مات فيقضى عنه، فلا وجه للتعدي عن مورده الى كل من تمكن و لم يقض كالمسافر كما لا يخفى.

على أنها ضعيفة السند بالإرسال، فلا تصلح للاستدلال.

الثانية: صحيحة أبي بصير المتقدمة (2) فإن مقتضى عموم التعليل في قوله (عليه السلام): فان اللّه لم يجعله عليها ان كل من لم يجعل اللّه عليه ذلك و منه المسافر لا يقضى عنه.

و يندفع بأنه انما يتجه لو كان مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) (لم يجعله) هو الصوم، و لم يثبت بل لا يمكن المساعدة عليه للزوم تخصيص الأكثر، فإن كثيرا ممن لم يجعل اللّه الصوم عليه يجب عليه أو عنه القضاء كالحائض و النفساء و المريض و المسافر إذا تمكنوا من القضاء. فالظاهر ان مرجع الضمير هو (القضاء) و يستقيم المعنى حينئذ و هو ان كل من لم يجعل اللّه عليه القضاء فلا يقضى عنه، لان القضاء عنه فرغ ثبوت القضاء عليه. و المريض لا قضاء عليه بمقتضى النصوص المتقدمة. و أما المسافر فلم يرد فيه مثل تلك النصوص، بل

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13.

(2) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 12.

183

[مسألة 13 إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر و استمر الى رمضان آخر]

(مسألة 13) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر و استمر الى رمضان آخر فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصح (1).

____________

مقتضى إطلاق الآية المباركة وجوب القضاء، فان تمكن يأتي به مباشرة و الا فيقضى عنه.

و لو تنازلنا و سلمنا ان الروايتين إطلاقا يعم المسافر فلا بد من رفع اليد عنه للروايات الدالة على وجوب القضاء عن المسافر الذي مات في سفره، و هي:

موثقة محمد بن مسلم في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضى عنها؟ فقال:

أما الطمث و المرض فلا، و أما السفر فنعم.

و صحيحة أبي حمزة الثمالي (الثقة الجليل القدر الذي أدرك أربعة أو خمسة من الأئمة (عليهم السلام)) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث و المرض فلا، و أما السفر فنعم.

المؤيدتان برواية منصور بن حازم في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال: يقضى عنه. إلخ (1). و هذه الأخيرة ضعيفة بمحمد بن الربيع فإنه لم يوثق، فلا تصلح إلا للتأييد.

(1) بل هو المعروف و المشهور بين المتأخرين بل القدماء أيضا فإن مقتضى إطلاق الآية المباركة و كذا الروايات المتكاثرة و ان كان هو

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 16، 4، 15.

184

..........

____________

القضاء سواء استمر المرض الى رمضان آخر أم لا، الا أنه لا بد من الخروج عنها للروايات الكثيرة الدالة على سقوط القضاء حينئذ و الانتقال الى الفداء التي لم يستبعد صاحب الجواهر بلوغها حد التواتر.

و الروايات الواردة في المقام و ان كانت متعددة لكن دعوى التواتر فيها بعيدة. و كيفما كان فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقالا: إن كان برئ ثمَّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، و ان كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه و تصدق عن الأول لكل يوم بمد على مسكين و ليس عليه قضاؤه.

و صحيحة زرارة في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان و يخرج عنه و هو مريض و لا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال:

يتصدق عن الأول و يصوم الثاني. إلخ و نحوهما غيرهما كصحيحة على بن جعفر و غيرها (1).

و بهذه النصوص يخرج عن عموم الكتاب بناء على ما هو الصحيح من جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، و بناء على كون هذه النصوص متواترة فلا إشكال لثبوت تخصيصه بالخبر المتواتر بلا كلام و بإزاء المشهور قولان آخران:

أحدهما ما نسب الى ابن أبي عقيل و ابن بابويه و غيرهما من وجوب القضاء دون الكفارة و ليس له مستند ظاهر سوى رواية أبي الصباح

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1، 2، 9.

185

..........

____________

الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمَّ أدركه شهر رمضان قابل، قال: عليه أن يصوم و ان يطعم كل يوم مسكينا، فان كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح، و ان تتابع المرض عليه فلم يصح، فعليه ان يطعم لكل يوم مسكينا (1).

حيث قسّم (عليه السلام) المكلف على ثلاثة أقسام: قسم يجب عليه القضاء و الفداء و هو الذي ذكره أولا و قسم يجب عليه القضاء خاصة و هو الذي استمر به المرض الى رمضان قابل، و قسم يجب عليه الفداء فقط، و هو الذي تتابع أي استمر به المرض سنين عديدة. ففي القسم الثاني الذي هو محل الكلام حكم (عليه السلام) بالقضاء فقط.

و فيه أولا انها ضعيفة السند بمحمد بن فضيل الراوي عن الكناني فإنه- كما تقدم مرارا- مشترك بين الأزدي الضعيف و الظبي الثقة، و كل منهما معروف و له كتاب، و يروي عن الكناني و في طبقة واحدة.

و قد حاول الأردبيلي في جامعه لإثبات ان المراد به محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة و قد أسند الى جده و أقام على ذلك شواهد لا تفيد الظن فضلا عن العلم، فإنه أيضا معروف كذينك الرجلين و في طبقة واحدة و لا قرينة يعبأ بها على ارادته بالخصوص.

و على الجملة لا مدفع لاحتمال كون المراد به الأزدي. و هذا و ان كان مذكورا في اسناد كامل الزيارات بل قد أثنى عليه المفيد في رسالته العددية، إلا انه ضعفه الشيخ صريحا.

و ثانيا انها قاصرة الدلالة لتوقفها على أن يكون المراد من قوله:

فان كان مريضا. إلخ استمرار المرض بين رمضانين و ليس

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 3.

186

..........

____________

كذلك. بل ظاهره ارادة المرض فيما بين ذلك، أي في بعض أيام السنة.

و أما المرض المستمر المستوعب لما بين رمضانين فهو الذي أشير إليه أخيرا بقوله (عليه السلام): و ان تتابع المرض عليه. إلخ.

الذي هو مورد كلام المشهور، و قد حكم (عليه السلام) حينئذ بالكفارة كما عليه المشهور. و كذا استدل صاحب المدارك بهذه الرواية لمذهب المشهور فهي من أدلتهم لا أنها حجة عليهم.

و كيفما كان فالعمدة ما عرفت من ضعف السند.

القول الثاني: ما نسب الى ابن الجنيد من وجوب القضاء و الكفارة معا. و هذا لم يعرف له أي مستند أصلا.

نعم يمكن ان يستدل له بموثقة سماعة قال: سألته عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك لم يصمه فقال: يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام، و ليصم هذا الذي أدركه، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإني كنت مريضا فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لم أصح فيهن ثمَّ أدركت رمضانا آخر فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام ثمَّ عافاني اللّه تعالى و صمتهن (1)، حيث جمع (عليه السلام) بين قضاء الماضي بعد الإفطار عن الحالي و بين الصدقة و قد حملها الشيخ (قده) على استحباب القضاء جمعا بينها و بين صحيحة عبد اللّه بن سنان الظاهرة في الاستحباب قال: من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثمَّ أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدق بمد لكل يوم، فأما أنا فإني صمت و تصدقت (2) و لا بأس بما ذكره

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

(2) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4.

187

و كفر عن كل يوم بمد و الأحوط مدان (1)، و لا يجزئ

____________

بل الأمر كذلك حتى مع الغض عن هذه الصحيحة التصريح بنفي القضاء في الروايات المتقدمة و لا سيما صحيحة محمد بن مسلم (1) فهي محمولة على الاستحباب سواء أ كانت صحيحة ابن سنان موجودة أم لا.

فتحصل ان هذين القولين ساقطان، و الصحيح ما عليه المشهور من سقوط القضاء و الانتقال الى الفداء و بذلك يخصص عموم الكتاب حسبما عرفت.

(1) قد عرفت سقوط القضاء و الانتقال الى الفداء.

و أما تحديده فالمذكور في النصوص مد عن كل يوم. و أما المدان فلم يرد في شيء من الأخبار، فليس له مستند ظاهر. نعم حكي ذلك عن بعض نسخ موثقة سماعة المتقدمة لكنه معارض بنسخ أخرى مصححة مشتملة على لفظة المد كما في الوسائل و التهذيب و الاستبصار، فلا يبعد أن تكون نسخة المدين اشتباها من النساخ كما استظهره في الجواهر على أنه لا يلتئم حينئذ مع رسم (طعام) بالجر، فان اللازم حينئذ نصبه على التمييز بان يرسم هكذا (طعاما) اللهم الا أن يكون مشتملا على كلمة (من) أي (مدين من طعام) كما عن بعض النسخ.

و كيفما كان فنسخة المدين لم تثبت و على تقدير الثبوت فهي معارضة بالروايات الكثيرة المشتملة على كلمة (مد) حسبما عرفت، فيكون ذلك من الدوران في التحديد بين الأقل و الأكثر. و مقتضى الصناعة حينئذ حمل الزائد على الاستحباب كما لا يخفى. فيكون الواجب مدا واحدا و الزائد عليه فضل.

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

188

القضاء عن التكفير (1)، نعم الأحوط الجمع بينهما (2) و ان كان العذر غير المرض كالسفر و نحوه فالأقوى وجوب القضاء (3) و ان كان الأحوط الجمع بينه و بين المد.

____________

(1) لظهور الأمر بالكفارة الوارد في النصوص في التعيين و ان وظيفة القضاء انقلبت الى الفداء فلا مجال للاجزاء. و عن العلامة في التحرير الاجتزاء بها، و كأنه لحمل الفدية على البدل الترخيصي و هو كما ترى مخالف لظواهر النصوص كما عرفت.

(2) خروجا عن خلاف ابن الجنيد القائل بذلك كما تقدم.

(3) فلا يلحق بالمرض في الانتقال الى الفداء عملا بإطلاقات الكتاب و السنة الدالة على وجوب القضاء المقتصر في تقييدها على خصوص المرض لورود النصوص فيه. و أما السفر فلم يرد فيه أي نص عدا ما رواه الصدوق في العلل و في العيون بإسناده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: «. ان قال فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأول و سقط القضاء. و إذا أفاق بينهما أو أقام و لم يقضه وجب عليه القضاء و الفداء قيل. إلخ (1).

و هذه الرواية و ان كانت صريحة الدلالة في إلحاق السفر بالمرض الا أن الشأن في سندها فقد وصفها في الجواهر بالصحة، و انها حاوية في نفسها لشرائط الحجية، غير أنها ساقطة عنها من أجل هجر الأصحاب لها و اعراضهم عنها، إذ الظاهر انه لم يقل بمضمونها أحد منا. فهي

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 8.

189

..........

____________

متروكة مهجورة و لولاها لكانت موصوفة بالحجية. و تبعه على ذلك بعضهم.

أقول لا أدري كيف وصفها (قده) بذلك مع ان الرواية ضعيفة السند جدا حتى مع الغض عن الهجر.

فان للشيخ الصدوق الى الفضل بن شاذان طريقين: أحدهما ما يرويه الفضل عن الرضا (عليه السلام)، و الآخر ما يرويه من جوابه (عليه السلام) لمكاتبات المأمون.

أما الأول فهو يرويه عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان.

أما عبد الواحد فهو غير مذكور بتوثيق و لا مدح الا انه شيخ الصدوق، و قد تقدم غير مرة ان مجرد كون الرجل من المشيخة لا يقتضي التوثيق، و لم يلتزم الصدوق بان لا يروي إلا عن الثقة، بل كان يسير في البلاد و لم يكن همه إلا جمع الروايات و ضبط كل ما سمع من أي محدث كان. كيف و في مشايخه من نص على نصبه قائلا لم أر انصب منه حيث كان يصلي علي النبي (صلى اللّه عليه و آله) منفردا بقيد الانفراد رفضا منه للآل عليهم صلوات الملك المتعال آناء الليل و أطراف النهار.

و أما ابن قتيبة فهو أيضا لم يصرح فيه بالتوثيق. نعم هو من مشايخ الكشي. و قد عرفت آنفا ان هذا بمجرده لا يقتضي التوثيق و لا سيما و ان الكشي يروى عن الضعفاء كثيرا كما نص عليه النجاشي عند ترجمته بعد الثناء عليه.

و أما الثاني ففي طريقه جعفر بن علي بن شاذان عن عمه محمد بن شاذان، و جعفر هذا لم يوثق بل لم يذكر في كتب الرجال و لم تعهد

190

و كذا إن كان سبب الفوت هو المرض و كان العذر في التأخير غيره مستمرا من حين برئه الى رمضان آخر (1) أو العكس فإنه يجب القضاء أيضا في هاتين الصورتين على الأقوى و الأحوط الجمع خصوصا في الثانية.

____________

له رواية ما عدا وقوعه في هذا الطريق.

فتحصل ان الرواية من ضعف السند بمكان. و معه كيف توصف بالصحة و استجماعها شرائط الحجية و انما العصمة لأهلها.

و كيفما كان فإلحاق السفر بالمرض غير ثابت لعدم الدليل عليه بوجه، بل مقتضى الإطلاقات هو العدم كما تقدم.

(1) قد علم مما ذكرنا انه لو كان سبب الفوت و الإفطار هو المرض و كان العذر المستمر الموجب للتأخير من لدن برئه الى حلول رمضان آخر غيره من السفر و نحوه وجب القضاء حينئذ أيضا، إذ النصوص الواردة في المرض المقيدة للإطلاقات موردها ما لو استمر به المرض الى رمضان قابل فلا يشمل غير المستمر و ان أفطر استنادا إلى أمر آخر، بل يبقى ذلك تحت الإطلاق.

و أما لو انعكس الفرض بان كان سبب الإفطار هو السفر، و سبب التأخير استمرار المرض بين رمضانين فالظاهر سقوط القضاء حينئذ و الانتقال الى الفداء. فان النصوص المتقدمة من صحاح محمد بن مسلم، و زرارة، و علي بن جعفر و ان لم تشمل هذه الصورة إذ موردها ما إذا كان العذر هو المرض حدوثا و بقاء فلا تشمل ما لو كان الاستمرار مستندا اليه دون الإفطار، و لعل في سببيته للإفطار مدخلا للحكم.

و لكن إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان غير قاصر الشمول للمقام فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من أفطر شيئا من

191

..........

____________

رمضان في عذر ثمَّ أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدق بمد لكل يوم. فأما أنا فإني صمت و تصدقت (1). فان العذر يعم المرض و غيره بمقتضى الإطلاق، كما ان ظاهرها و لو بمعونة عدم التعرض لحصول البرء في البين استمرار المرض بين الرمضانين. و مع الغض و التنزل عن هذا الاستظهار فغايته الإطلاق لصورتي استمرار المرض و عدمه، فيقيد بما دل على وجوب القضاء لدى عدم الاستمرار. فلا جرم تكون الصحيحة محمولة- بعد التقييد- على صورة الاستمرار.

فان قلت: إطلاق الصحيحة من حيث شمول العذر للسفر و غيره معارض بإطلاق الآية المباركة الدالة على وجوب القضاء على المسافر سواء استمر به المرض الى رمضان قابل أم لا، فكيف يمكن الاستناد إليها قلت: كلا لا معارضة بينهما و ان كانت النسبة بين الإطلاقين عموما من وجه، إذ الصحيحة ناظرة الى الآية المباركة، فهي حاكمة عليها شارحة المراد منها، لا من قبيل الحكومة المصطلحة، بل بمعنى صلاحيتها للقرينية بحيث لو اجتمعا في كلام واحد لم يبق العرف متحيرا في المراد. فلو فرضنا ان الصحيحة كانت جزء من الآية المباركة بأن كانت هكذا: «فان كنتم مرضى أو على سفر فعدة من أيام أخر، و من كان معذورا فأفطر ثمَّ استمر به المرض الى رمضان آخر فليتصدق» لم يتوهم العرف أية معارضة بين الصدر و الذيل، بل جعل الثاني قرينة للمراد من الأول، و ان وجوب القضاء خاص بغير المعذور الذي استمر به المرض، أما هو فعليه الفداء ليس إلا.

و هذا هو المناط الكلي في تشخيص الحكومة و افتراقها عن باب المعارضة كما نبهنا عليه في بعض مباحثنا الأصولية، فإذا لم يكن تعارض لدى

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4.

192

[مسألة 14 إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر]

(مسألة 14) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمدا في الترك (1) و لم يأت بالقضاء الى رمضان

____________

الاتصال و في صورة الانضمام لم يكن مع الانفصال أيضا. هذا أولا و ثانيا لو سلمنا المعارضة فإنما هي بالإطلاق المتحصل من جريان مقدمات الحكمة لا في الدلالة الوضعية. و قد ذكرنا في محله ان في تعارض الإطلاقين بالعموم من وجه يحكم بالتساقط و لا يرجع الى المرجحات من موافقة الكتاب و نحوه لكون موردها ما إذا كانت المعارضة بين نفس الدليلين لا بين الإطلاقين. بل المرجع بعد التساقط أمر آخر من عموم أو أصل. و مقتضى الأصل في المقام البراءة عن القضاء الذي هو بأمر جديد مدفوع بالأصل لدى الشك فيه إذ ليس لدينا عموم يدل على القضاء عدا ما سقط بالمعارضة المفروضة، و لكن يحكم بوجوب الفداء استنادا الى عموم موثقة سماعة الآتية.

(1) تعرض (قده) في هذه المسألة لحكم من لم يستمر به العذر، بل ارتفع أثناء السنة و لم يأت بالقضاء الى رمضان آخر، و قسمه الى ثلاثة أقسام:

إذ تارة يكون عازما على الترك إما عصيانا، أو لبنائه على التوسعة في أمر القضاء و عدم المضايقة.

و أخرى يكون متسامحا لا عازما على الفعل و لا على الترك و اتفق العذر عند الضيق.

و ثالثة يكون عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر، فاتفق العذر عند الضيق.

أما في القسمين الأولين فلا إشكال في وجوب الجمع بين القضاء

193

آخر وجب عليه الجمع بين الكفارة و القضاء بعد الشهر و كذا ان فاته لعذر و لم يستمر ذلك العذر بل ارتفع في أثناء السنة و لم يأت به الى رمضان آخر متعمدا و عازما على الترك أو متسامحا و اتفق العذر عند الضيق فإنه يجب حينئذ أيضا الجمع و أما ان كان عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتفق العذر عند الضيق فلا يبعد كفاية القضاء لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضا و لا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض

____________

و الكفارة، لصحيحة محمد بن مسلم: «. ان كان برئ ثمَّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه قضاؤه. إلخ».

و صحيحة زرارة: «. فإن كان صح فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و يتصدق عن الأول» المؤبدتين برواية أبي بصير (1).

و أما في القسم الثالث فلم يستبعد في المتن الاكتفاء بالقضاء، فكأنه استفاد من الأدلة ان الموضوع للفداء و الموجب له هو التسامح و عدم المبالاة بالقضاء و التهاون فيه، كما صرح بالأخير في رواية أبي بصير:

«. فان تهاون فيه و قد صح فعليه الصدقة و الصيام جميعا. إلخ» (2) لا مجرد الترك. و من الواضح عدم صدق ذلك مع العزم على القضاء و فيه أولا ان رواية أبي بصير ضعيفة السند بالراوي عنه و هو قائده

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1، 2، 6.

(2) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 6.

194

..........

____________

علي بن أبي حمزة البطائني فقد ضعفه الشيخ صريحا و انه كذاب أكل من مال موسى (عليه السلام) الشيء الكثير، و وضع أحاديث في عدم موته (عليه السلام) ليتمكن من التصرف في أمواله (عليه السلام).

و ثانيا بقصور الدلالة فإن التهاون بمعنى التأخير في مقابل الاستعجال المجامع مع العزم على الفعل فأنفق العذر فلا يدل بوجه على عدم المبالاة فضلا عن العزم على الترك.

على أن صحيحة ابن مسلم ظاهرة في الإطلاق لقوله (عليه السلام):

(ان كان برئ ثمَّ توانى. إلخ) فإن التواني ظاهر في التأخير في قبال المبادرة. و هذا كما يجتمع مع العزم على الترك أو التردد يجتمع مع العزم على الفعل أيضا بالضرورة فمفاد الصحيحة انه ان كان قد استمر به المرض ليس عليه حينئذ إلا الفداء، و إلا بان برئ و أخر فالقضاء أيضا بأي داع كان التأخير و لو لأجل سعة الوقت مع عزمه على الفعل.

و لو فرضنا إجمال هذه الصحيحة فتكفينا صحيحة زرارة فإنها صريحة في ان الموضوع للحكم المزبور أعني القضاء و الفداء معا مجرد عدم الصوم قال (عليه السلام): (فان كان صح فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و تصدق عن الأول) (1) و نحوها في صراحة الدلالة على الإطلاق و ان المناط في الحكم مجرد عدم الصوم موثقة سماعة عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان آخر قبل ذلك لم يصمه، فقال: (يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام و ليصم هذا الذي أدركه فاذا

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2.

195

أو غيره فتحصل مما ذكر في هذه المسألة و سابقتها (1) ان تأخير القضاء الى رمضان آخر إما يوجب الكفارة فقط و هي الصورة الأولى المذكورة في المسألة السابقة و إما يوجب القضاء فقط و هي بقية الصور المذكورة فيها و إما يوجب الجمع بينهما و هي الصور المذكورة في هذه المسألة. نعم الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضا كما عرفت.

[مسألة 15 إذا استمر المرض الى ثلاث سنين]

(مسألة 15) إذا استمر المرض الى ثلاث سنين (2)

____________

أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه. إلخ) (1).

دلت على وجوب الجمع بين القضاء و الفداء مطلقا، خرج عنها صورة واحدة و هي ما لو استمر المرض فإنه لا يجب حينئذ إلا الفداء فقط بمقتضى النصوص المتقدمة فيبقى الباقي تحت الإطلاق، و ان مجرد عدم الصوم لدى عدم الاستمرار موجب للقضاء و الكفارة سواء أ كان عازما على الترك أم مترددا أم عازما على الفعل حسبما عرفت.

(1) بل قد تحصل مما ذكرناه فيهما ان تأخير القضاء الى رمضان آخر يوجب الجمع بين القضاء و الفداء ما عدا صورة واحدة و هي ما لو كان العذر استمرار المرض سواء أ كان الفوت لأجل المرض أم السفر على الأظهر حسبما عرفت مستقصى فلاحظ.

(2) المستفاد من ظواهر الأدلة ان تأخير القضاء عن السنة الاولى لا يوجب إلا كفارة واحدة سواء أ صام في السنة الثانية أم أخر القضاء سنين عديدة بمقتضى الإطلاق فلا تتكرر الكفارة بتكرر السنين و ان

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

196

يعني الرمضان الثالث وجبت كفارة للأولى و كفارة أخرى للثانية و يجب عليه القضاء للثالثة إذا استمر الى آخرها ثمَّ برئ و إذا استمر إلى أربع سنين وجهت للثالثة أيضا و يقضي للرابعة إذا استمر الى آخرها أي الرمضان الرابع و اما إذا أخر قضاء السنة الأولى الى سنين عديدة فلا تتكرر الكفارة بتكررها بل تكفيه كفارة واحدة.

[مسألة 16 يجوز إعطاء كفارة أيام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد]

(مسألة 16) يجوز إعطاء كفارة أيام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد (1) فلا يجب إعطاء كل فقير مدا واحدا ليوم واحد.

____________

نسب ذلك الى العلامة في بعض كتبه، و الى الشيخ في المبسوط و لكن لا دليل عليه.

نعم لو استمر به المرض في السنة الثانية أيضا فحيث انه حدث حينئذ موجب جديد للكفارة وجبت عليه كفارة أخرى، و لو استمر في الثالثة فكذلك، و هكذا فيجري على كل سنة حكمها.

و على الجملة مجرد تكرر السنة لا يستوجب تكرر الكفارة ما لم يتكرر السبب، أعني استمرار المرض في تمام السنة فان حدث هذا مكررا تكررت الكفارة بعدده و الا فلا و هذا ظاهر.

(1) بمقتضى إطلاق الأدلة فان الواجب الإعطاء عن كل يوم مدا للفقير الصادق هذا الطبيعي على الواحد و الكثير فيجوز إعطاء ثلاثين مدا عن ثلاثين يوما لفقير واحد، إذ لم يشترط في الكفارة عن اليوم الثاني الإعطاء لفقير آخر و لا يقاس هذا (أي كفارة التأخير)

197

[مسألة 17 لا تجب كفارة العبد على سيده]

(مسألة 17) لا تجب كفارة العبد على سيده (1) من غير فرق بين كفارة التأخير و كفارة الإفطار ففي الاولى ان كان له مال و اذن له السيد أعطى من ماله و الا استغفر بدلا عنها و في كفارة الإفطار يجب عليه اختبار صوم شهرين مع عدم المال و الاذن من السيد، و ان عجز فصوم ثمانية عشر يوما، و ان عجز فالاستغفار.

____________

على كفارة الإفطار متعمدا في شهر رمضان، لان الواجب هناك إطعام ستين مسكينا لكل مد غير المنطبق على المسكين الواحد فإنه إطعام لمسكين واحد ستين مرة لا إطعام لستين مسكينا و لا دليل على الاجتزاء بذلك. فالعدد في المقام وصف الكفارة تبعا للأيام. و هناك وصف الفقير، و لأجله افترق المقامان فيكفي الواحد هنا و لا يكفى هناك.

(1) لعدم الدليل بعد عدم كونه من النفقة الواجبة و مقتضى الأصل العدم. نعم لو كان للعبد مال أعطى من ماله بشرط اذن السيد، فان العبد و ان كان يملك على الأصح إلا انه محجور عليه و ان مولاه مالك له و لما له فإنه عبد مملوك لا يقدر على شيء، فهو و ماله تحت سيطرة المولى و سلطانه، و لا يكون شيء من تصرفاته نافذا بدون اذنه، و من ثمَّ لا يكون إقراره مسموعا فيما يرجع الى الأموال حيث انه يؤول إلى الدعوى على المولى. فلو اعترف بقتل خطأ شبه عمد محكوم عليه بالدية أو بإتلاف يستتبع الضمان أو بدين، لا يسمع شيء من ذلك و يتبع به الى ما بعد العتق.

و كذا الحال في كفارة الإفطار فإنه يجب عليه صوم شهرين مع عدم

198

[مسألة 18 الأحوط عدم تأخير القضاء الى رمضان آخر مع التمكن عمدا]

(مسألة 18) الأحوط عدم تأخير القضاء الى رمضان آخر مع التمكن عمدا و ان كان لا دليل على حرمته (1)

____________

المال، أو عدم الاذن من السيد. هذا فيما إذا لم يكن صومه منافيا لحق المولى. و أما مع التنافي أو العجز عن ذلك، فقد ذكر في المتن انه يصوم بدله ثمانية عشر يوما، و ان عجز فالاستغفار.

و قد تقدم الكلام في كبرى هذه المسألة، و قلنا انه لا دليل على الانتقال الى صوم ثمانية عشر يوما لدى العجز عن صوم الشهرين المتتابعين في الكفارة إلا فيما إذا كان الصوم المزبور متعينا عليه كما في كفارة الظهار، لاختصاص الدليل به دون ما إذا كان مخيرا بينه و بين غيره كما في المقام، و إلا فمقتضى الجمع بين الأدلة الاستغفار و التصدق بما يطيق، و تكون الصدقة فيما نحن فيه بإذن المولى بطبيعة الحال.

و تمام الكلام قد تقدم في محله.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في التوسعة بالنسبة إلى السنة الأولى، فلا تجب المبادرة إلى القضاء بعد انقضاء رمضان بلا فصل قطعا، بل يجوز التأخير إلى نهاية السنة. و قد ورد في بعض الأخبار ان نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) كن يقضين ما فاتهن من صيام رمضان في شعبان كيلا يمنعن النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن الاستمتاع.

و أما بالنسبة إلى مجموع السنة فهل يجوز التأخير إلى السنة الأخرى اختيارا و لو مع التصدي لدفع الكفارة أو انه لا يجوز ذلك؟ فلو كان عليه عشرة أيام من هذه السنة و قد بقي من شهر شعبان عشرة وجب عليه المبادرة إلى القضاء، فلو أخر عامدا عصى و ارتكب محرما المشهور هو الثاني، و لكن لم يظهر دليله كما نبه عليه في المتن.

199

..........

____________

و الذي قيل أو يمكن أن يقال في مقام الاستدلال أمور:

أحدها التعبير بالتواني في صحيحة ابن مسلم، و بالتهاون في رواية أبي بصير، فان هذين التعبيرين يشعران بالوجوب و انه لم يهتم به فتهاون و تسامح فيه.

و فيه ما لا يخفى لوضوح ان غاية ما يدل عليه التعبيران ان هناك واجبا موسعا لم يسارع الى امتثاله فتوانى و أخر و تهاون فليكن بمعنى تسامح و لكنه تسامح عن التعجيل لا عن أصل الامتثال. و اين هذا من الاشعار بوجوب البذار فضلا عن الدلالة.

على أن كلمة التهاون انما وردت في رواية أبي بصير الضعيفة بعلي بن أبي حمزة الذي نص الشيخ على تضعيفه في كتاب الغيبة كما تقدم. فلم يثبت صدورها.

الثاني انه قد عبر عن التأخير بالتضييع الذي لا يصح إطلاقه إلا على ترك الواجب.

و هذا يتلو سابقة في الضعف لصحة إطلاق التضييع في موارد ترك الراجح الأفضل و اختيار المرجوح و لا إشكال في ان التقديم راجح و لا أقل من جهة أنه مسارعة إلى الخير و استباق اليه و هو مستلزم لكون التأخير تضييعا لتلك الفضيلة، و قد أطلق التضييع على تأخير الصلاة عن أول الوقت في غير واحد من النصوص. مضافا الى ان هذا التعبير لم يرد إلا في رواية أبي بصير، و خبر الفضل بن شاذان و كلاهما ضعيف كما تقدم.

الثالث التعبير بكلمة الفدية أي الكفارة فكأنها ستر لأمر فيه حزازة فيكشف عن مرجوحيته في نفسه.

و هذا واضح الدفع.

200

..........

____________

أما أولا فلأنها لم ترد إلا في رواية أبي بصير و هي ضعيفة كما عرفت و ثانيا انها لم تطلق حتى في هذه الرواية على تأخير القضاء مع التمكن منه ليتوهم الحرمة إما من جهة التواني و التهاون أو البناء على العدم، و انما أطلقت بالإضافة الى من استمر به المرض الذي لا يحتمل فيه الحرمة بوجه. قال (عليه السلام): (إذا مرض الرجل من رمضان الى رمضان ثمَّ صح فإنما عليه لكل يوم أفطره فدية طعام. إلخ).

و على الجملة لم يرد في شيء من الاخبار لفظ الفدية فضلا عن الكفارة ليستكشف منه الحرمة، و انما ورد لفظ الفدية في خصوص من استمر به المرض الذي لا إشكال في عدم الإثم و الحرمة حينئذ كما هو ظاهر.

هذا مع ان في جملة من روايات الإحرام ورد الأمر بالفدية في موارد لا يحتمل الحرمة كمن أمر بيده على لحيته فسقطت شعرة بغير اختياره، فإنه لا يكون حراما جزما.

و أما الأمر بالصدقة فقد ورد في صحيح ابن مسلم، و زرارة، و علي بن جعفر و لكنه أعم من ترك الواجب فلا يدل على الوجوب بوجه. بل ان هذا بنفسه واجب مستقل، فأي مانع من الالتزام بالتخيير بين أن يبادر فعلا الى الصوم و لا شيء عليه و بين أن يؤخر بشرط ان يتصدق، فلا يكشف الأمر بالصدقة عن وجوب المبادرة أو حرمة التأخير أبدا.

و على الجملة فليس في شيء من هذه الاخبار إشعار فضلا عن الدلالة على الوجوب، بل ان رواية سعد بن سعد دالة على عدم الوجوب صريحا، قال: سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثمَّ يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو

201

[مسألة 19 يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من الصوم]

(مسألة 19) يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من الصوم (1).

____________

أكثر ما عليه في ذلك؟ قال: (أحب له تعجيل الصيام فان كان أخره فليس عليه شيء) (1). و لكنها أيضا ضعيفة السند بالإرسال فلا يمكن الاستدلال بها.

و كيفما كان فيكفينا في عدم الوجوب عدم الدليل على الوجوب، و ليست المسألة إجماعية بحيث يقطع بقول المعصوم (عليه السلام) و انما استدل لها بما عرفت نعم رواية الفضل بن شاذان فيها دلالة على الوجوب لقوله (عليه السلام): (. لأنه دخل الشهر و هو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره و لا في سنته للمرض الذي كان فيه و وجب عليه الفداء. إلخ) دلت على وجوب الصوم في تلك السنة لدى عدم استمرار المرض و انه من أجل ترك الواجب أبدل بالفداء كما هو ظاهر. إلا أنها من أجل ضعف السند غير صالحة للاستدلال كما تقدم.

فتحصل ان الأظهر ما ذكره في المتن من عدم الدليل على حرمة التأخير. فالأقوى ان وجوب القضاء موسع و ان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه و اللّه سبحانه أعلم.

(1) على المعروف و المشهور في الجملة و ان وقع فيه الخلاف من بعض الجهات كتعيين الولي و انه الولد الأكبر أم غيره، و ان الميت هل يختص بالأب أو يعم الام، و ان الحكم هل يخص ما فاته لعذر أو يعم غيره.

و استقصاء الكلام يستدعي البحث في جهات:

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7.

202

..........

____________

الأولى في أصل الوجوب و قد عرفت انه المشهور و لكن نسب الخلاف الى ابن أبي عقيل فأنكره و أوجب التصدق عنه أما من ماله أو من مال الولي، و ادعى تواتر الأخبار به ناسبا القول بالقضاء الى الشذوذ.

و قد استغرب هذه الدعوى منه غير واحد نظرا الى عدم ورود رواية تدل على الصدقة ما عدا روايتين فكيف تنسب الى التواتر، استدل له بإحداهما العلامة في التذكرة، و بالأخرى غيره.

الأولى ما رواه في الفقيه عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: قلت له رجل مات و عليه صوم، يصام عنه أو يتصدق؟ قال: يتصدق عنه فإنه أفضل (1). و قد غفل صاحب الوسائل عن هذه الرواية فلم يذكرها في الباب المناسب (أعني باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان) و لا في غيره. و إنما تعرض لها في الحدائق بعد ان وصفها بالصحة. و كيفما كان فيمكن الخدش في الاستدلال بها سندا تارة و دلالة أخرى.

أما السند فبمناقشة كبروية غير مختصة بالمقام و هي ان الشيخ الصدوق (قده) ذكر في مشيخة الفقيه طريقه الى جملة ممن روى عنه في كتابه، منهم ابن بزيع المزبور فقال: «و ما كان فيه عن محمد بن إسماعيل بن بزيع فقد رويته عن محمد بن الحسن رضي اللّه عنه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، و طريقه اليه صحيح.

انما الكلام في ان هذه الطرق التي يذكرها إلى هؤلاء الرجال هل تختص بمن يروى بنفسه عنه مثل أن يقول روى محمد بن إسماعيل بن

____________

(1) الفقيه الجزء 3 باب النذور و الكفارات ص 236.

203

..........

____________

بزيع، أو روى عبد اللّه بن سنان، أو أنها تعم مطلق الرواية عنهم و لو لم يسند بنفسه تلك الرواية إلى الراوي، بل أسندها إلى رأو مجهول عنه مثل أن يقول روى بعض أصحابنا عن عبد اللّه بن سنان، أو روي عن ابن سنان و نحو ذلك مما لم يتضمن إسناده بنفسه الى ذلك الراوي. و المتيقن إرادته من تلك الطرق هو الأول. و أما شموله للثاني بحيث يعم ما لو عثر على رواية في كتاب عن شخص مجهول فعبر بقوله: روى بعض أصحابنا عن فلان، أو روي عن فلان فمشكل جدا، بل لا يبعد الجزم بالعدم، إذ لا يكاد يساعده التعبير في المشيخة بقوله: فقد رويته عن فلان كما لا يخفى. فهو ملحق بالمرسل.

و حيث ان روايتنا هذه مذكورة في الفقيه بصيغة المجهول حيث قال (قده): و روي عن محمد بن إسماعيل فهي غير مشمولة للطريق المذكور في المشيخة عنه، بل هي مرسلة تسقط عن درجة الاعتبار و ان عبر عنها صاحب الحدائق بالصحيحة حسبما عرفت.

و أما الدلالة فلأنه لم يفرض في الرواية ان القاضي عن الميت وليه أو ولده كي يكون السؤال عما يجب عليه بل ظاهره ان الميت رجل أجنبي، فالسؤال عن أمر استحبابي و هو التبرع عنه و ان أيا من التبرعين و العبادتين المستحبتين أفضل، هل الصيام عنه أو الصدقة؟ و لا شك ان الثاني أفضل كما نطقت به جملة من النصوص، فان التصدق عن الميت أفضل الخيرات و أحسن المبرات.

و على الجملة فالصوم المفروض في السؤال و ان كان واجبا على الميت إلا أنه مستحب عن المتبرع. فاذا دار الأمر بينه و بين الصدقة قدم الثاني. و أين هذا ممن كان واجبا عليه كالولي الذي هو محل الكلام.

204

..........

____________

فغاية ما تدل عليه هذه الرواية انه إذا دار الأمر في الإحسان إلى الميت بين تفريغ ذمته و بين الصدقة عنه و كل منهما مستحب على المحسن كانت الصدقة أفضل فكيف يكون هذا منافيا لما دل على القضاء على خصوص الولي.

الثانية: ما استدل به العلامة في التذكرة من صحيحة أبي مريم الأنصاري التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

(إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثمَّ لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه شيء (قضاء)، و ان صح ثمَّ مرض ثمَّ مات و كان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد و ان لم يكن له مال صام عنه وليه) (1). كذا في روايتي الكليني و الصدوق، و في رواية الشيخ:

«و ان لم يكن له مال تصدق عنه وليه». و هي من حيث السند صحيحة كما عرفت. فان في طريق الكليني و ان وقع معلى بن محمد و فيه كلام، الا أن الأظهر وثاقته لوقوعه في اسناد كامل الزيارات. على ان طريق الصدوق خال عن ذلك و فيه كفاية. فهي من جهة السند تامة، و قد دلت على أن الواجب انما هو التصدق بمال الميت ان كان و الا فبمال الولي. و كيفما كان فلا يجب القضاء عنه.

و أورد عليه في الجواهر (2) بابتناء الاستدلال على رواية الشيخ، و أما على رواية الكليني و الفقيه فكلا لدلالتها حينئذ على وجوب الصيام على الولي المطابق لمذهب المشهور. و لا ريب أن الكافي و الفقيه أضبط فتقدم روايتهما على رواية الشيخ لدي المعارضة. فتكون الرواية من أدلة المشهور، و لا تصلح سندا لابن أبي عقيل.

____________

(1) الوسائل باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2.

(2) ج 17 ص 36.